← Адаб

Адаб · id 7454

قصة الأدب في الحجاز

عبد الله عبد الجبار

Полный текст (549 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٥- وقالت قتيلة بنت النضر بن الحارث١ ترثي أخاها: يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة، وأنت موفق٢ أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق٣ مني إليك، وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها، وأخرى تخنق٤ هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق٥ أمحمد يا خير ضنء كريمة ... في قومها، والفحل فحل معرق٦

стр. 317

ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق١ أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق٢ فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق٣ ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق! ٤ صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد، وهو عان موثق٥ ٦- وقال أمية بن أبي الصلت٦ يعتب على ابن له: غذوتك مولودا وعلتك يافعا ... تعل بما أدني إليك وتنهل٧ إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهرا أتملل٨

стр. 318

كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني، وعيني تهمل١ تخاف الردى نفسي عليك، وإنها ... لتعلم أن الموت حتم مؤجل٢ فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي منك جبها وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل٣ فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل٤ وسميتني باسم المفند رأيه ... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل٥ تراه معدا للخلاف كأنه ... برد على أهل الصواب موكل٦ ٧- ومن مدائح النابغة الذبياني في عمرو بن الحارث الغساني، هذه المدحة الرائعة التي استهلها بوصف ليله النابغي المضروب به المثل، والتي يصف فيها الجيش بملازمة النصر له، حتى إن الطير عرفت ذلك، فهي تتبعه في كل غزاة؛ ثقة منها بأنه سيشبعها من جثث قتلاه: كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب٧

стр. 319

تطاول، حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب١ وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب٢ علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب٣ وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزت ... كتائب من غسان غير أشائب٤ إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب٥ يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدواب٦ تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب٧

стр. 320

جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب١ لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب٢ ٨- وقال أبو صخر الهذلي، ويقال: إنه أغزل شعر قالته العرب: أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأم موعدك الحشر عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر ٩- ومن مراثي الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمي في أخويها: معاوية وصخر, قولها في معاوية: أريقي من دموعك واستفيقي ... وصبرا إن أطقت وإن تطيقي وقولي إن خير بني سليم ... وفارسها بصحراء العقيق ألا هل ترجعن لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشقيق وإذ نحن الفوارس كل يوم ... إذا حضروا وفتيان الحقوق وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق٣ فبكيه فقد أودى حميدا ... أمين الرأي محمود الصديق فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق٤

стр. 321

وقولها في صخر: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا يكلفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا ترى الحمد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا وإن ذكر المجد ألفيته ... تأزر بالمجد ثم ارتدى ١٠- وقال دريد بن الصمة في رثاء أخيه: أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعاقبة، أم أخلفت كل موعد وبانت، ولم أحمد إليك نوالها ... ولم ترج منا ردة اليوم أو غد كأن حمول الحي إذ متع الضحى ... بناصية الشحناء، عصبة مذود١ أو الأثاب العم المحرم سوقه ... بكابة لم يخبط، ولم يتعضد فقلت لعارض وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي علانية: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد وقلت لهم: إن الأحاليف هذه ... مطنبة بين الستار وثهمد ولما رأيت الخيل قبلا كأنها ... جراد يباري وجهة الريح مغتدي٢

стр. 322

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما عصوني كنت منهم، وقد أرى ... غوايتهم أني بهم غير مهتدي وهل أنا إلا من غزية؟ إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد دعاني أخي، والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد١ أخ أرضعتني أمه من لبانها ... بثدي صفاء بيننا لم يجدد فجئت إليه، والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد وكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... إلى قطع من جلد مجلد٢ فطاعنت عنه الخيل حتى تنهنهت ... وحتى علاني حالك اللون أسود قتال امرئ آسى أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد تنادوا، فقالوا: أردت الخيل فارسا؟ ... فقلت: أعبد الله ذلكم الردي؟ فإن يك عبد الله خلى مكانه ... فما كان وقافا ولا طائش اليد ولا برما إما الرياح تناوحت ... برطب العضاه والضريع المعضد٣ وتخرج منه صرة القر جرأة ... وطول السرى دري عضب مهند كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الضراء طلاع أنجد٤ قليل تشكيه المصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

стр. 323

إذا هبط الأرض القضاء تزينت ... لرؤيته كالمأتم المتبلد وكم غارة بالليل واليوم قبله ... تداركها مني بسيد عمرد١ سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... طويل القرا نهد أسيل المقلد يفوت طويل القوم عقد عذاره ... منيف كجذع النخلة المتجرد وكنت كأني واثق بمصدر ... يمشي بأكناف الجبيل فهمد٢ له كل من يلقى من الناس واحدا ... وإن يلق مثنى القوم بفرح ويزدد وهون وجدي أنني لم أقل له: ... كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي

стр. 324

الفصل الثاني: لمحة عامة عن الشعر الجاهلي ... الفصل الثاني: لمحة عامة عن الشعر الحجازي الجاهلي ١- ذكر علماء الأدب ومنهم أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي في طبقات الشعراء "أن الشعر كان أولا في ربيعة، وهي قبائل كثيرة، منها: بكر وتغلب وعبد القيس والنمر بن قاسط ويشكر وعجل ولجيم وضبيعة وشيبان وذهل وسدوس، كانوا يقيمون في الحجاز، وتهامة الحجاز، ثم في نجد، ثم نزحت بكر وتغلب نحو العراق"١. ثم تحول الشعر في قيس عيلان، ومن بطونها: عبس وذبيان وغطفان وهوازن وسليم وعدوان وثقيف وعامر بن صعصعة ونمير وجعدة وقشير وعقيل وخفاجة، وكانت هذه القبائل في نجد وأعالي الحجاز. ومن ثم يمكننا اعتبار كثير من شعراء هذه القبائل من شعراء الحجاز، وعلى رأسهم النابغة الذبياني وزهير. ثم استقر الشعر في تميم، وهي قبيلة كبيرة من مضر، ومن بطونها: مازن, ودارم، ويربوع، ومجاشع، ومالك، وبهدلة. وكانت تقيم تميم في تهامة، ثم نزحت في أواسط القرن الثاني -قبل الهجرة- إلى بادية العراق وما يليها جنوبا، ومنهم أوس بن حجر، وكان شاعر مضر في الجاهلية، حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه وهما حجازيان, ثم ظهر الشعر في بطون مدركة، وهي: هذيل وأسد وكنانة وقريش والدئل، وأغلب هؤلاء من أهل البادية.

