المقدمات:
التوحيد.. وأي أثر كان لهم في الرقي الاقتصادي والاجتماعي؛ لأن هذا الرقي من أعظم الدعائم للرخاء والاطمئنان وضم الصفوف. ثم أي أثر لهم في إقرار السلام؛ لأن السلام، كان ولا يزال، عاملا جوهريا للاتحاد ولا سيما في بيئة مزقتها الحروب والأحقاد. ثم ماذا فعلوا في محاربتهم للطغيان؟ فإن استبداد الحاكم يبعث على الخوف، ويقضي على الروح الوطنية التي هي من أقوى الدوافع لبناء صرح القومية!
كل ذلك وغيره قد تناولناه بالدرس المفصل في هذا الكتاب، وبيّنا كيف انعكست آثاره على نتاجهم الأدبي شعره ونثره, حتى وصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الحجاز كان -بحق- قلبا للأمة العربية!
٣- ثم إن الحجاز هو بيئة النبوة، وموطن الرسالة، والأرض التي اهتزت جوانبها بالصدى المدوي الذي أحدثه نزول القرآن.
ولذا كان من الضروري أن ندرس هذا الموطن وتلك البيئة من شتى نواحيها السياسية، والاجتماعية, والعقلية، والأدبية، واستعداد الحجازيين النفسي والمادي والفني؛ لنعرف عمق هذا الحادث العظيم الذي هز الإنسانية، وأيقظ الدنيا، وحرر العقل، ورفع صروح المدنية، وقضى على عصور الظلام والوحشية.
وعندما نريد أن نفهم إعجاز القرآن وبلاغته الرفيعة خاصة, وأن نفهم الحياة الأدبية في الحجاز في عصر النبوة عامة، لا بد لنا من دراسة بيئة الحجاز الأدبية في العصر الجاهلي أولا وقبل كل شيء؛ لنفهم خصائص هذا الشعب الحجازي وعقليته وتفكيره، وذوقه في الحياة وفي الفن والأدب على وجه الخصوص؛ لأنه هو الذي حمل الدعوة، وبلغها إلى الآفاق، وبشر بها العالم كله، وسارت جحافله ومعه إخوانه من شتى أرجاء الجزيرة العربية توغل في الأرض مبشرة بدين الله الجديد، وثورته القوية العارمة.
стр. 2
إذن فحياة الحجاز عامة، وحياته الأدبية خاصة، جديرة بالدرس؛ لأثرها القوي في تصفية العناصر الجوهرية للقومية العربية، ثم لأنها تمثل البيئة التي انبعثت منها الدعوة الإسلامية الجديدة.
ولو لم يكن هذان العاملان، لكانت هذه الحياة خليقة بالدرس لذاتها؛ لما حققته من أمجاد تزيد من الثروة الروحية والخلقية للإنسانية عامة.
٤- ويشتمل هذا الكتاب على "تمهيد" في ست عشرة ومائة صفحة، ويحتوي على وصف عام للحجاز وبيئته الطبيعية والبشرية. وقد "بلورنا" فيه حقائق عن الحجاز لم يضمها أي بحث أو كتاب سابق, ويعد هذا التمهيد كتابا مستقلا بذاته. وكان من الممكن نشره على حدة، لولا أننا آثرنا أن يكون مقدمة لدراسة الحياة العقلية والأدبية للحجاز في مختلف العصور؛ هذه الحياة التي اعتزمنا تقديمها للقارئ العربي متتالية بحول الله.
ويلي هذا التمهيد القسم الأول من الكتاب، وهو عن العوامل المؤثرة في الأدب الحجازي: من الحياة السياسية، والاجتماعية، والدينية، والعقلية، وهذا القسم يصلح لأن يكون كذلك كتابا منفردا كاملا عن شتى جوانب الحياة في الحجاز.
ويلي ذلك القسم الثاني من الكتاب، وهو عن الحياة الأدبية في الحجاز في العصر الجاهلي، ويشتمل هذا القسم على دراسات واسعة للنثر الحجازي الجاهلي وأشهر أعلامه، وللشعر الحجازي في العصر الجاهلي وخصائصه وفنونه ومناهجه ومذاهبه وأصوله، ولأعلام الشعراء من الحجاز في العصر الجاهلي، ولسوى ذلك من شتى جوانب الحياة الأدبية القديمة في أرض الحجاز. ولتصوير أهمية هذه الدراسات يكفي أن نقول: إننا قد عرضنا فيها لكثير من أعلام الأدب الحجازي القديم، كانوا في نسي منسي من الباحثين والدارسين.
стр. 3
مقدمة:
١- هذا الكتاب: "قصة الأدب في الحجاز في العصر الجاهلي" أوسع دراسة ظهرت عن بيئة أدبية من بيئات الأدب العربي القديم، وهو أول كتاب يؤلف عن الحجاز ونهضة الأدب العربي وازدهاره فيه في العصر الجاهلي، وإذا أطلقنا كلمة "الحجاز" فإنما نعني بها ما يشمل الحجاز, وما يسمى بـ"تهامة الحجاز".
وهذا الكتاب جديد في الأدب العربي؛ لأن موضوعه جديد بكر، لم يتناوله على هذا النحو أحد من قبل. فالذين يتحدثون عن آداب العرب القديمة، يتحدثون عنها في الجزيرة العربية كلها بأقسامها العديدة، دون أن يخصصوا دراساتهم ببيئة مستقلة من بيئات الجزيرة العربية كالحجاز، وإنما يدرسون أدب هذا الشعب العربي جملة، لا يفرقون بين الأدب الحجازي، وبين الأدب النجدي، ولا بين هذين وبين الأدب اليمني، ولا يتحدثون عن خصائص ومميزات الأدب في كل إقليم متميز من هذه الأقاليم، فتجيء الأحكام الأدبية عامة مجملة، غير صادقة تمام الصدق، ولا عميقة في جملتها عمقا يحيط بحقائق الأدب وأصوله وحياته في هذا الجانب أو ذاك، من جوانب الجزيرة العربية الشاسعة المسافات، المترامية الأطراف.
إن خصائص الأدب في بيئة نجد، لا يمكن أن تكون هي نفس خصائصه في الحجاز، والشاعر الجاهلي الذي قضى حياته في ربا نجد، لا يصح أن تكون شاعريته مطابقة تمام المطابقة لشاعر جاهلي آخر عاش في الطائف أو مكة أو المدينة.
ومن ثم كان لا بد لنا من تخصيص هذه الدراسة عن الحجاز في العصر الجاهلي.
стр. 4
٢- وربما اعترض علينا بعض القراء بأننا في عصر القوميات، الذي انتفضت فيه القوميات، وانبعثت من مرقدها. وهذه القوميات تحتم علينا دراسة الشعب العربي جملة، وآدابه جملة كذلك، دون النظر إلى أقاليمه وبيئاته.
ونحن نقول لهؤلاء المعترضين: إن دراسة آداب الشعب العربي جملة لا تتأتى إلا عن طريق دراسة آداب أقاليمه وبيئاته دراسة نقد، واستيعاب، وتحليل، بحيث يتبين منها الخصائص والسمات، وتستمد الأحكام الأدبية الصادقة التي لا حيف فيها على الحقيقة.
ثم إن الحجاز كان البوتقة الحيوية التي انصهرت فيها الخصائص الأساسية للأمة العربية، وتخلصت فيها من الشوائب والمثالب، حتى غدا جوهرها صافيا نقيا ... انصهرت في الحجاز العقائد, واللهجات، والتقاليد، والعنعنات، والسجايا والأخلاق، فصفاها من أوشابها وأدرانها، حتى برزت تلك العناصر الفعالة، التي استندت إليها القومية العربية الإسلامية في نشوئها وتكوينها ومراحل تطورها، هذه القومية العظيمة التي وثبت اليوم وثبتها القوية الجبارة!
أفلا يجدر بنا -وهذا هو دور الحجاز منذ القدم- أن ندرس حياته وخصائصه، وشخصيته الأدبية والفنية، وجميع مقوماته السامية؟!
وإذا كانت اللغة هي إحدى عناصر القومية، أفليس من الواجب أن ندرس إلى أي حد، أثر الحجاز عامة، ولهجة قريش خاصة، في تهذيب اللغة العربية، وترقيتها، وتوحيدها، حتى أصبحت اللسان القومي للأمة العربية جمعاء؟!
ثم ما هو موقف الحجازيين من العقيدة، ووحدة الأماني المشتركة, والتبادل التجاري، ونمو الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وجميع العوامل التي تعتبر عناصر هامة للقومية العربية؟!
ما هو موقفهم من ذلك كله؟ لنرى أي أثر تركه الحجازيون في تخليص العقائد من الخرافات والأباطيل؛ لأن هذه التنقية وسيلة هامة من وسائل
стр. 5
تمهيد: وصف عام للحجاز وبيئته الطبيعية والبشرية
٥- وسوف يستبين للقارئ الكريم أن طائفة من شعراء الحجاز في الجاهلية، كانوا يحبون السلام، ويشيدون بأنصار السلام، وكانوا يكرهون الظلم والطغيان، وينددون بأرباب العدوان ... وكانوا يدعون إلى التكافل الاجتماعي حتى يكون فقيرهم كغنيهم في ميزان الحياة على السواء.
والشعر الحجازي في الجاهلية -في بعض صوره- فضلا عن بلاغته وروعته، غني بالمضامين الحية، وبالروح الإيجابية، والثورة على الخرافات والأوهام والأوضاع الفاسدة، والقيم الموروثة البالية.
وهو إلى ذلك سجل دقيق يصور بيئتهم القلقة المضطربة، وحاكٍ أمين يحكي لنا عن مذاهبهم في الحياة، وأساليبهم في العيش، وطرائقهم في التفكير والتعبير.
