واللفط أن يقول "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الطالب الغالب الضار النافع الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" ونحوه ويقول اليهودي "والله الذي أنزل التوراة على موسى وفلق له البحر وأنجاه من فرعون وملئه" ويقول النصراني "والله الذي أنزل الأنجيل على عيسى وجعله يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص" ويحلف المجوسي بالله الذي خلقه وصوره ورزقه.
وإن بذل الحالف اليمين بالله وأبى التعظيم لم يكن ناكلا.
стр. 807
ولا يستحلف في العبادات ولا في حدود الله تعالى.
стр. 808
_________
لأنه حق للمدعى فيه ولا ولاية له عليه ولا تسمع منه دعواه كما لو ادعى حقا لغيره من غير إذنه ولا ولاية وكذا ذكره ابن الزاغوني وغيره.
وذكر القاضي الحدود محل وفاق وأنه لا يصح دعواها ولا يجب سماعها ولا يسأل المدعى عليه عن الجواب عنها لكن قال شهادة الشهود دعوى منهم.
وذكر أيضا في موضع آخر أن الزنا والشرب ونحوه لا يسمع الاستعداء فيه والإعداء فيه وتسمع الشهادة به.
وذكر الشيخ موفق الدين في موضع آخر أن ما كان حقا لله كالحدود والزكاة والكفارة لا تفتقر الشهادة به إلى تقدم دعوى.
قال وكذلك مالا يتعلق به حق أحد كتحريم الزوجة أو إعتاق الرقيق يجوز الحسبة به ولا يعتبر به دعوى قال فإن تضمنت دعواه حقا مثل أن يدعى سرقة ماله لتضمين السارق أو ليأخذ منه ما سرقه أو يدعي عليه الزنا بجاريته ليأخذ مهرها منه سمعت دعواه ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمي دون حق الله وكذا ذكره ابن عقيل فإن حلف برىء وإن نكل قضى عليه بالمال دون القطع.
وقال الشيخ تقي الدين فأما حقوق الله تعالى إذا تعلق بها حق آدمي معين أو غير معين على الفرق بين الزكاة وغيرها مثل أن يدعى على من يطلب ولاية المال أو النكاح أو الحضانة أنه فاسق فينكر ذلك فيحلف فإن مضمون اليمين الحلف على استحقاق الولاية أو على نفي ما يدفعها وهو بمنزلة أن يدعى على الحاضنة أنها تزوجت فتنكر أو تدعى على الولي أن ثم وليا أقرب منه وكذا لو ادعى القريب الإرث فقيل إنه رقيق فهل يحلف على نفي الرق كما يحلف لو ادعاه مدع وكذلك لو تعلق بصلاته وصيامه حق الغير مثل تعليق طلاق أو عتق به ونحو ذلك فهل يحلف على فعل ذلك لكن
стр. 809
_________
هذا الحق المتعلق به ليس له ولاء عليه فهو أمين محض بخلاف ما إذا كان الحق له أو عليه وكذلك إذا ادعى المشهود عليه فسق الشاهد مفسرا أو مطلقا فهل له أن يحلفه على نفي ذلك السبب أو على نفي الفسق وكذلك إذا ادعى في الشاهد ما يوجب رد الشهادة من قرابة أو عداوة أو تبرع أو صداقة ملاطفة على القول بها وأنكر الشاهد ذلك فهل له أن يحلف الشاهد على نفي ذلك.
وسواء كان الشاهد مزكيا أو جارحا لشاهد أو وال فادعى عليه تهمة توجب رد التزكية والجرح أو شاهد بغير صفة الشاهد والوالي.
ولا يقال الشاهد لا يحلف فإنما ذلك إذا ثبت ما يوجب قبول شهادته.
لكن يقال لا بد أن يعلم الحاكم ما يقبل معه في الظاهر ثم الشأن في وجود المعارض في الباطن أو فوات بعض الشروط في الباطن وإن لم يحلف الشاهد فهل يحلف المشهود له بأنه لا يعلم هذا القادح؟
وهذا متوجه إذا استحلفناه على ما شهد به في إحدى الروايتين التي قضى بها علي ﵁ وابن أبي ليلى.
واليمين على حق الله المتعلق بها حق آدمي لها أصل في الشريعة وهو اللعان فإن دعوى الزنا دعوى ما يوجب الحد١ والقياس أن لا يمين فيها لكن شرعت إذا ادعاه الزوج لأن له حقا في ذلك وهو إفساد فراشه وإفساد العارية٢ كما أقيمت يمينه مقام شهادة غيره في درء الحد عنه.
وهكذا دعوى السرقة لا يحلفه على ما ينفي القطع لكن على ما ينفي استحقاق
стр. 810
ويستحلف المنكر في كل حق لآدمي إلا عشرة أشياء النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء وأصل الرق والولاء والاستيلاد والنسب والقود والقذف وعنه يستحلف في الطلاق نحو الإيلاء والقود والقذف دون الستة الباقية وعنه يستحلف إلا فيما لا يقضي فيه بالنكول.
стр. 811
قال في رواية ابن القاسم لا أرى اليمين في النكاح ولا في الطلاق ولا في الحدود لأنه إن نكل لم أقتله ولم أحد ولم أدفع المرأة إلى زوجها.
وظاهر قول الخرقي هو يستحلف فيما عدا القود والنكاح وعنه ما يدل على أنه يستحلف في الكل وإن أحلفنا في ذلك قضينا فيه بالنكول إلا في قود النفس خاصة وعنه لا يقضى بالنكول إلا في الأموال خاصة.
