باب الصيد
لا يحل الصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط صائد من أهل الذكاة وآلة مخصوصة وإرسالها قاصدا للصيد والتسمية عند الإرسال على الأصح.
وإذا اشترك مسلم ومجوسي في قتل صيد بسهميهما أو جارحتيهما لم يحل فإن أصاب مقتله أحدهما فقط غلب حكمه وعنه تغلب الحرمة.
وإذا أرسل مسلم سهمه فأعانته ريح لولاها ما وصل أو أرسل كلبه فزجره مجوسي فزاد عدوه أو رد عليه كلب المجوسي الصيد فقتله أو أمسك مجوسي ما يذبحه المسلم حتى ذبحه حل فيهن.
ولو أرسل مجوسي كلبا فأعانه المسلم أو كلبه لم يحل بذلك ومن رمى سهما ثم ارتد أو مات ثم أصاب سهمه صيدا حل.
والآلة المشروطة نوعان محدد وحيوان فالمحدد هو ما يشترط في آلة الذبح ويشترط أن يجرح فإن قتله بثقله لم يبح وإذا صاد بالمقراض حل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه.
وإذا نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيدا أبيح.
وإذا قتله بسهم فيه سم لم يبح إذا غلب على الظن أنه أعان على قتله.
وإذا رماه في الهواء فوقع بالأرض فمات حل.
وإن وقع في ماء أو تردى من جبل أو وطئ عليه شيء فمات لم يبح إلا أن يكون الجرح موحيا فعلى روايتين وكذلك الذبيحة وإن رماه فغاب عنه ثم وجده ميتا وفيه أثر سهمه حل بشرط أن لا يكون به أثر آخر يحتمل أنه أعان في قتله وعنه إن كان جرحه موحيا حل وإلا فلا وعنه إن وجده
стр. 772
في يومه حل وإلا فلا وكذلك حكم الكلب إذا عقره ثم غاب ثم وجده وحده فأما إن وجده في فمه أو وهو يعبث به فإنه يحل ولو غاب قبل تحقق الإصابة ثم وجده عقيرا وحده والسهم أو الكلب ناحية لم يبح.
وإذا ضرب صيدا فأبان منه عضوا وبقيت فيه حياة معتبرة لم يحل ما بان منه إلا أن يكون مما تباح ميته كالحوت فيحل وإن بقي العضو معلقا بجلدة حل بحله وإن أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يحل مابان منه.
وما ليس بمحدد كالبندق والحجر والشبكة والفخ فلا يحل ما قتله لأنه وقيد.
وأما الحيوان فالجوارح المعلمة فيباح ما قتلته جرحا وفيما قتلته خنقا أو صدما روايتان إلا الكلب الأسود البهيم فإنه لا يباح صيده.
وتعليم ذي الناب من هذه الجوارح كالكلب والفهد بأن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر وإذا أمسك لم يأكل ولا يعتبر تكرر ذلك منه وقيل يعتبر مرتين فيباح صيده في الثالثة وقيل ثلاثا فيباح في الرابعة.
وتعليم ذي المخلب كالصقر والبازي والشاهين والباشق بأن يسترسل إذا أرسله ويرجع إذا دعاه ولا يعتبر الأكل وعدمه.
وإذا أكل ذو الناب المعلم من صيده لم تحرم صيوده المتقدمة على الأصح وفيما أكل منه روايتان فإن حرمناه وهو الأصح فعاد فصاد ولم يأكل منه أبيح على ظاهر كلامه ويحتمل أن يكون كالمبتدأ تعليمه وهل يجب غسل ما أصابه فم الكلب على وجهين.
وإذا استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده إلا أن يزجره فيزيد في طلبه فإنه يباح.
ومن أرسل سهمه أو كلبه إلى هدف أو لإرادة الصيد وهو لا يرى صيدا١
стр. 773
فأصاب صيدا لم يحل وإن رمى هدفا يظنه صيدا فأصاب صيدا فوجهان وإن رمى صيدا فأصاب غيره أو واحدا فأصاب جماعة حل الكل.
ومن صاد صيدا بسهم أو جارحه فأدركه وفيه كحركة المذبوح أو أزيد لكن لا يتسع الزمان لذكاته حل كما لو أدركه ميتا وإن اتسع الزمان لذكاته لم يبح إلا بالذبح فان مات بدونه لم يبح بحال وعنه إن مات بجرحه قبل أن يمضي عليه معظم يوم أو باستيلاء الصائد عليه لفقد آلة الذبح حتى قتله حل وإلا فلا وعنه يحل بالموت عن قرب الزمان دون الاستيلاء وعن بالعكس واختارها الخرقي.
وإن رمى صيدا فأثبته ملكه وإذا رماه آخر فمات حل فيما إذا أصاب الأول مقتله أو الثاني مذبحه ولم يضمن الثاني إلا ما خرق من جلده وفيما عدا ذلك لا يحل ويضمن الثاني قيمته مجروحا بالجرح الأول إذا لم يدرك الأول ذكاته فإن أدركها فلم يزكه حتى مات فقيل يضمنه كذلك وقال القاضي يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرحين مع أرش ما نقصه بجرحه وعندي إنما يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرح الأول لا غير ومن رمى صيدا ولم يثبته فدخل خيمة إنسان فهو له قاله أبو الخطاب وكذا قال الخرقي.
ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة وقيل هو قبل أن يأخذه على الإباحة فيهما كما لو حصل في أرضه صيد أو عشش فيها طائر ولو فتح حجره أو نصب خيمته للأخذ ملكهما كمن صنع بركة للسمك ملكه بحصوله فيها ومن وقع في شبكته صيد فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني.
ومن أطلق صيدا من يده أو قال أعتقته لم يزل عن ملكه وقيل يزول فيملكه من أخذه.
وتشترط التسمية لحل الذبيحة والصيد وعنه هي سنة وعنه تشترط مع
стр. 774
الذكر دون السهو وعنه تشترط للصيد دون الذبيحة وعنه تشترط إلا في الذبيحة سهوا اختارها الخرقي وعنه تشرط إلا سهوا في الذبح وصيد السهم خاصة والكتابي كالمسلم فيها وعنه يختص المسلم باشتراطهما والسنة أن يقول معها الله أكبر ومن هلل أو سبح أو كبر بدلا منها لم يجزئه ويحتمل أن يجزئه ويكفي للأخرس أن يومىء بها إلى السماء وإذا سمى بغير العربية من يحسنها فعلى وجهين ويكره أن يصلى على رسول الله ﷺ عند التذكية وقال ابن شاقلا لا بأس به
стр. 775
كتاب الأيمان
مدخل
...
كتاب الأيمان
اليمين التي تجب بها الكفارة بشرط الخيار هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته كقدرته وعلمه وعظمته وكبريائه وعزته وجلاله أو اسم من أسمائه التي لا يسمى بها غيره نحو الله والرحمن القديم الأزلي والأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والعالم بكل شيء وخالق الخلق ورازق العالمين ونحوه فإن حلف باسم من أسمائه التي قد سمى بها غيره ولكن إطلاقه ينصرف إليه سبحانه كالرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرازق ونحوه فهو يمين إن نوى به الله أو أطلق وإن نوى غيره فليس بيمين ومالا ينصرف إطلاقه إليه بل يحتمله كالشيء والحي والموجود إن نوى به الله تعالى كان يمينا وإلا فلا وقال القاضي ليس بيمين بحال ولا فرق في اسم الله بين قوله والله وتاالله وبالله وبين إسقاط حرف القسم فيقول الله لأفعلن بالجر أو بالنصب فإن قاله مرفوعا مع الواو وعدمه أو منصوبا مع الواو فهو يمين أيضا إلا أن يكون من أهل العربية ولا يريد اليمين وإذا قال وحق الله وعهد الله وأمانة الله وميثاقه فهو يمين وإن قال والعهد والميثاق والأمانه والعظمة
стр. 776
والجلال لم يكن يمينا إلا أن ينوي صفة الله وعنه هو يمين بإطلاقه وإن قال وايم الله أو لعمرو الله فهو يمين وعنه ليس بيمين إلا بالنية وإن قال أقسم الله أو أحلف بالله أو أعزم بالله أو أشهد بالله كان يمينا نواه أو أطلق وإن لم يذكر اسم الله لم يكن يمينا إلا بالنية وعنه هو يمين بمطلقة.
