لقد كان "﵀" عالمًا مبرزًا لا سيّما في علوم الحديث دراية ورواية وتعديلاً وتجريحًا وشرحًا؛ وهو يعتبر من الأفذاذ القادرين، ممن له مزيد اختصاص وعناية بسنة رسول الله " ﷺ "؛ حيث كان مرجعًا لمجموعة من طلبة العلم في هذا الفن الشريف "الحديث وعلومه"؛ فرحمه الله رحمةً واسعةً؛ ونسأل الله أن يصل حياته الآخرة بحياته الدينا بما قدمه لأهل العلم من تعليم وتوجه؛ ونرجو الله تعالى أن يكون ما قدمه مقبولاً عنده سبحانه؛ حيثُ ثبت عن رسول الله " ﷺ " قولُه: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا منْ ثلاث: علم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية" ... رحم الله شيخَنا رحمةً واسعة، وعوّضنا الله عنه بمن يسدّ الفراغ الذي تركه في مجال خدمة سنة رسول الله " ﷺ ".
وقد تحدث عبد الباري "أحدُ أبناء الفقيد" لـ (عكاظ) مؤكّدًا أن مكتبة والده ستظلّ مفتوحة بإذن الله أمام طلاّب العلم كما كانت في حياته.
من جهته تحدّث فضيلة الشيخ جابر الطيب بن علي "عضو هيئة التمييز بالمنطقة الغربية (سابقًا) ، والواعظ بالمسجد الحرام" عن مناقب الشيخ حماد فقال: (ماذا عساي أن أقول؟؛ لقد فقدنا داعية من الدعاة إلى الله تعالى كانت حياة حافلة بالعلم والبحث والاجتهاد في ميادين العلم عاشرته لفترة بسيطة جند كل حياته لخدمة الإسلام وبوفاته خسر المسلمون عالمًا فذًّا وداعية متميّز؛ كان همُّه الأول إرشاد الناس إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم يبيّن لهم الطريق المضيء الذي يوصلهم إلى رضوان ربهم؛ ولن تذهب أعمال هذا الجهبذ سدى، وإنما سيلقى "إن شاء الله" خير الجزاء عند رب العباد على ما قدّمه لإصلاح الناس. تغمّده الله بواسع رحمته، ﴿وإنا لله وإنا إليه راجعون﴾ .
فيما اعتبر الشيخ محمد فيصل السباعي مدير إدارة النشر بجامعة أم القرى
стр. 37
وإمام وخطيب جامع ابن عبيد بالعاصمة بالمقدسة وفاة الشيخ الأنصاري خسارة عظيمة للأمة الإسلامية، والتي هي في أمس الحاجة لمثل هذا العالِم الفذّ.
وقال الشيخ السباعي: (لقد جمعتني مع الشيخ حماد الأنصاري علاقة جوار استمرّت ثلاث سنوات بالمدينة المنورة أثناء عملي كواعظ بالمسجد النبوي، لازمتُه في كثير من المناسبات وعرفت فيه حبّه الجمّ للعلم والعلماء وجلسات الذكر والدارسة؛ فهو يعتبر من أشهر علماء الحديث على الإطلاق دراية ورواية؛ وهو طال. ب علم من نوع فريد؛ وكان فضله زاخرًا بالمجاميع إضافة إلى الحافظة التي وهبه الله إياها؛ وبفقده فقد العالم الإسلامي مشعلاً من مشاعل العلم، وخاصة علم الحديث؛ وتدعو الله أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، وأن يرزق الأمة الإسلامية علماء أجلاّء مثل فقيدِنا الراحل) .
جديرٌ بالذكر: أن عددًا من أصحاب السمو الملكي الأمراء والعلماء والوجهاء والمسئولين وطلاّب العلم قد قاموا بتقديم واجب العزاء في الفقيد الشيخ حماد الأنصاري؛ حيث بعث ببرقية عزاء صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز "وزير الداخلية"، وسمو نائبه صاحب السمو الملكي الأمير أحمد بن عبد العزيز، وسمو الأمير ممدوح بن عبد العزيز، ومعالي وزير الأوقاف والشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور عبد الله التركي، ومعالي رئيس البنك الإسلامي الدكتور أحمد محمد علي، ومعالي الدكتور صالح العبود رئيس الجامعة الإسلامية. وعددٌ كبيرٌ من المسئولين.
كما اتصل هاتفيًّا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي الديار السعودية، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، والدكتور الشيخ صالح بن عبد العزيز بن آل الشيخ نائب وزير الأوقاف والشئون الإسلامية، وفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. وأعدادٌ كبيرة من طلاّب العلم وتلامذة الشيخ.
стр. 38
الأنصاري.. علامة الحديث المعاصر .
بقلم: عبد المؤمن محمد النعمان.
جريدة "المدينة": العدد (١٢٦٢١) السنة الثالثة والستون. الاثنين: ٣ رجب عام ١٤١٨هـ. الموافق: ٣ نوفمبر ١٩٩٧م. "ص ١٠".
وقفتُ متأمّلاً ما شاهدته بعيني عصر يوم الأربعاء قبل الماضي أثناء تشيع جنازة فضيلة علامة الحديث بالمدينة المنورة الشيخ حماد الأنصاري "﵀"، وقلتُ في نفسي: إنّ مكانة علماء الإسلام في نفوس المسلمين لا تزالُ بخيرٍ ولله الحمد.
فالمشهد كان مؤثّرًا إذْ تجمع الناسُ في ساحة المسجد النبوي في موكب يجلله الصمت وتعلوه سحابة الحزن ويحفه العبق الإيماني، كل شخص يتبع الجنازة، والأيدي تتشابك لتشارك في حمل النعش، وكلُّ فردٍ يحتضن الأخر ويقول له بتأثّر: (أعظم الله أجرَك) ؛ وكان المسجّى فوق النعش والد لكل فرد يتلقى فيه التعزية.
وعنِّي شخصيًّا فقد كنت أتقبل العبارة من القائلين كما لو كنت أسير في جنازة والدي؛ إذْ لم أرَ فرقًا بين ذلك اليوم الذي ودّعتُ فيه والدي "﵀" وقد كان صديقًا وحبيبًا للشيخ حماد لا تربطه به إلا علاقة التوحيد، وبين هذا اليوم وأنا أقف في نفس الموقف.
لا أريدُ أن أسترسل كثيرًا في هذا الجانب فالمصاب جلل، والجرح عميق، والمشهد مؤثّر، ولكن قضاء الله نافذ، وليس أمامَنا إلا التسليم والرضى؛ فقد أُصيبت الأمة الإسلامية بفقدان سيد الخلق " ﷺ "، وكلُّ مصيبة بعدَ رسول الله جلل "وكلمة جلل من ألفاظ التضاد كما هو معروف".
الشاهد: أن المدينة المنورة فقدت عالمًا من خيرة علمائها في الوقت الحاضر، حفظ السنة النبوية، وتألّق في معرفة علم الحديث؛ وقد كان حُجّة في ذلك، ويمثّل بقيّة من علماء السلف بما هو معروفٌ عنهم من حفظ ودراية وإلمامٍ بعلم الحديث؛ جعله يكادُ يكون متفرّدًا، إذْ لا يدانيه إلا القلة في عالمنا الإسلامي اليوم؛ وهو في نفس الوقت من حملة لواء التوحيد من العلماء الذين يُشار إليهم
стр. 39
بالبنان لعقيدته الصافية وحرصه على تحقيق التوحيد ونبذ كل ما يتعارض معه من معتقدات باطلة وخرافات وبدع وغلوّ في الدين أهلكَ من كان قبلَنا؛ ومن هذا الجانب أحبّه الناسُ واحترموه.