وكل جناية لم يثبت قودها بالنكول فهل يلزم الناكل ديتها على روايتين.
وكل ناكل قلنا لا يقضي عليه فهل يخلى أو يحبس حتى يقرأ أو يحلف على وجهين.
стр. 812
باب تعارض البينات واختلافها
إذا تداعيا عينا فأيهما أقام بينة حكم له بها وإن أقاما ببينتين والعين بأيديهما أو بيد ثالث قد أنكرهما أو أقر لهما أو لأحدهما لا بعينه أو لم تكن بيد أحد
стр. 813
تعارضت البينتان فتسقطان بالتعارض وتصيران كمن لا بينة لهما على ما تقدم وعنه تستعملان بأن يقرع بينهما فمن قرع حلف وأخذ العين وعنه تستعملان بقسمة العين بينهما بغير يمين ولا يرجح أكثرهما عددا ولا الرجلان على رجل وامرأتين وفي ترجيح أعدلهما والشاهدين على شاهد ويمين وجهان.
وإن شهدت بينة بالملك وسببه وبينه بالملك وحده أو بينة أحدهما بالملك له منذ سنة وبينه الآخر بالملك له منذ شهر فهما سواء وعنه تقدم ذات السبب والسبق وعنه لا تقدم إلا بالسبق أو بسبب يفيده كالنتاج والإقطاع فأما سبب الإرث أو الهبة أو الشراء ونحوها فلا.
فعلى هاتين إن شهدت بينة بالملك منذ سنة وأطلقت الأخرى فهل هما سواء أو تقدم المطلقة على وجهين.
стр. 814
وإن أقام أحدهما بينة أنه اشتراها من زيد وهي ملكه والآخر بينه أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه تعارضتا إلا أن يؤرخا فيكون في تقديم الأسبق تاريخا الروايتان.
وإذا تداعيا ثمن عين بيد ثالث كل منهما يدعي أنه باعها منه بثمن فصدقهما لزمه الثمنان لها وإن أنكرهما فالقول قوله مع يمينه وإن صدق أحدهما أو شهدت له ببينة أخذ منه ما ادعاه وحلف للآخر.
وإن أقاما بينتين وهو منكر وأمكن صدقهما لاختلاف تاريخهما أو إطلاقهما أو إطلاق إحداهما عمل بهما وقيل إذا لم يؤرخا أو أحدهما تعارضتا كما لو اتحد
стр. 815
تاريخهما والحكم على ما سبق من تساقط أو قسمة أو قرعة.
وإن قال أحدهما غصبني إياها وقال الآخر ملكنيها أو أقر لي بها فهي لمن شهد بالغصب منه ولا يغرم رب اليد الآخر شيئا.
وإذا تدعيا عينا بيد أحدهما وأقام كل واحد بينة أنها له قضى للخارج ببينته وتلغو بينة الداخل في المشهور عنه وعنه بالعكس وعنه يقضى ببينة الخارج إلا أن تختص بينة الداخل بسبب الملك أو ببيعه فيقضى بها وعنه عكسه يقضى ببينة الداخل إلا أن تمتاز بينة الخارج بسبب الملك أو سبقه فيقضى بها.
وعلى هاتين الروايتين هل يكفي مطلق السبب أو يشترط إفادته للسبق على روايتين.
فإن شهدت بينة أحدهما أنها ملكه وبينة الآخر أنه أشتراها منه أو اتهبها منه أو وقفها عليه قدمت بينته داخلا كان أو خارجا.
стр. 816
وكذلك من أقام بينة أن هذه الدار تركة عن أبيه وأقامت أمة بينة أن أباه أصدقها الدار فهي المرأة.
وإذا أقام كل واحد من الداخل والخارج البينة أنه اشتراها من الآخر فقيل هو على الروايتين في المطلقتين وقال القاضي تقدم هنا بينة الداخل وقيل يتعارضان.
وإذا تداعيا عينا بيد ثالث أنكرهما ولهما بينتان ثم أقر لأحدهما بعينه قبل إقامة البينتين فالمقر له كالداخل والآخر كالخارج فيما ذكرنا وإن أقر له بعد إقامة البينتين فحكم التعارض بحاله وإقراره باطل على رواية الاستعمال صحيح مسموع على رواية التساقط.
ومن ادعى أنه اشترى أو اتهب من زيد عبده وادعى آخر كذلك أو ادعى العبد العتق وأقاما بينتين بذلك صححنا أسبق التصرفين إن علم التاريخ وإلا
стр. 817
تعارضتا فتساقطتا أو يقسم أو يقرع كما سبق وعنه تقدم بينة العتق.
ولو كان العبد بيد أحد المتداعين أو بيد نفسه فالحكم كذلك إلغاء لهذه اليد للعلم بمستندها نص عليه واختاره أبو بكر وعنه أنها يد معتبرة فلا تعارض بل الحكم على الخلاف في الداخل والخارج.
وإدا ادعى رجل نصف دار وآخر كلها وهي بأيديهما وأقاما بينتين فهي لمدعى الكل إن قدمنا بينة الخارج وإلا فهي بينهما وإن كانت بيد ثالث فقد ثبت أحد نصفيها لمدعى الكل وأما الآخر فهل يقتسمانه أو يقترعان عليه أو يكون للثالث مع يمينه على روايات التعارض.
ومن مات وله ابنان مسلم وكافر فادعى كل واحد منهما أنه مات على دينه فالقول قول من يدعى أصل دينه إن عرف رواية واحدة وإن لم يعرف فالميراث للكافر إن اعترف بأخوته١ المسلم وإن لم يعترف فهو بينهما وعنه هو بينهما في الحالين رواهما ابن منصور وقيل يقترعان عليه.
