الحرب سجال:
المساجلة: أن تصنع مثل صنيع صاحبك من جري أو سقي. وأصله من السجل وهو الدلو فيها ماء قل أو كثر, ولا يقال لها وهي فارغة: سجل. قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب
وقال أبو سفيان يوم أحد بعدما وقعت الهزيمة على المسلمين: اعل هبل، اعل هبل، فقال عمر: يا رسول الله, ألا أجيبه؟ قال: "بلى يا عمر" , قال عمر: الله أعلى وأجل, فقال أبو سفيان: يابن الخطاب, إنه يوم الصمت، يوم بيوم بدر، وإن الأيام دول، وإن الحرب سجال. فقال عمر: ولا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار, فقال أبو سفيان: إنكم لتزعمون ذلك, لقد خبنا إذًا وخسرنا١.
أكلة الشيطان:
يضرب في كل شيء ذهب فلم يوجد له أثر. وأكلة الشيطان: حية في الجاهلية لا يقوم لها شيء تأتي البيت الحرام في كل حين, فتضرب بنفسها الأرض فلا يمر بها شيء إلا أهلكته٢.
قد صرحت بجلدان:
هو حمى قريب من الطائف لين مستوٍ، كالراحة، لا خمر فيه يتوارى به. يضرب للأمر الواضح البين الذي لا يخفى على أحد٣.
وجلدان بكسر أوله وإسكان ثانيه وبالدال المهملة على وزن فِعْلَان، وهي أرض سهلة؛ ولذلك قالوا: أسهل من جلدان. قال الشاعر:
ستشمظكم عن بطن وج سيوفنا ... ويصبح منكم بطن جلدان مقفرا٤
стр. 282
أعدى من الشنفرى:
خرج الشنفرى هو وتأبط شرا وعمرو بن براق فأغاروا على بجيلة فوجدوا لهم رصدا على الماء، فلما مالوا له في جوف الليل قال لهما تأبط شرا: إن بالماء رصدا، وإني لأسمع وجيب قلوب القوم، فقالا: ما نسمع شيئا وما هو إلا قلبك يجب. فوضع أيديهما على قلبه وقال: والله ما يجب وما كان وجابا، قالوا: فلا بد لنا من ورود الماء. فخرج الشنفرى فلما رآه الرصد عرفوه فتركوه حتى شرب من الماء ورجع إلى أصحابه فقال: والله ما بالماء أحد ولقد شربت من الحوض، فقال تأبط شرا للشنفرى: بلى ولكن القوم لا يريدونك وإنما يريدونني, ثم ذهب ابن براق فشرب ورجع ولم يعرضوا له فقال تأبط شرا للشنفرى: إذا أنا كرعت في الحوض فإن القوم سيشدون عليّ فيأسرونني, فاذهب كأنك تهرب ثم كن في أصل ذلك القرن, فإذا سمعتني أقول: خذوا خذوا فتعال فأطلقني. وقال لابن براق: إني سآمرك أن تستأسر للقوم فلا تنأ عنهم ولا تمكنهم من نفسك, تم مر تأبط شرا حتى ورد الماء فحين كرع في الحوض شدوا عليه، فأخذوه وكتفوه بوتر، وطار الشنفرى فأتى حيث أمره وانحاز ابن براق حيث يرون, فقال تأبط شرا: يا معشر بجيلة هل لكم في خير أن تياسرونا في الفداء ويستأسر لكم ابن براق؟ قالوا: نعم. فقال: ويلك يابن براق, أما الشنفرى فقد طار وهو يصطلي نار بني فلان وقد علمت ما بيننا وبين أهلك، فهل لك أن تستأسر ويأسرونا في الفداء؟ قال: لا والله حتى أروز نفسي شوطا أو شوطين, فجعل يستن نحو الجبل ويرجع حتى إذا رأوا أنه قد أعيا طمعوا فيه فأتبعوه, ونادى تأبط شرا: خذوا خذوا, فخالف الشنفرى إلى تأبط شرا فقطع وثاقه, فلما رآه ابن براق وقد خرج من وثاقه مال إلى عنده فناداهم تأبط شرا: يا معشر بجيلة أعجبكم عدو ابن براق, أما والله لأعدون لكم عدوا ينسيكم عدوه. ثم أحضروا ثلاثتهم فنجوا. فكل هؤلاء الثلاثة كانوا عدائين ولم يسر المثل إلا بالشنفرى١.
стр. 283
إن السبع مرتخص وغال:
قالوا: أول من قال ذلك أحيحة بن الجلاح الأوسي سيد يثرب، وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير العبسي أتاه وكان صديقا له لما وقع الشر بينه وبين بني عامر, وخرج إلى المدينة ليتجهز لقتالهم حيث قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة فقال قيس لأحيحة: يا أبا عمرو، نبئت أن عندك درعا فبعنيها أو هبها لي. فقال: يا أخا بني عبس ليس مثلي يبيع السلاح ولا يفضل عنه, ولولا أني أكره أن أستلئم إلى بني عامر لوهبتها لك ولحملتك على سوابق خيلي، ولكن اشترها بابن لبون فإن البيع مرتحض وغال، فأرسلها مثلا، فقال له قيس: وما تكره من استلامك إلى بني عامر؟ قال: كيف لا أكره ذلك وخالد بن جعفر الذي يقول١:
إذا ما أردت العز في دار يثرب ... فنادِ بصوت يا أحيحة تمنع
رأينا أبا عمرو أحيحة جاره ... يبيت قرير العين غير مروع
ومن يأته من خائف ينس خوفه ... ومن يأته من جائع البطن يشبع
فضائل كانت للجلاح قديمة ... وأكرم بفخر من خصالك أربع
كل الصيد في جوف الفرا:
قال ابن السكيت: الفرا: الحمار الوحشي وجمعه: فراء, وأصله أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين, فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا, والثالث حمارا, فاستبشر صاحب الأرنب، وصاحب الظبي بما نالاه وتطاولا عليه, فقال الثالث: "كل الصيد في جوف الفراء"، أي: هذا الذي رزقت وظفرت به يشتمل على ما عندكما, وذلك أنه ليس مما يصيده الناس أعظم من الحمار الوحشي, وقاله النبي " ﷺ " لأبي سفيان يتألفه. ويلوح لنا أن المثل قديم, ويضرب لمن يفضل على أقرانه٢.
