يؤكد الجاحظ حادثة الفيل كما ذكرها القرآن الكريم، ويسوق الحجج في صرف الله الفيل, بالطير الأبابيل، وصد أبي يكسوم عن البيت الحرام، فقد أنزل الله سورة الفيل، وقريش يومئذ مجلبون في الرد على النبي ﷺ وما شيء أحب إليهم من أن يروا له سقطة أو عثرة أو كذبة، أو بعض ما يتعلق به مثلهم، فلولا أنه أذكرهم أمرا لا يتدافعونه، ولا يستطيع العدو إنكاره، للذي يرى من إطباق الجميع عليه؛ لوجدوا أكبر المقال في تكذيبه والتشنيع عليه.
وقد كان بين ثقيف وقريش لقرب الدار والمصاهرة، والتشابه في الثروة، والمشاكلة في المجاورة تحاسد وتنافر. وقد كان هنالك فيهم الموالي والحلفاء والقطان والنازلة ومن يحج في كل عام. وكان البيت مزورا على وجه الدهر يأتونه رجالا وركبانا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، وبشق الأنفس, كما قال الله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ . وكانوا بقرب سوق عكاظ وذي المجاز وهما سوقان معروفان, وما زالتا قائمتين حتى جاء الإسلام, فلا يجوز أن يكون السالب والمسلوب والمفتخر به والمفتخر عليه والحاسد والمحسود والمتدين به والمنكر له، مع اختلاف الطبائع وكثرة العلل يجمعون كلهم على قبول هذه الآية وتصديق هذه السورة, وكلهم مطبق على عداوة النبي ﷺ والكفر به.
والمحلون من العرب ممن كان لا يرى للحرم, ولا للشهر الحرام حرمة: طيء كلها وخثعم كلها وكثير من أحياء قضاعة ويشكر والحارث بن كعب, وهؤلاء كلهم أعداء في الدين والنسب.
هذا مع ما كان في العرب من النصارى الذين يخالفون دين مشركي العرب كل الخلاف؛ كتغلب, وشيبان, وعبد القيس, وغيرهم خلطاء وأعداء, ممن يغارون ويسبون ويسبى منهم، وفيهم الثئور والأوتار والطوائل. وهي العرب وألسنتها الحداد وأشعارها التي إنما هي مياسم، وهممها البعيدة وطلبها للطوائل, وذمها لكل دقيق وجليل من الحسن والقبيح في الأشعار والأرجاز والأسجاع والمزدوج والمنثور. فهل سمعنا بأحد من جميع هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل، أو عرض فيه بحرف واحد؟!
стр. 492
ويستشهد الجاحظ على إثبات حادثة الفيل بأشعار شعراء من غير قريش أو حلفائها كربيعة بن أبي الصلت. وهو ثقفي طائفي وهو جاهلي, وثقيف يومئذ أضداد بالبلدة والمال والحدائق والجنان، وبهم اللات والغبغب، وبيت له سدنة يضاهون بذلك قريشا، وهو مع اجتماع هذه الأسباب التي توجب الحسد والمنافسة:
إن آيات ربنا بينات ... ما يماري فيهن إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور
واضعا حلقة الجران كما قطـ ... ـر صخر من كبكب محدور١
وقد فسر الإمام محمد عبده الطير الأبابيل بأنها الرياح المتجمعة حملت إليهم ميكروب الجدري ففتك بهم, وأن الحجارة من السجيل هي ذرات التراب التي حملت الميكروب, وقد رد على ذلك الأستاذ محمد الطيب النجار ونقضه بقوله: إنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل أي: جماعات من الطير, ولا ينبغي أن يقال ذلك إلا بطريق مجازي بعيد، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله, ولا يقبل أيضا أن يقال عن ذرات التراب: إنها حجارة من سجيل, أي: من طين مطبوخ وهو الآجر.
وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري, فلماذا هلك الأحباش وحدهم, ولم يهلك معهم العرب؟
وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول ﷺ فمن المعقول أن سورة الفيل قد نزلت على الرسول في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا حادث الفيل بأعينهم, وبعضهم من أعداء الرسول, فلو لم تكن الطيور طيورا حقيقة والحجارة حجارة حقيقة؛ لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب هذه السورة ويعلن ذلك على
стр. 493
رءوس الأشهاد, وينتهزها فرصة في الكيد لمحمد والطعن عليه, ولكن الواقع أن سورة الفيل قد نزلت فتلقاها العرب بالقبول؛ لأنها تقرر حقيقة معروفة عندهم لا شك فيها, ولا يجرؤ أحد على إنكارها.
وقد هز ذلك الخطر الداهم الذي كان موشكا أن يجتاح مكة وأحلها نفوس الشعراء والزعماء، وعلى رأس هؤلاء عبد المطلب بن هاشم الذي توجه إلى الله مع نفر من قريش, وراح يهتف بهذا الشعر وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهم إن المرء يمنـ ... ـع رحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك
إن كنت تاركهم وكعـ ... ـبتنا فأمر ما بدا لك
فلئن فعلت فإنه ... أمر يتم به فعالك
اسمع بأرجس ما أرا ... دوا العدو وانتهكوا حلالك
جروا جميع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك
وممن هزتهم حادثة الفيل ففتقت قرائحهم بالشعر، عبد الله بن الزبعرى الذي يقول:
تنكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديما لا يرام حريمها
لا تخلق الشعر ليالي حرمت ... إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ... ولسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يئوبوا أرضهم ... بل لم يعش بين الإياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ... والله من فوق العباد يقيمها
стр. 494
٤- مكانة الحرم والشعائر الدينية:
كان للحرم مكانة قدسية لدى العرب منذ عهد بعيد؛ فكانوا لا ينفرون صيد الحرم ولا يؤذونه, وينسبون لعمرو بن مضاض الجرهمي أنه قال:
فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم أمن وفيها المشاعر
وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه ... تظل به أمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا تزال أبية ... إذا خرجت منه فليست تغادر
وقال النابغة الذبياني:
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
وكانوا يحرمون غزو الحرم والقتال فيه؛ وشاهد ذلك قول حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي, يدعوه إلى حلفه ونزول مكة:
أبا مطر هلم إلى صلاح ... فتكنف كالندامى من قريش
وتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش
وتسكن بلدة عزت قديما ... وتأمن أن يزورك رب جيش
وكانوا يكرهون الظلم في الحرم, ونسبوا لرجل من جرهم أنه قال لعمرو بن لحي لما ظلم بمكة:
يا عمرو لا تظلم بمكة إنها بلد حرام
ونسبوا لسبيعة بنت الأجب بن زبينة، وهي تنهى ابنها خالد بن عبد مناف عن الظلم في الحرم، وتعظم حرمة مكة, قولها:
أبني لا تظلم بمكة ... لا الكبير ولا الصغير
واحفظ محارمها ولا ... يغررك بالله الغرور
أبني من يظلم بمكة ... يلق أطراف الشرور
أبني يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير
أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور
стр. 495
والله أمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور
والله أمن طيرها ... والعصم تأمن في ثبير
ولقد كان اجتناب الظلم في الحرم شريعة عامة، وقاعدة مرسومة لا يحيدون عنها. ومن النادر حدوث اعتداء على النفس أو المال فيه, كما آذى مشركو قريش زيد بن عمرو بن نفيل في مكة لما اطّرح عبادة الأصنام؛ كراهة أن يفسد عليهم دينهم, فقال وهو يعظم حرمته على من استحل منه ما استحل من قومه:
لاهم إني لا حله ... وإن بيتي أوسط المحله
عند الصفا ليس بذي مضله
وكانوا إذا أحرموا كرهوا تسريح الشعر وقتل القمل. قال أمية بن أبي الصلت:
مساجي أياطلهم ينزعوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا١
وكانوا يهللون ويلبون في الحج؛ يدل على ذلك قول نبيه بن الحجاج:
إنني والذي يحج له شمـ ... ـط إياد وهللوا تهليلا
ومبيتا بذي المجاز ثلاثا ... ومتى كان حجنا تحليلا
وبعض تلبيات العرب في الجاهلية مسجوع؛ كقولهم: لبيك ربنا لبيك، والخير كله بيديك. وبعضها موزون كقولهم, وهو من منهوك الرجز:
لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
أخو بنات بفدك
وفدك: قرية حجازية قديمة, وكان بها في الجاهلية أصنام.
