وصاحب العقد الفريد يجعل في القرآن هجاء فيقول١: قال الله تبارك في هجو المشركين: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الآية. وأبو هلال العسكري يروي في باب الهجاء شعرا أخلاقيا لا يدخل في الهجاء بمعناه الضيق عند قدامة وأشياعه, ويذكر في هذا الباب نثرا مسجوعا في أغلب الأحيان، ولكنه يسميه ذما. والنويري في نهاية الأرب يجعل النثر والهجاء الأخلاقي في باب الهجاء, فيقول٢: "وإن للشعراء والبلغاء في الذم والهجاء نظما ونثرا سنورد منهما طرقا" ويجعل من الهجاء قسما هو هجاء أخلاقي، كهجاء الحسد والسعاية بالبغي والغيبة والنميمة.
والذي يعنينا في بحثنا هذا هو: ذلك الشعر الغنائي الذي يوجه فيه صاحبه الملامة والنقد والامتهان والاحتقار والكره والبغض لكل ما هو معيب مرذول، أو هزأة ضحكة من الأفراد أو الجماعات أو المذاهب أو الأخلاق.
"والهجاء ساخط على المجتمع ثائر على ما فيه ضيق به. والهجاء نتيجة عقدة نفسية وربما في كثير من الأحيان نتيجة لمركب نقص".
"ومن مميزات الهجاء دقة الملاحظة، فالهجاء طلعة بصير يفطن إلى أدق التوافه وألطفها مما يحيط به".
والهجاء يعتمد على التأثير السريع والوضوح الخلاب، فأسلوبه يمتاز بالبساطة التي لا أثر فيها للتكلف. وقد يصل فيه الإسفاف والهبوط إلى مستوى النكتة العامية والحديث الشائع المتداول بين العامة. "وأصحاب المطبوع أقدر على الهجاء من أهل المصقوع"؛ ذلك لأن "الهجاء نقد للحياة، فهو يأخذ مادته من الواقع، ولا يستمدها من الخيال أو التفكير، ولذلك كانت أبرز صفاته الواقعية البعيدة عن الإسراف في الصناعة، والتي تقوم على تجارب الحياة ودقة الملاحظة لما يجري فيها من أحداث"٣.
стр. 527
٣- الفرق بين الهجاء والشعر التهذيبي:
والواقع أن الجاهليين حين قصروا الهجاء بمعناه الأدبي على شكله الشخصي كانوا محقين. فقد نشأ الهجاء عندهم كما نشأ الهجاء عند غيرهم من الأمم تنديدا بالمعايب الشخصية أول الأمر، ثم تقدم الهجاء عندهم كما تقدم عند غيرهم، وارتفع عن الأحقاد الخاصة إلى عنصر الحياة العامة؛ فكان منه السياسي، وكان منه الأخلاقي، وكان منه الديني.
وهنا يجب أن نشير إلى فرق دقيق بين نوعين من الأدب لا ينبغي أن نخلط بينهما, هما: شعر الهجاء والشعر التهذيبي "أو الأدب" كما كان يسميه بعض نقادنا القدماء. فالشعر التهذيبي يقصد به الوعظ والإرشاد، أما الهجاء فيرمي به صاحبه إلى العقوبة والانتقام. فالأول يقدم درسا في الأخلاق أو الدين والفلسفة.
أما الهجاء فهو شريعة القصاص -كما يقول أرنولد- من المجرمين الذين لا تنالهم يد القانون القصيرة، فالهجاء يرى أن هناك طائفة من المجرمين قد غلظت طبائعهم بما أشربوا في قلوبهم الباطل والإثم والغرور حتى ما يؤثر فيهم نصح أو تحذير, فهو ينشر على الناس مخازيهم، ويجعلهم أضحوكة ومثلة، وقد لا يرجو من وراء عمله هذا أن يصلحهم أو يطهرهم. فالعلاقة بين الشعر التهذيبي والشعر الهجائي هي كالصلة بين المدرسة والمحكمة؛ أحدهما يسعى لتكوين الفضيلة ونشر الحكمة, والآخر ينزل عقابه بالرذيلة ويهتك الستر عن الحماقة والسفه ... دافع الشعر التهذيبي رغبة صادقة في الإصلاح، ودافع الهجاء شهوة الغضب والانتقام١.
стр. 528
٤- علاقة الهجاء بالسحر:
وقد كان فن الهجاء من أكثر الفنون الشعرية ارتباطا بالسحر في أوهام العرب؛ ذلك لأن الخفاء والغموض اللذين لازما فن الشعر كانا أليق بالشر، وأدنى أن يبعثا الرهبة والخوف في قلوب الناس. فقد كانت العرب تزعم أن لكل شاعر رئيا من الجن يسمونه تابعا أو هاجسا, وذلك واضح في قصصهم وفي شعرهم١.