وإن حلف بكلام الله أو بالقرآن أو بالمصحف فهو يمين فيها كفارة واحدة وعنه بكل آية كفارة.
والحلف بغير الله محرم وقيل يكره تنزيها ولا تجب به كفارة وسواء أضافه إلى الله تعالى كقوله وخلق الله ومقدوره ومعلومه وكعبته ورسوله أو لم يضفه مثل الكعبة والنبي وعنه الجواز ولزوم الكفارة في الحلف برسول الله خاصة١.
ومن قال هو يهودي أو كافر أو برىء من الله أو من الإسلام أو من الدين أولا يره الله في مكان كذا إن فعل كذا ففعله لزمته كفارة يمين وعنه لا كفارة عليه وكذلك حكم قوله أنا أستحل الزنا والخمر.
ولو قال محوت المصحف إن فعلت كذا فليس بيمين وكذلك قوله عصبت الله في كل ما أمرني به وعندي هو يمين لدخول التوحيد فيه وإن قال على نذر أو يمين إن فعلت كذا لزمته كفارة يمين إن فعله وإن قال أيمان البيعة تلزمني إن فعلت كذا فهذه يمين رتبها الحجاج تتضمن اليمين بالله والطلاق والعتاق وصدقة المال فإن عرفها الحالف ونواها انعقدت بما فيها وإلا فلا وقيل تنعقد إذا نواها ولم يعرفها وقيل لا تنعقد إلا بما عدا اليمين بالله بشرط النية ولو قال أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا لزمه يمين الظهار والعتاق.
стр. 777
والطلاق والنذر واليمين بالله نوى ذلك أو لم ينوه ذكره القاضي وقيل لا يتناول اليمين بالله تعالى.
ومن حلف بيمين من هذه الخمس فقال له آخر يميني في يمينك أو أنا على مثل يمينك يريد التزام مثل يمينه لزمه ذلك إلا في اليمين بالله فعلى وجهين.
واليمين المنعقدة ما قصد عقدها على مستقبل ممكن وفي المستحيل خلاف سبق فإن حلف بالله على أمر ماض كاذبا كالما بكذبه فهي الغموس ولا كفارة فيها وعنه تلزمه الكفارة مع الإثم كما يلزمه الطلاق والعتاق والظهار والحرام والنذر وإن عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافة فهو كمن حلف على مستقبل وفعله ناسيا.
ومن جرى على لسانه بغير قصد اليمين لا والله وبلى والله فهو لغو لا كفارة فيه إن كان في الماضي وإن كان في المستقبل فروايتان.
ومن قال في يمين مكفرة إن شاء الله متصلا بها لم يحنث سواء فعل أو ترك.
ويستحب الحنث في اليمين إذا كان خيرا ولا يستحب إكثار الحلف ومن دعى إلى الحلف عند الحاكم وهو محق فالأولى أن يفتدى يمينه وإن حلف فلا بأس وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله.
ومن حرم صلاة سوى الزوجة من أمة أو طعام أو لباس أو غيره لم يحرم عليه وتلزمه كفارة يمين إن فعله وقيل يحرم حتى يكفر وإن قال عبد فلان حر لأفعلن كذا فليس بشيء وعنه عليه كفارة لفعله كنذر المعصية.
وكفارة اليمين فيها تخيير وترتيب فيخير من لزمته بين ثلاثة أشياء إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم للرجل ثوب تجزئه الصلاة فيه وللمرأة درع وخمار كذلك أو عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة وعنه بجوز أن يفرقها ويجوز تقديم الكفارة بالمال والصيام قبل الحنث فمن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة وعنه لكل يمين
стр. 778
كفارة وعنه إن كانت على أفعال كقوله والله لا لبست والله لا أكلت تعددت الكفارة وإن كانت على فعل واحد كقوله والله لا أكلت والله لا أكلت كفته كفارة واحد.
وإن اختلف موجبها كظاهر ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا.
وليس للسيد منع العبد من التكفير بالصوم وإذا أذن له في التكفير بالعتق مطلقا وأجزناه فهل له أن يعتق نفسه على وجهين ومن بعضه حر فهو كالحر في التكفير.
стр. 779
باب النذر
وهو أن يلزم نفسه لله تعالى شيئا بالقول ولا يلزم بمجرد النية ولا يصح إلا من مكلف مسلما كان أو كافرا.
وكل قربة مستحبة لا تجب من صلاة وصوم وحج وعمرة واعتكاف وعيادة مريض وغير ذلك إذا نذرها نذرا مطلقا أو علقها بشرط بقصد التقرب فوجد الشرط كقوله إن شفى الله مريضي أو سلم مالي الغائب فلله علي كذا لزمه الوفاء بما سمي إلا فيمن نذر الصدقة بماله فإنه يجزئه ثلثه فإن نذرها ببعضه لزمه المسمى وعنه إن زاد البعض المسمى على ثلث الكل أجزأه قدر الثلث وهو الأصح وفيما عدا ذلك لم يلزم المسمى رواية واحدة.
ومن قال لله علي نذر ولم ينو شيئا لزمه كفارة يمين ومن علق نذره بشرط بقصد المنع منه أو الحمل عليه كقوله إن كلمت زيدا فعلي الحج وإن لم أضرب عمرا فمالي صدقة ونحوه ويسمى نذر اللجاج والغضب إن انعقد ولم يتعين الوفاء به إذا وجد الشرط بل يتخير بينه وبين كفارة يمين.
ومن نذر فعل واجب أو حرام أو مكروه أو مباح كقوله لله على أن أصوم فرض رمضان أو أشرب الخمر أو أطلق زوجتي أو أدخل داري ونحوه انعقد
стр. 780
نذره موجب لكفارة يمين إن لم يفعل ما قال مع بقاء الوجوب والتحريم والكراهة والإباحة بحالهن كما لو حلف على ذلك وعنه ما يدل على أنه لاغ لا كفارة فيه.
ومن نذر ذبح ولده لزمه كفارة يمين وعن ذبح كبش ومن نذر صوم يوم العيد لزمه صوم يوم كما في اليوم المطلق وعنه لا يلزمه صوم وعلى الروايتين هل يلزمه كفارة على روايتين ومن نذر صوم أيام التشريق فهو كنذر صوم العيد إذا لم نجز صومها عن الفرض وإن أجزناه فهو كنذر سائر الأيام ويتخرج أن يكون كنذر العيد أيضا.
ومن نذر صوم شهر بعينه فصام قبله لم يجزه وإن جن جميعه لم يلزمه قضاؤه على الأصح وإن أفطره لعذر أو غيره لزمه قضاؤه متتابعا وعنه لا يجب التتابع في قضائه إذا لم يشرطه ولم ينوه بنذره وإن أفطر من أوله قضى ما أفطره متتابعا متصلا بتمامه وعنه يجوز تأخيره وتفريقه وإن أفطر في أثنائه فقط لغير عذر بطل ما مضى وكان كمن ابتدأ الصوم في أثنائه على الأولى وعلى الثانية ما أفطر منه لا غير كيف شاء وإن أفطر في أثنائه لعذر لا يقطع تتابع صوم الكفارة بنى رواية واحدة وفي فصل القضاء وتتابعه الروايتان وعليه في ذلك كله كفارة يمين وعنه لا كفارة على المعذور.
ومن قال لله علي صوم شهر لزمه متتابعا وعنه لا يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية كما لو نذر صوم عشرة أيام أو ثلاثين يوما ونحوه ومتى قطع تتابعه بغير عذر لزمه الاستئناف وإن قطعه لعذر استأنفه متتابعا بلا كفارة أو بنى على ما مضى وعليه كفارة يمين.
