Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد علوت قتود الرحل يسفعنى … يوم قد يديمه الخوراء مسموم
فلما كان كذلك صار اسما لوقت قريب ليس بينه وبين القربان وقت فلا يطلق، ولو قال كذلك كان إيلاء بلا شك.
قال سيبويه في هذا: باب ما يحقر لدنوه من الشيء وليس مثله وذلك هو أصغر منك إنما أردت أن تقلل الذي بينهما ومن ذلك قولك هو دوين ذاك وهو فويق ذلك ومن ذلك أن يقول أسيد أى قد قارب السواد ومن هنا قولهم كميت لأنه لم يخلص إلى الحمرة ولا إلى السواد فلما قارب اللونين سمى مصغرا.
مسألة
أصل هذه المسألة: تدور على حرف «أو»، و «أو» تكون على وجهين: أحدهما للشك، وهي لأحد ما تدخل عليه. والآخر أن تكون بمعنى الإباحة، كما تقول:
(جالس الحسن أو ابن سيرين) لا تريد مجالسة أحدهما. قال الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر … أو الشيء الملفف في البجاد
وقال في الوجه الآخر:
وكنت إذا غمزت قناة قوم … كسرت كعوبها أو تستقيما
والطبيب إذا كان يعالج مريضا يقول له: (كل فروجا أو دراجا) - يعنى: كل أحدهما. والمسألة تنقسم على أربعة أوجه: إما أن يضع حرف (أو) بين منع ومنع، أو بين إثبات وإثبات، أو بين منع وإثبات، أو بين إثبات ومنع. رجل قال: (والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه الدار) فأى الدارين دخل حنث لأنه عطف منعا على منع بحرف التخيير فكان ممنوعا عن دخول كل دار على حدة، فإذا دخل إحداهما فقد وجد شرط الحنث. وأما إذا وضع بين إثبات وإثبات كما لو قال:
والله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار الأخرى. فأيهما دخل بر في يمينه فأو هاهنا للتخيير كما تقول خذ هذا أو هذا كأنك قلت خذ أحدهما، وأما إذا وضع بين منع وإثبات كما إذا قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار اليوم فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الثانية بر لوجود الشرط لأنه جعل حرف أو بين
стр. 37
المنع والإثبات ووقت فقال اليوم. دخل الدار الأولى بعد ذلك أو لم يدخل لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم قبل أن يدخل حنث في اليمين الثانية لأنه أوجب على نفسه الدخول ولم يوجد وأما إذا وضعها بين إثبات ومنع كما إذا قال والله لأدخلن هذه الدار أولا أدخل هذه الدار أبدا إن دخل الدار الأولى بر وسقطت اليمين لأنه كان مخيرا فيه وإن مضى اليوم ولم يدخل حنث في يمينه لأنه أوجب على نفسه الدخول في الدار الأولى في اليوم ولم يوجد وما إذا أدخل كلمة الشك بين منع وإثبات ولم يوقت كما إذا قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فإن دخل الدار الأولى حنث لأنه وجد الدخول بعد المنع وإن دخل الثانية بر لأنه عقد على الإثبات وقد وجد. وإن مات ولم يدخل إحداهما بر لأن قوله أو أدخل للغاية وتقديره حتى أدخل. قال الله تعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ كأنه قال حتى يسلموا كما
ورد عن النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس كافة حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»
فقد جاء في الكتاب بأو، وفي الأثر بحتى لأن المعنى واحد كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار وهذه الدار وهذه الدار. ولو قال والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار وهذه الدار صارت هاتين الدارين الآخرتين غاية ليمينه فأيهما دخل بر ولو دخل الأولى أولا حنث لأن اليمين لم ينته غايتها ولو مات قبل أن يدخل الأولى بر لأنه الغاية وحقيقة هذا أنه متى ذكر كلمة أو بعد كلمة النفي وبعده مثبت تكون للغاية.
باب ما جاء من المسائل اللغوية
مسألة
رجل قال لامرأته: أنت طالق إن لم أهدم هذا الحائط اليوم فهدم بعضه ولم يهدم الباقي حتى خرج اليوم طلقت امرأته. وكذلك لو قال إن لم انقض هذا الحائط لأن الهدم عبارة عن إفاتة تأليف أجزاء جميع الحائط. وكذلك النقض لأنه ضد التأليف فما دام التأليف باقيا لا يكون نقضا والهدم ضد البناء فما دام شيء من البناء باقيا لا يكون هدما ولو نوى هدم بعضه فهو على ما نوى قال الله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ معناه أنها هدمت إلى أن لا يبقى صوامع وكذلك النقض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾ في قصة ريطة وكانت امرأة
стр. 38
مجنونة تغزل جميع ليلها وتنقض جميع نهارها حتى لم تبق غزلا.
ولو قال أكسر كان على البعض لأن الكسر ضد الجبر وهو افتراق الاتصال ليس إلا في الصلاب وما كان في اللحم يكون جرحا أو قطعا والقطع يقع على الاثنين لأن القطع من التقاطع وهو أن ينقطع حكم كل واحد منهما عن الآخر جملة كافية فأما فيما يتصل فمجاز ثم اعلم أن الأسماء على نوعين اسم جنس واسم نوع واسم الجنس يقع على الخاص والعام واسم النوع يقع على الخاص دون العام، والهاء على ضربين هاء إفراد واسم الجنس كما تقول حيوان فإنه يقع على جميع الحيوانات فإن خصصت نوعا منه قلت إنسان فإنسان حيوان أيضا ولكن يختص بقولنا إنسان من دون سائر الحيوانات وكذلك إن وصفناه بناطق أيضا وهاء الإفراد أكثر من أن أصف لك مثل عمامة وقلنسوة وشعيرة وقمحة وهاء التأنيث امرأة ويتيمة وغلامة فإن مذكر ذلك يتيم وامرؤ وغلام.