ووجه الشبه بين السحر والهجاء واضح؛ فالسحر كلمات تقال فيصيب شرها المسحور، وينصب ما تضمنت من لعنة على المقصود بالإيذاء، والهجاء كذلك كلمات تقال فيها معنى الشر واستمطار اللعنة. والساحر يتوسل إلى شياطينه وأرواحه الشريرة أن تعينه على إلحاق الأذى بالمسحور، والهجاء يستلهم شياطينه الهجاء ويستعينها على المهجو. ولذلك غلب ذكر شياطين الشعر في الهجاء بنوع خاص ولأمر ما نسب الناس هذه القوة الخفية التي تمد الشاعر بالشعر للشر ولم ينسبوها للخير، فقالوا: "شياطين الشعر"، ولم يقولوا: "ربة الشعر" كما تعود اليونان أن يقولوا.
وقد كان الشاعر إذا هجا ربما خرج على الناس في زي غريب غير مألوف, وبالغ في مسخ شكله وتشويه خلقته. وكان حسان بن ثابت يلوث شاربه وعنقفته بالحناء دون سائر لحيته، فيبدو لأول وهلة كأنه أسد والغ في الدم، وروى الألوسي في بلوغ الأرب: "أن الشاعر كان إذا أراد الهجاء, دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلا واحدة"٢. لذلك كان العرب شديدي الخوف من الهجاء, وكانوا يرون بيت الهجاء متضمنا قوى خفية, ولعنة تصيب من تحل به. ويقول مزرد بن ضرار الذبياني "أخو الشماخ بن ضرار"
стр. 529
في رجل من بني عبد الله بن غطفان خدع غلاما من قومه, فاشترى إبله بغنم ... وهو هنا يندد بخدعة الرجل، طالبا إليه أن يرد الإبل، وقد صورها مصابة بالجرب وبمختلف الأدواء، وكأنه يريد أن يشأمها وينزل بها اللعنة والبوار:
فيا آل ثوب إنما ذود خالد ... كنار اللظى لا خير في ذود خالد١
بهن دروء من نحاز وغدة ... لها ذربات كالثدي النواهد٢
جربن فما يهنأن إلا بغلقة ... عطين وأبوال النساء القواعد٣
فلم أر رزءا مثله إذ أتاكم ... ولا مثل ما يهدي هدية شاكد٤
ويؤيد ذلك ما روى صاحب السيرة, من أن أبا سفيان بن حرب ألقى ابنه معاوية أرضا؛ فرقا من دعوة خبيب حين قال وقد أخذوه ليصلبوه: "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا". وقد كانت العرب تزعم أن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه, زالت عنه٥.
وكان الشاعر ربما عجز عن دفع مظلمة، أو رد حق غصب منه، فلا يستعين على ذلك إلا بلسانه؛ فيهاب الناس هجاءه أكثر مما يخافون سيف الفاتك الجبار.
стр. 530
٥- أقسام الهجاء:
ينقسم الهجاء إلى ثلاثة أقسام: هجاء شخصي, وهجاء أخلاقي, وهجاء سياسي.
فالهجاء الشخصي يعتمد على مهاجمة الأفراد, وهو أقدم أنواع الشعر الهجائي, وهو في معظم الأحيان متأثر بالأهواء الشخصية، بعيد عن العدل والإنصاف؛ لأنه لا يرتقي إلى عناصر الحياة العامة إلا في القليل من نواحيه، فهو أقرب للسباب، وأدنى إلى أن يتورط في الفحش. ومثل هذا الشعر قد يعجب المعاصرين ويسترعي انتباههم، فيرددونه شامتين أو ساخطين، ولكن يفقد جزءا كبيرا من قيمته بتداول العصور، فلا يتحمس له الناس ولا يجدون فيه المتعة إلا بمقدار ما يشتمل عليه من نادرة طريفة، أو سخرية مسلية, أو نكتة مضحكة.
أما الهجاء الأخلاقي، فموضوعه الجرائم الأخلاقية أو الدينية والمفاسد الاجتماعية، والعادات القبيحة والعيوب الإنسانية على وجه العموم. وقد يعم بالهجاء جنسا من الأجناس لا يعين منه أفرادا؛ كالذي نجده في شعر المعري من السخط على المرأة أو رجال الدين. ومن أمثلته في الأدب الحجازي وصف العقوق لأمية بن أبي الصلت.
والنوع الثالث من الهجاء هو الهجاء السياسي. وهو يتميز عن سالفيه بأن صاحبه يرى مثله الأعلى في حزب من الأحزاب أو طائفة من الطوائف أو مذهب من المذاهب، فهو يهاجم كل ما يتعارض مع هذا المثل من نقائص ومعايب تتمثل في أنصار حزب, وهو يزعم في كل هذا -صادقا أو متصنعا- أنه يهاجم في سبيل الفضيلة والحق.
ونستطيع أن نلحق بهذا القسم الهجاء الديني والهجاء القبلي. أما الهجاء الديني فنجد له أمثلة فيما كان بين شعراء المسلمين وشعراء قريش أول ظهور الإسلام. وأما الهجاء القبلي فيصور الشعر السياسي في طوره البدائي عند العرب؛ فقد كان العربي يحمل لقبيلته من القداسة والإجلال مثل ما يحمل المواطن لوطنه
стр. 531
بل أشد. وكان للفرد على قبيلته من الحقوق ما يشبه حق المواطن على وطنه؛ فهي مكلفة بحمايته من كل اعتداء وهو بعد هذا مسئول أمامها، مرتبط بها، لا رأي له إلا ما رأت، وهو يضع سيفه ولسانه في خدمتها, ولها أن تحرمه من جنسيته بأن تتبرأ منه وتعلنه طريدا١ ... وقد ذكرنا أمثلة لذلك في الشعر السياسي, وسنتناول بالتفصيل هذه الأقسام.
