المجلد الأول
ترجمة موجزة
...
ترجمة موجزة بقلم عبد الأول بن حماد الأنصاري عفا الله عنه
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى وعلى آله وصحبه أهل الوفى.
أما بعد:
فاعلم أيها القارئ الكريم: أن الوالد الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي السعدي ـ نسبة إلى سعد بن عبادة الأنصاري الصحابي الجليل ﵁ خرج من أفريقيا ـ وبالأخص دولة (مالي) ـ بسبب الاستعمار المهيمن على أفريقيا في ذلك الوقت؛ وكان هذا الاستعمار الفرنسي بطّاشا خبيثا معانِدًا، يأكل الأخضرَ واليابس ويمنع التديّن والعلم، ويهضم أهلَ الإسلام حقَّهم وغير ذلك من المعضلات والمفاسد.
فلما رأى الوالد ـ رحمه الله تعالى ذلك ـ وكان عمرُه عندها ستة عشر عامًا ـ عزم على الهجرة من أفريقيا إلى الحرمين، وقام بالتخطيط لهذه الهجرة مع بعض أصحابه الملاصقين به ملاصقةً قوية في طلب العلم والمرح والنزهة وغير ذلك؛ وهم: الشيخ عمّار "حفظه الله" الموجود بمكة والآن، والشيخ أُحيد الموجود ببلاد (مالي) في صحرائها التي تختلف عن صحارى الجزيرة؛ فصحراء أفريقيا يوجد فيها العلماء في كل فنّ ـ وبالذّات اللغة العربية وفروعها والشعر العربي الفصيح مما يشابه شعر امرئ القيس وعنترة والبحتري من شعراء الجاهلية وشعراء ما بعد الإسلام؛ فلا تكاد تخلو صحراء أفريقيا من قول الشعر، وينظم لهم شيوخهم ما يتعلّمونه من العلم الشرعي وعلوم الآلة وأصول الفقه والبلاغة بأنواعها من بيانٍ ومعاني وبديع.
فقام الوالد بالإشارة عليهم بالهجرة إلى الحرمين الشريفين لأكثر من سببٍ، من ذلك: طلب العلم على شيوخ الحرمين، والهجرة من الاستعمار الباغي، وغير ذلك.
وقد طرأت على الوالد هذه الفكرة في زهرة شبابِه وفي سنٍّ لا يكاد يُذْكَرُ
стр. 2
صاحبه في هذا الزمن إلا بلعبٍ وعبث.
وقد كان الوالد "رحمه الله تعالى" من بيت علمٍ وفضل وقضاء؛ فمنذ نعومة أظفاره وأهله مهتمّون به، ويعلِّمونه؛ فقد كان عمُّه الملقّب بالبحر عالمَ أفريقيا قاطبةً ومفتيها؛ ولقّب بالبحر لسعة علمِه ودقّة فهمه وندور مثله في صحراء أفريقيا وحاضرتها.
قام عمُّ الوالد هذا بإنشاء الوالد على حفظ القرآن مبكرًا وحفظ علوم الآلة، وكذلك الحديث، والفقه المالكي "مختصر خليل".
وقد يتساءل القارئ: أين والدُ الشيخ؟.
فأقول له: إنّ أباه مات عنه وهو ابنُ ثمان سنوات؛ فقد كان يتيمًا عاش في كنف عمِّه وأخواله ووالدته؛ فقد كان مَن حوله من أقربائه من جهة أبيه وأمه فيهم طلبة العلم والعالم والمفتي والقاضي.
فنشأ في هذه البيئة العلميّة المحضة في جوٍّ ليس فيه من أمور الحضارة الموجودة اليوم شيء لا كهرباء ولا سيّارات ولا طائرات.
عاش في بيئة من أجمل ما تكون فيها الخضرة، والغابات، والماء الصافي، والنسيم الجميل، والهواء النقي؛ فقد سمعتُه أكثرَ من مرّة يقول: "إن الوقت الذي كنت فيه في إفريقيا لا يتمنّى أحدٌ أن يخرج منها لما فيها من الخيرات التي لا تحصى من مأكل ومشرب ونزهة وغير ذلك".
حفظ الوالد "رحمه الله تعالى" القرآنَ وعمرُه ثماني سنوات، ثم أخذ في علم القراءات فعرفها، وأتقن حفظَ القرآن عليها.
وقد كان الناس في وقته يحفظون القرآن على اللوح: يكتب لهم شيخ الكتاتيب الآية والثلاثة فيذهب الطالب يحفظها ثم يُسَمِّعُها للمعلم، ثم يمحوها
стр. 3
ويكتب له المعلم غيرها، وهكذا حتى يحفظ القرآنَ كاملاً.
وبعد حفظه يذهب إلى حلقات العلم الأخرى فيحفظ من علوم اللغة وغير ذلك.
فلم يبلغ الوالد سنّ الرشد حتى أصبح يحفظ شيئًا كثيرًا من المنظومات؛ فقد كان يحفظ "الملحة" للحريري، و "الشافية" لابن مالك، و "الألفية" له؛ ويحفظ أكثرَ من منظومة في الصرف.
ويحفظ "الألفية" في أصول الفقه للسيوطي، وكذلك "جمع الجوامع" في الأصول ـ المتن ـ للسبكي، ويحفظ "المعلّقات السبع"، وقصائد الجاهليين، و "مقصورة ابن دُريد"، ويحفظ منظومة في حروف الجُمَّل؛ وهذه المنظومة لقّنها كثيرًا من طلبة العلم في هذه البلاد وشرحها لهم وكتبوها عنه.
كما يحفظ منظومةً طويلة في التنجيم، كان يذكرُ لنا من ناظمها عندما يذكرها (نسيت ما اسمه) .
ويحفظ "مختصر خليل" مثل الفاتحة.
كما كان يقول لنا: أن له "ديوان شعر" تركَه في أفريقيا لم يحضره معه لَمّا هاجر إلى هذه البلاد المباركة؛ لأنّه خرج من أفريقيا متسلّلاً لا يحمل معه سوى مصحف خوفًا من الاستعمار الفرنسي والبريطاني؛ فقد كان المستعمر لا يسمح لأحدٍ من أهل أفريقيا أن يخرج منها إلى الحرمين كما كان يذكر لنا "رحمه الله تعالى" أنه عندما جَهّزَ نفسَه للرحيل هو وزميلاه الاثنان خرج ليلاً ممتطيًا كلّ واحد منهم جملَه، فخرجوا؛ ومكثوا في رحلتهم هذه سنتين حتى وصلوا إلى ميناء جدة.
مرّوا فيها بكثيرٍ من البلاد مثل: (النيجر) و (نيجيريا) و (السودان) وغيرها.
стр. 4
وقد التقى الوالدُ "رحمه الله تعالى" ببعض أهل العلم؛ ففي نيجيريا التقى بالشيخ المجدِّد العالم السلفي عبد الله بن المحمود الشريف الحسني الذي نشر الدعوة السلفيّة في صحراء (مالي) . وأخرج الله على يده أممًا من الناس من ضلال عبادة القبور والتوسل بالصالحين والخرافات والبدع المنتشرة آن ذلك في بعض صحراء أفريقيا.
والشيخ عبد الله الذي التقى به الوالد "رحمه الله تعالى" في نيجيريا كان قادمًا من هذه البلاد المباركة المملكة العربية السعودية ـ حرسها الله تعالى وشرّفها ـ؛ فقد كان حياته من صغره بالمدينة النبوية، وكان إمامًا للمسجد النبوي الشريف ومدرِّسًا فيه.
وقد أفرد الوالدُ "رحمه الله تعالى" له ترجمةً بلغت في مجلّد لطيف (مطبوع) .
فلما التقى به الوالد في نيجيريا أخذ عنه نصائحَ كثيرة، أهمُّها قوله: "يا بنيّ إذا وصلتَ إلى بلاد الحرمين فعليك بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وعليك بنشر عقيدة السلف ونشر كتبهم، وعليك بتعليم الناس العقيدة والعلم".
وقد سمعتُ الوالدَ يقول: "لقد تأثّرتُ بنصيحته هذه جدًّا وأخذت بها، وبلغت من قلبي مبلغًا عظيمًا، وعزمت على العمل بها".
كما التقى بالشيخ طاهر السواكني في دولة السودان، وأخذ عنه علم الحديث، وعرف على يديه كتب الحديث؛ فقد كان الشيخ طاهر عالمًا من علماء السودان في الحديث وغيرِه، وكان له الاهتمام الكبير بعلم الحديث؛ فقد سمعتُ الوالدَ يقول: "لقد تأثّرت بالشيخ طاهر السواكني في علم الحديث؛ فقد نصحني بتعلّمه واقتناء كتبه، والسير على منهج أهلِه".
стр. 5
فكان لهاتين النصيحتين تأثيرٌ بالغٌ في حياة الوالد العلمية إلى أن انتقلَ إلى "رحمه الله تعالى".
وعندما وصل الوالدُ إلى جدة سارع إلى الذهاب إلى مكة المكرمة، وكان عمره عندما دخل هذه البلاد المباركة "بلاد التوحيد" تسعة عشر عامًا.
والتقى بالشيخ حامد فقي بمكة، وتأثّر به جدًّا من أكثر من جهة سواء بعلمه أو نشره لعقيدة السلف وحبّه لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وكذلك كتب أئمة الدعوة بدءًا من إمامها محمد بن عبد الوهاب التميمي "رحمه الله تعالى".
وتلقّى على يده العلم في العقيدة والحديث، وتأثّر به جدًّا.
وكذلك التقى بالشيخ محمد حمزة، وأخذ عنه العلم.
وكذلك الشيخ يحيى المعلِّمي المحدِّث الجهبذ عالم عصره في علم الحديث؛ لازمَه وأخذ عنه حبّ علم الحديث وتعلّمه.
ولازم الشيخ تقيّ الدين الهلالي ملازمةً طويلة استفاد منه في أكثر من فن من فنون العلم.