مسألة
رجل. قال: عبده حر إن أكل لحم دجاج أبدا فأكل لحم دجاجة أو ديك حنث لأن الدجاج اسم جنس يقع على الذكر والأنثى قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقنى … صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
والأنثى منهن لا تصيح وإنما يصيح الذكر فدل على أن الهاء للأفراد لا للتأنيث.
وذكر الجوهري في الصحاح أن الهاء في الدجاجة للأفراد، ولو حلف لا يأكل لحم دجاجة فهو على الأنثى لأن الهاء للتأنيث إذ لم يكن لها من جنس لفظها ذكر فحملت على الحقيقة كما أن اسم الديك يقع على الذكر خاصة ولو حلف لا يأكل لحم جمل أو بعير أو إبل أو جزور هذا كله يقع على الذكر والأنثى وعلى العربي والبختي لأنه اسم جنس يتناول الكل لأن العرب نسبت الصنعة إلى صانعها كما نسبت سائر الصناعات فقالت جمال كما قالت حداد وبغال وما كان على وزن فعال ولم يفرقوا بينهم. ولو حلف لا يأكل لحم بقر فأكل لحم ثور أو بقرة حنث لأن البقر اسم جنس والبقرة أيضا كذلك. ولو أن رجلا وكل رجلا في أن يشترى له بقرة فاشترى له ثورا جاز ألا ترى أن رجلا لو حلف أن لا يملك عشرين بقرة فملك
стр. 39
عشرين بقرة إناثا وذكورا يحنث واسم الثور يقع على الذكر خاصة لأنه اسم نوع واسم الشاة يقع على الذكر والأنثى جميعا. قال أبو ذؤيب الشاعر:
فلما رآه قال لله من رأى … من العصم شاة مثل ذا في العواقب
وما قال مثل هذه لأنه لم يرد التأنيث. وقال آخر:
أو أسفع الخدين شاة إران
لأنه اسم جنس والكبش اسم نوع يقع على الذكر خاصة والنعجة اسم نوع يقع على الأنثى خاصة. قال جران العود:
أو نعجة من نعاج الرمل أخذلها … عن إلفها واضح الخدين مكحول
ولو حلف لا يأكل لحم البقر فأكل لحم الجواميس لا يحنث لأن أوهام الناس لا تنصرف إليه عند ذكر البقر والأيمان محمولة على معاني كلام الناس وجمعه في باب الزكاة لا يدل على أنه من نوعه في باب اليمين فصار في الزكاة كالعنز يضم إلى الضأن والكبش إلى النعاج، ومع ذلك لو حلف لا يأكل لحم شاة فأكل عنزا لا يحنث والفرس اسم للعربي ويقع على الذكر والأنثى، والبرذون اسم للبخاتى والتركي غير العربي ويقع على الذكر والأنثى، والخليل يقع على الجميع لأن الخليل اسم جنس والفرس اسم نوع والفرس والبرذون اسم نوع قد روى عن سعيد بن المسيب ﵁ أنه سئل عن صدقة البراذين فقال: أو في الخيل صدقة؟ فسماها خيلا. ولو حلف لا يركب حمارا يقع على الذكر والأنثى، لأنه اسم جنس لأنهم يرون أن ابن عباس ﵁ قدم على حمار ذكر وما أرادوا ذلك إلا ليبينوا النوع والأتان للأنثى والعير للذكر. وقد قيل حمار للذكر وحمارة للأنثى ولو حلف لا يركب حمارة يقع على الأنثى خاصة.
قال الخطيب:
أخبرنا البرقاني حدثنا محمد بن العباس الخزاز حدثنا عمر بن سعد حدثنا عبد الله ابن محمد حدثني أبو مالك بن أبى بهز البجلي عن عبد الله بن صالح عن أبى يوسف. قال: قال لي أبو حنيفة: إنهم يقرءون حرفا في يوسف فيلحنون فيه. قلت ما هو؟ قال قوله: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ قلت: فكيف هو؟ قال ترزقانه
стр. 40
هذه القراءة لم يخرج بها أبو حنيفة عن الأصل لأن الأصل في ضمير الذكور هو الرفع لأنك تقول هو، وضمير المؤنث هي، وهذه المسألة التي جرت بين سيبويه والكسائي لأن الكسائي جعل ضمير المؤنث منصوبا فقال: إياها وسيبويه كان معه الحق فمن عرف هذا عرف ما قلت، لأن الهاء عائدة إلى الرزق وهو مذكر وعلى هذا قرأ من قرأ ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ ألا ترى أنه لما جاء إلى ضمير المذكر أجراه على الأصل وإنما كسر من كسر الهاء من ضمير المذكر في المجرورات اتباعا للكسرة كما أمال من أمال للاتباع، وأن الهاء حرف خفى أخفى من الألف فلما ساغ لهم الإمالةفي الألف مع أنها أشد من الهاء فلأن تمال الهاء أجدر.