٦- أما الهجاء الشخصي فمبعثه تلك المنازعات الفردية، والخلافات الشخصية التي تنشأ بين الأفراد في كل زمان ومكان, بحكم أن الحياة كلها صراع على العيش، ونزاع على المال والجاه والسلطان.
وقد كان هذا اللون صورة سريعة حادة لانفعال الغضب لدى الجاهليين، فلم يتح له الصقل، ولا الأناة التي هي سبيل التجويد، فهو فقير في الصور والمعاني، ضئيل الحظ من الخيال ... وهو بعد, معركة كلامية هائجة تستعر بين فردين يتقاذفان بالشتائم.
ويتميز الهجاء الشخصي بما يأتي:
١- بسط اللسان، وكيل الشتائم, واختلاق المثالب والمعايب. وكثيرا ما يكون السباب مفحشا مقذعا يفضح العورات, دون مراعاة لأدب اللياقة أو الاحتشام.
٢- الفخر بالأحساب والأنساب، والأهل والمال والوالد, وكريم السجايا والتعالي بها على الخصوم والأعداء، وتعييرهم بنقائصهم في هذه المفاخر.
٣- تهديد الخصم بالقتل، وبالشعر الذي يسمه بميسم الذل ويظل لعنة تلاحقه في كل سامر ونادٍ، ويبقى على الأيام ذل الدهر وعار الأبد ووصمة الحياة!
هذه هي المعاني التي لا يكاد يخرج عنها الهجاء الفردي.
стр. 532
وقد كان للشعراء الحجازيين نصيب في هذا اللون من الهجاء؛ يقول المزرد بن ضرار الذبياني "أخو الشماخ":
يهزون عرضي بالمغيب ودونه ... لقرمهم مندوحة ومآكل
على حين أن جربت واشتد جانبي ... وأنبح مني رهبة من أناضل
وجاوزت رأس الأربعين فأصبحت ... قناتي لا يلفى لها الدهر عادل
فقد علموا من سالف الدهر أنني ... معن إذا جد الجراء ونابل
زعيم لمن قاذفته بأوابد ... يغني بها الساري وتحدى الرواحل
مذكرة تلقى كثيرا رواتها ... ضواح لها في كل أرض أزامل
تكر فلا تزداد إلا استنارة ... إذا رازت الشعر الشفاه العوامل
فمن أرمه منها ببيت يلح به ... كشامة وجه ليس للشام غاسل
كذاك جزائي في الهدي وإن أقل ... فلا البحر منزوح ولا الصوت صاحل١
كان المزرد فارسا مشهورا، وكان هجاء خبيث اللسان، حلف: لا ينزل به ضيف إلا هجاه، ولا يتنكب بيته إلا هجاه، إلا أنه أدرك الإسلام فأسلم. ويبدو أنه أقلع عن الهجاء أخيرا؛ لقوله فيما نقل صاحب اللسان "٤/ ٤٨٤" عن ابن السكيت:
تبرأت من شتم الرجال بتوبة ... إلى الله مني لا ينادى وليدها
стр. 533
على أننا نجد حظا وافرا من الجمال الفني في قصيدة ذي الإصبع العدواني, التي يهجو بها ابن عم له:
ولي ابن عم على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... بالفاحشات ولا فتكن بمأمون
عف ندود إذا ما خفت من بلد ... هونا فلست بوقاف على الهون
عني إليك فما أمري براعية ... ترعى المخاض وما رأيي بمغبون
كل امرئ راجع يوما لشيمته ... وإن تخالق أخلاقا إلى حين
إني أبي أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبيين
لا يخرج القسر مني غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
وأنتم معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم كلا فكيدوني
فإن عرفتم سبيل الرشد فانطلقوا ... وإن جهلتم سبيل الرشد فأتوني
ماذا علي وإن كنتم ذوي كرم ... أن لا أحبكم إن لم تحبوني
لو تشربون دمي لم يرو شاربكم ... ولا دماؤكم جمعا ترويني
الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم عني ويجزيني
قد كنت أوتيكمو نصحي وأمنحكم ... ودي على مثبت في الصدر مكنون
يا عمرو لو لنت لي ألفيتني بشرا ... سمحا كريما أجازي من يجازيني
والله لو كرهت كفي مصافحتي ... لقلت إذ كرهت قربي لها بيني
стр. 534
ويصادف الباحث في الأدب الحجازي بعض الهجاء المفحش؛ كالأشعار التي تنسب لحسان بن ثابت حتى بعد أن خالط الإسلام روحه، فها هو ذا في المعركة الناشبة بين الإسلام والشرك في يوم أحد يهجو هند أم معاوية, فيقول:
أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤم إذا أشرت مع الكفر
لعن الإله وزوجها معها ... هند الهنود طويلة البظر
أخرجت مرقصة إلى أحد ... في القوم معنقة على بكر١
ثم يقول:
أقبلت زائرة مبادرة ... بأبيك وابنك يوم ذي بدر
ونسبت فاحشة أتيت بها ... يا هند ويحك سبة الدهر
فرجعت صاغرة بلا ترة ... مما ظفرت به ولا وتر