стр. 325

٢- وأما الحواضر فكانت قليلة في بلاد العرب، وهي: المدينة، والطائف، ومكة. وقد نبغ منها في العصر الجاهلي كثيرون، وأشعر الحواضر في الجاهلية حسان بن ثابت١, ولا بأس من أن نذكر الآن أسماء طائفة من الشعراء الحجازيين من أهل الحواضر، أما الحجازيون الآخرون فهم كثيرون في العصر الجاهلي, وسيأتي تفصيل الحديث عن هؤلاء وأولئك فيما يأتي من أبواب وفصول. وأشهر شعراء المدينة: حسان، وكعب بن مالك، وابن رواحة، وقيس بن الخطيم، وابن الأسلت "٨٤-٩٣ طبقات الشعراء". وكان فيها جماعة من اليهود الشعراء, منهم: السموءل، والربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وشعبة بن غريض، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد "١١٥-١٢٠ طبقات الشعراء". وكان لقريش شعراؤها وشعرها، وإن كان قليلا في الجاهلية، يقول ابن سلام: نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام. وأشهر شعراء مكة: عبد الله بن الزبعرى، وأبو طالب، وأبو سفيان، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وضرار بن الخطاب، وأبو عزة الجمحي، وعبد الله بن حذافة السهمي، وهبيرة بن أبي وهب بن عامر بن عائذ بن عمران بن مخزوم، والزبير بن عبد المطلب صاحب البيت المشهور: إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه٢ وأشهر شعراء الطائف: أبو الصلت، وأمية بن أبي الصلت، وغيلان، وكنانة بن عبد ياليل٣.

стр. 326

٣- ومن القبائل الحجازية الشاعرة قبيلة هذيل، وكانت أولى القبائل التي يقتدى بها في البلاغة والبيان، وهذيل تمتّ إلى قريش بالنسب والمصاهرة والجوار، وكانت تحاكي قريشا في انتقاء الأفصح من الألفاظ, مما يسهل على اللسان في النطق، ويحسن عند المتذوق والسامع المتفهم. والهذليون من مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وكانوا يحاورون القرشيين، فقد كانت قريش تسكن مكة، وكانت هذيل تسكن حولها أو قريبا منها، ومن ثم كان الهذليون والقرشيون قسماء في الفصاحة. وقد نبغت هذيل من الشعر خاصة، حتى كان الرجل منهم ربما أنجب عشرة من البنين كلهم شعراء، يقول أبو الفرج الأصبهاني: "كان بنو مرة عشرة: أبو خراش، وأبو جندب، وعروة، والأنج، والأسود، وأبو الأسود، وعمرة، وجنادة، وسفيان، وزهير، وكانوا جميعا شعراء دهاة". ويروى عن الأصمعي أنه قال: إذا فاتك الهذلي أن يكون شاعرا أو راميا, فلا خير فيه. وحسبك ما جمعه كتاب "ديوان الهذليين" الذي نشرته دار الكتب المصرية بالقاهرة من أعلام الشعراء الهذليين١, وقد طبع في أوروبا مجموعات ثلاث في شعراء هذيل, وهي: ١- ما بقي من أشعار الهذليين، ويعرف بالبغية, ويحتوي على سبعة وعشرين شاعرا. ٣- شرح ديوان الهذليين، لأبي سعيد السكري، ويحتوي على تسعة وعشرين شاعرا. ٣- مجموعة أشعار الهذليين، المطبوع في ليبزج، ويشمل ستة شعراء. ويروى أن الرواة لم يكونوا يأخذون عن لخم وجذام وقضاعة وغسان وإياد وتغلب والنمر، وإنما كانوا يأخذون العربية عن قيس وأسد وتميم وهذيل وبعض كنانة، وكانوا يأخذون عن قيس وأسد وتميم الإعراب والتصريف والغريب، من حيث كانوا يأخذون عن قريش وهذيل الفصاحة والبلاغة.

стр. 327

ومن شعراء هذيل: أبو ذؤيب، وأبو خراش، وساعدة بن جؤية، وأبو العيال، وأبو قلابة، وأبو المثلم، وأبو جندب، ومالك بن خالد، وبدر بن عامر، والمتنخل, وأبو كبير، ومعقل بن خويلد، والبريق، وأمية بن أبي عائذ، وصخر الغي، وعمرو ذو الكلب، وحبيب الأعلم، وعبد مناف بن ربع، والمعطل، وقيس بن عيزارة، وأسامة بن الحارث، وساعدة بن العجلان، وجنادة بن عامر، وأبو بثينة، والعجلان بن خالد، وحذيفة بن أنس، وخالد بن زهير، ومالك بن الحارث، وعمرو بن الداخل، وأسامة بن الحارث. ٤- ويجعل ابن سلام شعراء المدينة الفحول خمسة: ثلاثة من الخزرج، واثنان من الأوس. فمن الخزرج من بني النجار: حسان بن ثابت, ومن بني سلمة: كعب بن مالك, ومن بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة، ومن الأوس: قيس بن الخطيم من بني ظفر، وأبو قيس بن الأسلت من بني عمرو بن عوف, وأشعرهم حسان١. ومما يدل على انتشار الشعر في يثرب، ما يرويه ابن عبد ربه عن أنس بن مالك، أنه قال: "قدم علينا رسول الله ﷺ وما في الأنصار بيت إلا وهو يقول الشعر، قيل له: وأنت يا أبا حمزة؟ قال: وأنا". ويقول: وفي يهود المدينة وأكنافها شعر جيد٢. ويقول: وبالطائف شعراء وشعرهم ليس بالكثير، وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، نحو حرب الأوس والخزرج، والذي قلل شعر قريش كذلك أنه لم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا٣. ٥- وللشعر الحجازي خصائصه الواضحة في الأسلوب واللفظ والمعنى والخيال والغرض. ويلاحظ اشتماله على كثير من الحكمة وقصص الأنبياء، واحتواؤه على

стр. 328

فكرة التدين، إلى جزالته وفصاحته ومتانة أسلوبه في عذوبة، وقد ترتفع العذوبة إلى منزلة عالية في البلاغة. وتتمثل كذلك في الشعر الحجازي -في الأغلب- عفة اللفظ وشرف المعنى ونبل الغرض، فلم يفحش كثير من الشعراء الحجازيين في قول, ولم يسفوا في بيان، ولم ينزلوا عن مستواهم الرفيع في شرفهم وحسبهم ومنزلتهم الاجتماعية العالية، ويضاف إلى ذلك الطبع وعدم التعجل في التكلف في شعر شعراء الحجاز عامة، إلى العذوبة والرقة في شعر شعراء الحواضر. ولقد كان الشعر الحجازي ممثلا للفكر العربي بما فيه من طموح ومن قوة، ومن شرف وعزة وإباء، وتطلع وحيرة، ومعرفة وخبرة وتجربة، ففيه الكثير من معارف العرب وآرائهم في الحياة، وفهمهم لها، وإدراكهم للتاريخ، مما سيتجلى في حديثنا عن الشعراء الحجازيين. ويرى ابن سلام أن شعر قريش كان قليلا في الجاهلية١ لقلة حروبهم ... وقد يرد على هذا بعام الفيل وما ورد فيه من شعر كثير٢، وبالخصومات الكثيرة بين القبائل الحجازية، مما كانت الأيام الحجازية أثرا لها، وبالخصومات التي وقعت بين الرسول وأعداء الإسلام. ومن شعراء قريش في العصر الجاهلي: زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، ونبيه بن الحجاج، وابن الزبعرى، وعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وعدي بن نوفل، وورقة بن نوفل، وأميمة بنت عبد شمس بن عبد مناف، ومسافر بن أبي عمرو بن أمية، وأبو سفيان٣. وبعد, فهذه فكرة عامة عن الشعر الحجازي في العصر الجاهلي. أما الحديث المفصل عن هذا الشعر فسينتظم الفصول والأبواب الآتية، وسنبدأ في الباب التالي بتمحيص الشعر الحجازي الجاهلي؛ حتى تستقيم دراستنا على أسس ثابتة، إن شاء الله.