وإذا أرادت بجيلة التلبية "وهي قبيلة حجازية" قالت:
لبيك عن بجيلة ... الفخمة الرجيلة
ونعمت القبيلة ... جاءتك بالوسيلة
تؤمل الفضيلة
стр. 496
وكانوا في الجاهلية يطوفون في الحج بالبيت الحرام، قال مضاض بن عمرو بن الحارث الجرهمي:
ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير حاضر
وكان بعض العرب يطوف بالبيت مكشوف السوءة غير الحج لغرض يقصده, فقد مرض أبو جندب -وهو شاعر جاهلي- وكان له جار من خزاعة اسمه خاطم, فقتله زهير اللحياني وقتلوا امرأته، فلما برئ أبو جندب من مرضه خرج من أهله حتى قدم مكة, فاستلم الركن وكشف عن استه وطاف, فعرف الناس أنه يريد شرا, فقال:
إني امرؤ أبكي على جاريه ... أبكي على الكعبي والكعبية
ولو هلكت بكيا عليه ... كانا مكان الثوب من حقويه
فلما فرغ من طوافه وقضى من مكة حاجته, خرج في الخلعاء من بكر وخزاعة فاستجاشهم على بني لحيان, فخرجوا معه حتى صبح بهم بني لحيان في العرج, فقتل فيهم وسبى من نسائهم وذراريهم١.
اللقا: وكان من عادة العرب ألا يطوف أحد بالبيت إلا عريانا ما عدا الحمس, فإنهم كانوا يطوفون وعليهم الثياب, وكان إذا حدث أن طاف الرجل أو المرأة من غير الحمس في ثيابه فإنه يجيء بتلك الثياب التي طاف بها وبطرحها "لقى" حول البيت, فلا يمسها أحد ولا يحركها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرياح والمطر. وقد ذكر ورقة بن نوفل "اللقاء" في بعض ما أثر عنه، وذلك إذ يقول:
كفى حزنا كرى عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم
نذر الأبناء للكعبة:
وربما نذروا أبناءهم لخدمة الكعبة. ومن ذلك ما روي أن امرأة من جرهم تزوجها أخزم بن العاص وكانت عاقرا, فنذرت أن رزقت غلاما أن تتصدق به على الكعبة يخدمها ويقوم عليها, فولدت من أخزم "الغوث" وتصدقت
стр. 497
به عليها، فكان يخدمها في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، وولي الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة، وقالت أمه حين أتمت نذرها:
إني جعلت رب من بنيه ... ربيطة بمكة العليا١
فباركن لي بها إليه ... واجعله لي من صالح البريه
٥- وكما تحدث الشعر الحجازي عن الوثنية والتوحيد، أشار كذلك إلى اليهودية والنصرانية وعبادة الجن والشجر وغيرها.
شعائر اليهود والنصارى:
وترددت في أشعار بعض الحجازيين شعائر اليهود والنصارى؛ فقد وصف مزرد بن ضرار الذبياني البيضة والحلق المتصل بها الذي يطرح على الظهر لستر العنق، فقال: إن بيضة يمنية سلسلة ملساء لينة تنزلق الحجارة عنها، وشبه لمعانها في شعاع الشمس بمصابيح الرهبان تلمع:
وتسبغة في تركة حميرية ... دلامصة ترفض عنها الجنادل
كأن شعاع الشمس في حجراتها ... مصابيح رهبان زهتها القنادل٢
كما أن النابغة الذبياني ذكر في شعره يوم الشعانين, وأشار إلى الصليب والمجلة, وذلك في قوله:
ظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب٣
وقوله:
مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم ... فما يرجون غير العواقب
стр. 498
وفي شعر أمية تعبير من صميم المسيحية, لا يزال حيا يتردد صداه حتى الآن, وهو قوله:
مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا
عبادة الجن والشجر:
وبعض العرب عبد الجن، وهذا أمية بن أبي الصلت يسجل هذه العبادة ويتبرأ منها، ويتوجه برجائه خالصا لله ربه:
حنانيك إن الجن كان رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
ومنهم من عبد الشجر؛ فقد اعتقدوا أن العزى شيطانة كانت "تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة". وفي فتح مكة أمر النبي ﷺ خالد بن الوليد أن يعضدها، فعضد الأولى والثانية فلم ير شيئا، فأمره النبي أن يعضد الثالثة فأتاها، فإذا بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمي الشيباني -وكان سادنها- فلما نظر إلى خالد قال بيتين ذكرناهما سابقا.
فقال خالد: يا عز كفرانك لا سبحانك, إني رأيت الله قد أهانك. ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة, ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن.
وبعض الحجازيين كان دهريا لا يؤمن بالبعث والجزاء. قال شداد بن الأسود بن عبد شمس يرثي كفار قريش يوم بدر:
يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام؟
стр. 499
٦- القصص الديني:
ويتميز الشعر الحجازي الجاهلي بالقصص الديني، ورائد هذا اللون الذي كاد يختص به هو أمية بن أبي الصلت، ويمكن أن نقسم قصص أمية الديني من حيث قيمته الفنية, وتأثره بالقرآن أو عدم تأثره إلى الألوان الآتية:
أ- لون يبدو أنه لم يتأثر فيه بالقرآن الكريم، والراجح أنه نظمه قبل الإسلام. وتظهر فيه قوة الأداء كخرافة تطويق الحمامة التي كانت سببا في نجاة سفينة نوح, أو دلت من بها على اليابسة وهي التي يقول فيها:
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تزل على المهالك لا تهاب
فجاءت بعد ما ركدت بقطف ... على الثأط والطين الكثاب١
فلما فتشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب٢
إذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس له استلاب
جزى الله الأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس له كذاب
بما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت القلاب٣
وفيها من أرومته عيال ... لديه لا الظماء ولا السغاب
ومثلها في القوة وعدم الاستعانة بالقرآن قصيدته في "قنزعة الهدهد" وستقرؤها في ترجمته.
ب- ولون آخر يبدو فيه الحشو والتفكك والابتذال وسوء المحاكاة, كقصته في الذبيح حين همّ إبراهيم بذبح ولده, ففداه الله بذبح عظيم. وفيها يقول:
أبني إني نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك خالي
стр. 500
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال
أبني إني جزيتك بالله ... تقيا به على كل حال
وستأتي في ترجمته، وكذلك تصويره لقصة مريم، فمحاكاته فيها للقرآن بينة, وفيها حشو وفضول كثير.
جـ- ولون وسط، لا تبدو فيه كلفة المحاكاة للقرآن, كقوله في خراب "سدوم" مدينة قوم لوط:
ثم لوط أخو سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها
راودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن تقيم قراها
إلى آخر القصيدة التي ستأتي فيما بعد.
ويتجلى في قصصه الديني عامة: وحدة الموضوع، وانسياق المعاني في الغالب، مع الضعف الفني في بعض الأحيان؛ وذلك لصعوبة النظم في الموضوعات الدينية.
ونحب أن نشير إلى أن كثيرا من القصص الديني الوارد عن شاعرنا أمية هو من القصص الموضوع ألفه الوضاعون، ولا يستبعد الدكتور جواد علي أن يكون هذا القصص قد ظهر في أيام الحجاج؛ عصبية وتقربا إليه١, فكلاهما ثقفي.
وقصيدة أمية في عيسى ابن مريم وحمل أمه به، وكثير من قصائده الأخرى، تجد عليها المسحة الإسلامية بارزة ظاهرة. ولكن هذا لا يمنع -مع ذلك- من القول بوجود أبيات قد تكون من نظم أمية حقا، في هذا المنظوم الديني, غير أن هذا الموجود، هو على كل حال مما لا يتعارض مع عقائد الإسلام. ومن الممكن إدراكه بدراسة ألفاظه وأسلوبه وأفكاره، وبهذه الطريقة نتمكن من استخلاص الأصيل من شعره, من الهجين٢.
وأثر الوضع على بعض شعر أمية واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وهو وضع يثبت أن صاحبه لم يكن يتقن صنعة الوضع جيدا. فالقصيدة التي مطلعها:
لك الحمد والمن رب العبا ... د أنت المليك وأنت الحكم
стр. 501
هي قصيدة إسلامية، لا يمكن أبدا أن تكون من نظم شاعر لم يؤمن بالإسلام إيمانا عميقا من كل قلبه ولسانه. خذ هذا البيت منها مثلا:
محمد أرسله بالهدى ... فعاش غنيا ولم يهتضم
ثم الأبيات الآتية فيها:
أطيعوا الرسول عباد الإلـ ... ـه تنجون من شر يوم ألم
تنجون من ظلمات العذاب ... ومن حر نار على من ظلم
دعانا النبي به خاتم ... فمن لم يجبه أسر الندم
نبي هدي صادق طيب ... رحيم رءوف بوصل الرحم
يموت كما مات من قد مضى ... يرد إلى الله باري النسم
اقرأ هذه المنظومة، ثم احكم على صاحبها، هل تستطيع أن تقول: إنه كان شاعرا مغاضبا للرسول، وإن صاحبه رثى كفار قريش، وإنه قال ما قال في الإسلام وفي الرسول؟ اللهم، لا. فصاحب هذا النظم رجل مؤمن عميق الإيمان، وهو واعظ ومبشر، يخاطب قومه فيدعوهم إلى الإسلام وإلى طاعة الله والرسول. إنه مؤمن قلبا ولسانا، مع أنهم يذكرون أن الرسول قال فيه: "آمن شعره وكفر قلبه" , وأنه مات وهو على كفره وعناده وحسده للرسول. ثم إن صاحب المنظومة رجل يتحدث عن وفاة الرسول١.