ومن نذر صوم سنة بعينها لم يتناول شهر رمضان ولا الأيام المنهي عن صوم الفرض فيها وعنه يتناولها فيقضيها وفي الكفارة وجهان وعنه يتناول أيام النهي دون أيام رمضان.
стр. 781
ولو قال لله علي أن أصوم سنة ففي وجوب التتابع حسب الإمكان الروايتان في الشهر ويلزمه الصوم اثنى عشر شهرا سوى رمضان وأيام النهي وإن شرط التتابع وقال صاحب المغني متى شرط التتابع فهو كنذر السنة المعينة في إجزاء أحد عشر شهرا سوى أيام النهي ولو قال على سنة من وقتي هذا أو من شهر كذا فهي كالمعينة الطرفين عند أصحابنا وعندي هي كالمطلقة في لزوم اثنى عشر شهرا للنذر.
ومن نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلا لم يلزمه شيء وإن قدم نهارا وقد بيت النية له بخبر سمعه صح صومه وأجزأه وإن نوى حين قدم وهو ممسك فكذلك وعنه لا يجزئه بل يقضي وفي الكفارة لكونه معذورا روايتان وإن قدم وهو مفطر أو في يوم عيد أو في رمضان لزمه القضاء وفي الكفارة روايتان وعنه لا شيء عليه.
ومن نذر صوما فتركه لكبر أو مرض لا يرجى زواله فقيل تلزمه كفارة يمين فقط وقيل بل إطعام مسكين لكل يوم والمنصوص عنه وجوبهما وإن نذره مع هذا العجز فكذلك وقيل لا ينعقد نذره ومن نذر صوما لزمه يوم بنية من الليل وإن نذر صلاة لم يجزه دون ركعتين وعنه يجزئه ركعة.
ومن نذر صلاة أو اعتكافا بمسجد مكة لم يجزئه بغيره وإن نذره بمسجد المدينة لم يجزئه إلا به أو بمسجد مكة وإن نذره بالمسجد الأقصى لم يجزئه إلا بأحد الثلاثة وإن عينه بمسجد سواها أجزأ فيه وفيها وكذلك فيما سواها لكن في الكفارة وجهان.
ومن نذر المشي إلى بيت الله أو بقعة من الحرم لزمه الشيء في حجة أو عمرة فإن ترك المشي وركب لعذر أو غيره لزمه كفارة يمين وعنه دم وكذلك إن نذر الركوب فمشى ففيه الروايتان.
ومن نذر أن يطوف على أربع طاف طوافين نص عليه.
стр. 782
كتاب القضاء
مدخل
...
كتاب القضاء
نصب القضاة فرض كفاية فيلزم الإمام أن يرتب في كل إقليم قاضيا ويختاره أفضل من يجد علما وورعا ويأمره بتقوى الله وبأن يتحرى العدل ويجتهد في إقامته وأن يستخلف في كل صقع أصلح من يجد لهم ويلزم من يصلح له إذا دعى إليه ولم يوجد من يوثق به غيره أن يجيب إليه وعنه لا يجب نصبه ولا الإجابة إليه ويكره لمن يصلح له أن يطلبه إذا وجد غيره فإن دعى إليه فهل الأفضل الإجابة أو تركها على وجهين.
ولا يصح ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه ويشترط أن يعرف المولى وكونه صالحا للقضاء وأن يعين ما يوليه الحكم فيه من البلدان والأعمال.
وإذا كان المولى نائب الإمام ففي اشتراط عدالته روايتان.
والألفاظ الصريحة للتولية مثل وليتك الحكم وقلدتك الحكم ورددت أو فوضت أو جعلت إليك الحكم واستنبتك أو استخلفتك في الحكم فإذا وجد لفظ منها وقبول المولى في المجلس إن كان حاضرا وفيما بعده إن كان غائبا انعقدت الولاية والكتابة نحو اعتمدت أو عولت عليك ووكلت أو أسندت إليك فلا ينعقد بها إلا بقرينة كقوله فاحكم فيما عولت عليك ونحوه والأولى إذا كان ببلد آخر أن يكاتبه بالولاية ولا تثبت إلا بشاهدين أو بالاستفاضة إذا كان بلده قريبا يستفيض فيه أخبار بلد المولى له.
ويصح تعليق ولاية القضاء والإمارة بالشرط ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل وأن يوليه خاصا فيهما أو في أحدهما بتولية عموم النظر أو خاصة في محلة خاصة فمنعه حكمها في أهلها ومن يطرأ إليها.
ويجوز أن يولى قاضيين في بلد واحد وقيل إن ولاهما فيه عملا واحدا لم يجز.
стр. 783
وإذا حكم اثنان بينهما في المال من يصلح للقضاء نفذ حكمه وإن حكماه في نكاح أو لعان أو قود أو حد قذف فعلى روايتين.
وتقيد ولاية الحكم العامة عشرة أشياء الفصل بين الخصوم وأخذ الحق لبعضهم من بعض والحجر على من يستوجبه لسفه أو فلس والنظر في أموال غير الرشدين والنظر في الوقوف وعمله ليعمل بشروطها وتنفيذ الوصايا وتزويج النساء إذا لم يكن ذلك لغيره وإقامة الحدود وإقامة الجمعة والعيد والنظر في مصالح الطرق والأفنية بعمله وكف الأذى عنها وتصفح حال شهوده وأمنائه ليستبقى أو يستبدل من كان أهلا لذلك فأما جباية الخراج والزكاة إذا لم تختص بعامل فعلى وجهين.
ويشترط في القاضي عشر صفات كونه بالغا عاقلا ذاكرا حرا مسلما عدلا سميعا بصيرا متكلما مجتهدا وفي كونه كاتبا وجهان وما فقد منها في الدوام أزال الولاية إلا في فقد السمع أو البصر فيما ثبت عنده ولم يحكم به فإن ولاية حكمه باقيه فيه والمجتهد من يعرف من الكتاب والسنة الحقيقة والمجاز والأمر والنهي والمبين والمجمل والمحكم والمتشابه والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمستثنى منه ويعرف أخبار السنة صحيحها وسقيمها وتواترها وآحادها ومسندها ومرسلها مما له تعلق بالأحكام ويعرف ما اجتمع عليه واختلف فيه والقياس وشروطه وكيف يستنبط والعربية المتداولة بالحجاز واليمن والشام والعراق وبواديها وكل ذلك مذكور في أصول الفقه وفروعه فمن وقف عليه أو على أكثره ورزق فهم ذلك صلح للقضاء والفتيا.
وللقاضي طلب الرزق من بيت المال لنفسه وخلفائه وأمنائه مع الحاجة وفيه بدونها وجهان.
وإذا مات الإمام أو عزل من ولاه مع صلاحيته لم ينعزل وقيل ينعزل
стр. 784
كما لو كان الميت أو العازل قاضيا وفي العزل حيث قلنا به قبل العلم وجهان كالوكيل.