стр. 329

الباب الثاني: الشعر الحجازي بين الصحة والوضع مدخل ... الباب الثاني: الشعر الحجازي بين الصحة والوضع ١- الوضع والنحل من الظواهر الأدبية التي لا تقتصر على أمة دون أمة، ولا عصر دون عصر، ولا جيل دون جيل، وإنما هي ظاهرة عامة تشمل الأجيال كافة، والعصور جميعا، حتى العصر الحديث؛ عصر العلم والحضارة, فهو لم يخل من هذه الظاهرة. وقد سطا لصوص الأدب -ولا يزالون يسطون- على تراث الأموات, بل وتراث الأحياء على السواء، وادعوه لأنفسهم دون خجل أو حياء. وفي عصرنا الحاضر نرى أن قصة ما أو مقالة أو قصيدة قد تنسب لغير كاتبها أو ناظمها؛ لغرض التعمية, أو التنادر، أو الإغاظة، أو الخوف، أو السرقة، أو غير ذلك من الأغراض مما نشاهده في حياتنا الأدبية الحاضرة. وظاهرة النحل والانتحال، قد عرفت في الأدب العربي منذ عهد بعيد؛ عرفتها عهود الإسلام الأولى، بل وعرفتها الجاهلية نفسها، فقد قال أبو عبيدة: كان قراد بن حنش من شعراء غطفان، وكان جيد الشعر قليله، وكان شعراء غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه، منهم زهير بن أبي سلمى ادعى هذه الأبيات: إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت ولنعم حشو الدرع أنت لنا إذا ... نهلت من العلق الرماح وعلت ينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت مصيبتهم هناك وجلت١

стр. 330

وروي أن النابغة الجعدي دخل على الحسن بن علي فودعه، فقال له الحسن: أنشدنا من بعض شعرك، فأنشد: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما فقال له: يا أبا ليلى، ما كنا نروي هذه الأبيات إلا لأمية بن أبي الصلت! قال: يابن رسول الله، والله إني لأول الناس قالها، وإن السروق من سرق أمية شعره١. وسألت عائشة -أم المؤمنين- من صاحب هذه الأبيات: جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يستمع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما حاولت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتى أزرق العين مطرق؟ فقالوا: مزرد بن ضرار. قالت عائشة: فلقيت مزردا بعد ذلك، فحلف بالله: ما شهد تلك السنة الموسم٢. حتى أبو بكر الصديق ﵁ قد نحلوه الشعر. وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: كذب من أخبركم أن أبا بكر قال بيت شعر في الإسلام. وقد تنبه كثير من الرواة العلماء في القرنين الثاني والثالث لأمر الوضع، حتى لا نكاد نجد أحدا من هؤلاء الثقات لا ينص على أن بيتا أو طائفة من الأبيات موضوعة منحولة. ٢- ويمكن تقسيم الشعر الجاهلي من حيث الصحة والوضع إلى ثلاثة أقسام: الشعر الصحيح، والشعر المنحول، والشعر المختلف عليه. ١- الشعر الصحيح: فأما الصحيح، فالواقع أن رواة الشعر قد أجمعوا على كثير من الشعر الجاهلي ولم يختلفوا إلا في بعضه؛ قال ابن سلام: وقد اختلف العلماء في بعض

стр. 331

الشعر، كما اختلفوا في بعض الأشياء, أما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه. وقال في إجماعهم على الموضوع من الشعر: "وليس لأحد -إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه-أن يقبل من صحيفة, ولا يروي عن صحفي"١. وهذا النص يكشف لنا عن مدى تقريرهم لإجماع الرواة في رواية الشعر، سواء منه الصحيح والمنحول، فما أجمعوا على صحته قبلناه، وما أجمعوا على وضعه رفضناه. ومما اعتمدوا عليه كذلك في صحة الشعر، وجود القصيدة أو الأبيات في ديوان الشاعر أو ديوان القبيلة مما رواه العلماء الثقات، يقبلون منه ما يجيء في صورة اليقين والجزم، ويقفون أو يشكون فيما اختلف فيه، وربما قبلوا النظر فيه وأصدروا عليه أحكاما نقدية خاصة. وقد أورد أبو الفرج الأصبهاني قصيدة لدريد بن الكلبي، عدتها ثلاثة عشر بيتا، ومنها قوله: أمن ذكر سلمى ماء عينيك يهمل ... كما انهل خرز من شعيب مشلشل وماذا ترجي بالسلامة بعدما ... نأت حقب وابيض منك المرجل وحالت عوادي الحرب بيني وبينها ... وحرب تعل الموت صرفا وتنهل قراها إذا باتت لدي مفاضة ... وذو خصل نهد المراكل هيكل٢ وعلق أبو الفرج على هذه الأشعار والأخبار التي وردت فيها بقوله: وهذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعة كلها، والتوليد فيها بين وفي أشعارها. ويستدل على وضعها بقوله: وما رأيت شيئا منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات٣. وقد يحكمون ذوقهم الأدبي الذي صقلته التجربة وطول الدرس والمعاناة في تمييز الصحيح من الفاسد من الشعر، إلى جانب المقياسين السابقين، وهما:

стр. 332

أ- إجماع الرواة. ب- وجود الشعر في ديوان القبيلة أو الشاعر. وإذا ما اطمأنوا إلى صحة الشعر الذي يوردون, وصفوه بعبارات تثبت صحته وقدمه، كما فعل أبو عبيدة حين أورد شعرا جاهليا، ووصفه بقوله: إنه "الشعر الثابت الذي لا يرد" وكما فعل الواقدي حين أورد شعرا لحسان، وعلق عليه بقوله: "ثبت قديمه" وغير ذلك من العبارات التي تدل على القطع واليقين. ٢- الشعر المنحول: وأكثر هذا الضرب هو ما وضعه القصاص ليزينوا به قصصهم، ويتلمسوا به الثقة في نفوس السامعين أو القارئين، وما وضعه بعض الرواة ليثبتوا به نسبا أو يدلوا به على أن لبعض العرب قدمة سابقة. وقد أرسل الواضعون لأنفسهم العنان، فنسبوا شعرا لأناس لم يقولوا شعرا قط، بل وأوغلوا في ضلالهم فوضعوا شعرا على لسان بعض العرب البائدة كعاد وثمود، بل وعلى لسان آدم أبي البشر ﵇ وغيره من الأنبياء. وقد هاجم ابن سلام محمد بن إسحاق، عالم السيرة المعروف، الذي ضمن سيرته أشعارا كثيرة موضوعة، فقال في معرض نقده له: أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف السنين؟ والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ، أي: لا بقية لهم, وقال أيضا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى, وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ . والشعر إما أن يكون موضوعا على وجه اليقين القاطع، أو على الترجيح الغالب؛ ومن السهل اكتشاف أمره وافتضاح سره, فهو لا يكاد يخفى على الباحث. ٣- الشعر المختلَف عليه: وأما الشعر المختلف عليه، فيظهر للقارئ المتعجل عظيما كبير القدر، ولكنه في الواقع ليس بالكثرة التي يبدو بها، فقد يروي الثقة ديوان شاعر عن روايتين أو ثلاث من الطبقة الأولى، فيورد كثيرا من قصائد الديوان والإجماع منعقد على صحتها، ثم يشير في قصائد قليلة إلى أن

