Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كتاب الرّد على أبي بكر الخطيب البغدادي
تأليف: الإمام الحافظ محبّ الدّين أبي عبد الله محمّد بن محمود ابن الحسن بن هبة الله بن محاسن المعروف بابن النجّار البغدادي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ[¬*]
دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
_________
[¬*] تعليق الشاملة:
كذا ورد على الغلاف، وهو غلط، لعل سببه طباعة (ذيل ابن النجار، والرد) جميعا ضمن ملاحق تاريخ بغداد.
ومؤلف الرد هو الملك المعظم عيسى الأيوبي، كما هو مصرح به هنا بآخر الرد ص ١٤٨ من هذه الطبعة، وكما هو في ط دار السعادة - مصر (١٣٥١ هـ - ١٩٣٢ م)، وصُرِّح بذلك في مخطوطات الكتاب، والمؤلف مشهور جدا بهذا الكتاب، ذكرته كثير من كتب التراجم.
وهذا نص ما ورد في ط السعادة:
«الرد على أبى بكر الخطيب البغدادى فيما ذكر فى تاريخه فى ترجمة الإمام سراج الأمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمة الله عليه
للسلطان الملك المعظم أبي المظفر عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفى المولود سنة ٥٧٨ هـ والمتوفى سنة ٦٢٤ هـ
وجعل ملحقا للجزء الثالث عشر من تاريخ بغداد لورود ترجمة الإمام الأعظم أبي حنيفة فيه
تنبيه
طبع هذا السفر الجليل عن النسخة الوحيدة المحفوظة بدار الكتب المصرية، فن التاريخ رقم ١٥٣ والمخطوطة سنة ٦٢٣ هجرية في حياة المؤلف رحمه الله تعالى والمشار إليها بعنوان «السهم المصيب في كبد الخطيب»
وجاء بهامش آخر ورقة منها: أنها قوبلت في حياة المؤلف على النسخة المقروءة عليه
وتسهيلا لمراجعة المطالع قد وضعنا رقم الصفحة وعدد السطر من ترجمة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان الواردة في المجلد الثالث عشر من تاريخ بغداد في آخر عبارة الخطيب التي تعقبها الملك المعظم بالرد عليه فيها. وترجمة الإمام من هذا المجلد (الثالث عشر) من س ٢٢ ص ٣٢٣ إلى ص ٤٢٣ س ٢٠ (رقم ٧٢٩٧)» ا. هـ.
سقنا هذا النص بتمامه، لأنه لم يرد في ط العلمية هذه أي شيء عن مؤلف الرد، ولا عن مناسبة إلحاقه بتاريخ بغداد، وهذا كله واضح مما سقناه من مقدمة ط السعادة، وقد نص محقق ط العلمية أنه اعتمد عليها
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الخطيب أبو بكر أحمد بن على بن ثابت البغدادي، صاحب التاريخ في تاريخه: أخبرنا العتيقى أنبأنا محمد بن العباس أنبأنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: كان أبو حنيفة طلب النحو في أول أمره فذهب يقيس فلم يجيء، وأراد أن يكون فيه أستاذا قال: قلب وقلوب. وكلب وكلوب. فقيل له كلب وكلاب ووقع في الفقه، فكان يقيس ولم يكن له علم بالنحو؟ فسأله رجل بمكة. فقال له: رجل شجّ رجلا بحجر. فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء لو أنه حتى يرميه بأبا قبيس لم يكن عليه شيء.
فأقول وبالله التوفيق.
هذا من يكون عالما بالعربية. لأن الشرع مردود إلى ما ورد عن النبي ﷺ . والعربية مردودة إلى العرب. فما جاء عنهم أخذنا به. فإن كان كثيرا جوزناه وإن كان قليلا جدا. قال سيبويه في مثل هذا: سمعنا من العرب من يقول ذاك، فإن كان قد سمعه من فصيح أو موثوق به نبه عليه. فقال سمعناه ممن يوثق بعربيته، وقوله: بأبا قبيس. قد جاء مثله للعرب وهو قولهم:
إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها
فهذا منقول عن العرب. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه ٦٣] ولم يقرأ إن هذين غير أبى عمرو. فكان بعض العرب يجعل التثنية مبنية على هذا الوجه. ألا ترى إلى اسم إن لم يتغير بدخول إنّ عليه معما أنهم لم يدخلوا في كلامهم إن إلا للتأكيد. والحروف الستة عند بعض العرب مبنية إذا كانت مضافة تقول: رأيت أباك، ومررت بأباك. وقد جاء في قول الشاعر:
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته … وقام بفأس بين وصلاك جازر
وأكثر الرواية فيها على الوجه الأصلى وهو: بين وصليك. قال سيبويه: واعلم
стр. 3
أنهم لا يغيرون كلامهم إلا وهم يحاولون بذلك وجها لعلمه بأن إن مؤكدة لما كانت داخلة على مبتدإ وخبر وفيه معنى لا يحتاج إلى دخولها ألا ترى إلى قولهم زيد منطق أنه كلام تام مبتدأ وخبره. وإنما أدخلوا إن لتؤكد هذا المعنى الذي في المبتدأ والخبر من غير إخلال. ولما كانت إن جامدة جمود الاسم كان عملها فيه- أعنى النصب- بخلاف كان. لأنها منصرفة تقول: كأن يكون كونا فلما دخلت على الماضي والمستقبل والحال أشبهت الأفعال. فكان عملها فيها تقول: كان زيد منطلقا. ترفع الاسم وتنصب الخبر بخلاف إن. فإذا كانت إن مزادة للتأكيد لم تغير إن عن عملها في التثنية. كيف تغيرها الباء الزائدة مع أنها تحذف ولا تعمل. وكونها زائدة يكفى فيما ذكرت.
وأما كلام أبى حنيفة ﵁ في العربية غير مخفي وهو ما حكى عنه محمد ابن الحسن ﵁ وسأذكر بعض ذلك لتقف عليه إن شاء الله تعالى.
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار. لا تطلق حتى تدخل الدار ولو فتح «أن» طلقت للوقت. والفرق بينهما أنه إذا كسر إن كانت للشرط وإذا فتحها كانت بتقدير اللام. فكأنه قال لدخولك الدار. فلم يصر هذا الكلام من صفة الطلاق ولا من الشرط. فصار كأنه قال مبتدأ: أنت طالق. فطلقت في الوقت. قال سيبويه في باب من أبواب أن التي تكون والفعل بمنزلة مصدر تقول: أن تأتنى خير لك كأنك قلت الإتيان خير لك. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤] يعنى الصوم خير لكم. قال عبد الرحمن بن حسان:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم … أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا
كأنه قال: رأيت حسبكم لبث الثياب.
واعلم أن اللام ونحوها من حروف الجر قد تحذف من أن، كما حذفت من إن، جعلوها بمنزلة المصدر حين قلت فعلت ذاك حذر الشر، أى لحذر الشر.
ويكون مجرورا على التفسير الآخر. يعنى حين قدرها باللام التي تجر. ومثل ذلك قولك: إنما انقطع إليك أن تكرمه أى لأن تكرمه قال الله تعالى:
стр. 4
﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة ٢٨٢] أى لأن تضل: وقال: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم ١٤] أى لأن كان ذا مال. قال الأعشى:
أأن رأت رجلا أعشى أضربه … ريب المنون ودهر تابل خبل
فإن المخففة هنا حالها في حذف حرف الجر كحال إنّ المثقلة. وتفسيرها كتفسيرها وهي وتفسيرها بمنزلة المصدر. ألا ترى أنك لو قلت: لم يك ولم أبل. لم يتغير عملها بالحذف لأن أصل أك أكن حذفت النون لكثرة الاستعمال. وكذلك أبل أصلها أبالى فلما حذف منها ما حذف لم يتغير عملها كذلك أن لما خففت نفى عملها إلا ان الفرق بين المكسورة والمفتوحة ما ذكرت.
مسألة
رجل قال لامرأته:- وهي غير مدخول بها- إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. إن كلمتك فأنت طالق. طلقت واحدة لأنه في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يكلمها فإذا قال لها في المرة الثانية: إن كلمتك فأنت طالق وجد شرط انحلال اليمين الأولى، ووقعت تطليقة يعنى أنه إذا قال إن كلمتك فقد جاء بالشرط والجزاء والشرط والجزاء كلام تام. لأنه مثل المبتدإ والخبر. ففيه فائدة تامة. فإذا كان كذلك صار كلام تاما فوقع به الطلاق وإن كان قد أوجب شرطا آخر فلما قال في المرة الثالثة وجد منه الكلام ولم يصادف الشرط ما يمكن أن يكون جزاء فلغا ألا ترى إلى قوله: إن كلمتك فأنت طالق يقتضى كلام تاما مفهما للمعنى وإنما يتم بقوله فأنت طالق فوجب أن لا يحنث في الأولى إلا بعد الفراغ من الثانية ولما فرغ من الثانية كانت في ملكه، فصح إدخالها في الجزاء فانعقدت اليمين الثانية فإذا قال في المرة الثالثة حنث في اليمين الثانية لكن لم تصادف الملك فلغا فلا تنعقد اليمين الثالثة لأنها كانت خارجة عن ملكه فإن تزوجها بعد ذلك وكلها لا يحنث، لأن اليمين الثالثة لم تنعقد ولو كانت المرأة مدخولا بها تقع تطبيقات لأن الأولى انحلت بالثانية والثالثة وبقيت الثالثة منعقدة فإذا كلمها وهي في العدة تقع أخرى لوجود الشرط في علقة الملك. ولو قال لامرأته- ولم يدخل بها-: أن حلفت بطلاقك فأنت طالق، قالها ثلاث مرات وقعت تطبيقه واحدة، لأنه في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يحلف بطلاقها فإذا قال لها في المرة الثانية: أن حلفت بطلاقك فأنت طالق فقد
стр. 5
حلف بطلاقها ووجد الشرط، فانحلت اليمين الأولى وطلقت واحدة، واليمين الثانية منعقدة لأنه إنما حنث في اليمين الأولى بعد الفراغ من اليمين الثانية لأن اليمين إنما تصح بالجزاء وحينما تكلم بالجزاء كانت في ملكه فلما كررها في المرة الثالثة لم تنحل اليمين الثانية، لأن المرأة بانت بلا عدة، فلم يصح في المرة الثالثة إدخالها تحت الجزاء فوجد شرط حنثه وهو الحلف بطلاقها، بخلاف المسألة الأولى ففرق بين قوله:
إن كلمتك وإن حلفت بطلاقك، لأن شرط الحنث هناك هو الكلام، والكلام يصح إن كانت المرأة في ملكه أو لم تكن واليمين بالطلاق لا يصح إلا في ملك، أو في علقة من علائق الملك، أو في مضاف إلى الملك.
الأصل في مسائل الأيمان
إن اليمين على ضربين: يمين يراد بها تعظيم المقسم به وهو الحلف بالله تعالى ويمين هي شرط وجزاء. قال سيبويه: اليمين جملة يؤكد بها الكلام.
قوله جملة، يعنى من فعل وفاعل، أو من مبتدأ وخبر، أو شرط وجزاء: أما المبتدأ والخبر قولك: والله لا كلمت زيدا، والجملة التي من فعل وفاعل: والله خالق السموات لا كلمت زيدا، والشرط والجزاء كقولك: إن دخلت الدار فو الله لا كلمتك وهنا لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك أو في علقة من علائق الملك، وأما الشرط فيصح في الملك وغيره. والمحلوف عليه من دخل تحت الجزاء لا من دخل تحت الشرط لأن الجزاء قوله أنت كذا وكان هو الداخل تحت اليمين وإنما لا يحتاج الشرط أن يكون في الملك لأن ذكر الشرط ليس بتصرف في الملك والجزاء إنما يجازى بما في ملكه فلذلك سمى جزاء لأن المجازاة هي أن يكون منك فعل قبالة فعل غيرك أو فعل غيرك قبالة فعلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر قال الله تعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وقال الشاعر:
جزى الله عنا ذات بعل تصدقت … على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها كما فعلت بنا … إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
ألا ترى إلى قوله: نجزيها كما فعلت وجزى الله والمعلق بالشرط لا ينزل إلا عند وجوده والنكرة في النفي تعم. تقول: ما رأيت اليوم رجلا تقديره ما رأيت اليوم
стр. 6
أحدا من الرجال، وفي الإثبات تخص، لأنك لو قلت رأيت اليوم رجلا اقتضى كلامك رؤية رجل واحد.