زعم الولائد أنها ولدت ... ولدا صغيرا كان من عهر
بل إنه ليتهمها بأنها كانت تسقط أولادها من السفاح وتدفنهم سرا في بطحاء أجياد؛ سترا للفضيحة والعار, فيقول:
لمن سواقط صبيان منبذة ... باتت تفحص في بطحاء أجياد
باتت تمخض ما كانت قوابلها ... إلا الوحوش وإلا ضبة الوادي
ويهجو بني سهم وعمرو بن العاص بن وائل "وأمه النابغة امرأة من عنزة", فيقول:
أما ابن نابغة العبد الهجين فقد ... أنحى عليه لسانا صارما ذكرا
ما بال أمك راغت عند ذي شرف ... إلى جذيمة لما عفت الأثرا
ظلت ثلاثا وملحان معانقها ... عند الحجون فما ملا ولا فترا
يا آل سهم فإني قد نصحت لكم ... لا أبعثن على الأحياء من قبرا
стр. 535
أما هشام فرجلا قينة مجنت ... باتت تغمز وسط السامر الكمرا١
لولا النبي وقول الحق مغضبة ... لما تركت لكم أنثى ولا ذكرا
ويقول في هجاء بني المغيرة:
هلا منعتم من المخزاة أمكم ... عند الثنية من عمرو بن يحموم
أسلمتموها فباتت غير طاهرة ... ماء الرجال على الفخذين كالموم
ولا نريد المضي في هذا الشعر الفاحش بل الممعن في الفحش الذي لا نكاد نجد له نظيرا في الشعر الجاهلي، ولعل كثيرا منه مشكوك فيه لا تصح نسبته لحسان.
ويمتاز حسان "ببراعته في خلق الصور الفنية وابتكارها, وهذه الموهبة تتيح للهجائين بنوع خاص كثيرا من الشهرة والذيوع، فهي تصور إلى جانب الذكاء بصيرة هجائية، وروحا فكهة، لا تنظر إلى الأشياء إلا لتسخر منها، وترى فيها شبها قريبا بألوان مضحكة من الصور". يقول في هجاء رجل من بني عابد بن عبد الله المخزومي:
فإن تصلح فإنك عابدي ... وصلح العابدي إلى فساد
وإن تفسد فما ألفيت إلا ... بعيدا ما علمت من السداد
على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد
ويقول في هجاء الحارث بن كعب "رهط النجاشي" الشاعر:
حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم ... عنا وأنتم من الجوف الجماخير
стр. 536
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ذروا التخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إن الرجال ذوو عصب وتذكير
كأنكم خشب جوف أسافله ... مثقب فيه أرواح الأعاصير
ألا طعان ألا فرسان عادية ... إلا تجشؤكم حول التنانير١
٧- الهجاء السياسي:
وأما الهجاء السياسي في الحجاز فألوان شتى, منها:
أ- هجاء الفرد قبيلته.
ب- هجاء الفرد قبيلة أخرى, يصور فيه مثالبها وما بينها وبين قبيلته من منازعات ومنافسات.
جـ- هجاء يتجه إلى الملوك الطغاة الذين يذلون القبائل, ويفرضون عليها الإتاوات الفادحة.
د- هجاء يصور الملاحاة التي كانت بين الإسلام وبين أعدائه.
وقد تحدثنا عن الألوان الثلاثة الأولى في "الشعر السياسي", كما أسلفنا طائفة من الشعر الذي قيل في نقد الملوك الطغاة وتهديدهم، وذكرنا نبأ الحارث بن ظالم المري الذي فتك بخالد بن جعفر وقتل ابنا للنعمان كان في حجر أخته سلمى بنت ظالم, وأوردنا قصيدته التي مطلعها:
قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتما ... محارب مولاه وثكلان نادم
ونزيد هنا أن سنان بن أبي حارثة المري -وهو يومئذ رأس غطفان- قال للنعمان بعد هذه الحادثة: "أبيت اللعن, والله ما ذمة الحارث لنا بذمة ولا جاره لنا
стр. 537
بجار، ولو أمنته ما أمناه". فقال الحارث يندد بالنعمان وسنان ويتوعدهما ويسخر منهما:
ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فكيف بخطاب الخطوب الأعاظم
وأنت طويل البغي أبلج معور ... فزوع إذا ما خيف إحدى العظائم
فما غرة والمرء يدرك وتره ... بأروع ماض الهم من آل ظالم
أخي ثقة ماضي الجنان مشيع ... كميش التوالي عند صدق العزائم
فأقسم لولا من تعرض دونه ... لعولي بهندي الحديدة صارم
فأقتل أقواما لئاما أذلة ... يعضون من غيظ أصول الأباهم
تمنى سنان ضلة أن يخفيني ... ويأمن، ما هذا بفعل المسالم
تمنيت جهدا أن تضيع ظلامتي ... كذبت ورب الراقصات الرواسم
يمين امرئ لم يرضع اللؤم ثديه ... ولم تتكنفه عروق الألائم
أما اللون الرابع الذي يصور الصراع بين الشرك والإسلام، فيمكن أن نسميه "الهجاء الديني".