стр. 333

هذه القصيدة قد رواها فلان ولم يروها فلان، أو أن تلك القصيدة قد تنسب إلى فلان وهو غير صاحب الديوان. وقد يجمع هذا الراوية -وهو من الطبقة الثانية أو الثالثة- أبياتا متفرقة، ومقطعات صغيرة يضمها عنوان هو "المنحول من شعر فلان" وهو يقصد بالمنحول ما لم يروه هؤلاء الرواة العلماء الذين رووا هذا الديوان. فإذا ما أحصيت هذه الأبيات التي نص في تضاعيف الديوان أنها مما رواه فلان دون فلان، وضممت إليها "المنحول" وجدتها كلها لا تكاد تعد شيئا مذكورا, إذا قِيست بالقصائد التي أجمع الرواة على صحتها١. وأمر آخر جدير بالعناية، وهو أن كثيرا من النص على "النحل" لا يعني أن هذا الشعر منحول موضوع حقا، وإنما غاية ما يعني أن هذا الراوية لعالم يذهب إلى أن هذا الشعر منحول، بينما يذهب غيره إلى أنه صحيح. فمرد الأمر إذًا إلى خلاف في الحكم والرأي مرجعه اختلاف المصادر أو اختلاف المناهج٢ ... فقد ذكر أبو خليفة الفضل بن الحباب, أنه روي لعباس بن مرداس بيت في عدنان، قال: وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بمذحج حتى طردوا كل مطرد ثم قال: "والبيت مريب عند أبي عبد الله" يعني ابن سلام. ولعل ابن سلام ارتاب في البيت لذكره عدنان "ولم يذكر عدنان جاهلي غير لبيد بن ربيعة". بينما أورده ابن هشام على أنه صحيح غير مريب، وذكر أنه أخذه عن أبي محرز خلف الأحمر، وعن أبي عبيدة. وكذلك أورده أبو عبد الله المصعب الزبيري على أنه صحيح، ولم يشر إلى ارتيابه كما أشار إلى ارتيابه في غيره من الأبيات التي تذكر الأنساب٣. ومما قد يوهم بالنحل والوضع أيضا اختلاف الرواة في نسبة الشعر؛ فتراهم

стр. 334

ينسبون بعضه إلى شاعرين أو ثلاثة شعراء جاهليين, والأمثلة على هذا كثيرة جدا. ومن ذلك أن القصيدة التي منها: من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما نسبها يونس للنابغة الجعدي، ونسبها أبو عبيدة لأمية، ثم سئل خلف الأحمر عنها فقال: "للنابغة، وقد يقال: لأمية". ويلاحظ أن الشعر في هذا المثل -وفي كثير غيره- نسب إلى شعراء جاهليين، وأن الخلاف في نسبته لم يخرجه عن نطاق الشعر الجاهلي؛ فجاهلية هذا الشعر إذًا ثابتة لا شك فيها عند هؤلاء الرواة العلماء، وإن كانوا اختلفوا في الشاعر الجاهلي نفسه١.

стр. 335

٣- الشعر الحجازي في الميزان: وعلى هذا المقياس سندرس الصحيح والمنحول والمختلف عليه من الشعر الحجازي, وسنناقش خلال بحثنا طائفة من النصوص وأقوال القدماء، وآراء المحدثين من عرب ومستشرقين حتى يستقيم لنا رأي ممحص في الشعر الحجازي، وتبقى لنا منه بعد نفي المنحول مادة تصلح لأن تكون أساسا يعتمد عليه الباحثون في الأدب الحجازي في العصر الجاهلي. ونحب أن نشير هنا -قبل المضي في البحث- إلى أننا قد حرصنا فيما سبق من هذا الباب، أن تكون الشواهد والنصوص التي أوردناها، وثيقة الصلة بشعراء حجازيين؛ كزهير بن أبي سلمى, وأمية بن أبي الصلت، ومزرد بن ضرار، ودريد بن الصمة، وحسان بن ثابت، وعباس بن مرداس. ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن الباحث، تلك العبارة التي أوردها ابن سلام عن قريش، إذ يقول: "وقد نظرت قريش، فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية، فاستكثرت منه في الإسلام"، وعقب الدكتور طه حسين عليها بقوله:

стр. 336

"وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يهجى به الأنصار". والدكتور طه يعتقد أن السياسة كانت سببا في انتحال الشعر، وأن العصبية بين قريش والأنصار دعت إلى أن يتزيد كل فريق من أشعار الهجاء في الفريق الآخر, وسود تسع صفحات في مسألة "المهاجاة بين المهاجرين والأنصار" وحدها، ولكنه لم يذكر في بحثه الطويل كلمة واحدة تتصل بأن فريقا من الفريقين اختلق شعرا, ونسبه إلى شعرائه في الجاهلية. ويقول الشيخ محمد الخضر حسين في نقده لهذا الرأي: "وبعد ذلك كله، ألم يكن من واجب المؤلف -وهو أستاذ كبير- أن يذكر لقراء كتابه بعض الشعر الذي وضعته قريش في الإسلام، ونسبته إلى بعض شعرائهم في الجاهلية، وكان الداعي إلى وضعه السياسة؟ "١. ونحن نعتقد أن الشعر القرشي قد دخله شيء من التزيد لهذا السبب أو لغيره من الأسباب، ولكن هذا الاعتقاد لا يجعلنا نطرح هذا الشعر جملة من حساب التاريخ، وإنما حسبنا ما نبه إليه الأقدمون من مواطن الكذب أو الانتحال، نشير إليها، ونطرحها لتبقى لنا بعد ذلك أشعار صحيحة, راجحة الكفة أو أدنى إلى الرجحان في هذا الميزان. وقد تحدث صاحب الأغاني بإسناد له، عن عبد العزيز بن أبي نهشل، أنه قال: قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وجئته أطلب منه مغرما: يا خال, هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة، وقل: سمعت حسانا ينشدها رسول الله, ﷺ ؟ فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول, سمعت عائشة تنشدها فعلت, فقال: لا، إلا أن تقول: سمعت حسانا ينشدها رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس. فأبى علي، وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال. فأرسل إلي، فقال: قل أبياتا

стр. 337

تمدح هشاما, يعني ابن المغيرة وبني أمية؛ فقلت: سمهم لي, فسماهم، وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك، فقلت: ألا الله قوم و ... لدت أخت بني سهم هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم وذو الرمحين أشباك ... على القوة والحزم فهذان يذودان ... وذا من كثب يرمي أسود تزدهي الأقرا ... ن مناعون للهضم وهم يوم عكاظ مـ ... ـنعوا الناس من الهزم وهم من ولدوا أشبوا ... بسر الحسب الضخم فإن أحلف وبيت اللـ ... ـه لا أحلف على إثم لما من إخوة تبني ... قصور الشأم والردم بأزكى من بني ريطة ... أو أوزن في الحلم قال: ثم جئت، فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزبعرى، قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزبعرى١. ويعلق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله: "فانظر إلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كيف أراد صاحبه على أن يكذب وينتحل الشعر على حسان؛ ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسانا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي، كل ذلك بأربعة آلاف درهم. ولكن صاحبنا كره أن يكذب على النبي بهذا المقدار، واستباح أن يكذب على عائشة. وعبد الرحمن لا يرضيه إلا الكذب على النبي؛ فاختصما. وكلاهما شديد الحاجة إلى صاحبه، هذا يريد شعرا لشاعر معروف، والآخر يريد المال؛ فيتفقان آخر الأمر على أن ينحل الشعر عبد الله بن الزبعرى شاعر قريش"٢.