стр. 284
إنما النشيد على المسرة:
قاله الشنفرى قبيل قتله. وذلك أن نفرا من بني سلامان الذين كان يغير عليهم فيمن تبعه من قبيلته فهم, حتى قتل منهم تسعة وتسعين رجلا، فكمنوا له واحتالوا عليه حتى أسروه وأدوه إلى أهلهم, وقالوا له: أنشدنا، فقال: "إنما النشيد على المسرة" فذهبت مثلا. ثم ضربوا يده فقطعوها, ثم قالوا له حين أرادوا قتله: أين نقبرك؟ فقال:
لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر
إذا احتملت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري
هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سجيس الليالي مبسلا بالجرائر١
أحمى من حجير الظعن:
هو ربيعة بن مكدم الكناني, ومن حديثه فيما ذكر أبو عبيدة أن نبيشة بن حبيب السلمي خرج غازيا فلقي ظعنا من كنانة بالكديد فأراد أن يحتويها, فمانعه ربيعة بن مكدم في فوارس وكان غلاما له ذؤابة. فشد عليه نبيشة فطعنه في عضده, فأتى ربيعة أمه وقال: شدي علي العصب أم سيار, فقد رزقت فارسا كالدينار, فقالت أمه:
إنا بني ربيعة بن مالك ... يرزأ في خيارنا كذلك
من بين مقتول وبين هالك
ثم عصبته فأسقاها ماء. فقالت: اذهب فقاتل القوم فإن الماء لا يفوتك, فرجع وكرّ على القوم فكشفهم ورجع إلى الظعن وقال: إني لمائت وسأحميكن ميتا كما حميتكن حيا بأن أقف بفرسي على العقبة وأتكئ على رمحي, فإن فاضت نفسي كان الرمح عمادي فالنجاء النجاء, فإني أرد بذلك وجوه القوم ساعة من النهار, فقطعن العقبة ووقف بإزاء القوم على فرسه متكئا على رمحه
стр. 285
ونزفه الدم, فغاظ والقوم بإزائه يحجمون عن الإقدام عليه, فلما طال وقوفه في مكانه ورأوه لا يزول عنه رموا فرسه فقمص وخرّ ربيعة لوجهه, فطلبوا الظعن فلم يلحقوهن، ثم إن حفص بن الأحنف الكناني مر بجيفة ربيعة فعرفها, فأمال عليها أحجارا من الحرة, وقال يبكيه:
لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
نفرت قلوصي من حجارة حرة ... بنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنه ... شراب خمر مسعر لحروب
لولا السفار وبعده من مهمه ... لتركتها تحبو على العرقوب
قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: ما نعلم قتيلا حمى ظعائن غير ربيعة بن مكدم١.
أشبه امرأ بعض بزه:
وهو مثل أرسله ذو الإصبع العدواني، وقصته أن ذا الإصبع بعد أن زوج بناته الأربع مكثن برهة ثم اجتمعن إليه، فقال للكبرى: يا بنية، ما مالكم؟ قالت: الإبل, قال: فكيف تجدونها؟ قالت: خير مال، نأكل لحومها مزعا ونشرب ألبانها جرعا، وتحملنا وضعيفنا، قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم الخليلة ويعطي الوسيلة٢، قال: مال عميم وزوج كريم. ثم قال للثانية: يا بنية ما مالكم؟ قالت: البقر، قال: فكيف تجدونها؟ قالت: خير مال، تألف الغناء, وتودك السقاء٣، وتملأ الإناء، ونساء في نساء، قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم أهله، وينسى فضله، قال: حظيت ورضيت. ثم قال للثالثة: ما مالكم؟ قالت: المعزى، قال: فكيف تجدونها؟ قالت: لا بأس بها, نولدها فطما ونسلخها أدما, قال: فكيف
стр. 286
تجدين زوجك؟ قالت: لا بأس به ليس بالبخيل الحكر١ ولا بالسمح البذر، قال: جدوى مغنية.
ثم قال للرابعة: يا بنية ما مالكم؟ قالت: الضأن, قال: وكيف تجدونها؟ قالت: شر مال، جوف٢ لا يشبعن، وهيم٣ لا ينقعن، وصم لا يسمعن٤, وأمر مغويتهن يتبعن، قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: شر زوج، يكرم نفسه ويهين عرسه، قال: "أشبه امرأ بعض بزه"٥. وفي رواية: "أشبه امرؤ بعض بزه" وأرسله مثلا.
أساء سمعا فأساء إجابة:
قال ذلك سهيل بن عمرو وقد خرج ذات يوم ومعه ابنه أنس, فأقبل ابن شريق الثقفي وقال لسهيل: من هذا؟ قال سهيل: هو ابني, فقال ابن شريق الثقفي: حياك الله يا فتى، فقال الفتى: لا والله ما أمي في البيت، إنها انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقا، فقال أبوه: أساء سمعا فأساء إجابة, فأرسلت مثلا.
стр. 287
الفصل الثاني: الخطب والوصايا
تمهيد:
الخطابة فن من فنون النثر، ولون من ألوانه، وهي فن مخاطبة الجمهور الذي يعتمد على الإقناع والاستمالة والتأثير، فهي كلام بليغ يلقى في جمع من الناس لإقناعهم برأي, أو استمالتهم إلى مبدأ، أو توجيههم إلى ما فيه الخير لهم في دنيا أو آخرة.
والخطابة ضرورية لكل أمة في سلمها وحربها؛ فهي أداة الدعوة إلى الرأي والتوجيه إلى الخير، ووسيلة الدعاة من الأنبياء والمرشدين, والزعماء والمصلحين، فهي ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية.
وإنما تقوى الخطابة ويرتفع صوتها في زمن الحرية، وفي ظلال الديمقراطية، حيث تستطيع الأمة أن تتنفس بآمالها ومشاعرها، وتنطلق من قيود الذل والظلم، إلى حيث تتكلم أفواهها بما تجيش به الخواطر، وتضطرم به النفوس، وتتجه إليه الآمال, ففي ظلال الحرية تتقارع الآراء، وتتصارع الأفكار، وتتنازع المبادئ، وتتنافس المذاهب، وتتعدد الخصومات، وفي ذلك كله غذاء للخطابة ومدد لها وداعٍ إليها.
والخطابة إما سياسية أو اجتماعية أو دينية، وقد ازدهرت في العصر الحديث الخطابة القضائية والبرلمانية. وفن الخطابة قديم وُجد في الأمم القديمة كقدماء المصريين واليونان والرومان.
وكان للخطابة شأن عظيم في العصر الجاهلي، وكان للخطيب مركز ممتاز لا يقل عن مركز الشاعر، حتى إن أبا عمرو بن العلاء يقول: إن الخطيب في الجاهلية كان فوق الشاعر١.
стр. 288
ولا بدع، فنحن نعلم أن العرب كانوا قبائل متناحرة متنازعة، تقتتل لأوهى الأسباب وأتفه الأمور، ومن أبرز شمائلهم: العزة والأنفة, والنفور من العار وحماية الجار والحرص على الأخذ بالثأر, والمباهاة بالعصبية والمفاخرة بالنسب, والتشدق بالبيان. فالخطابة إذًا ضرورة من ضروراتهم وحاجة من حاجاتهم, يتخذونها في السلم أداة للمفاخرة والمنافرة ويصطنعونها في الحرب لتثبيت الجنان وتحميس الجبان، وبعث الحمية في النفوس, وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف.
ولهذا علت منزلة الخطيب, وراح الشعراء يفتخرون بالخطابة, ويتغنون بها فيما يتغنون به من المفاخر.
وقد زادها رفعة أنها كانت لسان الأشراف والرؤساء والنابهين من القبائل، يفضلونها على الشعر الذي غض منه امتهان الشعراء له بالتكسب والارتزاق.
فازدهار الخطابة إذًا في الجاهلية يرجع إلى الحرية التي لا يحدها سلطان ولا تقيدها حكومة، وإلى القتال الدائم بين القبائل وما يتطلبه من تحميس أو حض على ثأر، وإلى حب المفاخرة المتأصل في العرب، وإلى تأصل ملكة البيان فيهم، وقدرتهم على التصرف في وجوه القول وتشقيق الكلام، وإلى ابتذال الشعر آخر الأمر بالتكسب واختصاص الرؤساء والزعماء بها.