стр. 502
٧- معتقدات الحجازيين:
ولم يبق بعد ذلك إلا أن نتحدث عن معتقداتهم الخرافية أو أوهامهم, وهي في جوهرها معتقدات العرب عامة وأوهامها. وسنشير إلى أمثلة منها دون محاولة الاستقصاء:
الغول:
في الميثولوجيا العربية يبدو للباحث كثرة الحديث عن الجن، ومن أصناف الجن عندهم السعالي والغيلان، ويطلق القول على "كل شيء من الجن يعرض للسفار ويتلوّن في ضروب الصور والثياب ذكرا كان أو أنثى، إلا أن الأكثر على أنه أنثى, والسعلاة اسم الواحدة من نساء الجن تتغول لتفتن السفار. قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلها تفزع إنسانا فيتغير عقله".
وزعموا أن خلق الغول كالإنسان، ولكن رجليها رجلا حمار. ولا يزال أهل مكة يتحدثون عن "الدجيرة" وهي في سماتها كالغول؛ فرجلاها رجلا حمار إلا أن وجهها وجه امرأة. وهي لا تسير إلا ليلا، وإذا سارت تنطلق من خطواتها وسوسة الخلاخيل، وربما حملت على ذراعيها طفلا ملفوفا, فإذا ما قابلها رجل في الطريق أظهرت أنها تنوء بحمل ذلك الطفل, ثم تستنجد بالرجل فيحمله عنها ويسيران، ورويدا رويدا يشعر الرجل أن الطفل يكبر حجمه ويطول ... ويطول ... فيخاف ... ويرتعد ... وربما أغمي عليه أو عراه الجنون، وربما قذف بالطفل وفر هاربا بين قهقهات "الدجيرة" وسخريتها.
وكان الحجازيون -كالعرب- يزعمون أن الغول تموت بضربة واحدة، وإذا ضربت ضربة أخرى قبل أن تموت فلا تموت. وفي هذا يصف تأبط شرا معركة بينه وبين الغول:
ألا من مبلغ فتيان فهم ... بما لاقيت عند رحى بطان
بأني قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان
стр. 503
فقلت لها: كلانا نضو أرض ... أخو سفر، فخلي لي مكاني
فشدت شدة نحوي فأهوت ... لها كفي بمصقول يماني
فأضربها بلا دهش، فخرت ... صريعا لليدين وللجران
فقالت ثن قلت لها: رويدا ... مكانك إنني ثبت الجنان
ولم أنفك مضطجعا لديها ... لأنظر مصبحا ماذا دهاني
إذا عينان في رأس دقيق ... كرأس الهر مشقوق اللسان
وساق مخدج ولسان كلب ... وثوب من عباء أو شنان١
وتنسب إلى تأبط شرا أبيات أخر وصف فيها لقاءه بالغول وأنه عن نفسها وطلبها بضعها، فلما أبت جللها بسيفه الصارم:
فأصبحت الغول لي جارة ... فيا جارتا لك ما أهولا
فطالبتها بضعها فالتوت ... فكان من الرأي أن تقتلا
فجللتها مرهفا صارما ... أبان المرافق والمفصلا
التطير:
شاع في العرب زجر الطير والوحش وإثارتها. قال ابن دريد: أهل نجد كانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح, وأهل العالية على عكسهم. وقال أبو جعفر النحاس: السانح عند أهل الحجاز ما أتى من اليمين إلى اليسار، والبارح عندهم ما أتى من اليسار إلى اليمين, وهم يتشاءمون بالسانح ويتيمنون بالبارح، وأهل نجد بالضد من ذلك، والسانح عند أهل نجد هو البارح عند أهل الحجاز٢.
стр. 504
وليس في الأرض شيء مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، ولعل ذلك راجع إلى لونه وإلى عمله أو اسمه الذي اشتقت منه الغرابة والاغتراب والغريب.
ومن الشعراء الحجازيين الذين تشاءموا بنعيق الغراب زهير بن أبي سلمى, حيث توجّس أن يرتحل عنه الأحبة:
ألقى فراقهم في المقلتين قذى
أمسى بذاك غراب البين قد نعقا
وكذلك فعل النابغة:
زعم العواذل أن رحلتنا غدا
وبذاك تنعاب الغراب الأسود١
على أن بعض الشعراء اطرحوا التطير جانبا ومضوا لسبيلهم فظفروا وغنموا. روي أن النابغة خرج هو وزبان بن منظور الفزاري للغزو، فسقطت جرادة على النابغة فتطير وعاد، وأما زبان فمضى فظفر وغنم، فقال:
تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير، وهي الثبور
بلى! شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير
شيطان الشعر:
وكانوا يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا يلهمه الشعر، قال حسان في جاهليته يعزو إلى شيطانه أنه قائل بعض شعره:
إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فما إن يقال له: من هوه
إذا لم يسد قبل شد الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشيصبان ... فطورا أقول، وطورا هوه
العقر على القبور:
وكانوا يعقرون على قبر الميت؛ إعظاما له، وتكريما وإعلانا عن فضله، وقيل: لأن الإبل كانت تأكل عظام الموتى إذا بليت، فكأنهم يثأرون لهم منها، أو لأن الإبل أنفس أموالهم، فكانوا يريدون بعقرها أنها قد هانت عليهم لعظم المصيبة.
стр. 505
وقد مر حسان بن ثابت, أو غيره على قبر ربيعة بن مكدم الفارس الحجازي الجهير, فقال:
نفرت قلوصي عن حجارة حرة ... بنيت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه، فإنه ... شريب خمر، مسعر لحروب
لولا السفار وبعد خرق مهمه ... لتركتها تحبو على العرقوب
الهامة والصدى:
وهذه خرافة مبعثها ولوعهم بالثأر، وأي تحريض على الثأر أقوى من زعمهم أن القتيل الذي لم يؤخذ بثأره يخرج من هامته طائر يسمى الهامة، فلا يزال يقول: اسقوني اسقوني، حتى يقتل قاتله فيسكن!
يقول المسعودي: "إن من العرب من يزعم أن النفس طائر ينبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوحشا يصدح على قبره، ويزعمون أن هذا الطائر يكون صغيرا، ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم، وهو أبدا مستوحش، ويسكن في الديار المعطلة ومصارع القتلى والقبور، وأنها لم تزل عند ولد الميت لتعلم ما يكون بعده، فتخبره به"١.
قال شداد بن الأسود بن عبد شمس في رثاء كفار قريش يوم بدر:
يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام
وقال ذو الإصبع العدواني, مهددا ابن عمه المبغض له:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقوني
أما الصدى فمن معانيه أنه طائر يخرج من رأس القتيل إذا بلي، كما يزعم العرب، ويظهر أنهم أطلقوه على غير القتيل فيما بعد.
стр. 506
تعليق الحلي على اللديغ:
وكانوا يجعلون الحلي في يد الملدوغ, ويحركونها لئلا ينام فيدب فيه السم، وقيل لبعض الأعراب: أتريدون أن يسهر؟ فقال: إن الحلي لا تسهر، ولكنها سنة وثناها. أو لأنهم زعموا أن حلي الذهب تبرئه، وحلى الرصاص أو الرصاص يميته.
وقال بعض بني عذرة, يشبه أثر اللوعة في نفسه بالسليم المحلى:
كأني سليم ناله كلم حية ... ترى حوله حلي النساء موضعا
وقال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
تسهد من نوم العشاء سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
كي السليم ليصح الأجرب:
ومن عجيب أوهامهم كي السليم ليصح الأجرب؛ فقد كانوا كما قال الجاحظ: إذا أصاب إبلهم العر كووا السليم ليدفعه عن السقيم, فأسقموا الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم١.
قال النابغة يشبه ما وقع عليه من ظلم بهذا الفعل الجائر:
وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع
والراجح أن هذا مثل لا حقيقة، أو أنهم كانوا يكوون الصحيح لئلا يتعلق به الداء.
ضرب الثور لتشرب البقر:
وكانوا إذا عافت البقر الشرب لعدم العطش أو كدر الماء, يضربون الثور حتى يرد الماء, فتتبعه البقر فتشرب. وعجب النابغة من أن يعاقب على ذنب لم يرتكبه,
стр. 507
مشبها حاله بحال الثور المجني عليه، يضرب لأن البقر لا ترد الماء:
أتترك معشرا قتلوا هذيلا ... وتعقبني بما فعلت جذام
كذلك يضرب الثور المعنى ... إذا ما عافت البقر الحيام
الاستمطار بالأبقار المحروقة:
كان الحجازيون -كالعرب- إذا أصابهم الجدب طلبوا السقيا واستمطروا بالأبقار, يصعدون بها في جبل وعر ثم يربطون السلع والعشر بأذنابها، ثم يضرمون فيها النار ويضجون بالدعاء. وقد سجل أمية بن أبي الصلت خرافة السقيا بالأبقار المحروقة, فقال:
سنة أزمة تخيل بالناس ... ترى العضاه فيها صريرا
إذ يسقون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكل شيئا فطيرا
ويسوقون باقر السهل للطود ... مهازيل خشية أن يبورا
عاقدين النيران في شكر الأذناب ... عهدا كيما تهيج البحورا
فاشتوت كلها فهاج عليهم ... ثم هاجت إلى صبير صبيرا
فرآها الإله ترشم بالقطر ... وأمسى جنابهم ممطورا
فسقاها نشاطه واكف النبت ... منه إذا وادعوه الكبيرا
سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا١
وقيل في تعليل ذلك: "إنهم كانوا يتفاءلون بالنار طلبا للبرق، أو إنهم كانوا يحاكون عبادة قديمة تقرب الأبقار قربانا للآلهة".