стр. 338

وعلى هذه الرواية فهذه القصيدة منحولة قطعا، وذكر محمد بن طلحة: أن قائل هذه القصيدة هو عمر بن أبي ربيعة١. ومن العجيب أن ابن سلام على تشدده ودقته في ميزان التحقيق العلمي لم يشر إلى هذه القصيدة -وقد أوردها في كتابه- بما يفيد أنها منحولة أو موضوعة أو مشكوك في صحة نسبتها إلى ابن الزبعرى٢. وذكر ابن سلام أبا طالب "فقال: إنه كان شاعرا جيد الكلام، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح فيها النبي ﷺ وهي: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل ثم قال: "وقد زيد فيها وطولت. رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا منذ أكثر من مائة سنة، وقد علمت أن قد زاد الناس فيها، فلا أدري أين منتهاها, وسألني الأصمعي عنها فقلت: صحيحة جيدة. قال: أتدري أين منتهاها؟ قلت: لا أدري ... "٣. وقد ذكر ابن هشام ما صح له من هذه القصيدة وهو أربعة وتسعون بيتا. وقال ابن كثير عنها: إنها قصيدة بليغة جدا, لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه؛ وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى. وقد شرح الشيخ حمزة فتح الله منها أربعة وأربعين بيتا في كتابه٤. وذكر ابن سلام بيتين قال: إن الناس يروونهما لأبي سفيان بن الحارث، ثم قال٥: "وأخبرني أهل العلم من أهل المدينة: أن قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي قالهما ونحلهما أبا سفيان؛ وقريش ترويهما في أشعارها". ومما يؤكد صحة النص الأدبي؛ ما يظاهره من أخبار وأحاديث تثبت روايته الصحيحة. ومثال ذلك ما رواه أبو وداعة؛ حيث قال: "رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ عند باب بني شيبة، فمر رجل وهو يقول:

стр. 339

يأيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد الدار هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقتار فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: "أهكذا قال الشاعر؟ " قال: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال: بأيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقراف الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي ويكللون جفانهم بسيوفهم ... حتى تغيب الشمس في الرجاف١ فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "هكذا سمعت الرواة ينشدونه". وقد ذكرنا -فيما سبق- طرفا من نقد ابن سلام لابن إسحاق, والآن نسوق هذا النقد كاملا: قال ابن سلام٢: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه: محمد بن إسحاق بن يسار -مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف- وكان من علماء الناس بالسير ... فقبل عنه الناس الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: "لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله". ولم يكن ذلك له عذرا. فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارا كثيرة، وليس بشعر؛ إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه فيقول: من حمل هذا الشعر؟ ومن أداه منذ آلاف السنين؟ والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ , أي: لا بقية لهم، وقال أيضا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ، وقال في عاد: ﴿هَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ .

стр. 340

وقال ابن سلام كذلك١: "ولأبي سفيان بن الحارث شعر كان يقوله في الجاهلية، فسقط ولم يصل إلينا منه إلا القليل. ولسنا نعد ما يروي ابن إسحاق له ولا لغيره شعرا. ولئلا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذلك لهم". ويقول في موطن ثالث٢: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ما رواه الصحفيون, ما كانت إليه حاجة, ولا فيه دليل على علم". وأكثر ما أورده ابن إسحاق من شعر ينسب لشعراء حجازيين. وفي دراسة هذا الشعر وتحقيقه يتضح لنا كثير من الصحيح والمنحول المختلف عليه من شعر الحجاز عامة، وشعر قريش خاصة, وقد عني بذلك ابن هشام في سيرته المعروفة.

стр. 341

استدراكات ابن هشام على بن إسحاق ... استدراكات ابن هشام على ابن إسحاق: وقد تتبع بعض الباحثين كل ما أخذه ابن هشام على ابن إسحاق ونقده فيه، فوجده لا يعدو واحدا من أمور أربعة: الأول: أنه يورد أبيات الشعر التي أوردها ابن إسحاق وينسبها إلى من نسبها إليه ابن إسحاق، ثم يضيف أنها قد تنسب كلها أو بعضها إلى غيره, وقد تكرر منه ذلك في ثمانية وعشرين موضعا١. ونكتفي بذكر بعضها على سبيل المثال: فمن ذلك ما يروى لأمية بن أبي الصلت مما يروى لغيره أيضا. فقد أورد أبياتا عن

стр. 342

ابن إسحاق من شعر أبي قيس بن الأسلت، ثم عقب عليها بقوله١: "قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له، والقصيدة تروى لأمية بن أبي الصلت". وكذلك قال ابن إسحاق٢: "وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي في شأن الفيل، ويذكر الحنيفية دين إبراهيم ﵇. قال ابن هشام: تروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي". وقال ابن إسحاق٣: "وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، قال ابن هشام: وتروى لأمية بن أبي الصلت". وأورد ابن إسحاق أبياتا نسبها إلى زيد بن عمرو بن نفيل، فقال ابن هشام٤: "هي لأمية بن أبي الصلت في قصيدة له, إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتا". وأورد كذلك أبياتا نسبها إلى ورقة بن نوفل بن أسد, فقال ابن هشام٥: "يروى لأمية بن أبي الصلت البيتان الأولان منها وآخرها بيتا في قصيدة له"، وقد أورد أبياتا رواها ابن إسحاق ونسبها إلى سيف بن ذي يزن الحميري، فعقب عليها ابن هشام بقوله٦: "وهذه الأبيات في أبيات له, وأنشدني خلاد بن قرة السدوسي آخرها بيتا لأعشى بني قيس بن ثعلبة في قصيدة له, وغيره من أهل العلم بالشعر ينكرها له". وأورد ثلاثة أبيات من الرجز نسبها إلى "رجل من العرب" فقال ابن هشام٧: "من الناس من ينحلها امرأ القيس بن حجر الكندي". وذكر إسحاق بيتا نسبه إلى أعشى بني قيس بن ثعلبة, وهو قوله٨: بين الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الكعبات من سنداد فقال ابن هشام: "وهذا البيت للأسود بن يعفر النهشلي في قصيدة له, وأنشدنيه أبو محرز خلف الأحمر:

стр. 343

أهل الخورنق والسدير وبارق ... والبيت ذي الشرفات من سنداد وذكر ابن إسحاق أبياتا نسبها إلى عبد الله بن الزبعرى، فقال ابن هشام١: "وتروى للأعشى بن زرارة بن النباش". وكذلك ذكر أبياتا لحسان, فقال ابن هشام٢: "ويقال: بل قالها عبد الله بن الحارث السهمي". وأورد أبياتا لحسان بن ثابت, فعقب عليها ابن هشام بقوله٣: "وآخرها بيتا يروى لأبي خراش الهذلي، وأنشدنيه له خلف الأحمر. وتروى الأبيات أيضا لمعقل بن خويلد الهذلي". وذكر أبياتا نسبها ابن إسحاق لحسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ ثم عقب عليها ابن هشام بقوله٤: "أنشدنيها أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك". وأما الضرب الثاني من تعقبه ابن إسحاق: فهو إيراده الحادثة التاريخية كما وردت في سيرة ابن إسحاق، حتى إذا وصل إلى الشعر الذي قبل هذه الحادثة أسقطه ولم يثبته؛ لأنه لم يصح عنده. ولعل ذلك قد تكرر منه في مواطن كثيرة؛ لأنه ذكر في المقدمة أنه ترك أشعارا ذكرها ابن إسحاق ولم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها. غير أنه لم ينص على تركه الأشعار إلا في موضعين اثنين؛ فقد أورد مسير أبي كرب تبان أسعد إلى يثرب وغزوه إياها، فلما أن وصل إلى شعر خالد بن عبد العزى الذي فيه٥: حنقا على سبطين حلا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد قال ابن هشام: "الشعر الذي فيه البيت مصنوع؛ فذلك الذي منعنا من إثباته". وكذلك أورد ما ذكره ابن إسحاق من نذر عبد المطلب ذبح ولده، وحذف ما جاء في أثناء هذا الحديث من شعر، وقال٦: "وبين أضعاف هذا الحديث رجز, لم يصح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر".

стр. 344

وضرب ثالث من تعقيباته: يذكر فيه أبياتا من الشعر الذي أورده ابن إسحاق ويكتفي بها ولا يورد باقيها، ثم يقول: إن ذلك ما صح له منها. وقد تكرر منه ذلك في ثمانية مواضع١؛ منها: أن ابن إسحاق أورد أبياتا لعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف، وقد اجتزأ ابن هشام بثلاثة أبيات منها، وقال٢: "قال ابن هشام: هذا ما صح له منها". وروى ابن إسحاق أبياتا كثيرة لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ومع أن ابن هشام قال: إنها تروى لابنه أمية, فقد قال أيضا٣: هذا ما صح له مما روى ابن إسحاق منها, إلا آخرها بيتا قوله: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فإنه للنابغة في قصيدة له. وذكر ابن سلام أن هذا البيت ترويه عامر للنابغة، والرواة مجمعون على أن أبا الصلت بن أبي ربيعة قاله. وقد أتى به مثلا على أن الشاعر قد يستزيد في شعره بيتا قاله قائل قبله، كالمتمثل حين يجيء موضعه من غير أن يقصد اجتلابه أو سرقته. وأورد ابن إسحاق قصيدة أبي طالب، فذكر ابن هشام منها أربعة وتسعين بيتا، ثم قال٤: "وهذا ما يصح لي من هذه القصيدة, وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها". والضرب الرابع: مثل ما يؤثر من أن ابن هشام كان يورد الشعر الذي أورده ابن إسحاق كاملا لا يخرم منه بيتا, ثم يذكر أنها منحولة. وقد تكرر

стр. 345

منه ذلك في ستة وثلاثين موضعا١, ويكاد يلتزم في تعبيره عن شكه أربعة أنواع من العبارة: أ- يورد ما رواه ابن إسحاق من شعر لأبي بكر الصديق٢, وعبد الله بن الزبعرى٣, وسعد بن أبي وقاص، وحمزة بن عبد المطلب، وأبي جهل، وهند بنت أثاثة، وحسان بن ثابت، وميمونة بنت عبد الله، وكعب بن الأشرف، وعلي بن أبي طالب، والزبرقان بن بدر، والحارث بن هشام، ويعقب على كل قصيدة يوردها لهؤلاء بقوله: "وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها له"٤. ب- ويورد ما رواه ابن إسحاق من شعر لمالك بن الدخشم٥، ومكرز بن حفص، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وضرار بن الخطاب، والحارث بن هشام, وهند بنت عتبة، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن الزبعرى، وعمرو بن العاص، وخبيب بن عدي، ومسافع بن عبد مناف، ويعقب على كل قصيدة يوردها لهؤلاء بقوله: "وبعض أهل الشعر ينكرها له". جـ- وإذا كان قد ذكر في العبارات الأولى: "أكثر أهل العلم بالشعر"، وفي العبارات الثانية: "بعض أهل العلم بالشعر"، ففي عبارة ثالثة يقول: "إنه لم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذه الأبيات".

стр. 346

ومن ذلك أن ابن إسحاق روى عن محمد بن سعيد بن المسيب خبر وفاة عبد المطلب بن هاشم، وبكاء بناته الست عليه، وهن: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء، وأميمة، وأروى. وقد بكت عليه كل واحدة بشعر أورده ابن هشام، ثم عقب عليه بقوله١: "ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر، إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه". وكذلك روى ابن إسحاق قصيدتين؛ الأولى: لعلي بن أبي طالب في يوم بدر، والثانية: نقيضتها وهي للحارث بن هشام بن المغيرة، وقد أوردهما ابن هشام وقال: "ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها ولا نقيضتها، وإنما كتبناهما لأنه يقال: إن عمرو بن عبد الله بن جدعان قتل يوم بدر ولم يذكره ابن إسحاق في القتلى، وذكره في هذا الشعر"٢. وروى ابن إسحاق أبياتا لعلي بن أبي طالب, فأوردها ابن هشام، وقال: "قالها رجل من المسلمين يوم أحد غير علي، فيما ذكر لي بعض أهل العلم بالشعر، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلي"٣. د- وقد نص في موضع واحد على اسم عالم من علماء اللغة والشعر والأخبار، هو: أبو عبيدة، وذلك أنه أورد قصيدة من اثني عشر بيتا، رواها ابن إسحاق لعمرو بن معديكرب، ثم قال: إن أبا عبيدة أنشده الأبيات الثلاثة الأولى منها، وفيها خلاف في رواية بعض ألفاظها، وإنه لم يعرف سائرها٤. وثمة مآخذ أخرى استدركها ابن هشام على ابن إسحاق، ولم تدخل في الضروب الأربعة السالفة, وهي: ١- يروي ابن إسحاق قصيدة لأمية بن أبي الصلت يبكي زمعة بن الأسود وقتلى بني أسد, ويوردها ابن هشام كما رواها ابن إسحاق، ويعقب عليها بقوله: "هذه الرواية لهذا الشعر مختلطة ليست بصحيحة البناء، ولكن أنشدني أبو محرز خلف الأحمر وغيره، وروى بعض ما لم يرو بعض". ثم يورد القصيدة بهذه الرواية الأخرى، صحيحة البناء مستقيمة الوزن٥.