وهكذا كانت موضوعاتها تدور حول الحث على القتال والأخذ بالثأر، والدعوة إلى الصلح بالتنفير من الحرب وويلاتها، والمفاخرة بالمكارم والعصبيات، والسفارة بين القبائل العربية، أو بينها وبين جيرانها في: التعازي والتهاني والاستنجاد وتأمين السبل وحراسة التجارة. وكان من موضوعاتها خطب النكاح، كما كانت تتناول الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده، والتبشير برسوله كما سنرى في خطب دعاة التوحيد مثل: قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي، والمأمور الحارثي.
والخطب الجاهلية قصيرة بوجه عام، وفي الغالب؛ ولعل ذلك راجع إلى إيثار الإيجاز ورغبتهم في حفظها وانتشارها. قيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها, فقيل له: وهل كانت توجز؟ فقال: نعم ليحفظ عنها, ولكل مقام.
стр. 289
أما الخطيب فكانوا يشترطون فيه السيادة في القوم، والكرم في الخلق، والعمل بما يقول، ولا بد أن يكون جهير الصوت، رابط الجأش، ثابت الجنان، قوي الحجة، فصيح اللسان، قليل الحركة، حسن السمت، جميل المظهر. وكان من عادته أن يقف على نشز١ مرتفع معتجرا بعمامته، قابضا بيده على سيف أو عصا؛ وذلك كله للتأثير بإظهار الملامح، وإبعاد مدى الصوت. ومنهم من كان يمسك العصا في السلم والقوس في الحرب.
ويظهر أنهم كانوا يرتجلون القول ارتجالا, بلا معاناة ولا مكابدة. وإنما يصرفون الهمم إلى الغرض؛ فتأتي المعاني متدفقة، وتنثال الألفاظ انثيالا، كما يقول الجاحظ٢. ويشيع في الخطابة الجاهلية السجع، وقصد التجويد والتحبير. والمأثور من خطب الجاهليين قليل, أقل من الشعر المروي عنهم، والسبب في ذلك صعوبة حفظ النثر بعدم تقيده بوزن أو قافية، وسرعة نسيانه، وعدم تدوينه؛ لأميتهم وغير ذلك، مما أدى إلى ضياع الكثير من الخطب, واختلاف الرواية فيما بقي منها بطول العهد وتناقل الرواة.
دفاع عن الخطابة الحجازية:
يقول الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي: "كان في العرب قبل الإسلام خطباء، ولكني لا أتردد في أن خطابتهم لم تكن شيئا ذا غناء، وإنما الخطابة العربية فن إسلامي خالص؛ وذلك أن الخطابة ليست من هذه الفنون الطبيعية التي تصدر عن الشعوب عفوا, يغنى بها الأفراد لنفسها، وإنما هي ظاهرة اجتماعية ملائمة لنوع خاص من الحياة، وكل الحياة الاجتماعية للعرب قبل الإسلام لم تكن تدعو إلى خطابة قوية ممتازة، فالحواضر كانت حواضر تجارة ومال واقتصاد, ولم
стр. 290
يكن للحياة السياسية فيها خطر يذكر, ولم تكن لهم حياة دينية قوية تحتاج إلى إلقاء الخطب كما تعود النصارى والمسلمون. وأهل البادية كانوا في حرب وغزو وخصومات، وهذا يدعو إلى الحوار والجدال لا إلى الخطابة، فالخطابة تحتاج إلى الاستقرار والثبات والاطمئنان إلى الحياة المدنية المعقدة، وأنت لا ترى عند اليونان خطابة أيام الملوك ولا أيام البداوة ولا أيام الطغيان، وإنما الخطابة اليونانية ظاهرة ملازمة للحياة السياسية العامة ولم يعرف الرومان الخطابة أيام البداوة ولا أيام الملوك ولا أيام الجمهورية الأرستقراطية، وإنما عرفوها حين تعقدت حياتهم السياسية وظهرت فيهم الخصومات الحزبية، ولم تظهر الخطابة في أوروبا إلا في العصر الديمقراطي حين نضجت الحياة السياسية واشتركت فيها الشعوب ... فلا تصدق إذًا أنه قد كانت للعرب في الجاهلية خطابة ممتازة, إنما استحدثت الخطابة في الإسلام؛ استحدثها النبي والخلفاء، وقويت حين ظهرت الخصومة السياسية الحزبية بين المسلمين"١.
ولسنا نوافق الدكتور طه حسين على هذا التهوين من شأن الخطابة الجاهلية:
١- فقد علمنا أن الأمة العربية أمة حربية, توفرت لديها دواعي الخطابة من الأنفة من العار، والأخذ بالثأر، والتفاخر بالأنساب، وكانت لها أيام حربية ووقائع لا تنتهي دعت إليها حياتهم وطبيعة بيئتهم وبداوتهم، وهذه المقامات تستدعي الخطابة وتجعلها قوية مزدهرة. ولقد كانوا يتنازعون السلطة في الرفادة والحجابة وغيرهما. وكان اتصالهم السياسي بالأمم المجاورة كالفرس والروم مدعاة إلى هذه الحروب والأيام المشهورة التي كان صوت الخطابة فيها قويا بجانب الشعر.
٢- ومع هذه النهضة السياسية كانوا على جانب من الحضارة اكتسبوه من اليمن وهذه الأمم المجاورة التي اتصلوا بها واشتبكوا معها في الحروب. فقد تهيأ لهم ما ينكره الدكتور طه من الحضارة والتنازع السياسي والديني.
٣- على أنه لا يعقل أن تظفر الخطابة، من ضعفها الذي يدعيه، إلى هذه
стр. 291
القوة العظيمة التي يعترف بها هو في صدر الإسلام، وإلا فكيف تكون شيئا مذكورا من شيء لا غناء فيه؟!
٤- ولقد اتفق علماء الأدب الأقدمون على قوة الخطابة الجاهلية وازدهارها. وهذا هو الجاحظ يصف الخطباء الجاهليين وحركاتهم ومواقفهم وأزياءهم ومزاياهم، ويروي في ذلك الكثير من الأشعار التي يستشهد بها, فكيف يشيد الجاحظ وأمثاله بشيء لا غناء فيه؟!
كل ذلك يدلنا على أن الخطابة بلغت من الرقي مبلغا عظيما قبل الإسلام، وخاصة في الحجاز.
خصائص الخطابة الحجازية:
تمتاز الخطابة الحجازية بأن ألفاظها كانت تأتي كثيرا سهلة جميلة واضحة, كما ترى في خطب أبي طالب وما شابهها.
ولم يكن الجاهليون يتأنقون في اختيار اللفظ ذي النغمة المتشابهة أو الجرس المتآلف، وكانوا لا يقصدون إلى المحسنات البديعية أو يتعمدونها، ويقل الترادف في نثرهم؛ إذ كانوا يؤثرون الإيجاز في كلامهم.
وتمتاز هذه الخطب أيضا بوضوح المعاني وقربها وصدقها، كما رأينا؛ لأنها تمثل حياتهم البسيطة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا التواء، فهم لا يبالغون ولا يهولون، وإنما يعبرون عما يشعرون به في بساطة ودون تكلف، فمتى فهم اللفظ اتضح معناه دون معاناة في فهمه.
ويغلب على الخطب الحجازية السجع كما في خطب هاشم وعبد المطلب, وأحيانا تجيء مرسلة أو مترددة بين الإرسال والازدواج أو السجع كما ترى في خطبة أبي طالب: "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ... إلخ".