стр. 818
ولو شهدت بينة أنه مات ناطقا بكلمة الإسلام وبينة أنه مات ناطقا بكلمة الكفر تعارضتا سواء عرف أصل دينه أو لم يعرف فتسقطان أو تستعملان بقسمة أو قرعة كما تقرر.
وإن قالت بينة مات مسلما وبينة مات كافرا أو قالت بينة تعرفه مسلما وبينة تعرفه كافرا ولم يؤرخا معرفتهم فعن أحمد ما يدل على تقديم
стр. 819
بينة الإسلام بكل حال واختاره الخرقي في الصورة الثانية وأما في الأولى فاختار التعارض ولم يفرق بين من عرف أصل دينه ومن لم يعرف وسوى القاضي وجماعة بين الصورتين وقالوا فيهما إن عرف أصل دينه قدمت البينة الناقلة عنه وإن لم يعرف تعارضتا.
ولو كان بدلا من الابن المسلم أخ وزوجة مسلمان أو بدلا من الابن الكافر أبوان كافران لكانا بمنزلته مع الآخر في جميع ما ذكرنا لكن حيث ينصف المال بينهما هناك نجعلها هنا نصفه في مسألة الأبوين بينهما على ثلاثة ونصفه في مسألة المرأة والأخ بينهما على أربعة وحكي عن أبي بكر في مسألة المرأة والأخ أن لها الربع وحكي عن غيره الثمن والباقي للابن والأخ نصفين وكلاهما بعيد لأن ما يأخذه الابن ظلم في نظر المرأة والأخ فالسالم لهما يكون ضرورة أرباعا.
стр. 820
وإذا مات وله ابنان مسلم وكافر فأسلم وقال أسلمت قبل موت أبي أو قبل قسمة تركته على رواية توريثه بذلك وقال أخوه بل بعد ذلك فلا إرث له عملا بقول أخيه وإن قال أسلمت في المحرم ومات أبي في صفر وقال أخوه بل مات قبل المحرم فالإرث بينهما.
ومن ادعى على رجل أنه عبده فقال بل أنا حر وأتى كل واحد منهما ببينه تعارضتا وقيل تقدم بينة الحرية وقيل بينة الرق.
ومن قال لعبده إن قتلت فأنت حر ثم مات وادعى العبد أنه قتل لم يقبل إلا ببينة فإن أقام به بينة وأقام الورثة بينة بموته حتف أنفه قدمت بينة العبد وقيل يتعارضان فيقضى بالتساقط أو القرعة أو القسمة.
وإن قال إن مت في المحرم فسالم حر وإن مت في صفر فغانم حر ثم بعد
стр. 821
مدة بان موته ولم يعلم هل مات فيهما أو في غيرهما فهما على الرق ويحتمل فيما إذا ادعى الورثة موته قبل المحرم أن يعتق من شرطه الموت في صفر لأن أصل بقاء الحياة معه.
وإن قال إن مت من مرضي هذا فسالم حر وإن برئت منه فغانم حر ثم مات لم يعلم مم مات فهما على الرق لاحتمال موته في المرض بحادث وقيل يعتق أحدهما بالقرعة إذ الأصل عدم الحادث ويحتمل أن يعتق من شرطه المرض لأن الأصل دوامه وعدم البرء ولو علمنا أنه مات في أحد الشهرين أو قال في مرضى بدلا من قوله من مرضى فقد عتق أحدهما يقينا فيعين بالقرعة.
ويحتمل أن يعتق من شرطه صفر والمرض لأن الأصل بقاء الحياة والمرض فإن أقام كل واحد بينة بموجب عتقه تعارضتا وكان كمن لا بينة له في رواية أو يقرع بينهما في أخرى وقيل تقدم بينة المحرم والبرء بكل حال.
стр. 822
وإن شهدت على ميت بينة لا ترثه بعتق سالم في مرضه وقيمته ثلث ماله وبينة وارثة بعتق غانم وقيمته كذلك ولم تجز إلا الثلث فالحكم كما لو كانتا أجنبيتين يعتق أسبقهما عتقا على الأصح كما تقرر في الوصايا فإن كانت ذات السبق الأجنبية فكذبتها الوارثة أو ذات السبق الوارثة وهي فاسقة عتق العبدان وإن جهل أسبقهما أو شهدت بينة كل عبد بالوصية بعتقه وعلم تاريخ الوصية أو جهل أعتقنا أحدهما بالقرعة وقيل يعتق من كل عبد نصفه وهو بعيد على المذهب فإن كذبت الوارثة الأجنبية لغا تكذيبها دون شهادتها فعتق غانم ووقف عتق سالم على القرعة وعلى الوجه البعيد يعتق نصفه بلا قرعة وإن لم تكذب بل كانت فاسقة فالحكم بالعكس يعتق سالم ونصف عتق على القرعة أو يعتق نصفه على الوجه البعيد وإن جمعت الوارثة الفسق والتكذيب أو الفسق والشهادة بالرجوع عن عتق سالم عتق العبدان ولو شهدت
стр. 823
الوارثة بالرجوع وليست فاسقة ولا مكذبة قبلت شهادتها وعتق غانم وحده كما لو كانت أجنبية ولو كانت قيمة غانم سدس المال لم تقبل شهادتها وعتق العبدان.