مسألة
وقال: رجل قال لامرأته- ولم يدخل بها- إن حلفت بطلاقك فأنت طالق قالها ثلاث مرات وقعت تطليقة واحدة. لأن في المرة الأولى حلف بطلاقها أن لا يحلف بطلاقها فإذا قال لها في المرة الثانية: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فقد حلف بطلاقها ووجد الشرط فانحلت اليمين الأولى وطلقت واحدة، واليمين الثانية منعقدة لأنه إنما حنث في اليمين الأولى بعد الفراغ من الثانية، لأن اليمين إنما تصح بالجزاء، وحينما تكلم بالجزاء كانت في ملكه، فلما كررها في المرة الثالثة لم تنحل اليمين الثانية: لأن المرأة بانت بلا عدة، فلم يصح في المرة الثالثة إدخالها تحت الجزاء، فوجد شرط حنثه. وهو الحلف بطلاقها، بخلاف المسألة الأولى، لأنه لم تنحل اليمين الثانية، لأن شرط الحنث هناك هو الكلام. والكلام يصح وإن لم تكن امرأته وهاهنا شرط الحنث الحلف بطلاقها وذلك لا يصح إلا في الملك. ثم إذا تزوجها وقال لها إن دخلت الدار فأنت طالق طلقت باليمين الثانية لوجود الشرط، وهو الحلف بطلاقها وإن لم يتزوجها ولكن قال لها إن تزوجتك ودخلت الدار فأنت طالق، حنث في اليمين الثالثة أيضا لأنه أضافها إلى الملك فصحت اليمين وانحلت اليمين الثانية ووقع الطلاق، إلا أنه لم يصادف الملك فلغا. واليمين التي أضافها إلى الملك صحيحة، فلو تزوجها ودخلتالدار وطلقت باليمين الثالثة ولو كانت مدخولا بها يقع تطليقان لأن اليمين الأولى انحلت بالثانية والثانية انحلت بالثالثة لأنها وجدت في علقة من علائق الملك وهي العدة وبقيت الثالثة منعقدة. فإذا قال لها وهي في العدة: إذا دخلت الدار فأنت طالقا انحلت الثالثة أيضا ووقع عليها أخرى.
مسألة
وقال رجل: قال امرأته طالق إن تزوج النساء أو اشترى العبيد، أو كلم الناس.
فتزوج امرأة واحدة، أو اشترى عبدا واحدا، أو كلم رجلا واحدا حنث لأن الألف واللام إنما يدخلان على السابق المعهود. كقوله تعالى: ﴿كَما أَرْسَلْنا إِلَى فِرْعَوْنَ
стр. 7
﴿رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ألا ترى أنه ذلك الرسول الأول. وإنما لما كان تقدم أمره وجرى ذكره ثانيا وقعت الدلالة أن الألف واللام تكون للسابق المعهود، أو للجنس والجنس يقتضى الواحد فصاعدا. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ وذلك أنه لم يرد سارقا بعينه فكأنه قال: اقطعوا هذا الجنس والأصل فيما ذكرت أن اسم الجنس لا يقتضى عددا محصورا بل الواحد فصاعدا واسم الجمع يقتضى عددا محصورا. كما قال في رجل قال: امرأته طالق أن تزوج نساء أو اشترى عبيدا. فإن لم يتزوج ثلاثا أو يشترى ثلاثا لا تطلق لأنه أخرج الكلام مخرج الجمع. أو قل الجمع الصحيح ثلاثة. وذلك أن العرب فرقت بين الواحد والاثنتين والثلاثة. فالواحد جاء عددا وصفة. أما الواحد العدد كما تقول واحد اثنان.
وأما الصفة فكما تقول جاء زيد وحده. وأما الاثنان فعدد له صيغة يتميز بها عن الآحاد والمجموع. فإذا أرادوا أن يصفوهما قالوا جاء الرجلان كلاهما قال الشاعر:
يا رب حىّ الزائرين كليهما … وحىّ دليلا بالفلاة هداهما
ألا ترى أنه لما وصف الزائرين وهما مفعولان قال كليهما فنصب كما نصب الزائرين، وأما فجعلوهم صيغة واحدة لأن أكثر العدد لا يتناهى. فلو جاءوا يعلمون لكل عدد صيغة لطال عليهم، فوحدوا وثنوا وجمعوا. أما التوحيد فكما علمت للفرد. وأما التثنية فلأنه أضاف واحدا إلى واحد وكذلك الجمع. فإنه أضاف واحدا إلى واحد وأما من قال أن التثنية جمع فهو على ما ذكرت من أنه جمع واحد. فهو على الحقيقة جمع بالنسبة إلى الفرد. وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وإجماع الناس على أنه إذا كان له أخوان كان لأمه السدس. وقد جاءت التثنية بلفظ الجمع وليس ذلك إلا نظرا للجمع على الحقيقة إذ كان ذلك جمع واحد إلى واحد فعلى هذا ساغ أن تكون التثنية جمعا. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلَى بَعْضٍ﴾ قال الله تعالى تسوروا ودخلوا، وهذا لا يكون إلا على الجمع لأنه بين بعد ذلك وقال خصمان قال الخليل: فهذا على إن الاثنين عندهم جمع أيضا وصار بمنزلة قول الاثنين نحن فعلنا. قال الشاعر:
ظهراها مثل ظهور الترسين
стр. 8
وإلا فصيغة كل جزء مما ذكرت مختصة على حدة. وأكثر الجمع عندهم تسعة وأقلهم ثلاثة، لأنه بعد التسعة يكرر لفظ الآحاد والجموع. فلو قال قائل إنكم إنما تجعلون الربع يقوم مقام الكل فلم جعلتم هنا الثلاث أعنى صيغة لفظ الجمع قلنا: إن ربع التسعة اثنان وربع ولما كانت الأعداد من شأنها الصحة لا الكسور وكان الرابع داخلا في الجزء والثلث غير منفصل عنه وليس فصله ممكن، ساغ أن يكون صيغة لفظ الجمع منطلقة على الثلاث إذا لا يمكن أقل من ذلك قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي شهران وعشرة أيام فلما دخل بعض الثالث في الكلام اقتضى النطق به بلفظ الجمع.
مسألة
رجل قال: والله لا أشرب من الفرات. إن شرب كرعا حنث، وإن شرب بآناء لم يحنث وذلك أنه إذا قال من فمن هنا لابتداء الغاية ولا يكون للتبعيض فلو أنها للتبعيض كان لا يحنث أبدا لأن الفرات اسم للأرض وليست باسم للماء فلو كان الفرات اسم الماء لكان المسمى ذهب وما أتى لم يسم وأنت إذا قلت أتيت الفرات لم ترد أنك أتيت الماء ولكنك تريد أنك أتيت البلاد التي على النهر فالنهر اسمه الفرات لا الماء فكأنك قلت والله لا أشرب منهذا الكوز ولو قلت هكذا لكانت يمينك على الشرب من الكوز لا على ما في الكوز فلو صب ما في الكوز في كوز آخر وشرب منه لم يحنث والنهر كما علمت اسم للحفرة المستطيلة كما قيل سيف منهر لم يرد أن الماء يجرى فيه ولكنه أراد المفقر ومنه سمى سيف النبي ﷺ ذا الفقار ولو كان قال لا أشرب من ماء الفرات فإن شرب منه أو من إناء نقل من الفرات أو شرب بكفه حنث لأنه أضاف الماء إلى نهر مخصص لأنه لو كان اسما للماء لم يجز إضافته إليه كما تقول ماء الفرات فلو كان الماء اسمه الفرات لما قلت هذا ماء الفرات وإنما كنت تقول الفرات لأن الشيء عندهم لا يضاف إلى نفسه كما لا تقول هذا غلام غلام ولكنك تقول هذا غلام زيد فيضيف الغلام إلى زيد كأنه قال لا أشرب من هذه الماء الذي في هذا الكوز فسواء شرب منه أو من إناء آخر نقل إليه منه حنث ولو قال لا أشرب من هذا البئر يحنث إذا شرب بإناء. الفرق بينهما أن البئر غير مقدور على الشرب منها على الحقيقة فصار كأنه حلف مجازا كما لو قال: والله لا آكل من هذه الشاة فاليمين على لحمها لأنه يقدر على أكلها حقيقة ولو قال لا آكل
стр. 9
من هذه النخلة، فاليمين على ثمرتها لأنه لم يقدر على أكل عينها حقيقة، فحمل على المجاز فكذلك الفرق بين الفرات والبئر.
واعلم أن العرب إذا وجدت الحقيقة في كلامهما لا يعدلون عنه وإذا لم يجدوا الحقيقة حملوا كلامهم على المجاز المتعارف فإذا لم يجدوا حملوا على المجاز فأما الحقيقة إذا قال رجل هذا أسد لا يشكون أنه رأى عرباضا ولو قال زيد الأسد حمل على المجاز إذ كان الحمل على الحقيقة متعذرا قال الله تعالى: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ فلم يرد أنهن أمهاتنا لكنه حمله على المجاز فلما جاء إلى الحقيقة قال: ﴿إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ وأما المجاز المتعارف فقوله تعالى: ﴿أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ فإن أحدنا لو جاء الغائط ألف مرة لا ينتقض وضوءه وإنما جعل الغائط كناية عن الحدث وإن كان الحدث أيضا مجازا إلا أننى استقبحت أن أذكر الحقيقة إذ لم أجد له في العربية اسما حقيقيا إلا اسما واحدا وأما المجاز غير المتعارف فقولهم الوطء يكون على الوطء بالقدم على الحقيقة وكناية عن الجماع قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ والمراد منه الجماع لأنه لما قال أرضهم وديارهم كفى في البلاد وأرضا لم تطؤها يعنى النساء.
مسألة
رجل قال: أن خرج فلان من هذه الدار حتى آذن له فعبدي حر. فأذن له مرة ثم خرج بغير أمره لا يحنث لأن حتى تكون للغاية فإذا قال حتى آذن له فكأنه قال غاية ذاك إذني له قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ فلو كان أبوه أذن له مرة لم يحتج إلى إذن ثان. ولو كان قال إلا بإذنى احتاج إلى الإذن في كل مرة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فيحتاج إلى الاستئذان في كل مرة.
والفرق بينهما أن المسألة الأولى جعل لها غاية بقوله حتى. فإذا انتهت غايتها سقطت كأنه قال لا أكلمك حتى يدخل رمضان فإذا دخل رمضان جاز له الكلام من غير حنث لأنه جعل رمضان غاية ليمينه. وأما الإذن فقال تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أى قبل إذنى لكم. فهذا محتاج إلى الإذن كل مرة، كأنه قال: إلا
стр. 10
وقد بين أبو حنيفة ﵁ حكم الحرف الوعائى ما لم يبينه أحد. وذلك في قوله رجل قال لآخر: إن شتمتك في المسجد فعبدي حر وقال إن ضربتك في المسجد فعبدي حر. فأما الشتيمة ونحوها مما يجرى من أحدهما فجعله كون الفاعل في المسجد. وأما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد. وأما ما لم يعم الفاعل بنفسه جعل الفعل أن يقع على المفعول فقال إن شتمتك في المسجد يحتاج إلى أن يكون الشاتم في المسجد إلا ترى أن الرائي لو رأى رجلا يشتم رجلا أو يكفر، ويقول: لا تشتم في المسجد أو لا تكفر في المسجد وأما الذي لم يقم بالفعل وحده فلا يحنث ما لم يكن المفعول في المسجد. ألا ترى أن رجلا لو رأى رجلا يذبح شاة والذابح بالمسجد والشاة خارج المسجد يقول لا تذبح عند باب المسجد ولو كانت الشاة بالمسجد والذابح خارج المسجد يقول لا تذبح في المسجد وكذلك لو قال إن قتلتك يوم الجمعة فضربه في غير يوم الجمعة لكنه مات يوم الجمعة حنث، ولو ضربه يوم الجمعة فمات في غير يوم الجمعة لا يحنث، لأن القتل لا يكون إلا بزهوق الروح. وقيل زهوق الروح لا يكون قاتلا. وإنما يكون ضاربا.
مسألة
رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكلام. فالتي تزوجها قبل الكلام طلقت ولا تطلق التي تزوجها بعد الكلام. لأنه أوجب الكلام من ساعته وجعل كلام فلان غاية ليمينه واليمين إذا انتهت غايتها سقطت فيكون كلام فلان غاية ليمينه وصار شرطا لانحلال اليمين ولم يكن شرطا لانعقاده لأنه أخر الشرط فصار شرطا لانحلال اليمين فدخلت المزوجة قبل الشرط تحت اليمين، وأما إذا قدم الشرط فقال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة بعد الكلام وامرأة قبل الكلام فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق، لأنه تزوجها قبل اليمين، والتي تزوجها بعد الكلام تطلق لأنه تزوجها بعد انعقاد اليمين. وهذا لأنه جعل كلام فلان شرط لانعقاد اليمين فصار كأنه قال عند كلام فلان كل امرأة أتزوجها فهي طالق، لأنه إذا علق الطلاق بالشرط يكون شرطا لانعقاد اليمين والداخلة تحت اليمين المزوجة بعد الشرط وإن أخر الشرط يكون شرطا لانحلال اليمين والداخلة تحت اليمين المزوجة قبل الشرط،
стр. 11
أما إذا وسط الشرط فقال: كل امرأة أتزوجها أن كلمت فلانا فهي طالق صار كما إذا قدم الشرط لأن كلمة هي لا تستبد بنفسها، فصار كما إذا قال كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها إن كلمت فلانا فالمرأة التي أتزوجها طالق ولو قال إن كلمت فلانا كل امرأة أتزوجها طالق صار الشرط مقدما كذلك هاهنا. وأما إذا وقت وأخر الشرط فقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلى ثلاثين سنة إن كلمت فلانا. فتزوج امرأة بعد الكلام وامرأة قبل الكلام طلقتا لأنا إنما جعلنا كلام فلان غاية ليمينه من طريق الدلالة. فإذا وقت صريحا خرجت الدلالة من أن تكون للغاية لأن الصريح أقوى منها. ولو قدم الشرط فقال: إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق. فالتي تزوج قبل الكلام لا تطلق، لأن الكلام صار شرطا، لانعقاد اليمين على ما ذكت ومن تزوجها بعد الكلام تطلق. ولو وسط فهو كما لو قدم ثم إذا أخر الشرط يعتبر من وقت اليمين، لأنه أوجب اليمين من ساعته. ولو أخر الشرط يعتبر من وقت الكرم لأن اليمين انعقدت عند الكلام، وكذلك الجواب في الفصول كلها إذا جعل غاية ليمينه وشرطا لحنثه.