وسيجد القارئ أن ألوانا جديدة من الفنون أو الأغراض الشعرية كان الحجازيون أسبق إلى ابتداعها، ولا تكاد توجد في البيئات الأدبية الأخرى في سائر أنحاء الجزيرة.
وما أثر من النثر الجاهلي ينسب معظمه إلى أدباء حجازيين.
٦- ونود في أعقاب هذا التقديم أن نشير إشارة مجملة إلى أهم ما كتبه الأستاذ عبد الله عبد الجبار، فقد تناول بالبحث ما يلي:
أولا: في التمهيد:
بيئة الحجاز الطبيعية ومدنه "ما عدا مكة والمدينة" ٢٤-٧٨
المضريون في الحجاز إلى آخر التمهيد ٨٧-١١٣
ثانيا: في القسم الأول:
التوطئة ١١٩-١٢٣
طبيعة الحكم في الحجاز ١٥٠-١٦٥
باب الحياة الدينية ٢٠٢-٢١٨
стр. 6
ثالثا: في القسم الثاني:
أ- في النثر:
باب الحكم والأمثال ٢٦٢-٣٠٤
ب- في الشعر:
الباب الثاني: الشعر الحجازي بين الصحة والوضع ٣٤٩-٤٠٦
الباب الثالث: فنون الشعر الحجازي ٤٠٧-٥٧١
الباب الرابع: الموسيقى والغناء ٥٧١-٥٩٢
ثم الخاتمة, وثبت أسماء الشعراء الحجازيين.
وبعد، فهذا الكتاب ثمرة تعاون وثيق صادق، ولا نريد هنا أن ننوه بما عانينا في بحثه من جهد، ولا بما رجعنا إليه من مصادر، ولا بما اكتشفنا فيه من جديد، أو حققنا في ثناياه من أوهام وأخطاء.
وحسبنا أننا وضعنا أقلامنا على موضوع جديد، بذلنا فيه ما وسعنا من طاقة، وحسبنا كذلك أن تتجاوب معه جمهرة المثقفين والباحثين والأدباء، وكل قارئ واعٍ في دنيا القومية العربية وفي كل مكان.
стр. 7
أقسام الجزيرة:
تنقسم الجزيرة العربية إلى خمسة أقسام:
الحجاز, تهامة, نجد, اليمن, العروض.
وهذا التقسيم يكاد يكون طبيعيا، فإن جبل السراة -أعظم جبال الجزيرة- يمتد من اليمن إلى أطراف بادية الشام، فيقسم الجزيرة قسمين: صغير منخفض في الغرب يسمى تهامة أو الغور، وكبير مرتفع في الشرق يسمى نجدا، والعرب تقول: أغار وأنجد، وأتهم وأنجد ... وجبل السراة هذا يسمى "الحجاز" لحجزه بين القسمين السابقين، وجنوبي الحجاز تقع اليمن، وبين نجد والبحر الشرقي "خليج عمان والبصرة" تقع العروض لاعتراضها بينهما، وسنتكلم في إيجاز على هذه الأقسام الطبيعية للجزيرة العربية:
١- فأما تهامة فهي بلاد منخفضة بين الحجاز وبحر القلزم، ويضاف جزؤها الشمالي إلى الحجاز والجنوبي إلى اليمن، فيقال: تهامة الحجاز، وتهامة اليمن.
٢- وأما الحجاز فإقليم جبلي يمتد من الشام إلى اليمن، مضافا إليه تهامة الشمالية.
ويسكن جنوبي الحجاز قبيلة كنانة ومنها قريش، وهي التي كان لها السيادة على الحجاز كافة، بل على العرب عامة.
٣- وأما اليمن فتقع في الطرف الجنوبي الغربي للجزيرة، وهي أغزر بلاد الجزيرة العربية أمطارا، وأكثرها زرعا، وأقدمها حضارة، وتسميها العرب "الخضراء" لكثرة مراعيها ومزارعها وأشجارها، ويطلق عليها المستشرقون "البلاد السعيدة", وفيها يقول شاعر يمني قديم:
هي الخضراء فاسأل عن رباها ... يخبرك اليقين المخبرونا
ويمطرها المهيمن في زمان ... به كل البرية يظمئونا
وفي أجبالها عز عزيز ... يظل له الورى متقاصرينا
وأشجار منورة وزرع ... وفاكهة تروق الآكلينا
стр. 8
ومن أشهر القبائل اليمنية: مذحج، وهمدان صاحبة يغوث ويعوق. وتشمل اليمن:
أ- حضرموت، وقد اشتهر الحضارمة بالتجارة، وتقع شمالي بلادهم الأحقاف مسكن عاد قوم هود.
ب- مهرة، وإليها تنسب الإبل المهرية، وهي نجائب تسبق الخيل، ولغة أهل هذا الإقليم الحميرية القديمة المستعجمة, وهي لا تكاد تفهم.
جـ- الشحر.
وأهم مدن اليمن: نجران في الشمال، وقد اعتنق أهلها قديما النصرانية، وأرادهم ذو نواس على اليهودية فأبوا فأحرقهم في الأخدود، وقد أنشأ فيها أبرهة بناء ضخما يشبه الكعبة ليصرف العرب عنها، وسماه "القليس" وإلى ذلك ترجع حادثة الفيل.
ومن مدن اليمن: مأرب وهي مدينة سبأ، وبها كان السد الذي حطمه سيل العرم في القديم، وقص قصة سبأ القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ... ﴾ إلخ.
وصنعاء هي حاضرة اليمن قديما وحديثا، وبها قصر غمدان التاريخي العجيب، وقد وصفه الهمداني وصفا شيقا. ومن مدن اليمن: ظفار وهي عاصمة الشحر، وفي المثل: "من دخل ظفار فقد حمر" أي: تكلم بالحميرية.
وبين الحجاز واليمن تقع منطقة عسير، وتقع هذه المنطقة جنوبي الحجاز، وشمال اليمن، وقد جعلها الأتراك أيام حكمهم متصرفية تابعة لولاية اليمن، ولكن حكومة الأشراف في الحجاز كانوا يدعون تبعيتها للحجاز, وقد كان نفوذ أمير مكة يمتد إلى هذه البلاد. وجو عسير قريب من جو اليمن وأمطارها كثيرة وتجري الأودية الرئيسية بها في اتجاه وادي الدواسر الواقع في جنوبي نجد، والبلاد الداخلية في هذه المنطقة خصبة، وهي نظيرة اليمن في الخصب ووفرة المزروعات، وسكانها كثيرون يقدرهم حافظ وهبة بمليون ونصف١.
стр. 9
الجزيرة العربية:
تقع جزيرة العرب، أو على الأصح شبه الجزيرة العربية جنوبي الشام، وتحيط بها المياه من جهات ثلاث، وقد أطلق العرب عليها اسم "جزيرة" مع أن حدودها الشمالية وهي أرض الجزيرة وبوادي الشام وفلسطين ليست إلا أرضا برية لا تشتمل على بحار أو أنهار، أما حدودها الأخرى فهي واقعة على البحار، وهي جهات الخليج الفارسي "العربي" وبحر عمان وبحر فارس ونهر الفرات شرقا، وبحر القلزم غربا، وبحر العرب -أو المحيط الهندي- جنوبا، ونقل صاحب لسان العرب عن التهذيب: سميت جزيرة العرب جزيرة؛ لأن البحرين: بحر فارس وبحر السودان أحاطا بناحيتيها، وأحاط بناحية الشمال نهر الفرات.
وجزيرة العرب هضبة كبيرة مكونة من جبال وصحارى رملية، أما الصحارى فأهمها اثنتان:
١- صحراء السماوة: وتسمى بادية السماوة أو صحراء النفود، وتشمل معظم شمالي الجزيرة, ورمالها وعثاء يصعب فيها السير، وتسوخ فيها القدم، وسكانها بدو رحل، يقيمون فيها شتاء، ويرحلون عنها صيفا إلى التخوم الشمالية طلبا للماء والكلأ، وجنوبيها جبل شمر وهو على صورة هلال يتقوس عند انحداره نحو الجنوب، ويسمى جبل طيء، وهو غزير المطر، معتدل الجو.
٢- صحراء الربع الخالي: وفيها بلاد الأحقاف، وهي شمالي حضرموت وكانت الأحقاف مسكنا لعاد قوم هود، ومن هذه الصحراء جزء يسمى الدهناء شمالي مهرة، وتتصل هذه الصحراء ببادية السماوة، وتمتد شرقا إلى الخليج الفارسي، وأرضها مستوية صلبة انتثرت الحصباء فيها، وهي مجدبة وقد ينزل بها مطر قليل, فينبت عليه بعض الكلأ، ويقيم بها البدو شتاء ويرحلون عنها صيفا.
стр. 10
ويوجد نوع من التربة يسمى الأحساء في المنطقة المعروفة بهذا الاسم على الخليج الفارسي, وهي أرض رملية تحتها طبقة صلبة، فإذا سقط المطر تشبع الرمل بالماء، فإذا حفر الإنسان الرمل أصاب الماء.
وهذا هو التعريف اللغوي للأحساء الذي يتضمن أنها أرض رملية تحتها طبقة صلبة, فإذا نزل المطر بلعته الرمال حتى يصل إلى الطبقة الصلبة فأمسكته، فإذا حفر الرمل ظهر الماء وسمي الموضع حسيا وجمعه أحساء، إلا أن إقليم الأحساء وإن كثرت مياهه ووجدت فيه أراضٍ رملية لا ينطبق عليه هذا التعريف اللغوي انطباقا تاما، فالمياه فيه غزيرة جدا، وهي تنبع من الأرض، وتتدفق بقوة، وبعضها يكون بحيرات تشق منها قنوات كثيرة.