وسمعتُ الوالدَ يقول: "لازمتُ الشيخ يحيى المعلّمي أثناء إقامته بمكتبة الحرم المكي، واستفدت منه كثيرً".
كما استفاد من علماء الحرم المكي وحضرَ دروسَهم، وأجازَه بعضهم ممن يهتم بالإجازات.
وكذلك استفاد من الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في مجال العقيدة وكتبها؛ وهو الذي أشار عليه أن يذهب إلى الرياض للعمل هناك، وكتب له رسالةً إلى أخيه الشيخ محمد بن إبراهيم "رحمه الله تعالى" فيها توصية به.
стр. 6
ولما سافر إلى الرياض سنة ١٣٧٣هـ التقى بالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي العام لهذه البلاد المباركة، فلازمَه وأحبّه وقرّبه إليه لما رأى فيه من حبّ العلم ونشره، وحثّه على أن يكون له درسٌ في الجامع بالرياض؛ فكان الوالدُ يدرِّس طلبة العلم الصغار بالمسجد الجامع، والشيخ محمد يدرس الكبار منهم؛ وكان الوالد يدرّس كتب العقيدة والحديث للصغار بأمر من الشيخ لما رأى فيه من العلم والفهم والذكاء والنباهة والغيرة للعقيدة السلفية.
وكان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يكني الوالد بأبي زيد ممازحًا له، وكان يقرّبه في مجلسه العام.
وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يأمر بعض أبنائه أن يدرُس على الوالد علوم الآلة في اللغة وكذلك الحديث وغيرهما من العلوم؛ وكان الوالد يقضي الإجازة بمكة فكان الشيخ محمد بن إبراهيم يرسل أحد أبنائه مع الوالد يتلقى العلم عليه.
ومكث الوالد في الرياض إحدى عشرة سنة متعلِّمًا وعالمًا يدرس بمعهد الدعوة بالرياض، تخرّج على يده منه ناسٌ كثير جدًّا بعضهم من العلماء، بل من كبار العلماء في دار الإفتاء بهذه البلاد المباركة.
وقد تأثّر الوالد بالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "رحمه الله تعالى" في العقيدة والعلم، وأحبّ الوالدُ الشيخ محمد بن إبراهيم حبًا كبيرًا وكان يذكره في مجلسه العامر بالمدينة النبوية ويثني عليه، ويقول: "لم نر مثلَه في هذه البلاد علمًا، وتواضعًا، وزهدًا، وحبًّا لطلبة العلم وإحسانًا لهم".
وكذلك عندما كان الوالدُ بالمدينة قبل ذهابه إلى الرياض التقى بالشيخ ابن تركي "وهو من علماء المدينة في ذلك الوقت"، وقرأ عليه "صحيح البخاري" وفي عقيدة السلف وتأثّر به، وكان الشيخ ابن تركي فيه شدّة واضحة ظاهرة
стр. 7
للجميع، وكان عالمًا زاهدًا قلّ نظيرُه في الزهد في المدينة النبوية في ذلك الوقت كما يذكره الوالد وشيخنا الشيخ محمد أحمد بن عبد القادر القرشي الشنقيطي المتوفى سنة ١٤١٨هـ.
كما كان يحضر دروس الشيخ محمد الأمين صاحب تفسير "أضواء البيان" في المدينة، وتأثّر به وبعلمِه، وناظر الشيخ في كذا مسألة من مسائل المنطق والفلسفة مناظرة عالمٍ بهذا الفن الذي كان يحفظ فيه منظومات مع شروحها.
ودرس على عددٍ من علماء المدينة النبوية في دار العلوم الشرعية منهم: عبد الغفار حسن، والشيخ أبو بكر الشريف التنبكتي "المدرس بالمسجد النبوي الشريف قرب الروضة"، وقد أجازه الشيخان عبد الغفار وأبو بكر الشريف التنبكتي.
كما أنه درس النحو و "سنن النسائي" على الشيخ محمد الحافظ القاضي، وأجازه هو أيضًا في علم الحديث إجازة عامّة.
وكان الوالد "رحمه الله تعالى" حريصًا على أخذ الإجازة في علم الحديث عمّن كان أهلاً للإجازة من العلماء الفحول في عصره.
ومن أقدم من أجازه عمه الملقّب بالبحر عندما كان في البلاد صغيرًا في السن.
وبعد انتقاله من الرياض إلى المدينة سنة ٨٥هـ للتدريس في الجامعة الإسلامية. استقرّ من هذا العام بالمدينة النبوية إلى أن انتقل إلى "رحمه الله تعالى" سنة ١٤١٨هـ، بعد أن مكث فيها ثلاثًا وثلاثين سنة ناشرًا للعلم فاتاً قلبه ومكتبته للناس.
وقد كانت هناك بعثات من الجامعة لمن في ضواحي المدينة من أهل
стр. 8
البادية لتعليمهم شؤون الإسلام؛ فكان يشارك فيها "رحمه الله تعالى".
وسكن قريبًا من المسجد النبوي في حيّ المصانع، وفتح مكتبة متواضعةً في بيته كان يجتمع فيها مَن كان فيه حرصٌ من طلبة العلم، منهم: الشيخ صالح الفهد، والشيخ يوسف الدخيل، والشيخ عمر محمد فلاّته "رحمه الله تعالى" الذي كان بينَه وبين الوالد محبّةٌ كبرى.
وكان الشيخ عمر بن محمد فلاّته يحب الوالد ويقول: "أتمنّى أن يرزقني الله مثل علم الشيخ حمّاد الأنصاري"، قال ذلك في شريط ألقاه في ترجمة الوالد فقد "رحمه الله تعالى".
وكانت بينهما مدارسة للعلم ومعرفة لأحوال بعض معرفة كبيرة جدًّا.
وعندما توفي الوالد ذهب إليه الشيخ عمر محمد في المستشفى وكان الوالد عليه شرشفٌ أبيض مسجّى عليه فكشف عنه الشيخ عمر وعندما رأى وجهَ الوالد وهو متوفى أخذ يبكي، لم يتماسك عن البكاء والنحيب؛ فرحم الله هذين الشيخين المحبيبين لبعضهما رحمةً واسعة.
كما كان يحضر عنده في المصانع الشيخ عمر حسن فلاته، والشيخ عبد الرحمن الفريوائي، وغيرهم من طلبة العلم المحبيين للوالد ممن لا أستحضره الآن.
ومكث في المصانع قرابة عشر سنين "أو تزيد بقليل" فاتحًا مكتبته المتواضعة للناس على قلّة ذات يده في ذلك الوقت من المال.
وكان مسخّرًا ماله لشراء الكتب ووضعها في المكتبة لينتفع طلبة العلم الغرباء وغيرهم منها في القراءة والبحث.
وكان يدرس في المسجد النبوي "سنن الترمذي" حتى ختمه كاملاً، كما
стр. 9
درّس النحو، والصرف، وبعض علوم الآلة والحديث.
ثم انتقل من حيّ المصانع إلى الحرة الشرقية، ووسع مكتبته السابقة الذكر وملأها بالكتب، واستقبل طلبة العلم فيها يعلّمهم؛ وكان يحثّهم على نشر العلم وبالأخصّ علم الحديث ـ الذي كان في ذلك الوقت قليل طلاّبه والباحثون عنه، وكان يُعير هؤلاء الطلبة كتبه للانتفاع بها، وكان يُعيرهم حتى النادر من المخطوطات ويسمح لهم بتصوير المخطوطات؛ ولم يكن في ذلك الوقت من يهتم بالمخطوطات سواه في المدينة النبوية فيما أعلم.
وكان شرطُه في المخطوطات: أن لا يجمع منها إلاّ ما كان في علم الحديث والعقيدة السلفية وبالأخصّ المخطوط الذي لم يطبع أو المخطوط الذي طبعتُه رديئة.
ولم تمنعه قلة المال عن شراء الكتب وتصوير المخطوطات؛ فقد كان أغلب ماله مسخرًا في شراء الكتب المطبوعة وتصوير المخطوط.
وقد تسبب الوالد في نشر الكثير من كتب الحديث والعقيدة السلفية؛ فمن ذلك: كتاب "السنة" للالكائي، فهو الذي أعطى مخطوطه لمحققه بعد أن طلبه من ألمانيا من طريق نظام يعقوبي فأحضر نسخة رائعة من هذا الكتاب دفعه الوالد للمحقق فحققه وطبعه؛ وكذلك زوّد المحقق بنسخة لهذا الكتاب مكتوبة بخطِّه هو حيث إنّ الوالد قام بنسخه كاملاً من هذا المخطوط، فأعطى المحقِّق المخطوط وأعطاه هذا المخطوط منسوخاً بخطِّه الواضح المنسّق المرتّب؛ فما كان من المحقِّق إلاّ أن علّق على حواشيه ونحو ذلك فأخرجَ الكتاب وأخذ عليه الدكتواره؛ ولم يذكر هذا المحقِّق هذا المعروف من الوالد في مقدّمة تحقيق هذا الكتاب؛ والأجرُ عند الله لا عند الناس؛ والله المستعان.
ومن يفعل المعروف لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العُرْفُ بين الله والناس
стр. 10
فليعم القارئ: أن الوالد سخّر نفسَه منذ أن جاء لهذه البلاد المباركة لخدمة علم الحديث والعقيدة السلفية؛ فقد كان الوالدُ مدرِّساً في الجامعة الإسلامية في معاهدها وكليّاتها وفي الدراسات العليا.
وكان يحثّ طلبة العلم على نشر العقيدة السلفية وتعليمِها وتعلّمها، وكان يوضّح لهم العقيدة السلفية أحسنَ توضيح وما يرد من الإشكالات حولَها، وكذلك التشكيكات، ويذكر شبه المناوئين لها ويردّ عليهم.