стр. 785
باب أدب القاضي
ينبغي له أن يكون قويا بلا عنف لينا من غير ضعف بصيرا بأحكام الحكام قبله وإذا ولى في غير بلده سأل عن علمائه وعدوله ونفذ عند مسيره من يعلمهم بيوم دخوله ليتلقوه ويدخل البلد يوم الإثنين أو الخميس أو السبت لابسا أجمل ملبوسه ويأتي الجامع ويصلي فيه ركعتين ويجلس مستقبل القبلة ويأمر بعهده فيقرأ على الناس ويأمر من ينادي بيوم جلوسه للحكم ثم يمضي إلى منزله وينفذ بتسلم ديوان الحكم ممن قبله ثم يخرج في يوم الوعد بأعدل أحواله غير غضبان ولا جائع ولا حاقن ولا مهموم بأمر يشغله عن الفهم ويسلم على من مر به ثم على من في مجلس ويصلي فيه إن كان مسجدا تحيته وإلا فهو مخير ويجلس على بساط ويسأل الله توفيقه للحق وعصمته من زلل القول والعمل وليكن مجلسه في وسط البلد فسيحا كالجامع والدار الواسعة ولا يتخذ فيه حاجبا ولا بوابا وإن اتخذ كاتبا فليكن مسلما عدلا حافظا عالما يجلس بحيث يشاهد ما يكتبه ويجعل القمطر مختوما بين يديه ويعرض أصحاب القصص ويقدم الأول فالأول ولا يقدمه في أكثر من حكومة واحدة وإن حضروا دفعة وتشاحوا قدم أحدهم بالقرعة إلا المسافر المرتحل فإنه يقدم ويعدل بين الخصمين في الخطة ولفظه ومجلسه ودخولهما عليه إلا للمسلم مع الكافر فإنه يفضل عليه دخولا وأما جلوسا فعلى وجهين ولا يسارر أحدهما ولا يلقنه صحته ولا يضيفه ولا يعلمه الدعوى لكن في تحريرها له إذا لم يحسنه وجهان وما لزم ذكره فيها من شرط عقد أو سبب ونحوه إذا لم يذكره سأله عنه ليتحرر وله أن يذب عنه ويسأل خصمه أن ينظره وفي سؤال الوضع عنه روايتان.
стр. 786
وينبغي أن يحضر مجلسه فقهاء المذهب ويشاورهم فيما يشكل عليه فإن اتضح له حكم وإلا أخره حتى يتضح ولا يقلد غيره وإن كان أعلم منه ولا يقضي مع الغضب ونحوه مما يشغل فهمه وإن خالف وحكم نفذ حكمه وقيل لا ينفذ وقيل إن عرض ذلك بعد فهم الحكم نفذ وإلا فلا.
ولا يحل أن يرتشي ولا يقبل هدية إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته إذا لم تكن له حكومة ويكره البيع والشراء إلا بوكيل لا يعرف به ويستحب له إتيان المرضى والجنائز مالم يشغله عن الحكم ويحضر الولائم كغيره فإن كثرت تركها ولا يجيب قوما دون قوم ولا ينفذ حكمه لنفسه وفي حكمه لمن لا تقبل شهادته له وجهان وإن حكم بينهم بعض خلفائه جاز.
وأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين فينفذ ثقة يكتب اسم كل محبوس ومن حبسه وفيم حبسه وفي رقعة مفردة ثم ينادي في البلد إن القاضي ينظر في أمر المحبوسين فمن له خصم فليحضر فإذا جلس القاضي لوعده أخرج رقعة١ وقال هذه رقعة فلان فمن خصمه فإن نظر بينهما وإن بان حبسه تعزيزا أو في تهمة خلاه أو أبقاه بقدر ما يرى ومن لم يظهر له خصم وقال حبست ظلما ولا خصم لي نودي بذلك فإن ظهر له خصم وإلا حلفه ثم أطلقه.
ثم يسأل عن جهة الأيتام والمجانين والوقوف والوصايا فنظر فيما ليس له منها ناظر معين ولا ينقض من أحكام القاضي قبله إلا ما ينقض من حكم غيره.
ومن استعداه على خصم حاضر في البلد أحضره لكن في اعتبار تحرير الدعوى بذلك وجهان إلا أن يكون الحاكم معزولا فيعتبر تحرير الدعوى في حقه
стр. 787
وفي إحضاره قبل مراسلته وجهان وعنه كل من يخشى بإحضاره ابتذاله إذا بعدت الدعوى عليه في العرف لم يحضر حتى تحرر فيتبين لها أصلا ومن ادعى على امرأة غير برزة لم تحضر وأمرت بالتوكيل فان لزمها يمين أرسل من يحلفها وكذلك المريض ومن ادعى على غائب بموضع لا حاكم فيه أرسل إلى ثقات الموضع للصلح بينهما فإن تعذر قيل المدعي حقق دعواك ثم يحضره قربت المسافة أو بعدت ولا يعتبر لإحضار المرأة البرزة المحرم إذا تعذر نص عليه.
стр. 788
باب طريق الحكم وصفته
يجوز للحاكم الحكم بالبينة والإقرار في مجلسه وإن لم يسمعه معه أحد نص عليه وقال القاضي لا يحكم بالإقرار في مجلسه حتى يسمعه معه شاهدان وأما حكمه بعلمه في غير ذلك مما رآه أو سمعه فلا يجوز في الأشهر عنه وعنه جوازه وعنه يجوز إلا في الحدود ويبنى على علمه في عدالة الشهود وجرحهم.
وإذا جلس إليه خصمان قال أيكما المدعي وإن سكت حتى يبتدئ جاز فمن سبق بالدعوى قدمه وإن ادعيا معا قدم أحدهما بالقرعة فإذا انتهت حكومته سمع دعوى الآخر.
ولا تصح دعوى ولا إنكار إلا من جائز التصرف ولا تصح الدعوى إلا محررة معلومة المدعى إلا ما نصححه مجهولا كالوصية والعبد المطلق قهرا ونحوه فتصح به كذلك ثم إن كان المدعى عينا حاصرة عينها وإن كان غائبا أو في الذمة وصفه بما ينضبط به وذكر إن كان مثليا قدره والأولى مع ذلك ذكر قيمته وإن كان متلفا محلى قومه بغير جنس حليته إلا المحلى بذهب وفضة معا فيقومه بأيهما شاء للحاجة وإن كان نقدا من نقد البلد كفى ذكر قدره وقيل لا بد من وصفه.
وإذا ادعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلا بد من ذكر شروطه وقيل
стр. 789
لا يشترط ذلك إلا في النكاح وقيل يشترط فيه وفي ملك الإماء خاصة.
وإذا ادعت امرأة نكاح رجل لطلب نفقة أو مهر أو نحوه سمعت دعواها وإن لم تدع سوى النكاح فوجهان.
وإن ادعى الإرث ذكر سببه وإن ادعى قتل موروثه ذكر كون القاتل منفردا أو مشاركا وكون القتل عمد أو خطأ أو شبه عمد ووصفه.
وإذا حرر المدعي دعواه سأل الحاكم خصمه عنها وقيل لا يسأله حتى يسأل المدعي سؤاله والأول أصح فإن أقر حكم له عليه ولا يحكم بإقرار ولا بينة ولا نكول حتى يسأله المدعي الحكم وإن أنكر بان قال لمن ادعى قرضا أو ثمنا ما أقرضني أو ما باعني أو ما يستحق علي شيئا مما ادعاه أولا حق له علي ونحوه صح الجواب ويقول الحاكم للمدعي إن لم يعرف أن هذا موضع البينة إن كان لك بينة فأحضرها فإن أحضرها سمعها وحكم بها.
ويعتبر عدالة البينة ظاهرا وباطنا اختاره الخرقي والقاضي وعنه تقبل شهادة كل مسلم لم يظهر للحاكم منه ريبة واختارها أبو بكر فإن جهل إسلام الشاهد رجع إلى قوله وإن جهل حريته حيث يعتبر فوجهان وإن جهل عدالته سأل عنه على الأولى ولم يسأل على الثانية إلا أن يطعن في الخصم ويكفي في تزكيته أن يشهد عدلان أنه عدل رضي ومن ثبتت عدالته مرة لم يلزم البحث عنها مرة أخرى وقيل يلزم مع طول المدة وهو المنصوص عنه.
وإذا سأل المدعي قبل التزكية حبس خصمه أو كفيلا به في غير الحد أو تعديل العين المدعاة لئلا تغيب حتى تزكى الشهود أو سأله من أقام بالمال شاهدا حتى يقيم آخر أجيب مدة ثلاثة وقيل لا يجاب.
وإن جرح الخصم الشهود كلف البينة وأنظر له ثلاثا وللمدعي ملازمته فإن لم يأت ببينة حكم عليه ولا يسمع الجرح إلا مبين السبب وعنه يكفي المطلق فالمبين أن يذكر ما يقدح في العدالة عن رؤية أو استفاضة والمطلق أن يقول
стр. 790
هو فاسق أو ليس بعدل وقال القاضي في خلافة هذا هو المبين والمطلق أن يقول الله أعلم به ونحوه.