وأما الجبال في الجزيرة العربية, فأشهرها:
١- سلسلة جبال السراة "الحجاز" وهي تمتد من بوادي الشام إلى اليمن، وبها كثير من الأودية العميقة التي تتخللها وتعوق السير فيها، وسنتحدث في الفصول التالية بتوسع عن الحجاز وجباله.
٢- جبل شمر.
٣- الجبل الأخضر في الجنوب الشرقي.
وفي الجزيرة العربية أودية كثيرة، من أشهرها:
١- وادي الرمة ويبدأ قريبا من المدينة، وينتهي إلى شط العرب مارا بالقصيم.
٢- وادي حنيفة ويبدأ من منحدرات جبل طويق الغربية، غرب مدينة الرياض، إلى اتجاه الخليج الفارسي.
٣- وادي بيشة، ويمتد في الجهة الجنوبية من الحجاز نحو الشرق.
стр. 11
ومن موانئ عسير: البرك, والشقيق, وجازان "جيزان" وسواها، وأشهر بلادها: أبها, وهي على بعد ١٣٩ ميلا من بيشة١، ومحايل، وخميس مشيط، وأبي عريش٢، وصبيا٣.
٤- ومن أقاليم الجزيرة: نجد، وهو إقليم صحراوي تكثر به الأودية والدارات. والدارة: كل أرض واسعة بين جبال, ويرادف هذه الكلمة كلمة "واحة" العامية. وذكر صاحب القاموس المحيط من هذه الدارات عشرا ومائة، وينحصر إقليم نجد بين الحجاز والعراق وبحر فارس والعروض والشام وهو أصح بلاد العرب هواء, وأجملها منظرا, وأكثرها أزهارا, وأطيبها شميما، وبه أرض العالية التي كان يحميها كليب، واشتعلت بسببها حرب البسوس, ومن جبالها: أجا وسلمى جبلا طيء.
ومن أشهر قبائل نجد: كندة، وتميم، وغطفان، وقيس عيلان، وطيء، وبكر، وتغلب.
وأما العروض فيشمل عمان واليمامة والبحرين:
فعمان تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية للجزيرة وأهلها مشهورون بالملاحة.
واليمامة في الداخل وإليها تنسب زرقاء اليمامة التي يضرب بحدة بصرها المثل، والبحرين على بحر فارس.
والعروض أكثر بلاد العرب نخيلا؛ ولذا ضرب المثل بهجر قاعدتها في كثرة التمر، فقيل: كناقل التمر إلى هجر، وقد خربها القرامطة، وبنوا الأحساء، واتخذوها عاصمة مكانها.
стр. 12
الحجاز: بيئة الحجاز الطبيعية
الموقع والتضاريس: يقع الحجاز من جزيرة العرب في ناحيتها الشمالية والغربية, وهو يمتد من معان مارا برأس العقبة إلى القنفدة على شاطئ البحر الأحمر. أما حدود الحجاز من الجهة الشمالية فتسير قريبا من مدين إلى الشمال منها، على حين ترجع حدوده الشرقية على الحجر إلى جبلي: "أجا وسلمى"١ "ويطلق عليهما اليوم جبل شمر". أما في الجنوب فوادي تثليث، وما دونه هو الحد الفاصل لسلسلة جبال الحجاز عن اليمن٢، ووادي تثليث يقع في الجنوب الشرقي من بلاد عسير منحدرا إلى الشمال، هذا من الناحية الجنوبية والجنوبية الغربية تجاه عسير، أما من الناحية الجنوبية الشرقية تجاه نجد، فقد ذكر ياقوت أن تربة٣، ورنية، وبيشة، ثلاثة أودية ضخام أسفلها في نجد، وأعلاها في السراة. وعلى هذا, فالأودية الثلاثة تجري في منطقة الحجاز حتى تتصل بنجد٤.
стр. 13
والمساحة التقريبية للحجاز -كما يقدرها بعض الباحثين- تبلغ زهاء ٧٠٠ ميل طولا "من الشمال إلى الجنوب"، و٢٥٠ ميلا عرضا "من الشرق للغرب"١.
стр. 14
ويمتد الحجاز على طول السهل الساحلي على البحر الأحمر من عسير إلى خليج العقبة١، ويختلف عرض هذا السهل من ١٠ إلى ٤٠ ميلا. ويمتد هذا السهل إلى حاجز جبلي عظيم، يتكون من صخور نارية ومتحولة عند حافته الشرقية التي يبلغ ارتفاعها أكثر من ٨٠٠٠ قدم فوق سطح البحر.
والمنخفضات الغربية من هذه السلسلة شديدة الانحدار، وعلى الأخص في الطرف الجنوبي في اتجاه مقاطعة عسير. أما في الجنوب من طريق: مكة, الطائف, الرياض، فلا تستطيع السيارة اجتياز تلك المنطقة الجبلية، مع أنه يوجد هناك طريقان في الشمال؛ إحداهما من جدة إلى منجم الذهب، وسهل نجد، والأخرى تصل ما بين جدة، وينبع، وأخفض ممر يمكن العبور خلاله من الساحل يرتفع ٢٢٠٠ قدم عن سطح البحر، وتتدرج الأراضي في الميل إلى جهة الشرق في اتجاه صعيد نجد المرتفع.
أقسام الحجاز الطبيعية:
يتكون الحجاز من أقسام طبيعية يجاور بعضها البعض الآخر، وهي:
١- المنطقة الساحلية، وهي سهل متوسط عرضه نحو ٢٩ كيلو مترا, ويمتد بمحاذاة شاطئ البحر الأحمر "تهامة"، ويحيط بها شعاب مرجانية، وتقع فيها موانئ: العقبة، والمويلح، والوجه، وأملج، وينبع، ورابغ، وجدة، والليث.
٢- المنطقة الجبلية، وهي مرتفعة وتأخذ في الانخفاض التدريجي حتى تصل إلى ما بين جدة ومكة، ولا يزيد ارتفاعها هنالك على ألفي قدم.
٣- المنطقة النجدية، وهي واقعة بين جبال مرتفعة جدا في الشمال، ومغطاة بالحمم "السائل البركاني" وتأخذ في الانخفاض في اتجاهها للجنوب، إذ يصل ارتفاعها غربي مكة والطائف إلى نحو ألف قدم, وتقع فيها المدينة ومكة.
стр. 15
٤- الأخدود الرئيسي، والأجزاء المرتفعة منه مغطاة بالحمم كما هو حال الخرمة والعويرض وخيبر "٦٠٠٠-٨٠٠٠" قدم، ويصل ارتفاعه إلى نحو ٥٠٠٠ قدم ما خلف مكة.
٥- المنطقة الأخيرة وهي أعلى حافة المنحدر الشرقي في اتجاه قلب الجزيرة العربية.
وبين القسم الرابع والخامس توجد واحات خاصة متناثرة، ومنها: الحائط، والحويط، وفدك، وخيبر، والحناكية، والطائف، ووادي فاطمة "مر الظهران"، والصفراء، ووادي القرى.
جيولوجية الحجاز:
أ- الأعصر الجيولوجية:
لقد كانت بلاد العرب وسوريا وشبه جزيرة سيناء في وقت من أوقات الأدوار الجيولوجية القديمة قسما من إفريقيا الشمالية الشرقية، وإن أخدود البحر الأحمر ووجود صخور ابتدائية متشابهة التكوين في الطبيعة والزمان على جانبي هذا البحر اعتبارا من شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة متبعة القسم الشمالي الشرقي من أفريقية حتى جهات رأس الرجاء الصالح، كل ذلك يدل دلالة قوية لا تحتمل الشك على أنه قد قامت في الأزمان الجيولوجية قارة عظيمة مؤلفة من هذه النواحي ويفصلها عن القارة اليوراسية بحر كبير بقيت لنا من آثاره الكتلة العظيمة المائية التي نسميها الآن بالبحر الأبيض المتوسط. وهذا البحر القديم يظن أنه في الأزمنة الجيوراسية كان محيطا بالأطراف الشمالية والشرقية لهذه القارة العظيمة بشكل منحنٍ, وكانت سيناء والعقبة وتبوك والعلا في تلك الأيام قريبة من شاطئ ذلك البحر أيضا. بينما نجد أن جبال الحجاز وعسير وبلاد نجد حتى جبلي أجا وسلمى وجبل النير والعارض كانت قسما من القارة القديمة المشار إليها.
وتلا هذا العصر الجيولوجي الجيوراسي عصر آخر عرف بعصر البحر الكريتاسي, الذي كان طائفا بنفس الأماكن في الشمال والجنوب. ويظن أن
стр. 16
هذا البحر كان يغطي منطقة خليج فارس ورأس عمان كما نعرفها الآن، والمظنون أيضا أن مياه هذا البحر كانت تلاطم نفس الشواطئ التي كان البحر القديم يلاطمها, ولم تأخذ بلاد العرب شكلها الأخير الذي نعرفه الآن لها في هذه الأزمنة التاريخية إلا بعد انقشاع المياه عن سطح البقاع التي كان يغسلها وارتفاع تلك البقاع الأرضية عن مستوى سطح البحر, ثم تلا هذا العصر حركات أرضية سببت تكوين أخدود البحر الأحمر وانقسام القارة العظيمة إلى قسمين:
قسم غربي البحر الأحمر نعرفه الآن بإفريقيا، وقسم آخر شرقيه هو الحجاز وبلاد العرب.