والذي أعلمُه بمعلوماتي المتواضعة عن ترجمة حياته: أن الشيخ تجشّم الصعاب في رحلة قدومه إلى المدينة من مالي بغرض السكنى بها، فكان له ما أراد بعد رحلة مضنية، لكن المدينة المنورة ظفرت به عالمًا من علمائها الأفذاذ؛ والمدينةُ دار العلم، ومأرز الإيمان، فقد احتضنت قبل ذلك إمامَ دار الهجرة مالك بن أنس "﵀" على عمله وفضله؛ فليس غريبًا أن يتربع في مسجدِها عالمٌ جليل في عصرنا الحاضر كفضيلة الشيخ حماد، وأن يموتَ فيها، ويدفن في بقيعِها المبارك.
ولعل من الواجب هنا: أن أعرّج بشيءٍ من اللوم على ما تعودنا عليه من بعض صحفنا ومن بعض كتّابنا تجاه علماء الإسلام بالذات من صمت وتجاهُل يختلف عما نشاهده تجاه من هم دونَهم ولا يعدلون معشار القيمة الاعتبارية التي لهم؛ ومع ذلك تنال أخبار وفاتهم تغطية إعلامية كبيرة وتتناولهم الأقلام بكلمات التأبين ما لا يمكن أن يوصف؛ وسواء رردنا ذلك للعلاقات أو للمكانة التي يراها الدهماء بعواطفهم الثائرة تجاه فلان أو فلان أو علاّن أو علاّنة مما ينتج عنه اهتمام صحفي بارز؛ فإن واجبَ الصحافة الإسلامية أن تقدّر العلماء وتعطيهم جزءًا مما يستحقونه، وتراعي بذلك مشاهر الجمهور الطويل العريض من طلاّب العلم ومحبي العلماء الذين هم بطبعهم بعيدون عن إمكانية المشاركات الإعلامية؛ ولكنه يسوؤهم ويزعجهم هذا الجحود.
بقي لي أن أُشير بشيء من الاقتضاب إلى إمكانية إحياء ذكر الشيخ حماد بما يبقيه في الذاكرة كعلم يُشير إلى اسمه في طيبة، وهو أن يبادر أبناؤُه البررة
стр. 40
بتذليل كل إمكانياتهم الفكرية والمادية في سبيل تهيئة مكتبة الشيخ الثرية بالنفائس من أمهات الكتب والمخطوطات لتكون دار علم يؤمها العلماء وطلبة العلم والدارسون من أهل التخصص، على أن يتفرغ أحد أبنائه القادرين ليكون أمينًا عامًّا للمكتبة، مع تخصيص موظّفين مؤهلين بما يبقي كيان المكتبة العلمي كما لو كان الشيخُ موجودًا، ويحفظها من الضياع ومخاطر الإعارة؛ فقد خدم الشيخُ العلمَ في حياته، فلا أقلّ من أن تبقى مكتبته قائمة تحمل اسمَه وترجمة مختصرة عن حياته بما يحفظ ذكرَه بعد مماته على غرار مكتبة الشيخ عارف حكمت التي بقيت قرونًا وهي تحمل اسمَه في طيبة الطيّبة ضمن مكتبات الحرم النبوي الشريف؛ وإنْ كانت الآن ضُمّت إلى مكتبة الملك عبد العزيز بالمدينة كأم رؤوم تحتضن شتات مكتبات المدينة (١) ا. هـ.
стр. 41
من هو حماد الأنصاري
جريدة (عكاظ) العدد: ١١٤٠٥ بتاريخ: الجمعة ٧/ رجب من عام ١٤١٨هـ الموافق: ٧/ نوفمبر ١٩٩٧م. "ص ١٩".
ولد الشيخ "رحمه الله تعالى" عام ١٣٤٤هـ بـ (تاد مكة) إحدى مدن بلاد مالي بأفريقيا الغربية.
وقد تلقّى الشيخُ "رحمه الله تعالى" العلوم الشرعية والعربية وغيرها منذ نعومة أظفاره على علماء بلاده، وأكثر من الرحلة والتنقُّل في طلب العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
وتتلمذ على مشايخ عدة لا يُحصون كثرة؛ فممن أخذ عنهم بمكة المكرمة: الشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشاط.
وممن أخذ عنهم بالمدينة المنورة: الشيخ محمد بن تركي، والشيخ عبيد الرحمن المباركفوري الهندي.
وقد اعتنى الشيخُ "رحمه الله تعالى" بدارسة المصنفات الحديثية والكتب الفقهية والعلوم العربية؛ فقرأ "صحيح مسلم" و "الهداية" للمرغيني "في الفقه الحنفي"، و "ألفية ابن مالك"، و "ديوان المتنبي" على الشيخ عمر بري، كما قرأ "موطأ مالك"، و "المغني" لابن قدامة على الشيخ محمد بن تركي. وقرأ "سنن النسائي" على الشيخ محمد الحافظ.
كما حظي الشيخ "رحمه الله تعالى" بكثير من الإجازات الحديثية؛ فممن أجازه: المحدِّث الشيخ عبد الشكور الهندي، والمحدِّث الشيخ عبد الحق العمري، وكذا الشيخ محمد بن عيسى الفاداني، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، والشيخ قاسم بن عبد الجبار الأنديجاني الفرغاني.
وقد تبوّأ الشيخ عددًا من المناصب العلمية؛ حيث عمل في مدرسة الصولتية بمكة المكرمة، وفي عام ١٣٧٤هـ انتقل إلى الرياض حيث عمل فيها مدرسًا في المعهد العلمي، وفي عام ١٣٧٥هـ انتقل إلى معهد إمام الدعوة، وفي
стр. 42
عام ١٣٨٥هـ انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ واستمرّ بالتدريس فيها إلى عام ١٤٠٧هـ؛ وقد أشرفَ خلالَها على عددٍ كبيرً من الرسائل العلمية المقيدة لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في كلٍّ من قسمي العقيدة وعلوم الحديث.
وقد خلّف الشيخ "رحمه الله تعالى" وراءَه تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة في الفروع والأصول، كمل منها جملة وطبعت وجملة كثيرة كملها، ولكنها لم تطبع بعد. يسّر اللهُ إخراجَها لعموم الانتفاع بها؛ ومن بعض مؤلفاته المطبوعة:
١ـ "بلغية القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني".
٢ـ "رفع الأسى عن المضطر إلى رمي الجمار بالمسا".
٣ـ "رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة".
٤ـ "تحقيق القول في حديث: "من مضت عليه خمسة أعوام أو أربعة أعوام وهو غني ولم يحج ولم يعتمر".
٥ـ "كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر".
٦ـ "الإعلان بأن لعمري ليست من الأيمان".
٧ـ "عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري".
٨ـ "الأجوبة الوفية على أسئلة الألفية".
٩ـ "فتح الوهاب فيمن اشتهر من المحدثين بالألقاب".
١٠ـ "إتحاف ذوي الرسوخ بمن عرف بالتدليس من الشيوخ".
١١ـ "يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر".
١٢ـ تحقيق "ديوان الضعفاء" للذهبي.
стр. 43
١٣ـ تحقيق "ذيل الديوان" للذهبي.
وقد قام الشيخ "رحمه الله تعالى" بتدريس جملة من المصنفات العلمية، لا سيّما ما كان منها في علمي العقيدة والحديث؛ ومن ذلك:
١ـ "صحيح الإمام البخاري".
٢ـ "صحيح الإمام مسلم".
٣ـ "جامع الترمذي". وكانت للشيخ "رحمه الله تعالى" عنايةٌ بالغة به إبان تدريسه له في المسجد النبوي الشريف.
٤ـ "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب" للإمام ابن خزيمة.
٥ـ "شرح العقيدة الطحاوية".
٦ـ شرح "يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر".