ويشيع في النثر الحجازي بألوانه قصر الجمل، والإيجاز، وإيثار الكتابة الغريبة على التصريح، وتكثر فيه الحكم والأمثال كما رأينا في معظمها، وقد تأتي الخطبة كلها حكما وأمثالا.
стр. 292
ونلاحظ على الخطب الحجازية الجاهلية ضعف الربط وعدم التماسك بين الجمل، وعدم وحدة الموضوع في بعض الأحيان كما كان أيضا في الوصايا؛ ولعل ذلك راجع إلى الارتجال الذي تقسم به حياتهم، وإلى كثرة الحكم والأمثال التي تشيع في خطبهم، والتي لا يمكن الربط بينها، فإننا لو قدمنا بعضها وأخرنا البعض لم يختل المعنى ولا نظام الخطبة.
وأخيرا, تتسم الخطب الحجازية الجاهلية بقوة التأثير وحرارة العاطفة, وبالإشراق والبيان والعذوبة والبلاغة والحكمة، وبالحض على الخير, وعلى عمل المعروف.
أشهر الخطباء الحجازيين في العصر الجاهلي:
١- كعب بن لؤي القرشي ١:
من أجداد رسول الله -صلوات الله عليه- وأحد خطباء العرب المشهورين، وكان أبوه لؤي كذلك من خطباء العرب٢، وكعب في الذروة من المجد والسيادة في قريش ومكة والحجاز، بل والعرب عامة، وكان على الحنيفية البيضاء دين إبراهيم وإسماعيل.
وكانت قريش تجتمع عليه كل جمعة، فيخطبهم خطبة، يأمرهم فيها بالإطاعة والفهم والتعلم والتفكر في خلق السموات والأرض، والاعتبار بأحداث التاريخ وعظاته، ويحضهم على صلة الرحم، وإفشاء السلام، وحفظ العهد، والتصدق على الفقراء والأيتام، ويذكرهم بالموت واليوم الموعود، ويبشرهم بمبعث رسول قد قرب زمانه، وأنه سيكون من ولده، ويحثهم على اتباعه إن أدركوه، وأنه يخرج من بيت الله الحرام، ويقول الجاحظ فيه: كان يخطب
стр. 293
العرب عامة، ويحض كنانة خاصة على البر، فلما مات أكبروا وفاته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموته إلى عام الفيل١.
٢- هاشم بن عبد مناف القرشي:
سيد قريش والحجاز والعرب عامة، ملك بعد أبيه الرفادة والسقاية وصارت له السيادة على مكة، وكان يحمل ابن السبيل، ويؤدي الحقوق، وضرب بسخائه المثل، وهو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وكان يصنع الطعام لحجاج بيت الله، ويسمى ذلك "الرفادة". ويروى أنه كان إذا أهلّ هلال ذي الحجة، قام في الصباح فأسند ظهره إلى الكعبة وخطب العرب وقريشا. ومن خطبه هذه الخطبة الشريفة:
يا معشر قريش:
إنكم سادة العرب، أحسنها وجوها، وأعظمها أحلاما، وأوسط العرب أنسابا، وأقرب العرب بالعرب أرحاما٢.
يا معشر قريش:
إنكم جيران بيت الله، أكرمكم الله بولايته، وخصكم بجواره دون بني إسماعيل، وإنه يأتيكم زوار الله يعظمون بيته، فهم أضيافه، وأحق من أكرم أضياف الله أنتم، فأكرموا ضيفه وزواره؛ فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر٣ كالقداح، فأكرموا ضيفه وزوار بيته، فورب هذه البنية٤ لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرج من طيب مالي وحلالي ما لم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله
стр. 294
لكرامة زوار بيت الله وتقويتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما، ولم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ غصبا.
فكانوا يجتهدون في ذلك، ويخرجون من أموالهم، فيضعونه في دار الندوة.
٣- عبد المطلب بن هاشم القرشي:
جد الرسول، ومن حكام قريش وأشرافها وسادتها، وكان يسمى "شيبة الحمد" لكثرة حمد الناس له؛ إذ كان مفزع قريش في الخطوب، وملاذها في النائبات، وملجأها في المعضلات، وكان كذلك يدعى "الفياض" لجوده.
وكان من حلماء قريش وحكمائهم وفصحائهم وخطبائهم، حرم على نفسه الخمر في الجاهلية، وكان يتلألأ النور في وجهه، وتلوح سمات الخير والمجد والسيادة في أساريره، وكان يأمر ولده بترك البغي والظلم، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن سفاسف الأمور، وكان يقول في وصاياه: من يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة، وكان يقول: والله إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب فيها المسيء بإساءته.
وكان مجاب الدعاء، وهو أول من تعبَّد بحراء، وكان يعبد الله على الحنيفية، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت قريش تستسقي به عندما يصيب الناس قحط، وكان إذا رأى هلال رمضان صعد إلى حراء يُطعِم المساكين.
وقد ورث عبد المطلب السقاية والرفادة والرياسة عن أبيه، وعقد المعاهدات مع ملوك الشام وأقيال حمير باليمن وصارت رحلته إليهما، وهو الذي حفر بئر زمزم، ووضع الحجر في الركن.
وكان مهيب الجانب، مرهوب الكلمة، سيدا عظيم القدر، مطاع الأمر، نجيب النسل، مر به أعرابي وهو جالس في الحجر، وأبناؤه حوله كالأسد، فقال: إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء، فأنشأ الله تعالى لهم بالنبوة دولة عرضها المشرق والمغرب.
وقد رفض عبد المطلب عبادة الأصنام، ووحَّد الله، وأوصى بالوفاء بالنذر
стр. 295
ونهى عن نكاح المحارم، وقطع يد السارق، ونهى عن قتل الموءودة، وحرم الخمر والزنا، ونهى أن يطوف إنسان بالبيت وهو عريان. ومن خطبه خطبته عند سيف بن ذي يزن؛ روي أنه لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، وأجلاهم عن اليمن أتته وفود العرب للتهنئة، وكان فيهم وفد من قريش، وسيدهم هو عبد المطلب بن هاشم, فلما مثلوا بين يديه قال عبد المطلب:
إن الله تعالى -أيها الملك- أحلَّك محلا رفيعا، صعبا منيعا، باذخا شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، ونبل أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب، وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه، نحن -أيها الملك- أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا بكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
٤- أبو طالب بن هاشم بن عبد مناف ١:
عم الرسول وكافله بعد عبد المطلب، وراعيه وحاميه، ولد قبل مولد الرسول بخمس وثلاثين سنة، وتوفي في النصف من شوال في السنة العاشرة من البعثة, عن أكثر من خمس وثمانين سنة.
وكان من حكام قريش، ونصر رسول الله وآزره حين قام بالدعوة، وهو الذي مزَّق صحيفة قريش التي علقوها على الكعبة بمقاطعة بني هاشم، فزادهم ذلك بغيا وعدوانا، فقال أبو طالب: يا معشر قريش, علام نحصر ونحبس، وقد بان الأمر، وتبين أنكم أهل الظلم والقطيعة؟! ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة وهو يقول: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستحل ما يحرم عليه منا.
стр. 296
ولما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش وأوصاهم باتباع محمد، وستأتي هذه الوصية فيما بعد، وله خطبة مأثورة رُويت له عند خطبته خديجة لابن أخيه محمد بن عبد الله.