ب- الطبقات الأرضية:
أما التكوين الطبيعي للصخور والطبقات في الحجاز, فإنه مماثل تمام المماثلة للطبقات التي تؤلف المنطقة الغربية للبحر الأحمر, اعتبارا من الساحل المصري إلى أقصى الجنوب. مع أنه في العلا على طرف البلاد من الناحية الشمالية تتكاثر الحجارة الرملية بطبقات سفلى كثيفة, وتمتد المساحة الغربية الباقية حتى البحر الأحمر. أما أملج وضبا والمويلح قرب رأس خليج العقبة, فتتألف من تشكيلات نارية وميتامورفية "متحولة" تميل إلى رواسب مواد الأجسام المعدنية, وتوجد بعض هذه المواد في كل من نوعي هذه التشكيلات، إلا أن فائدتها باستثناء الملح والكلس والجبس "سلفات الكلس" للبلاد في الوقت الحالي ضئيلة. وفي جبل النورة الذي يبعد حوالي ١٢ ميلا من مكة توجد كمية طيبة من الجير المحروق يتحصل عليه من الشظايا الراسبة التي قد تحولت إلى ميتامورفية بفعل الحرارة والريح. وترى كذلك جزر مشابهة على الطريق من جدة إلى مهد الذهب حوالي ٤٠ ميلا خلف جدة، كما تشاهد في القرين الأبيض "قرن الماعز الأبيض" على بعد ١٠٠ ميل تقريبا عن جدة. وأكمة منجم مهد الذهب بالذات عبارة عن صخور بركانية متماسكة كحجر الصوان شكلا ورواسب متيامورفية بشكل مرتفع، يعلوها مجرى من البازلت، وجبل المنجم هو نوع من الأندسيت يقطعه عروق من المرو، وقسم منه مكسوّ جزئيا بالريوليت وهو نوع من
стр. 17
الصخور النارية "الكوارتزية" ومعظم الجبال العارية المتعرضة للشمس شرقي الجبال الميتامورفية والبركانية هي من حجر الجرانيت.
وفي الطائف يرى الجرانيت على هيئة حواجز متقاطعة متداخلة إلى الغرب, حيث تميل الجبال إلى ارتفاع أعلى. وبحذاء الطرف الجنوبي لسلسلة الجبال المتكاثفة في اليمن توجد رواسب منضدة من الرماد البركاني أو الحمم المقذوفة.
الطبوغرافيا: "تخطيط الأرض"
لكي نعرف طبوغرافية الحجاز بوجه عام علينا أن نعود ثانية إلى حاشية السهل بمحاذاة البحر الأحمر، ثم إلى السور الجبلي المنحدر الذي يرتفع إلى ٨٠٠٠ قدم خلف مكة, و٤٠٠٠ قدم غربي مهد الذهب, و٣٠٠٠ قدم قرب المدينة، وتمتد شمالا إلى نحو هذا الارتفاع، يقطعها وادٍ طوله ألفا قدم هو وادي الحمض وأودية أخرى. ويقع إلى الشرق من هذه السلسلة الجبلية مرتفعات تتراوح من ٦٠٠٠ إلى ٤٠٠٠ قدم ما بين عسير والطائف، ومن ثم تهبط إلى ٢٢٠٠ قدم عند العلا. وعلى الجانب الغربي من سلسلة الجبال يقع القسم الساحلي العظيم المعروف بتهامة ويتاخم البحر الأحمر, ويتراوح عرضه من ٤٠ ميلا في الحديدة باليمن ونحو ٣٠ ميلا من جيزان فشمالا إلى الليث, ثم من ١٠ إلى ٢٠ ميلا حول الوجه. وأخيرا ينخفض حتى يستوي تماما عند خليج العقبة. والحاجز الجبلي فيما وراء السهل الساحلي تقع في كل مكان منه تلال جبلية بعلو أقدام فقط، كما أن هنالك أودية عظيمة تتصل بعيدا إلى الشرق، وأعظمها وادي الحمض جنوبي الوجه. وأحد أطراف هذا الوادي يصل قرب المدينة, بينما الفرع الآخر منه يصل إلى جوار العلا.
ومن الأودية الأخرى المهمة: وادي ينبع ووادي رابغ ووادي غران ووادي فاطمة، وأحيانا تحمل هذه الأودية كميات غزيرة من المياه وكذلك كميات كبيرة من الطمي، وندرة العشب في معظم منحدرات الجبل التي تشكل مجرى حوض
стр. 18
هذه الأودية ناتجة من أن ١٠٠% تقريبا من الماء يسيل لبطن الوادي، ورواسب الطمي من الجهة الأخرى تؤلف أراضي كثيرة خصبة وصالحة للزراعة في أمكنة تكون فيها بطون الأودية مستوية تقريبا، وعند تعرج مصب الأودية وعند بروز جداول من مسارب الجبال، وعند التقاء الأودية بالبحر.
وأما الجهة الشرقية من سلسلة جبال الحجاز فتنحدر برفق إلى الشمال والمساحات المنبسطة في الطائف ذات علو معدله ٥٠٠٠ قدم فوق سطح البحر وعند عشيرة ٣٧٠٠ قدم وعند البركة ٢٨٠٠ قدم وعند الحفيرة على خط سكة حديد الحجاز ١٧٤٠ قدم، وإلى ٦٦ ميلا للشمال عند قلعة الحج التركي القديم التي تدعى قلعة الصوري يبلغ الارتفاع ٢٢٠٠ قدم، وتقع هذه القلعة عند نقطة الاتصال بطريق السيارات الموصلة إلى خيبر التي تبعد ١٠٤ أميال لجهة الجنوب, والتي تعلو أيضا ٢٢٠٠ قدم.
جبال الحجاز:
تحيط بالحجاز جبال وحرار كثيرة، وقد اعتبرها الباحثون سلسلة واحدة أسموها "السراة", وسلسلة جبال السراة تمتد طولا من الشمال إلى الجنوب، وهي العمود الفقري لشبه الجزيرة العربية، وبعض هذه السلسلة مرتفع وقد تتساقط الثلوج عليها كجبل دباغ الذي يزيد ارتفاعه عن ٢٢٠٠ متر عن سطح البحر، وجبل وتر, وجبل شيبان، وتنخفض هذه السلسلة عند دنوها من مكة ثم تعود بعد ذلك إلى العلو.
وسلسلة السراة يجعلها البعض منتهية في الشمال وراء عرفة والمناقب١. أما الحرار والجبال الأخرى الواقعة في شمال هذه السلسلة فهي أقل ارتفاعا منها، ويقول الهمداني في وصف السراة: "هو أعظم جبال العرب وأذكرها"٢.
ويمكن تقسيم هذه السلسلة إلى ثلاثة أقسام على النحو الآتي:
стр. 19
١- القسم الواقع في اليمن ويبلغ طوله ٥٠٠ كيلو متر, يقتطعها من الجنوب إلى الشمال بين ساحل عدن إلى حدود عسير ونجران.
وسروات اليمن كما ذكرها الهمداني عشر سروات، وهي من الجنوب إلى الشمال: سراة المعافر, سراة الكلاع, سراة بني سيف, سراة جيلان, سراة الهان, سراة المصانع, سراة قدم, سراة عذر وهنوم, سراة خولان, سراة جنب.
٢- القسم الواقع بين اليمن في الجنوب والحجاز في الشمال، ويشمل مقاطعتي عسير ونجران، وكان يسمى في القديم سراة "أزد شنوءة" وفيه أربع سروات هي: سراة عنز, سراة الحجر, سراة باة, سراة يشكر.
٣- وأما القسم الثالث من سلسلة السراة -وهو الذي يعنينا- فهو الجزء الواقع في منطقة الحجاز بين حدود عسير في الجنوب وجبال عرفات في الشمال، وكان مقسما إلى خمس سروات من الجنوب إلى الشمال هي: سراة غامد, وسراة دوس, وسراة زهران, وسراة فهم وعدوان, وسراة الطائف. أما اليوم فيطلق عليه اسم جبال الحجاز.
وأعلى قمة في سراة الحجاز ٢٥٩٨-٨٤٠٠ قدم في جبل إبراهيم الواقع إلى الجنوب من مصب وادي الكرا، ومن الأماكن في سراة الحجاز ما يبلغ ارتفاعه ٢٥٤٤-٨٢٦٨ قدما وهو جبل دكا، ٢٥١٢-٨١٦٤ قدما وهو جبل الشفا، ٢٥٠٠-٨١٠٠ قدم وهو جبل القرينيط، ٢٣٦٣-٧٧٠٠ قدم وهو جبل حيرة, ٢٣٢٦-٧٥٧٠ قدما وهو جبل السراة, ٢٣٠٨-٧٥٠٠ قدم وهو جبل برد، ٢٢١٥-٧٢٠٠ قدم في جبل كرا، ١٦٣٠-٥٢٩٧ قدما في الطائف، ١٣٨٥-٤٥٠٠ قدم في الحوية.
ويجعل كثيرون سلسلة جبل السراة ممتدة في الشمال إلى معان وأطرافها حيث تسمى هناك جبل الشراة.