وقال أبو بكر تقبل بالعتق دون الرجوع فيعتق نصف سالم ويقرع بين باقيه والآخر فمن أصابته القرعة عتق والورثة العادلة فيما تقوله جبرا لا شهادة كالفاسقة في جميع ما ذكرنا بالتدبير مع التنجيز كآخر التنجيزين مع أولهما في كل ما قدمنا.
ومن شهد على رجلين أنهما قتلا فلانا فشهداهما على الشاهدين بقتله فإن صدق الولي الأولين ثبت له القتل بشهادتهما وإن صدق الآخرين أو الكل لم يثبت القتل بحال.
ومن شهدت عليه بينة أنه أتلف ثوبا قيمته عشرون وبينة بإتلافه وأن
стр. 824
قيمته ثلاثون ثبت عليه أقل القيمتين وعنه تسقطان لتعارضهما ولو كان بكل قيمة شاهد ثبت الأقل بهما على الأولى دون الثانية.
وإذا شهدا بنكاح متحد باتفاقهما أو بفعل متحد باتفاقهما كغصب وسرقة أو في نفسه كقتل نفس وإحراق ثوب واختلفا في زمنه أو مكانه أو صفة تتعلق به مثل اختلافهما في آلة القتل ولون المحرق والمسروق والمغصوب جمعت شهادتهما عند أبي بكر حتى بوجوب القطع والقود وعند أكثر أصحابنا لا تجمع للتنافي.
ولو كان مما يتعدد ولم يشهدا باتحاده والشهادة بأمرين لا تنافي بينهما لكن بكل أمر شاهد فيعمل بمقتضى ذلك ولو كان مكان كل شاهد بينة تامة ثبت الأمران ههنا وتعارضت البينتان في التي قبلها إذا لم نقل بالجمع.
стр. 825
وإذا شهد شاهد بالفعل وآخر على الإقرار به جمعت شهادتهما نص عليه واختاره أبو بكر وقال أكثر الأصحاب لا تجمع.
وإن شهد أحدهما بعقد النكاح أو قتل الخطأ والآخر على الإقرار به لم يجمع قولا واحدا ويحلف مدعى القتل مع شاهد الفعل ويستحق الدية على العاقلة أو مع شاهد الإقرار ويستحق الدية على القاتل.
ولو شهد شاهدان على رجل أنه أخذ من صبي ألفا وشاهدان على رجل آخر أنه أخذ من الصبي ألفا لزم الولي أن يطالبهما بألفين إلا أن تشهد البينتان على ألف بعينها فيطلب ألفا من أيهما شاء.
وإذا شهد شاهد على رجل أنه باع زيدا كذا أمس وآخر أنه باعه إياه اليوم أو شهد أحدهما أنه باع كذا أو أعتق أو طلق والآخر أنه أقر بذلك واختلفا وقتا أو مكانا كملت البينة به.
стр. 826
وكذلك كل شهادة على القول سوى النكاح فإن حكمه كما سبق وسوى القذف عند أكثر أصحابنا فإنهم ألحقوه بالأفعال وطرد أبو بكر فيه حكم الأقوال ولو كانت الشهادة على الإقرار بشيء جمعت إن كان نكاحا أو قذفا أو فعلا.
وإذا شهد شاهد بألف وآخر بألف من قرض جمعت شهادتهما وإن شهد أحدهما بألف من قرض والآخر بألف من ثمن مبيع لم تجمع وقيل إن شهدا على إقراره جمعت وإلا فلا وإن شهد أحدهما بألف والآخر بخمسمائة أو بألفين ثبت الأقل بشهادتهما سواء عزوا أو أحدهما الشهادة إلى الإقرار أو لم يعزوا ويحلف المدعي إن شاء لتمام الأكثر مع شاهده نص عليه.
стр. 827
وإذا شهدا أن عليه ألفا ثم قال أحدهما قضاه منهما خمسمائة بطلت شهادته نص عليه ونص فيما إذا شهد أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما قضاه خمسمائة فشهادتهما صحيحة بالألف ويحتاج قضاء الخمسمائة إلى شاهد أو يمين ويتخرج مثله في التي قبلها ويتخرج فيهما أن لا يثبت بشهادتهما سوى خمسمائة.
وإذا جمعنا بين الشهادتين المختلفتي الوقت في قتل أو طلاق فالعدة والتوريث عقيب آخر المدتين.
وإذا قال من له بينة بألف أريد أن تشهد لي بخمسمائة لم يجز ذلك إذا كان الحاكم لم يتول الحكم بأكثر منها واختاره أبو الخطاب.
стр. 828
كتاب الشهادات
مدخل
...
كتاب الشهادات
تحمل الشهادة في المال وكل حق لآدمي فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه وإن كان عبدا لم يجز لسيده منعه.
وأداؤها فرض عين على من يحملها متى دعى إليه وقدر عليه بلا ضرر نص عليه وقيل هو فرض كفاية أيضا.
ولا يجوز أحد الجعل على تحملها ولا على أدائها وقيل يجوز إذا لم تتعين وقيل يجوز فيه بشرط الحاجة.
ويجوز لمن عنده شهادة بحد الله تعالى إقامتها وتركها وللحاكم أن يعرض له بالتوقف عنها وقيل لا يجوز.
стр. 829
ومن عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يقمها حتى يسأله وإن لم يعلمها فالأولى أن يعلمه بها ابتداء فإن أقامها قبل إعلامه جاز ولا يحل كتمانها بالكلية ويستحب الإشهاد على البيع وكل عقد سوى النكاح والرجعة ففي وجوبه فيهما خلاف سبق.
ولا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يعلمه برؤية أو سماع فالرؤية تخص الأفعال كالقتل والغصب والسرقة والرضاع والولادة ونحو ذلك.