كما كان يلقي المحاضرات في خارج الجامعة وفي الجامعة في العقيدة السلفية والحثّ عليها؛ ويُعَرَّف عداوة غير السلفيين للعقيدة السلفية وما هم عليه، سواء من الأشاعرة أو الماتردية أو المتعصّبة من أهل المذاهب الأربعة؛ وقد أشار على تلميذه عبد الإله الأحمدي "التلميذ النبيل" أن يكتب رسالة في الدكتوراه في مسائل الإمام أحمد ومروياته في العقيدة يكون هو المشرف عليه فيها، وقد فعل وطبع الكتاب.
كلُّ ذلك من أجل نشر عقيدة أهل السنة الذي كان الإمام أحمد وأصحابه من دعاتها والذّابين عنها؛ فقد قضى الوالد "رحمه الله تعالى" عمرَه في نشر عقيدة السلف، وجمع في مكتبته من كتب السلف في العقيدة والحديث ما لم يجمعه غيرُه، كان يطلبُها حيثما تكون من الدنيا، سواء مطبوع أو مخطوط؛ ولا يخفى هذا على من كان يعرف الوالد من الملازمين له وغير الملازمنين؛ وكان يقول: "لا أسمعُ بكتاب في العقيدة السلفية أو الحديث إلاّ وأحرص على اقتنائه".
وقد جمع "رحمه الله تعالى" مؤلَّفاً في كل ما يُنسب إلى الإمام أحمد وأصحابه من كتب العقيدة السلفية فبلغت مجلّدًا كبيرًا.
وكان الوالدُ في مجلسه في مكتبته يحثُّ كلَّ من يأتيه من طلبة العلم على التمسّك بعقيدة أهل السنة ونشرها والذبّ عنها.
стр. 11
وقد كان باذلاً لمخطوطاته لمن أراد الاستفادة منها؛ فقد قامت جامعة الإمام بالرياض بتصويرها كلها، وكذلك الجامعة الإسلامية، ومركز خدمة السنة بالمدينة النبوية، وكذلك صوّرها من الأفراد الشيخ مساعد الرّاشد، والشيخ صالح آل الشيخ.
وبعد انتقاله إلى بيته في حيّ الفيصليّة توسّعت مكتبتُه وقام بزيادة الكتب المطبوع والمخطوط حتى بلغ المخطوط خمسة آلاف مخطوط كلّها بتوفيق الله جمعها بمالِه، لم يشاركه في ذلك أحدٌ؛ وكان يقول: "عندي في مكتبتي جميع أنواع علم الحديث التي ذكرها العلماء في كتب المصطلح ـ يعني: عندي المؤلفات فيها ـ".
وكان يرحل إليه طلبة العلم من كلّ الدنيا يطلبون منه الإجازة في علم الحديث، ويأخذون من علمه الغزير؛ فلا يوجد علم إلاّ وعندَه منه طرف حتى علم التنجيم والمنطق والجغرافيا الحديثة؛ وأما التاريخ فكان يعرفه معرفة لا نظيرَ لها، وتأتي معرفته له بعد علم الحديث والعقيدة السلفية.
وكان المشايخ في هذه البلاد المباركة يتّصلون عليه هاتفيًّا للاستفسار عن بعض الإشكالات في الحديث والعقيدة والفقه مثل الشيخ ابن باز، واللحيدان، والشيخ محمد أمان، والشيخ الجزائري، والشيخ عطيّة، والشيخ بكر أبو زيد، وكذلك القضاة في المحاكم الشرعية.
وكان واسعَ الصدر رحبه للجميع، يجلس في مكتبته لاستقبال طلبة العلم والمشايخ من بعد صلاة العصر إلى العشاء يوميًّا بدون انقطاع منذ أن دخل المدينة سنة ١٣٨٥هـ إلى قبيل مرضه بأيّام معدودة، وكان الطلاّب يأتون من كلّ مكان كُلٌّ له حاجته فيعطي هذا حاجته من المال ويشفع لهذا، وهذا حاجته من الكتب، وهكذا لا يملّ ولا يسأم.
وبجانب هذا يؤلِّف ويردّ على الرسائل التي تأتيه من دار الإفتاء في بعض
стр. 12
المعضلات والإشكالات في العقيدة والحديث، ويردّ على الاستفسارات في الهاتف التي تأتيه من كلّ مكان في الدنيا.
وكان يزوره في مجلسه الأمراء والوزراء فيخرجون من مجلسه وقد ازدادوا حبًّا له وإكبارًا له.
فليعلم القارئ: أن الوالدَ "رحمه الله تعالى" بذل ماله ووقتَه وعمرَه منذ نعومة أظفاره إلى أن لقيَ الله تعالى بعد معاناة من خطأٍ طبِّي أدّى إلى غيبوبة دامت تسعة أشهر، ثم مات ودُفن بالقُرب من قبور بنات النبي ﷺ وزوجاته في أول بقيع الغرقد على يسار الداخل إليه مخلِّفُا علماُ جماُ في صدور طلبته ومكتبة عامرة وذكرًا حسناً.
وقد قُبر في هذا المكان من المقبرة بسعاية من الشيخ العالم عمر بن محمد فلاّته الذي كان يحبُّه ويجلّه ويعرف قدره وعلمه وسعة اطلاعه ومحبته لنشر عقيدة السلف وعلم الحديث.
كاتب هذه السطور هو: ابن المترجَم: عبد الأول بن حمّاد بن محمد الأنصاري الخزرجي "عفا الله عنه" / / ١٤٢٠هـ.
стр. 13
ما جاء في صفحة مشكاة الرأي
كلمة المشرف على الصفحة
...
ما جاء في صفحة "مشكاة الرأي"
بإشراف: عبد الرزاق الشايجي - من جريدة (الوطن) الكويتية العدد: ٧٧٩٤/٢٢٤٠ السنة ٣٦ بتاريخ: الاثنين: ٢٦/جمادى الآخرة عام ١٤١٨هـ - الموافق: ٢٧/ أكتوبر عام ١٩٩٧م.
كلمة المشرف على الصفحة: (عبد الرزاق الشايجي)
فجعت الأوساط العلمية بنبأ وفاة محمد الحجاز العلاّمة حمّاد بن محمد الأنصاري الذي توفي يوم الأربعاء المنصرم.
وكدأب (مشكاة الرأي) في التفاعُل مع الأحداث ورصدها فها نحنُ نقدِّمُ للقرّاء عامة ولطلبة العلم خاصة إصدارًا خاصًّا عن حياة الفقيد، استكتبنا فيه نخبة من طلبة العلم الذين تتلمذوا على يد الشيخ الأنصاري، ونهلوا من علمه، واستفادوا من مكتبته العامرة بالمخطوطات.
إن المآثر التي امتاز بها شيخُنا الأنصاري عن بقية أقران عصره: فتحُه لمكتبته العامرة الزاخرة بنفائس المخطوطات والكتب النادرة لأجيالٍ من طلبة العلم.
إننا إذْ نقدِّم هذا الإصدارَ وفاءً للمحدّث الأنصاري فإننا نتوجه بالشكر لكل مَن ساهم في إعداد هذا الإصدار.
تغمّد الله الفقيدَ بواسع رحمته، وألهم أهلَه وطلبتَه الصبرَ والسلوان ﴿إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ .
عبد الرزاق
стр. 14
توجُّعٌ وعزاء
بقلم: رياض الخليفي.
"العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر". بهذا نطق رسولُ الله " ﷺ " فيما صحّ عنه، ليؤكّد على أن من أخص سمات العلماء الإعراضُ عن الدنيا والإقبال على الآخرة، وأنهم إنما يتقربون إلى الله تعالى بإشراف العبادات، ألا وهي عبادة العلم؛ ولذلك كانت منزلتهم عند الله عالية ومقاماتهم سامية كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعُ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِيْنَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ؛ وأقرّ سبحانه شهادة العلماء تكريما لهم في أعظم قضايا الدين وأساس الملّة ألا وهي قضية التوحيد فقال : ﴿شَهِد اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَه إِلاَّ هُوَ والمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا العِلْم قَائِما بالقسط﴾ .
فالعلماء الصادقون الناصحون هم مصابيح الدجى، ومنارات الهدى بهم يهتدي السالكون إلى فهم شريعة الله والعمل بها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وبهم يفتح الله قلوبا غُلفا وأعينا عميا وآذانا صمًّا؛ هم ركن الملة، وعضد الدين، وحرّاس شريعة رب العالمين؛ حفظ الله بهم القرآن، وصان بهم سنة خير الأنام.
ولَكَمْ كان خبرًا مفزعا ذلك الذي نعى إلينا أفول كوكبٍ ساطع في
стр. 15
السماء معدود من العلماء الأتقياء وبقية السلف الأذكياء؛ بوفاة العلامة المحدث حماد بن محمد الأنصاري.
فو الله إن القلبَ ليحزن، وإن العينَ لتدمع على فوات أولئك الأعلام؛ فبالأمس القريب فجع العالم الإسلامي بوفاة علمين جليلين هما: شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، وفضيلة الشيخ محمد الغزالي؛ وقدّر اللهُ وفاتهما في أسبوع واحد ليعظم المصاب بفقدهما؛ وقبلهما فقدت الكويت فقيهها الأول العالم الجليل محمد بن جراح؛ ثم وفي الأسابيع القليلة الماضية فقدت الأمة حامي لغة القرآن وفارس العربية وإمام البيان العلامة محمود شاكر.
وهنا نحن اليومَ نصاب بمقتل، بوفاة مسند وقتِه، ومحدّث عصره الأنصاري؛ فإذا خلت الديار من أولئك الأحبار الأخيار فمن للعلم ومَن للفقه ومَن للحديث ومَن للغة ومَن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن عزائنا بحفظ الله لهذا الدين الذي ننتمي إليه لكبير، وإن رجاءنا في أن تنتج الأمة أمثال هؤلاء الأفذاذ لعظيم، وإن الأفق ليلوح بالبشائر والحمد لله.