وحروف الشرط إن المكسورة الهمزة المخففة تقول إن تأتنى آتك «ومن» يقول من يمرر أمرر به فقولك إن تذهب وما أشبهه من الفعل الذي يلي إن شرط والجزاء قولك اذهب. وجزاء الشرط ثلاثة أشياء: الفعل وقد ذكرته، والآخر الفاء. في نحو إن تأتنى فأنت مكرم قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلَا رَهَقاً﴾ وإذا، تقول: إذا احمر البسر أعطيتك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فموضع الفاء وما بعده جزم وكذلك موضع إذا وما بعدها بدلالة أنه لو وقع موضع ذلك فعل لظهر الجزم. وعلى هذا قرأ بعض القراء ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ فجزم يذرهم لحمله إياه على موضع فلا هادى له.
وقد تقع أسماء موضع إن وتلك الأسماء منها ما هو غير ظرف ومنها ما هي ظرف. فما كان غير ظرف فنحونا ومن، وأيهم، تقول من يكرم أكرم. وأيهم تعط أعط. وما تركب أركب قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وقال تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾ فعلامة الجزم في الفعل بعد أى حذف النون التي تثبت علامة للرفع في تفعلون قال الله تعالى: ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ
стр. 12
﴿آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ والظروف التي تجازى بها متى، وأنى وأين. وأى حين، وحيثما وإذ ما، ولا يجازى بحيث، ولا بإذ. حتى يلزم كل واحدة منهما ما يقول متى، يأتنى آته، ومتى ما تأتنى آتك. قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد
وأنى يقم أقم. وأين تذهب أذهب. وأى حين تركب أركب وهذه الأسماء التي جوزي بها إذا نصبت انتصبت بالفعل الذي هو شرط ولا يجوز: زيدا إن تضرب أضرب، لا يجوز أن تنصبه في قول البصريين بالشرط، ولا بالجزاء. فإن قلت: إن يضرب زيدا أضرب، كان زيد منتصبا بالفعل الذي هو شرط. فإن شغلت الشرط بالضمير قلت: إن زيدا تضربه اضرب عمرا كان زيد منتصبا بفعل مضمر، يفسره هذا الظاهر. كما أن قولك زيداضربته، كذلك وقد يحذف الشرط في مواضع، فلا يؤتى به لدلالة ما ذكر عليه وتلك المواضع: الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمني، والعرض. تقول: أكرمنى أكرمك، والتأويل أكرمنى فإنك إن تكرمني أكرمك. والنهى لا تفعل يكن خيرا لك. والاستفهام ألا تأتنى أحدثك؟ وأين بيتك أزرك؟ والتمني ألا ماء باردا أشربه؟ والعرض إلا تنزل تصب خيرا؟ فمعنى ذلك كله إن تفعل أفعل فهو جميعه معنى الشرط ومعنى الجزاء أفعل قال محمد في «الجامع الكبير»: ألا ترى أنه إذا قال إذا جاء غد فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا تطلق إلا التي تزوجها في الغد، وانما أراد ما أشكل بالأفعال فاعتبره بالأوقات لأنك إذا قدمت الشرط أو وسطته أو أخرته في الأوقات تبين لك في الأفعال. اجعل مجيء الغد بمنزلة كلام فلان. وقد تبين لك ما ذكرت.
مسألة
إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق كلما كلمت فلانا وتزوج امرأة ودخل بها ثم كلم فلانا، ثم تزوج أخرى فالتي تزوجها قبل الكلام تطلق ولا تطلق التي تزوجها بعد الكلام، لأنه جعل كلام فلان غاية ليمينه وشرطا لحنثه، فصار كأنه قال كل امرأة أتزوجها غدا فهي طالق كلما كلمت فلانا ولو قال هكذا لا يشكل لأنه لا يقع الطلاق إلا على التي تزوجها غدا، فذكر المسألة بكلما، وكلما كلمة تكرار بيانها
стр. 13
يجيء بعد إن شاء الله. فصار حكم هذه المسألة وحكم المسائل المتقدمة على السواء، إلا أن هنا ذكرت شرط الحنث مكررا فإن كلم فلانا مرة أخرى طلقت أخرى إذا كانت في العدة، ولا تطلق الثانية لأنه جعل كلام فلان غاية ليمينه والغاية لا تحتمل التكرار، والشرط يحتمل التكرار. فإذا تزوج المرأة الأولى وكلم فلانا فقد انتهت اليمين غايتها وسقطت، لأن في حق الأولى صار الكلام شرطا للحنث وشرط الحنث يحتمل التكرار، ولو قدم الشرط فقال كلما كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها طالق، فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعد الكرم فالتي تزوجها قبل الكلام لا تطلق وتطلق التي تزوجها بعد الكلام، لأنه جعل كلام فلان شرطا لانعقاد اليمين فالتي تزوجها قبل الكلام تزوجها قبل انعقاد اليمين فلا يقع الطلاق عليها، فإن تزوج أخرى طلقت أيضا لأن كلمة كل تجمع الأسماء على الانفراد فكل امرأة يتزوجها بعد الكلام تطلق ولو لم يتزوج امرأة أخرى حتى كلم فلانا مرة أخرى لا يقطع الطلاق على المرأة الأولى لأنها بانت بالطلقة الأولى. وكذلك لو كانت في ملكه لا يقع الطلاق أيضا إذا كان التزوج قبل الكلام. ولو كلم فلانا ثم تزوج امرأة تقع تطليقتان، تطليقة بالكلام الأول وتطليقة بالكلام الثاني لأن يمينه انعقدت بحرف متكرر فانعقد في حقه يمينان.
وكذلك لو كلم فلانا ثلاث مرات ثم تزوج امرأة طلقت ثلاثا لأنه انعقدت عند كلام فلان أيمان ثلاثة، كأنه قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكذلك في الثانية والثالثة، فإذا تزوجها حنث في الأيمان كلها.
قال في الكتاب: ألا ترى أنه لو قال كلما ضربت فلانا ففلانة طالق إن تزوجتها، فضرب فلانا ثلاث مرات ثم تزوجها طلقت ثلاثا لأنه إذا تكرر الضرب تكرر الانعقاد. فإذا وجد الشرط نزلت كلها وانحلت الأيمان معا. وقال ألا ترى أنه إذا قال لامرأته كلما دخلت الدار اليوم فأنت طالق غدا فدخلت الدار اليوم ثلاث مرات تطلق غدا ثلاثا. وقال ألا ترى أنه لو قال كلما ضربت فلانا فامرأتى طالق إن دخلت الدار، فضرب فلانا ثلاث مرات ثم دخل الدار تطلق ثلاثا، ولو وسط الشرط صار كأنه قدم وقد ذكرت ذلك. ولو قال كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق فالجواب في دخول الدار بمنزلة الجواب في كلام فلان إن كان شرط الدخول متقدما يقع الطلاق على المزوجة بعد الدخول ولا يقع على المزوجة قبل الدخول لكنه لا يدخله التكرار، والفرق بين كل وكلما أن كلا اسم مفرد يقع على الأفراد أبدا فإذا أضيف إلى الجمع أو قرن به اقتضى الجمع أيضا لكن على سبيل الإفراد لأنه مخصص
стр. 14
به قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ فهذا يقتضى الجمع لكن على سبيل الإفراد لأن من بمعنى الذي لكن لما كان اللفظ يقتضى العموم اقتضت ذلك لكن على أصلها وهي الإفراد، ألا ترى إلى من أنها لا تكون للجمع، وأما ما وصف به الجمع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ فجميع ومحضرون جموع، فلما قرنت بها كل اقتضتها لما فيها من الإبهام. قال سيبويه: هذا مال كل مال عندك فأضافه إلى النكرة، إلا ترى أنك تصف بها النكرة وذلك أنك تصف ما بها بما تصف به النكرة ولا تصف بما تصف به المعرفة.
قال سيبويه: حدثنا الخليل عمن يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت:
وكل خليل غيرها ضم نفسه … لوصل خليل صارم أو معارز
فجعله صفة لكل والبيت للشماخ. فهذا يدل على الإفراد بقوله نفسه فأضاف كلا إلى الإفراد.
قال سيبويه: هذا كل مالك، وقال مررت برجلين مثلك أى كل رجل منهما مثلك، وأما كلما فهي من حروف الشرط وتدخل على الأفعال لأنك تقول كلما قام زيد قمت، فقولك قمت هو جواب لكلما وكل اسم لأنه يضاف ويضاف إليه تقوله كل رجل وصنعته، فتضيف كلا إلى رجل. قال الله تعالى: ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.
مسألة
ولو قال كل امرأة أتزوجها إن دخلت الدار فهي طالق فالجواب في دخول الدار بمنزلة الجواب في كلام فلان إن كان الشرط متقدما يقع على المزوجة بعد الدخول ولا يقع على المزوجة قبل الدخول. ولو قال كل امرأة أملكها فهي طالق إن دخلت الدار فالطلاق يقع على المرأة التي في ملكه لا يكون غير ذلك، سواء قدم الشرط أو وسطه أو آخره لأن لفظ أملك يكون للحال ويصلح للاستقبال فلو أراد أن يخلص اللفظ للاستقبال قال سوف أملك أو سأملك للحال أى وضح أن يكون كذا. وإنما صلح للاستقبال لأن الحال أشبه بالاستقبال من الماضي لأن فعل خلاف سوف يفعل وإنما يفعل إذا نسبناه إلى أحدهما كنسبة المستقبل والملك الذي يكون للحال يكون
стр. 15
للاستقبال لأن أملك اليوم والساعة وغدا سواء، وأملك صالح لكل ما ذكرت فلما كان ملك الحال يكون للاستقبال صلح اللفظ كما كان الفعل في أحواله. فلذلك قلت إن فعل الحال يصلح للاستقبال. فلما صلح اللفظ للأمرين حملناه على الأصل إذا لم يكن له قرين فإن كان له قرين حملنا على ما يصلح له فإذا قال أملك غدا حملناه على الملك المتجدد غدا ولئن قال: أملك حملناه على ملك الحال فصار كأنه قال كل امرأته إذا ملكها، فإنه يقع على من كانت في ملكه كذلك هنا يقع الطلاق على المزوجة في الحال ولا يصدق في صرف الطلاق عن من يملكها في الحال لأنه أراد صرف الكلام عن الظاهر إلى غيره فتجوز نيته على التي عنى ولا تصدق في إبطاله عن التي يملكها في الحال.
ووجه آخر: إنك إذا قلت زيد يضرب عمرا فإن بعض الضرب ماضى وبقيته مستقبل فكأنه وقع حالا وفيه المستقبل لكونه الضرب ما انقضى، فلو انقضى عبر عنه بالماضي ولذلك أشبه الحال الاستقبال في الكلام العرب. ولو قال كل جارية أملكها فهي حرة إذا جاء غد، أو قال كل جارية أملكها إذا جاء غد فهي حرة فإن هذا كله يقع على الموجود دون الحارث، لأنه علق العتق بمجيء الغد وذكر الملك مرسلا والملك المرسل يقع على الموجود دون الحارث، فصار كأنه قال كل جارية أملكها في الحال فهي حرة، ولو قال كذا لا يعتق إلا من كان في ملكه وقت اليمين بشرط حدوث الغد، ولو قال كل جارية أملكها غدا فهي حرة يعتق ما يملك في الغد من أول النهار إلى خره ولا يعتق الموجود والتي يملكها قبل مجيء الغد ولا يعتق التي يملكها بعد الغد، لأنه وصف الملك بمجيء الغد وفي الأخرى جعل شرط حنثه مجيء الغد فلذلك افترقا.
مسألة
إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق اليوم وغدا طلقت اليوم ولا تطلق غدا وإذا قال أنت طالق اليوم وإذا جاء غد، طلقت اليوم طلقة وغدا طلقة، والفرق بينهما أن الواو للجمع وما اتصف مرة فلا يتصف ثانيا وهي فقد اتصفت بالطلاق فكل يوم هي موصوفة بالطلاق. قوله أنت طالقة اليوم وقع الطلاق واتصفت به وقوله وغدا فقد عطف اليوم على اليوم فحمل على الصفة. وأما قوله أنت طالق اليوم وإذا جاء غد
стр. 16
فقد عطف المجيء على اليوم فأريد به الحدوث فحمل على الحدوث ولم يحمل على الصفة. فصار كأنه قال أنت طالق، وإذا جاء الغد طالق أيضا، فحمل كلامه على الإضمار إذ لم يكن له بد من ذلك فصار كأنه قال كما قال تعالى: ﴿لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
وقال الفرزدق:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع … من المال إلا مسحتا أو مجلف
أى مجلف كذلك.