وإذا رتب الحاكم من يسأل في السر عن الشهود لتزكية أو جرح فهل تراعى شروط الشهادة بذلك فيهم أو في المسئولين على وجهين ومن جرحه اثنان فالجرح أولى وإن جرحه واحد وعدله اثنان وقبلناه فتزكية الاثنين أولى منه.
وإذا ارتاب الحاكم بشهود لم يخبر قوة ضبطهم ودينهم استحب أن يفرقهم ويسأل كل واحد عن كيفية التحمل وأين ومتى وبأي موضع كان وهل تحمل وحده أو مع غيره فإن اختلفوا لم يقبلها وإن اتفقوا وعظهم وخوفهم ثم حكم إن ثبتوا.
وإذا حاكم من لا يعرف لسانه ترجم له من يعرفه ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح والتعريف والرسالة إلا قول عدلين وعنه يقبل واحد وتقبل تزكية المرأة وتزكية الأعمى لمن لم يخبره قبل عماه وتزكية الوالد للولد والتزكية بدون لفظ الشهادة على الثانية دون الأولى ويكفي على الأول ترجمة رجل وامرأتين في المال ونحوه دون ما يفتقر إلى رجلين.
وإذا قال المدعي مالي بينة أعلمه الحاكم أن له اليمين على خصمه على صفة جوابه فإن سأل إحلافه أحلفه وخلى سبيله ولا يعتد بيمينه قبل مسألة المدعي فإن نكل قضى عليه بالنكول نص عليه فيقول إن حلفت وإلا قضيت عليك ويستحب أن يكرره ثلاثا فإن لم يحلف قضى عليه وسواء كان مأذونا له أو مريضا أو غيرهما ويتخرج أن يحبس حتى يقرأ أو يحلف وقال أبو الخطاب ترد اليمين على المدعي فإذا حلف قضى عليه وإن نكل صرفها وقد صوبه أحمد في رواية أبي طالب فقال ما هو ببعيد أن يحلف ويأخذ يقال له احلف
стр. 791
وخذ ولا يشترط على القول بالرد إذن الناكل فيه على ظاهر كلامه وشرطه أبو الخطاب.
ومن بذل منهما اليمين بعد نكوله لم يسمع منه إلا في مجلس آخر بشرط عدم الحكم وإذا قال المدعي مالي بينة ثم أتى بينة لم تسمع نص عليه وقيل تسمع أحلفه أو لم يحلفه كما لو قال مكان مالي ما أعلم لي وإذا قال لي بينة وأريد تحليفه ثم أقام البينة ملكهما إلا إذا كانت حاضرة في مجلس الحكم فلا يملك إلا إقامتها من غير تحليف أو تحليفه من غير أن تسمع البينة بعده وقيل لا يملكها إلا إذا كانت عائبة عن البلد.
وإذا سكت المدعي عليه فلم يتكلم أو قال لا أقر ولا أنكر قال له الحاكم إن أجبت وإلا جعلتك ناكلا وقضيت عليك وقيل يحبس حتى يجيب إلا أن يكون للمدعي بينة فيقضي له بها وجها واحدا وإن قال لي مخرج مما ادعاه فليس بجواب وإن قال لي حساب أريد أن أنظر فيه أنظر ثلاثا وقيل لا يلزم إنظاره.
وإن قال إن ادعيت هذا المبلغ ثمن سلعة كذا التي بعتنيها ولم تقبضنيها فنعم وإن ادعيته غير ذلك أجبت وإن ادعيت ألفا مطلقا فلا حق له قبلي أو قال إن ادعيت ألفا على رهن فلاني لي في يدك فلا تستحق على شيئا فقد أجابه.
وإن قال بعد ثبوت الدعوى ببينة قضية أو أبرأني أو قاله في جوابها وجعلناه مقرا سئل البينة على ذلك وأنظر لها ثلاثا وللمدعي ملازمته فإن أتى ببينة وإلا حلف المدعي على بقاء حقه واستحقه فإن نكل قضى عليه بنكوله وصرف وعلى القول بالرد له أن يحلف خصمه فإن أبي قضى عليه بالحق.
هذا كله اذا لم ينكر المنكر أولا سبب الحق فأما إن نكره ثم ثبت فادعى
стр. 792
قضاء أو إبراء سابقا لإنكاره لم يسمع منه وإن أتى ببينة نص عليه وقيل يسمع بالبينة.
ومن ادعى على غائب أو مستتر في البلد أو ميت أو صبي أو مجنون وله بينة سمعت وحكم له بها ويستحلفه الحاكم على بقاء حقه وعنه لا يستحلفه ثم هم بعد الرشد والحضور على حججهم وعندي لا يقضى على الغائب.
ومن ادعى على حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم وأتي ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة عليه حتى يحضر وقيل يسمعان ويحكم عليه ونقل أبو طالب يسمعان ولكن لا يحكم عليه حتى يحضر وهو الأصح فإن امتنع من الحضور ألجئ إليه بالشرطة والتنفيذ إلى منزله مرارا وإقعاد من يضيق عليه ببابه في دخوله وخروجه أو ما يراه الحاكم من ذلك فإن أصر على التغيب سمعت البينة وحكم بما عليه قولا واحدا.
ومن ادعى أن أباه مات عنه وعن أخ له غائب وله عين أو دين عند فلان فأقر فلان بذلك سلم إلى المدعي نصيبه ويتسلم الحاكم نصيب الغائب وقيل يتركه إذا كان دينا في ذمة غريمه حتى يقدم وحكم الحاكم لا يحيل الشئ عن صفته في الباطن إلا في أمر مختلف فيه قبل الحكم فإنه على روايتين.
وإذا رفع إليه حكم حاكم قد اتصل بمختلف فيه لينفذه لزمه تنفيذه وإن كان المختلف فيه نفس الحكم لم يلزمه تنفيذه إلا أن يحكم به حاكم آخر قبله.
وإذا رفع إليه خصمان عقدا فاسدا عنده جائزا عند غيره وأقرا بأن حاكما نافذ الحكم قد حكم بصحته فهو مخير بين أن يلزمهما ما أقرا وبين أن يرده ويحكم فيه بمذهبه ذكره القاضي.
ومن حكم بحد أو قود بشهود ثم بانوا عبيدا فله نقضه إذا كان لا يرى قبولهم في ذلك وكذلك كل مختلف فيه صادف ما حكم فيه ولم يعلم به.
وإذا حكم بحق ثم بان كفر الشهود أو فسقهم نقضه ويرجع بالمال وبدل
стр. 793
القود المستوفى على المحكوم له وإن كان الحكم لله بإتلاف أو بما سرى إليه ضمنه المذكورون وقيل الحاكم وقيل أيهما شاء المستحق والقود على المزكين وإن لم يكن ثم تزكية فعلى الحاكم وحده وعنه لا ينقض لفسقهم فلا ضمان.
وإذا فعل الحاكم مختلفا فيه كتزويج بلا ولي وشراء عين غائبة ليتيم ونحوه ساغ رده ما لم يتصل به حكم منه أو من غيره.
ومن ادعى أن الحاكم حكم له بحق فلم يذكره فشهد عدلان بحكمة به قبل شهادتهما وأمضاه وكذلك إن شهدا أن فلانا وفلانا شهدا عندك بكذا قبل شهادتهما ولو وجد حكمه بخطة متيقنا له ولم يذكره نفذه وعنه لا ينفذه حتى يذكره وعنه إن كان في حرزه وحفظه كقمطره ونحوه نفذه وإلا فلا وكذلك الروايات في شهادة الشاهد بناء على خطه إذا لم يذكره.
وإذا عزل الحاكم فقال حكمت في ولايتي لفلان على فلان بكذا قبل قوله وحده كما قبل قبل العزل نص عليه ويحتمل أن لا يقبل إلا على وجه الشهادة إذا كان عن إقرار.