стр. 508
الفصل الخامس: الشعر الغزلي
معنى الغزل:
إذا رجعنا إلى أمهات كتب اللغة وجدنا أن الغزل والنسيب والتشبيب كلمات مترادفات. فابن سيده يقول: إن الغزل تحديث الفتيان الجواري، والتغزل: تكلف ذلك, والنسيب: التغزل بهن في الشعر، والتشبيب مثله.
وابن منظور يقول: إن الغزل حديث الفتيان والفتيات واللهو مع النساء. ومغازلتهن: محادثتهن ومراودتهن. والتغزل: التكلف لذلك. ونسب النساء ينسب نسبا ونسيبا ومنسبة: شبب بهن في الشعر وتغزل. وشبب بالمرأة: قال فيها الغزل والنسيب. وهو يشبب بها أي: ينسب بها. ويقول الزبيدي مثل ذلك١.
هذا هو رأي طائفة من أكبر علماء اللغة, فما رأي الأدباء ومؤرخي الأدب قديما وحديثا؟ يرى ابن سلام -وهو في طليعة الباحثين في الأدب- أن الكلمات الثلاث متحدة المعنى, فهو يقول: "كان لكثير في التشبيب نصيب وافر وجميل مقدم عليه في النسيب". فالنسيب والتشبيب في هذه العبارة مترادفان. ومرة أخرى يقول: "وكان عمر يصرح بالغزل ولا يهجو ولا يمدح, وكان عبيد الله يشبب ولا يصرح، ولم يكن له معقود شعر وغزل كغزل عمر"٢. فالغزل والتشبيب هنا بمعنى واحد، ويستخلص من ذلك أن الغزل والنسيب والتشبيب في رأي ابن سلام كلمات مترادفات
стр. 509
واستعمل صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني الغزل دالا على النسيب في مواضع شتى من كتابه، وكذلك استعمل الجاحظ الغزل والتشبيب بمعنى واحد.
ويرى ابن رشيق أن التغزل والنسيب والتشبيب كلها بمعنى واحد, وأن الغزل إلف النساء والتخلق بما يوافقهن، وقد اقتفى أثر قدامة في أن الغزل غير التغزل. إلا أن الدكتور الحوفي لا يميل إلى التفرقة بين الغزل والتغزل؛ لأن التغزل ليس تكلف الغزل كما قد يتبادر، ذلك أن التاء هنا كالتاء في مصادر أخرى مثل: التقدم والترقي والتعلم. وقد حاول بعض القدماء أن يفرقوا بين هذه الكلمات, ومن هؤلاء التبريزي الذي يرى "أن النسيب ذكر الشاعر المرأة بالحسن والإخبار عن تصرف هواها به، وليس هو الغزل. وإنما الغزل الاشتهار بمودات النساء والصبوة إليهن, والنسيب ذكر ذلك"١. وهذا الرأي مخالف لآراء الأدباء واللغويين من قبل.
أما في العصر الحاضر, فقد حاول المرحوم محمد هاشم عطية أن يصنع شيئا يشبه أن يكون تحديدا لهذه الكلمات, فقال: "ويترجح عندنا أن الغزل هو الاشتهار بمودات النساء وتتبعهن والحديث إليهن والعبث بذلك في الكلام, وإن لم يتعلق القائل منهن بهوى أو صبابة. وأما التشبيب فهو ما يقصد إليه الشاعر من ذكر المرأة في مطالع الكلام وما يضاف إلى ذلك من ذكر الرسوم ومساءلة الأطلال؛ توخيا لتعليق القلوب وتعقيدا لأسماع قبل المفاجأة بالعرض من الكلام. وأما النسيب فهو أثر الحب وتبريح الصبابة فيما يبثه الشاعر من الشكوى وما يصفه من التجني, وما يعرض له من ذكر محاسن النساء"٢. ويتفق معه الأستاذ السباعي بيومي في أن التشبيب هو الغزل التمهيدي, ويختلف معه في غير ذلك. فوصف جمال المرأة ومحاسنها وجاذبيتها نسيب عند الأستاذ هاشم وغزل عند الأستاذ السباعي.
стр. 510
واستعمل طه حسين كلمة الغزل دالة على الأنواع كلها. وكذلك فعل الدكتور الحوفي في رسالته للماجستير عن "الغزل في الشعر الجاهلي"، وهي في رأيه أخف نطقا وأكثر شيوعا، كما أن عدم التفرقة هو رأي اللغويين والأدباء من القدماء.
فينوس الحجازيين:
يغرم الحجازيون بالمرأة الجميلة، ومقياس الجمال عندهم يتوفر في المرأة: الكحلاء، العيناء، الزجاء، البلجاء، مع بياض في البشرة, واستقامة في الأنف، وأشر في الأسنان, وسمرة في الشفتين, وطول في العنق, وغيد في الأعطاف. وتكون سوداء الشعر, بيضاء النحر، دقيقة الخصر، طويلة, ملتفة الساقين والساعدين، تهتم بما يكمل هذه الأوصاف الجسدية من طيب وخضاب وملبس ملائم دون تكلف.
وكما نرى معاهد التجميل تنتشر في أنحاء العالم، كذلك كانت عند الحجازيين -مثل غيرهم من العرب- صانعات الجمال، وهن النساء اللواتي يتعاهدن العرائس ويجملنهن، وقد تنجح صانعة الجمال إلى درجة أن تجعل القبيحة جميلة مؤقتا؛ ولذلك أبطل الإسلام هذه العادة وحظر العمل بها لأنها خديعة.
ومن أنواع الجمال المصنوع التنميص والتزجيج والتفليج والتلمية والوشر والوشم والوصل ... فأما التنميص فنزع ما بين الحاجبين من شعر حتى يصيرا كأنهما أبلجان، والتزجيج حف الحاجبين وإطالتهما بالأثمد, والتفليج تفريق ما بين الثنايا والرباعيات، والتلمية خضاب الشفة واللثة بأثمد, والوشر تحزيز الأسنان وتحديدها لتحكي الأشر؛ لأنها من صفات الشابات، والوشم معروف وأكثر ما يكون بالذراع والشفة واللثة، والوصل إطالة الشعر بشعر معار١.