مسألة
رجل قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق ثلاثا، فطلقها واحدة وهي غير مدخول بها فدخلت إحدى الدارين فتزوجها ثانيا ودخلت الدار الأخرى وهي في ملكه لا يمنع وقوع الطلاق، لأن الحنث يظهر بدخول الدار الثانية فيعتبر وقت اليمين ووقت الحنث ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق رأس الشهر، فبانت منه فيما بين ذلك ثم عادت إلى ملكه قبل رأس الشهر وقع عليها الطلاق رأس الشهر، لأنها في ملكه وقت وجود اليمين والشرط جميعا. ولا يعتبر فراقهما خلال ذلك، ولأنه أضاف الطلاق إلى فعل مخصص ووجد الفعل وهي في ملكه، والأصل أن المعلق بالشرطين لا ينزل إلا عند وجود الآخر منهما لأن الكلام بآخره والواو للجمع ولا يمكن الجمع من دخول الدارين حقيقة فحمل على المعنى وهو الجمع في الفعل وهو دخول الدارين ولا يوجد ذلك إلا بدخول الدار الآخرة منهما. ولو قال إذا دخلت هذه الدار فأنت طالق إذا دخلت هذه الدار الأخرى فبانت منه ثم دخلت إحدى الدارين ثم تزوجها ثم دخلت الدار الأخرى لا يقع عليها شيء لأنه جعل دخول الدار الأولى شرطا لانعقاد اليمين فصار كأنه قال عند دخول الدار الأولى أنت طالق إن دخلت هذه الدار الأخرى ولو قال ذلك لا تطلق لأنها وقت اليمين لم تكن في ملكه لأن اليمين بالطلاق لا يصح إلا بالملك أو مضافا إلى الملك أو في علقة من علائق الملك وهنا لم يوجد شيء من ذلك فصار كأنه قال لأجنبية أنت طالق ثم تزوجها لا تطلق كذا هاهنا. والفرق بينهما أن المسألة الأولى كان الشرط دخول
стр. 17
الدارين وقد وجد واليمين انعقدت لساعته ودخول الدارين جميعا كان شرطا لانحلال اليمين وهنا جعل دخول الدار الأولى شرطا لصحة اليمين ولما دخلت الدار الأولى لم تكن في ملكه فلذلك افترقا.
مسألة
إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق غدا أو بعد غد، فجاء غد لم تطلق حتى يجيء بعد غد لأنه أوقع الطلاق في أحد الوقتين فلو قلنا إنها تطلق غدا احتجنا إلى أن نوقع الطلاق بعد غد وذا خلاف ما قال الحالف ولأن أو لأحد ما دخلت عليه فإذا جاء بعد الغد وقع الطلاق يقينا واليوم الأول كان شكا. ولو قال أنت طالق إذا جاء غد يقع الطلاق إذا جاء غد لأنه جعل مجيء الغد شرطا لوقوع الطلاق ثم أدخل كلمة الشك فقال أو بعد غد، وبعد وقوع الطلاق لا يمكن استدراكه فصار كأنه قال أنت طالق إذا جاء فلان أو فلان فأيهما جاء وقع الطلاق. وكذلك هاهنا إلا أن في الشخصين لا نعلم أيهما يجيء أولا وغد مقدم على بعد غد ضرورة فلذلك افترقا.
مسألة
إذا قال الرجل لامرأته إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه؛ أما إن عطف الشرط على الشرط؛ وأما إن عطف الفعل على الشرط، أو عطف المفعول على الشرط. وكل وجه على ثلاثة أوجه أما إن قدم الطلاق، أو وسط الطلاق، أو أخر الطلاق. أما إذا عطف الشرط على الشرط إن أخر الطلاق كما إذا قال إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق حتى يوجد الدخول لأن جميعا لأنه جمع بين الشرطين قبل إكمال الأول بالجزاء فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق لأنه لو اقتصر على قوله إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار لم يكن كلاما تاما وإنما يتم بقوله أنت طالق، ولو قدر الطلاق فقال أنت طالق إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأى الدارين دخلت حنث لأنه أكمل الشرط الأول بالجزاء وعطف دخول الدار الأخرى عليها، فصار كأنه ابتداء، ولو وسط فقال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، وان دخلت هذه الدار. فأيهما وجد حنث في يمينه لأن اليمين
стр. 18
تمت بالشرط الأول، فقوله الثاني ان دخلت ابتداء يمين منه على ما ذكرنا هذا عطف الشرط على الشرط، نحو قوله إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فأنت طالق أو قدم الطلاق أو وسط الطلاق فالجواب واحد لا يقع الطلاق ما لم يوجد الطلاق جميعا لأن الواو للجمع ما لم يقم دليل الاستئناف. أما إذا أخر الطلاق فقال إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فأنت طالق لا يقع الطلاق ما لم يوجد الدخولان لأنه جمع بين الفعلين وأجاب بجزاء فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فأنت طالق ولو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فكذلك الجواب أيضا. وإن كانت اليمين تتم بالشرط لأنه لا يجوز حمله على الاستئناف هنا لأن الطلاق لا يكون يمينا إلا بشرط وجزاء ولا يستقيم أن يكون بغير شرط وجزاء فحمل على معنى الجمع بخلاف ما إذا عطف الشرط على الشرط لأن هناك حمله على الاستئناف ممكن، وكذلك لو وسط الطلاق فالجواب هكذا كما إذا قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ودخلت هذه الدار. ولو عطف المفعول على الشرط قدم الطلاق أو وسط أو أخر فالجواب واحد لأنه لا يقع الطلاق ما لم يوجد الدخولان جميعا كما إذا قال إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار وهذه الدار أو وسط الطلاق فقال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، وهذه الدار. لأن الواو للجمع ما لم يقم دليل الاستئناف ولأنه يمكن أن تستأنف يمين أخرى بقوله هذه الدار من غير شرط ولا جزاء فحمل على الجمع فصار كأنه قال إن دخلت هاتين الدارين فالجواب في الفصول الخمسة واحد وفي فصلين خلاف الخمسة وهو أنه إذا عطف الشرط على الشرط وقدم الطلاق أو وسط لأنه قام هناك دليل الاستئناف وكذلك في هذه الفصول كلها إذا كان الشرط إذا، أو متى ما، أو إذا ما.
مسألة
رجل قال لامرأتيه إن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان فدخلت إحداهما دون الأخرى لا يقع الطلاق، ولو كان قال لهما إن دخلتما هاتين الدارين فدخلت كل واحدة منهما دارا على حدة يقع الطلاق، وذلك لأنه أضاف جماعة الأفعال إلى جماعة
стр. 19
الأشخاص فالمراد فعل كل واحد على حدة قال الله تعالى: ﴿يا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ فما أراد أن كل واحد يدخل من جميع الأبواب. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ فكل يخرج من جدثه ألا ترى إلى
ما روى عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل فقال: يا رسول الله إنّي جعلت لقومي مالا ليسلموا وقد أسلموا وقد شحت نفسي فيما جعلت لهم؟ فقال ﷺ : «إن أسلموا وإلا سيرنا لهم الخيل- أى الخيالة- كلا على فرسه»
فأضاف جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص وقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ دليل على ما ذكرت من المعنى أى أهل القرية. فالنبي ﵇ ما أراد إرسال الخيل هدية ولا أراد إلا حربهم. ولو قال إن دخلتما هذه الدار وإن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان، فدخلت كل واحدة منهما دارا يقع حتى يدخلا جميعا الدارين، لأنه جعل لكل يمين شرطا وجزاء على حدة ولم يضف جماعة الأفعال إلى جماعة الأشخاص، ألا ترى أن كل يمين منهما جملة من شرط وجزاء، فما لم يوجد لكل شرط جزاؤه لا يقع فصار كما إذا قال إن كلمت زيدا فعبدي حر وإن كلمت عمرا فامرأتى طالق. ألا ترى أنه لو اقتصر على إحدى الجملتين كانت يمينا تامة، وأ لا ترى أنه قال إن دخلتما هذه الدار فأنتما طالقان اليوم، وإن دخلتما هذه الدار أنتما طالقان غدا. وإن دخلتا الدار الأولى طلقتا اليوم، وإن دخلتا الدار الأخرى طلقتا غدا.
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لما كان بتاريخ المحرم سنة خمس عشرة وستمائة ورد كتاب من الموصل من الشريف النقيب جمال الدين بن عبيد الله على القاضي شرف الدين بن عنين ونسخته-:
كنت منذ زمن طويل تأملت كتاب «الجامع الكبير»: لمحمد بن الحسن ﵀ وارتقم على خاطري منه شيء والكتاب في فنه عجيب غريب لم يصنف مثله، وفي هذه الأيام عاودت نظري فيه وتأملته وأحضرت الشرح الذي شرحه الاسبيجابى ﵀ وهو على كل حال عجمي اللسان لا سيما إذا تكلم في المسائل المتعلقة بالعربية من نحو وغيره فإنه يقصر في بعض المواضع ويخطئ في بعض وأوثر منك- أبقاك الله- إن تسأل عن شبهة أذكرها لك وتحقق القول فيها مع الشيخ جمال الدين
стр. 20
فمن جملة ما ذكره محمد بن الحسن ﵀ أنه قال في باب العتق: إذا قال الرجل لآخر أى عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه جميعا عتقوا. ثم قالفي باب آخر: إذا قال الرجل لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، وكانت مما يقدر على حملها رجل واحد فحملوها جميعا لم يعتق واحد منهم. هذا قول محمد ﵀، ولا فرق عندي بين المسألتين فإن الضاربين في المسألة الأولى بمنزلة الحاملين الخشبة، والمضروب بمنزلة الخشبة المحمولة، فإن قيل الخشبة يحملونها جملة واحدة قلت كذلك الضاربون والمضروب فإنهم يأخذون عصا واحدة في أيديهم ويضربون بها ضربة واحدة، وكذلك قال محمد ﵀ في باب من أبواب الكتاب: إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة وصلّى بغير وضوء لا يحنث، وإذا حلف أنه ما صلّى وكان قد صلّى بغير وضوء يحنث. ولا فرق عندي أيضا بين الصلاة الماضية والمستقبلة، فلم كان في إحداهما يحنث وفي الأخرى لا يحنث، وقد قال ﷺ : «لا صلاة إلا بوضوء» وعلى هذا فينبغي أن لا يحنث في الصلاة الماضية والمستقبلة لأنهما بغير وضوء، وأنت يا مولاي حفظك الله إذا تكلمت مع الرجل فينبغي أن تحققه تحقيقا لا يبقى عليه غبار ولا تقنع بالكلام إلا قناعي فعرضت المسألتان على الشيخ جمال الدين الحصرى فأجاب بما صورته.
قال في المسألة الأولى:
لفظة أى تتناول واحدا من الجملة، قال الله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي﴾ ولم يقل تأتونى بعرشها، ويقال أى الرجال أتاك ولا يقال أتوك إلا أنها تقبل الوصف بالعموم كما في قوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها» فقبل العموم بالوصف فقد وصفهم بكونهم ضاربين فعمهم والضرب بعموم الوصف فوجد الشرط من كل واحد منهم فعتقوا ولا فرق بين كونهم ضربوا جملة أو متفرقين وأما في مسألة الحمل فإنه أيضا وصفهم بوصف عام وهو الحمل إلا أن الشرط لم يوجد وهو حمل كل واحد منهم لجميع الخشبة بل وجد من كل واحد منهم حمل البعض.
المسألة الثانية:
وهي رجل قال: إن كنت صليت صلاة فعبدي حر، وقد كان صلّى بغير وضوء حنث، ولو قال إن صليت فعبدي حر لا يحنث إذا صلّى بغير وضوء.
стр. 21
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن الماضي موجود والموجود معرف وصفة المعرف لغو لأنه مستغن عن الصفة. اما المستقبل فهو معدوم ولا يعرف إلا بالصفة فاعتبرت الصفة في المستقبل ولم تعتبر في الماضي.
الوجه الثاني: أن الكلام في الماضي وقع خبرا وليس المطلوب من الأخبار الصحة والنفاذ والقبح والحسن، إنما المراد منه إعلام السامع لشيء ما وليس لذلك في المستقبل المطلوب منه وجود الغرض المتعلق بالفعل والإمتاع منه والغرض يتعلق في المستقبل فإن المستقبل بالصحيح لا بالفاسد، والله أعلم.