وتكوين سلسلة السراة بسيط, إذ تحتوي على الصخور الابتدائية الكرستالية المكونة من تجمد قشرة سطح الأرض والصخور الاندفاعية،
стр. 20
وغالب صخورها يتكون من الصخور البلاطونية، وفي بعض الأحيان الميتامورفية، وأهم تركيبها الجرانيت والشست، وسلسلة هذه الجبال في الشمال تدعى كما سبق بجبال الشراة ويليها من الجنوب سلسلة جبال حسمى التي تقع إلى شرقيها وجنوبيها الشرقي الحرات الكبيرة الشمالية، وفيها بعض القمم الشاهقة التي تصل إلى ٢٠٠٠ متر فوق سطح البحر، ومن أهم هذه الجبال المرتفعة: جبل مبارك، وجبل اللوز، والمقلع، وجبل الشفا، وجبل أرنب. وإلى الجنوب من هذه السلسلة توجد عند المويلح وضبا والوجه عدة جبال مرتفعة أهمها: المويلح وجبل شار، وإلى الجهات الجنوبية من حسمى جبال الشرارة، وغنمات، وشيبان. وتوجد كذلك في غرب منطقة مداين صالح جبال عنتر وقصد والقعيد ونهر، وإلى الجنوب من هذه الجبال توجد سلسلة آكام ممتدة بمحاذاة الساحل لا يزيد ارتفاعها عن ألف متر، وفي الوسط منطقة جبلية أخرى متوسط ارتفاعها ١٢٠٠-١٥٠٠ متر، وفي الأولى جبل الغوصة، والمشقق ومرتبة وعرمة وهجينة، وأعلى منها كلها رضوى إلى الشرق من "ينبع", إذ يبلغ ارتفاعه إلى نحو ألفي متر، وفي أطراف المدينة إلى الشمال والجنوب منها عدة جبال مشهورة أهمها أحد, ويبلغ ارتفاعه ١٢٠٠ متر، ويليه: الرحلة، والفرع، والحمض. وبين مكة والمدينة سلسلة متصلة من هذه الجبال، أهمها: نصع وجبل بني أيوب وجبل صبح، وتعلو في الجنوب الشرقي من مكة علوا غير قليل، فيتألف منها سلسلة جبل كرا بين الطائف ومكة الذي يصل إلى ٢٢٠٠ متر، وسلسلة الجبال الخلفية وأهمها: برد والقرينيط والشفا ونجير ودكا، وإلى الشمال من هذا يشرف جبل حضن على سهل ركبة إلى جهة المشرق منه، ثم في الجهات الجنوبية جبل السعدية والأبانين والطور الأخضر، والعقبة وجبال عسير.
стр. 21
الحرار في الحجاز:
توجد في الحجاز حرات عديدة، والحرات جمع حرة، وهي المناطق السود ذات الحجارة النخرة المحرقة بالنار، أو الحجارة المؤلفة من السائل البركاني المتجمد، وقد تسمى اللابة واللوبة أيضا كما في اللسان١. ويظهر أنها تكونت بفعل البراكين، وتكثر فيها الحجارة ذات الرءوس الحادة، ومن الأرجح أن الحرار هي أفواه البراكين، واللابة هي المناطق التي غطتها حمم البراكين وسالت فوقها ثم جفت، والكراع هي أعناق الحرار.
وشرقي الحجاز سلسلة من أرض بركانية ذات حجارة سوداء كأنها أحرقت بالنار، وأكثرها بين المدينة والشام، ومنها: حرة سليم إلى الجنوب الشرقي من المدينة، وحرتا المدينة الشرقية والغربية، وحرة خيبر.
وتكثر الحرار في الحجاز، ومنها:
١- حرة العويرض وتقع إلى جهة الغرب من درب الحاج الممتد من تبوك إلى العلا بمحاذاة سكة حديد الحجاز، ويبلغ طولها أكثر من مائة ميل، وعرضها يكاد يقرب من ذلك، ومتوسط ارتفاعها عن سطح البحر ٥٠٠ قدم، وأعلى مواقعها جبل عنازة، ويزيد ارتفاعه ٧٠٠٠ قدم عن سطح البحر.
٢- حرة خيبر وهي من أعظم الحرات وأوسعها مسافة، وإن كانت أقل ارتفاعا وأقل انحدارا من حرة العويرض، وتسمى الحرة الصحراوية، ويبلغ طولها مرحلتين من الشرق والغرب، ومرحلتين من الشمال إلى الجنوب، وتمتاز بالخصب والنماء وكثرة المياه٢.
٣- حرة بني سليم وتعرف بحرة المدينة, وهي لا تقل كثيرا عن حرة خيبر.
стр. 22
٤- وتكثر الحرار عموما في المنطقة الممتدة من تبوك إلى مكة، ومنها: حرة بس، وحرة الخشب، وحرة أوطاس.
وقد استفاد الحجازيون من الحرار فاستخرجوا منها الأحجار والمعادن، فكانت مواطن للتعدين في القديم.
ومن آخر الأحداث البركانية في الحجاز، ثورة إحدى الحرات في شرقي المدينة بضعة أسابيع عام ٦٥٤هـ-١٣٥٦م، وقد وصل ما سال منها إلى مسافة بضعة كيلومترات من المدينة، وكانت نجاة المدينة من الأعاجيب.
السدود في الحجاز:
في الحجاز مواقع لعدة سدود أقيمت لحفظ المياه التي تلي سطح البحر، وعدد منها يحتوي على سدود من أصل قديم، ومن بينها:
١- سد العيار، ويبعد نحو ستة أميال شرقي الطائف، وعلى صخوره كتابة كوفية تدل على أنه أنشئ على عهد معاوية أمير المؤمنين، وقد بناه عبد الله بن إبراهيم عام ٥٨ بعد الهجرة، ٦٨٠ بعد الميلاد، ولم يستعمل في بنائه الطين والملاط.
٢- سد السملجى أو "السملقى" ويعرف كذلك بسد ثمالة أو سد بني هلال، ويبعد نحو عشرين ميلا من جنوب شرقي الطائف.
٣- سد الجبرجب بالقرب من وادي محرم، ويقع على بعد ٨ أميال شمال غربي مدينة الطائف، وهو جديد.
٤- سد الحصيد، وهو أحد ستة سدود لتخزين مياه الري حول خيبر، وهذا السد مبنيّ من حجارة مكسورة مع ملاط وكلس، ويبعد نحو ١٥ ميلا إلى الجنوب الشرقي من قرية خيبر. وطول قاعدته ١٨٢ قدما، وطول قمته ٢٧ قدما، ويعلو فوق مجراه المبني من الحجر ٢٨ قدما، وسعته نحو ٧٥٠ فدانا, ويقال: إن هناك خمسة سدود أخرى موجودة بحالة مماثلة لذلك السد.
٥- ومن السدود الفرعية كذلك سد ثلبة وسعته ٦٤٠٠ متر مكعب
стр. 23
وكان الغرض منه تخفيف حدة السيول وحماية البساتين، وسد العرض وهو قريب من الطائف، وقد تهدّم هذا السد.
ومن السدود: سد مكة الجديد الذي أقيم لوقايتها من السيول١، وسد عكرمة على وادي وج؛ لشرب مدينة الطائف، وسد سيسد.
أودية الحجاز:
اشتهرت في أرض الحجاز أودية كثيرة, من بينها:
١- وادي رضوان: ويصب شمالي ينبع.
٢- وادي العقيق: وهو يقع غربي المدينة ويشقه طريق مكة.
٣- وادي فاطمة "مر الظهران": وهو من أكثر أودية الحجاز خصبا، ويبدأ من وادي الليمون، ويمتد غربا إلى "حدة" على الطريق بين مكة وحدة, ويبلغ طوله من الشرق إلى الغرب ثمانين كيلومترا. وهذا الوادي غني بمياهه الجوفية وفيه حوالي ٣٥ عينا فيّاضة بالماء، منها "عين المضيق" بوادي الليمون وعين "سولة" وعين "الزيمة" وعين "حداء".
٤- وادي النعمان: وادٍ خصب التربة يقع بعد عرفة, وفيه بئر ينخفض ماؤها عن سطح الأرض نحو ٣٠ مترا تسمى بئر نعمان. قيل: إنها مبدأ عين زبيدة, والحقيقة أن ماء البئر يتصل بها من سفوح جبل كرا مجتمعا من الأمطار. وقد جعلت بين هذه البئر وعين زبيدة قناة هي إحدى القنوات التي تصب في العين.
٥- وادي إبراهيم: ويخترق مكة من أعلاها إلى أسفلها.
٦- "وادي أضم": وفيه تجتمع سيول أودية المدينة كالعقيق ووادي
стр. 24
قناة ووادي بطحان، ثم تكون هذه الأودية واديا واحدا يدعى القسم الواقع بقرب المدينة منه باسم "أضم" والقسم الممتد إلى بحر القلزم من هذا الوادي يدعى باسم وادي الحمض؛ لكثرة النباتات التي تحمض الإبل برعيها فيه, ويصب في البحر جنوبي الوجه.
سهول الحجار:
من أهم سهول الحجاز سهل ركبة المشهور الذي يحده من الشرق جبل حضن، ومن الجنوب جبال عشيرة, والعرجية، والطائف، ومن الغرب سلسلة جبال الحجاز العليا، ويمتد من نواحي عشيرة التي تبعد عن الطائف ٦٥ كيلومترا إلى جهات المويه، وأرض هذا السهل الواسع مؤلفة من الطبقات "الرسوبية" الصلصالية تعلوها في أماكن قليلة حصباء سوداء أو خلافها.
وفي الحجاز بعض السبخات المشهورة وهي أراضٍ سهلة غالبا تحوي كثيرا من الأملاح المتجمدة، واختلف في منشئها، فقيل: إنها بقايا بحيرات مالحة، أو بقايا الأبحر القديمة التي كان تغطي سطح كثير من بلاد الحجاز. وقيل: إنها أمكنة تجمع فيها كثير من الأملاح, وتكونت فيها بمرور الزمان هذه السبخات, ومن أهمها:
١- سبخة رابغ، بين جدة ورابغ.
٢- " المدينة المنورة.
٣- " قريات الملح.
بعض الآثار القديمة في الحجاز:
في الحجاز مساحات كبيرة كانت آهلة بالسكان عامرة بالضياع والمزارع، ثم أفلت منها الحضارة وغدت بيداء موحشة، إلا أن آثار الحضارة ما تزال ظاهرة، فهناك علامات تدل على وجود زراعة سابقة في وادي الجزل شمال شرقي ينبع. وإذا جلنا بالطائرة شمال ينبع ما بين أملج ووادي حمض، نرى
стр. 25
أسوارا مستديرة غريبة الشكل من الحجارة، مع سور حجري في صف واحد ممتد بشكل نصف قطر دائرة, ويظن أن قطر هذه الدائرة يبلغ ٢٠٠ قدم. وإلى الجنوب من الوجه على الضفة الجنوبية من وادي حمض تقع بقايا يظن أنها هيكل روماني. ولا تزال بعض الدرجات في موضعها، إلا أن أحجار الجص المحفورة حفرا بديعا غدت تستعمل كعلامات لقبور الذين كانوا يخرون صرعى من الغزوات والغارات الأهلية. وبحذاء الطريق شمالي المدينة باتباع خطة سكة حديد الحجاز القديمة تقع أول محطة في قرية ذات أهمية وهي العلا. وهذه المدينة قائمة على مقربة من هضبات صخرية من حجر الرمل الأصفر والأحمر وتحد الأودية المنبطحة. وإلى بعد خمسة أميال ونصف عن العلا تقع "الخريبة" حيث توجد آثار قرية كبيرة تحتوي على بعض الكتابات وقطع الفخار.