ومن ادعى أن الحاكم المعزول حكم عليه بشهادة فاسقين عمدا ليغرمه فالقول قول القاضي بلا يمين.
ومن كان له عند إنسان حق وتعذر أخذه بالحاكم وقدر له على مال لم يجز له في الباطن أخذه منه نص عليه ويتخرج جوازه بناء على تنفيذ الوصي الوصية مما في يده إذا كتم الورثة بعض التركة فعلى هذا يأخذ من جنس حقه بقدره إن أمكن وإلا فمن غيره بالقيمة متحريا للعدل في ذلك
стр. 794
باب كتاب القاضي إلى القاضي
يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق إلا حقوق الله تعالى كحد الزنا وحد القذف إذا غلبنا فيه حق الله تعالى ونحوهما وعنه لا يقبل إلا فيما يقبل
стр. 795
فيه شاهد ويمين ورجل وامرأتان وعنه ما يدل على قبوله إلا في الدماء والحدود.
ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كانا في بلد واحد ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة القصر وقيل يقبل إذا لم يمكن الذاهب إليه العود في يومه.
ويجوز أن يكتب إلى قاض بعيد وإلى كل من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين.
ولا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به القاضي الكاتب شاهدين يحضرهما فيقرأ عليهما ثم يقول اشهد أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان ويدفعه إليهما فإذا وصلا دفعاه إلى المكتوب إليه وقالا نشهد أن هذا كتاب فلان إليك كتبه بعمله وأشهدنا عليه.
وبو كتب كتابا وأدرجه وختمه وقال هذا كتابي إلى فلان اشهدا علي بما فيه لم يصح وعنه ما يدل على الصحة فعلى هذا إن عرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه فهل يقبل بمجرد ذلك على وجهين.
وإذا وصل الكتاب فأحضر الخصم المذكور فيه باسمه ونسبه وحليته فقال ما أنا بفلان المذكور فيه فالقول قوله مع يمينه ما لم تقم بينة بذلك فإن ثبت ذلك ببينة أو إقرار فقال المحكوم عليه غيري وهو مثلي نسبا وصفة لم يقبل منه إلا ببينة تشهد أن في البلد آخر كذلك فيتوقف حتى يعلم الخصم منهما.
ولو كان الكتاب في عبد أو حيوان بالصفة ولم يثبت له مشارك في صفته سلم إلى المدعي مختوم العنق وأخذ منه كفيل يأتي به إلى القاضي الكاتب فيشهد الشهود على عينه ويقضي له به ويكتب له كتابا آخر ليبرأ كفيله.
وحتى تغيرت حال القاضي الكاتب بعزل أو موت لم يقدح في كتابه وإن تغيرت بفسق لم يقدح فيما حكم به وقدح فيما ثبت عنده ليحكم به وإن تغيرت
стр. 796
حال المكتوب إليه فلمن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به وكذلك إن لم تتغير حاله ووصل إلى غيره ذكره القاضي.
وإذا حكم عليه فقال له اشهد لي عليك بما جرى حتى لا يحكم علي القاضي الكاتب لزمه ذلك.
وكل من ثبت له عند حاكم حق أو ثبتت براءته مثل إن أنكر وحلفه الحاكم فسأله أن يشهد له بما جرى عنده من براءة أو ثبوت مجرد إو متصل بحكم وتنفيذ أو سأله أن يحكم له بما ثبت عنده لزمه إجابته وقيل إن ثبت حقه ببينة لم تلزمه الإجابة وإن سأل مع الإشهاد بذلك كتابته وأتاه بكاغد أو كان من بيت المال كاغد كذلك فهل تلزمه الكتابة على وجهين.
ويسمى ما تضمن الحكم بالبينة سجلا وما سواه محضرا ويجعل السجل نسختين نسخة يدفعها إليه ونسخة يحبسها عنده.
وصفة المحضر "بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان ابن فلان الفلاني قاضي عبد الله الإمام فلان على كذا".
وإن كان نائبا كتب "خليفة القاضي فلان قاضي عبد الله الإمام فلان في مجلس حكمه وقضائه بموضع كذا مدع ذكر أنه فلان بن فلان وأحضر معه مدعي عليه ذكر أنه فلان بن فلان فادعى عليه بكذا فأقر له أو فأنكر معه فقال القاضي للمدعي ألك بينة قال نعم فأحضرها وسألها سماعها ففعل أو فأنكر ولم يقم للمدعي بينة وسأل إحلافه فأحلفه وإن نكل عن اليمين ذكر ذلك وأنه حكم عليه بالنكول وإن رد اليمين فحلفه حكى ذلك وسأله أن يكتب له محضرا بما جرى فأجابه إليه في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويعلم في الإقرار وجرى الأمر على ذلك" وفي البينة "شهدا عندي بذلك".
وإما السجل فهو لإنفاذ ما ثبت عنده والحكم به وصفته أن يكتب "هذا.
стр. 797
ما أشهد عليه القاضي فلان بن فلان كما قدمنا من حضره من الشهود أشهدهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين ويذكرهما إن كلنا معروفين وإلا قال مدع ومدعي عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعا في صحة منه وجواز أمر بجميع ما سمي ووصف في كتاب نسخته كذا وينسخ الكتاب المثبت أو المحضر جميعه حرفا حرفا فاذا ضاع منه قال وأن القاضي أمضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك والإشهاد به الخصم المدعي ويذكر اسمه ونسبه ولم يدفعه الخصم الحاضر معه بحجة وجعل كل ذي حجة على حجته وأشهد القاضي فلان على إنفاذه وحكمه وإمضائه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه وأمر بكتب هذا السجل نسختين متساويتين تخلد نسخة بديوان الحكم ونسخة تدفع إلى من كتب له وكل واحدة منهما حجة بما أنفذه فيهما".
ولو كتب كما قدمنا لكنه لم يذكر بمحضر من خصمين ساغ ذلك لجواز القضاء على الغائب ومهما اجتمع عنده من محاضر وسجلات في كل أسبوع أو شهر على حسبها قلة وكثرة فإنه يضم بعضها إلى بعض وتكتب أو سجلات كذا من وقت كذا.
وإذا أخبر قاض قاضيا في غير عملهما أو في عمل أحدهما بحكم أو ثبوت لم يعمل به بحال إلا أن يخبر في عمله قاضيا في غير عمله ويجيز له الحكم بعلمه فيعمل به إذا بلغ عمله وقيل يقبل إخباره على الإطلاق كإخباره معزولا على أصلنا.
стр. 798
باب القسمة
لا يجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر أو رد عوض إلا بتراضي الشركاء مثل الحمام والدور الصغار والأرض التي لا تتعدل بأجر ولا قيمة لبناء أو بئر في بعضها ونحو ذلك وهذه القسمة في حكم البيع لا يجوز فيها إلا ما يجوز فيه.
فأما مالا ضرر فيه ولا رد عوض في قسمته كالقرية والبستان أو الدار الكبيرة والأرض أو الدكان الواسعة والمكيل والموزون من جنس من مثل الدبس وخل التمر وخل العنب والأدهان والألبان ونحوها إذا طلب الشريك قسمته أجبر الآخر عليها وهذه القسمة إقرار لا بيع في ظاهر المذهب فيجوز قسمة الوقف من ذلك وما بعضه وقف.
ويجوز قسمة ثمر الشجر الذي يخرص خرصا وقسمة ما يؤكل وزنا وما يوزن كيلا وأن يتفرقا في قسمة ذلك قبل القبض.
وإذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث وحكي عن ابن بطة كونها كالبيع فتنعكس هذه الأحكام وعلى الوجهين تفسخ بالعيب ولا توجب الشفعة وما بعضه وقف ولا تتعدل إلا برد عوض من أهل الوقف فتجوز قسمته بالتراضي على الأصح وإن كان الرد من رب المطلق لم يجز قسمته بحال.