٨- الهجاء الديني:
وقد أدرك النبي -صلوات الله عليه- قيمة الحرب الكلامية وأثرها الفعال في تعزيز الحرب الفكرية والمعارك الحربية بينه وبين قريش الوثنية، فانتدب حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة؛ للذود عن الإسلام ومنافحة المشركين، وكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر، ويعيرانهم بالمثالب. وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر، ويعلم أنه ليس فيهم شر من الكفر. فكانوا في ذلك الزمان أشد شيء عليهم قول حسان وكعب، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام، كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة١.
стр. 538
وكان النبي -صلوات الله عليه- يصلح بعض هذا الشعر ويوجهه، ويطلب إلى حسان أن يستفيد من علم أبي بكر في الأنساب؛ ليعرف مخازي قريش وعوراتها.
وقد كان أثر هذه العناية بالدعاية للدين واضحا في نمو فن الهجاء وعنفه، ولكنه لم يترك أثرا واضحا في أسلوب هذا الفن، فقد ظل كما كان جاهليا في صميمه، معتمدا على الأنساب، والتعبير بضعف العصبية، وخمول الذكر، والعجز عن حماية الجار، والاستسلام للمهاجمين من الأعداء، والقعود عن الثأر، إلى أمثال هذه الخصال التي تصور المثل الجاهلية، ولم يتأثر بالقيم الجديدة إلا قليلا. والنبي -صلوات الله عليه- يقول لشعراء المسلمين: "قولوا لهم مثل ما يقولون لكم"؛ ذلك لأنه قصد إلى التأثير في الجماهير، ولم يكن التعبير بالشرك، وعبادة ما لا يعقل، ومخالفة الخلق القويم، ليصنع في هذا المقام شيئا، فالهجاء فن يعتمد على الواقع وعلى القيم الأخلاقية الاجتماعية كما يتصورها العصر١. ومن أمثلة هذا الشعر قول عبد الله بن الزبعرى في غزوة أحد قبل أن يسلم:
يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
أبلغا حسان عني آية ... فقريض الشعر يشفي ذا الغلل
كم قتلنا من كريم سيد ... ماجد الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع ... غير ملتاث لدى وقع الأسل
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء كيها ... واستحر القتل في عبد الأشل
ثم خفوا عند ذاكم رقصا ... رقص الحفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا ... لو كررنا لفعلنا المفتعل
بسيوف الهند نعلو هامهم ... عللا نعلوهم بعد نهل
стр. 539
وقول حسان بن ثابت في غزوة بدر:
لقد علمت قريش يوم بدر ... غداة الأسر والقتل الشديد
بأنا حين تشتجر العوالي ... حماة الروع يوم أبي الوليد
قتلنا ابني ربيعة يوم ساروا ... إلينا في مضاعفة الحديد
وفر بها حكيم يوم جالت ... بنو النجار تخطر كالأسود
وولت عند ذاك جموع فهر ... وأسلمها الحويرث من بعيد
لقد لاقيتم خزيا وذلا ... جهيزا باقيا تحت الوريد
وكان القوم قد ولوا جميعا ... ولم يلووا على الحسب التليد١
стр. 540
الفصل السابع: فنون شعرية أخرى
تحدثنا في الفصول السابقة بتفصيل ما عن طائفة من أغراض الشعر وفنونه، وسنتناول بالإجمال في هذا الفصل أغراضا أخرى هي: الوصف والمديح والرثاء.
الوصف:
كان للشعراء الحجازيين في الجاهلية مجال واسع في ميدان الوصف؛ فقد وصفوا بيئتهم وما يتصل بحياتهم من مظاهر الطبيعة أو مظاهر الحضارة وغيرها، وصفوا الأرض والسماء والليل والكواكب والنجوم، والرياح والأمطار والبرق والسحاب، كما وصفوا النبات والأزهار والأشجار والصحراء, وما بها من نجاد ووهاد وشعاب وجبال وبطاح وكثبان، وما يدور في فلك حياتهم من حل وترحال وكر وفر وغارات وحروب، كما وصفوا الإبل والخيل والطير والنعام والآرام والظباء وغيرها. كما اهتموا بوصف المطاعم الرقيقة كالفالوذج والملابس الناعمة, وألوان الحلي وسائر مظاهر الترف، والكتابة وأدواتها، والحروب وأسلحتها.