وأما قوله يلحنون فاللحن ليس هو الخطأ على لغة العرب وإنما يحتمل معنى غير المفهوم الأصل وذلك أن الحديث إذا احتمل معنى ظاهرا واحتمل معنى آخر قيل له لحن، ومن هاهنا سمى ابن دريد كتابه المعروف بملاحن بن دريد وذلك أنه قال: إذا قال له شخص رأيت فلانا فقال والله ما رأيته ولا كلمته فظاهر اللفظ يدل على رؤية العين والكلام باللسان. وإنما الحالف يعنى ما ضرت رئته ولا جرحته وهو مأخوذ من الكلم وهي الجراح. قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ لأنه يكون كلاما يدل على معنيين مثل ذلك قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ألا تراه جعل له أحسن وغير أحسن قال الشاعر:
حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم … والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا
إن الذئاب قد اخضرت براثنها … والناس كلهم بكر إذا شبعوا
فلو حملنا هذين البيتين على ظاهر لفظهما لما دلا على معنى لأن قوله الذئاب قد اخضرت براثنها، والناس كلهم بكر، كل جملة من هاتين الجملتين غير مناسبة للجملة الأخرى. وهذا محمول على أن رجلا كان من تغلب وكان أسيرا في بنى وائل فرأى الناس يتمتعون للنهيض إلى قومه وكان قومه في أرض يقال لها الدهناء فقال لأصحابه إنّي أريد أن أفادى نفسي فهل لكم في الفداء. قالوا نعم- قال ائتوني برجل أرسله فلما جاءه قال أبلغ قومي التحية وقل لهم قد أطلتم الركوب على ناقتي الحمراء فخلوا عنها وارتحلوا الجمل الأصهب فقد شكت الإماء ودبى العرفج بآية ما أكلت معكم حيسا واسألوا أبا الحسين عن خبري. فلما جاء إلى أهل الأسير قال لهم الرسالة قالوا والله إنه لمجنون لا ناقة حمراء له ولا جمل أصهب. فقال: أحدهم إنه قال لكم
стр. 41
اسألوا أبا الحسين فلما سألوه قال هو يقول لكم قد أطلتم المقام على الدهناء فارتحلوا عنها واطلعوا الصمان فقد شكت الإماء أى ملأن الشكايا وأدبى العرفج، والعرفج شجر له شوك فشبه العدو به وأدبى أى دبا نحوكم بآية ما أكلت معكم حيسا والحيس يعمل من تمر وسمن وخبز أى تجمع لكم من أعدائكم وغيرهم. فهذا ومثله اللحن. ومن هذا قيل لمعاوية إن عبد الله يلحن قال أوليس بظريف بنى أخى يعرف بالفارسية فجعل الفارسية لحنا فإذا قال أبو حنيفة إنهم يلحنون إنما عنى أنهم غيروه عن أصله على ما ذكرنا.
قال الخطيب:
قد سقنا عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبى بكر بن عياش، وغيرهم من الأئمة أخبارا كثيرة تتضمن تقريظ أبى حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبى حنيفة خلاف ذلك وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه يتعلق بعضها بأصول الديانات، وبعضها بالفروع. نحن ذاكروها بمشيئة الله ومعتذرون إلى من وقف عليهما وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء الذين دونا ذكرهم في هذا الكتاب وأوردنا أخبارهم وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها.
أما قول الخطيب هذا فأنا إن شاء الله نبين أن قصده خلاف ما ذكر من المعذرة وإنما قصد الشناعة جرأة منه وافتراء.
أما قوله: والمحفوظ عند نقلة الحديث خلاف ذلك.
فأقول: إن نقلة الحديث ينظرون إلى طريق الحديث فمتى ما وجدوا فيه رجلا ضعيفا ضعفوا الحديث خاصة في جرح الرجال، فإنه لا يسمع إلا من عدل ثقة معروف بالعدالة والثقة، فحيث نقل الخطيب أحاديث في الجرح عن جماعة ضعفاء شهد بضعفهم أئمة الحديث تبين أن قصده خلاف ما اعتذر عنه.
قال الخطيب: ما حكى عن أبى حنيفة في الإيمان:
أخبرنا الحسين بن محمد الحسن أخو الخلال بإسناده إلى وكيع. قال سمعت الثوري يقول: نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون في الأنكحة والمواريث والصلاة
стр. 42
والإقرار، ولنا ذنوب ولا ندري ما حالنا عند الله. ثم قال وقال أبو حنيفة من قال بقول سفيان هذا فهو عندنا شاك، نحن المؤمنون هنا وعند الله حقا. قال وكيع:
ونحن نقول بقول سفيان وقول أبى حنيفة عندنا جرأة.
اعلم وفقك الله أن الإيمان هو التصديق، واعلم أنه لا يكون تصديقا بدون المعرفة والمعرفة لا تكون مع الشك إنما تكون مع اليقين وإذا ثبت هذا فنحن المؤمنون هنا وعند الله لأن المعرفة والمعرفة لا تختلف لأن من عرف هنا كان عارفا عند الله لأن المعرفة الجهل، وأما قول أبى حنيفة عن سفيان في قوله نحن المؤمنون وأهل القبلة عندنا مؤمنون محمول على قوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ألا تراه نفى الإيمان عن من أسلم إلا من عرف بقلبه فثبت ما قلت إنه لا يكون إيمانا إلا بمعرفة.
وقال: حدثنا على بن محمد بن عبد الله المعدل بإسناده إلى حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه. قال سمعت رجلا سأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال أشهد أن الكعبة حق ولكن لا أدرى هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال مؤمن حقا وسأله عن رجل قال أشهد أن محمد بن عبد الله نبى ولكن لا أدرى هو الذي قبره بالمدينة أم لا؟ فقال مؤمن حقا. قال الحميدي: من قال بهذا فقد كفر. قال وكان سفيان يحدث به عن حمزة بن الحارث.