وإن الواجب على الدعاة والمصلحين ألا يتخذوا من تلك النكبات عوائق، بل عليهم أن يوظفوا هذه الأقدار إلى عدة وعتاد يصنعون بها مستقبل أمتهم وينبنون أجيالاً في العلم والخلق راسخة، تحمل الأمانة وتواصل المسير بلا كلل أو سآمة؛ فلتكن سير أولئك الأعلام نماذج حية تعيش في قلوبنا ونقتدي بها في واقعنا وتشعل فينا جذوة الجلد والحرص على طلب العلم، وتوقظ فينا العزائم والهمم التي ربما ماتت لدى بعض طلاب العلم أو كادت.
إن حياة هؤلاء العلماء وتحصيلهم وصبرهم وجهادهم ثم وفاتهم لحجة قائمة على المتقاعسين الكسالى من طلاب العلم الذين طابت لهم الحياة، فركنوا إليها، وازينت لهم الدنيا فتكالبوا عليها، فلا تراهم يعبأون بضياع الأوقات، ولا
стр. 16
يكلفون بإهدار الجهود والطاقات فيما لا ينفع أو يجدي.
وإن مما يدعو إلى الأسى والحزن ما نراه من تغييب متعمّد لأولئك العلماء وسيرهم، بل وحتى وفاتهم عن واقع الإعلام المعاصر؛ فيا ليت شعري كيف يجازى أمثال هؤلاء الأعلام بهذا التجاهل المريب والصمت الغريب الذي ربما فاق صمت القبور في الوقت الذي توجع الأسماع وتشق الأبصار وتطمس الفضائل والآداب برسم القدوات الكافرة والشخصيات الماجنة المنح رفة وتخليد ذكراهم وسيرتهم، بل فجورهم وانحطاطهم.
أرأيتَ لو كان المتوفى مطرِبا لامعا ملأ الدنيا بفاحش القول ورخيص المعاني لوجدنا أن الإعلام الوفي لا يقرّ له قرار بل يندب ويصيح ويبدئ ويعيد في ذكراه، وربما أنفقت الأموال الطائلة من أجل السبق إلى إعداد برنامج خاص عن حياة المغني الفلاني.
أرأيت لو كان المتوفى فنانا ساقطا أو لاعبا فاشلاً في كل شيء إلا في اللعب، أو كاعباً لعوبا على أدنى المستويات هل سيبخل الإعلام بساعة أو ساعات للإشادة بهذا الفالح العظيم؟، أم هل ستبخل الصحافة بالمساحات الواسعة من أجل تغطية هذه النكبة التي تمر بها الأمة من جرّاء وفاة أحد التافهين؟.
إن هذا غيضٌ من فيض الحضارة المادية وانقلاب المفاهيم الذي نعيشُه.
فحريٌّ بنا أن نقوم بواجبنا إزاء المخلصين من أبناء أمتنا من العلماء العاملين والدعاة المصلحين، فنعطّر التاريخ بسيرهم وأخبارهم، يتداولها الصغار والكبار، وتروى ولا تُطوى، وندوّنها في سجلّ الخالدين أمثلةً طاهرة نقية، يحتذى بها على مرّ السنين.
وختاما: نسأل الله العليَّ القدير أن يتقبل الفقيد بواسع رحمته، وأن يُعلي درجته، وأن يخلف له الخير في عقبه..، وأن يلهم أهلَه الصبر والاحتساب.. و ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ .
стр. 17
الأنصاري والحافظة العجيبة لمحمد المجذوب
ولاستكمال الصورة العلمية للشيخ نرى لزامًا أن نعرض للقارئ انطباعاتنا عن ثقافته بصورة أكثر تركيزًا؛ ففي رحلة جامعية صحبناه فيها إلى ينبع "على الساحل ما بين مكة والمدينة" وفي إحدى الندوات العلمية بالمخيّم استمعنا إلى فضيلته يحدّثنا عن فاتحة الكتاب.
وأشهد لقد تدفّق كالسيل الهادر يقذف أفانين الدرر.. فما تلكّأ ولا ارتج عليه، فكأنما يقرأ في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من كنوز هذه السورة؛ فهو يتحف سامعيه من هذه الكنوز بما تتسع له المناسبة.
وربما أورد خلالَ حديث ما يتسع لأكثر من تفسير، فاكتفى بوجهة منه لا يقرّه عليه بعض الحضور، ولكنه لم يدع قلبًا هناك إلا ملأه رضىً وانفعالاً وإعجابًا.
وبعد عام أو أكثر حدّثني فضيلة الأستاذ محمد الصبَّاغ "المدرس في جامعة الرياض" عن مثل إعجابنا به؛ وذلك أنه سمعه يحاضر في مخيم الجامع عن معاني الفاتحة فسحر وبهر.
وقد لاحظت من خلال حديث الأستاذ الصبّاغ من خيّل إليّ أنني أقع على ميزة أخرى للشيخ حماد، هي قوة الحافظة التي تسعفه باستحضار كل ما يعلمه عن الموضوع الواحد في المناسبات المتباعدة؛ وهي ميزة يكاد ينفرد بها بعض المتفوقين من علماء الإسلام في أفريقية الغربية.. وهي بقية من الخصائص التي
стр. 18
عرفت في سلف هذه الأمة؛ حتى كان منهم من يحفظ نصف مليون حديث بأسانيدها.. وقصة الإمام البخاري مع علماء بغداد أشهر من أن تذكر في هذا الصدد.
وقد كان شيخنا محمد الأمين الشنقيطي صاحب "أضواء البيان" ـ تغمده الله بواسع برحمته ـ أنموذجًا عجيبًا لهذا الحفظ.
وقصارى القول في ثقافة الشيخ أنه واحد من بقية الجيل الذي نقل ولا يزال ينقل إلينا تراث الإسلام الحيّ وفق النظام التعليمي الذي امتاز به أهلُ العلم في حضارة الإسلام.
وبهذا كان أنموذجًا للرجل الذي وقف وجوده كله على خدمة العلم، فلا ينفكّ بين تحقيق لكتاب، واستنباط لحكم، واستقصاء لدليل.. حتى ليكاد ينسى حق نفسه.. بل حق أي فن آخر في هذا المضمار.
الشيخ الأديب: محمد المجذوب "رحمه الله تعالى".
стр. 19
عالمٌ فقدناه - بقلم الشيخ المحقق: محمد بن ناصر العجمي.
فجع العالم الإسلامي بعامة والحرَمان الشريفان بخاصة بوفاة شيخنا العلامة المتقن المحدّث حماد بن محمد الأنصاري. حيث وافاه أجله المحتوم بعض مرض ألمّ به منذ السنة الماضية؛ وقد صلي عليه في المسجد النبوي يوم الأربعاء ٢١ من جمادى الآخرة ١٤١٨هـ ـ الموافق: ٢٢/١٠/١٩٩٧م.
عرفتُ شيخنا العلامة حماد الأنصاري منذ أكثر من اثني عشر عامًا، وقد فتح مكتبته لطلاّب العلم، فما من طالب علم في المدينة النبوية أو قادم إليها من أهل العلم إلا وزار الشيخ حماد الأنصاري واستفاد من مكتبته العامرة بنفائس الكتب والمخطوطات، وكذلك طلاب الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية، بل وفي غيرها من الجامعات قلما يستغنون عن هذه المكتبة، وعن مشاورة صاحبها، فيفيدهم من فيض علمه الواسع، وينير لهم الطريق.
هذا، وقد رزق شيخنا الإطلاع الواسعَ على علم الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه؛ وكان "﵀" وجهًا للسنة النبوية في المدينة المنورة؛ يشهد له بذلك أهل العلم والفضل: يقول المحدِّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في معرض كلامٍ له: "مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته للطلبة وبخاصة في الجامعة الإسلامية؛ جزاه الله خيرًا". "الأحاديث الضعيفة" (٣/٣١٩) .
هذا فضلاً عن معرفته لعلوم أخرى كان مشاركًا فيها وعلى رأسِها علم التوحيد الذي كان من المبرزين فيه، كما كان "﵀" آيةً في الحرص على
стр. 20
المخطوطات وتتبّع أخبارِها وتصوير ما يمكن تصويره منها.
ولد "رحمه الله تعالى" بـ"تاد مكة" من بلاد "مالي" من عام ١٣٤٤هـ؛ وأخذ العلومَ في بلاده من مشايخ عدة، ثم رحل إلى الحرمين الشريفين، وأخذ عن علمائها؛ فأخذ في مكة عن العلاّمة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشّاط؛ واستجاز جماعةً من العلماء الواردين على مكة المكرمة كالشيخ المحدث عبد الشكور الهندي، والشيخ عبد الحق العمري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني، وعبد الحفيظ الفلسطيني، وغيرهم.
ودرَس "﵀" في دار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة على الشيخ عمر بري، حيث درس عليه الفقه الحنفي و "صحيح مسلم" و "ديوان المتنبي" و "ألفية ابن مالك"؛ ودرس على الشيخ محمد بن تركي النجدي "الموطأ" للإمام مالك، و "المغني" لابن قدامة.
كما أن من الشيوخ الذين تركوا أثرًا في حياته: الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني "إمام المسجد النبوي"، والمفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "رحم اللهُ الجميع".
عمل الشيخ حماد الأنصاري مدرسًا في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، ثم انتقل مدرّسًا إلى المعهد العلمي بالرياض سنة ١٣٧٤هـ، ثم في معهد إمام الدعوة سنة ١٣٧٥هـ، ثم انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨٥هـ؛ وقد حضر عنده الطلبة صغارهم وكبارهم إلى أن بلغ سن التقاعد عام ١٤٠٧هـ.
أما عن مؤلفات الشيخ حماد فليست على قدر علمه وإفادته للطلبة؛ فمن مؤلفاته:
стр. 21
١- "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني".
٢- "سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد".
٣- "فتح الوهاب في الألقاب".
٤- "إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلس من الشيوخ".
٥- "ذيل ديوان الضعفاء والمتروكين" للذهبي "تحقيق وتعليق".
وغيرها من الكتب والرسائل.