стр. 347

٢- ويروي ابن إسحاق قصيدة من ثلاثة عشر بيتا للعباس بن مرداس، وقد رواها كلها متتابعة على أنها قصيدة واحدة -إذ إنها ذات وزن واحد وروي واحد- وأوردها على ذلك ابن هشام، ثم عقب عليها بقوله: "قال ابن هشام: من قوله: "أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها ... إلخ" في هذا اليوم، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم, وهما مفصولتان, ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة"١. ٣- ويحذف ابن هشام بيتا أو أبياتا من قصيدة رواها ابن إسحاق، لا لشك في صحة الشعر ونسبته، وإنما لأن الشاعر أقذع فيه. وكذلك أبدل كلمات من شعر رواه ابن إسحاق؛ لأن الشاعر "نال فيها من النبي, ﷺ " وترك بيتين من قصيدة لأمية بن أبي الصلت؛ لأنه "نال فيهما من أصحاب رسول الله, ﷺ "٢. ٤- وله أحيانا تعليقات على ما يورد من الشعر, من حيث العروض أو من حيث جمال الشعر. فمن ذلك أن يذكر كلاما لرئي من الجن هو: "ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإبساسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها"، ثم يعقب عليه بقوله: "قال ابن هشام: هذا كلام سجع وليس بشعر"٣. وذكر قولهم: "لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة" وعقب عليه بقوله: "هذا كلام وليس برجز"٤. ويورد كذلك أبيات سبيعة بنت الأحب، ومطلعها: أبني لا تظلم بمـ ... ـكة لا الصغير ولا الكبير ثم قال: يوقف على قوافيها لا تعرب٥, وأورد أبياتا على الكاف المكسورة رواها ابن إسحاق لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ثم عقب عليها بقوله: "بقيت منها أبيات تركناها لقبح اختلاف قوافيها".

стр. 348

ويورد أبياتا لحسان بن ثابت يذكر عدة أصحاب اللواء يوم أحد، ثم يعقب عليها بقوله: "هذا أحسن ما قيل". ويورد أبياتا رواها ابن إسحاق لأبي أسامة معاوية بن زهير بن قيس، ويعقب عليها بقوله١: "وهذه أصح أشعار أهل بدر"٢. هذا ما ذكره ابن هشام عن الشعر الجاهلي الذي رواه ابن إسحاق في سيرته, ومعظمه شعر حجازي. ٥- وأورد ابن سلام ما يروى عن الشعبي، عن ربعي بن خراش, من أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول: لفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون؟ وعلق عليه بقوله: هذا غلط على الشعبي أو من الشعبي, أو من ابن خراش. أجمع أهل العلم على أن النابغة لم يقل هذا، ولم يسمعه عمر، ولكنهم غلطوا بغيره من شعر النابغة، وقد عد الجاحظ أيضا البيت السالف من منحول شعر النابغة٣. وكذلك ذكر مرجوليوث هذا البيت، أثناء حديثه عن الأدلة التي ساقها لإثبات نظريته في أن الشعر الذي نقرؤه على أنه شعر جاهلي، إنما نظم في العصور الإسلامية. ويرى أن النابغة كان يعرف قصة نوح بتفصيلاتها، ويعقب على ذلك بقوله: "ويبدو أن القرآن هو المصدر الوحيد عن هذا الأمر"، ثم يورد بيت النابغة، ويقول: وهنا إشارة إلى الصفة "أمين" وهي في القرآن من صفات

стр. 349

"نوح" ويعني بذلك الآيات: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ, إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ, إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ ١. وقد ذكر ابن سلام حسان بن ثابت، فقال عنه٢: "إنه كثير الشعر جيده، وقد حمل عليه ما لم يحمل على أحد. لما تعاضهت قريش واستبت, وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تنقى"٣. وذكر أبو عمرو بن العلاء، أن ذا الإصبع العدواني قال يرثي قومه٤: وليس المرء في شيء ... من الإبرام والنقض إذا يفعل شيئا خا ... له يُقضى وما يقضي جديد العيش ملبوس ... وقد يوشك أن يفضي ثم نص على أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية هذه إلا الأبيات التي أنشدها، وأن سائرها منحول, بينما نرى أبا الفرج نفسه يورد من هذه القصيدة غير الأبيات المتقدمة نحوا من أربعة وعشرين بيتا آخر٥. وذكر الجاحظ في الحيوان، قول غيلان بن سلمة: في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأن متونه السحل عقلا ورقما ثم أردفه ... كلل على ألوانها الخمل كدم الرعاف على مآزرها ... وكأنهن ضوامرا إجل ثم علق على ذلك بقوله: وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس، فهو إذًا يجزم بأن هذا الشعر محمول على غيلان، ولكن دون حجة أو دليل. ولننتقل بعد هذا لدراسة لاميتي الشنفرى وتأبط شرا.

стр. 350

لامية العرب بين الشنفرى وخلف الأحمر: فأما لامية الشنفرى فقصيدة مشهورة تسمى لامية العرب, وقد قال أبو علي القالي١: كان أبو محرز -وهي كنية خلف بن حيان الراوية الشهير بخلف الأحمر- أعلم الناس بالشعر واللغة وأشعر الناس على مذاهب العرب. حدثني أبو بكر بن دريد: أن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل له، وهي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول، فكان أقدر الناس على قافية. ومن العجيب أن أبا بكر بن دريد على تفضيله خلفا على الأصمعي وجعله الأول بحرا والثاني ثمادا، قد ذكر أن خلفا هو قائل هذه اللامية، ولكن مما يضعف هذا الاتهام ويرجح أن القصيدة للشنفرى، أن ابن سلام ينص على علم خلف بالشعر، وينص كذلك على توثيقه في الرواية. ثم لا يكتفي بأن يجعل ذلك رأيا خاصا به، وإنما يذكر أن هذا الرأي هو إجماع علماء البصرة، قال ابن سلام: "أجمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس ببيت شعر، وأصدقهم لسانا، كنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبرا أو أنشدنا شعرا ألا نسمعه من صاحبه"، ولرأي ابن سلام قيمة خاصة, إذ إن ابن سلام هو من نعرف شكا في بعض الشعر الجاهلي، ونصا على بعض المنحول منه، والحق أن ابن سلام لم يكتف بكل هذا الذي قاله في توثيق خلف، وإنما أضاف إليه أقوالا أخرى ذهب فيها إلى أن خلفا كان ناقدا للشعر الجاهلي، يميز صحيحه من فاسده, وينص على المنحول منه، ويردد كثيرا مما كان يروى في زمنه. ومن أجل هذا جاءه خلاد بن يزيد الباهلي, وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله, فقال له: بأي٢ شيء تردد هذه الأشعار التي تروي؟ فقال له خلف: هل فيها ما تعلم أنت أنه مصنوع لا خير فيه؟ قال: نعم. قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم. قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مما تعلمه أنت.