والسماع ضربان سماع من المشهود عليه كالطلاق والعتاق والإبراء والعقود وحكم الحاكم والأقارير وغيرها فيلزمه أن يشهد به على من سمعه وإن لم يشهده لاختفائه أو مع العلم به وعنه في سماع الحكم والأقارير لا يجوز حتى يشهده على نفسه وعنه يجبر في ذلك وعنه إن أقر بحق في الحال كقوله له على كذا شهد به وإن أقر بسابقه فقط كقوله أقرضني فكان له على أو كان له علي
стр. 830
وقضيته إذا جعلناها إقرارا ونحوه لم يشهد به حتى يشهده به وهذا أصح.
وعلى الأولى إذا قال المتحاسبان لا يشهدوا علينا بما يجري بيننا لم يمنع ذلك الشهادة ولزم إقامتها وعنه يمنع وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا بدونها كالموت والنسب والملك المطلق والنكاح والوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل وكذلك الخلع والطلاق نص عليه.
ولا يشهد بالاستفاضة إلا عن عدد يقع العلم بخبرهم في ظاهر كلام أحمد والخرقي وقال القاضي يكفي عدلان فصاعدا والأصح أنه متى وثق بمن أخبره وسكنت نفسه إليه فليشهد وإلا فلا.
ومن رأى شيئا في يد إنسان مدة طويلة يتصرف فيه تصرف الملاك من نقض وبناء وإجارة وإعارة جاز أن يشهد له بالملك وقيلا لا يشهد إلا باليد والتصرف.
وإذا شهدا على رجل أنه طلق من نسائه أو أعتق من إمائه أو أبطل من وصاياه واحدة بعينها وقالا أنسينا عينها لم تقبل هذه الشهادة وقيل تقبل.
ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه.
стр. 831
ومن شهد برضاع أو سرقة أو زنا أو شرب أو قذف أو قتل فإنه يصفه ويذكر ما يعتبر للحكم ويختلف به وهل يعتبر في وصف الزنا ذكر الزمان والمكان والمزنى بها على وجهين.
وإذا قال من شهد بقتل جرحه فقتله أو مات من ذلك أو لم يزل ضمنا حتى مات ونحوه صح وإن قال جرحه فمات لم يحكم به.
ومن شهد لرجل أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضه أو الدقيق من حنطته حكم له بذلك.
وإذا شهد لمن ادعي إرث ميت شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثا سواه حكم له بتركته إن كانا من أهل الخبرة الباطنة وإلا ففي الاستكشاف معها وجهان ولا يجب أخذ كفيل في ذلك بحال.
وإن قالا لا نعلم له وارثا غيره في هذا البلد فكذلك وقيل إن كان قد سافر عنه يوقف الحاكم حتى يكشف خبره في بلاد سفره.
стр. 832
باب شروط من تقبل شهادته
وهي في ظاهر المذهب ستة العقل والحفظ والعدالة والإسلام إلا حيث نذكره والبلوغ والنطق.
فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه ولا مغفل ولا من يعرف بكثرة الغلط والسهو وتقبل ممن يخنق أحيانا في حال إفاقته ولا تقبل شهادة غير العدل.
ويعتبر للعدالة شيئان الصلاح في الدين والمروءة فالصلاح في الدين أداء
стр. 833
الفرائض وسننها الراتبة وتجنب المحارم بأن لا يأتى كبيرة ولا يدمن على صغيره وفي رد الشهادة بالكذبة الواحدة روايتان وقيل العدل من لم تظهر منه ريبة.
ولا تقبل شهادة من فسقه لبدعة كمن يعتقد مذهب الرافضة أو الجهمية أو المعتزلة تقليدا ويتخرج أن تقبل إذا لم يتدين بالشهادة لموافقة على مخالفة.
ولا تقبل شهادة القاذف حتى يتوب سواء حد أو لم يحد.
стр. 834
_________
وقال القاضي إذا عجز عن تصديق نفسه بإقامة البينة صار فاسقا وسقطت شهادته.
وقولهم يجوز أن يكون صادقا في قذفه غير صحيح لأنه إذا عجز عن إقامة البينة حكمنا بكذبه ألا ترى أنه يوجب الحد عليه ولا يجوز أن نوجب الحد عليه ولم نحكم بكذبه.
قال الشيخ تقي الدين عن كلام القاضي هذا وهذا الكلام يقتضي أنه يفسق حين يجب عليه الحد وذلك يستدعي مطالبة المقذوف وقالت الحنفية الحاكم لو شاهد رجلا يزني أو يسرق يحكم بفسقه ولم يقبل شهادته ولو رآه يقذف لم يحكم بفسقه لجواز كونه صادقا قال القاضي إذا عجز عن إقامة البينة حكم بفسقه.
وقال أبو الخطاب في الانتصار ولا فرق بينهما ولأنه لم يذكر شهادته بصورة الزنا والسرقة لجواز الشبهة فإن انكشف له الحال بأنه زنى بانتفاء الشبهة رد حينئذ كالقذف سواء إذا عجز عن إقامة البينة على صدقه وشهادته وحكم بفسقه وحده ولا فرق بينهما.
وقال القاضي بعد ذلك لا يحكم بكذبه بنفس القذف وإنما يحكم بالقذف والعجز عن تصديقه بالبينة وذلك متأخر عن حال القذف بدليل قوله تعالى: [١٣:٢٤] ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فحكم بكذبهم بالعجز عن الإيتاء بالشهادة١.