أما حافظة الشيخ وقدرته العلمية على استخراج ما يسأل عنه فهذا أمرٌ مشهورٌ عنه؛ يقول الشيخ الأديب محمد المجذوب في كتابه "علماء ومفكرون عرفتهم" (١/٥٩) : "في رحلة جامعية صحبناه فيها استمعنا إليه يحدثنا عن فاتحة الكتاب، وأشهدُ لقد تدفّق كالسيل الهادي، يقذف أفانين الدرر؛ فما تلكأ، ولا ارتجّ عليه؛ فكأنما يقرأ في كتاب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من كنوز هذه السورة؛ فهو يتحف سامعيه من هذه الكنوز".
رحم الله شيخنا العلامة حماد الأنصاري؛ فلقد غاب وفي صدره علم كثير؛ وإنا والله بفراقه لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الرب.
الشيخ المحقق: محمد بن ناصر العجمي.
стр. 22
شيخنا كلمات في ذكراك - بقلم الشيخ: عواد الخلف، المعيد بكلية الشريعة جامعة الكويت.
ترقرق الدمع من العيون الباكيات على وفاة الشيخ العلامة أديب المحدثين ومحدث الأدباء الشيخ حماد بن محمد الأنصاري "رحمه الله تعالى رحمةً واسعة بفضله ومنّه".
قال " ﷺ ": "إن الله لا يقبض العلمَ انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء". ووالله إن مصيبتنا بهذا الإمام لعظيمة جدّ عظيمة لا يعزينا فيها إلا ما عرفناه عن هذا الشيخ من خدمة للسنة علمًا وعملاً؛ فقد كان "﵀" موسوعة للعلوم الشرعية في شتى الفروع، كالبحر المتلاطم الذي لا ساحلَ له؛ فإذا ذكر الحديثُ فهو نجم يهتدي به، وإذا ذكر الأدب فهو إمامٌ يقتدى به؛ وكم سارت بذكره الركبان سير الشمس في البلدان؛ فكثير من أصحاب الشهادات العلياء تخرّج من بين يديه ونهل من معينه، بل منهم من تتلمذ على تلامذته؛ وإليك أيها القارئ الكريم هذه الترجمة التي قرئت على الشيخ وأنا أسمع: فقيدُنا هو: حماد بن محمد بن محمد بن حنة بن المختار بن محمد البشير، من ذرية سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري.
ولد سنة ١٣٤٤هـ في بلدة "تادمكة" في أفريقيا الغربية، من بلاد "ملي" " (مالي) كما تسمى اليوم".
نشأ في بيت علم وقضاء وفتوى، وتلقّى العلمَ في بلده عن أجلة المشايخ؛
стр. 23
وقد شرع في السنة العاشرة من عمره في حفظ القرآن غيبًا وتجويده على خاله المقرئ محمد أحمد بن تقي الأنصاري الملقب بـ (أستاذ الأطفال) لاعتنائه بإقرائهم القرآن؛ فأكملَه حفظًا وتجويدًا وهو ابن خمس عشر سنة.
ثم قرأ على شيخ المذكور في علم التوحيد "رسالة ابن أبي زيد القرواني" "مالك الأصغر"، وكذلك تلقى عنه في علم النحو والتصريف: "الآجرومية"، ثم "ملحة الإعراب" للحريري، ثم "ألفية ابن مالك"، ثم "زوائد الكافية على الألفية"، ثم "لامية الأفعال في تصريف الأفعال"، ثم "الزوائد على لامية الأفعال" لابن إسحاق الملقب ميدو؛ وقد أجاد هذين العلمين حتى برز على أقرانه فيهما.
وأخذ علم البلاغة عن شيخه علامة عصره الفهامة المحقق موسى بن الكسائي الأنصاري؛ درس عليه "الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون" المعاني، والبيان، والبديع ـ نظمٌ للأخضري في خمسمائة بيت؛ ثم "عقود الجمان" نظمٌ للسيوطي في ألف بيت.
وأخذ علم الأصول عن بحر العلوم عمه محمد أحمد الملقب بالبحر لتبحره في العلوم، درس عليه "الورقات" لإمام الحرمين الجويني، ثم "جمع الجوامع" للتاج السبكي مع البناني والمحلي والعطار، ثم نظمه "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع" للسيوطي حفظه بعد أن درس أصله "جمع الجوامع"؛ ثم طالع "نشر البنو على مراقي الصعود".
وأخذ عن عمّه أيضًا في التفسير "الجلالين" مع "حاشية الجمل"، ثم البغوي، ثم الخازن.
وفي الحديث سمع "الموطأ" و "الصحيحين" و "سنن أبي داود"؛ ولم يكن يوجد في بلده في ذلك الوقت غير هذه الكتب مما يتعلق بالحديث.
стр. 24
وتلقّى عنه دواوين اللغة الست، وهي: "ديوان امرئ القيس"، و "ديوان النابغة الذبياني"، و "ديوان زهير بن أبي سلمى"، و"ديوان علقمة الفحل"، و"ديوان طرفة"، و "ديوان عنترة".
ودرس عليه في الفقه "مختصر خليل بن إسحاق الجندي التركي" وملحقاته، و "التبصرة" لابن سلمون الحنفي، و "الطليحية"، و "مصطلحات الفقه المالكي" لابن بهرام؛ وسمع عنه "المدونة".
وأخذ الفرائض عن أستاذه الجليل الشريف الإدريسي الحسني حمود بن محمود، درس عليه "الرحبية" مع "شرح الشنشورية"؛ وعنه أخذ في المنطق "السلم المَرونَق" للأخضري، وايساغوجي، و"الشمسية"، وفي علم المنازل "المنظومة السوسية" للأخضري، ومطلعها:
ومن يرد مدخل شهر ينشد ... ينيرئ فيريرد ومرسد
ابريل مايب وهاء يونيُه ... يليوز غشتجَ شتمروفُه
ودرس عليه أيضًا علم الأصول الفقيهة، وفي علم المصلح "النخبة" للحافظ ابن حجر العسقلاني مع شرح "النزهة" و "ألفية السيوطي".
وفي علم الأصول التفسيرية أبوابًا من "الإتقان" للسيوطي مع مقدمته.
هذا، وقد أخذ تلك العلوم عن أولئك العلماء بالأسانيد المتصلة إلى المؤلفين.
وبعد ذلك أكبّ على مطالعة الكتب والتدريس في بلده "مناقَه" إلى أن
стр. 25
اشتدت رغبته في الهجرة من بلاده بعد أن استولى الاستعمار الفرنسي عليها ودبّ الإفسادُ فيها، إلى بلاد الإسلام؛ فهاجر سنة ست وستين وثلاثمائة وألف للهجرة؛ فلما وصل إلى الحرم الشريف (مكة المكرمة) سنة سبع وستين انضم إلى الحلقات العلمية في الحرم آنذاك التي كانت حول بعض العلماء منهم الشيخ عبد الرزاق حمزة المصري، وكان يدرس في "تفسير ابن كثير"، والشيخ محمد أمني الحنفي ويدرس في "صحيح البخاري"، والشيخ حسن مشّاط ويدرس في "الترمذي"؛ وغيرهم من المشايخ المدرسين في الحرم المكي حواهم كلهم ثَبَتُه في الذين أخذ عنهم في الجزيرة العربية في رحلته الثانية إلى آسيا.
وأما في المدينة النبوية فقد سمع من الشيخ محمد بن تركي النجدي درس عليه "الموطأ"، والشيخ محمد خيال قاضي المستعجلة آنذاك، درس عليه "صحيح البخاري" و "فتح المجيد"؛ والشيخ عمار المغربي درس عليه في "البخاري"، والشيخ حبيب الرحمن الهندي، وهو من أساتذة دار العلوم الشرعية درس عليه في الترمذي وأبي داود؛ وغيرهم من علماء الحرمين.
وأجازه غير واحد، منهم الشيخان المحدّثان الهنديان عبد الشكور الهندي، وعبد الحق العمري، وهما في باكستان بعد التقسيم؛ ومحمد بن عيسى الفاداني الجاوي، وعبد الحفيظ الفلسطيني، لقيه في مِنى سنة سبع وستين وأجازه في الستة، والسيد قاسم بن عبد الجبار الفرغاني الأندجاني صاحب كتاب "المصباح في أصول الحديث" أعطاه إجازتين: سمع منه حديث المسلسل بالأولية، ثم أجازه في الستة، وغيرها من اكتب الحديث والرواة والمصطلح والفقه بجميع المذاهب الأربعة؛ والأستاذ محمد الشعراني البتجري المرتفوري الإندونيسي
стр. 26
أجازه في الستة، والعتيق بن سعد الدين التنبكتي القاوي "بتخفيف القاف" أجازه في الستة أيضًا، والشيخ أبو بكر التنبكتي عن طريق الشيخ الطيب في الستة؛ وآخرون من علماء نجد، والعراق، والشام، واليمن، وأفريقيا الشرقية، والهند بقسميه، وجاوا بأقسامها.
وجميع السماعات والإجازات المذكورة كلها بالأسانيد المتصلة إلى أصحاب الكتب مجموعة في دفاتر كثيرة يحويها ثبت سماه: "إتحاف القاري بثبت الأنصاري".
كما أنه التحق بدار العلوم الشرعية في المدينة النبوية في قسم التخصص سنة ١٣٦٩هـ إلى نهاية ٧٠هـ.
ومن أشهر شيوخه في دار العلوم الشرعية: عمر بري؛ درس عليه "الهداية" للمرغيناني في الفقه الحني، و "صحيح مسلم"، و "ديوان المتنبي"، و "ألفية بان مالك"؛ والشيخ محمد بن ركي: درس عنه "الموطأ"، و "المغني" لابن قدامة، والشيخ محمد الحافظ درس عليه "النسائي".