وتقع في هضاب الصخور الرملية البالغة نحو ستين قدما والملاصقة للآثار هناك, الكثير من الغرف أو القبور المنحوتة من الصخور الصلبة، وفي بعض الحالات ترى الردهة كبيرة وتتسع لتابوت واحد. وقد نبشت كل القبور وسرق كل ما بها، وآية كل ذلك باقية. وممن شهد السطو والكشوف أحياء يرزقون.
مدائن صالح:
وعلى بعد ١١ ميلا من خريبة شمالا بمحاذاة سكة الحديد تقع المقابر القديمة المسماة "مدائن صالح" التي وصفها دوتي في كتابه "الصحراء العربية العظمى" في دقة واستيعاب. هناك حوالي ثلاثين مقبرة مقطوعة من الصخور الرملية الصفراء الناعمة وهي تختلف في الحجم، ولكنّ لها جميعا أنفاقا لتوارى فيها الأجساد. ومساحة أكبر قبر ١٨ قدما و٩ بوصات في ١٣ قدما. ويبلغ السقف ٧ أقدام فوق الأرض، وكان الصدى يدل على أنه مفرغ؛ ولذلك يحتمل أن تكون هناك فتحة سفلى، وتكون النوافذ أحيانا خمسة أقدام تحت سطح الأرضية الرئيسي, وتمتد ٥ أو ٦ داخل جدران الغرفة.
стр. 26
وفي خارج قبور مدائن صالح يرى وجه الصخرة مقطوعا بشكل مصقول على شكل عمودي، ومدخل القبر باب مثلث الشكل ويكون عادة على الأقل ٣ أقدام في ٧ أقدام، ومحاطا ببيت محفور حفرا بديعا. وفي كثير من الحالات يرى نسر محفور على قمة المدخل المثلث الشكل، كما نجد مثل هذا النسر محفورا على كل طرف بحذاء جوانب الباب. ورءوس هذه النسور وأجسامها قد أزالها البدو الذين يعتقدون أن الله فقط هو الذي يخلق الجسم الحي، وكل من يحاول أن يقلد صنع الله فإنه يقترف وزر تدنيس الأحياء. وتحت قبة بعض ممرات الأبواب المثلثة وجه آدمي محفور منبسط ودائري مضحك الشكل، يحيط به من كلا جانبيه ثعبان منطرح بموازاة ميل الباب المثلث ويمتد من القمة إلى الزاوية السفلى. ومن أهم ما عثر عليه من آثار ثمود هرم يعرف بقصر البنت وقبر الباشا والقلعة والبرج.
الآثار في منطقة الطائف:
وإلى الغرب من الطائف عدد كبير من النقوش الكوفية ذات الزوايا، وغالبا ما تكون آيات قرآنية وعبارات دينية تكتب تبركا وزلفى إلى الله. وهناك أيضا عدة صور لحيوانات محفورة في الصخور الجرانيتية. وتمتد فترة الخط الكوفي في الخطوط التاريخية القديمة من ٧٠٠ بعد الميلاد إلى ١١٢٠م. وعلى بعد بضعة أميال إلى الجنوب الشرقي من غربي الطائف دلائل على حضارة مندثرة غابرة.
أما الآثار الإسلامية في منطقة الحجاز فهي كثيرة مشهورة، وسنتحدث عنها في مواضعها من أجزاء هذا الكتاب.
جو الحجاز:
جو الحجاز في عمومه صحراوي قاري، ويعتدل الجو في الطائف والمناطق المرتفعة, وفيما عدا ذلك فهو حار شديد الحرارة.
ودرجة الحرارة في أجزاء الحجاز الواطئة أخف منها في تهامة اليمن.
стр. 27
ويبلغ متوسطها ٨٠ْ-٩٠ْ ف، ومكة شديدة الحرارة صيفا؛ لانخفاض ارتفاعها "٢٨٠-٧٥٠ قدما" ولأنها محاطة بمرتفعات صحراوية جرداء، بخلاف المدينة, فإن درجة الحراة لا تزيد عن ٧٠ْ ف وهي بلد صحي ... والطائف أحسن بلاد الحجاز مناخا، وهي جافة الهواء ... وأما المرتفعات وراء مكة والطائف فجوها بارد، ويهطل بها المطر في أواخر شهر أغسطس من كل عام، ويدوم نحو شهر أو أكثر قليلا.
جدول يبين توزيع الحرارة في أهم مدن الحجاز
اسكنر
على أن العامل الأول في تعيين نظام الحرارة في الحجاز هو درجة الارتفاع؛ فكلما زاد الارتفاع عن سطح البحر قلت الحرارة١, ومن ثم كانت السهول المنخفضة الساحلية أشد حرارة، ومثلها في ذلك الموانئ الساحلية كجدة التي تعد من أشد جهات الحجاز حرارة، وتساعد الرطوبة فيها وفي السهول على شدة حرارتها، وتكون الرطوبة عادة فيها فوق ٨٥% مصحوبة بدرجة حرارة ٩٩ْ, وحينما تهب العواصف الرملية في جدة قد يصل الزئبق إلى ١١٩ْ, فيصبح الهواء بعد ذلك جافا جدا مشبعا بالرمال, وقد سجلت أقل درجة حرارية في جدة فكانت ٥٤ْ. وتنخفض درجة الرطوبة على مسافة ٥ أميال بعيدا عن
стр. 28
الشاطئ، وجميع الأماكن المرتفعة عن سطح البحر وسط سلسلة جبال الحجاز ذات هواء معتدل وجو لطيف، ومكة ذات حرارة جافة بتأثير الأراضي الجرانيتية والصخور القديمة السوداء التي تزيد في قوة انعكاس الحرارة، حتى لكأنها تصب على أطرافها أشعة محرقة من شهب الحرارة الجافة المحرقة١. وهناك منطقة تهامية جبلية يشتد فيها الحر، ويهب فيها السموم اللاذع في أشهر الصيف والقيظ، وهذه المنطقة هي التي تصاقب المدينة ومكة غربا، أما في جبال الحجاز فيظل الجو معتدلا حتى في أشهر الصيف، وفي جهات الطائف وجبال الشفا، لا يشعر السكان أنهم في بلاد حارة.
أما الأمطار في الحجاز فهي قليلة, وتهطل في جبال الحجاز في فصل الرياح الموسمية، وذلك في أشهر الخريف غالبا ما بين شهري أغسطس حتى أواخر ديسمبر، وبعضها ينزل في الشتاء، ويزيد في المدينة نزول المطر عن مكة وجدة. ومتوسط المطر ما بين ٣.٥، ٤.٥ بوصة، إلا في جنوبي الحجاز فيتراوح ما بين ١٠، ١٢ بوصة، وأغزر مطر حدث في منجم مهد الذهب في ١١ مايو ١٩٣٥.
أما السيول فكثيرة، وليس لها نظام معين.
الثروة الزراعية والحيوانية:
أ- الزراعة:
بالإضافة إلى منتجات الأحراج من الفحم في شمال الحجاز، والأخشاب المختلفة في جبل كراء، غربي الطائف في الحجاز، يوجد في الحجاز وفرة من المحصولات الزراعية الهامة من التمر والذرة والقمح.
والتمر هو المحصول الزراعي الرئيسي في البلاد، وأصنافه لا عدد لها, وأفخر أنواعه في المناطق الغربية تغل في جوار المدينة. وتعتبر ميناء ينبع
стр. 29
مركزا من مراكز تصدير التمور. وفي كل قرية في الحجاز على الغالب على ارتفاع أقل من ٤٥٠٠ قدم ينتج هذا الغذاء الرئيسي.
وفي جنوب الحجاز تنمو الذرة برءوس وسيقان أكبر إلى علو ١٧،٧ قدما, وفي شمال الحجاز تؤلف الذرة جزءا من طعام الفرد العادي.
وكان القمح فيما مضى المادة الأساسية بعد التمر الغذاء, ولكن بعد مضي بضع سنوات استورد بعض التجار الجريئين الأرز بكميات وبأسعار حملت بالفعل أغلب السكان على أن يستبدلوا بالقمح الأرز. إلا أن الخطر على الشحن أثناء الحرب العالمية الثانية قد سبب عودة الناس إلى القمح, وعلى ذلك أعيدت زراعته في أجزاء عديدة من البلاد.
وأعظم الكميات تنمو في المزارع الشمالية نحو الطائف.
فواكه الحجاز وخضراواته:
من الفواكه: الموز والمشمش والرمان والتين والخوخ والنارنج والليمون والكمثرى والتين الشوكي والسفرجل والبطيخ "الحبحب" والتفاح البري والأعناب والنبق والعناب والتوت والبخارى "البرقوق". وتمتاز فواكه الحجاز على غيرها بالحلاوة والرائحة ولطف المذاق. فعنب الطائف ورمانه وسفرجله كل هذه أجود منها في أي بلد آخر.
ومن الخضراوات: الجزر التمري والجزر المديني والجزر اليماني "البطاطا" والباذنجان الأحمر "الطماطم" والباذنجان الأسود والبامية والقرع "الدبة" والفول والملوخية والكرنب والخس والجرجير والفجل الأحمر والأبيض والفلفل الرومي والأخضر والبصل.