والضرر المانع من قسمة الإجبار نقص قيمة المقسوم بها في ظاهر كلامه وظاهر قول الخرقي أنه عدم النفع به مقسوما.
وإن تضرر أحد الشريكين وحده كرب الثلث مع رب الثلثين بأن طلب المتضرر القسمة أجبر الآخر وإلا فلا إجبار وعنه أيهما طلب لم يجبر الآخر وحكى عن القاضي عكس الأولى.
وما تلاصق من الدور والعقار والخانات فهو كالمتفرق.
стр. 799
ويعتبر الضرر وعدمه في كل عين منه مفردة لا في مجموعة.
ومن كان بينهما عبيدا أو بهائم أو ثياب ونحوها من جنس واحد فطلب أحدهما قسمتها أعيانا بالقيمة أجبر الآخر نص عليه وقيل لا يجبر كمختلف الجنس.
وإذا كان بينهما حائط أو عرصة حائط فقيل لا إجبار في قسمتها بحال وهو الأصح وقال القاضي إن طلب قسمة طولهما في كمال العرض إو طلب قسمة العرصة عرضا وكانت تسع حائطين أجبر الممتنع وإلا فلا وقال أبو الخطاب في الحائط كالأول وفي العرصة كالثاني وقيل لا إجبار فيهما إلا في قسمة العرصة طولا كما في كمال العرض خاصة.
وإذا كان بينهما دار ذات سفل وعلو فطلب أحدهما جعل السفل لواحد والعلو للآخر لم يجبر الممتنع.
وإذا كان بينهما منافع واقتسماها بالزمان أو المكان جاز ولزم العقد إذا كانت إلى مدة معلومة وإلا فهو جائز عندي وقيل هو جائز غير لازم بكل حال وإذا امتنع أحدهما لم يجبر الممتنع وعنه ما يدل على أنه يجبر وعندي يجبر في القسمة بالمكان إذا لم يكن فيه ضرر ولا يجبر بقسمة الزمان.
وإذا كان بينهما أرض فيها زرع لهما فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع قسمت كالخالية منه وإن طلب قسمة الزرع دونها أو قسمتهما لم يجبر الممتنع فإن تراضيا عليه والزرع قصيل أو قطين جاز وإن كان بذرا أو سنبلا مشتد الحب لم تجز القسمة وقيل تجوز وإذا قسما مع الأرض وأجازه القاضي في السنبل مع الأرض دون البذر.
فإذا كان بينهما نهر أو قناة أو عين ماء فالماء بينهما على ماشرطا عند استخراج ذلك والنفقة عند الحاجة على قدر الحقين فإن رضيا بقسمته مهايأه بالزمان أو بأن ينصب حجر مستو أو خشبة في مصدم الماء فيه ثقبان على قدر حقيهما جاز فإن أراد أحدهما أن يسقي بنصيبه أرضا لا شرب لها من هذا الماء لم يمنع وقيل
стр. 800
يمنع ويحتمل إذا قلنا الماء لا يملك بملك أرضه أن ينتفع كل واحد منهما بقدر حاجته.
ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وبقاسم ينصبونه أو يسألون الحاكم نصبه وتكون الأجرة على قدر الأملاك نص عليه وقيل على عدد الملاك.
ومن شرط من ينصب أن يكون عدلا عارفا بالقسمة وإن كان عبدا ولا بد من قاسمين إن كان في القسمة تقويم وإلا كفى واحد وقيل يكفي الواحد مطلقا.
ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إن تساوت وبالقيمة إن اختلفت وبالرد إن اقتضته وإذا تمت القرعة لزمت القسمة وقيل لا تلزم فيما فيه رد حتى يرضيا به بعد القرعة وكيفما أقرع جاز لكن الأحوط أن يكتب اسم كل شريك في رقعة ثم تدرج في بنادق شمع أو طين متساوية قدرا ووزنا وتطرح في حجر رجل واحد لم يحضر ذلك ويقال له أخرج بندقة على هذا السهم فمن خرج سهمه كان له ثم الثاني كذلك فالسهم الباقي للثالث إذا كانوا ثلاثة واستوت أسهمهم ولو كتب اسم كل سهم في رقعة ثم قال أخرج بندقة لفلان وبندقة لفلان وبندقة لفلان جاز ولو كانت السهام الثلاثة مختلفة كنصف وثلث وسدس جزأ المقسوم ستة أجزاء وأخرج الأسماء على السهام لا غير فيكتب باسم رب النصف ثلاث رقاع ولرب الثلث وقعتين ولرب السدس رقعة ثم يخرج بندقة على أول سهم فإن خرج عليه اسم رب النصف أخذه مع الثاني والثالث وإن خرج عليه اسم رب الثلث أخذه مع الثاني ثم يقرع بين الآخرين كذلك والباقي للثالث.
ومن ادعى غلطا فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على رضاهم به لم يلتفت إليه وإن كان فيما قسمة قاسم الحاكم فالقول قول المنكر إلا أن يكون للمدعي
стр. 801
بينة وإن كان فيما قسمة قاسم نصبوه وكان فيما شرطا فيه الرضا بعد القرعة لم تسمع دعواه وإلا فهو كقاسم الحاكم.
وإذا تقاسما ثم استحق من الحصتين شيء معين فالقسمة بحال في الباقي.
وإن كان في إحداهما بطلت وإن كان شائعا فيهما أو في إحداهما بطلت أيضا وقيل لا تبطل في غير المستحق وقيل بالبطلان للإشاعة في إحداهما خاصة.
وإذا اقتسم الورثة العقار ثم ظهر دين على الميت لم تبطل القسمة إلا أن نقول القسمة بيع فيكون كبيع التركة قبل قضاء الدين وفي صحته روايتان أصحهما الصحة.
وإذا اقتسما دارا فحصل الطريق في حصة أحدهما ولا منفذ للآخر لم تصح القسمة وإن كان لها ظلة فوقعت في حصة أحدهما فهي له بمطلق العقد.
وولي المولى عليه في قسمة الإجبار بمنزلته وكذلك في قسمة التراضي إذا رآها مصلحة ويقسم الحاكم على الغائب في قسمة الإجبار
стр. 802
باب الدعاوي والأيمان فيها
المدعي من إذا سكت ترك والمدعي عليه من إذا سكت لم يترك ويختص اليمين المدعي عليه دون المدعي إلا في القسامة ودعاوي الأمناء المقبولة وحيث يحكم باليمين مع الشاهد أو نقول بردها.
فإذا تداعيا عينا في يد أحدهما فهي له مع يمينه بذلك إلا إن أقام له بينة فلا يحلف وإن كانت بأيديهما فهي بينهما مع تحالفهما إلا أن يدعي أحدهما نصفها فما دونه والآخر أكثر من بقيتها أو كلها فالقول قول مدعي الأقل مع يمينه فإن تداعياها وهي بيد ثالث فأقر بها لأحدهما بعينه فهي له مع يمينه ثم يحلف المقر للآخر على الأصح فإن نكل لزمه له عوضها وإن قال هي لأحدهما لا أعلم عينه فصدقاه في عدم العلم لم يحلف وإن كذباه أو أحدهما لزمه يمين واحدة بذلك ويقرع بينهما فمن خرجت له القرعة فهي له مع يمينه ولهما فعل
стр. 803
القرعة قبل تحليفه حيث يجب وبعده إلا إذا نكل عن يمينه فيتعين تقديمها.
ومتى قدمت لم يبق عليه حلف إلا للمقروع خاصة بشرط تكذيبه له فإن نكل عنه حينئذ لزمه له القيمة.
ولو جحدها الحالف فالقول قوله وعليه لكل واحد يمين فإن نكل لزمه لهما العين وعوضها يقترعان عليهما ويحتمل أن يتقسماها كالناكل الفذ لهما.
ومن ادعى عليه عين في يده ولا بينة فأقر بها لصبي أو مجنون أو غائب أقرت له في يده وأحلفه المدعي أنه لا يستحق تسليمها إليه فإن نكل لزمه له عوضها إن كان المدعي واحدا وإن كان اثنين تداعياها لزمه لهما عوضان إلا أن يقيم بينة أنها لمن سماه فلا يحلف.