وقلت أنا: سألت رحمك الله عن قول محمد في «الجامع الكبير» في باب العتق إذا قال الرجل لآخر: أى عبيدي ضربك فهو حر فضربوه جميعا عتقوا، ولو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، وكانت مما يقدر على حملها واحد فحملها كلهم جملة واحدة لا يعتق أحد منهم ما الفرق بين المسألتين؟ وسألت وفقك الله عن قوله إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، وإذا حلف أنه ما صلّى وقد كان صلّى بغير وضوء حنث، ما الفرق بين المسألتين أيضا وأنا أذكر إن شاء الله ما وقع من الفرق بين هذه المسائل، فإن رأيت خطأ فاعذر وسامح كما قال الحريري:
وإن تجد عيبا فسد الخللا … فجل من لا عيب فيه وعلا
أو كما قال أبو على الفارسي: إن الخطأ بعد التحري موضوع عن المخطئ ومثلي من يعذر ولا سيما في مثل هذا الوقت واشتغالي فيه بما تعلم مع قلة المطالعة بل مع عدمها وذلك أن هذا الكتاب وصل إلى وأنا بنابلس في شهر المحرم سنة خمس عشرة وستمائة والفرنج على عثليث وقيسارية يبنونهما فلذلك لم يكن عندي كتاب.
أما الفرق بين ضرب العبيد وحمل الخشبة وذلك لأن أيا اسم معرب يستفهم به، ويجازى فيمن يعقل وفيما لا يعقل. قال أبو على: أيهم في الدار فمكرم محمول، وأيكم يأتينى فله درهم.
وقال الجوهري: تقول أيهم أخواك وأيهم يكرمني أكرمه. وهو معرفة بالإضافة وقد تترك الإضافة لفظا وفيه معناها، وقد تكون بمنزلة الذي فتحتاج إلى صلة، وتقول
стр. 22
أيهم في الدار أخوك وقد يكون نعتا للنكرة تقول مررت برجل أى رجل، وأيما رجل، ومرت بامرأة أى امرأة، وأية امرأة، وأيتما امرأة، وأيما امرأة، فتكون ما زائدة وتنتصب على الحال والتعجب وإذا كان هذا الاسم الذي هو أى لهذه الأقسام فإن وصفت به الجمع كان للعموم وإن وصفت به المفرد كان للخصوص فتكون أى هاهنا بمعنى الذي كما تقول أيهم في الدار أخوك أى الذي في الدار أخوك، فكأنه قال الذي يضربه من عبيدي فهو حر، وإذا كان نعتا للنكرة فالمراد منه بيان الصفة وهو حمل الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فكأنه أراد بيان صفة الخشبة بالثقل والخفة وإذا كان كذلك اعتبر مراده قال الله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً﴾ فهذا للعموم. وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فهذا للخصوص، والعامل في أى ما بعده وقوله أيكم يحمل هذه الخشبة لفظ للعموم والإفراد، فإن كانت الخشبة يطيق حملها الواحد كان كلامه لاختبار القوة، فكأنه قال أيكم أطلق حملها كما يقال في المسابقة أيكم سبق فله الجعل، فيستحق الجزاء السابق. ألا ترى أن عادة الأمراء أن يسابقوا الحلبة فيقولون من سبق فله كذا فلا يأخذ قصب السبق إلا من جاء أول الخيل كلها وإن كان الثاني سبق خيلا كثيرة أيضا لا يستحق أن يذكر، وكذلك الثالث وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ إنما تقديره أيكم يأتينى به أولا وإلا فالكل منهم كان قادرا على الإتيان به، وإنما أراد السابق وقد فهم هذا آصف فكان جوابه ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ولا فرق بين أن تقول من سبق وأيكم سبق وإن كانت الخشبة لا يطيق حملها الواحد كان المراد من اللفظ إزالتها عن مكانها حملا فيستوى فيها الاثنان والجماعة، كما يقال أيكم شرب الماء الذي في هذا الكوز ويقدر على شربه واحد، فإذا شربه أكثر من واحد لا يستحق الجعل. وإن قال أيكم شرب ماء الفرات كان المراد به بيان الصفة وهو الكرع لا استيعاب شربه لاستحالة ذلك، فمن كرع منه استحق الجعل فيختص الصفة ولا يختص لأن العامل في أى ما بعده لصلاحيته للمعنيين، فتبين بالإضافة وليس الضرب كذلك لأن الضرب راجع إلى إيقاع الفعل من غير اختبار القوة والضعف فأيهم وجد منه الضرب كان داخلا تحت الجزاء كالشارب من الفرات والقائل إنما يحمل كلامه على الصحة لا الفساد. ولذلك فرق محمد ﵀ في قوله أى عبيدي ضربك، وأى عبيدي ضربته. فإذا ضرب أحدهم عتق في قوله ضربته لأن العائد ضمير واحد ولو ضرب الجميع واحدا بعد واحد عتق الأول ولو ضربهم جملة عتق أحدهم والبيان إلى المولى.
стр. 23
لأنه أبهم العتق وأعاد الضمير على واحد كما لو قال أحد عبيدي حر واستشهد بمسألة الطلاق فقال: أى نسائي شاءت الطلاق فهي طالق فشئن جميعا، لأنه أعاد الضمير على الجماعة. ولو قال أى نسائي شاءت طلاقها فهي طالق لا يقع إلا على واحدة فصار الفرق بينهما من حيث اختبار القوة واتحاد الفعل، فإذا لا فرق بين الخشبة التي يقدر على حملها الواحد إذا حملت الخشبة على التفريق بحملها واحدا بعد واحد، هذا إذا لم يكن له نية لأنا نحمله على العرف في مثل هذا لاختبار القوة يكون غالبا وبين مسألة الضرب فاستويا. وأما الخشبة التي لا يقدر على حملها الواحد فتفارقهما من حيث أن المراد إزالتها عن مكانها بالحمل لأن القائل عالم أن الواحد لا يزيلها فكأنه قال إن أزلتموها عن مكانها حملا فأنتم أحرار، وأما مسألة الصلاة وهي قوله إنه إذا حلف الرجل أنه لا يصلى صلاة فصلى بغير وضوء لا يحنث، وإذا حلف أنه ما صلّى وكان قد صلّى بغير وضوء حنث. فالفرق بينهما من وجهين؛ أما قوله لا يصلى صلاة فصلاة مصدر والمصدر لا يكون إلا بعد تمام الكلام ويكون مؤكدا للجملة والتأكيد إنما يكون للحقيقة وإذا تناول الكلام الحقيقة انتفى المجاز فكأنه قال إن صليت صلاة صحيحة أو مقبولة وعلى هذا التأويل الخبر الوارد «لا صلاة إلا بوضوء» تقديره لا صلاة صحيحة أو مقبولة.
والوجه الثاني: أنه حلف على المستقبل واليمين في المستقبل يكون لبيان الأمر وبيانه بالصحة يكون فإذا حلف أنه ما صلّى وقد كان صلّى بغير وضوء كان إخبارا عنه يحتمل الصدق والكذب لفظا وعرفا كما إذا قال إن أخبرتنى أن فلانا قدم فلك كذا فأخبره أنه قدم استحق الجعل، وإن كذب. وكذلك لو قال إن أخبرتنى أن هذا الشهر رمضان وهو شوال فأخبره أنه رمضان استحق وإن كذبا حقيقة. ولو قال إن أخبرتنى بقدوم فلان فله كذا لا يستحق الجعل إلا إذا أخبره بقدومه، وقد قدم لدخول حرف التحقيق وهو الباء كما إذا قال إن أخبرتنى بدخول شهر رمضان لا يكون إلا علىالتحقيق فلذلك افترقا.
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق إلا أن يقدم فلان، لا تطلق ما دام يرجى قدوم فلان، فإن مات فلان قبل أن يقدم طلقت لأنه أدخل كلمة إلا أن، فيما لا يتوقف وهو
стр. 24
الطلاق. فكان هنا في معنى الشرط كأنه قال إن لم يقدم فلان، ولو قال هكذا لا يقع الطلاق ما دام يرجى قدومه، فإذا وقع الناس من قدومه بموته وقع الطلاق وهذا لأن كلمة إلا أن حقيقة للغاية فإذا تعذر حملها على الغاية حملت على الشرط ولو قال لها أنت طالق إن كلمت زيدا إلا أن يقدم عمرو، إن كلم زيدا قبل أن يقدم عمرو وطلقت سواء قدم عمرو أو لم يقدم، وإن لم يكلم زيدا حتى قدم عمرو سقطت اليمين لأنه أدخل كلمة إلا أن فيما يتوقف وهو الكلام كأنه يقول كلم فلانا شهرا فكان معناها معنى الغاية، فإن كلم فلانا قبل القدوم حنث لأنه لم توجد غايته، وإن قدم عمرو سقطت اليمين لوجود غايتها فلا يحنث، لأنك إن أدخلت إلا أن فيما يتوقف أردت بها الغاية، وإن أدخلتها فيما لا يتوقف أردت بها الشرط فإن أشكل عليك بالأفعال فاعتبره بالأوقات. ولو قال أنت طالق إلا أن يجيء الليل صار كأنه قال أنت طالق إن لم يجيء الليل، ولو قال هكذا لا تطلق لأن وجود الليل يرجى.
ولو قال أنت طالق إن كلمت فلانا إلا أن يجيء الليل صار الليل غاية ليمينه إن كلمه قبل مجيء الليل حنث وبعده لا يحنث.
الأصل في بيان ما يأتى من المسألة
إن كلمة لا، رجوع. وكلمة بل، تدارك. فإن أدخل كلمة لا قبل إكمال الشرط بالجزاء يصح رجوعه، وإن أدخل بعد إكمال الشرط بالجزاء لا يصح رجوعه. وإنما قلت ذلك لأن الشرط إذا لم يكمل بالجزاء لم يتم اليمين، فصح رجوعه. أما إذا كمل الشرط بالجزاء تمت اليمين، واليمين بعد تمامها لا يصح الرجوع عنها.
وأصل آخر: إنه متى ذكر بعد كلمة لا بل، من هو محل لوقوع الطلاق كان العطف على الطلاق، ويقتضى مشاركة في الطلاق. وإن ذكر بعد كلمة لا بل، من ليس بمحل لوقوع الطلاق كان عطفا على الشرط، ويقتضى مشاركة في الشرط.
أصل آخر: إن كل كلمة تستقيم بنفسها لا تتعلق بما قبلها، وكل كلمة لا تستقل بنفسها تتعلق بما قلبها لأن التعلق بما قبلها للضرورة يكون، فإن كانت تستقيم بنفسها فلا ضرورة بنا إلى التعلق. بيان ذلك.
стр. 25
مسألة
رجل له امرأتان، فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت هذه الدار، لا بل هذه لامرأته الأخرى. فإن دخلت. الأولى الدار طلقتا، وإن دخلت الأخرى لا تطلق واحدة منهما فكلمة الاستدراك دخلت على الطلاق خاصة لأنه لما قال أنت طالق إن دخلت الدار فقد علق الطلاق بالدخول، فإذا قال لا بل هذه فقد رجع عن الأولى وأقام الثانية مقام الأولى، فرجوعه عن الأولى باطل لأن الشرط قد كمل بالجزاء ولا يصح الرجوع عنه وإقامة الثانية مقام الأولى جائز بالعطف فيقع الطلاق عليها أيضا بذلك الفعل. ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار، لا بل فلان تكون هذه مشاركة له في الدخول. لأنه ليس بمحل لوقوع الطلاق عليه، فأيهما دخل يقع الطلاق. هذا كما قالوا في رجل قال لامرأته إن نكحتك فعبدي حر، يقع على الوطء، وإن كانت أجنبية يقع على العقد بدلالة الحال. وكذلك لو قال أنت طالق إن شئت لا بل هذه، فإن شاءت الأولى طلاقهما جميعا أو طلاق نفسها أو طلاق صاحبتها طلقتا جميعا. وإن شاءت الثانية لا تطلق واحدة منهما لأن الثانية دخلت في الطلاق لا في المشيئة كما قلنا في دخول الدار.
فإن قيل: إن شاءت الأولى طلاق إحداهما لم يقع الطلاق، ولم لا يكون بمنزلة من قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار، وعبدى حر إن كلمت فلانا إن شاء فلان.
فشاء فلان أحدهما دون الآخر لا تطلق امرأته ما لم يشأ فلان كليهما؟ قيل له:
الفرق بينهما أن في تلك المسألة عطف الثاني على الأول وعلقهما جميعا بمشيئة فلان فصارت مشيئته لهما جميعا شرطا، فما لم يوجد الشرط كلهلا يقع الطلاق، أما هاهنا لم يعطف الثاني على الأول لكنه رجع عن الأول وأبدل الثاني مكانه، فرجوعه لم يصح فتعلق كل يمين بمشيئتها على حدة فأيهما وجد يقع الطلاق، ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار لا بل فلانة طالق طلقت الأخرى من ساعته، وطلاق الأولى معلق بالدخول. وذلك لأنه أخرج الكلام مخرج الابتداء في طلاق الثانية لأن الكلام الثاني مستغن عن غيره فتطلق الثانية من ساعته، كما لو قال أنت طالق ثلاثا لا بل هذه، تطلق كل واحدة منهما ثلاثا لأن قوله لا بل هذه لا تتم بنفسها فكانت معلقة بما قبلها فكأنه طلق الأولى ثلاثا ثم رجع وأنزل الثانية مكانها فإنزاله صحيح، ورجوعه لا يصح.