خطباء مشهورون:
ومن خطباء العرب عامة ومشهوريهم: قس، وأكثم, وكان قس يقيم في الحجاز وكان أكثم يتردد كثيرا عليه.
١- أما قس بن ساعدة الإيادي:
فقد كان من حكماء العرب, وأعقل من سمع به منهم، وأول من كتب: من فلان إلى فلان، وأول من أقر بالبعث عن غير علم، وأول من قال: أما بعد، وأول من قال: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وقد عمر ثمانين ومائة سنة١، ولما قدم وفد إياد على النبي ﷺ وفرغ من حوائجهم قال: "هل فيكم من يعرف قس بن ساعدة"؟ قالوا: كلنا نعرفه، قال: "فما فعل"؟ قالوا: هلك, فقال: "كأني به على جمل أحمر قائما يقول:
أيها الناس، اجتمعوا واستمعوا وعوا، كان من عاش مات، وكل من مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. مهاد موضوع، وسقف مرفوع، وبحار تموج، وتجارة تروج، وليل داجٍ، وسماء ذات أبراج، أقسم قس حقا: لئن كان في الأرض رضا، ليكونن بعد سخط، وإن لله -عزت قدرته- دينا، هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟! ".
ثم ساق أبو بكر ﵁ شعره في هذه الخطبة، وهو مشهور،
стр. 297
وقد رويت هذه الخطبة بروايات أخرى في صبح الأعشى، والبيان والتبيين، والأغاني, وغيرها، وفي بعض هذه الروايات: أن الرسول سأل: "من يحفظها منكم؟ " فرواها بعضهم له.
٢- وأما أكثم بن صيفي التميمي:
فهو وإن كان ليس من القبائل الحجازية، لكنه تردد على الحجاز كما استفاضت الروايات بذلك، وطارت شهرته وصار يعد حكيم العرب عامة كما كان من أبلغ حكماء العرب، وأعرفها بأنسابها، وأكثرها ضرب أمثال، وإصابة رأي، وقوة حجة، وكان خطيبا مفوَّها، وحَكَما موفقا، رفيع المكانة في قومه، يعد من أشرافهم ومن كبار المحكمين فيهم، وقلّ من جاراه من خطباء عصره في معرفة الأنساب، وضرب الأمثال، والاهتداء لحل المشكلات, والسداد في الرأي, وهو زعيم الخطباء المصاقع١ الذين أوفدهم النعمان على كسرى وكلهم خطباء بلغاء، ولسن مقاول، ولقد بلغ من إعجاب كسرى به أنه قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى.
وقد عاش في الجاهلية, وعمر طويلا حتى أدرك مبعث النبي ﷺ وجمع قومه وحثّهم على الإيمان به.
وكان قليل المجاز, حسن الإيجاز، حلو الألفاظ, دقيق المعاني، مولعا بالأمثال، لا يلتزم السجع، يميل إلى الإقناع بالبرهان، ويعتمد في خطابته على قوة تأثيره وشدة عارضته٢ لا على المبالغة والتهويل, فهو في وصاياه وخطبه وحكمه قوي الأسلوب, بليغ الأداء, عميق الفكرة, دقيق المعنى, مشرق الديباجة, محكم النسج.
ومن صور خطابته ما يروى عنه أنه قال من خطبته أمام كسرى:
إن أفضل الأشياء أعاليها, وأعلى الرجال ملوكهم, وأفضل الملوك أعمها نفعا،
стр. 298
وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة, والكذب مهواة, والشر لجاجة١، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء٢. آفة الرأي الهوى, والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر، وحسن الظن ورطة٣، وسوء الظن عصمة. إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان كالغاصّ٤ بالماء. شر البلاد بلاد لا أمير بها، وشر الملوك من خافه البريء. الصمت حكم٥ وقليل فاعله.
ومن وصية لأكثم بن صيفي:
تباروا فإن البر يبقى عليه العدد، وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه. إن قول الحق لم يدع لي صديقا، الصدق منجاة، لا ينفع التوقي مما هو واقع، في طلب المعالي يكون العناء، الاقتصاد في السعي أبقى للجمام، أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ذنبه، لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله، يتشابه الأمر إذا أقبل، وإذا أدبر عرفه الكيس والأحمق، البطر عند الرخاء حمق، والعجز عند البلاء أمن، لا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير، لا تجيبوا فيما لا تسألون عنه، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه، حيلة من لا حيلة له الصبر، إن تعش تر ما لم تره، المكثار كحاطب ليل، من أكثر أسقط، لا تجعلوا سرا إلى أمة٦.
وعزى أكثم ملك العرب عمرو بن هند عن أخيه فقال: أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفر، لا يحلون عقد الترحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك
стр. 299
ويدعك، إن الدنيا ثلاثة أيام: فأمس عظة وشاهد وعدل، فجعك بنفسه، وأبقى لك وعليك حكمه، واليوم غنيمة وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا تدري من أهله؟ وسيأتيك إن وجدك، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر، وقد مضت أصول نحن فروعها, فما بقاء الفروع بعد أصولها!
وقد أدرك أكثم بعثة الرسول، وبعث ابنه حبيشا ليأتيه بخبره، فلما رجع جمعهم وخطبهم قائلا, كما في الجزء الثاني من مجمع الأمثال١: يا بني تميم، لا تحضروني سفيها، فإنه من يسمع يخل٢، إن السفيه يوهن من فوقه، ويثبط من دونه، لا خير فيمن لا عقل له، كبرت سني، ودخلتني ذلة، فإذا رأيتم مني حسنا فاقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم، إن ابني شافه هذا الرجل مشافهة، وأتاني بخبره وكتابه، يأمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأخذ فيه بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، وخلع الأوثان، وترك الحلف بالنيران، وقد عرف ذَوُو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه، وأن الرأي ترك ما ينهى عنه. إن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقا فهو لكم دون الناس، وإن
стр. 300
يكن باطلا، كنتم أحق الناس بالكف عنه، وبالستر عليه، وقد كان أسقف١ نجران يحدث بصفته، وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبله، وسمى ابنه محمدا، فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخرا، ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين, إن الذي يدعو إليه محمد، لو لم يكن دينا، كان في أخلاق الناس حسنا، أطيعوني واتبعوا أمري، أسأل لكم أشياء لا تنزع منكم أبدا، وأصبحتم أعز حي في العرب، وأكثرهم عددا، وأوسعهم دارا، فإني أرى أمرا لا يجتنبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليل إلا عز.
إن الأول لم يدع للآخر شيئا, وهذا له ما بعده، من سبق إليه غمر٢ المعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاختلاف عجز.
فقال مالك بن نويرة٣: قد خرف شيخكم، فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي "انظر في ضبط الكلمتين وتصريفهما التاج وأمثال أبي هلال" والهفي على أمر لم أشهده، ولم يسعني! مجمع الأمثال ٢/ ٢١٧.
وأوصى أكثم بن صيفي قومه, فقال:
يا بني تميم، لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي، إن بين حيزومي٤ وصدري لكلاما، لا أجد له إلا أسماعكم، ولا مقار إلا قلوبكم، فتلقوه بأسماع مصغية، وقلوب داعية، تحمدوا مغبته.