ثم قال فإن قيل فيجب أن تقبل شهادته قبل عجزه عن إقامة البينة لأنه لم يحكم بكذبه قيل إنما لم تقبل شهادته قبل ذلك لأن القذف سبب في القدح في العدالة فأكسب ذلك شبهة في قبولها كطعن الخصم في الشهود.
стр. 835
_________
قال الشيخ تقي الدين هذا يدل على أنه يتوقف عن القبول١ بعد القذف وقبل العجز ثم قال واحتج بأنه يجوز أن يأتي بالبينة قبل وقوع٢ الحد عليه فلا يتبين عجزه عن إقامة البينة قبل وقوع الحد عليه فيجب أن تقبل شهادته.
والجواب أن هذا التجويز لم يمنع من إقامة الحد عليه كذلك لا يمنع من رد الشهادة لأن الحد لا يجوز استيفاؤه إلا بعد ثبوت سببه كسائر الحدود فلما جاز استيفاؤه في هذا الحال وجب الحكم بفسقه ورد شهادته.
قال الشيخ تقي الدين فقد تحرر أن القاذف له ثلاثة أحوال أحدها أن لا تطلب منه البينة الثاني أن تطلب منه فيعجز الثالث أن تطلب منه فيذهب ليأتي بها وهنا يتوجه أن ينظر ثلاثة أيام فمن عجز فهو فاسق ومتى ذهب ليأتي بها فهو بمنزلة المطعون فيه وإن لم يطالب بالحد ولا بالبينة فهنا على مقتضى كلام القاضي لم تزل عدالته وهو ظاهر القرآن ويحتمل كلامه الثاني أن يكون مطعونا فيه وعلى عموم كلامهم في أن القذف يوجب الفسق لا تقبل شهادته انتهى كلامه.
وكلام أبي الخطاب المذكور يقتضى أن الحكم بالفسق ورد الشهادة والحد يتعلق بالعجز عن إقامة البينة وأن ما كان ثابتا من قبول الشهادة وغيره يستصحب إلى حين العجز ولم أجده ذكر في بحث المسألة ما ينافيه بخلاف القاضي فصار فيما إذا طلبت منه البينة فذهب ليأتي بها أو لم تطلب منه ثلاثة أقوال الثالث تقبل إذا لم يطالب بها وفي المسألة أيضا قول غريب.
قال القاضي في العدة فأما أبو بكرة ومن جلد معه فلا يرد خبرهم لأنهم جاءوا مجيء الشهادة وليس بصريح في القذف وقد اختلفوا في وجوب الحد فيما
стр. 836
يسوغ في الاجتهاد ولا ترد الشهادة بما يسوغ فيه الاجتهاد ولأن نقصان العدد من معنى وجهة غيره فلا يكون سببا في رد شهادته انتهى كلامه.
ويوجه بأنه أحد نوعي القذف فاستوت فيه الشهادة والرواية في القبول كالنوع الآخر فإن القاذف في الشتم لا تقبل شهادته ولا روايته حتى يتوب وحكي هذا عن الشافعي.
قال الشيخ تقي الدين عقيب كلام القاضي المذكور مضمون هذا الكلام أنه يقبل خبره وشهادته وهو خلاف المشهور والمحفوظ عن عمر في قوله لأبي بكرة "تب أقبل شهادتك" ولكن الناس قبلوا رواية أبي بكرة فيجوز أن ترد شهادته كما لو جلد ويقبل خبره كالمتأول في شرب النبيذ ونحو ذلك ولأن الخبر لا يرد بالتهمة التي ترد بها الشهادة من قرابة أو صداقة أو عداوة أو نحو ذلك أو لاشتراك المخبر والمخبر فيه بخلاف الشهادة انتهى.
فصل
وقوله: "حتى يتوب".
يعني إذا تاب قبلت شهادته جلد أو لم يجلد وقال أيضا في رواية عبد الله حدثنا عبد الصمد حدثنا سليمان يعني ابن كثير حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب "أن عمر حين ضرب أبا بكرة ونافعا وشبلا١ استتابهم وقال من تاب منكم قبلت شهادته".
стр. 837
_________
وقال في رواية ابن منصور في المحدودين إذا تابوا جازت شهادتهم.
وقال حرب قال الإمام أحمد في القاذف إذا تاب قبلت شهادته.
وكذا نقل عنه جماعة منهم صالح وزاد أذهب إلى قول عمر بن الخطاب وقال له بكر بن محمد تعتمد على حديث عمر في قوله لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك قال نعم وقول الله تعالى: [٥:٢٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ .
وقال في رواية حنبل إذا تاب ورجع جازت شهادته على فعل عمر وإلا لم تقبل كذا قال الله تعالى: [٤:٢٤] ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فإذا تاب قبلت شهادته.
وقال في رواية حرب شهادة القاذف إذا تاب قبلت شهادته حد أو لم يحد وكذلك كل محدود تقبل شهادته إذا كان عدلا قيل للإمام أحمد جلد أو لم يجلد قال نعم فذهب إلى قول عمر بن الخطاب ﵁.
وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا تقبل وتقبل في رؤية الهلال على ما ذكره القاضي عنه.
وتقبل شهادة الذمي إذا حد بالقذف ثم أسلم واعتذر عن رؤية الهلال بأنه خبر وليس بشهادة فقال القاضي لو لم تكن شهادة لم يعتبر فيها العدد وقد قال أبو حنيفة إذا لم تكن في السماء علة اعتبر فيه عدد كثير وكذلك يعتبر فيها مجلس الحكم.