وقد تتلمذ على الشيخ كوكبةٌ من كبار طلبة العلم في العالم الإسلامي وخيارهم، لا تستوعب هذه الترجمة حصرهم؛ ومن أبرزهم في المملكة العربية السعودية:
١- فضيلة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد: عضو هيئة كبار العلماء.
٢- فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي: رئيس قيم السنة بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية سابقًا.
٣- معالي مدير الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله العبود.
٤ـ معالي نائب وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد فضيلة
стр. 44
الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ.
٥ـ فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية سابقًا، والمستشار بجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
٦ـ فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي: رئيس قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية.
٧ـ فضيلة الشيخ الدكتور مرزوق بن هياس الزهراني: مدير مركز خدمة السنة والسيرة النبوية.
٨ـ فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ: عميد كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية سابقًا.
٩ـ فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف: عضو هيئة التدريس بقسم علوم الحديث بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية.
١٠ـ فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد الفهد المزيد: عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية.
١١ـ فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن خليفة بن علي التميمي: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية.
١٢- فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن العبّاد البدر: عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية.
١٣ـ فضيلة الشيخ الدكتور مساعد بن سليمان الراشد الحميد.
ومن أبرزهم في خارج المملكة العربية السعودية:
стр. 45
أولاً: شبه الجزيرة العربية:
١ـ فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن حامد الرفاعي اليمني.
٢ـ فضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن علي عائض الشيخ اليمني.
٣ـ فضيلة الشيخ الدكتور فلاح بن إسماعيل مندكار الكويتي.
٤ـ فضيلة الشيخ فلاح بن ثان السعيدي الكويتي.
٥ـ فضيلة الشيخ الدكتور مبارك بن سيف الهاجري الكويتي.
٦ـ فضيلة الشيخ بدر بن عبد الله البدر الكويتي.
٧ـ فضيلة الشيخ محمد بن ناصر العجمي الكويتي.
ثانيًا: المغرب العربي:
٨ـ فضيلة الشيخ الدكتور زين العابدي بلا فريج المغربي.
٩ـ فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن المغراوي المغربي.
ثالثًا: القارة الهندية:
١٠ـ فضيلة الشيخ الدكتور شمس الدين بن محمد أشرف الأفغاني.
١١ـ فضيلة الشيخ الدكتور عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي.
وللشيخ حماد "رحمه الله تعالى" من الذرية أحد عشر ولدًا؛ ثمانية من الذكور، وهم: عبد اللطيف، وعبد الحليم، وأحمد، وعبد الباري، وعبد الغني، وعبد الأول، وعبد الإله، وعاصم؛ ومن الإناث ثلاث؛ وهم جميعًا إخوة خلّص من زوجته الصالحة أم عبد اللطيف؛ وكان شيخُنا "رحمه الله تعالى" كثيرًا ما يثني عليها خيرًا.
стр. 46
حجة في الحديث وعلومه
من (تدا مكة) إلى بلاد الحرمين
...
حجة في الحديث وعلومه
المدينة المنورة تودع الشيخ: حماد الأنصاري - الرياض - المدينة المنورة - القصيم: عقيل العقيل، حامد الفريدي، خالد الحسين.
جريدة "المسلمون" العدد (٦٦٥) بتاريخ: الجمعة ٣٠ جمادى الآخرة ١٤١٨هـ الموافق: ٣١ اكتوبر عام ١٩٩٧م (صفحة ١٤) .
من (تدا مكة) إلى بلاد الحرمين
ولد الشيخ حماد بن محمد الأنصاري سنة ١٣٤٤هـ ببلدة تسمى بـ (تدا مكة) بأفريقيا؛ وكانت دراستُه الأوليّة ببلدة تسمى (مناقة) ، وهي مركز صغير "ومعنى (مناقة) أي: عطن الإبل".
فبدأ بالحروف الهجائية حتى يتهيأ بعدها لحفظ القرآن، ثم بدأ في حفظ القرآن الكريم وأتم حفظه وهو ابن عشر سنين.
ثم بدأ بالمبادي الفقهية في المذهب المالكي وهو كتاب يسمى (متن الأخضري) ، وهي مبادئ يتعلم الإنسان من خلالها كيف يتوضأ، وكيف يصلي؛ ثم بعد ذلك بدأ بالمذهب المالكي "يسمى ابن عاشر"؛ ثم استمر في هذا ودرس "رسالة ابن أبي زيد القيروان" فحفظها غيبًا، وبعد أن وصل إلى نهاية هذا الكتاب انتقل إلى التفسير، فدرس "تفسير الجلالين" حتى انتهى منه، انتقل إلى "البغوي"، بعدها انتقل إلى الفرائض ودرس "الرحبية" "وهي منظومة"، و "الرحبية" التي في الفقه الشافعي ليست هي التي في الفقه المالكي"؛ فتحول بعدَها إلى النحو، فدرس "الآجرومية" و "الملحة" و "الكافية" و "الألفية" لابن مالك؛ هذه الكتب الأربعة جميعها درسها وحفظ منها ثلاثة: "الآجرومي" و "الملحة"، "ألفية ابن مالك"، أما "الكافية" فكانت عرضًا فقط؛ لأن "الألفية" من "الكافية".
ثم انتقل بعد ذلك إلى أصول الفقه؛ حيث كان لا يوجد في أفريقنا في ذلك
стр. 47
الوقت كتاب في أصول الفقه المالكي مثل الفرائض؛ ولهذا درس أصول الفقه الشافعي، ودرس "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع" للسيوطي، مع عرضه على الأصل؛ وأصول الفقه حفظ كتبه.
ثم انتقل إلى البلاغة ودرس "الجوهر المكنون" وهي خمسمائة بيت حفظها غيبًا.
ثم بعد البلاغة درس المنطق وحفظه أيضًا، ودرس "السلم المرونق في علم المنطق"؛ ثم علم التنجيم؛ وهذه العلوم تحفظ غيبًا، وهو من التنجيم المشروع الذي يتحدّث عن الفصول الأربعة والبرد والحر، ومعرفة القبلة.
وبعدَ هذا بدأ بالحديث؛ لأن البلاد كانت في ذلك الوقت يقرأون الحديث تبرّكًا؛ حيث كانوا يأتون بـ"صحيح البخاري" ويقرأ وهم يستمعون إليه؛ وهذه من الأسباب التي أخرجته من أفريقيا كونهم لا يركزون على قراءة الحديث كما يركزون على قراءة الفنون الأخرى؛ وهنا رأى أنه لا بد من الخروج من هذه البلاد والبحث عن البلاد التي تعتمد على الحديث؛ وخرج من البلاد سنة خمس وستين هجرية (٦٥هـ) وهو ابنُ ١٨ سنة؛ وهذه هي حياتُه في أفريقيا.
стр. 48
أفنى حياته في سبيل العلم ونشره
توفي الشيخ حماد بن محمد الأنصاري: أحد علماء المدينة المنورة، ورئيس قسم السنة والعقيدة سابقًا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. عن عمر يناهز (٧٤) عامًا، قضى أكثرَها ما بين طلب العلم والبحث والتحقيق حتى أنه كان يعدّ حجة في الحديث الشريف بالإضافة العلوم الشرعية الأخرى كعلم الفرائض، والتوحيد، وأصول الفقه.
ولد الشيخ حماد الأنصاري ببلدة (تاد مكة) عام ١٣٤٤هـ، ونشأ به وترعرع؛ حيث عاش في وسط يحفّه الالتزام بهدى الإسلام ويحوطه التطلُّع إلى
стр. 49
العلم الشرعي، حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة منذ نعومة أظافره على علماء بلده؛ فحفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين، وظهرت عليه أمارات الذكاء والنجابة منذ حداثته؛ ولما بلغ أشدّه أكثر من الرحلة والتنقّل في طلب العلم؛ حيث انتقل إلى بلاد الحرمين الشريفين، فتلقى علوم الدين واللغة على كبار المشايخ هناك في ذلك الوقت؛ فأخذ في مكة المكرمة عن العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشّاط.