ولدينا قصيدة لقيس بن الخطيم, يصور فيها جمال المرأة الحجازية كما يريدها
стр. 511
هو؛ فهي مزيج من الفضائل المادية والمعنوية. فهي مرحة مدلّلة, لا هي بالطويلة ولا بالقصيرة, لا سمنة فيها ولا نحافة إلا خصرها فهو نحيف يكاد ينقصف, ووجهها مشرق كالدرة التي أخرجت من الصدفة, فيها حور العين وجيد العنق, تكاد تضيء, نئوم الضحى تنام عن شئونها, فإذا قامت إليها, فإنما تقوم رويدا كأنما تخشى أن تقع:
رد الخليط الجمال فانصرفوا ... ماذا عليهم لو أنهم وقفوا
فيهم لعوب العشاء آنسة الد ... ل عروب يسوءها الخلف
بين شكول النساء خلقتها ... قصد فلا جبلة ولا قضف
تفوق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف
قضى الإله حين صورها الـ ... ـخالق ألا يكنها سدف
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويدا تكاد تنغرف
حوراء جيداء يستضاء بها ... كأنها خطوط بانة قصف
تمشي كمشي الزهراء في دمث الر ... مل إلى السهل دونه الجرف
كأن لباتها تضمنها ... هزلى جراد أجوازه خلف
كأنها درة أحاط بها الـ ... ـغواص يجلو عن وجهها صدف١
وهذا سلامة بن جندل يجمع عدة أوصاف لحبيبته في بيت واحد؛ فهو يذكر امتلاء أردافها وطولها وبياض بشرتها, مما تتميز به المرأة الحرة عن الأمة:
ليست من الزول أردافا إذا انصرفت ... ولا القصار ولا السود العناكيب٢
стр. 512
والنابغة ينسب إلى حبيبته صفات المرأة الحرة بنفي صفات الإماء عنها؛ فهي ليست من السود ولا تبيع قدور النحاس في المجتمعات:
ليست من السود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما١
والمزرد بن ضرار يقول عن المرأة الجميلة في نظره: إنها بيضاء، تميل إلى اللهو وإلى الغزل:
وبيضاء فيها للمحالم صبوة ... وفيها لمن يرنو إلى اللهو شاغل٢
وكما وصفوا بالبياض, نجدهم أحيانا يصفون بالصفرة كما نجد عند قيس بن الخطيم:
صفراء أعجلها الشباب لداتها ... موسومة بالحسن غير قطوب٣
والنابغة يرى من جمال حبيبته أن تكون صفراء, كثوب من حرير:
صفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود٤
ومفهوم أن مرادهم من وصف المرأة بالصفرة الغزل والتشبيب والابتهاج لمرأى هذه الصفرة, وإذًا فلا بد أن تكون الصفرة المحمودة هي التي تنشأ عن كسل المرأة وحسن التغذية. وهذا هو فهم من التغزل بالبياض أيضا، فليسوا يحمدون البياض الناشئ عن مرض وإنما هو بياض الصحة والشباب, كما نرى عند حسان إذ يصف بياض المرأة بالبرد:
يحملن حوا حور المدامع في الريـ ... ـط وبيض الوجوه كالبرد٥
وقيس بن الخطيم يصف حبيبته ببياض الأسنان, وقلة لحم اللثة:
تنكل عن حمش اللثات كأنه ... برد جلته الشمس في شؤبوب٦
ويصفون النهد بالبروز وطغيانه على الصدر, كما نرى عند النابغة:
والبطن ذو عكن لطيف طيه ... والنحر تنفجه بثدي مقعد٧
стр. 513
وإذا وصفوا الشعر فتنوا بسواده وغزارته، والنابغة يشبهه فوق ذلك بعناقيد العنب الثقيلة:
وبفاحم رجل أثيث نبته ... كالكرم مال مع الدعام المسند١
وإذا وصفوا الساق شبهوه في التفافه واندماجه بالبردي، وقد وصفه بذلك شاعران واتفقا في التعبير. قال قيس بن الخطيم:
تخطو على ديتين غذاهما ... غدق بساحة حائر يعبوب٢
وقال المزرد بن ضرار:
وتخطو على ديتين غذاهما ... نمير المياه والعيون الغلاغل٣
ولصوت الحبيبة على الشاعر الحجازي تأثير كبير؛ ولهذا فإن قيس بن الخطيم لا يمل حديثها ويفزع إذا سكنت؛ لأن حديثها عذب شهي لا ينبغي أن ينقطع:
ولا يغث الحديث ما نطقت ... وهو بفيها ذو لذة طرف
تخزنه وهو مشتهى حسن ... وهو إذا ما تكلمت أنف٤
ومما يفتن الشاعر الحجازي ويخلب لبه ابتسامة الحبيبة, فالنابغة يرى في ضحكتها قوة فعالة ستنزل العصم من الجبال والغيث من المزن:
وإن ضحكت للعصم ظلت دوانيا ... إليها وإن تبتسم إلى المزن يبرق٥
والشاعر الحجازي تعجبه المرأة العفيفة التي تضنّ بوصلها, وتحافظ على شرف أسرتها وسمعة أقاربها، فقيس بن الحدادية يشهد الله أن نعمى حبيبته ضلت بوصله, على أنهما تجاورا شهورا عديدة:
أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع
وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راءٍ وسامع٦
والمرأة العفيفة حيية, وهذا الحياء يعجب الشاعر الحجازي، فهو يريد المرأة
стр. 514
التي تحافظ على قناعها, ولا تتلفت ولا ترفع بصرها كما يقول الشنفرى:
لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفت
كأن لها في الأرض نسيا تقصه ... على أمها وإن تكلمك تبلت١
وقيس بن الأسلت يشيد بالمرأة التي تستحوذ على تقدير جاراتها, فيمنعها حياؤها من زيارتهن ويجئن لزيارتها:
وتكرما جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر
وليس بها أن تستهين بجارة ... ولكنها منهن تحيا وتخفر٢
ويشيد النابغة بأنها لا تذيع أسرارها الداخلية بين صديقاتها, فهي لا تنشر أخبار غضبها إن غضبت, ولا أسباب سرورها إن رضيت:
إذا غضبت لم يشعر الحي أنها ... أرببت وإن نالت رضا لم تدهدق٢
والشاعر يعذر المرأة إذا انصرفت عنه لكبر سنه، بل ويعتب على نفسه أن يستميل النساء بعدما شاخ، فالنابغة يستنكر على نفسه الحب بعد شيب قذاله ومفرقه:
علقت بذكر المالكية بعدما ... علاك مشيب في قذال ومفرق٤
وفي موضع آخر يكرر هذا العتاب:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع٥
وحسان بن ثابت يعجب من تطلعه إلى التصابي بعد التجربة, وبعد الشيب الذي كسا مفرقه:
وكيف لا ينسى التصابي بعدما ... تجاوز رأس الأربعين وجربا
وقد بان ما يأتي من الأمر واكتست ... مفارقه لونا من الشيب مغربا٦
стр. 515
أنواع الغزل:
نعرف أن الشعر الغزلي يصدر إما عن عاطفة الحب والغرام، وإما أن ينبعث بدافع الشهوة والسعي وراء الغريزة، وإما أن يكون غزلا عفويا كالذي يجيء في أوائل القصائد العربية في الجاهلية والإسلام نوعا ما، وهذا الغزل لا يصدر في أغلب أحواله عن عاطفة وإنما سبيله سبيل ما سنراه عند الشعراء الحجازيين من الغزل الكيدي الذي يتخذه الشاعر وسيلة للنيل من خصمه بذكر محارمه في شعره، فالغزل هنا وسيلة لا غاية, والشعر الذي ينبثق غزله من العاطفة هو الغزل العذري والغزل المادي.
الغزل العذري:
أما الحب العذري فهو الحب الذي لا يدنسه الحبيبان بالشهوة ولا تحوم فوقهما طيور المادية، وقد نسب هذا الحب إلى بني عذرة؛ لأن الحب كان يفتك بهم, وكانوا يستعذبون آلام الحب ويستزيدون أحباءهم منها. وهناك اختلاف في نشأة هذا النوع من الغزل؛ فالدكتور طه حسين يراه وليد السياسة الأموية والمستشرق ماسينيون يراه أثرا من آثار أفلاطون في الشعر العربي، ولكن الدكتور الحوفي يؤكد أنه نشأ في العصر الجاهلي١, وأورد على ذلك شواهد هي قصائد مستقلة للحب الخالص لا شيء فيها سوى الغزل؛ منها لقيس بن الحدادية قصيدة غزلية في أربعة وأربعين بيتا, وأخرى لحسان في سبعة عشر بيتا, وهذه القصائد أثر الغزل المادي فيها ضئيل، فنحن نرى للنابغة قصيدة من هذا النوع يتغزل بحبيبته نعم، ويتشوق إلى عهدهما الماضي يوم كانا معا يتناجيان والزمان غافل عنهما, فيتبادلان الأسرار المكتومة والحب الصافي ... وينتقل إلى المرحلة التالية حيث هجرته نعم, فإذا هو يدعو قلبه للإفاقة من سكرة الحب ولكن أنى له ذلك, فقد عذر حبيبته وبكى رحيلها:
стр. 516
وقد أراني ونعما لابثين معا ... والدهر والعيش لم يهمم بإمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
لولا حبائل من نعم علقت بها ... لأقصر القلب عنها أي إقصار
فإن أفاق فقد طالت عمايته ... والمرء يخلق طورا بعد أطوار
نبئت نعما على الهجران عاتبة ... سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري
رأيت نعما وأصحابي على عجل ... والعيس للبين قد شدت بأكوار
فريع قلبي وكانت نظرة عرضت ... حينا وتوفيق أقدار لأقدار١
والعذريون الحجازيون يصورون عواطفهم وعواطف أحبائهم في أسلوب شبه قصصي كما يفعل شعراء الغزل المادي، فقيس بن الحدادية يورد ما يجيش به خاطره وما تبثه حبيبته في حوار؛ فهو يسألها: متى ترجع؟ فتجيبه بأن البعد لن يقطع ما بينهما من عهد ومودة, وراحت تشكو إليه ما تلقاه من الوشاة الذين يبثون عن حبهما الإشاعات المؤلمة؛ فيعزيها عن ذلك وينصحها بالصبر والكتمان. فتقول: إن السر لن يتسرب منها؛ لأنه دون حجاب ودون الحجاب الأضالع أيضا ... وحين يأتي المنادي بالرحيل يهرع إليها ويخاطر بحياته ليراها ويودعها، فتبثه خوفها عليه وتتعجب من جرأته:
وقلت لها في السر بيني وبينها ... على عجل أيان من سار راجع
فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى لا لذي العهد قاطع
وقد يلتقي بعد الشتات أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
سعى بينهم واشٍ بأفلاق برمة ... ليفجع بالإظعان من هو جازع
بكت من حديث بثّه وأشاعه ... ورصعه واشٍ من القوم راصع
بكت عين من أبكاك لايعرف البكا ... ولا تتخالجك الأمور النوازع
فلا يسمعن سري وسرك ثالث ... ألا كل سر جاوز اثنين شائع
وكيف يشيع السر مني ودونه ... حجاب ومن دون الحجاب الأضالع
وما راعني إلا المنادي: ألا اظعنوا ... ولا الرواعي غدوة والقعاقع
стр. 517
فجئت كأني مستضيف وسائل ... لأخبرها كل الذي أنا صانع
فقالت تزحزح ما بنا كبر حاجة ... إليك ولا منا لفقرك راقع
فما زلت تحت الستر حتى كأنني ... من الحر ذو طمرين في البحر كارع
فهزت إلي الراس مني تعجبا ... وعضض مما قد فعلت الأصابع
ومن العذريين الحجازيين الذين قضوا حياتهم يترنمون بحبيبة واحدة, مسافر بن عمرو الذي قضى عليه الحب, فإنه كان يحب هندا بنت عتبة وهي تبادله الحب أيضا, ولكن أبا سفيان تزوجها وأخبر المسافر بذلك وهما في الحيرة عند النعمان؛ فاعتلّ علة شديدة وقال:
ألا إن هندا أصبحت منك محرما ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوسا وأسهما
وحاول أطباء الملك علاجه ولكنهم عجزوا، ومات مسافر في طريقه إلى مكة٢.