стр. 26
مسألة
رجل قال لرجل: إن فلان قدم فعبدي حر، فقال له قد قدم ولم يكن قد قدم عتق عبده، لأنه جعل شرط حنثه الإخبار والإخبار قد يكون كذبا لأن الإخبار موضوع لنفس الإنباء ويحتمل الصدق والكذب معا، قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ ألا ترى أنه قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ فلو كان للصدق لم يقل ذاك. ولو قال إن أخبرتنى بقدوم فلان لا يعتق ما لم يقدم فلان لأن الباء للإلصاق وإذا تلتصق لا تدخله الباء الزائدة. لأنك تقول ضربته بالحجر فما لم يقع الحجر في المضروب لا يسمى ضربا، بل حذفا أو رميا. لأنك تقول رماه فضربه، ورماه فأخطأه قال امرؤ القيس:
وتعدو كعدو نجاة الظبا … ء أخطأها الحاذف المقتدر
سماه حاذفا مع الخطأ، فأما إلحاق الباء فلا يكون إلا للتحقيق قال الله تعالى:
﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ألا ترى أنه لما أدخل الباء أراد التحقيق والخبر متى كان موصولا بحرف التحقيق يقع على الصدق دون الكذب، ومتى لم يدخله حرف التحقيق يقع على الصدق والكذب جميعا. ولو قال إن أعلمتنى لا يقع العتق إلا أن يكون قد قدم لأن العلم لرفع الجهل. والكذب لا يرفع الجهل. فصار ضد العلم والعلم مشتق من العلم وهو الجبل قالت الخنساء:
وإن صخرا لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
فوصفته بالعلمية، ثم قالت: في رأسه نار لزيادة التأكيد. ومن هنا قال النحاة اسم علم جعلوه بحيث توضع اليد عليه لمعرفته.
وقيل إنه عبر على النبي ﷺ رجل فقال: «فيكم من يعرفه؟» فقال رجل أنا فقال: «ما اسمه» فقال لا أعرفه. فقال النبي ﷺ :
«فإنك لا تعرفه»
وذلك لأن الاسم العلم عندهم يعرف به الشخص مع الغيبة ويلحق الغائب بالحاضر فلذلك سمى علما. ومنه العلم أيضا وهي الرواية وسميت راية لرؤية الناس لها عن بعد، وسميت علما لعلم الناس بها أنها لبنى فلان دون بنى فلان وإن لم يرو الأشخاص ولو قدم فلان وعلم به الحالف ثم أعلمه المحلوف له لا يعتق عبده لأنه أراد الإعلام من جهته، وكذلك البشارة ولأن البشارة مشتقة من البشر والبشر مشتق من البشرة وهو ما على الجلد لأن المبشر أولا إذا بشر الرجل بما بشره ظهر من وجهه دم يعرف منه الفرح، وذلك لأن القلب إذا صادفه ما يسره تنتصب منه عروق
стр. 27
لانبساطه وتلقيه ذلك الأمر بسرور فيظهر على الوجه منه ما يعرف الرائي به قد فرح وذلك ضد الحزن، لأن الحزن يقبض القلب فإذا انقبض تجمعت تلك العروق فيمتقع لون الحزين. قال الله : ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ﴾ وذلك لأنهم لم يكونوا متحققيها فسماها بشارة: ولو كان له نية حمل على نيته في ذلك لأن هذه الأسماء منها ما هو حقيقة ومنها ما هو مشتق ومنها ما هو مجاز فإذا عضدت النية شيئا من ذلك تحقق بالنية.
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق في دخولك الدار. لا تطلق حتى تدخل الدار لأن الطلاق إذا علق بالموجود نزل من ساعته ومتى علق بالمعدوم ينتظروجوده والأصل في أن تكون وعائية وهي حرف، وحروف الجر يقوم بعضها مقام بعض قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أى مع عبادي. وقال تعالى: ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أى على جذوع النخل. فإذا جاءت في اللفظ على غير معناها الأصلى قامت مقام الحرف الذي يكون بمعناها، وهاهنا هي بمعنى مع فعلمت عملها فإذا قال: أنت طالق في دخولك الدار صار كأنه قال مع دخولك الدار. ومع فهي كلمة صحبة وقران ومن شرط القرآن أن لا يكون فرقة. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ أى مقارن وأصل القرآن أن يقرن بين البعيرين لجر الغرب إذا كانت المنساة بعيدة. فلا يقع الطلاق إلا بعد استكمال الدخول حتى تكون لكلمة القرآن أثرا حقيقا. ولو قال: أنت طالق في الدار يقع من ساعته لأنه أوقع الطلاق وخصه بالمكان والطلاق لا يختص بالمكان وإنما يختص بالعقد ولما وصف الطلاق بما لا يوصف به صار ذلك لغوا ووقع الطلاق من ساعته، ولا يتصف بظروف الأمكنة ولا الأزمنة. مثال الأمكنة أنت طالق في الدار، وأما الأزمنة أنت طالق في غد لأن الطلاق لا يوصف بالظروف وإنما يوصف بما يلائمه ويضاف إلى الأفعال ومتى أضيف إلى الأفعال ينزل منزلة الجزاء.
مسألة
رجل قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدا فأنتما طالقان، فولدت إحداهما يقع
стр. 28
الطلاق عليهما لأنه علق الطلاق بفعل واحد وأضافه على اثنين وذلك الفعل يستحيل وجوده منهما فوجب وقوع الطلاق بوجوده من واحدة منهما. ولو أنه كان لا يستحيل وجوده منهما لكان يقع فكيف مع الاستحالة وذلك أن الله تعالى قال: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا فلئن قال قائل في ذا نظر قلنا فقد قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ ولم يخرج ذلك إلا من المالح وقال أيضا في قصة موسى وفتاه ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ ولم ينس إلا يوشع ثبت أن الكلام يضاف إلى اثنين ويراد به أحدهما هذا مع عدم الاستحالة فكيف مع وجودها. والوجه في ذلك أنه لما قال إذا ولدتما ولدا.
لو صرفناه إليهما كان باطلا وإن صرفناه إلى إحداهما يصح، وإنما يحمل الكلام على الصحة دون الفساد فصرفناه إلى ما يصح.
فإن قال قائل: لم أضربت عن الكلام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾.
قلت: لأني كتبت هذا الكتاب للاختصار والإيجاز ولئلا يمل الناظر منه لطوله فتركت كثيرا مما جاء عن أبى حنيفة في الفن الذي ذكره الخطيب ونفى علمه عن أبى حنيفة، فلأن اقتصر عن ما لم يكن الغرض أولى لأن القائل كان يقول ليس يمكن الرسالة من الجن لأنه ليس بمحل لهذا الأمر ولأنه لا فائدة في إرساله لإحدى الفئتين فإن الإنس يعتقدون أن الجن يقدرون على الإتيان بما لم يأت به الإنس فلا فائدة في إرساله والجن يعلمون أن الإنس لا يقدرون على الإتيان بمثل هذا. قلنا: محال فإن الجن قد رأوا من معجزات داود وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ما أعجزهم.
والسبب الموجب للرسالة من الغانس هو مصلحة للفئتين ما لم يكن من الجن وإنما أردت أن أعرف أن الإضافة تجوز فيما يستقيم وفيما يستحيل. ولو قال: إن ولدتما أو قال إن ولدتما ولدين لا يطلقان حتى يوجد من كل واحدة منهما مثل ما يوجد من الأخرى، لأنه أضاف إلى كل منهما فعلا كما قلنا في قصة يوسف ﴿يا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾.
مسألة
رجل قال لأربع نسوة له: إذا حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت واحدة منهن حضت. إن صدقها يقع على كل واحدة منهن طلقة لما ذكرت وهو أنه علق الطلاق
стр. 29
بما يستحيل وجوده منهن فتعلق وجوده من إحداهن. وإن كذبها يقع عليها خاصة لأنها مصدقة في حق نفسها غير مصدقة في حق الباقين وهي أمينة في هذا فقادتنا الضرورة إلى تصديقها، وكذلك لو قالت كل واحدة منهن حضت فكذبهن أو صدقهن يقع على كل واحدة تطليقة. ولو قال: إذا حضتن فأنتن طوالق لا يطلقن حتى تحيض كل واحدة منهن حيضة هذا إن صدقهن. وإن قالت واحدة منهن حضت لا يقع عليها الطلاق سواء صدقهاأو كذبها لأن الحيض لا يستحيل وجوده منهن. وكذلك إن صدق اثنتين ولو صدق ثلاثا وكذب واحدة يقع عليها خاصة لأنه ظهر حيض الثلاث بالتصديق وهي مصدقة في حق نفسها ولا يقع على المصدقات لأنه لم يظهر حيض المكذبة في حقهن لأنه لا يمكن الحيضة الواحدة منهن جميعا. ولو قال لأربع نسوة له: كلما حضتن حيضة فأنتن طوالق فقلن جميعا حضنا حيضة، أن كذبهن يقع على كل واحدة منهن طلقة لأن كل واحدة منهن مصدقة في حق نفسها والطلاق معلق بوجود حيضة واحدة منهن جميعا وقد ظهرت بأمانتهن. وإن صدقهن يقع على كل واحدة منهن أربع طلقات إلا أنه لا مزيد على الثلاث وتلغ الواحدة. لأن الزوج علق الطلاق بوجود حيضة واحدة منهن بكلمة متكررة فإذا صدقهن فقد ظهر أربع حيض، وإن صدق الواحدة وكذب الثلاث طلقن الثلاث المكذبات كل واحدة تطليقتين والمصدقة تطليقة واحدة لأنه لم يظهر في حق المصدقة إلا حيضة واحدة وهي حيضها وفي حق المكذبات ظهر قولها في حقها وقول المصدقة لما تقدم، ولو صدق اثنتين وكذب اثنتين يقع على كل واحدة من المصدقتين اثنتان وعلى كل واحدة من المكذبتين ثلاث واحدة بقولها واثنتان بقول المصدقتين، ولو صدق الثلاث وكذب الواحدة طلقت المكذبة أربع إلا أنه لا مزيد على ثلاث وطلقت كل واحدة من المصدقات ثلاثا.
مسألة
رجل قال لرجل: إن بعت لك ثوبا فعبدي حر، فدفع المحلوف عليه ثوبه إلى رجل وأمره أن يدفعه إلى الحالف ليبيعه فدفع الرجل الثوب إلى الحالف فباعه فإن قال الرسول للحالف بع هذا الثوب لفلان المحلوف عليه فباعه حنث، وذلك لأنه حلف على فعله وأضافه إلى فلان فمتى عمل عملا مضافا إلى المحلوف عليه حنث لأن يمينه
стр. 30
لمنع نفسه عن التزام الحقوق بينه وبين المحلوف عليه لأن الحقوق هي من الأفعال فما لم يجب الفعل لا يجب الحق بدليل أنه يدفع الثمن إليه لو استحق فله أن يرجع عليه.
وإن قال للرسول: بع هذا الثوب فباعه لا يحنث لأن هذا التفعل للرسول لا للمرسل لأنه نفى الحق للمحلوف عليه وهنا إنما التزم الحق للرسول، ألا ترى أنه لو استحق إنما يرجع على الرسول، ولو باع ثوب غيره بأمر المحلوف عليه حنث لأنه إنما التزم منع الفعل عنه ولم يلتزم الملك ألا ترى أنه لو قال إن خطت لك ثوبا، إنما اليمين على الخياطة وهي الفعل لا على الملك والعمل إذا كان لا يجرى فيه النيابة يقع على الملك، وليس كذلك إن قال إن ضربت عبدا لك فهنا لا يكون العمل للمحلوف عليه فيقع على الملك قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. فأضاف فعل النبي ﷺ إليهم لأن استغفاره لأجلهم وذلك لأنه متى حلف على عمل في المعمول وأضافه إلى إنسان إن أضاف المعمول إليه يقع يمينه على الملك دون الأمر، وإن أضاف العمل إليه فإن كان العمل مما يجرى فيه النيابة يقع على الملك.
مسألة
رجل قال لعبديه: إن ضربتكما إلا يوما فامرأتى طالق، فله أن يضربهما أى يوم شاء لأنه نفى ضربهما في جميع الأوقات إلا يوم الاستثناء. لأن قوله إن ضربتكما إلا يوما نكرة في سياق الإتيان فيخص إلا إذا كانت موصوفة وإنما يقع في يوم واحد فإذا جمع ضربهما في يوم واحد تعين الاستثناء فعند ذلك إذا ضربهما مجتمعا أو متفرقا حنث، فإن ضرب أحدهما يوم الجمعة والآخر يوم السبت لم يحنث ما لم تغرب الشمس وما ضرب الآخر لجواز أنه يعيد الضرب عليه فإن غربت الشمس ولم يضربه حنث لأن الضرب وجد منه إلا أنه في غير يوم واحد حتى يصح الاستثناء.
ولو ضرب أحدهما دفعات في أيام متعددة لم يحنث لأنه إنما حلف على ضربهما جميعا واستثنى يوما واحدا ولم يحلف على ضرب أحدهما فصار كأنه قال إلا يوما واحدا أضربكما فيه: ولو قال: والله لأضربكما إلا يوم أضربكما فيه، أو إلا يوما أضربكما فيه، أو إلا في يوم أضربكما فيه، فأى يوم جمع ضربهما فيه فهو مستثنى.