واستجاز جماعةً من العلماء الواردين على مكة المكرمة كالشيخ المحدث عبد الشكور الهندي، والشيخ عبد الحق العمري، والشيخ محمد بن عيسى الفاداني، والشيخ عبد الحفيظ الفلسطيني، وغيرهم.
كما درَس "﵀" في دار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة على الشيخ عمر بري؛ يحث درس عليه الفقه الحنفي، و "صحيح مسلم"، و "ديوان المتنبي"، و "ألفية ابن مالك"، ودرس على الشيخ محمد بن تركي النجدي "الموطأ" للإمام مالك، و "المغني" لابن قدامة.
ومن الشيوخ الذين تركوا أثرًا طيّبًا أيضًا في حياتِه الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني إمام المسجد النبوي، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية سابقًا "رحمهم الله تعالى".
ولم يكتفِ بذلك، بل راح ينمي معارفَه ويدرّس كل ما يقع عليه بصرُه من مؤلفات ومصنفات حديثيّة، وكتب فقهية، وعلوم عربية، ومخطوطات في الحديث والعقيدة؛ حتى صار علَمًا من أعلام المحدِّثين مما أهّله إلى أن يتبوّأ عددًا من المناصب العلمية؛ ففي عام ١٣٧٤هـ انتقل إلى الرياض حيث عمل فيها مدرّسًا في المعهد العلمي؛ وفي عام ١٣٧٥هـ انتقل إلى معهد إمام الدعوة، وفي عام ١٣٨٥هـ انتقل إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ واستمرّ بالتدريس
стр. 50
فيها إلى عام ١٤٠٧هـ؛ وقد أشرف خلال تلك المدة على عدد كبيرة من الرسائل العلمية المقدمة لنيل الماجستير والدكتوراة في كل من قسمي العقيدة وعلوم الحديث.
стр. 51
كان محبًّا للسنة
والفقيدُ كما يصفه طلاّبه والمقربون إليه ومن عمل معه ولازمه أنه كان حسن السيرة، طيّب المعشر، حيب طلبة العلم حتى أنه كان يخصص معظم وقتِه معهم في النقاش والتدارُس فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة؛ بالإضافة إلى ذلك كان يجب سؤال العيي، ويفتي المستفتي، وكان يقصده العلماء والوجهاء وطلبة العلم من شتى أنحاء المعمورة.
د. الوليد بن عبد الرحمن الفريّان "عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة بالرياض" يذكر مآثر الفقيد فيقول: (لم تكن حياة الشيخ حماد الأنصاري حياة لهو وعبث أو حياة دعة وخمول، وإنما كانت مثالاً حيًّا لسيرة العالم الجاد الذي رفض متع الحياة ومباهجها، وبذل وقتَه وجهده للعلم والتهليم؛ وكان "﵀" يمتثّل هدى السلف الصالح في هيئته، ومظهرِه، وسمتِه، وأدبه، وحسن خلقه، وتواضعه، وإعراضه عن كل ما يخدش جلال العلم وهيبة العلماء؛ كان ورعًا، زاهدًا، ذا عفّة في اللسان، وطهارة في القلب، وسلامة صدر. رحم الله الفقيدَ رحمةً واسعة) .
стр. 52
ترك فراغًا:
د. عبد الله عبد الرحيم عسيلان "أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية" تحدّث عن الفقيد موصيًا بالاستسلام والرضى بقضاء الله تعالى فقال: (قضاء الله نافذ، وإذا حلّ الأجل فلا مردّ له، والموت حق، وهو سبيلُ كل حي؛ ومن عناية الله بالمؤمن: طلب منه أن يسلم ويرضى بقضاء الله
стр. 53
وقدره. إنه لا شك أن فقد العلماء من أمثاله يترك فراغًا كبيرًا قد لا يتهيأ من يسده) .
ويقول: وكأني أنظرُ إلى وجه الشيخ "يرحمه الله" وأشهد فيه ذلك السمت الذي يتكلم عن طيب القلب، وصفاء النفس، ونقاء السريرة، والوقار الذي يملأ النفس إجلالاً وتقديرًا؛ وأستروح ذلك الحب الذي يفيضُ منه على كل من له صلة به من طلابه ومحبيه؛ تجالسُه فتراه طلق المحيّا هاشًّا باشًّا في وجه من يجالسه ويقصده طلاب العلم والفائدة؛ أحبَّ العلمَ ونذر له نفسَه وكرّس له كل جهده ووقته، وكأنه لا يرغب في أن تفوت لحظةٌ واحدة أو يمر نفَسٌ دون أن يكون قد شغلَه في الحصول على معلومة أو كتاب؛ فقد ملك عليه حبّ الكتب واقتناؤها شغافَ قلبِه.
ولم يقتصر الأمر في عطائه على التدريس في أروقة الجامعة الإسلامية، بل كان الطلاّب يتوافدون عليه زرافات ووحدانًا كلَّ يومٍ في بيتِه العامر بالعلم، وخُلق العلماء، وبذلهم وعطائهم؛ وكانوا يجدون عندَه بغيتهم؛ إذْ يتلقّاهم بأخلاق العالم الذي يحرص على إفادة طلاّبه وتوجيههم التوجيه السديد.
ويشير العسيلان إلى أن الفقيد كان مدرسةً في الحديث وعلومِه، تخرّج فيها الكثيرون، وتأثّروا بمنهجه وتوجيهاته في دراسة الحديث النبوي؛ ويعدّ ذلك من آثاره الجليلة.
د. محمد بن ربيع المدخلي "أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة" دعا للفقيد بالرحمة والغفران، وأن يُسكنه فسيح جنّاته، وأكّد أن الموت حقٌّ لا مفرّ منه؛ ولكن موت العالم العامل مصيبةٌ على المسلمين بصفة عامّة.
ويقول: إنه غرس فينا حب عقيدة السلف الصالح، وكان له أسلوبه الخاص في التنفير من الفرق الضالة في أسماء الله وصفاته؛ وأسال الله المولى أن
стр. 54
يجزيَه عنا معشر طلاّب العلم خير الجزاء.
стр. 55
رحابة ولين وتواضع
د. عبد الرحمن نواب الدين "عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة" أكّد أن الفقيد كان مرجعًا في علم الحديث ومصطلحه ردحًا طويلاً من الزمن.
ويصفه بأنه كان على الفطرة والسجية بعيدًا عن التكلّف والمصانعة؛ فبقدر ما وهبه الله تعالى من باعٍ طويل في كثيرٍ من علوم الشريعة بقد ما كان بسيطًا سهلاً متواضعًا، إذا سألته عن مسألة وجدت عندَه البُغية في أسلوبه المتميّز. رحم الله الفقيد، ونسّأ في أجل البقية من أعمدة العلم في هذه البلاد المباركة خاصة وغيرها عامّة.
стр. 56
موسوعة علمية
أما د. صالح بن سعد السحيمي "رئيس قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة" فقد وصفَه بأنه موسوعة يرجع إليه كبار طلاّب العلم في المعارف والعلوم المختلفة، كان أنه له اطلاعٌ واسعٌ فيما يتعلق في معرفة الفرق المختلفة التي تنسب إلى الإسلام؛ وله باعٌ طويل في الرد على تلك الفرق ودحض شبهاتها والرد على أباطيلِها، معتمدًا في ذلك على الكتاب والسنة وهدْي السلف الصالح؛ وله خبرة طويلة في علوم الحديث وأحوال الرجال دراية ورواية.