الغزل المادي:
وهو الغزل الحسي الذي أساسه حب تمتزج به ميول شهوانية وعواطف خالية من التحرج وأوصاف ربما لا يرضى عنها إلا أنصار الأدب المكشوف٣. والظاهر أنه نشأ في البيئة الحجازية من تأثير الإماء اللواتي كن لا يتحرزن ولا يبالغن في العفة, وكن يأتين إلى الحجاز من طرق شتى، ويكفي أن نعرف أن جوائز الملوك للشعراء تكون من الإماء بعض الأحيان. قال النابغة يمدح النعمان بأنه يبذل الإماء المنعمات في هباته جنبا إلى جنب مع الإبل الغلاظ الشداد:
الواهب المائة المعكاء زينها ... سعدان توضح في أوبارها اللبد
والراكضات ذيول الريط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد٤
стр. 518
وكان بعضهن يكرهن على البغاء في الحجاز, فلما شكت جارية عبد الله بن أبي إلى الرسول أنه يجبرها على البغاء, نزل تحريم ذلك في القرآن١، ولا ينبغي أن نفهم أن تردد الرجال على بيوت البغاء يعطي النساء نفس الحق في الحجاز, فإن ذلك كان مما تأباه نفس الحرة الأبية, وقد رأينا شيئا من هذا عند هند بنت عتبة حينما استنكرت أن يعاهد نساء قريش ألا يزنين, وقالت: "وهل تزني الحرة يا رسول الله؟ "٢ والقرآن عبر بالفتيات وهن الإماء في النهي عن إكراه الإماء على البغي: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ . والمرأة الحجازية تنفر من هذا النوع من الإماء ولا تقبل حتى مجرد المشاركة في الاسم, فقد غضبت زوجة عمر بن الخطاب حينما حول اسمها من عاصية إلى جميلة؛ لأنه اسم أمة٣.
وسحيم عند بني الحسحاس -الذي فتح باب الغزل المادي على مصراعيه- لم يكن عربيا, مما يدل على أن نشأة هذا الغزل المادي كانت أجنبية عن العرب, فهو عبد أسود نوبي اشتراه عبد الله بن أبي ربيعة وعرضه على عثمان, فرده واشتراه بنو الحسحاس ... وتأثر خطاه عمر بن أبي ربيعة وإن لم يفحش مثله ... فسحيم يتمادى في التصوير ويبرز التجربة كما هي دون تحوير، فهي توسده كفها وتدغدغه بالآخر, وتثني رجلها من ورائه وسوف يشهد أنه رآها ويديها ورجليها كلها من ورائه:
توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتحوي رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيبا من ردائها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا٤
وأشهد عند الله أن قد رأيتها ... وعشرين منها إصبعا من ورائيا
ولم يتركه فحشه وبذاؤه حتى ساعة قتله، ففي طريقه إلى الموت شمتت به إحدى صويحباته, فذكرها بماضيها معه:
стр. 519
فإن تضحكي مني فيا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج١
ولما حان قتله, لم ينس أن يعيد إلى ذكراه الحي أفاعيله مع بنتهم:
شدوا وثاق العبد لا يفلتكم ... إن الحياة من الممات قريب
فلقد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على متن الفراش رطيب٢
وشعر الغزل المادي يصف جرأة الشاعر في وصوله إلى حبيبته رغم حذر أهلها ورقابتهم, ويسكن من روع المرأة إن شعرت بالخوف. فهذا سحيم يخرجها من خدر أمها ويلاعبها في الخلاء, بدليل أن المسك يتفتت من عليها فيلتقطه:
ومثلك قد أبرزت من خدر أمها ... إلى مجلس تجر بردا مسهما
فنفضت ثوبيها ونظرت حولها ... ولم أخش هذا الليل أن يتصرما
أعفي بآثار الثياب مبيتها ... وألقط رضا من وقوف تحطما٣
وقد يحدث العكس؛ فتسعى المرأة إلى الرجل وتجتهد في رؤيته، فسحيم نفسه يذكر أنه اجتمع عنده ثماني نسوة يعدنه وهن سبب دائه:
تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى كملن ثمانيا
وأقبلن من أقصى الخيام يعدنني ... بقية ما أبقين نصلا يمانيا
يعدن مريضا هن قد هجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا٤
الغزل التمهيدي:
ونأتي أخيرا إلى الشعر التمهيدي الذي قلنا: إنه لا يصدر عن عاطفة الحب ولا يدفع الشهوة, وإنما هو وسيلة لجذب الانتباه وتهيئة الجو للشاعر كي ينفذ إلى القلوب لينال ما يريد. ومن الغريب أن هذا الغزل فرض سلطانه على جميع أغراض الشعر, فالشاعر الحجازي قدم الغزل حتى في قصائد الرثاء, فهذا دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله فيمهد لذلك بالتساؤل عن عهد حبيبته, وهل لا تزال هي متمسكة بهذا العهد أم أنها قد تحولت إلى سواه؟ فقد افترقا دون أن تنوله شيئا. وبعد ذلك ينتقل إلى موضوع الرثاء:
стр. 520
أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعاقبة أم أخلفت كل موعد
وبانت ولم أحمد إليها نوالها ... ولم ترج فينا ردة اليوم أو غد
أعاذل إن الرزء في مثل خالد ... ولا رزء فيما أهلك المرء عن يد١
وحسان بن ثابت حين رثى حمزة, قدم لهذا الرثاء بأبيات من الغزل يبكي فيها الأطلال ويسائلها عن سكانها، فلم تحر الأطلال جوابا فتركها واتجه إلى موضوعه وهو الرثاء:
أتعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صواب المسبل الهاطل
سألتها عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل
دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النائل٢
ولدينا غير هاتين القصيدتين أيضا رثاء النابغة للنعمان بن الحارث، ومراثي المهلهل في أخيه والحارث بن عباد في ابنه وعريقة بن مسامع العبسي في أخيه مما يناقض ما قاله ابن الكلبي من أنه لا يعلم إلا قصيدة واحدة في الرثاء قدم لها بغزل, هي قصيدة دريد في رثاء أخيه٣.
وما دام الغزل التمهيدي قد تسرب إلى الرثاء فليس بغريب بعد ذلك أن نجده في كافة أغراض الشعر, ومن بينها الفخر الذي ينبغي أن يعمد إليه الشاعر قبل كل شيء, ولكنها التقاليد الشعرية اضطرت شعراءنا إلى غير ذلك, ونجدها متحكمة في الهجاء أيضا, وبعد أن يقضي الشاعر أربه من الغزل ينتقل إلى موضوعه مباشرة وقد يعرج على موضوع آخر غير ذلك مثل وصف الناقة, ويعلل الأستاذ جب ذلك "بأن الخلق الفني لدى العرب سلسلة من بواعث منفصلة, وكل منها تام ومستقل بنفسه, لا تربط بينها غاية أو انسجام أو اتفاق، اللهم إلا وحدة العقل الفردي الذي أبدعها".
وهو يقول:
"إن القصيدة العربية تتألف من سلسلة من الصور تعرض جوانب متعددة من الحياة العربية جرت العادة بترتيبها وترابطها، فالشاعر في أول قصيدته
стр. 521
يتحدث على ظهر جمله مع صاحب أو اثنين, وينطلق إلى منزل الحي الذي رحلوا عنه, فيقف على الطلل ويتذكر ماضيه فيه ويصف ما كان بينه وبين حبيبته ... وبعد ذلك يصف بدقة جمله أو حصانه الذي يشبه الحمار الوحشي في سرعته، وحينئذ يصف هذا الحيوان وطريقة صيده ثم يدخل إلى الموضوع, وهكذا سهل الأمر على المصنفين بعد ذلك, فجعلوا كل جزء وحدة قائمة بذاتها١ ... ومن هذا النص للعلامة جب نرى كيف يفهم المستشرقون ترابط أجزاء القصيدة العربية.