قال الشيخ تقي الدين وهذا من القاضي يقتضي أن شهادة الواحد عند غير الحاكم لا تؤثر وقد ذكرت اعتبار اللفظ في موضعه انتهى كلامه.
واعتذر الحنفي عن الذمي بأنه اجتلب بإسلامه عدالة لم يبطلها حد القذف بخلاف المسلم فإنه أبطل عدالته بحده في القذف فلم يستفد بتوبته عدالة لم تكن فلهذا لم تقبل شهادته فقال أبو الخطاب لا فرق بينهما فإن الذمي كان عدلا
стр. 838
وتوبته إكذابه نفسه.
стр. 839
_________
ليس بالتوبة خفاء وقال أبو طالب سمعت أحمد قال وتوبة القاذف أن يقوم فيكذب نفسه ويقول إني تائب مما قلت.
وقال أيضا في رواية أبي طالب وقد سأله عن توبة القاذف قال توبته إذا رجع فقال قد رجعت وتاب وأعلن مثل قول عمر لأبي بكرة "إن تبت قبلت شهادتك".
وقال مهنا قال أحمد تجوز شهادة المحدود في القذف إذا عرفت توبته يقول إني قد رجعت عما كنت قلت في فلان لا بد من هذا.
وقال له مهنا في موضع آخر لا بد من أن يتكلم به قال لا بد أن يتكلم به وإلا من أين تعلم بتوبته فقد روى عن ابن المسيب عن عمر مرفوعا توبته إكذاب نفسه ولأن إكذاب نفسه يزيل تلوث عرض المقذوف الحاصل بقذفه فتكون التوبة به وبه قال مالك وهو منصوص الشافعي.
وقيل إن علم صدق نفسه فتوبته أن يقول قد ندمت على ما قلت ولا أعود إلى مثله وأنا تائب إلى الله تعالى منه لأن المقصود يحصل بذلك ولأن الندم توبة وإنما اعتبر القول ليعلم تحقق الندم.
وتتمة هذا القول وإن لم يعلم صدق نفسه فتوبته إكذاب نفسه سواء كان القذف بشهادة أو سب لأن قد يكون كاذبا في الشهادة صادقا في السب وهذا معنى ما اختاره في المغني وقطع به في الكافي وقيل إن كان سبا فالتوبة إكذاب نفسه وإن كان شهادة فبأن يقول القذف حرام باطل ولست أعود إلى ما قلت قال القاضي وهو المذهب لأنه قد يكون صادقا فلا يؤمر بالذنب١ وقطع به في المستوعب إلا أنه قال يقول ندمت على ما
стр. 840
_________
كان مني ولا أعود إلى ما أتهم فيه ولا يقول ولا أعود إلى مثل ما كان مني لأن في ذلك أن لا يشهد.
وقال الشيخ تقي الدين ويتوجه أن يحمل قوله إذا أكذب نفسه على الشهادة بالقذف كقضية أبي بكرة.
فرع
وتقبل شهادة القاذف بمجرد التوبة في ظاهر كلام الإمام أحمد وقطع به في المستوعب وغيره وقدمه في الكافي وهو المشهور وقطع به ابن هبيرة عن الإمام أحمد ويحتمل أن يعتبر مضي مدة يعلم توبته فيها.
وذكر في الرعاية أنه إن كان شهادة قبل بمجرد التوبة وإن كان شتما وقذفا فيعد إصلاح العمل سنة وذكر ابن هبيرة عن مالك أنه يعتبر ظهور أفعال الخير من غير حد وعن الشافعي أنه قدره بسنة.
وقال القاضي في بحث المسألة على أن في الآية ما يمنع رجوعه إلى مايليه وهو زوال تتمة الفسق من وجوه.
أحدها أنه لو عاد إلى زوال تتمة الفسق لم يشترط فيه صلاح العمل ولكان يقتصر على قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لأن الفسق يرتفع بمجرد التوبة وإنما قبول الشهادة يشترط فيه صلاح العمل فثبت أن الاستثناء عاد إليه١.
واحتجوا للمسألة بما رواه ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في قوله تعالى: [٥،٤:٢٤] ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: "إذا قال بعد ضربه أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات حين يفرغ من ضربه ولم يعلم منه بعد إلا خيرا قبلت شهادته".
стр. 841
_________
ثم إن القاضي ذكر بعد ذلك المسألة بخلاف ذلك وقال إن شهادته تقبل بمجرد التوبة لأنا قد حكمنا بصحة التوبة في الباطن فلم نعتبر في قبول الشهادة إصلاح العمل كالتوبة عن الردة.
وقال الشيخ تقي الدين عند قوله إن القاذف تقبل شهادته إذا تاب معناه التوبة الصحيحة التي يعلم صحتها وذلك لا يكون إلا بعد سنة وصلاح العمل المذكور في القرآن إنما هو لتصحيح التوبة وسقوط العقوبة لا يستلزم قبول الشهادة فإن العقوبة تسقط بالشهادات وبالدخول في أوائل الخير وعلى هذا فلا فرق بين التوبة من الردة وغيرها وقوله -يعني القاضي- "قد حكمت بصحة التوبة في الباطن" فيه نظر ونصوص أحمد تخالف ذلك فإنه إن أراد أنه هو الذي حكم بذلك فقد يصدق وأما نحن فلم نحكم بصحتها في الباطن.
قال القاضي ولأن القذف على ضربين قذف بلفظ الشتم كقوله زنيت وأنت زان وقذف بلفظ الشهادة المردودة ثم إذا كان بلفظ الشهادة المردودة قبلت شهادته بمجرد التوبة كما دل عليه حديث عمر فكذلك إذا كان بلفظ الشتم قال ولأنه يقبل خبره بمجرد التوبة ولا يعتبر فيه صلاح العمل كذلك في باب الشهادة واستشهد بآية الفرقان والبقرة وفي كلاهما نظر قاله الشيخ تقي الدين.