وكان الحجازيون إذا تناولوا بالوصف مكانا أو حيوانا أو امرأة أو أي شيء في الحياة، توخوا الدقة والصدق في رسم الواقع، فهم بذلك واقعيون يمثلون الطبيعة كما هي، ولا يتحرجون في ذكر الأعضاء التي يعد ذكرها خروجا على أدب اللياقة, وكانوا لا يبالغون في وصفهم. ومن النادر أن نجد مثل قول النابغة في وصف السيوف الصارمة:
стр. 541
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد في الصحصاح نار الحباحب١
وهو في هذا البيت يذهب إلى أن سيوف الممدوحين تقطع الدرع المضاعف، ثم تقد الفارس والفرس، ثم تنقد منهما إلى الحجارة حيث تقدح فيها الشرر. وهي مبالغة قلّ أن تجد لها نظيرا في الشعر الحجازي الجاهلي.
وكانوا إذا صوروا حادثة مثّلوها دون إيغال في استعمال الكناية أو المجاز, كما فعل أبو ذؤيب الهذلي في وصف حمر الوحش وصيدها١. وليس معنى هذا خلو أوصافهم من الجمال الفني, كلا، فإننا نجد لهم تشبيهات رائعة واستعارات جميلة كما يتضح ذلك من القصيدة التي يصف فيها تأبط شرا تحياله للخلاص من بجيلة في إحدى مغامراته الظافرة.
وقصة هذه المغامرة أن بني لحيان أخذت عليه طريق جبل ألقوه به يجني عسلا, ولم يكن له درب سواه. فقالوا له: استأسر أو نقتلك، فأبى أن يستأسر، وهداه فكره اللماح إلى حيلة تخلصه من موقفه الحرج فصب ما معه من العسل على الصخر، وترك جسمه ينزلق عليه حتى وصل إلى الأرض من غير طريقهم، ونجا منهم دون أن يمسه أذى من الصخر، والموت المحقق ينظر إليه خزيان لنجاته منه:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم ليس نازلا ... به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر
أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويوم ضيق الجحر معور
هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها ... لمورد حزم إن فعلت ومصدر
стр. 542
فرشت لها صدري فزل عن الصفا ... به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهم ولم أك آيبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
ونحن لا نستطيع استيعاب الكلام في هذا الباب الواسع، وحسبنا أن نذكر لونين من ألوان الوصف, وهما أدوات القتال، وأدوات الكتابة:
أدوات القتال:
تعتبر السيوف أشهر آلات القتال ذكرا وأكثرها أسماء ونعوتا, وأجود الأسلحة التي يستعملها العربي. وكانت السيوف تصنع أحيانا بالمدينة على يد بعض القيون كما اشتهر بصناعتها اليهود.
ومن أجود سيوف الحجازيين، بل سيوف العرب عامة: المشرفية, وهي منسوبة إلى المشارف وهي القرى التي تدنو من الريف مثل خيبر ودومة الجندل. وقيل: تنسب إلى "مشرف" وهو رجل من ثقيف. ومن أشهرها "الهندية" المستوردة من الهند.
وقد برع الحجازيون في وصف السيوف والفخار بها ومرونتهم في استعمالها, فقال قيس بن الخطيم:
كأن سيوفنا منا ومنهم ... مخاريق بأيدي لاعبينا
كما برعوا في وصف القسي والدروع والرماح، وهذا المزرد بن ضرار يصف رمحه بأنه لين مهتز كأنما سقي بالزيت، وبأنه مصمت يهتز أعلاه إذا ما هز مقبضه حتى لكأنه ثعبان حذر، أما سنانه فحاد لامع كأنه هلال ناحل يضيء في ظلمة الليل:
ومطرد لدن الكعوب كأنما ... تغشاه منباع من الزيت سائل
أصم إذا ما هز مارت سراته ... كما مار ثعبان الرمال الموائل
له فارط ماضي الغرار كأنه ... هلال بدا في ظلمة الليل ناحل١
стр. 543
ومزرد نفسه هو الذي قدم لنا صورة دقيقة بارعة لقوسه، منذ أن كانت فرع ضالة مخبوءة في مكان بعيد تصونها الفروع والأشجار الملتفة حتى وصل إليها القواس بعد أن نحى من طريقه كل رطب ويابس وأنفل تحت الشجر حتى نالها فاقتطفها ... إلى أن هيأها للرمي بعد عامين يلتمس فيهما اعوجاجها، فإذا هي صفراء يغلي ثمنها المشتري الحاذق، وإذا ما حرك الرامي وترها كان لها عويل ثكلى حزينة، ثم يصف حرصه عليها إذا سقط الندى حيث يلفها بالحبير وهو الجديد المحبر، لا بالمعاوز وهي الثياب الخلقة:
تخيرها القواس من فرع ضالة ... لها شذب من دونها وحزائز
فأمسكها عامين يطلب درأها ... وينظر منها ما الذي هو غامز
أقام الثقاف والطريدة متنها ... كما أفرجت ضغن الشموس المهامز
إذا أنبض الرامون فيها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
كأن عليها زعفرانا تميره ... خوازن عطار يمان كوانز
إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت ... حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز١
ويصف الشنفرى قوسه بأنها ملساء صلبة ذات صوت كأنها تهتف، وقد زانتها الرصائع، وإذا ما انطلق عنها السهم سُمِع لها حنين وإعوال كأنها امرأة منكوبة اصطلحت عليها الأرزاء:
هتوف من الملس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل
إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول٢
стр. 544
ووصف الحجازيون الدروع ونسبوها إلى سلوق كما سبق في قول النابغة، وإلى الفرس كما في قول دريد بن الصمة في رثاء أخيه:
نصحت لعارض وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء والقوم شهدي
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد
كما وصفوا المغفر أو القونس أو البيضة وهي التي يقون بها رءوسهم من السيوف في الحرب. قال العباس بن مرداس:
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
ووصفوا المجن أو الترس أو الدرقة، وهي جنة من جلد يتقون بها ضرب السيوف على الأبدان، ووصف المزرد بن ضرار ترسه وهو يلمع كأنه الشمس بين طيات السحاب, فقال:
وجوب يرى كالشمس في طخية الدجى ... وأبيض ماض في الضريبة قاصل١
وذكر أبو قيس بن الأسلت عدده الحربية ومنها الترس, فقال:
أحفزها عني بذي رونق ... مهند كالملح قطاع
صدق حسام وادق حده ... ومجنأ أسمر قراع٢
ووصفوا اللواء الذي لا يحمله عادة إلا كل بطل شجاع. وقد كان عثمان بن أبي طلحة في يوم أحد يحمل لواء المشركين ويقول:
إن على أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا٣
أدوات الكتابة:
أما الكتابة فسيتناول حديثنا عنها المواد التي كانوا يكتبون عليها, والأدوات التي كانوا يكتبون بها، وألوان كتابتهم ذاتها.