الغزل الكيدي:
وإذا قد انتهينا من أنواع الغزل الثلاثة نصل إلى موضوع هام بالنسبة إلى الشعراء الحجازيين؛ ذلك هو الغزل الكيدي الذي يخالف كل ما سبق من الأنواع الغزلية, فليس بالعذري ولا المادي ولا التمهيدي، وإنما هو نوع آخر غير ذلك يراد به تحقير الخصم وامتهان كرامته وتجريحه.
وأكثر ما يحدث ذلك بين الشعراء أنفسهم؛ إذ يحاول كل منهم أن يكسب المعركة بأي سلاح, حتى ولو كان التشهير بالخصم في التغزل بقريباته وتدوين أسمائهن لتلوكها الألسن بعد ذلك.
وقد لَجَّ الهجاء بين قيس بن الخطيم وعبد الله بن رواحة؛ فتغزل الأول بعمرة أخت عبد الله ولكن غزله كان عفيفا، فعمرة محجبة محتشمة لا تُرَى إلا وقت الحج:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كانت ونحن على منى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
تراءت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ولم أرها إلا ثلاثا على منى ... وعهدي بها عذراء ذات ذوائب
ومثلك قد أحببت ليست بكنة ... ولا جارة ولا حليلة صاحب٢
стр. 522
ورد عليه عبد الله يتغزل بليلى أخت قيس:
أشافتك ليلى في الخليط المجانب ... نعم فرشاش الدمع في الصدر غالبي
وبين حسان وقيس بن الخطيم حدث شيء من هذا؛ فإن حسانا في معرض فخره على الأوس تغزل بليلى أخت قيس:
لقد هاج نفسك أشجانها ... وعاودها اليوم أديانها
تذكرت ليلى وإني بها ... إذا قطعت منك أقرانها
وحجل في الدار غربانها ... وخف من الدار سكانها
وغيرها معصرات الرياح ... وسح الجنوب وتهتانها
مهاة من العين تمشي بها ... وتتبعها ثم غزلانها
وقفت عليها فساءلتها ... وقد ظعن الحي ما شانها
فعيت وجاوبني دونها ... بما راع قلبي أعوانها
فلم يسكت قيس على هذا النيل الجارح، ورد على خصمه يتغزل بزوجته عمرة:
أجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأننا شأنها
وإن تمس شطت بها دارها ... وباح لك اليوم هجرانها١
ولهذا النوع من الغزل خطره الشديد على نفوس الحجازيين, ويرون فيه إهانة بالغة قد يحتاجون في غسلها إلى الدم، فإن كعب بن الأشرف اتخذ من الغزل الكيدي وسيلة إلى تجريح المسلمين والتندر عليهم والتعريض بهم، فها هو ذا يتغزل بأم الفضل بنت الحارث, فيعجب كيف يرحل ويتركها في المدينة رغم أنها منعمة مرفهة ممتلئة, وهي شريفة في قومها وأبوها رأس العشيرة, وهي جميلة تشرق كالشمس:
أراحل أنت لم تحلل بمنقبة ... وتارك أنت أم الفضل بالحرم
صفراء رادعة لو تعصر انعصرت ... من ذي القوارير والحناء والكتم
يرتج ما بين كعبيها ومرفقها ... إذا تأتت قياما ثم لم تقم
стр. 523
وأشباه أم حكيم إذ تواصلنا ... والحبل منها متين غير منجذم
إحدى بني عامر جن الفؤاد بها ... ولو تشاء شفت كعبا من السقم
فرع النساء وفرع القوم والدها ... أهل المحلة والإيفاء بالذمم
لم أر شمسا بليل قبلها طلعت ... حتى تجلت لنا في ليلة الظلم١
واستمر كعب يتغزل بنساء المسلمين على هذا المنوال حتى دفع حياته ثمنا لهذه الحماقات التي رددها لسانه. وحقا, إن كعبا لم يكن عفيف الغزل حين شبّب بنساء المسلمين؛ لأن عداوة الدين هي التي تدفعه إلى هذا الكيد. أما إذا كان الغزل الكيدي بدافع المفاخرة القبلية أو الهجاء الشخصي فإنه يلتزم الاحتشام والعفة غالبا، حتى لنرى النعمان بن بشير يسمع بسرور غناء عزة الميلاء بشعر قيس بن الخطيم في أمه عمرة بنت رواحة قائلا: "إنه لم يذكر إلا كرما وطيبا"٢.
стр. 524
الفصل السادس: الشعر الهجائي
١- اشتقاق الهجاء في العربية والإفرنجية:
يرى الزمخشري أن الهجاء مأخوذ من هجاء الحروف فهو تعديد للمعايب. فالمرأة تهجو زوجها هجاء قبيحا إذا ذمت صحبته وعددت عيوبه، وهو تفريع غريب. فالكلمة جاهلية قديمة، وهي بأن تكون سابقة للهجاء بمعنى تعديد حروف الكلمة أشبه. على أنه إن كان كل ما لحظ في نقلها هو التعديد, فلم يكون تعديد المفاخر والفضائل هجاء أيضا؟
الواقع أن في المادة معاني أخرى هي أقرب لأن تكون أصلا للمعنى الأدبي. ففي اللغة الهجا والهاجة: الضفدع, وهجو يومنا: اشتد حره. وفي اليائي من المادة: هجى البيت هجيا: انكشف، وهجيت عين البعير: غارت. ومما هو قريب من المادة: الهياج بمعنى الغضب والقتال والحرب، والتهوج بمعنى الحمق والطيش والتسرع، والهوجاء: الريح التي تقلع البيوت.
وقد يكون الهجاء بمعناه الأدبي مأخوذا من الضفدع, فهو قبيح الشكل بشع الصوت. وقد يكون مأخوذا من اشتداد الحر, ففيه معنى التنكيل والتعذيب. وقد يكون مأخوذا من الأصل اليائي, فهو يكشف عن سيئات المهجو١.
أما اشتقاق كلمة "الهجاء" في الإفرنجية، فإن أصل المادة "Satire" في اللاتينية، هو Satura Satira ويقصد بها حشو المشوي، ثم انتقل الاشتقاق إلى Satura المجازية وهي "الصحفة الممتلئة" التي تحوي مجموعة من الفواكه المختلطة, تقدم لواحد من الآلهة الريفية أو الجبلية.
стр. 525
وفي الاستعمال الأخير اتحدت كلمة Satlre بالحيل والخدع أو الزخارف التي تنسب إلى الساطير Satyr وهي "جنية الحرجات" "الأساطير".
أما في الإنجليزية، فقد عزز هذا الاتحاد بين المعنيين ما نراه ملحوظا من الفوضى في تهجي الكلمتين١.
وفي دائرة معارف "كاسل": "أن أول استعمال أدبي لهذه الكلمة يدل على نوع من النكتة والتشهير".
٢- تعريف الهجاء وخصائصه:
يعرف بعض الباحثين الهجاء بأنه أدب غنائي يصور عاطفة الغضب أو الاحتقار والاستهزاء, وسواء في ذلك أن يكون موضوع العاطفة هو الفرد أو الجماعة أو الأخلاق والمذاهب، فالهجاء لا يصطنعه -كما يقول برونونبير- إلا وسيلة للتعبير عن طريقته في الحس والتفكير، معارضا طرق الآخرين في حسهم وتفكيرهم، تلك الطرق التي تثير بالمعارضة ذاتها غضبه أو سخطه واستشناعه أو خوفه واحتقاره أو استهزاءه.
وهذا التعريف يخالف المشهور عند نقاد العرب من وجهين:
الوجه الأول: شموله للشعر والنثر، والمشهور لا يكون إلا شعرا.
والوجه الثاني: أن موضوعه شامل الفرد والجماعة والأخلاق والمذاهب, والمشهور عندهم أنه مقصور على الأفراد٢.
ومما يؤيد هذا أن الجاحظ يسمي بعض رسائله النثرية هجاء, فيقول في مقدمة كتاب الحيوان٣: وعبتني بكل ما كتبت إلى إخواني وخلطائي من مزح وجد، ومن هجاء لا يزال ميسمه باقيا، ومديح لا يزال ناميا ... إلخ.
стр. 526
وصاحب العقد الفريد يجعل في القرآن هجاء فيقول١: قال الله تبارك في هجو المشركين: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ الآية. وأبو هلال العسكري يروي في باب الهجاء شعرا أخلاقيا لا يدخل في الهجاء بمعناه الضيق عند قدامة وأشياعه, ويذكر في هذا الباب نثرا مسجوعا في أغلب الأحيان، ولكنه يسميه ذما. والنويري في نهاية الأرب يجعل النثر والهجاء الأخلاقي في باب الهجاء, فيقول٢: "وإن للشعراء والبلغاء في الذم والهجاء نظما ونثرا سنورد منهما طرقا" ويجعل من الهجاء قسما هو هجاء أخلاقي، كهجاء الحسد والسعاية بالبغي والغيبة والنميمة.