الهوى يقظان، والعقل راقد، والشهوات مطلقة، والحزم معقول، والنفس مهملة، والروية٥ مقيدة، وإن جهل التواني وترك الروية يتلف الحزم، ولن يعدم المشاور مرشدا، والمستبد برأيه موقوف على مداحض٦ الزلل،
стр. 301
ومن سمع١ سمع به، ومصارع الرجال تحت بروق الطمع، ولو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت إلا مقاتل٢ الكرام, وعلى الاعتبار طريق الرشاد، ومن سلك الجدد٣ أمن العثار, ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه, ويشغل فكره، ويؤرث٤ غيظه، ولا تجاوز مضرته نفسه.
يا بني تميم، الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندامة، ومن جعل عرضه دون ماله استهدف٥ للذم، وكلم اللسان أنكى من كلم السنان، والكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم، فإذا نجمت، فهي أسد محرب٦, أو نار تلهب، ورأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز، ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب٧.
الوصايا:
الوصايا جمع وصية, والوصية ما توجهه إلى إنسان أثير لديك من ثمرة تجربة وحكمة أو إرشاد وتوجيه, فهي بمعنى النصيحة.
والوصية لون من ألوان الخطابة, قاصر على الأهل والأقارب والأصدقاء، والفرق بينهما أن الوصية تكون من المرأة لابنتها، ومن الرجل لقومه أو أبنائه عند الارتحال أو الشعور بدنوّ الأجل أو نحو ذلك. والخطابة تكون في المشاهد والمجامع العامة والحروب والمعارك وفي المفاخرة والمنافرة، وفي الوفادة على ملك أو أمير، وفي المواسم والحوادث الجِسَام.
стр. 302
والوصايا كثيرة في النثر الجاهلي وخاصة الحجازي. وتمتاز بجمالها وتناسب جملها وأساليبها, وبرقتها وروعتها, وما يشيع فيها من حكمة، وصدق تعبير، ونفاذ فكر، وبعد نظر؛ لأنها لا تصدر إلا من حكيم مجرب، أو كبير عرك الحياة وعركته الحياة. وربما كانت الوصية في الأدب الحجازي مزيجا من الشعر والنثر كما في وصية ذي الإصبع العدواني التي سنذكرها فيما بعد.
وإليك طائفة من وصايا الحجازيين في الجاهلية:
١- وصية أبي طالب لقريش, حين حضرته الوفاة:
يا معشر قريش: أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم إلب١، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية -الكعبة- فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش، وثباتا للوطء, صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة٢ في الأجل، وزيادة في العدد، اتركوا البغي والعقوق ففيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة؛ فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام.
وإني أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان٣, وأنكره اللسان؛ مخافة الشنآن. وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا
стр. 303
أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له بلادها، وأعطته قيادها. يا معشر قريش: كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ بهديه أحد إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي١.
٢- وصية ذي الإصبع العدواني:
لما احتضر ذو الإصبع، دعا ابنه أسيدا فقال له: يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عني: الي جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا، فبذلك يتم سؤددك، ثم أنشأ يقول:
أأسيد إن مالا ملكـ ... ـت فسر به سيرا جميلا
آخ الكرام إن استطعـ ... ـت إلى إخائهم سبيلا
واشرب بكأسهم وإن ... شربوا به السم الثميلا
أهن اللئام ولا تكن ... لإخائهم جملا ذلولا
إن الكرام إذا تؤا ... خيهم وجدت لهم فضولا
ودع الذي يعد العشير ... ة أن يسيل ولن يسيلا
ابني إن المال لا ... يبكي إذا فقد البخيلا
أأسيد إن أزمعت من ... بلد إلى بلد رحيلا
стр. 304
فاحفظ وإن شحط المزا ... ر أخا أخيك أو الزميلا
واركب بنفسك إن هممـ ... ـت بها الحزونة والسهولا
وصل الكرام وكن لمن ... ترجو مودته وصولا١
ومن أمثلة الوصايا الحجازية: وصية أوس بن حارثة لابنه مالك، وقد رواها صاحب الأمالي، وهي مشهورة٢.
стр. 305
الفصل الثالث: المحاورات والمفاخرات والمنافرات وسجع الكهان
المحاورة هي التحاور والتراجع في الكلام والحديث, وهي من ضرورات الاجتماع والحياة.
وكان العرب كثيري المحاورة؛ لكثرة خصوماتهم ومفاخراتهم وتنازعهم على الشرف وما سواه.
وتشمل المحاورات: المنافرة، والمفاخرة، ونحوهما من الجدال في مختلف شئون الحياة والمعرفة. فالمفاخرة مصدر: فاخر, وهي تفاخر القوم بعضهم على بعض، وكانوا يفاخرون بالحسب والشرف والأخلاق الكريمة والعزة والثروة وكثرة العدد.
والمنافرة هي المحاكمة في المفاخرة, وأصلها من قولهم: أينا أعز نفرا، فهي التحاكم إلى المحكمين؛ ليفصلوا بينهم، ويقضوا بالشرف لأحدهم.
ومن أمثلة المحاورة: ما جرى بين هند وأبيها عتبة بن ربيعة في زواجها قبل أن يزوجها من أبي سفيان بن حرب١.
ومن أمثلة المحاورات كذلك: محاورة عامر بن الظرب العدواني وحممة بن رافع, وكذلك قول ضمرة بن ضمرة المشهور بالمعيدي للنعمان، جوابا على قوله له: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه": مهلا أيها الملك، إن الرجال لا يكالون بالصيعان وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن قاتل قاتل بجنان، وإن نطق نطق ببيان، فقال: صدقت لله درك!! هل لك علم بالأمور والولوج فيها؟ قال: والله إني لأبرم منها
стр. 306
المسحول١، وأنقض منها المفتول، وأحيلها حتى تحول، وليس للأمور بصاحب، من لم ينظر في العواقب، قال: صدقت، لله درك!! فأخبرني: ما العجز الظاهر، والفقر الحاضر، والداء العياء٢، والسوءة السوءاء؟ قال: أما العجز الظاهر، فالشاب القليل الحيلة، الملازم للحليلة، الذي يحوم حولها، ويسمع قولها، إن غضبت ترضَّاها، وإن رضيت تفدَّاها. وأما الفقر الحاضر, فالمرء لا تشبع نفسه، وإن كان من ذهب حلسه. وأما الداء العياء، فجار السوء إن كان فوقك قهرك، وإن كان دونك همزك، وإن أعطيته كفرك، وإن منعته شتمك، فإذا كان ذلك جارك، فأخلِ له دارك، وعجل منه فرارك، وإلا فأقم بذل وصغار، وكن ككلب هرار. وأما السوءة، فالحيلة الصخابة٣, الخفيفة الوثابة، السليطة٤ العيابة، التي تعجب من غير عجب، وتغضب من غير غضب، الظاهر عيبها، المخوف غيبها، فزوجها لا يصلح له حال، ولا ينعم له بال، إن كان غنيا لا ينفعه غناء، وإن كان فقيرا أبدت له قلاه، فأراح الله منها بعلها، ولا متع الله بها أهلها.
ومن أمثلة المفاخرة: ما وقع -على ما قيل- من بعض سادة العرب بين يدي كسرى، وقد قال لهم: ليتكلم كل رجل منكم بمآثر قومه، وليصدقن، وكان حذيفة بن بدر أول متكلم، فقال: قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم، والعز الأعظم, ومآثر للصنيع الأكرم. فقال من حوله: ولم ذاك يا أخا فزارة؟ قال: ألسنا الدعائم التي لا ترام، والعز الذي لا يضام؟ قيل له: صدقت.