والبرسيم هو أعظم الغلات التي تؤلف أهم غذاء للماشية، وكذلك الحشيش "العتري والمسقوي" وغيره من أنواع الحشائش الأخرى.
وأهم المناطق الزراعية في الحجاز:
١- وادي فاطمة: وبه مياه جوفية غزيرة, إذ تصب فيه أودية كثيرة
стр. 30
كوادي الزبارة ووادي الشامية ووادي علاف، ويغل هذا الوادي: التمر والفواكه والخضر.
٢- المدينة وضواحيها، وأهم الغلات فيها: التمر والحبوب والفواكه، وتعتمد الزراعة على الآبار والعيون.
٣- وادي ينبع ورابغ: وينتج الحبوب, وبه كثير من النخيل.
٤- الطائف, وأهم الغلات بها: الفواكه ونباتات الزهور والخضر.
٥- الليث والقنفدة: وتعتمد الزراعة فيهما على الآبار والعيون، وينتجان التمر والفواكه.
٦- الزيمة والجعرانة والشرائع: وغلاتها الفواكه والبرسيم.
الماشية:
وهناك مصدر أعظم من المصادر المذكورة آنفا للثروة، حتى إنه ليفوق التمور في أهميته، وهو الماشية, مثل: الإبل، والماعز، والغنم، والبقر، والحمير، والدواجن، والخيول.
ويعتبر الجمل من أسرة البدوي وهو لا يستغني عنه. وكثيرا ما تقدر ثروة البدوي بعدد ما يملك من الإبل؛ لأنها تدر عليه الحليب، وتعطيه اللحم، وتحمله إلى حيث يشاء في أسفاره. والبدوي عادة يطلق إبله للمرعى في غير أشهر الحج كي يسمنها ويغذيها ويعطيها القدر الكافي من الراحة والغذاء، وربما كان هذا واضحا بالنسبة لإبل قريش المشهورة لدى أهل الحجاز وخاصة المطوفين. ولقد كانت هناك فيما مضى حركة تصدير واسعة للإبل إلى أفريقية ومصر وسوريا والعراق وغيرها مما أثر على هذه الثروة الحيوانية العظيمة النفع والأثر، وإن كانت قد فقدت أهميتها كثيرا باستعمال السيارات في الوقت الحاضر.
وجميع الإبل التي تعيش في البلاد ذوات سنام واحد، وتعتبر الضأن أعظم الحيوانات التي تقدم للإنسان الغذاء من اللحم، أما الماعز فتزيد بما تدره من الحليب كغذاء، وقليل من الجمال تذبح لأجل لحومها.
стр. 31
ويلي الإبل من حيث الأهمية الضأن, وتفوقها كثيرا في العدد على الرغم مما يستهلك من لحومها في الوقت الحاضر، وأجود أصناف الضأن بالحجاز الخراف الحرية١. وقد استغل الجشعون جودتها في أثناء الحرب الأخيرة, فصدروها بكميات كبيرة إلى الخارج حتى كادت تفنى.
وجميع الأغنام العربية بها شحم وأليات مستعرضة تحتوي على غذاء شهي، ودهن الألية مادة جديرة بالذكر في التجارة الأهلية ويسيح, فيكون نوعا من الدهن.
الأصواف والجلود:
وتربى أنواع من الماشية لأصوافها، ويجز قسم بسيط من الصوف ويغزل وينسج لعمل المشالح أو البيديات "جمع بيدى٢" وهي مشالح كالمعاطف مستوية ثقيلة بدون أردان وبطول الركبة، وتستعمل في مرتفعات الطائف، ولوجود الزيت الطبيعي في الصوف تنفض البيديات الماء جيدا لوقت قصير، إلا أنها بعد أن تمتص ماء مطر يوم كامل تصبح كالإسفنجة المشبعة ثقيلة الحمل, والصوف العربي من النوع الخشن الذي يعرف بصوف السجاد، ويستعمل في صنع السجاجيد الشمال "جمع شملة", وهي بسط من صوف شعبية معروفة٣.
ويصدر القليل جدا من جلود الماشية؛ وذلك لأنها لا تعتبر من النوع الفاخر، وقد صار استيراد الأغنام الصومالية السوداء الرأس، وعلى ذلك فهنالك إمكانية تصدير واسعة المدى والانتشار؛ وذلك لأن جلودها من نوع مرغوب فيه لصنع القفازات وحقائب الكتب الجلدية عند الأمريكيين.
стр. 32
وبعد انقطاع المطر في عام ١٩٤٨-١٩٤٩، في منطقة الطائف، صار استيراد نوع كبير قوي من الماعز من السودان؛ لتحسين القطعان المحلية.
الماعز:
إن اللبن والأرز والتمر، وأحيانا كثيرة لحوم الضأن معها, تؤلف الغذاء الرئيسي في الحجاز، ولا سيما البادية. والماعز تنمو وتزداد في الوقت الذي نرى أن عدد الضأن في تناقص. وتصنع من شعور الماعز الخيام العربية السوداء المشهورة.
الأبقار:
وفي جدة أبقار وأسواق لمنتجات الماشية وكذلك في مكة, مما يدل على أن تربية الماشية يمكن أن تصبح تجارة رابحة مفيدة بالرغم من وسائل النقل الحالية التي تعرقل رواجها. ويعتبر الحمار في الأراضي المرتفعة والمنخفضة المقيم على الإخلاص والود للبدوي وهو الحيوان الذي يثقل ظهره بالأحمال الثقال ... ومن أجود أنواعه بالحجاز الحمير الحصاوية التي تجلب من الأحساء١.
الثروة المعدنية:
لا تزال بلادنا بكرا لم يكشف من كنوزها المخبوءة إلا القليل، وإن الدراسات الفنية الجيولوجية التي جرت حتى الآن تعتبر بسيطة. ونأمل أن يكثر الخبراء الفنيون والمهندسون الجيولوجيون من أبناء البلاد وتهيأ الدراسات والبحوث المستفيضة وأعمال التنقيب لاستخراج هذه الثروة التي لم يستغل منها سوى النزر اليسير.
مهد الذهب:
عثر الفنيون على مواقع خمسة وخمسين منجما قديما، وحفروا سبعة منها
стр. 33
بالماس فكان الفشل حليفهم، فيما عدا منجما واحدا من هذه السبعة تبين أن مساحته كبيرة، وذات قيمة تشجع على الإنشاء والتزويد بجهاز التعدين ومعالجة المعادن. وأطلق على هذا المنجم "مهد الذهب" وهو المعروف قديما بمعدن "بني سليم". كان العمل جاريا في هذا المنجم في عهدين مختلفين في العصور القديمة كما تشير إلى ذلك بقايا النفايات القديمة. وهذه النفايات ملقاة تحت النفاية الحديثة، وعمر الحديث منها يرجع إلى سنة ٧٥٠-١١٥٠ بعد الميلاد, كما تدل على ذلك الكتابة الكوفية المحفورة التي وجدت بينها.
ولا يوجد دلائل إلى الآن تشير إلى تقرير العهد الصحيح للنفايات السفلية, ولا يوجد هناك أيضا ما يدل على مدى الوقت الذي كان العمل فيه جاريا في كليهما أو فيما إذا وجدت هنالك أية عهود جرى العمل فيها غير ما ذكرنا. وعلى ما يظهر من الحفريات القديمة في جبل المنجم ومن النفايات أيضا ربما كان من غير الممكن إرجاع هذا المنجم إلى عهد الملك سليمان.
وهنالك رواية: أن منجم أم قريات على بعد ١٤٠ ميلا عن الوجه، كان يعمل في التعدين فيه رجال الملك داود أبي الملك سليمان.
وقد كان للذهب في الأزمان القديمة العهد جدا قيمة شرائية أكثر بكثير منها في الوقت الحاضر.
وإن مهد الذهب به ثلاثة أصناف من التبر، فتأتي النفايات التي ذكرناها أولا. ثم هنالك كمية معينة من درجة رديئة منثورة على السطح بين الحفريات القديمة قد صار تعدين الكثير منها إلى الآن بوسائل الحفر القليلة التكاليف. والبئر التي تقع تحت سطح الأرض والتي جرى التنقيب عنها بالثقب الماسي على عمق الآف الأقدام. وقد جرى الحفر والتوصيل إليها بواسطة ممرات ومقاطع على عمق يقرب من ثلاثمائة قدم من السطح.
والطريق التي تصل مهد الذهب بجدة طولها ٢٤٦ ميلا, تمر بها السيارات في جبال تبلغ أعلى قممها حوالي ٣٧٠٠ قدم, والسيارات الخفيفة تقطع هذه المسافة في عشر ساعات.
стр. 34
منجم ظلم:
وقد كشف "منجم ظلم" وجرى حفر الأرض بالماس. وقالت تقارير الخبراء: إنه توجد أقيام جيدة من الذهب, وإنه كان من المتوقع طحن ٥٠ طنا في عام ١٩٥١، ولكن بعض العقبات أخّرت العمل١.
الذهب قرب الطائف:
وجد منقب تركي كتلتين من تبر الذهب قرب الطائف، وقد شاهد بعض الخبراء الموقع. وبعد الفحص تحقق أنهما ذهب حقيقي، إلا أن جيولوجية وطبوغرافية الأرض كانت لا تبشر إلا ببصيص من الأمل. وجرت أعمال الحفر والتنقيب، وفرز الذهب من التبر بالماء مدة ستة أشهر في هذه المنطقة التي تقع غربي الطائف، ومع أنه أمكن استخلاص ذهب نقي إلا أن ذلك لم يكن وافرا بحيث يدر الربح.