والذي يعنينا في بحثنا هذا هو: ذلك الشعر الغنائي الذي يوجه فيه صاحبه الملامة والنقد والامتهان والاحتقار والكره والبغض لكل ما هو معيب مرذول، أو هزأة ضحكة من الأفراد أو الجماعات أو المذاهب أو الأخلاق.
"والهجاء ساخط على المجتمع ثائر على ما فيه ضيق به. والهجاء نتيجة عقدة نفسية وربما في كثير من الأحيان نتيجة لمركب نقص".
"ومن مميزات الهجاء دقة الملاحظة، فالهجاء طلعة بصير يفطن إلى أدق التوافه وألطفها مما يحيط به".
والهجاء يعتمد على التأثير السريع والوضوح الخلاب، فأسلوبه يمتاز بالبساطة التي لا أثر فيها للتكلف. وقد يصل فيه الإسفاف والهبوط إلى مستوى النكتة العامية والحديث الشائع المتداول بين العامة. "وأصحاب المطبوع أقدر على الهجاء من أهل المصقوع"؛ ذلك لأن "الهجاء نقد للحياة، فهو يأخذ مادته من الواقع، ولا يستمدها من الخيال أو التفكير، ولذلك كانت أبرز صفاته الواقعية البعيدة عن الإسراف في الصناعة، والتي تقوم على تجارب الحياة ودقة الملاحظة لما يجري فيها من أحداث"٣.
стр. 527
٣- الفرق بين الهجاء والشعر التهذيبي:
والواقع أن الجاهليين حين قصروا الهجاء بمعناه الأدبي على شكله الشخصي كانوا محقين. فقد نشأ الهجاء عندهم كما نشأ الهجاء عند غيرهم من الأمم تنديدا بالمعايب الشخصية أول الأمر، ثم تقدم الهجاء عندهم كما تقدم عند غيرهم، وارتفع عن الأحقاد الخاصة إلى عنصر الحياة العامة؛ فكان منه السياسي، وكان منه الأخلاقي، وكان منه الديني.
وهنا يجب أن نشير إلى فرق دقيق بين نوعين من الأدب لا ينبغي أن نخلط بينهما, هما: شعر الهجاء والشعر التهذيبي "أو الأدب" كما كان يسميه بعض نقادنا القدماء. فالشعر التهذيبي يقصد به الوعظ والإرشاد، أما الهجاء فيرمي به صاحبه إلى العقوبة والانتقام. فالأول يقدم درسا في الأخلاق أو الدين والفلسفة.
أما الهجاء فهو شريعة القصاص -كما يقول أرنولد- من المجرمين الذين لا تنالهم يد القانون القصيرة، فالهجاء يرى أن هناك طائفة من المجرمين قد غلظت طبائعهم بما أشربوا في قلوبهم الباطل والإثم والغرور حتى ما يؤثر فيهم نصح أو تحذير, فهو ينشر على الناس مخازيهم، ويجعلهم أضحوكة ومثلة، وقد لا يرجو من وراء عمله هذا أن يصلحهم أو يطهرهم. فالعلاقة بين الشعر التهذيبي والشعر الهجائي هي كالصلة بين المدرسة والمحكمة؛ أحدهما يسعى لتكوين الفضيلة ونشر الحكمة, والآخر ينزل عقابه بالرذيلة ويهتك الستر عن الحماقة والسفه ... دافع الشعر التهذيبي رغبة صادقة في الإصلاح، ودافع الهجاء شهوة الغضب والانتقام١.
стр. 528
٤- علاقة الهجاء بالسحر:
وقد كان فن الهجاء من أكثر الفنون الشعرية ارتباطا بالسحر في أوهام العرب؛ ذلك لأن الخفاء والغموض اللذين لازما فن الشعر كانا أليق بالشر، وأدنى أن يبعثا الرهبة والخوف في قلوب الناس. فقد كانت العرب تزعم أن لكل شاعر رئيا من الجن يسمونه تابعا أو هاجسا, وذلك واضح في قصصهم وفي شعرهم١.
ووجه الشبه بين السحر والهجاء واضح؛ فالسحر كلمات تقال فيصيب شرها المسحور، وينصب ما تضمنت من لعنة على المقصود بالإيذاء، والهجاء كذلك كلمات تقال فيها معنى الشر واستمطار اللعنة. والساحر يتوسل إلى شياطينه وأرواحه الشريرة أن تعينه على إلحاق الأذى بالمسحور، والهجاء يستلهم شياطينه الهجاء ويستعينها على المهجو. ولذلك غلب ذكر شياطين الشعر في الهجاء بنوع خاص ولأمر ما نسب الناس هذه القوة الخفية التي تمد الشاعر بالشعر للشر ولم ينسبوها للخير، فقالوا: "شياطين الشعر"، ولم يقولوا: "ربة الشعر" كما تعود اليونان أن يقولوا.
وقد كان الشاعر إذا هجا ربما خرج على الناس في زي غريب غير مألوف, وبالغ في مسخ شكله وتشويه خلقته. وكان حسان بن ثابت يلوث شاربه وعنقفته بالحناء دون سائر لحيته، فيبدو لأول وهلة كأنه أسد والغ في الدم، وروى الألوسي في بلوغ الأرب: "أن الشاعر كان إذا أراد الهجاء, دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلا واحدة"٢. لذلك كان العرب شديدي الخوف من الهجاء, وكانوا يرون بيت الهجاء متضمنا قوى خفية, ولعنة تصيب من تحل به. ويقول مزرد بن ضرار الذبياني "أخو الشماخ بن ضرار"
стр. 529
في رجل من بني عبد الله بن غطفان خدع غلاما من قومه, فاشترى إبله بغنم ... وهو هنا يندد بخدعة الرجل، طالبا إليه أن يرد الإبل، وقد صورها مصابة بالجرب وبمختلف الأدواء، وكأنه يريد أن يشأمها وينزل بها اللعنة والبوار:
فيا آل ثوب إنما ذود خالد ... كنار اللظى لا خير في ذود خالد١
بهن دروء من نحاز وغدة ... لها ذربات كالثدي النواهد٢
جربن فما يهنأن إلا بغلقة ... عطين وأبوال النساء القواعد٣
فلم أر رزءا مثله إذ أتاكم ... ولا مثل ما يهدي هدية شاكد٤
ويؤيد ذلك ما روى صاحب السيرة, من أن أبا سفيان بن حرب ألقى ابنه معاوية أرضا؛ فرقا من دعوة خبيب حين قال وقد أخذوه ليصلبوه: "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا". وقد كانت العرب تزعم أن الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه, زالت عنه٥.
وكان الشاعر ربما عجز عن دفع مظلمة، أو رد حق غصب منه، فلا يستعين على ذلك إلا بلسانه؛ فيهاب الناس هجاءه أكثر مما يخافون سيف الفاتك الجبار.
стр. 530
٥- أقسام الهجاء:
ينقسم الهجاء إلى ثلاثة أقسام: هجاء شخصي, وهجاء أخلاقي, وهجاء سياسي.
فالهجاء الشخصي يعتمد على مهاجمة الأفراد, وهو أقدم أنواع الشعر الهجائي, وهو في معظم الأحيان متأثر بالأهواء الشخصية، بعيد عن العدل والإنصاف؛ لأنه لا يرتقي إلى عناصر الحياة العامة إلا في القليل من نواحيه، فهو أقرب للسباب، وأدنى إلى أن يتورط في الفحش. ومثل هذا الشعر قد يعجب المعاصرين ويسترعي انتباههم، فيرددونه شامتين أو ساخطين، ولكن يفقد جزءا كبيرا من قيمته بتداول العصور، فلا يتحمس له الناس ولا يجدون فيه المتعة إلا بمقدار ما يشتمل عليه من نادرة طريفة، أو سخرية مسلية, أو نكتة مضحكة.
أما الهجاء الأخلاقي، فموضوعه الجرائم الأخلاقية أو الدينية والمفاسد الاجتماعية، والعادات القبيحة والعيوب الإنسانية على وجه العموم. وقد يعم بالهجاء جنسا من الأجناس لا يعين منه أفرادا؛ كالذي نجده في شعر المعري من السخط على المرأة أو رجال الدين. ومن أمثلته في الأدب الحجازي وصف العقوق لأمية بن أبي الصلت.
والنوع الثالث من الهجاء هو الهجاء السياسي. وهو يتميز عن سالفيه بأن صاحبه يرى مثله الأعلى في حزب من الأحزاب أو طائفة من الطوائف أو مذهب من المذاهب، فهو يهاجم كل ما يتعارض مع هذا المثل من نقائص ومعايب تتمثل في أنصار حزب, وهو يزعم في كل هذا -صادقا أو متصنعا- أنه يهاجم في سبيل الفضيلة والحق.
ونستطيع أن نلحق بهذا القسم الهجاء الديني والهجاء القبلي. أما الهجاء الديني فنجد له أمثلة فيما كان بين شعراء المسلمين وشعراء قريش أول ظهور الإسلام. وأما الهجاء القبلي فيصور الشعر السياسي في طوره البدائي عند العرب؛ فقد كان العربي يحمل لقبيلته من القداسة والإجلال مثل ما يحمل المواطن لوطنه