انتقل من المدينة إلى مكة سنة ١٣٧١هـ، وباشر التدريس فيها بالمدرسة الصولتية (نسبة إلى المرأة الهندية المؤسسة لها، واسمها صولة النساء) ؛ وهذه المدرسة هي الواقعة بحارة الباب؛ وقد بدأ بها التدريس بعد يومين خليا من شهر صفر، واستمر فيها مدرسًا في الابتدائية والثانية والعالي إلى نهاية سنة ١٣٧٤هـ؛ وفي هذه المدرسة التقى بواضع أصل هذه الترجمة ابن عمه الشيخ إسماعيل الأنصاري، واستفاد كل منهما من الآخر؛ حيث اشتغلا ببحوث لا
стр. 27
تحصر، إلى أن اختير "﵀" للتدريس بالرياض في المعهد العلمي التابع لإدارة المعاهد العلمية والكليات، وذلك في شعبان سنة ١٣٧٤هـ، ثم نقل مدرسًا بمعهد إمام الدعوة بالرياض سنة ١٣٧٥هـ، واستمر فيه يدرس في جميع مراحله: الابتدائي والثاني والعالي إلى نهاية سنة ١٣٨٢هـ؛ حيث نقل في شهر رجب للتدريس بكلية الشريعة التابعة للإدارة العامة للمعاهد والكليات، وذلك في شعبان سنة ١٣٧٤هـ، ثم نقل مدرسًا بمعهد إمام الدعوة بالرياض سنة ١٣٧٥هـ، واستمرَّ فيه يدرس في جميع مراحله: الابتدائي والثانوي والعالي إلى نهاية سنة ١٣٨٢هـ؛ حيث نقل في شهر رجب للتدريس بكلية الشريعة التابعة للإدارة العامة للمعاهد والكليات بالرياض؛ واستمرّ إلى نهاية سنة ١٣٨٤هـ، حيث نقل في مستهلّ عام ١٣٨٥هـ للتدريس في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ودار مدرسًا في جميع كليات الجامعة التي فتحت بعد، منها: (كلية الحديث) و (كلية القرآن) ، و (كلية اللغة) ، و (كلية الدعوة) ؛ إلى أن انتقل إلى الدراسات العليا بالجامعة سنة ١٣٩٦ـ باسم (أستاذ مشارك) ؛ وقد باشر التدريس في الدراسات العليا في قسمي السنة والعقيدة؛ وبعد تمام ثلاث سنوات من رئاسته قسم العقيدة عيّن رئيسًا لقسم السنة إلى سنة ١٤٠٥هـ، ثم عاد إلى رئاسة قسم السنة مرة أخرى سنة ١٤٠٨، وعيّن برتبة (أستاذ) سنة ١٤٠٩هـ.
وقد شرع في التأليف في فنون مختلفة؛ فقد ألّف في النحو كتابًا سماه "الأجوبة النونية على أسئلة الألفية"، وفي التوحيد كتاب سماه "أبو الحسن الأشعري وعقيدته"، وفي الفقه رسالة سماها: "تحفة السائل عن صوم المرضع والحامل"، ورسالة "الإعلان بأن لَعَمْري ليست من الأيمان".
وألّف فيما يتعلق بالحديث كتبًا كثيرة، وهي: "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني"، و "فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدثين بالألقاب"، و "إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلس من الشيوخ"، و "تعليق الأنواط في التذييل على صاحب الاغتباط"، و "سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد"، و "إعلام الزمرة في أحكام الهجرة"، و "إعلام الحميم بأقسام العلوم"، و "يانع الثمر في
стр. 28
مصطلح أهل الأثر".
ونظَم "المختلف" للأزدي، ومطلعه:
اقرأ سيدنا بضم الهمز منحصرا ... في أربع تستفد ما يشبه الدررا
ومبادي في أصول التفسير، و "تاريخ ملّي "أي: مالي" في القديم والحديث" جزآن، و "كشف اللثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام"، و "كشف الستر عما جاء في شد الرحل إلى القبر"، و "كشف الستور في نهي النساء عن زيارة القبور"؛ وفي السيرة النبوية رسالة بعنوان "تحقيق السيرة النبوية"، وغيرها من الرسائل المفيدة.
ومن الجدير بالذكر أن مكتبة الشيخ الخاصة تحوي أهم كتب الحديث بأنواعه المختلفة مطبوعًا ومخطوطات تقدّر بأكثر من خمسة آلاف مجلّد بما فيها كتب التوحيد وفقًا لسيرة السلف.
وقد فتح الشيخ صدرَه وبيتَه ومكتبته للقاصدين من طلبة العلم؛ فأصبحت مكتبته مهوى أفئدتهم، يقصدونها من شتى الأنحاء يستفيدون من الشيخ نفسه، توجيهًا، وعلمًا، وظرفًا، وأدبًا؛ وينهلون من معين ما حوت مكتبته من كنوز المخطوطات والمطبوعات، مما كان له جميل الأثر في نفوس أبنائه طلاب العلم ومحبيه.
ختامًا هذه كلمات كتبتُها بدموعي وفاءً لذلك الشيخ الذي كان وما زال ملء السمع والقلب؛ فرحمه الله وجعل الجنة مثواه.
стр. 29
" بلغة القاصي والداني "
للعلامة المحدث حماد الأنصاري. عرض الشيخ الأديب: جاسم الفهيد الدوسري.
للعلامة المحدث حماد الأنصاري "﵀" عنايةٌ فائقة وحفاوة بالغة بعلم الأسانيد، وهو العلم الذي يتوصل به العارف بقواعده المتمكن من أدواته إلى الحكم على أحوال الأخبار صحة وضعفًا، وبيان أحوال رواتها جرحًا وتعديلاً.
وعناية الشيخ لا تقف عند حدّ التأليف في أحوال رواة الأسانيد ونشر الكتب المتصلة بذلك، بل تعدى إلى الأخذ بنصيب وافر من الرواية نفسها؛ فالفقيد أحد الأفراد المعدودين الذين لهم شرف الاتصال بالنبي " ﷺ " بأسانيد عالية ينظم فيها سلسلة من كبار الحفّاظ وأئمة المحدثين؛ وقد كان من مشايخه في هذا الفن: عبد الحي الكتاني (١) ، صاحب كتاب "فهرس الفهارس".
نعود إلى كتابنا موضع التعريف: فنقول: هو كتاب "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني" الذي يعد من أحب مؤلفات الفقيد إلى نفسه؛ فقد صرف في تأليفِه وقتًا طويلاً وجهدًا جليلاً ليتمكن من التعريف بأحوال مشايخ
стр. 30
الحافظ الكبير سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى
سنة ٣٦٠هـ صاحب المعاجم الثلاثة "الكبير" و "الأوسط" و "الصغير".
ولا يخفى على العارف ما يلاقيه المعتنون بالأسانيد من العنت والتعب في سبيل العثور على تراجم مشايح الحفاظ من أهل القرن الرابع وما بعده؛ فتراجمهم مبثوثة في تضاعيف كتب الرجال بخلاف مشايخ الكتب الستة المشهورة؛ فقد حظوا بعناية خاصة في التعريف بهم، حيث يسهل الوقوف على أحوالهم عبر كتاب "التهذيب" ومختصراته ومبسوطاته.
وقد تصدى الفقيد "أعظم الله مثوبته" لهذه المهمة "أعني: التعريف بمشايخ الطبراني" فعمد إلى تجريد أسمائهم من كتابه "المعجم الصغير"، وقد بلغت عدتهم (١٢٥٣) شيخًا، ثم اجتهد في البحث عن تراجمهم في كتب الرجال وتواريخ الرواة، وجمعَ ما وقف عليه من ذلك في هذا الكتاب، وقام بترتيب أسماء المشايخ على حروف المعجم تيسيرًا للباحثين.
يشرح الشيخُ منهجَه في هذا الكتاب فيقول: "هذا وقد ذكرتُ في هذا المصنف الوجيز من طعن فيه ومن وثّق، مع بيان سبب الضعف عازيًا كلَّ قولٍ إلى قائلِه؛ ومن لم أجد فيه تعديلاً ولا تجريحًا بأنْ سكت عنه من ترجم له من الحفّاظ ألحقتُه بالمجاهيل، كما أنّ من لم أجد له ترجمةً في "الميزان" للذهبي أو "لسانه" لابن حجر ألحقتُه بالثقات لما ذكر الحافظ نورُ الدين الهيثمي في مقدمة كتابه "مجمع الزوائد".
ونلمسُ تواضعَ الشيخ وهضمَه لنفسِه حين يقول: "إن هذا العملَ الكبير لم أدخل فيه إلا وأنا على علم بأني لستُ أهلاً له، كما أن أهل زماني قلّ اعتناؤهم بهذا الفن المهم، ولكن لما آملُ من ثواب ونجاة في اليوم المشهود تجرأتُ على هذا الشأن الكؤود".
وقد صدر من الكتاب الجزء الأول سنة ١٤١٥هـ ـ ١٩٩٥م؛ وهو يقع في (٣٩٤ صفحة) مقاس (١٦×٢٤سم) عن مكتبة الغرباء بالمدينة النبوية.
стр. 31
كلية الشريعة تنعى فضيلة الشيخ حماد الأنصاري
تنعى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية وفاةَ فضيلة الشيخ حماد الأنصاري الذي بفقده فقدت الأمة علَماً من أعلامِها ورجلاً من خيرة رجالاتها الذين خدموا السنة النبوية خدمةً جليلة.
وقال عميد كلية الشرعية د. محمد عبد الغفار الشريف في تصريحٍ له: "أنه مما يذكر للفقيد أنه فتح مكتبته العامرة التي تحوي أهم كتب الحديث بأنواعها المختلفة المطبوعة والمخطوطة للقاصدين من طلبة العلم، ينهلون من معين ما حوت مكتبته من كنوز المخطوطات والمطبوعات؛ مما كان له جميلُ الأثر في نفوس أبنائه طلاب العلم ومحبيه".
رحم الله الفقيد وأسكنَه فسيح جناته، وألهمنا وسائر طلبته الصبرَ والسلوان. إنه سميعٌ مجيب الدعوات.
стр. 32
نجم غاب عن سماء طيبة .
بقلم: عبد الرحمن محمد الأنصاري.