والفرق بينهما أنه في المسألة الأولى قال: إن ضربتكما إلا يوما ما فخص بالاستثناء يوما واحدا لإيقاع الفعل بهما جميعا. والمسألة الأخرى قال: والله لا أضربكما إلا
стр. 31
يوما أضربكما بقدره لأضربكما إلا يوم أجمع فعلى بكما. كأنه حلف على جميع فعله بهما في يوم مستثنى من غيره من الأيام وهذا اليوم المستثنى نكرة فأى يوم أوقع فيه الفعل اختص فإن جمعه بر، وإن فرقه حنث. لأن تفريقه خلاف يمينه وذلك لأن شرط الحنث وجود المسمى دون المستثنى والنكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص، إلا إذا كانت موصوفة فحينئذ تعم، إلا إذا قرنها بحرف الفرد فحينئذ تخص.
مسألة
إذا كان لرجل ثلاثة أعبد سالم وبزيع ومبارك. فقال: سالم حر، أو سالم وبزيع حران، أو سالم وبزيع ومبارك أحرار. يؤمر بالبيان، لأنه أوقع العتق بأحد الأقوال لأن أو حرف شك وهو أدخلها بين الأقوال الثلاثة لأنه ردد الشك بين أقواله لأنه لما قال سالم حر كان الواجب العتق فلما أدخل حرف الشك بين المرة الأولى والثانية وعطف عليه بزيعا فقال أو سالم وحده، وبين سالم وبزيع معا ثم قال أو سالم وبزيع ومبارك أحرار فجرى مثل الأول فوقع الشك في أقواله فلما وقع الشك كان البيان إليه ما دام حيا فإن أردت القول الأول عتق سالم وحده، وإن قال أردت الكلام الثاني عتق سالم وبزيع، وإن قال أردت الكلام الثالث عتق الكل. وذلك لأن أو لأحد ما دخلت عليه.
قال أبو على: ومنها أو وهي لأحد الشيئين أو الأشياء في الخبر وغيره. تقول كل السمك أو اشرب اللبن، أى افعل أحدهما ولا تجمع بينهما ومن ثم قلت: زيد أو عمرو قام كما تقول أحدهما قام ولا تقول قاما. فأما إذا قلت كل خبزا أو لحما أو تمرا فأردت الإباحة فكأنك قلت كل هذا الضرب فيما ذكرته لأحد الأشياء قائم فيه لأنه لو أكل أحد هذه الأشياء كان مؤتمرا ولو كانت كالوا ولم يكن قد ائتمر حتى يجمع بينها كلها وأما منزلتها في أنها تكون لأحد الأمرين أو الأمور إلا أنها تؤذن أن الكلام على الشك. قال سيبويه: و «أو» قد يجوز فيها أن يكون المبنى وقع على اليقين ثم أدرك الشك كما قلنا سالم حر أو سالم وبزيع فإنه أوقع على اليقين ثم أدركه الشك قال:
فقلنا لهم ثنتان لا بد منهما … صدور رماح أشرعت أو سلاسل
كأنه قال أحدهما صدور رماح أو سلاسل. فإن مات المولى قبل البيان عتق سالم كله لأنه لا شك في عتقه لأنه دخل في الثلاث مرات أما بزيع عتق نصفه لأنه يعتق
стр. 32
بالكلام الثاني والثالث لأنه دخل في لفظين ولا يعتق بالكلام الأول فإذا كان يعتق في حالين ولا يعتق في حال فبقى الشك في العتق أولا وحالة العتق حالة واحدة والشك إنما هو هل عتق أم لا فعتق نصفه ويسعى في النصف فكأنه عتق في حال ورق في حال وأما مبارك فيعتق ثلثه لأنه لا يعتق بالكلام الأول والثاني إنما يعتق بالكلام الثالث فيعتق في حال ويرق في حالين ويسعى في ثلثي قيمته لأن أحوال الرق أحوال أحوال العتق واحدة لأن الرق يكون مملوكا ومدبرا ومكاتبا والعتق حالة واحدة هذا إذا كان القول منه في حال الصحة أما إذا كان في حال المرض ولا مال له غير هؤلاء العبيد ولم تجز الورثة فالثلث يقسم بينهم على قدر عتقهم فيصيب سالم جميع رقبته ويصيب بزيع نصف رقبته ويصيب مبارك ثلث الرقبة فهذه وصية كل واحد منهم فيحتاج إلى حساب ليتبين نصيب كل واحد منهم على الحقيقة والحساب يحتاج أن يكون له نصف صحيح وثلث صحيح وأقله ستة فسالم يضرب لجميع الرقبة وهي ستة وبزيع يضرب بنصف الرقبة وهي ثلاثة ومبارك يضرب بثلث الرقبة وهي اثنان فذلك أحد عشر فغالب المسألة بخمسة فاجعل ثلث المال على أحد عشر سهما فإذا صار ثلث المال أحد عشر سهما صار الجميع ثلاثة وثلاثين وماله هؤلاء العبيد كما تقدم تعين أن كل عبد صار أحد عشر سهما فأما سالم فعتق منه ستة ويسعى في خمسة وبزيع عتق منه ثلاثة ويسعى في ثمانية ومبارك عتق منه سهمان ويسعى في تسعة فصارت جملة السعاية اثنين وعشرين وهي ثلاثة وثلاثين بالعول وصارت وصاياهم أحد عشر فاستقام على الثلاثة والثلاثين هذا إذا لم يخرجوا من الثلث ولو خرجوا من الثلث أو لم يخرجوا وأجازت الورثة فالجواب كما خرج. ولو لم يكن له إلا عبدان فقال سالم وبزيع حران يؤمر بالبيان فإن قال عنيت الكلام الأول عتق سالم كله وإن قال عنيت الكلام الثاني عتقا جميعا لما ذكرت ولو مات من غير بيان عتق سالم كله ونصف بزيع لأنه سالما لا شك في عتقه لأنه ذكر عتقه في المرتين وأما بزيع فيعتق بالكلام الثاني ولا يعتق بالكلام الأول فإذا كان يعتق في حال ولا يعتق في حال عتق نصفه ويسعى في نصف قيمته ولو كان القول منه في حال المرض إن خرج من الثلث فكذلك وإن لم يخرج وأجازت الورثة فكذلك، وإن لم تجز الورثة فيقسم الثلث بينهما فيعتق سالم كله ونصف بزيع فالنصف مخرجه من سهمينفسالم يضرب بسهمين وبزيع بسهم صار ثلاثة أجعل هذا ثلث المال كما تقدم وثلثاه مثلا ذلك وذلك ستة فالجميع تسعة وماله لرقبتان وتسعة ليس لها نصف صحيح فضعف
стр. 33
فيصير ثمانية عشر فيعتق من سالم خمسة ويسعى في أربعة ويعتق من بزيع سهمان ويسعى في سبعة فاستقام على الثلاث والثلاثين. ولو قال سالم حر أو سالم وبزيع عتقا لأنه. وضع كلمة الشك في غير الأفعال فلم يفد لأن الشك لا يكون في الإعلام إنما يكون في خبرهم فلما قال سالم حر أو سالم فلم يفد فوقع عليه العتق إذ لم يكن للشك هنا مدخل فعتق وعطف بزيعا فأشركه في الفعل فعتق أيضا فصار كأنه قال سالم حر وبزيع فعتقا.
مسألة
رجل قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق يصير الطلاق معلقا بدخول الدار لأن هذا شرط وجزاء فيكون الطلاق معلقا بدخول الدار ولأن الفاء تكون جوابا للشرط كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فإن قال إن دخلت الدار أنت طالق طلقت في ساعته لأنه لم يأت بجواب الشرط وهي الفاء فصار كلامه مبتدأ وخبرا كأنه قال أنت طالق ولو قال إنما عنيت الشرط والجزاء وحذفت الفاء جواب الشرط كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ أى فيشرح صدره وكما قيل: «من يفعل الحسنات الله يشكرها».
قلنا: ندينك فيما بينك وبين الله ولا ندينك في القضاء لأن جواب الشرط بالفاء وقد يجوز حذفها لكن على سبيل الجواز. قال سيبويه: يجوز في الشعر ويقبح في الكلام إلا أنه لما جاز صار فيه شبهة لمن أراد التعلق به فلذلك دين فندينك فيما بينك وبين الله تعالى. وأما الظاهر لنا فهذا طلاق منجز كما تقول أنت طالق لأنا لا نعرف ما في ضميرك ولأن الطلاق مرسل ومضاف وشرط وجزاء فما كان شرطا وجزاء فهو كما ذكرت وما كان مرسلا يقع من ساعته كقوله أنت طالق والمضاف يؤخر إلى وقت ينزل عند وجود وقته.
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار. لا يقع الطلاق ما لم تدخل الدار لأن قوله يا زانية نداء والنداء لا يفصل بين كلامين كما لو قال أنت
стр. 34
طالق يا عمرة إن دخلت الدار لا يكون هذا النداء فاصلا بين الشرط والجزاء ولا يلزمه حكم القذف من اللعان والحد لأن هذا قذف معلق بالحظر فلا يوجب اللعان ولا الحد، كما إذا قال لرجل إن دخلت الدار فأنت زان لا يحد وإنما قلنا إنه معلق بالشرط لأنه إذا تعلق الأبعد وهو قوله أنت طالق فتعلق الأقرب أولى به وإنما لا يجب الحد بالقذف المعلق لأنه لا يورث تهمة بالمقذوف لأنه لم يعلقه بالشرط قصدا لكنه تعلق به حكما لأن كلامه أوحد فإذا لحق الشرط في آخره انصرف إلى جميع الكلام فإنه لو جعله كلامين يصير فاصلا بين الشرط والجزاء والنداء لا يفصل بينهما ولو قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن دخلت الدار يكون قاذفا لها لأن قوله يا زانية قذف منه وليس القذف إلا هذه الصيغة وقوله أنت طالق إن دخلت الدار شرط وجزاء، والشرط والجزاء لا تعلق له بالنداء وإذا لم يتعلق بالنداء حظر صار ذلك صريحا بالقذف ولأنه ليس من ضرورة تعلق الأقرب بالشرط تعلق الأبعد، والفرق بينهما أنه متى خلل النداء لا يصير فاصلا بين الشرط والجزاء ولا يظهر له حكم وليس كذلك إذا قدم لأنه لا تعلق به في الحظر فإن القذف ليس إلا هذه الصيغة أو أن تأتى باسم الإشارة وهو قوله هذا زان، وأما قوله أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار فصار قوله يا زانية متعلقا بدخول الدار وإذا كان معلقا بالحظر لا يوجب له حكما لأن المعلقات لا توجب حكما إلا عند وجود المعلق به والقذف ما لم يكن صريحا لا يوجب حكما.
مسألة
رجل قال: إن كان في يدي دراهم إلا ثلاثة دراهم فجميع ما في يدي من الدراهم على المساكين صدقة، فإذا في يده خمسة دراهم لا يجب عليه أن يتصدق بشيء لأن ثلاثة دراهم مستثناة من يمينه وشرط حنثه دراهم سوى ثلاثة دراهم في يده وليس في يده سوى ثلاثة دراهم مستثناة من يمينهو شرط حنثه دراهم سوى ثلاثة دراهم في يده وليس في يده سوى ثلاثة دراهم حاشا درهمين، ودرهمان لا يستحقان اسم الدراهم لأن العرب قالوا درهم ودرهمان وثلاثة دراهم فأفردوا لكل عدد صيغة والاستثناء يعرف جنس المستثنى منه. ولو كان في يده ستة دراهم أو أكثر يجب عليه أن يتصدق بالكل ولو قال إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة
стр. 35
دراهم فجميع ما في يدي صدقة فكان في يده خمسة فعليه أن يتصدق بها لأنه نطق بحرف يكون لا بأنه الجنس وهو من لأنه لما قال إن كان في يدي من الدراهم سوى ثلاثة دراهم فقد بين الجنس والجنس يقتضى الواحد فصاعدا ثم ذكر لفظا يقتضى العدد فعرف بصيغته والألف واللام إنما يدخلان للسابق المعهود أولا بأنه الجنس وهنا هي لا بأنه الجنس قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ ولم يرد به بعضهم وإنما أراد به الاجتناب من الجنس من الجنس وقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾ ولم يرد به البعض فإذا ثبت أن كلمة من تستعمل لإبانة الجنس وتستعمل للتبعيض وفي هذه أدخل اللام وهي للتعريف فصارت كلمة من للتجزئة والتبعيض وهناك لم تدخلها اللام فصارت كلمة من لإبانة الجنس دون التجزئة فصار كأنه قال إن كان في يدي أكثر من ثلاثة دراهم فجميع ما في يدي صدقة ولو قال كذا لوجب عليه أن يتصدق بالكل.