وقال أخبرنا الحسن محمد الخلال بإسناده إلى محمد الباغنديّ حدثنا أبى قال:
كنت عند عبد الله بن الزبير فأتاه كتاب أحمد بن حنبل اكتب إلى بأشبع مسألة عن أبى حنيفة فكتب إليه: حدثني الحارث بن عمير قال سمعت أبا حنيفة يقول: لو أن رجلا قال أعرف أن لله بيتا ولا أدرى هو الذي بمكة أو غيره أمؤمن هو؟ قال: نعم ولو أن رجلا قال أعلم أن النبي ﷺ قد مات ولا أدرى دفن بالمدينة أو غيرها أمؤمن هو؟ قال نعم فهذا القول لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة ولا رووا عنه مثل هذا فلو كان صحيحا لنقل كما نقلت جميع مسائله. ولكني أقول ما تقول في اليهود أصحاب موسى لما جهلوا قبر موسى أضرهم ذلك؟ لا لأنهم عرفوا أن موسى نبى حق فأما جهالة القبر لا تضر بدليل أن من لم يزر المدينة ولم يحج لا يعرف القبر ولا البيت ومع ذلك لم يقدح في إيمانه ثم ومن زار المدينة فالحجرة الشريفة حائلة بينه وبين مكان القبر حقيقة من جهة التربيع فمن ذهب إلى قول الحميدي
стр. 43
وسفيان احتاج أن يعرف بيوت مكة والمدينة وبنيانهما وصقاعهما وحدائقهما على ما كانا عليه في زمن النبي ﷺ إلى اليوم، واعلم أن معرفة الأراضى غير مشروعة في شريعة من شرائع الإسلام، واعلم أنا نقول إن الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين مبعوثون حقا ولو قال رجل لا أعرف أن موسى نبى حق أو غيره فقد كفر ومع ذلك لا يضرنا جهالة قبورهم ولا مواطنهم. فأما إذا ثبت عنده مبعث النبي ﷺ بلا شك بشرائط الإسلام فهو مؤمن حقا ولا يضره جهالته بموضع قبر النبي ﷺ فيه فإن القبر ليس من شرائط الإيمان ولا الإسلام، واعلم أنه لو كان الأمر كما ذكر عنه لكان المسلمون الذين في زمن النبي ﷺ الناءون عنه لا يصح إسلامهم فإنهم ما كانوا يعرفون كل وقت حقيقة موضعه لأنهم كانوا يفارقونه في موضع وينتقل إلى آخر، أفكانوا بجهالة المواضع يكفرون؟ فإذا ثبت أن الموضع لا يحتاج إليه في حال الحياة فلأن لا يضر مع الوفاة أجدر.
وقال: في سياق الحديث قال الحارث بن عمير: وسمعته يقول: لو أن شاهدين شهدا عند قاضى أن فلانا طلق امرأته وعلما جميعا أنهما شهدا بالزور ففرق بينهما، ثم لقيها أحد الشاهدين فله أن يتزوج بها؟ قال نعم.
الجواب: إن القاضي ما سمى قاضيا إلا مشتقا من القضاء والقضاء القطع كأنه مأخوذ من قطع الخصومات أو مأخوذ من القطع بالشيء عن أحدهما للآخر وهذا أولى لأن النبي ﷺ يقول: «قضيت له شيئا» أى من قطعت له شيئا فثبت ما ذكرت فإذا فسخ القاضي بينهما أيحل لأجنبى أن يتزوج بهذه المرأة أم لا فإن قال لا فقد افترى، وإن قال نعم فكذلك يحل لأحد الشاهدين لأن فعل القاضي حجة من حجج الشرع لا تندفع في حق بعض دون بعض وإن كانت لا تحل لأحد الشاهدين فهي على نكاحها الأول فلا تحل لغيره أيضا وليس في سياق الخبر ما يضر ما قلت لأن
قول النبي ﷺ «فإنما أقطع له قطعة من النار»
فنحن نقول كذا أيضا لأن هذا فعل حرام إنما اتصل بقضاء القاضي غير مدفوع كقضاء النبي ﷺ وإن كان النبي ﷺ بين تحريمه، وما قلت فهو جواب لما أسنده إلى حمزة بن الحارث بن عمير وعن عباد بن كثير.
وأما ما نقله عن محمد بن الحسين بن الفضل القطان إلى يحيى بن حمزة أن أبا حنيفة قال: لو أن رجلا عبده هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسا. فقال سعيد: هذا الكفر صراحا.
стр. 44
فهذا لم ينقله أحد من أصحاب أبى حنيفة واعلم أن أصحاب الإنسان أعرف به من الأجنبى، ثم اعلم أن مذهب أبى حنيفة له أصول وقواعد وشروط لا يخرج عنها، فأما أصول مذهبه ﵁ فإنه يرى الأخذ بالقرآن والآثار ما وجد وقواعده أن لا يفرق بين الخبرين أو الآي والخبر مهما أمكن الجمع بينهما إلا إن ثبت ناسخا أو منسوخا وشروطه أن لا يعدل عنهما إلا أن لا يجد فيهما شيئا فيعدل إلى أقوال الصحابة الملائمة للقرآن والسنة وإن اختلفوا تخير ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة. فهذا عليه إجماع أصحاب أبى حنيفة وهو إذا عددت المدرسين منهم في عصر واحد وجدتهم أكثر من إسناد الخطيب منه إلى أبى حنيفة ﵀.
واعلم أن أخبار الآحاد المروية عن النبي ﷺ توجب العمل لأجل الاحتياط في الدين ولا توجب العلم. وأخبار التواتر توجب العلم والعمل معا فكيف بك عن أخبار الخطيب هذه التي لا تكاد تنفك عن قائل يقول فيها، فإذا نازلنا الأمر وساوينا قلنا أخباره أخبار آحاد وأخبار أصحاب أبى حنيفة متواترة والعمل بالمتواترة أولى؛ وقد ثبت مذهب أبى حنيفة وأصوله وقواعده فإذا ثبت أن هذه أصول أبى حنيفة فكيف يسوغ له أن يقول هذا مع علمه بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾ فهذا لا يصح عن أبى حنيفة.