وخلاصة القول أنني أحب أن جد جهابذة العلماء الربّانيين الذين فقدهم طلاّب العلم في هذه الأيام. ونسأل اللهَ الكريم أن يسكنه فسيح جنّاتِه.
وتحدّث الشيخُ عبد الرحمن أبو بكر الجزائري عن مآثر الفقيد فقال
стр. 57
عنه: (إنه حقًا كاد أن يلقب بعالم الحديث بالمدينة المنورة؛ فقد كان "رحمه الله تعالى" مدرسةً دينية جامعة طلاب الحديث وعلومه؛ فمكتبتُه مفتوحة دائمًا لا ترد زوارها ولا تغلق أبوابها؛ فقد كان يمتاز بصفاء السريرة وحسن السيرة كان يقضي معظم وقتِه بين أورقة المكتبات العامة ورفوف المخطوطات النادرة حتى كان مولعًا باقتنائها وتصويرِها ودراستها؛ فلم يثنه المرض عن ذلك؛ وكان يمتاز بحسن العقيدة وسلامة المنهج. ندعو الله تعالى له الرحمة والمغفرة) .
الوليد بن محمد بن عبد الله العلي "أحد تلامذة الشيخ المقربين" يقول عنه: (إنه كان رجلاً وقورًا مهيبًا، دمث الخلق، لين الجانب، بشوشًا محبًّا للخير) .
الشيخ محمد بن ناصر العجمي "أحد تلامذة الشيخ بالكويت" قال: (إن الفقيد رزق اطلاعًا واسعًا على علم الحديث صحيحه وسقيمِه؛ وكان "﵀" وجهًا للسنة النبوية في المدينة المنورة، يشهد بذلك له أهل العلم والفضل) .
ويقول المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في معرض كلامٍ له: "مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته للطلبة وبخاصة في الجامعة الإسلامية؛ جزاه الله خيرًا".
"الأحاديث الضعيفة" (٣/٣١٩) :
هذا فضلاً عن معرفته لعلوم أخرى كان مشارِكًا فيها، وعلى رأسها: علم التوحيد الذي كان من المبرزين فيه.
كما كان "﵀" آية في الحرص على المخطوطات وتتبع أخبارِها، وتصوير ما يمكن تصويره منها؛ وقد حضر عنده الطلبة صغارهم وكبارهم إلى أن بلغ سنّ التقاعُد عام ١٤٠٧هـ.
стр. 58
مؤلفات الشيخ
أثرى الفقيد مكتبته بعدة كتب قيّمة في علم الحديث النبوي، ومخطوطات مصورة نادرة؛ ومن أهم ما طبع تلك المؤلفات:
"بلغة القاصي والداني في تراجم مشايخ الطبراني"، "إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ"، "فتح الوهاب فيما للمحدثين من الألقاب"، "رفع الأسى عن المضطر إلى رمي الجمار بالمسا"، و "رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة"، "تحقيق القول في حديث "من مضت عليه خمسة أعوام أو أربعة أعوام وهو غني ولم يحج ولم يعتمر"، "كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر"، "الإعلان بأن لعمري ليست من الأيمان"، "عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري"، "الأجوبة الوفية على أسئلة الألفية"، "يانع الثمر في مصطلح أهل الأثر"، تحقيق "ديوان الضعفاء" للذهبي، تحقيق كتاب "ديوان الضعفاء" للحافظ الذهبي، وكذا "ذيل الديوان"، "إتحاف الخلان فيما ورد في ليلة النصف في شعبان"، "تحفة القاري في الردّ على الغماري"، "سبيل الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد".
стр. 59
أبناؤه
عقّب الشيخ حماد بن محمد الأنصاري ثمانية ذكور، وثلاث إناث: أكبر أبنائه: عبد اللطيف "وهو يعمل بشركة عبد اللطيف جميل للسيارات"، وعبد الحليم "وهو حاصل على دبلوم في التسويق من الولايات المتحدة الأمريكية"، ثم أحمد "وهو صاحب أعمال حرة"، عبد الباري "حاصل على الماجستير في علوم الحديث النبوي"، عبد الغني "وهو في السنة الأخيرة في كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية"، عبد الأول "وهو متخرّج في كلية الحديث الشريف، ويعمل باحثًا في مركز خدمة السنة النبوية"، عبد الإله "وهو منتسب بجامعة
стр. 60
الملك عبد العزيز كلية اللغة العربية -، وعاصم - وهو طالب في المعهد العلمي بالمرحلة الثانوية.
стр. 61
ماذا قالوا عنه؟ اشتهر بالعلم ومكتبته مفتوحة لطلبة العلم .
وصف عددٌ من العلماء الشيخ حماد الأنصاري بالاستقامة وحسن المعتقد، وأكّدوا أنه كان كريمًا مع طلاّبه، ولم يبخل عليهم بعلمه، وأنه كان دائمًا مع الحق ويعدل، ولا يميل مع أحد، ولا يقبل الحكايات المكذوبة التي تقال عن الصحابة أو نحوهم.
فقد وصفه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ "نائب المفتي العام" بأنه رجلٌ معروف بعمله واستقامته وبذله لعلمه، ومكتبتُه مفتوحة لطلبة العلم يستفيدون منها، وينهلون منها؛ وهو معروف بحسن المعتقد ومحبة السنة والتمسك بها، وهو رجلٌ صالح وذو تقى كما علمناه.
الشيخ صالح بن محمد اللحيدان "رئيس المجلس الأعلى للقضاء بالسعودية، وعضو هيئة كبار العلماء" قال: (إذا سألتموني عن الشيخ حماد الأنصاري "﵀" فقد عرفتُه وقتَ تدريسِه في معهد إمام الدعوة في الرياض، كنت يومَها سكرتيراً لسماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم "﵀"؛ فقد عرفتُ في الشيخ حماد حبّ الحديث وعلومه والحرص على جمع كتبه الخاصة بعلوم الحديث وفقهه، وما يتعلق برجاله، ويسعى لجمع مخطوطاته، ويبذل في ذلك الجهد والمال؛ فإذا وجدَ شيئًا نادرًا اتصل بي "﵀" إما مخبِرًا وإما مبيّنًا كبر فائدة ما وجه من هذا النوع من الكتب؛ وربما سألني عن شيء من هذا
стр. 62
النوع من الكتب إنْ كنتُ اطلعت على شيء منها، وربما طلب تزويدي بصور من مثل ذلك؛ وقد منحه الله التحمُّل والصبرَ على من يراجعه من الطلاّب) .
ويضيف الشيخ اللحيدان: "أن الذي كان محل إعجابي وعجبي منه: صبرُه على الناس طلاب العلم، وبذل جهده ومكتبته العامرة للمراجعة، وتسامحه في كل ما يتعلق بتصوير كل ما في مكتبته، بل كان ييسر إذا رغب أحدٌ تصوير شيء من كتبه؛ وكان يتألم ممن يبادله بالشح والبخل في تصوير ما يطلب تصويرَه.
فالشاهد: أنه يتعجب ممن يشحّ؛ لأنه كان يقيسُ الناسَ على نفسه، وكان معتنيًا بالحديث، وله بعض المؤلفات.
والخلاصة: أن الرجلَ من العلماء ولا سيما في الحديث وفنونه؛ فأسأل الله أن يرحم الشيخ حماد، وأن يحسن العاقبة لذريته، ويجعلهم ذرية مباركة، ويحسن الخلَف للطلاب الذين يرجعون إليه؛ وكما أسألُه سبحانه أن يكون ما بذلَه من جهد في سبيل العلم في ميزان حسناتِه، وأن يحسن لنا جميعًا الخاتمة والعاقبة.
الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين "عضو الإفتاء بالسعودية" قال عن الفقيد إنه اشتهر بالعلم الشرعي؛ وهو عالمٌ من علماء الحديث، حيث يعرف شرح الكلمات، ويعرف الرجل، ويعرف ما يستنبط حول علم الحديث، ويبحث فيما يتعلق بلغة الحديث وبفوائده وما أشبه ذلك؛ وهكذا يدرس في أصول الحديث الذي هو علم المصطلح؛ فتجد فيه أيضًا المعرفة بالرجال، والمعرفة بمصطلح الحديث وما يدورُ حوله وكأنه شغله الشاغل؛ وهكذا تدريسُه في التوحيد فإنه أيضًا على علم بالعقيدة الصحيحة، ورسخت العقيدة السنية السلفية في قلبه، وكذلك علم التوحيد.
وأما عن علم التفسير وما يدورُ حولَه فيقول الشيخ الجبرين بأنه كان إذا
стр. 63
درس في علم التفسير رأيتَ أنه متوغّل في علمه، وأنه متمكن من معرفة ما يدورُ حولَه، وما قيل في الآيات وأسباب النزول وما أشببها.
ودرس أيضًا في التاريخ؛ وكان عمله دليلاً على أنه يقول الحق ويعدل، ولا يميلُ مع أحد، ولا يقبل الحكايات المكذوبة التي تُقال عن الصحابة أو نحوهم.
وقد عرفنا أيضًا من مجالسته ومن كثرة البحث معه أنه يرجع إلى الحق متى عرفَه ولو كان مع خصمه؛ فإذا اتضحَ له الحق فإنه يقول به ولا يردّ قولاً قال به غيرُه إذا كان صوابًا، بل يتقبّلُه؛ وهذه من شيَم طلبة العلم وحملة العلم.
ولا شكّ أنه كان "﵀" سهل الجانب، ليّن الطبيعة الوفاء، يحب الاخوة ويتودّد إليهم، وكلُّ من عرفه وجالسه أنِسَ به.
وكان أيضًا قويّ الذاكرة، كل من عرفه قديمًا لا يذهب عن ذاكرتِه، سريع الحفظ، قوياً بجانب ذلك؛ فإنه كان متواضعًا للصغير والكبير، بحيث أنه يجالس ويؤانس تلامذته المبتدئين ويتبسط معهم؛ وكان شغوفًا بالعلم الصحيح.
ثم إن كتبه التي تضمُّها تلك المكتبة الكبيرة لم يكن يهجرها، بل يطلع عليها؛ بحيث لا يكون فيها كتابٌ إلا وهو يعرف محتوياته، ويعرف ما يتضمنه من المعلومات التي تحتوي عليها تلك الكتب في أيِّ فنٍّ من الفنون، وحتى علوم الكلام وعلوم المنطق وشبهها، وإذا اقتنى شيئًا منها فإنه يتقنه لغرض مهم ونحو ذلك. وكلُّ ذلك دليلٌ على أنه رزقه الله الفهمَ وقوة الإدراك.
وكان الفقيدُ أيضًا على جانبٍ من الزهدِ في الدنيا والتعفّف والتقلّل منها. ﵀ وأكرم مثواه) .
стр. 64
الشيخ إبراهيم الخضيري "القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض" وصف الفقيد بأنه علَمٌ من أعلام الإسلام، وكان حريصًا على نشر العلم بين طلاّبه، وعلى أداء الرسالة التي يجب أن يؤديها كلُّ مسلم في حياته.
كان من أهل العبادة والتقى، وكان من الأحباب الموثقين لدى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وأوصى ورثتَه بشكل خاص وأحبابَه من طلاب العلم بشكل عام أن يدعوا له بالمغفرة والرحمة، وأن يعتنوا بكتبه ومصنّفاتِه، وأن يستفيدوا من علمه، وأن يتخذوا من صبره واحتسابِه وجدِّه وجهاده نبراسًا يهتدون به في مثل هذه الأيام.
الشيخ عبد الباري الثبيتي "إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف" رثاه بقوله: "لقد فقدت الأمة الإسلامية عالمًا جليلاً وجهبذًا ضليعًا، أفنى حياتَه في سبيل العلم ونشرِه؛ كان يلتقي حول مائدتِه العلمية طلاب العلم، وينهلون من معينِه؛ فيؤنسهم بحديثِه ورحابة صدرِه وسعة علمه. فرحمه الله رحمةً واسعة".
стр. 65
الشيخ حماد الأنصاري محدث المدينة النبوية .
بقلم: الدكتور/ عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان.
أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
نُشرت في جريدة (الرياض) العدد: (١٠٧٢٨) بتاريخ: ٧ رجب عام ١٤١٨هـ، الموافق: ٧ نوفمبر ١٩٩٧م.
قضاء الله نافذ، وإذا حلّ الأجل فلا مردّ له، والموتُ حقٌّ، وهو سبيلُ كلّ حي؛ ومن عناية الله بالمؤمن طلب منه أن يسلم ويرضى بقضاء الله وقدره؛ وقطارُ الحياة يموجُ بالأحياء والأموات، وفي كلِّ لحظة مولد ينبض بالحياة فيضاف إلى رصيدها، أو ميت يغادر الفانية إلى الباقية؛ وكم من الأحياء الذين يعيشون في عداد الأموات؛ لأنهم يعيشون على هامش الحياة، حيث إنهم لم يعيشوا فيها كما أراد الله لهم دينًا وخلقًا وعلمًا وعملاً وكدًّا وسعيًا وصلاحًا.
وكم من الأموات الذين يغادرون هذه الدنيا، ولكنهم يعيشون في قلوب الناس جميعًا بأخلاقهم وصلاحهم وأعمالهم؛ ومن هذا الصنف: شيخ الحديث، وعالم المدينة النبوية الشيخ حماد بن محمد الأنصاري "يرحمه الله" الذي وافته المنية منذ أيّام؛ وقد تألّم وحزن لفقده كلُّ من عرفه من طلاّب العلم ومحبيه، ولا شكّ أن فقد العلماء من أمثاله يترك فراغًا كبيرًا قد لا يتهيّأ من يسده.
وكأني أنظر إلى وجه الشيخ "يرحمه الله" وأشهد فيه ذلك السمْت الذي ينمّ عن طيبة القلب، وصفاء النفس، ونقاء السريرة والوقار الذي يملأ النفسَ إجلالاً وتقديرًا، واستروح ذلك الحب الذي يفيض منه على كل من له صلة به من طلابه ومحبيه؛ تجالسه فتراه طلق المحيّا، هاشًّا، باشًّا في وجه من يجالسه، أو يقصده طلبًا للعلم والفائدة.
أحبَّ العلمَ، ونذرَ له نفسه، وكرّس له كل جهده ووقته؛ وكأنه لا يرغب في أن تفوت لحظةٌ واحدة أو يمرّ نفس دون أن يكون قد شغلَه في الحصول على معلومة أو كتاب.
وملَك عليه حبّ الكتب واقتناؤها شغاف قلبه؛ وإذا سمع بكتاب جيّد يدخل دائرة اهتمامِه لا يهدأُ له بال، ولا يغمض له جفن، ويظلّ يلحّ ويدأَب
стр. 66
ليلَه ونهارَه حتى يتحصّل عليه في أيِّ مكان، أو بأيِّ ثمن؛ بل كان يقتطع من قوته ليؤمن ما يحتاجه من الكتب، أو يصور ما يختاره من المخطوطات النادرة في الحديث وعلومه.
وارتحل شرقًا وغربًا، وطوّف في بلادٍ كثيرة لا لكي يتنزّه أو يستجم، ولكنه يتكبّد عناء السفر ومشاق الترحال بحثًا عن كنوز تراثنا الإسلامي المحفوظ في مكتبات العالم.