ثم قام الأشعث بن قيس، فقال:
"لقد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكبر، وزحفها الأكبر, وأنا غياث اللزبات٥. فقالوا: لم يا أخا كندة؟ قال: لأنا ورثنا ملك كندة, فاستظللنا بأفيائه، وتقلدنا منكبه الأعظم، وتوسطنا بحبوحه٦ الأكرم".
стр. 307
ثم قام بسطام بن قيس، فقال:
"قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول، ومغرس عزها الذي لا يحول.
قالوا: ولم يا أخا شيبان؟ قال: لأنا أدركهم للثار، وأضربهم للملك الجبار، وأقولهم للحق، وألدهم للخصم.
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي، فقال: قد علمت العرب أنا فرع دعامتها وقادة زحفها. قالوا: ولم ذاك يا أخا بني تميم؟ قال: لأنا أكثر الناس عديدا، وأنجبهم طرا وليدا، وأعطاهم للجزيل، وأحملهم للثقيل".
ثم قام قيس بن عاصم، وقال:
"لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم، وأثبتهم في النائبات مقادم١. قالوا: ولم ذاك يا أخا بني سعد؟ قال: لأنا أدركهم للثار، وأمنعهم للجار، وأنا لا ننكل إذا حملنا، ولا نرام إذا حللنا".
يروى أن الأوس والخزرج تفاخرتا؛ فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة، حنظلة بن الراهب، ولنا عاصم بن الأفلح الذي حمت لحمه الدبر، ومنا ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ. فقالت الخزرج: منا أربعة قرءوا القرآن على عهد رسول الله, لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبي بن جبل، وأبي بن كعب، ومنا الذي أيده الله بروح القدس في شعره, حسان بن ثابت٢.
ومن أمثلة المنافرات، وأشهرها: منافرة٣ عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريين, وقد تنازعا الرياسة، ومنافرة هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس.
стр. 308
منافرة هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس:
لما تولى هاشم أمر مكة بعد أبيه، وساد قومه بما كان عليه من محاسن الأخلاق، وجليل الشيم، وكمال الشجاعة، وروعة الكلام، وغاية الفصاحة، وسوى ذلك من المآثر والمفاخر الجليلة، حسده ابن أخيه أمية بن عبد شمس بن عبد مناف؛ عجزا عن اللحاق به وعن مباراته في صنيعه وفي شيمه، ونشبت العداوة بين أمية وهاشم وأراد منافرته، فكره ذلك هاشم لنسبه وقدره، فلم تدعه في قريش حتى نافره إلى الكاهن الخزاعي في خمس نوق سود الحدق ينحرها ببطن مكة, والجلاء عن مكة عشر سنين، فخرج كل منهما في نفر، ونزلوا على الكاهن، فقال قبل أن يخبروه خبرهم: والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر.
فنفر الخزاعي هاشما، وقال لأمية: تنافر رجلا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأحسن منك وسامة، وأقل منك لأمة، وأكثر منك ولدا، وأجزل منك صفدا؟!
فقال أمية: من انتكاث الزمان أن جعلناك حكما، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضرها, وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين.
ومنافرة قريش وخزاعة إلى هاشم وخطبة هاشم في هذا١، وكذلك منافرة عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة العامريين، مشهورتان في كتب الأدب.
سجع الكهان:
وينبغي أن نشير إلى لون آخر من ألوان النثر الجاهلي، ونعني به ذلك السجع الذي كان الكهان يلتزمونه، ويحتشدون له، ويؤثرونه على كل أسلوب، ويتكلفون فيه؛ للتأثير على الناس، وللتعمية في الجواب.
والكهانة هي الإخبار عن الأمور المغيبة ماضية كانت أو مستقبلة, وكان
стр. 309
في العرب كهان، لهم فيهم اعتقاد ... ومن أشهرهم: سطيح، وشق, وطريفة الخير، وفاطمة الخثعمية١.
وكان العرب يفزعون إلى كهانهم في كل ما يطرأ عليهم من أمر، أو يستعصي عليهم من مشكلات وأزمات وشدائد، ويستطبونهم في الأدواء.
وكانت الكهانة منتشرة في الجاهلية قبيل البعثة, وتدور غالبا حول التبشير بنبي يبعث، وتفسير الرؤى، ومعرفة ما أشكل من الأمور أو خفي من الحوادث.
والكهانة الصادقة على أي حال نوع من الفراسة والإلهام وصدق الحس وصفاء الروح, وكثيرا ما نرى ذلك حتى اليوم.
ويقول الجاحظ: "كان كهان العرب يتحاكم إليهم أكثر الجاهلية، وكانوا يدعون الكهانة, وإن مع كل واحد منهم رئيا من الجن"٢.
وكان كلام هؤلاء الكهان في تنبؤاتهم يدور حول ما يستفتون فيه من مسائل ومشكلات.
وكان هذا الكلام كله مسجوعا, وكان الكهان يعتمدون فيه على الإغراب للتعمية في الجواب.
ومهما يكن من شيء, فإن حرفة الكهانة في ذلك العصر قد أثمرت ضربا طريفا من الخطابة, كان يتكئ على السجع والتوقيع؛ كما كانت تكثر فيه الأقسام، والألفاظ الغريبة، ويتسم بقصر الجمل غالبا.
وقد روي أن النبي ﷺ نهى عن سجع الكهان؛ وذلك لمكانه من التكلف والإغراب والغموض، وبعده عن الصدق, وادعائه المشاركة في علم الغيب.
ومن الكواهن والكاهنات: زبراء، وشق أنمار، وسطيح الذهبي.
وفي كتب الأدب صور كثيرة للكهانة تدل على حذق الكهان وبراعتهم
стр. 310
في معرفة طوايا النفوس والكشف عن خبايا الأمور، ومن ذلك ما يرويه صاحب الأغاني:
كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة، وكان الفاكه من فتيان قريش, وكان له بيت للضيافة بارز يغشاه الناس من غير إذن, فخلا البيت ذات يوم فاضطجع هو وهند فيه, ثم نهض لبعض حاجته، فأقبل رجل ممن كان يغشى البيت, فولجه. فلما رآها رجع هاربا، وأبصره الفاكه، فأقبل إليها فضربها برجله، وقال: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أهنتني، فقال لها: ارجعي إلى أمك. وتكلم الناس فيها, وقال لها أبوها: يا بنية، إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني نبأك, فإن يكن الرجل صادقا دسست عليه من يقتله، فتنقطع عنك المقالة له، وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فقالت: لا والله ما هو بصادق، فقال له: يا فاكه، إنك قد رميت بنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض الكهان.
فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من عبد مناف، ومعهم هند ونسوة. فلما شارفوا البلاد, وقالوا: غدا نرد على الرجل، تنكرت حال هند. فقال لها عتبة: إني أرى ما حل بك من تنكر الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك. قالت: ولا والله يا أبتاه, ما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب, ولا آمن أن يسمني ميسما يكون عليَّ مسبة، فقال لها: إني سوف أختبره لك, ثم أدخل في إحليل فرسه حبة بر، وأوكأ عليها بسير. فلما قدموا على الرجل أكرمهم ونحر لهم، وقال له عتبة: جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبئا أختبرك به، وانظر ما هو؟ قال: ثمرة في كمرة. قال: أوضح، قال: حبة بر في إحليل مهر، قال: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن، فيضرب بيده على كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند، فقال لها: انهضي غير رسحاء١ ولا زانية، وستلدين ملكا يقال له: معاوية، فنهض إليها الفاكه، فأخذ بيدها فجذبت يدها من يده، وقالت: إليك عني، فوالله لأحرص أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان".