قال: أخبرنا أبو سعيد بإسناده إلى إسماعيل بن عيسى بن على قال قال لي شريك: كفر أبو حنيفة بآيتين من كتاب الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وزعم أبو حنيفة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزعم أن الصلاة ليست من دين الله. قد قلت فيما مضى: إن الإيمان هو المعرفة والمعرفة لا يدخلها جهل وإذا لم يدخلها جهل فمن أين تكون الزيادة والنقصان إنما الزيادة بأن يرتفع الجهل والنقص بأن تذهب المعرفة، وأما قوله عنه إن الصلاة ليست من دين الله تعالى فلم يرو هذا عن أبى حنيفة لكن نقول إذ لو روى هذا إن الصلاة لا يكون تاركها كافرا إنما الكافر جاحدها، فإذا لم يفرق القائل والناقل بين هذين كيف يعرف كلام أبى حنيفة ومن أين يأخذ عليه. إنما الصلاة دين إلى الله لا دين الله؟ وأصل الديانة الذلة والتعبد فإن قلنا إنها من عبدنا الله صح وإن قلنا إنها من ذلتنا إلى الله وطاعتنا له فهي دين لنا. قالوا دنته فدان وفي الحديث «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت».
стр. 45
قال الأعشى:
هو دان الرباب أذكر هو الدين … دراكا بغزوة وارتحال
ثم دانت بعد الرباب وكانت … كعذاب عقوبة الأقوال
قال: هو دان الرباب يعنى أذلها. ثم دانت بعد الرباب أى ذلت له وأطاعت، والدين الجزاء والمكافأة يقال دانه دينا أى جازاه كما قالوا كما تدين تدان قال:
ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا
ومنه الدين قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أى لمجزيون محاسبون، ومنه الديان في صفة الله . والمدين العبد والمدينة الأمة كأنهما من أذلهما العمل قال الأخطل:
ربت وربا في كرمها ابن مدينة … يظل على مسحاته يتركل
فلو كانت الصلاة من جزاء الله لكانت دين الله، وانما هي من ديننا دينا الله بها أى عبدنا فهي ديننا لا دين الله. وأجمع أهل السنة أن الصلاة ليست داخلة في الإيمان لأنها من الأعمال وإنما يرد على أبى حنيفة من عرف وجه الكلام واشتقاقه.
قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله السراج بإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري يقول سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبى بكر مثل ايمان إبليس. فهذا أيضا لم ينقل عن أبى حنيفة لكن لو نقل كان على ما ذكرت لك من الأصل أن معرفة أبى بكر الصديق بالله كمعرفة إبليس وهذالا ينكره عالم لأنا قد أصلنا أن الإيمان هو المعرفة ولا يشك أن إبليس رأى صنع الله تعالى عيانا وأبو بكر انما ثبت هذا عنده بقول النبي صلّى الله تعالى وسلم والنقل، ولا شك أن ثبوت العلم في القلب بالرؤية أكثر من ثبوته بالنقل، ويدل على هذا أنه من وصف له طريق حتى حفظ صفاتها كالماء الجاري ثم أراد أن يسلكها فإنه لا يقدر على ذلك، ومن سلكها دفعة بعد أخرى قدر على سلوكها وإن لم يصفها. ويدلك على ما ذكرت أن أكابر الفقهاء إذا حجوا احتاجوا من يعرفهم. فإذا عرفت هذا كان القياس أن يقول إن إيمان إبليس أقوى من إيمان أبى بكر، إلا أن العلم لما استوى قلنا إنه مثله. ثم قال: قال أبو إسحاق: ومن كان من المرجئة ثم لم يقل هذا أنكر عليه قوله. أما قوله إنه من المرجئة فيجيء الجواب إن شاء الله في موضعه. وقوله حدثنا الفضل بإسناده عن إيمان إبليس وآدم فهو يخرج على ما ذكرت.
стр. 46
وقال حدثنا أبو طالب بإسناده إلى القاسم بن عثمان يقول مر أبو حنيفة بسكران يبول قائما قال لو بلت جالسا: قال فنظر في وجهه فقال ألا تمر يا مرجئ قال له أبو حنيفة: هذا جزائي منك صيرت إيمانك كإيمان جبريل. فإن كان أراد الإيمان وحديثه فقد مر، وإن كان يحتج بقول السكران فهذا مما تثبت به الروايات عند المحدثين؟
أتراه ما عرف شروط أهل الحديث أم تعامى.
أخبرنا ابن رزق بإسناده إلى القاسم بن حبيب. قال وضعت نعلى في الحصا ثم قلت لأبى حنيفة أرأيت رجلا صلّى لهذه النعل حتى مات إلا أنه كان يعرف الله بقلبه فقال مؤمن قال لا أكملك أبدا. فهذا قد ذهب الجواب عنه عند أصول أبى حنيفة.
قال الخلال بإسناده إلى وكيع. قال اجتمع سفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح وابن أبى ليلى فبعثوا إلى أبى حنيفة فأتاهم فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه ونكح أمه وشرب الخمر في رأس أبيه؟ قال مؤمن فقال له ابن أبى ليلى لا قبلت لك شهادة أبدا، وقال له سفيان لا كلمتك أبدا، وقال له شريك لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك، قال له الحسن بن صالح وجهى من وجهك حرام أن انظر إليه أبدا. فأبصر إلى هذا الراوي إنه لا يفرق بين رجل وبين مؤمن. فأما رجل فإنه نكرة من الرجال فلو كان كافرا وعبد الله مائة سنة لم يكن مؤمنا، وأما المؤمن لو فعل هذا لم تذهب معرفته.