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك لا يكون مؤليا وتطلق من ساعته لأنه أتى بمبتدإ وخبر ولم يضفه إلى شيء إلا إلى قبل القربان وهذا الوقت قبل القربان فوقع الطلاق وسقطت اليمين وقد يجوز أن يوصف الشيء قبل وجود ذلك الشيء قال الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها﴾ فوصفها بالطمس ولم يوجد ولو قال أنت طالق ثلاثا قبيل أن أقربك صار مؤليا ولا يقع الطلاق ما لم يقربها لأن قبيل تصغير التقريب لأن التصغير على وجوه تصغير التحقير كما تقول لقيت الرجيل وفعل الصبى وتصغير التعظيم كما قال أنا جديلها المرجب وعذيقها المحكك ألا ترى أنه وصف روحه بالمرجب، ورجب أيضا من التعظيم سمى وهو الشهر فلما وصف روحه بالعظمة ما بقي يمكن أن يحمل على التصغير ولا سيما أن هذا القول كان يوم سقيفة بنى ساعدة وإنما كان يريد الفخار ويطلب الأمر فكيف يكون هذا مع التصغير وتصغير الحنة والشفقة كقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ﴾ ما أراد تصغير ابنه. وتصغير التقريب هذا الذي ذكره أبو حنيفة كما تقول وضعته فويق الحائط فهذا لا يمكن أن يكون للتصغير وإنما أراد التقريب كما تقول: (اقعد إلى جنيبى) إنما تريد القرب قال الشاعر:
стр. 36
وقد علوت قتود الرحل يسفعنى … يوم قد يديمه الخوراء مسموم
فلما كان كذلك صار اسما لوقت قريب ليس بينه وبين القربان وقت فلا يطلق، ولو قال كذلك كان إيلاء بلا شك.
قال سيبويه في هذا: باب ما يحقر لدنوه من الشيء وليس مثله وذلك هو أصغر منك إنما أردت أن تقلل الذي بينهما ومن ذلك قولك هو دوين ذاك وهو فويق ذلك ومن ذلك أن يقول أسيد أى قد قارب السواد ومن هنا قولهم كميت لأنه لم يخلص إلى الحمرة ولا إلى السواد فلما قارب اللونين سمى مصغرا.
مسألة
أصل هذه المسألة: تدور على حرف «أو»، و «أو» تكون على وجهين: أحدهما للشك، وهي لأحد ما تدخل عليه. والآخر أن تكون بمعنى الإباحة، كما تقول:
(جالس الحسن أو ابن سيرين) لا تريد مجالسة أحدهما. قال الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر … أو الشيء الملفف في البجاد
وقال في الوجه الآخر:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
والطبيب إذا كان يعالج مريضا يقول له: (كل فروجا أو دراجا) - يعنى: كل أحدهما. والمسألة تنقسم على أربعة أوجه: إما أن يضع حرف (أو) بين منع ومنع، أو بين إثبات وإثبات، أو بين منع وإثبات، أو بين إثبات ومنع. رجل قال: (والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار) فأى الدارين دخل حنث لأنه عطف منعا على منع بحرف التخيير فكان ممنوعا عن دخول كل دار على حدة، فإذا دخل إحداهما فقد وجد شرط الحنث. وأما إذا وضع بين إثبات وإثبات كما لو قال:
والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار الأخرى. فأيهما دخل بر في يمينه فأو هاهنا للتخيير كما تقول خذ هذا أو هذا كأنك قلت خذ أحدهما، وأما إذا وضع بين منع وإثبات كما إذا قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار اليوم فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الثانية بر لوجود الشرط لأنه جعل حرف أو بين
стр. 37
المنع والإثبات ووقت فقال اليوم. دخل الدار الأولى بعد ذلك أو لم يدخل لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم قبل أن يدخل حنث في اليمين الثانية لأنه أوجب على نفسه الدخول ولم يوجد وأما إذا وضعها بين إثبات ومنع كما إذا قال والله لأدخلن هذه الدار أولا أدخل هذه الدار أبدا إن دخل الدار الأولى بر وسقطت اليمين لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم ولم يدخل حنث في يمينه لأنه أوجب على نفسه الدخول في الدار الأولى في اليوم ولم يوجد وما إذا أدخل كلمة الشك بين منع وإثبات ولم يوقت كما إذا قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فإن دخل الدار الأولى حنث لأنه وجد الدخول بعد المنع وإن دخل الثانية بر لأنه عقد على الإثبات وقد وجد. وإن مات ولم يدخل إحداهما بر لأن قوله أو أدخل للغاية وتقديره حتى أدخل. قال الله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ كأنه قال حتى يسلموا كما
ورد عن النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»
فقد جاء في الكتاب بأو، وفي الأثر بحتى لأن المعنى واحد كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار وهذه الدار وهذه الدار. ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار وهذه الدار صارت هاتين الدارين الآخرتين غاية ليمينه فأيهما دخل بر ولو دخل الأولى أولا حنث لأن اليمين لم ينته غايتها ولو مات قبل أن يدخل الأولى بر لأنه الغاية وحقيقة هذا أنه متى ذكر كلمة أو بعد كلمة النفي وبعده مثبت تكون للغاية.
باب ما جاء من المسائل اللغوية
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أهدم هذا الحائط اليوم فهدم بعضه ولم يهدم الباقي حتى خرج اليوم طلقت امرأته. وكذلك لو قال إن لم انقض هذا الحائط لأن الهدم عبارة عن إفاتة تأليف أجزاء جميع الحائط. وكذلك النقض لأنه ضد التأليف فما دام التأليف باقيا لا يكون نقضا والهدم ضد البناء فما دام شيء من البناء باقيا لا يكون هدما ولو نوى هدم بعضه فهو على ما نوى قال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ معناه أنها هدمت إلى أن لا يبقى صوامع وكذلك النقض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ في قصة ريطة وكانت امرأة
стр. 38
مجنونة تغزل جميع ليلها وتنقض جميع نهارها حتى لم تبق غزلا.
ولو قال أكسر كان على البعض لأن الكسر ضد الجبر وهو افتراق الاتصال ليس إلا في الصلاب وما كان في اللحم يكون جرحا أو قطعا والقطع يقع على الاثنين لأن القطع من التقاطع وهو أن ينقطع حكم كل واحد منهما عن الآخر جملة كافية فأما فيما يتصل فمجاز ثم اعلم أن الأسماء على نوعين اسم جنس واسم نوع واسم الجنس يقع على الخاص والعام واسم النوع يقع على الخاص دون العام، والهاء على ضربين هاء إفراد واسم الجنس كما تقول حيوان فإنه يقع على جميع الحيوانات فإن خصصت نوعا منه قلت إنسان فإنسان حيوان أيضا ولكن يختص بقولنا إنسان من دون سائر الحيوانات وكذلك إن وصفناه بناطق أيضا وهاء الإفراد أكثر من أن أصف لك مثل عمامة وقلنسوة وشعيرة وقمحة وهاء التأنيث امرأة ويتيمة وغلامة فإن مذكر ذلك يتيم وامرؤ وغلام.
مسألة
رجل. قال: عبده حر إن أكل لحم دجاج أبدا فأكل لحم دجاجة أو ديك حنث لأن الدجاج اسم جنس يقع على الذكر والأنثى قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقنى … صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
والأنثى منهن لا تصيح وإنما يصيح الذكر فدل على أن الهاء للأفراد لا للتأنيث.
وذكر الجوهري في الصحاح أن الهاء في الدجاجة للأفراد، ولو حلف لا يأكل لحم دجاجة فهو على الأنثى لأن الهاء للتأنيث إذ لم يكن لها من جنس لفظها ذكر فحملت على الحقيقة كما أن اسم الديك يقع على الذكر خاصة ولو حلف لا يأكل لحم جمل أو بعير أو إبل أو جزور هذا كله يقع على الذكر والأنثى وعلى العربي والبختي لأنه اسم جنس يتناول الكل لأن العرب نسبت الصنعة إلى صانعها كما نسبت سائر الصناعات فقالت جمال كما قالت حداد وبغال وما كان على وزن فعال ولم يفرقوا بينهم. ولو حلف لا يأكل لحم بقر فأكل لحم ثور أو بقرة حنث لأن البقر اسم جنس والبقرة أيضا كذلك. ولو أن رجلا وكل رجلا في أن يشترى له بقرة فاشترى له ثورا جاز ألا ترى أن رجلا لو حلف أن لا يملك عشرين بقرة فملك
стр. 39
عشرين بقرة إناثا وذكورا يحنث واسم الثور يقع على الذكر خاصة لأنه اسم نوع واسم الشاة يقع على الذكر والأنثى جميعا. قال أبو ذؤيب الشاعر:
فلما رآه قال لله من رأى … من العصم شاة مثل ذا في العواقب
وما قال مثل هذه لأنه لم يرد التأنيث. وقال آخر:
أو أسفع الخدين شاة إران
لأنه اسم جنس والكبش اسم نوع يقع على الذكر خاصة والنعجة اسم نوع يقع على الأنثى خاصة. قال جران العود:
أو نعجة من نعاج الرمل أخذلها … عن إلفها واضح الخدين مكحول
ولو حلف لا يأكل لحم البقر فأكل لحم الجواميس لا يحنث لأن أوهام الناس لا تنصرف إليه عند ذكر البقر والأيمان محمولة على معاني كلام الناس وجمعه في باب الزكاة لا يدل على أنه من نوعه في باب اليمين فصار في الزكاة كالعنز يضم إلى الضأن والكبش إلى النعاج، ومع ذلك لو حلف لا يأكل لحم شاة فأكل عنزا لا يحنث والفرس اسم للعربي ويقع على الذكر والأنثى، والبرذون اسم للبخاتى والتركي غير العربي ويقع على الذكر والأنثى، والخليل يقع على الجميع لأن الخليل اسم جنس والفرس اسم نوع والفرس والبرذون اسم نوع قد روى عن سعيد بن المسيب ﵁ أنه سئل عن صدقة البراذين فقال: أو في الخيل صدقة؟ فسماها خيلا. ولو حلف لا يركب حمارا يقع على الذكر والأنثى، لأنه اسم جنس لأنهم يرون أن ابن عباس ﵁ قدم على حمار ذكر وما أرادوا ذلك إلا ليبينوا النوع والأتان للأنثى والعير للذكر. وقد قيل حمار للذكر وحمارة للأنثى ولو حلف لا يركب حمارة يقع على الأنثى خاصة.
قال الخطيب:
أخبرنا البرقاني حدثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد حدثنا عبد الله ابن محمد حدثني أبو مالك بن أبى بهز البجلي عن عبد الله بن صالح عن أبى يوسف. قال: قال لي أبو حنيفة: إنهم يقرءون حرفا في يوسف فيلحنون فيه. قلت ما هو؟ قال قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ قلت: فكيف هو؟ قال ترزقانه
стр. 40
هذه القراءة لم يخرج بها أبو حنيفة عن الأصل لأن الأصل في ضمير الذكور هو الرفع لأنك تقول هو، وضمير المؤنث هي، وهذه المسألة التي جرت بين سيبويه والكسائي لأن الكسائي جعل ضمير المؤنث منصوبا فقال: إياها وسيبويه كان معه الحق فمن عرف هذا عرف ما قلت، لأن الهاء عائدة إلى الرزق وهو مذكر وعلى هذا قرأ من قرأ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ ألا ترى أنه لما جاء إلى ضمير المذكر أجراه على الأصل وإنما كسر من كسر الهاء من ضمير المذكر في المجرورات اتباعا للكسرة كما أمال من أمال للاتباع، وأن الهاء حرف خفى أخفى من الألف فلما ساغ لهم الإمالةفي الألف مع أنها أشد من الهاء فلأن تمال الهاء أجدر.
وأما قوله يلحنون فاللحن ليس هو الخطأ على لغة العرب وإنما يحتمل معنى غير المفهوم الأصل وذلك أن الحديث إذا احتمل معنى ظاهرا واحتمل معنى آخر قيل له لحن، ومن هاهنا سمى ابن دريد كتابه المعروف بملاحن بن دريد وذلك أنه قال: إذا قال له شخص رأيت فلانا فقال والله ما رأيته ولا كلمته فظاهر اللفظ يدل على رؤية العين والكلام باللسان. وإنما الحالف يعنى ما ضرت رئته ولا جرحته وهو مأخوذ من الكلم وهي الجراح. قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ لأنه يكون كلاما يدل على معنيين مثل ذلك قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ألا تراه جعل له أحسن وغير أحسن قال الشاعر:
حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم … والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها … والناس كلهم بكر إذا شبعوا
فلو حملنا هذين البيتين على ظاهر لفظهما لما دلا على معنى لأن قوله الذئاب قد اخضرت براثنها، والناس كلهم بكر، كل جملة من هاتين الجملتين غير مناسبة للجملة الأخرى. وهذا محمول على أن رجلا كان من تغلب وكان أسيرا في بنى وائل فرأى الناس يتمتعون للنهيض إلى قومه وكان قومه في أرض يقال لها الدهناء فقال لأصحابه إنّي أريد أن أفادى نفسي فهل لكم في الفداء. قالوا نعم- قال ائتوني برجل أرسله فلما جاءه قال أبلغ قومي التحية وقل لهم قد أطلتم الركوب على ناقتي الحمراء فخلوا عنها وارتحلوا الجمل الأصهب فقد شكت الإماء ودبى العرفج بآية ما أكلت معكم حيسا واسألوا أبا الحسين عن خبري. فلما جاء إلى أهل الأسير قال لهم الرسالة قالوا والله إنه لمجنون لا ناقة حمراء له ولا جمل أصهب. فقال: أحدهم إنه قال لكم
следующие страницы →