الفلزات:
١- الذهب والفضة:
تنتشر آثار عمليات الأقدمين في الحجاز، وأشهرها كما بينا منطقة مهد الذهب التي بلغت الكميات المستخرجة منها حديثا حوالي أربعة وعشرين ألف كيلوجرام من الذهب. وقد توقفت أعمالها مؤخرا؛ نظرا لاستهلاك جميع الاحتياطي التجاري المعروف حتى الآن. وعثر على عدة مناجم أخرى قديمة العهد، استغلها الغابرون على نطاق واسع وهي في الوجه على البحر الأحمر. أما الفضة فهي لا تستغل إلا من تبر مهد الذهب.
стр. 35
٢- الحديد:
توجد أهم تكوينات الحديد في القسم الشمالي الغربي في المنطقة التي يحدها البحر الأحمر وخليج العقبة واليابسة الداخلية من ضبا إلى تبوك, ومنها إلى العقبة ... وهذه التكوينات عبارة عن طبقات متداخلة من حجر الدم "Hematite" واليشب "Jaspar" تغطي مساحات شاسعة, وتتراوح نسبة الحديد فيها من ١٠% إلى ٤٧%. وعثر على رواسب ساحلية من المغننايت "Magnetite" مع بعض الألمنيات "llminite" على طول شاطئ المملكة. ولبعض هذه الرواسب إمكانيات اقتصادية.
٣- النحاس:
يوجد النحاس في خامات الذهب في منجم مهد الذهب بمركب كبريتور النحاس "Copper Sulphibes" وقد توقفت أعمال المنجم مؤخرا؛ نظرا لنفاد تبره ذي القيم التجارية المعروفة. وفي منطقة تدعى "عقيق" وأم الدمار التي تبعد ٣٠ كيلومترا إلى الشمال الشرقي من مهد الذهب عثر على خامات النحاس بمركبات "Malachite Azurite" المنتشرة في الطبقات الصخرية ذات الصفائح "Schist" وقد استغله الأقدمون. وقد عثر على تحويلات النحاس المعدنية في منطقة طولها ٣ كيلومترات وعرضها نصف كيلومتر، وقد جرى فحصها فحصا بدائيا فقط.
وهنالك أيضا مواقع أخرى تبدو فيها ظواهر النحاس المتعدن.
٤- الرصاص:
ويوجد الرصاص في تبر مهد الذهب, وهنالك مركب من الرصاص والفضة Silver Bearing Galana في جبل زهوة شرقي القنفدة على مسافة ٦٥ كيلومترا من ساحل البحر الأحمر.
стр. 36
اللافلزات:
١- الجبس أو الجص:
على بعد قليل نحو الداخل تمتد طبقات كبيرة من الجبس على طول ساحل البحر الأحمر, من ينبع حتى خليج العقبة.
٢- خامة الباريوم Barite:
وهنالك عروق من البارايت قرب رابغ شمالي جدة, ولم تدرس إمكانيات هذا المعدن الاقتصادية.
٣- الأسبستس المعروف بحجر الفتيلة:
عثر على الأسبستس "Asbestes" في عرق من الحجر الأخضر المبقع المعروف بالسربنتين Serpentine بين الحنيكية والنقرة، ولم يحدد نوعه وأقيامه حتى الآن.
٤- خامة المغنيسيا Magnesite:
توجد في نفس الحجر الذي عثر فيه على الأسبستس بين الحنيكية والنقرة، ولم تحدد قيمته بعد.
٥- الصلصال Clays:
توجد عدة طبقات من الصلصال الصالح لصناعة الآجر والفخار في أماكن مختلفة من الحجاز.
стр. 37
مدن الحجاز:
أشهر مدن الحجاز: مكة، والمدينة، والطائف، وجدة.
ومن مدن الحجاز وقراها الواقعة في المنطقة الشمالية: العقبة، والمويلح، وضبا، وتبوك، وتقع في المنطقة الوسطى: الوجه، وأملج، وينبع، والعلا، وتيماء, والحناكية، وخيبر، وهي واحة فيها عدة قرى تبعد عن المدينة بمائة ميل من الشمال. وتقع خيبر نفسها في وادي زيدية أكبر الوديان فيها. وبها قلعة قديمة تسمى الحصن، وفيها عيون ومياه جارية. وكانت خيبر منزل اليهود في الجاهلية وسكانها اليوم نحو ثلاثة الآف نسمة. وفي القسم الجنوبي من الحجاز تقع رابغ، وجدة، والليث، ومكة.
وهذه هي طائفة من مدن الحجاز:
مكة المكرمة:
أما مكة١ فهي البلد الحرام وفيها البيت الحرام. ويقول الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ , وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وقال : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ . ولا يحس المسلم برهبة قدر إحساسه وهو يدخل مكة زائرا، أو حاجا. وتقع مكة التي شهدت أول عهد الرسول بالوحي ووضع فيها أول حجر أساسي للإسلام في وادٍ مبارك بين سلسلة من الجبال، وهي ترتفع عن سطح البحر ٢٨٠ مترا، وتقع أيضا على بعد ٧٥ كيلومترا شرقي ميناء جدة أكبر موانئ الحجاز، وعلى بعد ٣٤٥ ميلا جنوبي المدينة، وأهم ما فيها من الآثار: شعب بني هاشم الذي ولد فيه النبي ﷺ ويرى آخرون أنه ولد في شعب بني عامر، ودار خديجة التي ولدت فيها فاطمة الزهراء، ثم غار حراء الذي نزل فيه الوحي على الرسول لأول مرة، ويقع في قمة جبل النور في طريق الطائف، ثم جبل ثور، حيث غار الهجرة الذي اختفى فيه النبي وأبو بكر، وهما مهاجران
стр. 38
من مؤامرة كفار قريش، ويبلغ سكان مكة نحو ٢٥٠ ألف نسمة، ويشربون من عين زبيدة, التي أضيفت إليها غيرها من العيون الأخرى؛ وفاء بحاجة السكان، ولا سيما في مواسم الحج، وبئر زمزم مشهورة. أما الكعبة فيبلغ ارتفاعها ١٥ مترا, وطول أحد ضلعيها عشرة أمتار، والآخر ١٢ مترا, وارتفاع بابها مترين، كان لها سلم مصفح بالفضة. وبظاهر مكة: المعلاة، وتقع في الشمال الشرقي منها، وقبالة مقبرة المعلاة يقع مسجدان: مسجد الراية، ومسجد الجن. وبالصفا تقع دار الأرقم أو الخيزران، وكان يجلس فيها الرسول مع المسلمين الأولين في أول العهد بالنبوة، والمسجد الحرام أول ما يقصده الحاج إلى مكة, وكان منذ بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة فناء واسعا حول الكعبة، وبنيت حولها البيوت منذ عهد مضى، فبنت قريش دورها حول الكعبة المعظمة. وتركت للطائفين مقدار مدار المطاف، على أنه لم يكن للمسجد الحرام ذكر في الجاهلية، وإنما كل ما كان معروفا منه هو مدار الطواف حول الكعبة. وكان هذا المدار أو الفناء مجلسا للناس في الصبح والمساء. وكانت حدود المسجد الحرام في صدر الإسلام من الجهة الشرقية: بئر زمزم وباب بني شيبة، ومن الجهة الغربية: حافة المدار الذي عليه أساطين النحاس المعلق عليها المصابيح الواقعة بين مدار المطاف ومقام المالكي، ومن الجهة الشمالية: حافة المدار كذلك الواقعة بين مدار المطاف ومقام الحنفي، ومن الجهة الجنوبية: هذه الأساطين الواقعة بين مدار المطاف ومقام الحنبلي، وفي عام ١٧هـ-٦٣٧م زِيدت عليه زيادات كثيرة.
وكذلك وُسِّع المسجد الحرام في عهد عثمان عام ٢٦هـ-٦٤٦م، وفي عهد عبد الله بن الزبير عام ٦٥هـ-٦٨٤م.
وأمر عبد الملك بن مروان عام ٧٥هـ-٦٩٤م بعمارة المسجد الحرام، وفي عام ٩١هـ-٧٠٩م أمر الوليد بن عبد الملك بتوسيع المسجد الحرام وعمارته. ومن الزيادات فيه زيادة المنصور عام ١٣٧هـ-٧٥٤م, حيث جعل المسجد الحرام ضعف ما كان عليه، وزيادة المهدي عام ١٦٠هـ، ثم زيد فيه عام ٢٦٤هـ, ثم زيدت دار الندوة عليه عام ٢٨١هـ, وزيد باب إبراهيم عام ٣٠٦هـ.
стр. 39
ومن العمارات فيه: عمارة المعتمد العباسي عام ٢٧١هـ، وعمارة ملوك الجراكسة عام ٨٠٣هـ-١٤٠٠م، وعمارة السلطان قايتباي عام ٨٨٢هـ، وعمارة السلطان سليمان عام ٩٧٢هـ-١٥٦٤م، وعمارة السلطان مراد خان. ومساحة المسجد الحرام الآن تبلغ أربعين ألف متر، وتقوم الحكومة الآن بتوسيعه لتصل مساحته إلى مائة ألف متر، وسيقام بناء طابق أعلى فوق التوسعة ٤٠ ألف متر، وستنشأ شوارع واسعة حوله تحيط به من جميع جهاته الأربع بعرض عشرين مترا، وستنشأ ميادين في أركان المسجد الحرام يعمل الفنيون على تنسيقها وتشجيرها، والمساحة التي ستنزع ملكيتها من المباني تبلغ نحو ٨٠ ألف متر، وسيتصل المسعى ما بين الصفا والمروة بالمسجد الحرام، وسينشأ ميدان حول دار الأرقم، ويقوم هذا الميدان في الجهة الشرقية الشمالية. وقد جرى الاحتفال بمشروع توسعة المسجد الحرام في الساعة الواحدة "عربي" يوم الخميس ٢٣ شعبان سنة ١٢٧٥هـ.
حدود بيت الله الحرام
اسكنر