وقال بروايته عن جماعة عن أبى يوسف وغيره إن أبا حنيفة كان مرجئا جهميا أفنظرت لكثرة كلامه في ذلك؟ أما الجواب فإن أبا حنيفة لا يرى الصلاة خلف المرجئ والجهمى ولا صاحب بدعة ولا هوى فكيف يكون منهم؟ وهذا القول في جميع كتب أصحاب أبى حنيفة ورواياتهم حفظا كما يحفظ الكتاب العزيز أفيكون هذا متروكا ويكون المحفوظ ما جاء به آحاد الناس. وأما روايته عن أبى يوسف فالمروى عن أبى يوسف أنه قال لما حج: اللهم إنك تعلم أنى ما قلت قولا إلا ما ثبت عندي من كتابك وسنة نبيك، وما لا أعرفه منهما جعلت أبا حنيفة فيه بيني وبينك.
وقد روى عنه هذا القول عند الموت أيضا، فكيف يصح عن من يقول هذا عند الموت أن يقول بمثل ذلك؟ ثم إن جميع كتب أبى حنيفة مشحونة برواية أبى يوسف عنه ولم يكن فيها شيء من ذلك.
стр. 47
وقال بإسناده إلى ابن المقرئ عن أبيه أن رجلا سأل أبا حنيفة- أحمر كأنه من رجال الشام- فقال: رجل لزم غريما له فحلف له بالطلاق أن يعطيه حقه غدا إلا أن يحول بينه وبينه قضاء الله، فلما كان من الغد جلس على الزنا وشرب الخمر؟ قال:
لم يحنث ولم تطلق امرأته. وهذا لم يرو عن أبى حنيفة كما ذكر، ولكن الرواية عنه قريب من هذا، إذا قال الرجل امرأته طالق إن شاء الله لم تطلق، وهذا أظنه إجماعا.
وكذلك لو قال إن شاء الإنس أو الجن أو الملائكة فهذا المروي وهذا استثناء والاستثناء لا يوجب إيقاع اليمين. وأما قوله قعد على شرب الخمر والزنا فهذا مما لا يدخل في اليمين ولا في شيء منه بإجماع الفقهاء، لكن قصده الشناعة.
وقال: أما القول بخلق القرآن فقد قيل إن أبا حنيفة لم يكن يذهب إليه، والمشهور عنه أنه كان يقوله واستتيب منه وهذا دليل على كذب الخطيب لأن المشهور ما نفى الجهل عن عامة الناس وهو إنما روى ما ذكر عن أبى حنيفة عن واحد واحد من كل عصر وأصحاب أبى حنيفة تفردوا بأكثر بلاد المسلمين وفقهاؤهم في كل عصر أكثر من أن يحصوا وكلهم يروى عن أبى حنيفة أنه لا يصلى خلف من يقول بخلق القرآن فترى أى شهرةأوجبت له ما ذكر لأنه روى عن أناس أن أبا حنيفة كان يقول القرآن مخلوق، وروى عن أناس أنه لم يكن يقول القرآن مخلوق، وجميع أصحاب أبى حنيفة على أن أبا حنيفة لم يكن يقول بخلق القرآن إلا بعضهم وهم أناس من أصحاب أبى حنيفة والشافعي وهو المعتزلة مخالفون أبا حنيفة وهم معترفون بأن هذا القول لم يكن أبو حنيفة قاله، ولا شك أن أبا حنيفة ناظر المعتزلي في خلق أفعال العباد فقال له: إن كان فعلك بأمرك فأخرج البول من موضع الغائط والغائط من موضع البول. فانقطع فضحك أبو حنيفة، فقال له المعتزلي: أتناظرني في العلم وتضحك والله لا كلمتك بعد اليوم فلم ير أبو حنيفة بعد ذلك اليوم ضاحكا. وهذا المسألة أخذها أبو حنيفة من قول الله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ والمعتزلي إنما اعتزل حلقة الحسن البصري فكيف لقائل أن يقول إن أبا حنيفة أول من تكلم بهذا؟ وهذه الروايات التي تخالف أصحاب أبى حنيفة ومن قد روى عنه لا تصح لان أصحاب أبى حنيفة مجمعون على خلاف ما نقله عنه الخطيب. وهما كتب أصحاب أبى حنيفة بخلاف ما ذكر فكيف له أن يقول والمشهور خلاف ذلك، إنما المشهور مأخوذ من الشهرة وهي ما يلبسه الرجل عند القتال، والشهرة مشتقة من الشهر وهو الهلال سمى بذلك لشهرة الناس
стр. 48
له، ومنه سمى الشهر للأيام. وقال الخطيب: بإسناده إلى أبى بكر بن أبى داود السجستاني يقول لأصحابه ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعى وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقال أصحابه: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه. فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبى حنيفة.
الجواب: اعلم وفقك الله أن الصحابة جميعهم اختلفوا في عدة مسائل ولكن ليس كل من خولف فقد ضل، فإن هؤلاء المسلمين جميعهم خالف بعضهم بعضا كما خالفوا أبا حنيفة فهذا لا يعد من التضليل أما المنقول عن الشافعي في كتاب الأم أنه قال من أراد خمسا فعليه بخمس، من أراد الفقه فعليه بأبى حنيفة، ومن أراد النحو فعليه بالكسائى. وما ذكرت مسطور عن الشافعي. ومن يقول عنه هذا مثل الشافعي كيف يقول مثل ذلك وانظر بين الروايتين ما قلت في كتاب الأم لأصحاب الشافعي ينقله فقهاء أهل عصر إلى فقهاء أهل عصر إلى ما روى الخطيب عن آحاد الناس.
وأما غير الشافعي فسيأتى الجواب عنه إن شاء الله.