قال القاضي ولأن التوبة الباطنة بحكم بصحتها في الحال وهو إذا وجد التركي والندم والعزم على الخروج من المظلمة أو يكون فيما بينه وبين الله تائبا ولا يشترط فيها صلاح العمل كذلك التوبة الحكمية بعلة أنها إحدى التوبتين.
فقد ظهر من ذلك أن لنا في قبول شهادة القاذف بمجرد التوبة خمسة أقوال.
والمعروف في المذهب أن التوبة من الردة ليست كغيرها كما أن المعروف الحكم بصحة التوبة في الباطن.
стр. 842
وإذا تاب الفاسق قبلت شهادته بمجرد توبته وعنه يعتبر معها في غير القاذف إصلاح العمل سنة.
стр. 843
_________
يأتي عليه سنة كما أمر عمر بن الخطاب أن لا نكلم صبيغ إلا بعد سنة وقال من علامة توبته في هذه السنة أن ينظر إليه فان كان يوالي من عاداه على بدعته ويعادي من والاه فهذه توبة صحيحة واختار القاضي في موضع أن التائب من البدعة كغيره في أنه لا يعتبر إصلاح العمل وقال عن هذا النص محمول على طريق الاختيار الإحتياط وقال وقد قال الإمام أحمد في رواية يعقوب في رجل من الشكاك أظهر التوبة فقال يتوب فيما بينه وبين الله وبجانب أهل مقالته حتى يعرف الناس أنه تائب قال وظاهر هذا أنه لم يجعل مجانبته شرطا في صحة توبته وإنما جعلها ليكون ذلك دلالة على توبته عند من عرف ذلك منه ولم يشترط معنى زائدا على ذلك وهذا اختياره في المغني قال والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ فتعتبر له مدة تظهر أن توبته عن إخلاص لا عن إكراه.
وقال الشيخ تقي الدين من تأمل كلام أحمد وجده إنما يعتبر في جميع المواضع التوبة لكن نحن لا نعلم صدقه في توبته بمجرد قوله قد تبت فلا بد من انكفافه عن ذلك الذنب وعلاماته سنة ليكون هذا دليلا لنا على صدق توبته فيما بينه وبين الله وبجانب أهل مقالته حتى يعرف الناس أنه تائب فجعل التوبة فيما بينه وبين الله صحيحه في الحال وأما عند الناس فيترك مواضع الذنب وهو مجانبة أصحاب الذنب وقول القاضي إنما أمر بذلك ليكون دليلا على توبته عند من عرف ذلك منه ضعيف لأن المجانبة لأهل المقالة المبتدعة واجبة وإنما أمر به لأن ملازمته دليل على القيام بموجب التوبة ولأنه قال حتى يعرف الناس منه ذلك وهذا يقتضي معرفة من عرف أنه قد تاب ومن لم يعرف أنه تاب ألا ترى أن المسألة أنه أظهر التوبة فحقيقة
стр. 844
ومن أتى شيئا من الفروع المختلف فيها كمن تزوج بلا ولي أو شرب من النبيذ مالا يسكره أو أخر زكاة أو حجا مع إمكانهما ونحوه متأولا لم ترد شهادته.
стр. 845
_________
فيخرج روايتان ويشهد لذلك ما قاله في رواية أبي الحارث في إمام يبيع كرمه ممن يتخذه خمرا لا يصلون خلفه.
وقال في رواية عبد الله وإبراهيم من استطاع الحج ولم يحج لا تجوز شهادته انتهى كلام القاضي وكذا نقل أبو الحارث.
قال القاضي في موضع آخر وهذا مبالغة في الفور لأنه قد أسقط عدالته في الموضع الذي يسوغ فيه الاجتهاد وقال أيضا وظاهر هذا أنه لم يسوغ الاجتهاد في تأخيره أي تأخير الحج.
وذكره في المغني قولا واحتج له في المغني يقول عمر "ما هم بمسلمين".
وقال ابن أبي موسى الأظهر من قول الإمام أحمد أنه لا تقبل شهادة من شرب النبيذ متأولا ولم يسكر قال في الرعاية لفسقه إذا وهذا قول مالك واختاره الشيخ تقي الدين وقال ترد شهادته لاستحقاقه الهجر والعقوبة كالمبتدع والعلة أنه موجب للحد وهذا لا يتعداه.
وقال الإمام أحمد في رواية العباس بن محمد في شارب النبيذ أنا أجيز شهادته ولا أصلي خلفه إن وجدته في الجامع.
ولعل "لا" زائدة.
ونقل غير واحد عن الإمام أحمد فيمن ترك الوتر متعمدا ساقط العدالة.
وقال في رواية سندي قيل له فترى أن يكتب عمن يبيع هذه العينة قال لا يعجبني أن يكتب عن معين وفي اللاعب بالشطرنج خلاف سيأتي.
وقال الشيخ تقي الدين في المصرين على ترك الجماعة ترد شهادتهم بل يقاتلون في أحد القولين وهذا عند من لا يقول بوجوبها فأما من قال بوجوبها فإنه يقاتل تاركها ويفسق المصرين على تركها إذا قامت عليهم الحجة التي تبيح القتال والتفسيق كما يقاتل أهل البغي بعد إزالة الشبهة ورفع المظلمة.
قوله في المحرر "متأولا".