جريدة "المدينة": العدد (١٢٦١٦) السنة الثالثة والستون. الأربعاء: ٢٨ جمادى الآخرة عام ١٤١٨هـ. الموافق: ٢٩ أكتوبر ١٩٩٧م.
ودّعت مدينة المصطفى " ﷺ " فضيلة الأستاذ الشيخ أبا عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري الذي كتب الله له شرف الانضمام إلى أفضل جيرة "جيرة الأخيار الأبرار الذين يضمهم بقيع الغرقد من الصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا".
فقد انتقل إلى جوار ربه بعد معاناة مع المرض والغيبوبة التي استمرت معه زهاء تسعة أشهر نتيجة لخطأ طبّي.. إذْ أُصيب بتجلّط في الدم في أوردة إحدى ساقيه، فكان التشخيص لحالته أنها إصابة لتجلّط في الرأس، فأعطي علاجًا لتسييل الدم في شرايين المخ، فَقَدَ بعد تعاطيه وعيَه، وتم نقلُه بعد ذلك بأمرٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز "حفظه الله" بطائرة الإخلاء الطبي من المدينة المنورة إلى مستشفى الملك فيصل التخصّصي بالرياض الذي تم فيه اكتشاف التشخيص الخاطئ الذي تم من قبل لحالته.
ومكث في المستشفى تسعة شهور، إلى أن استقر الرأي والقرار على إعادته إلى المدينة المنورة بين أهلِه وذويه، ليلقى ربَّه صبيحةَ يوم الأربعاء ٢١/٦/١٤١٨هـ عن ٧٤ سنة؛ وصلي عليه في المسجد النبوي الشريف، ودُفن جثمانُه في بقيع الغرقد.
لم يكن فضيلة الأستاذ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي عالمًا عاديًّا كالكثيرين من أقرانه الذين يقف بهم طلب العلم عند حدّ معيّن، أو يقفون عند حدود بعينِها في إبلاغ وتعليم ما علموه؛ فلم يكن عند الشيخ حدّ يقف عنده في الاستزادة من مناهل العلم والمعرفة، والعبّ من صافي نميرها العذب.
عرف عن فضيلة الشيخ عند السواد الأعظم من طلاّب العلم أنه أحد الذين يُشار إليهم بالبنان في الحديث النبوي الشريف وعلومِه، ولكنه ما إن
стр. 33
يخوضَ في أيّ فن من علوم الشريعة الأخرى واللغة وفقهها ونحوها وصرفها إلا ويتوهّم السامع أنه لا يعرف سوى هذا الفن، من كثرة ما يورد من دقائقه التي قد تستعصي حتى على المختصين فيه.
بل وإن الأمر قد بلغ به شأوًا أبعدَ من ذلك: فقد أستطيعُ أن أزعم أنه ما من فنّ من الفنون إلاّ وله فيه مشاركات محمودة.
أما حبُّه لطلبة العلم وتفانيه في الأخذ بأيديهم ومساعدتهم فذلك أمرٌ حدِّث عنه ولا حرج، ولاينبئك عنه مثل خبير؛ وهم طلبتُه الذين يستقبلهم في مكتبته العامرة من ساعات الصباح الأولى حتى صلاة الظهر، ومن بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء؛ وكان ذلك دأبُه لا ينقطع عنه إلا لعارضٍ خارج عن الإرادة.
أما كرمُه فأمرٌ حدّث عنه ولا حرج: فليس له شيء من متاع الدنيا يستأثر به لنفسه عن طالبيه، وما من يوم إلا وله فيه ضيوف يكرمهم ببشره وطلعته البهية مثلما يكرمهم بِوَفَرِه.
أما الشيءُ الذي أفنى الشيخُ حياتَه في جمعه إلى جانب العلم الذي أودعه الله ما بين جنبيه فهو: الكتب؛ فقد خلّف مكتبةً من أندر وأجمع وأشمل المكتبات الخاصة؛ ففيها ما أبلغني ابنُه عبد الباري أكثر من خمسة آلاف عنوان، والآلاف من المجلدات، ومثلها من المخطوطات النادرة.
ومن حسن الطالع وبديع الاتفاق أن يكون هذا العلم الذي خلّفه الشيخ والمتمثل في هذه المكتبة القيِّمة ومؤلفاته العديدة والعشرات من الذين تلقوا عليه العلم؛ من حسن الطالع أنه مقرونٌ بأبناء بررة، جهد الشيخُ في تنشئتهم على المحجة البيضاء، ومنهم من يحذوا حذوَ أبيه ويقفو آثاره من منهجه العلمي؛ وهم جميعًا "إن شاء الله تعالى" خير خلفٍ لخير سلف؛ وجملتهم ثمانية من الأبناء
стр. 34
الذكور وثلاث إناث؛ فأما الذكور فهم: عبد اللطيف، وعبد الحليم، وأحمد، وعبد الباري، وعبد الغني، وعبد الأول، وعبد الإله، وعاصم.
وهم جميعًا أشقّاء من زوجته الفاضلة أم عبد اللطيف بنت محمد الحسن الهاشمي، التي كان الشيخُ كثيرًا ما يثني عليها خيرًا بما هيأته له من أجواء التفرُّغ للعلم.
وبعد.. فإن ما تقدم لا يمثّل إلا خواطر مقتضبَة عن الحياة الحافلة للشيخ حماد الأنصاري "﵀"؛ إذ لم يكن ترجمة له ولا شبيهًا بها؛ ولذلك فإني لم أتحدّث عن مولده ونشأته، ولا عن دراسته وعن من أخذ العلم، ومن تلقّاه منه، ولا كذلك عن مؤلفاته؛ ولم أضرب الصفح عن كل ذلك بسبب الشحّ في المعلومات، بل لأمرين اثنين: أحدهما: أن الحَيِّز لا يسع كل ذلك، والآخر: أن الحديث عن أية جزئية من تلك الجزئيات يستدعي الحديث عن أخواتِها.
وقد بلغني أنّ أحد تلامذة الشيخ قد أعدّ ترجمةً وافية له عنونها بـ"إتحاف السامع والقاري بترجمة المحدث الأنصاري" فلعل ما يتطلع قارئ هذه الزاوية إلى معرفته عن الشيخ ولم يجده فيها يجده بتفاصيله في الترجمة المذكورة.
رحم اللهُ الفقيدَ الغالي، وأحسنَ عزاء آله وطلاّبه وسائر محبّيه، وأجزل للجميع المثوبة فيه ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ .
стр. 35
رجال العلم في رثاء
علاّمة الحديث والشيخ الصالح فقدانهما خسارة عظيمة ... وتاريخهما حافلٌ بالأعمال الفاضلة.
إعداد: أحمد الدوس (المدينة المنورة) وهاني اللحياني (مكة المكرمة) جريدة "عكاظ" العدد: ١١٤٠٥، بتاريخ: الجمعة ٧/ رجب من عام ١٤١٨هـ الموافق: ٧/ نوفمبر ١٩٩٧م. "ص ١٩".
على مدى الأسبوعين الماضيين فقدت المدينة المنورة عالمين من كبار علمائها ممن عرف عنهم البحث والاجتهاد والهمة العالية في مجال الدعوة وتخرّج على أيديهما عددٌ غيرُ قليلٍ من كبار العلماء بالمملكة: فقد رحل عن عالمنا فضيلة الشيخ العلامة المحدث حماد بن محمد الأنصاري بعد معاناة مع المرض كما رحل أيضًا فضيلة الشيخ القاضي عبد العزيز بن محمد الشبل، والذي لقي وجهَ ربِّه وهو ساجدٌ في الروضة الشريفة بالمسجد النبوي الشريف.
وبدءًا بالعلامة المحدث الشيخ حماد الأنصاري: فقد تحدث عنه عددٌ من كبار العلماء بالمملكة: حيث قال عنه فضيلة الشيخ عبد الله البسّام "عضو هيئة كبار العلماء": "لقد عرفتُ الشيخ حماد بقوة معلوماته عن علم الحديث؛ حيث كان ضليعًا فيه ومرجعًا لكل سؤال ... وقد عرفتُه سلفيَّ العقيدة على منهج السلف، وله جهودٌ عظيمة في التعليم والتدريس وتحقيق الكتب؛ وأسأل اللهَ أن يغفر له، وأن يعوض طلبة العلم عنه".
كما تحدّث عنه فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع "عضو هيئة كبار العلماء" قائلاً: "لقد فجعنا بوفاة عالم كبير وشيخ من مشايخنا الأجلاء هو فضيلة الشيخ العالم العلامة الحافظ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. نسأل اللهَ أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل الجنّة مثواه، وأن يجزيَه عن الإسلام والمسلمين وعن خدمته لسنة رسول رب العالمين خيرَ الجزاء وأتَمَّه.
إن فضيلة الشيخ حماد علَمٌ من أعلام المسلمين، وعالمٌ من أفذاذ علمائهم، بذل حياتَه في التعلم والتحصيل؛ وبعد أن اشتدّ عوده وقوي ساعدُه ونضج في علمه اتّجه إلى التعليم والتدريس فأفاد وأثمر؛ حيث تخرّج على يديه مجموعةٌ من طلبة العلم داخل البلاد وخارجها.
стр. 36
لقد كان "﵀" عالمًا مبرزًا لا سيّما في علوم الحديث دراية ورواية وتعديلاً وتجريحًا وشرحًا؛ وهو يعتبر من الأفذاذ القادرين، ممن له مزيد اختصاص وعناية بسنة رسول الله " ﷺ "؛ حيث كان مرجعًا لمجموعة من طلبة العلم في هذا الفن الشريف "الحديث وعلومه"؛ فرحمه الله رحمةً واسعةً؛ ونسأل الله أن يصل حياته الآخرة بحياته الدينا بما قدمه لأهل العلم من تعليم وتوجه؛ ونرجو الله تعالى أن يكون ما قدمه مقبولاً عنده سبحانه؛ حيثُ ثبت عن رسول الله " ﷺ " قولُه: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا منْ ثلاث: علم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية" ... رحم الله شيخَنا رحمةً واسعة، وعوّضنا الله عنه بمن يسدّ الفراغ الذي تركه في مجال خدمة سنة رسول الله " ﷺ ".