стр. 545
والحجازيون -كالعرب الجاهليين- كانوا يكتبون على الجلد والقماش والنبات والخشب والحجارة والعظام والورق.
وكانوا يسمون الجلد: "الرق" و"الأديم" و"القضيم" والفرق بينها غير واضح من النصوص والروايات. بيد أن المعاجم تجعل "الرق": الجلد الرقيق الذي يسوّى ويرقق ويكتب عليه، وتجعل "الأديم": الجلد الأحمر أو المدبوغ، وتجعل "القضيم": الجلد الأبيض يكتب فيه, وقد ورد ذكرها في الشعر الحجازي الجاهلي.
ففي الرق يقول معقل بن خويلد الهزلي:
وإني كما قال يملى الكتا ... ب في الرق إذ خطه الكاتب١
وفي القضيم يقول النابغة الذبياني:
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيم نمته الصوانع٢
وكانوا يطلقون على الصحف إذا كانت من القماش: المهارق -ومفردها: "المهرق" فارسي معرب وأصله مهر كود- وهي خرق حرير أو قطن تصقل ويكتب فيها، ويبدو أن المهارق كانت لارتفاع ثمنها لا يكتب فيها إلا القليل من شئونهم, ككتب الدين أو العهود والمواثيق والأمان.
وفي المهرق يقول شتيم بن خويلد الفزاري:
تسمع أصوات كدري الفراخ به ... مثل الأعاجم تغشي المهرق القلما٣
وأشهر ما كتبوا عليه من النبات العُسب جمع عسيب، وهو السعفة أو جريدة النخل إذ يبست وكشط خوصها.
قال لبيد يصف كاتبا:
متعود لحن يعيد بكفه ... قلما على عسب ذبلن وبان
стр. 546
وكانوا يسمون الكتابة والنقش على الحجر: الوحي. قال زهير:
لمن الديار غشيتها بالفدفد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد
وذكروا في أشعارهم الورق، فهل كان الورق هو الجلد الرقيق الذي يشبه في رقته ورق الشجر، أم هو الورق المعروف بالورق الصيني جلبوه من البلاد المجاورة للصين كالهند وفارس، وإذًا فقد عرفنا الورق الصيني كما يرجع بعض الباحثين؟ وأيا كان الأمر, فإننا نجد ذكر الورق في مثل قول حسان بن ثابت:
عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب
وكان للمواد المكتوبة أسماء عامة من أشهرها الصحيفة والكتاب والزبور، وقد وردت الصحيفة بصيغة الجمع في شعر قيس بن الخطيم حيث يقول:
لما بدت غدوة جباههم ... حنت إلينا الأرحام والصحف
ويعني بالصحف: العهود والمواثيق المسجلة في الصحائف، كما وردت في قول درهم بن زيد الأوسي، وهو يذكر الخزرج ما بينهم من أحلاف وعهود مكتوبة:
وإن ما بيننا وبينكم ... حين يقال: الأرحام والصحف
وربما كانت لفظة الكتاب أعم من الصحيفة، إلا أنها أطلقت على الشيء المكتوب حتى لا تكاد تنصرف إلا إليه. وقد وردت في شعر زهير حيث يقول:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم
أما الزبور -وجمعها زبر- فيطلق على الكتاب الديني وغير الديني. قال أمية بن أبي الصلت على المعنى الأول:
وأبرزوا بصعيد مستو جرز ... وأنزل العرش والميزان والزبر
واشتقوا من الزبور الفعل: يزبر بمعنى يكتب. قال أبو ذؤيب:
عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري
стр. 547
ووصف الحجازيون الكتابة وصفا جميلا بارعا، فهذا أبو ذؤيب الهذلي يشير إلى كاتب يكتب دينا له، ويصف كتابته بأنها كانت كتابة دقيقة يتأنف فيها، حتى يجعلها مزخرفة مزينة كالعروس ليلة تهدى إلى زوجها. فوصف أبو ذؤيب هذه الكتابة بأنها "رقم" و"وشي" و"نمنمة". ثم يصف لنا الصحف التي كان يكتب عليها, ويذكر أنها ناعمة رقيقة "كالرباط". ولا يكتفي بذلك, بل إنه ليعرف أن هذه الصحف لا يكتب عليها الكاتب أول مرة، وإنما يستخدمها بعد أن استخدمها غيره من قبله، فجاء صاحبنا الدائن فمحا الكتابة السابقة وكتب عليها دينه، ولكن آثار الكتابة السابقة ما زالت باقية يشاهدها أبو ذؤيب فيعرفها ويصفها، وذلك قوله:
عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري
برقم ووشي كما زخرفت ... بميشمها المزدهاة الهدي
أدان وأنبأه الأولو ... ن أن المدان الملي الوفي
فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتاب محي١
ويشبه معاوية بن جعفر منازل حبيبته بالكتابة المجودة المنمقة, فيقول:
فإن لها منازل خاويات
... على نملى وقفت بها الركابا
من الأجزاع أسفل من نميل ... كما رجعت بالقلم الكتابا
كتاب محبر هاج بصير ... ينمقه وحاذر أن يعابا
وكما وصفوا الكتابة المجودة المتقنة، وصفوا كذلك الخط السريع المعمي الفعل الذي لا إتقان فيه. قال الشماخ يصف تعريض الخط:
كما خط عبرانية بيمينه ... بتيماء حبر ثم عرض أسطرا
وتعريض الخط هو تعميته وعدم تقويمه, وترك تبيين حروفه.
стр. 548
وذكر الحجازيون الأدوات الكتابية كالقلم والدواة والحبر. والقلم في الجاهلية مصنوع من القصب، يقط ويقلم أو يبرى, ثم يغمس في مداد الدواة ويكتب به.
وقد مر ذكر القلم في بيتي شتيم بن خويلد، كما ورد في شعر لأمية بن أبي الصلت وهو يمدح بني إياد فيقول:
قوم لهم ساح العرق إذا ... ساروا جميعا والقط والقلم
أما الدواة, فقد ذكرت في قول أبي ذؤيب:
عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزبرها الكاتب الحميري١
المديح:
والمديح لون من الشعر يزري بصاحبه إذا كان غرضه الزلفى، والتماس العطايا والهبات ... ولا غبار عليه إذا كان صادرا عن إحساس صادق، وشعور لا زيف فيه تجاه الممدوح, شعور بريء من غرض التكسب، أو النفاق.
ومن شعراء الحجاز الذين أسهموا بنصيب في هذا الفن: النابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى. وكان الحجازيون إذا مدحوا يشيدون بفضائل الممدوح، وكريم خلاله؛ كالشجاعة والكرم، والعفة والنجدة، والشهامة والمروءة، والصدق والوفاء, وغيرها من الخلال.
ونظرة في نماذج هذا الشعر التي سقناها، كقصيدة أبي طالب في مدح الرسول ﷺ وقصيدة النابغة في مدح عمرو بن الحارث الغساني، وشعر أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان، ترينا حسن تلطفهم في الكشف عن محاسن ممدوحيهم، وصدق إحساسهم فيما يسبغون عليهم من نعوت.
стр. 549
وقد رووا أن أمدح بيت قالته العرب قول النابغة:
ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وكان النابغة يتمتع بمكانة سامية لدى الغساسنة ... كان يتشفع لديهم فتقبل شفاعته، وتطلق بوساطته الأسرى، فيئوبون مزودين بالهدايا والهبات الوافرة.
ولا غرو, إذا ما قال في مدحهم:
ولله عينا من رأى أهل قبة
أضر لمن عادوا وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما، وأكثر سيدا
وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
متى تلقهم لا تلق للبيت عورة
ولا الضيف ممنوعا ولا الجار ضائعا
وكان النابغة يعتبر الملوك إخوانا له, يحكم في أموالهم:
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم
أحكم في أموالهم وأقرب
وفي الإشادة بشخصية حصن بن حذيفة الفزاري يقول زهير:
بكرت عليه غدوة فرأيته
قعودا لديه بالصريم عواذله
يفدينه طورا، وطورا يلمنه
وأعيا فما يدرين أين مخاتله
فأقصرن منه عن كريم مرزء
عزوم على الأمر الذي هو فاعله
أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله
ولكنه قد يتلف المال نائله
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وكان الحجازيون في مدحهم يتوخون غالبا جانب البساطة والصدق في التعبير عن الفضائل الحقيقية للممدوح، ولا يعرفون المبالغة ولا الملق ولا النفاق مما نراه سائرا في عصرنا الحاضر.
أما القول الزائف الذي يغشى نفوسنا في أيامنا الراهنة، حيث تقلب الحقائق رأسا على عقب، فإذا الظالم المستبد عادل، بل لا أعدل منه، وإذا