وقال الخطيب:
ذكر ما حكى عن أبى حنيفة في الخروج على السلطان بأسانيده إلى جماعة ينقلون عن أبى جماعة ينقلون عن أبى حنيفة منه ما أسنده إلى الأوزاعى أنه قال جاءوني فقالوا قد أخذنا عن أبى حنيفة شيئا فانظر فيه فلم يبرح بى وبهم حتى أريتهم. فما جاءوني به عنه أنه قد أحل لهم الخروج على الأئمة. وهذه الرواية لا تصح عن أبى حنيفة لأنه يقول: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا علينا وندعوا لهم. ثم إجماع أصحاب أبى حنيفة على ما قلت، ثم أبو حنيفة جعل قتال على ﵁ مع البغاة والخوارج حجة، كما جعل قتال النبي ﷺ مع الكفار. قال وإذا سمع الإمام أن قوما يدعون إلى الخروج فعليه أن ينبذ إليهم ويمسكهم حتى يظهروا توبة، فإذا صار فئة يرجعون إليها يقتل مقاتلهم ويجهز على جريحهم، ويقتل أسراهم كما يقتل الكفار. فمن يكون هذا رأيه كيف يرى الخروج على الأئمة؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ وقال: لا يمض قضاء قاضى أهل البغي ولا تقبل شهادتهم.
ثم روى بإسناده إلى ابن المبارك قال ذكرت أبا حنيفة يوما عند الأوزاعى فأعرض
стр. 49
عنى فعاتبته في ذلك فقال: تجيء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد فتذكره عندنا ألا ترى إلى الخطيب لم يعرف الفرق بين الخروج على الأئمة وبين من يرى السيف في الأمة! اعلم وفقك الله أن القتل ليس مشروعا بمجرد الكفر إذ لو كان لكان يحل لنا قتالهم من غير نبذ، ولما كان يجوز لنا أخذ الجزية منهم وتركهم وما يعبدون ويكونون كالمسلمين في أموالهم ودمائهم، وإنما القتل مشروع للفساد في الأرض والتعدي على الدين. ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ فأمر بقتال البغاة كما أمر بقتال أهل الحرب. وقال في قصة أهل الحرب ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ فأراد إعلاء كلمة الإسلام وأمر بالقتال للفريقين جميعا لاكتفاء شرهم وقمع المفسدين وإصلاح الرعية وأمن الطرق فاستويا، فمن لا يعرف وجوه القرآن كيف يجوز له الرد على من يعرف؟
ثم ذكر عن الأبار لإسناده إلى أبى إسحاق الفزاري.
قال: جاءني نعى أخى من العراق- وخرج مع إبراهيم بن عبد الله الطالبي- فقدمت الكوفة فأخبرونى أنه قتل وأنه قد استشار سفيان الثوري وأبا حنيفة. فأتيت سفيان فقلت أنبئت بمصيبتى بأخى وأخبرت أنه استفتاك؟ قال نعم قد جاءني فاستفتانى. فقلت ما أفتيته قال قلت لا آمرك بالخروج ولا أنهاك. قال فأتيت أبا حنيفة فقلت له بلغني أن أخى أتاك فاستفتاك؟ قال قد أتانى واستفتانى، قال قلت وما أفتيته بالخروج، قال فأقبلت عليه فقلت لا جزاك الله خيرا.
قال: هذا رأيى قال فحدثته بحديث عن رسول الله ﷺ في الرد لهذا قال هذه خرافة. قال الخطيب: يعنى حديث النبي ﷺ .
الخطيب ذكر هذا الخبر عن هذا الرجل أعنى أبا إسحاق ثم اختلف فيه فتارة قال ما ذكرت. ثم روى عنه أنه قال قتل أخى مع إبراهيم بالبصرة فركبت لنظر في تركته فلقيت أبا حنيفة فقال لي من أين أقبلت وأين أردت؟ فأخبرته الحديث فقال لي لو أنك قتلت مع أخيك لكان خيرا لك. فهذا حديث قد تقدم الجواب عنه. إلا أنى
стр. 50
أردت أن أذكر شيئا يعرفه الناس كما يعرفون أن أبا إسحاق الفزاري روى لأبى حنيفة حديثا عن النبي ﷺ ، والناس يعرفون أن أبا إسحاق لم يكن فقيها ولا محدثا يؤخذ بقوله، ثم يرجح قول مثل هذا يكون أراد به الحق، ثم قول الخطيب أنه عنى قول النبي ﷺ . أترى ما علم أنه لو ثبت مثل هذا القول عند أبى حنيفة إنه يحمل على أن هذا حديث مشكوك فيه أو مطعون في ناقله، وأن أبا إسحاق لم يهتد إلى نقله على الوجه، وأنه لم يعرف الوجه في الحديث. ثم إن الخطيب قال عنى بقوله حديث النبي ﷺ . فما أدرى الخطيب أنه عنى حديث النبي ﷺ دون حديث الفزاري؟ ثم إن الخطيب جعل رأى سفيان في هذا الأمر حجة حيث قال لم آمر أخاك ولم أنهه. فإن المتفقهة إذا سئلوا عن مثل هذا لا بد أن يقولوا حلال أو حرام أو واجب أو محظور فإن كان واجبا لزم العمل به وإن كان محظورا وجب التجنب عنه.
فنقول: سفيان في هذه الفتيا لا يخلو إما إن كان الطالبي على الحق أو على الباطل ولا يخلو المستفتى إما إن كان ذا قدرة على الخروج أو عاجز وإن كان طالب فضيلة أولا. إن كان قادرا على الخروج طالبا للفضيلة ووجد إمام حق فالأولى له اتباعه، وان كان إمام باطل وجب عليه قتاله مع إمام الحق إذا دعى. أما السوقة وآحاد الناس فيقدرون على أن يفتوا بما أفتى به سفيان بأن لا يأمروا ولا ينهوا، فمن لا يفرق بين هذا وهذا ليت شعري كيف يجوز له الطعن على الأئمة، وفي قوله حدثته بحديث عن رسول الله صلّى الله وسلّم في الرد لهذا. كان الواجب أن يبين الحديث الذي في الرد. وأما إسناده إلى محمد بن على عن سعيد بن سالم أنه قال قلت لقاضى القضاة أبى يوسف سمعت أهل خراسان يقولون: إن أبا حنيفة جهمي مرجئ؟ فقال لي صدقوا ويرى السيف أيضا. قال له فأين أنت منه؟ قال إنما كنا نأتيه يدرسنا الفقه ولم نكن نقلده ديننا.