ويقتضي المقام أن أقدم نبذة موجزة عن حياته الشخصية، وآثاره العلمية:
فهو أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري، ولد في (تاد مكة) من بلاد (مالي) بأفريقيا الغربية عام ١٣٤٤؛ وينتهي نسبُه إلى سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري.
ونشأ وترعرع في مسقط رأسه، وعاش في وسط يحفّه الالتزام بهدي الإسلام، ويحوطه التطلُّع إلى العلم الشرعي؛ إذْ من أسرته مَن اشتغل بالعلم والفتيا والقضاء؛ فلا غرو إذًا أن يتجّه الشيخ منذ نعومة أظفاره إلى العلم، ويحرص على مجالسة العلماء، والإفادة منهم، وتهيّأ له أن يحفظ كتاب الله وهو في الخامسة عشرة من عمره.
وأخذ يتدرّج في مدارج العلم حتى تمكّن من حفظ قدر وافرٍ من المتون في شتّى صنوف العلوم والفنون، ونال حظًّا كبيرًا من العلوم الشرعية والعربية في بلاده مع التركيز في هذه المرحلة على علوم العربية، تمّ له ذلك من خلال ملازمته بعض المشايخ والعلماء، ومنهم عمّه الشيخ محمد أحمد بن محمد الذي يلقّب بالبحر لتبحّره في العلوم، وخاله محمد أحمد تقي، وابن عمه موسى بن الكسائي.
стр. 67
ولم تمنعه الظروف القاسية في بلاده من إشباع نهمه في التزوّد بالعلم من فطانة متعددة؛ فكم سهر من الليالي الطوال على ضوء القمر أو السراج يقرأ ويكتب ويحفظ.
وحينما قدِم إلى المملكة العربية السعودية تطلّع إلى الاستزادة من العلم؛ فلازم بعض علماء الحرمين، ودرس على بعضهم الحديث وعلومَه، منهم الشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ حسن المشّاط بمكة، والشيخ محمد بن تركي، والشيخ حبيب الرحمن الهندي بالمدينة المنورة، والمحدث الشيخ عبد الشكور الهندي، وعبد الحق العمري، ومحمد بن عيسى الفاداني، والشيخ قاسم بن عبد الجبار الانديجاني الفرغاني صاحب كتاب "المصباح في علوم الحديث"؛ وحصل من بعضهم على إجازات، وسمع بالأسانيد المتصلة إلى المؤلفين فيما تلقاه عنهم من أحاديث؛ ومن ذلك: الحديث المسلسل بالأولية الذي أجازه به الشيخ قاسم الإنديجاني، ثم أجازه في الكتب الستة المشهورة؛ ومن شيوخه الذين كان لهم تأثيرٌ واضحٌ عليه: الشيخ محمد عبد الله بن محمود المدني "أحد أئمة المسجد النبوي"، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ "مفتي المملكة العربية السعودية".
وكان "يرحمه الله" يشيد في مجالسه بشيوخه هؤلاء، ويذكر فضلَهم عليه؛ ويبدو أن جلّ ما درسه وناله من العلم إنما كان على أيدي العلماء والمشايخ، وعكوفه على الكتب حفظًا وقراءة واستيعابًا؛ وكان له بذلك الإدراك الراسخ والإطلاع الواسع والعلم الغزير في علوم الحديث، والتفسير، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، وغيرها من علوم الآلة.
وهذا المسلك هو الذي كان ينتهجه علماؤنا السابقون الذين يطلبون العلم لذات العلم وحبًّا ورغبةً في التزوّد منه، وليس لغرض أو عرض دنيوي.
ولا شكّ أن هذا المسلك في تلقّي العلم كان له أثرٌ واضح في تكوين
стр. 68
شخصية الشيخ العلمية من حيث التعمّق والتبحُّر فيما درسه من علوم جعلت منه عالمًا متبحرًا، ولا سيما في علم الحديث وأصوله الذي أولاه جلّ اهتمامِه وعنايته وأصبح شغله الشاغل دراسة وقراءة وتأليفًا وتدريسًا.
وجمع في الحديث وعلومه مكتبة شاملةً لكل ما يتّصلُ بهذا العلم من مطبوعات ومخطوطات نادرة؛ وتعدّ مكتبتُه بحقٍّ من أنفس وأوسع المكتبات في هذا الباب؛ وليس العبرة بجمع الكتب، ولكن باستعياب ما في بطونها من درر العلم وكنوزه.
وقد تمّ ذلك للشيخ مما جعله ذا دراية واسعة بما اشتملت عليه مصادر العلم على تعدد جوانبه وكثرة فروعه وفنونه؛ وتألّق الشيخُ في علم الحديث وأصبح حجّة ومرجعًا للعلماء وطلاّب العلم في هذا الباب.
ولم يُعرف عن الشيخ أنه نال شهادة من جهة تعليمية رسمية سوى ما عرف من التحاقه بدار العلوم الشرعية بالمدينة المنورة عام ١٣٦٩هـ في قسم الحديث النبوي، ولم يدرس في جامعة، ولم ينل شهادة الدكتوراه، ولكن جامعته وشهادته الكبرى علمه الفيّاض، وأخلاقُه، وهمّته، وحرصُه على العلم وطلاّبه، وآثاره المتمثلة في طلاّبه، ومؤلفاته المفيدة.
وقد كرّس جلّ سنين عمره لطلاب العلم والتدريس؛ حيث عمل مدرسًا في المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، ثم انتقل إلى التدريس بالرياض في المعهد العلمي عام ١٣٧٥هـ، ومنه انتقلَ إلى التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٣٨٥هـ، واستمرّ بها أستاذً للحديث وعلومه حتى عام ١٤١٠هـ، حيث بلغ سن التقاعُد؛ وأشرف في هذه الفترة على عددٍ كبيرً من طلاب الجامعة الإسلامية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وناقش عددًا كبيرًا من الرسائل المقدّمة في تلك المرحلتين.
стр. 69
ولم يقتصر الأمر في عطائه الثرّ على التدريس في أروقة الجامعة الإسلامية، بل كان الطلاّب يتوافدون عليه زرافات ووحدانًا كل يوم في بيته العامر بالعلم وخلق العلماء وبذلهم وعطائهم؛ وكانوا يجدون عندَه "يرحمه الله" بغيتهم، إذْ يتلقّاهم بأخلاق العالم الذي يحرص على إفادة طلاّبه وتوجيههم التوجيه السديد الذي ينير لهم دروب العلم والمعرفة، ويبعدهم عن الشطط؛ كما يجدون عندَه الأب الحاني على أبنائه، ولم يكن يبخل بوقته على أي راغبٍ في الإفادة الحقّة، بل يتلقّاه بالرعاية والعناية والاهتمام؛ ويمضى معه الساعات الطوال موجهًا ومعلّمًا؛ ولهذا الغرض كان باب مكتبته في بيتِه مفتوحًا كل يوم بعد صلاة العصر مباشرةً إلى أذان العشاء لكل قاصد من طلاّب العلم والعلماء؛ ومع أن ذلك قد يشغله عن أمور كثيرة تخصُّه وتخص مراجعة مؤلفاته أو متابعة بعض البحوث والدراسات، إلا أنه كان يشعر بالراحة التامّة وهو يؤدِّي رسالته نحو طلاّبه والراغبين في الإفادة من عمله.
والحق أنه كان مدرسةً في الحديث وعلومه، وتخرّج منها الكثيرون، وتأثروا بمنهجه وتوجهاته في دراسة الحديث النبوي وبعد ذلك من آثاره الجليلة.
أما آثاره المتمثلة في الكتب والمؤلفات فهي عديدة يدور جلّها حول الحديث النبوي وعلومه وحول العقيدة؛ ومنها:
١- الفتح الكبير في تراجم شيوخ الطبراني في المعجم الكبير.