وقد تحدث عبد الباري "أحدُ أبناء الفقيد" لـ (عكاظ) مؤكّدًا أن مكتبة والده ستظلّ مفتوحة بإذن الله أمام طلاّب العلم كما كانت في حياته.
من جهته تحدّث فضيلة الشيخ جابر الطيب بن علي "عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية (سابقًا) ، والواعظ بالمسجد الحرام" عن مناقب الشيخ حماد فقال: (ماذا عساي أن أقول؟؛ لقد فقدنا داعية من الدعاة إلى الله تعالى كانت حياة حافلة بالعلم والبحث والاجتهاد في ميادين العلم عاشرته لفترة بسيطة جند كل حياته لخدمة الإسلام وبوفاته خسر المسلمون عالمًا فذًّا وداعية متميّز؛ كان همُّه الأول إرشاد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم يبيّن لهم الطريق المضيء الذي يوصلهم إلى رضوان ربهم؛ ولن تذهب أعمال هذا الجهبذ سدى، وإنما سيلقى "إن شاء الله" خير الجزاء عند رب العباد على ما قدّمه لإصلاح الناس. تغمّده الله بواسع رحمته، ﴿وإنا لله وإنا إليه راجعون﴾ .
فيما اعتبر الشيخ محمد فيصل السباعي مدير إدارة النشر بجامعة أم القرى
стр. 37
وإمام وخطيب جامع ابن عبيد بالعاصمة بالمقدسة وفاة الشيخ الأنصاري خسارة عظيمة للأمة الإسلامية، والتي هي في أمس الحاجة لمثل هذا العالِم الفذّ.
وقال الشيخ السباعي: (لقد جمعتني مع الشيخ حماد الأنصاري علاقة جوار استمرّت ثلاث سنوات بالمدينة المنورة أثناء عملي كواعظ بالمسجد النبوي، لازمتُه في كثير من المناسبات وعرفت فيه حبّه الجمّ للعلم والعلماء وجلسات الذكر والدارسة؛ فهو يعتبر من أشهر علماء الحديث على الإطلاق دراية ورواية؛ وهو طال. ب علم من نوع فريد؛ وكان فضله زاخرًا بالمجاميع إضافة إلى الحافظة التي وهبه الله إياها؛ وبفقده فقد العالم الإسلامي مشعلاً من مشاعل العلم، وخاصة علم الحديث؛ وتدعو الله أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يرزق الأمة الإسلامية علماء أجلاّء مثل فقيدِنا الراحل) .
جديرٌ بالذكر: أن عددًا من أصحاب السمو الملكي الأمراء والعلماء والوجهاء والمسئولين وطلاّب العلم قد قاموا بتقديم واجب العزاء في الفقيد الشيخ حماد الأنصاري؛ حيث بعث ببرقية عزاء صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز "وزير الداخلية"، وسمو نائبه صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن عبد العزيز، وسمو الأمير ممدوح بن عبد العزيز، ومعالي وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبد الله التركي، ومعالي رئيس البنك الإسلامي الدكتور أحمد محمد علي، ومعالي الدكتور صالح العبود رئيس الجامعة الإسلامية. وعددٌ كبيرٌ من المسئولين.
كما اتصل هاتفيًّا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي الديار السعودية، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والدكتور الشيخ صالح بن عبد العزيز بن آل الشيخ نائب وزير الأوقاف والشئون الإسلامية، وفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. وأعدادٌ كبيرة من طلاّب العلم وتلامذة الشيخ.
стр. 38
الأنصاري.. علامة الحديث المعاصر .
بقلم: عبد المؤمن محمد النعمان.
جريدة "المدينة": العدد (١٢٦٢١) السنة الثالثة والستون. الاثنين: ٣ رجب عام ١٤١٨هـ. الموافق: ٣ نوفمبر ١٩٩٧م. "ص ١٠".
وقفتُ متأمّلاً ما شاهدته بعيني عصر يوم الأربعاء قبل الماضي أثناء تشيع جنازة فضيلة علامة الحديث بالمدينة المنورة الشيخ حماد الأنصاري "﵀"، وقلتُ في نفسي: إنّ مكانة علماء الإسلام في نفوس المسلمين لا تزالُ بخيرٍ ولله الحمد.
فالمشهد كان مؤثّرًا إذْ تجمع الناسُ في ساحة المسجد النبوي في موكب يجلله الصمت وتعلوه سحابة الحزن ويحفه العبق الإيماني، كل شخص يتبع الجنازة، والأيدي تتشابك لتشارك في حمل النعش، وكلُّ فردٍ يحتضن الأخر ويقول له بتأثّر: (أعظم الله أجرَك) ؛ وكان المسجّى فوق النعش والد لكل فرد يتلقى فيه التعزية.
وعنِّي شخصيًّا فقد كنت أتقبل العبارة من القائلين كما لو كنت أسير في جنازة والدي؛ إذْ لم أرَ فرقًا بين ذلك اليوم الذي ودّعتُ فيه والدي "﵀" وقد كان صديقًا وحبيبًا للشيخ حماد لا تربطه به إلا علاقة التوحيد، وبين هذا اليوم وأنا أقف في نفس الموقف.
لا أريدُ أن أسترسل كثيرًا في هذا الجانب فالمصاب جلل، والجرح عميق، والمشهد مؤثّر، ولكن قضاء الله نافذ، وليس أمامَنا إلا التسليم والرضى؛ فقد أُصيبت الأمة الإسلامية بفقدان سيد الخلق " ﷺ "، وكلُّ مصيبة بعدَ رسول الله جلل "وكلمة جلل من ألفاظ التضاد كما هو معروف".
الشاهد: أن المدينة المنورة فقدت عالمًا من خيرة علمائها في الوقت الحاضر، حفظ السنة النبوية، وتألّق في معرفة علم الحديث؛ وقد كان حُجّة في ذلك، ويمثّل بقيّة من علماء السلف بما هو معروفٌ عنهم من حفظ ودراية وإلمامٍ بعلم الحديث؛ جعله يكادُ يكون متفرّدًا، إذْ لا يدانيه إلا القلة في عالمنا الإسلامي اليوم؛ وهو في نفس الوقت من حملة لواء التوحيد من العلماء الذين يُشار إليهم
стр. 39
بالبنان لعقيدته الصافية وحرصه على تحقيق التوحيد ونبذ كل ما يتعارض معه من معتقدات باطلة وخرافات وبدع وغلوّ في الدين أهلكَ من كان قبلَنا؛ ومن هذا الجانب أحبّه الناسُ واحترموه.
والذي أعلمُه بمعلوماتي المتواضعة عن ترجمة حياته: أن الشيخ تجشّم الصعاب في رحلة قدومه إلى المدينة من مالي بغرض السكنى بها، فكان له ما أراد بعد رحلة مضنية، لكن المدينة المنورة ظفرت به عالمًا من علمائها الأفذاذ؛ والمدينةُ دار العلم، ومأرز الإيمان، فقد احتضنت قبل ذلك إمامَ دار الهجرة مالك بن أنس "﵀" على عمله وفضله؛ فليس غريبًا أن يتربع في مسجدِها عالمٌ جليل في عصرنا الحاضر كفضيلة الشيخ حماد، وأن يموتَ فيها، ويدفن في بقيعِها المبارك.
ولعل من الواجب هنا: أن أعرّج بشيءٍ من اللوم على ما تعودنا عليه من بعض صحفنا ومن بعض كتّابنا تجاه علماء الإسلام بالذات من صمت وتجاهُل يختلف عما نشاهده تجاه من هم دونَهم ولا يعدلون معشار القيمة الاعتبارية التي لهم؛ ومع ذلك تنال أخبار وفاتهم تغطية إعلامية كبيرة وتتناولهم الأقلام بكلمات التأبين ما لا يمكن أن يوصف؛ وسواء رردنا ذلك للعلاقات أو للمكانة التي يراها الدهماء بعواطفهم الثائرة تجاه فلان أو فلان أو علاّن أو علاّنة مما ينتج عنه اهتمام صحفي بارز؛ فإن واجبَ الصحافة الإسلامية أن تقدّر العلماء وتعطيهم جزءًا مما يستحقونه، وتراعي بذلك مشاهر الجمهور الطويل العريض من طلاّب العلم ومحبي العلماء الذين هم بطبعهم بعيدون عن إمكانية المشاركات الإعلامية؛ ولكنه يسوؤهم ويزعجهم هذا الجحود.
بقي لي أن أُشير بشيء من الاقتضاب إلى إمكانية إحياء ذكر الشيخ حماد بما يبقيه في الذاكرة كعلم يُشير إلى اسمه في طيبة، وهو أن يبادر أبناؤُه البررة
стр. 40
بتذليل كل إمكانياتهم الفكرية والمادية في سبيل تهيئة مكتبة الشيخ الثرية بالنفائس من أمهات الكتب والمخطوطات لتكون دار علم يؤمها العلماء وطلبة العلم والدارسون من أهل التخصص، على أن يتفرغ أحد أبنائه القادرين ليكون أمينًا عامًّا للمكتبة، مع تخصيص موظّفين مؤهلين بما يبقي كيان المكتبة العلمي كما لو كان الشيخُ موجودًا، ويحفظها من الضياع ومخاطر الإعارة؛ فقد خدم الشيخُ العلمَ في حياته، فلا أقلّ من أن تبقى مكتبته قائمة تحمل اسمَه وترجمة مختصرة عن حياته بما يحفظ ذكرَه بعد مماته على غرار مكتبة الشيخ عارف حكمت التي بقيت قرونًا وهي تحمل اسمَه في طيبة الطيّبة ضمن مكتبات الحرم النبوي الشريف؛ وإنْ كانت الآن ضُمّت إلى مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة كأم رؤوم تحتضن شتات مكتبات المدينة (١) ا. هـ.