стр. 351

وهو يصوره أيضا أنه -في شكه في بعض الشعر الجاهلي- لا يقطع ولا يجزم، وإنما يقول: إن هذه الأبيات أو تلك القصيدة "يقال": إنها لفلان؛ فمن ذلك أن ابن سلام سأله عن بيت من الشعر: من يقوله؟ فأجابه: "يقال: للزبير بن عبد المطلب"١. ولقد تجنى بعض الرواة على خلف، حتى إنهم وضعوا على لسانه شعرا ورجزا، ثم نسبوا إليه أنه وضع ذلك الشعر ونحله الشعراء القدماء. قال الجاحظ٢: "ولقد ولدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعي، أرجازا كثيرة، فما ظنك بتوليدهم على ألسنة القدماء؟ " وكل ذلك يرجح رأينا في أن هذه القصيدة قد نظمها الشنفرى، ولم ينحله إياها خلف الأحمر.

стр. 352

لامية تأبط شرا: وقد اختلف النقاد كذلك في نسبة اللامية التي مطلعها: إن بالشعب الذي جنب سلع ... لقتيلا دمه ما يطل فنسبها بعضهم، كأبي تمام في حماسته١، إلى تأبط شرا، ولم يشر إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى الشنفرى٢، ولم يشر كذلك إلى أنها قد تنسب إلى غيره. ونسبها بعضهم إلى ابن أخت تأبط شرا، قالها في خاله. وسواء أكانت هذه القصيدة لتأبط شرا أم لابن أخته أم للشنفرى، فهي جاهلية صحيحة وليست منحولة. وهؤلاء جميعا كانوا يضطربون في بيئة حجازية؛ فناظم هذه القصيدة إذًا -وأيا كان هذا الاختلاف- جاهلي حجازي, بيد أن عقدة هذا الموضوع فيما ذكروه من أن خلفا هو ناظم هذه القصيدة، وقد نحلها تأبط شرا.

стр. 353

فلنبدأ بمناقشة أقوال من ذهب إلى أنها منحولة، ثم نعقب بما يثبت رأينا من الأخبار والأقوال. قال التبريزي: قال: قال النمري١: ومما يدل على أنها لخلف الأحمر قوله فيها: "جل حتى دق فيه الأجل"، فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا. قال أبو محمد الأعرابي٢: هذا موضع المثل: "ليس بعشك فادرجي" وليس هذا كما ذكره، بل الأعرابي قد يتغلغل إلى أدق من هذا لفظا ومعنى, وليس من هذه الجهة عرف أن الشعر مصنوع، لكن من الوجه الذي ذكره لنا أبو الندى٣. قال: "مما يدل على أن هذا الشعر مولد أنه ذكر فيه سلعا، وهو بالمدينة، وأين تأبط شرا من سلع؟ وإنما قتل في بلاد هذيل ورمي به في غار يقال له: رخمان". وفي هذا النقض دليل على إحساس الأقدمين أنفسهم بضعف قول من قال: إن هذه القصيدة لخلف نحلها تأبط شرا أو ابن أخته، وما هو هذا المعنى الفلسفي العميق الذي لا يستطيع أن يتغلغل إليه الأعرابي؟ إنه كما قالوا نصف بيت في القصيدة كلها وهو قوله: جل حتى دق فيه الأجل. فإذا كشفت عن هذا المعنى لم تجده يعني شيئا غير قوله: إن وفاة هذا الرجل لأمر عظيم يصغر بإزائه كل عظيم من الأمور. فأي عمق في هذا القول لا يدركه الأعرابي ومن هو دون الأعرابي٤. بيد أن الدليل الذي أقامه أبو الندى على أنقاض هذا الدليل؛ لإثبات أن هذه القصيدة مصنوعة، وهو أن الشاعر ذكر سلعا وسلع: جبل بالمدينة،

стр. 354

منقوض أيضا؛ فإن سلعا -كما ورد في القاموس مادة سلع، وفي معجم البلدان- اسم لعدة مواضع, ومنها كما نص الأقدمون أنفسهم جبل بهذيل, وقد وضح نقض هذا الخبر الذي يتهم خلفا بوضع هذه القصيدة ونحلها الشنفرى أو تأبط شرا أو ابن أخته، حيث قد رجح لدينا أن أكثر هذه القصيدة لا يمكن أن يكون موضوعا متكلفا منحولا. ويجدر بنا -بعد هذا- أن نورد كيف التبس الأمر على القوم في هذه القصيدة؟ فقد أورد الخالديان اثني عشر بيتا من هذه القصيدة ونسباها الشنفرى، ثم قالا: وقد زعم قوم من العلماء أن الشعر الذي كتبنا للشنفرى هو لخلف الأحمر، وهذا غلط. ونحن نذكر الخبر في ذلك: أخبرنا الصولي، عن أبي العيناء، قال: حضرت مجلس العتبي، ورجل يقرأ عليه الشعر للشنفرى، حتى أتى على القصيدة التي أولها: إن بالشعب الذي دون سلع ... لقتيلا دمه ما يطل فقال بعض من كان في المجلس: هذه القصيدة لخلف الأحمر. فضحك العتبي من قوله, فسألناه عن سبب ضحكة؟ فقال: والله ما لآل أبي محرز خلف من هذه القصيدة بيت واحد، وما هي إلا للشنفرى، وكان لها خبر طريف لم يبق من يعرفه غيري. قلنا: وما خبرها؟ قال: جلسنا يوما بالمربد، ونحن جماعة من أهل الأدب، ومعنا خلف الأحمر نتذاكر أشعار العرب، وكان خلف الأحمر أروانا لها وأبصرنا بها، فتذاكرنا منها صدرا، ثم أفضينا إلى أشعارنا، فخضنا فيها ساعة، فبينا خلف ينشدنا قصيدة له في روي قصيدة الشنفرى هذه وقافيتها, يذكر فيها ولد أمير المؤمنين عليهم الرحمة، وما نالهم وجرى عليهم من الظلم، إذ هجم علينا الأصمعي، وكان منحرفا عن أهل البيت، وقد أنشد خلف بعض الشعر، فلما نظر الأصمعي قطع ما كان ينشده من شعره ودخل في غيره إلا أنه على الوزن والقافية، ولم يكن فينا أحد عرف هذا الشعر ولا رواه للشنفرى، فتحيرنا لذلك وظنناه شيئا عمله على البديهة. فلما انصرف الأصمعي قلنا له: قد عرفنا غرضك فيما فعلت, وأقبلنا نطريه

стр. 355

ونقرظه، فقال: إن كان تقريظكم لي لأني عملت الشعر، فما عملته والله، ولكنه للشنفرى يرثي تأبط شرا، ووالله لو سمع الأصمعي بيتا من الشعر الذي كنت أنشدكموه ما أمسى أن يقوم به خطيبا على منبر البصرة فيتلف نفسي. فادعاء شعر، لو أردت قول مثله ما تعذر علي، أهون عندي من أن يتصل بالسلطان، فألحق باللطيف الخبير. قال أبو العيناء: فسألنا العتبي شعر خلف الذي ذكر فيه أهل البيت، فدافعنا مدة, ثم أنشد: قدك مني صارم ما يفل ... وابن حزم عقده لا يحل ينثني باللوم من عاذليه ... ما يبالي أكثروا أم أقلوا "وهي ٤٧ بيتا أوردها كلها، ثم قال": كتبنا هذه القصيدة بأسرها؛ لأنها في سادتنا ﵈، ولأنها أيضا غريبة لا يكاد أكثر الناس يعرفها١.
следующие страницы →