٢- فتح الوهّاب فيمن اشتهر من المحدِّثين بالألقاب.
٣- سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد.
٤- إعلام الزمرة بأحكام الهجرة.
٥- إتحاف ذوي الرسوخ بمن دلّس من الشيوخ.
стр. 70
٦- كشف الستر عما جاء في شدّ الرحل إلى القبر.
٧- دفع الاشتباه عن حديث "من صلى في مسجدي أربعين صلاة".
٨- الإعلان بأن (لعمري) ليس من الأيمان.
٩- كشف اللثام عما ورد في دخول مكة بلا إحرام.
١٠- البت في الطواغيت الست.
وآن لي أنْ ألويَ عنان القلم عند هذا الحد؛ فإنّ الحديث عن الشيخ حماد "يرحمه الله" ذو شجون، وفي النفس يختلج الشيءُ الكثير عنه.
وفي نهاية المطاف لا أملكُ إلا أن قول: يرحمك الله أيها الشيخُ الجليل؛ وما أقسى فراقك على القلوب المتعطِّشة إلى عطائك، ولكنها إرادة الله ولا رادّ لقضائه؛ وحسبُك ما تركتَ من آثار جليلة في نفوس طلاب العلم تحيي ذكراك؛ واللهُ وليُّ التوفيق، وهو القادرُ على أن يجزيك خيرَ الجزاء على ما قدّمتَ.
стр. 71
ما جاء في مجلة (المجلة العربية)
نبذة عن حياته
...
ما جاء في مجلة (المجلة العربية)
العدد (؟) بتاريخ رجب ١٤١٩هـ:
شخصيات العالم المحقق.
الشيخ حماد بن محمد الأنصاري.
بقلم: عبد اللطيف بن محمد الجيلاني ـ المغرب.
فقدت الأمة الإسلامية مؤخّرًا علمًا بارزًا من علماء الأمة الإسلامية، ألا وهو الشيخ المحدِّث العلامة أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري؛ فبذهاب العلماء يذهب العلم، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فضلهم عظيم، مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهلُ الغفلة، وهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة؛ بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ؛ قال أحد السلف: "عليكم بالعلم قبل أن يذهب؛ فإنّ ذهاب العلم موت أهلِه"، وفي "الصحيح" عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناسُ رؤساء جهّالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلّوا وأضلوا".
كان الشيخ حماد الأنصاري إلى حدود شهر رمضان ١٤١٧هـ مستمرًّا في مسيرته العلمية يحيي نفوس تلاميذه وروّاده بتوجيهه الحكيم ودروسه السلفية وعلمه الصحيح، ثم فاجأه مرضٌ عضال في العشر الأواخر من رمضان، واستمرّ به إلى يوم وفاته؛ وإبان مرضه تنقّل بين مستشفى الملك فهد بالمدينة النبوية ومستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، ثم عاد مرة أخرى إلى المدينة في مستشفى طيبة؛ حيث لفظ أنفاسَه الأخيرة.
وتعودُ آخرُ زيارة قمتُ بها إليه قبل يومين من وفاته؛ فرأيت الشيخ حينها على غير ما عهدناه عليه، قد تغيّرت حالته، فأصبح لا يكادُ يعرف مَن حولَه، وصار جسمُه نحيلاً، وابيضت لحيتُه بعدما ذهب عنه الخضاب، وافتقدنا بابتسامته التي لم تكن تفارقه كلما لقيناه.
وقد وضع بجانب رأسه مذياع لفت انتباهي حينما انبعث منه صوت القارئ وهو يتلو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ
стр. 72
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِّمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وكانت الصلاةُ عليه بالمسجد النبوي الشريف، ودُفن بالبقيع، وحضر جنازته جمْعٌ غفير من الناس، يتقدمهم المشايخ والطلبة في موكبٍ مهيب.
نسأل الله العلي القدير أن يجزيَه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأن يتغمّده بواسع رحمته.
وتعريفًا بشيخنا الجليل ووفاءً ببعض حقه علينا، وتعبيرًا عما نكنُّه له من عميق الحق والتقدير أسطّر له هذه الترجمة الموجزة مراعيًا في ذلك الإيجاز إلى أن تسنح فرصة أخرى لكتابة ترجمة موسعة عنه.
نبذة عن حياته:
هو: أبو عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري، من ذرية سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري.
ولد عام ١٣٤٤هـ في بلدة (تاد مكة) التي كانت تعرف بالسوق في أفريقيا الغربية من بلاد (ملي) المسماة اليوم بمالي. و (تاد مكة) معناها: هذه مكة، لكونها مثلها تقعُ بين أربعة جبال.
стр. 73
نشأتُه وبداية طلبه العلم
نشأ الشيخُ ببلدة تاد مكة في بيت علم ودين، وقد عرفت هذه الأسرة في مالي بالعلم والفتيا والقضاء.
وكان حفظَ القرآنَ الكريم أول ما بدأ به الشيخ مسيرته التعليمية؛ فأنهى حفظَه على خالِه المقرئ محمد أحمد بن تقي الأنصاري "الملقب بأستاذ الأطفال"، وهو آنذاك ابن خمس عشر سنة.
стр. 74
ثم قرأ على شيخه المذكور "رسالة ابن أبي زيد القيرواني"، كذلك تلقّى عنه في علم النحو والتصريف "الآجرومية"، ثم "ملحة الإعراب" للحريري، ثم "ألفية ابن مالك"، ثم "زوائد الكافية على الألفية"، ثم "لامية الأفعال في تصريف الأفعال"، ثم "الزوائد على لامية الأفعال" لابن إسحاق "الملقب ميدو".
وأخذ علم البلاغة عن شيخه العلامة فريدِ عصرِه موسى بن الكسائي الأنصاري، فدرس عليه "الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون" "وهي: المعاني، والبيان، والبديع نظمٌ للأخضري في خمسمائة بيت"، ثم "عقود الجمان" نظم للسيوطي في ألف بيت.
وأخذ علم الأصول عن بحر العلوم عمه محمد أحمد الملقب بـ (البحر) ، ودرس عليه "الورقات" لإمام الحرمين الجويني، وغيرها من العلوم والفنون.
وأخذ عن عمه أيضًا في التفسير "الجلالين" ثم "تفسير البغوي" ثم "تفسير الخازن".
وفي الحديث سمع "الموطأ" والصحيحين، و "سنن أبي داود"؛ ولم يكن يوجد في بلده في ذلك الوقت غير هذه الكتب من أمهات كتب السنة.
ودرس عليه في الفقه "مختصر خليل بن إسحاق الجندي"،و "التبصرة" لابن فرحون اليعمري المالكي، و "التبصرة" لابن سلمون الحنفي، و "الطليحية"،و "مصطلحات الفقه المالكي" لابن بهرام؛ كما سمع منه "المدونة".
وأخذ الفرائض عن شيخه الجليل الشريف الإدريسي الحسني حمود بن محمود؛ درس عليه "الرحبية" مع شرح "الشنشورية".
وأخذ عنه أيضًا المنطق؛ فدرس عليه "السلم المورنق" للأخضري، و "إيساغوجي"، و "الشمسية".
стр. 75
وفي علم المنازل: "المنظومة السوسية" للأخضري.
كما درس عليه أيضًا علم أصول الفقه، وعلم مصطلح الحديث؛ حديث درس "النخبة" لابن حجر مع شرح "النزهة"، و "ألفية السيوطي".
وفي أصول التفسير درس أبوابًا من "الإتقان" للسيوطي مع مقدمته.
ونُشيرُ هنا أنه أخذ العلوم المذكورة عن علماء بلده بالأسانيد المتصلة إلى المؤلفين، وحصل منهم على الإجازة فيما سواها.
ثم أكبّ بعد ذلك على مطالعة الكتب والتدريس في بلده.