стр. 311
الحياة الأدبية في الحجاز في العصر الجاهلي، الشعر:
الباب الأول: فكرة عامة عن الشعر الحجازي في العصر الجاهلي
الفصل الأول: نماذج هذا الشعر
١- كانت قريش قد تحالفت على بني هاشم؛ لحمايتهم رسول الله ﷺ , فقال أبو طالب بن عبد المطلب يذكر تلك المحالفة, ويرد عليها:
فلما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرا والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل١
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول٢
وأحضرت عند البيت أهلي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل٣
قياما معا مستقبلين رتاجه ... لدي حيث يقضي حلفه كل نافل٤
стр. 312
أعوذ برب الناس من كل طاعة ... علينا بسوء أو مُلِحّ بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة ... ومن ملحق في الدين ما لم نحاول١
وبالبيت حق البيت من بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل
وليلة جمع٢ والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل؟
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ... وهل من معيذ يتقي الله عادل
يطاع بنا أمر العدا! ودَّ أننا ... يسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل٣
كذبتم وبيت الله يبزى٤ محمد ... ولما نطاعن حوله ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم بالحديد إليكم ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل٥
وينهض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل٦
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في رحمة وفواضل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرا والكلاكل٧
стр. 313
٢- وكان بين بني النجار وبين خطمة منازعة في حليف لبني النجار من عبس بن بغيض, فالتقوا يوما بالدرك وجمع بعضهم لبعض حتى نال بعضهم بعضا بالجراح, ولم يكن بينهم قتلى ومنعت بنو النجار حليفها, فقال حسان بن ثابت قبل الإسلام في ذلك:
ففدًى أمي لعوف كلها ... وبني الأبيض في يوم الدرك
منعوا ضيمي بضرب صائب ... تحت أطراف السرابيل هتك
وبنان نادر أطرافها ... وعراقيب تقسا كالفلك١
فأجابه يزيد بن طعيمة الخطمة:
إذ تنادوا يا لعوف اركبوا ... ليس ستين قوي وركك
فاجتمعنا ففضنا جمعهم ... بالصعيداء وفي يوم الدرك
قذفوا سيدهم في ورطة ... قذفك المقلة شطر المعترك٢
أبلغا عوفا بأنا معقل ... نمنع الضيم، وفرع مشتبك
وإذا ما ملك حاربنا ... ضمن الخوف لنا قلب الملك٣
٣- وقال حسان في الجاهلية:
ما هاج حسان رسوم المقام ... ومظعن الحي ومبنى الخيام
والنؤي قد هدم أعضاده ... تقادم العهد بواد تهام
стр. 314
قد أدرك الواشون ما حاولوا ... فالحبل من شعثاء رث الزمام
جنية أرقني طيفها ... تذهب صبحا وترى في المنام
هل هي إلا ظبية مطفل ... مألفها السدر ينعفي برام
تزجي غزالا فاترا طرفه ... مقارب الخطو ضعيف البغام١
كأن فاها قهوة مزة ... حديثة العهد بفض الختام٢
شجت بصهباء لها سورة ... من بيت رأس عنقت في الخيام
عتقها الحانوت دهرا فقد ... مر عليها فرط عام فعام
نشربها صرفا وممزوجة ... ثم نغني في بيوت الرخام
تدب في الجسم دبيبا كما ... دب دبى وسط رقاق هيام٣
كأسا إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردى برداء الغلام
من خمر بيسان تخيرتها ... ترياقة تسرع فتر العظام
يسعى بها أحمر ذو برنس ... مختلق الذفرى شديد الحزام
أروع للدعوة مستعجل ... لم يثنه الشأن خفيف القيام٤
دع ذكرها وانم إلى جسرة ... جلدية ذات مراح عقام
стр. 315
دفقة المشية زيافة ... تهوي خنوفا في فضول الزمام
تحسبها مجنونة تغتلي ... إذا لَفَّع الآل رءوس الإكام١
قومي بنو النجار إذ أقبلت ... شهباء ترمي أهلها بالقتام
لا نخذل الجار ولا نسلم الـ ... ـمولى ولا نخصم يوم الخصام
منا الذي يحمد معروفه ... ويفرج اللزبة يوم الزحام٢
٤- قال حسان بن ثابت للحارث بن عامر, وكان فيمن سرق غزال الكعبة:
يا حار قد كنت ولولا ما رميت به ... لله درك في عز وفي حسب٣
جللت قومك مخزاة ومنقصة ... ما إن يجلله حي من العرب٤
يا سالب البيت ذي الأركان حليته ... أد الغزال فلن يخفى لمستلب٥
سائل بني الحارث المزري لمعشره ... أين الغزال عليه الدر من ذهب؟
بئس البنون وبئس الشيخ شيخهم ... تبا لذلك من شيخ ومن عقب
стр. 316
٥- وقالت قتيلة بنت النضر بن الحارث١ ترثي أخاها:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة، وأنت موفق٢
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق٣
مني إليك، وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها، وأخرى تخنق٤
هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق٥
أمحمد يا خير ضنء كريمة ... في قومها، والفحل فحل معرق٦
стр. 317
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق١
أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق٢
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق٣
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق! ٤
صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد، وهو عان موثق٥
٦- وقال أمية بن أبي الصلت٦ يعتب على ابن له:
غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل٧
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهرا أتملل٨
стр. 318
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني، وعيني تهمل١
تخاف الردى نفسي عليك، وإنها ... لتعلم أن الموت حتم مؤجل٢
فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي منك جبها وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل٣
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل٤
وسميتني باسم المفند رأيه ... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل٥
تراه معدا للخلاف كأنه ... برد على أهل الصواب موكل٦
٧- ومن مدائح النابغة الذبياني في عمرو بن الحارث الغساني، هذه المدحة الرائعة التي استهلها بوصف ليله النابغي المضروب به المثل، والتي يصف فيها الجيش بملازمة النصر له، حتى إن الطير عرفت ذلك، فهي تتبعه في كل غزاة؛ ثقة منها بأنه سيشبعها من جثث قتلاه:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب٧
стр. 319
تطاول، حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب١
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب٢
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب٣
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائب من غسان غير أشائب٤
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب٥
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدواب٦
تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب٧
стр. 320
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب١
لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب٢
٨- وقال أبو صخر الهذلي، ويقال: إنه أغزل شعر قالته العرب:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأم موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر
٩- ومن مراثي الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمي في أخويها: معاوية وصخر, قولها في معاوية:
أريقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت وإن تطيقي
وقولي إن خير بني سليم ... وفارسها بصحراء العقيق
ألا هل ترجعن لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشقيق
وإذ نحن الفوارس كل يوم ... إذا حضروا وفتيان الحقوق
وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق٣
فبكيه فقد أودى حميدا ... أمين الرأي محمود الصديق
فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق٤