وإن أقر بها لحاضر مكلف فصدقه فهو كأحد المتداعيين على ثالث إذا أقر له الثالث على ما سبق وإن قال المقر له ليست لي ولا أعلم لمن هي أو قال ذلك رب اليد ابتداء أعطيها المدعي الواحد والاثنان يقترعان عليها وقيل لا تعطى بغير بينة بل تجعل عند أمين الحاكم وقيل تقر في يد رب اليد وهو المذهب.
وعلى هذين الوجهين يحلف المدعي فإن عاد فادعاها لنفسه أو لثالث سمع على الوجه الثالث دون الأوليين وإن أقر بها لمجهول قيل له عرفه وإلا جعلت ناكلا عن الجواب فإن عاد فادعاها لنفسه فهل تسمع على وجهين.
وإذا تداعيا عينا ليست في يد أحد قسمت بينهما كالتي بأيديهما وقيل هي لأحدهما بالقرعة كالتي بيد ثالث.
وإذا تداعيا حيوانا أحدهما آخذ بزمامه والآخر راكبه أو عليه حمله أو قميصا أحدهما آخذ بكمه والآخر لابسه فهو للثاني.
وإن نازع صاحب الدار خياطا فيها في إبرة أو مقص أو قرابا في قربة فهي للخياط أو للقراب.
وإن تنازعا عرصة لأحدهما فيها بناء أو شجر فهي له.
стр. 804
وإن تنازع المؤجر والمستأجر في رف مقلوع أو مصراع وله شكل منصوب في الدار فهر لربها وإلا فهو لهما.
وإن تنازع الزوجان أو ورثتهما في قماش البيت فما يصلح للرجال كالعمامة والسيف فللرجل وما يصلح للنساء كحليهن وثيابهن فللمرأة وما يصلح لهما فبينهما حرين كانا أو رقيقين أو أحدهما نص عليه.
وكذلك إن اختلف صانعان في آلة وكان لهما حكم بآلة كل صنعة لصانعها في ظاهر كلامه وقيل إن كانت أيديهما عليه من طريق الحكم فكذلك وإن كانت اليد المشاهدة عليه منهما أو من أحدهما اعتبرت بكل حال.
ومن توجه عليه الحلف لحق جماعة فبذل يمينا واحدة لهم فرضوا جاز وإن أبوا حلف لكل واحدا يمينا ويحلف الإنسان على الميت في الإثبات والنفي إلا لنفي فعل غيره أو لنفي الدعوى على الغير فيحلف على نفي العلم وعنه في البائع يحلف لنفي عيب السلعة على العلم وعنه يمين النفي على العلم في كل شيء.
ومن لزمته يمين أجزأ أن يحلفه الحاكم بالله تعالى وحده.
وإن غلظها بزمان أو مكان أو لفظ جاز ولم يستحب فالزمان أن يحلفه
стр. 805
بعد العصر أو بين الأذان والإقامة والمكان بمكة بين الركن والمقام وببيت المقدس عند الصخرة وبسائر البلاد عند منبر الجامع وأهل الذمة بالمواضع التي يعظمونها.
стр. 806
واللفط أن يقول "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الطالب الغالب الضار النافع الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" ونحوه ويقول اليهودي "والله الذي أنزل التوراة على موسى وفلق له البحر وأنجاه من فرعون وملئه" ويقول النصراني "والله الذي أنزل الأنجيل على عيسى وجعله يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص" ويحلف المجوسي بالله الذي خلقه وصوره ورزقه.
وإن بذل الحالف اليمين بالله وأبى التعظيم لم يكن ناكلا.
стр. 807
ولا يستحلف في العبادات ولا في حدود الله تعالى.
стр. 808
_________
لأنه حق للمدعى فيه ولا ولاية له عليه ولا تسمع منه دعواه كما لو ادعى حقا لغيره من غير إذنه ولا ولاية وكذا ذكره ابن الزاغوني وغيره.
وذكر القاضي الحدود محل وفاق وأنه لا يصح دعواها ولا يجب سماعها ولا يسأل المدعى عليه عن الجواب عنها لكن قال شهادة الشهود دعوى منهم.
وذكر أيضا في موضع آخر أن الزنا والشرب ونحوه لا يسمع الاستعداء فيه والإعداء فيه وتسمع الشهادة به.
وذكر الشيخ موفق الدين في موضع آخر أن ما كان حقا لله كالحدود والزكاة والكفارة لا تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى.
قال وكذلك مالا يتعلق به حق أحد كتحريم الزوجة أو إعتاق الرقيق يجوز الحسبة به ولا يعتبر به دعوى قال فإن تضمنت دعواه حقا مثل أن يدعى سرقة ماله لتضمين السارق أو ليأخذ منه ما سرقه أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله وكذا ذكره ابن عقيل فإن حلف برىء وإن نكل قضى عليه بالمال دون القطع.
وقال الشيخ تقي الدين فأما حقوق الله تعالى إذا تعلق بها حق آدمي معين أو غير معين على الفرق بين الزكاة وغيرها مثل أن يدعى على من يطلب ولاية المال أو النكاح أو الحضانة أنه فاسق فينكر ذلك فيحلف فإن مضمون اليمين الحلف على استحقاق الولاية أو على نفي ما يدفعها وهو بمنزلة أن يدعى على الحاضنة أنها تزوجت فتنكر أو تدعى على الولي أن ثم وليا أقرب منه وكذا لو ادعى القريب الإرث فقيل إنه رقيق فهل يحلف على نفي الرق كما يحلف لو ادعاه مدع وكذلك لو تعلق بصلاته وصيامه حق الغير مثل تعليق طلاق أو عتق به ونحو ذلك فهل يحلف على فعل ذلك لكن
стр. 809
_________
هذا الحق المتعلق به ليس له ولاء عليه فهو أمين محض بخلاف ما إذا كان الحق له أو عليه وكذلك إذا ادعى المشهود عليه فسق الشاهد مفسرا أو مطلقا فهل له أن يحلفه على نفي ذلك السبب أو على نفي الفسق وكذلك إذا ادعى في الشاهد ما يوجب رد الشهادة من قرابة أو عداوة أو تبرع أو صداقة ملاطفة على القول بها وأنكر الشاهد ذلك فهل له أن يحلف الشاهد على نفي ذلك.
وسواء كان الشاهد مزكيا أو جارحا لشاهد أو وال فادعى عليه تهمة توجب رد التزكية والجرح أو شاهد بغير صفة الشاهد والوالي.
ولا يقال الشاهد لا يحلف فإنما ذلك إذا ثبت ما يوجب قبول شهادته.
لكن يقال لا بد أن يعلم الحاكم ما يقبل معه في الظاهر ثم الشأن في وجود المعارض في الباطن أو فوات بعض الشروط في الباطن وإن لم يحلف الشاهد فهل يحلف المشهود له بأنه لا يعلم هذا القادح؟
وهذا متوجه إذا استحلفناه على ما شهد به في إحدى الروايتين التي قضى بها علي ﵁ وابن أبي ليلى.
واليمين على حق الله المتعلق بها حق آدمي لها أصل في الشريعة وهو اللعان فإن دعوى الزنا دعوى ما يوجب الحد١ والقياس أن لا يمين فيها لكن شرعت إذا ادعاه الزوج لأن له حقا في ذلك وهو إفساد فراشه وإفساد العارية٢ كما أقيمت يمينه مقام شهادة غيره في درء الحد عنه.
وهكذا دعوى السرقة لا يحلفه على ما ينفي القطع لكن على ما ينفي استحقاق
стр. 810
ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي إلا عشرة أشياء النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء وأصل الرق والولاء والاستيلاد والنسب والقود والقذف وعنه يستحلف في الطلاق نحو الإيلاء والقود والقذف دون الستة الباقية وعنه يستحلف إلا فيما لا يقضي فيه بالنكول.