اعلم أن المشهور عن أبى يوسف خلاف ما ذكره عنه لأنه ذكر هذا الحديث عن محمد وحده وجميع أصحاب أبى حنيفة يقولون عن أبى يوسف عن- أبى حنيفة خلاف ما ذكر. وأما قول أبى يوسف كان يدرسنا الفقه وما كنا نقلده ديننا فالمشهور عن أبى يوسف أنه لما حج. قال اللهم إنك تعلم أننى لم أعمل إلا بما عرفته من كتابك وسنة نبيك، وما لم أعرفه منهما جعلت بيني وبينك فيه أبا حنيفة لعلمي به. وروى عنه أيضا هذا القول عند الموت، فمن يكون هذا قوله أما يكون قد قلده في دينه؟
стр. 51
قال الخطيب: ذكر ما حكى عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال، روى بإسناده عن الحسن بن على الجوهري إلى أبى مطيع أن أبا حنيفة ﵁ قال: إن كانت الجنة والنار مخلوقتين فإنهما يفنيان وبإسناده عن محمد بن الحسين عن أبى مطيع أنه سمع أبا حنيفة يقول إن كانت الجنة والنار خلقتا فإنهما يفنيان والرواية المشهورة عن أبى حنيفة التي عليها جملة أصحابه أنه قال: إن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان أبدا. وكذلك روى عنه أبو جعفر الطحاوي في عقيدته.
وبإسناده عن ابن رزق عن أسباط أن أبا حنيفة. قال: لو أدركنى رسول الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي.
وبإسناده عن على بن أحمد الرزاز عن يوسف بن أسباط. قال قال أبو حنيفة: لو أدركنى رسول الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي. المروي عن أبى حنيفة ﵁ وعليه فتاوى كل أصحابه أنه قال في
المروي عن العباس ﵁ لما خطب النبي صلّى عليه وسلّم وقال: «ألا إن مكة حرام من حرمات الله» الخبر بطوله. فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذخر»
قال أبو حنيفة في هذا أن النبي ﷺ أراد أن يستثنى هذا فسبقه العباس إليه، فأبو حنيفة لم يجعل النبي ﷺ آخذا برأى العباس، فكيف يجعله أخذا برأى نفسه.
وقد روى عن عمر ﵁ مثل هذا أنه قال وافقنى ربى في ثلاث ولم يرد بالموافقة أنه كان على الخلاف ثم وافق، إنما كانت شهوته تقتضي هذا، وأنزل الله ذلك على وفاق ما أراده فسماه موافقة، ومذهب أبى حنيفة خلاف ما نقل الناقل لأنه يرى الأخذ بالكتاب والسنة ما وجد، فإن لم يجد أخذ بقول الصحابي فإن اختلفوا أخذ بقول أقربهم إلى الكتاب والسنة لا يعدل عن ذلك.
وروى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن الحارث عن أبى إسحاق الفزاري.
قال: كنت آتى أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو فسألته عن مسألة فأجاب، فقلت له إنه يروى فيها عن النبي ﷺ كذا وكذا. فقال دعنا من هذا. قال وسألته يوما آخر عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له إن هذا يروى عن النبي ﷺ فيه كذا وكذا. فقال حك هذا بذنب خنزير. هذا النقل يخالف مذهب أبى حنيفة وقد تقدم الجواب عنه.
стр. 52
ثم إن الخطيب لم يعن المسألة التي ذكر الراوي أنه سأل أبا حنيفة عنها ولا الخبر الذي أورده الفزاري، وإذا لم يعين لم يثبت ما اشترطه الخطيب من أن التثبت عند أهل الحديث غير هذا لأن المعلوم لا ينقض بالمجهول وهذا قد روى عن آحاد الناس لا شيء. لأنه قال حدثنا فلان عن الفزاري أنه قال سالت أبا حنيفة عن مسألة فأجاب. فقلت: روى عن النبي ﷺ كذا وكذا في هذا. فقال له أبو حنيفة: حك هذا بذنب خنزير. وهذا كما حكى
الخطيب في كتابه في ترجمة أشعب عن أشعب أنه قال لما سئل هل تروى شيئا من الحديث النبوي؟ فقال نعم سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلتان لا يجتمعان في مؤمن».
ثم سكت فقالوا له وما الخلتان؟ قال: نسى عكرمة واحدة ونسيت أنا الأخرى.
قال أخبرنا ابن دوما ثم أسنده إلى الفزارى قال حدثت أبا حنيفة حديثا في رد السيف فقال: هذا حديث خرافة أترى أى شيء هو رد السيف؟ وإنما اشتراط الخطيب أن هذا ثبت هو العجب، لأنه قال والثبت عند أصحاب الحديث غير هذا، أترى الثبت ما يعلم وما لا يعلم؟ فإن كان الثبت ما يعلم كان [ينبغي] نقل ما قال وما قيل عنه ليكون الجواب. وأما قوله حدثت أبا حنيفة في رد السيف حديثا فهذا لا يثبت مثله، لأنه إنما يثبت الشيء، أما غير شيء لا يثبت أصلا وهذا كقول المتنبي:
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وهذا غير شيء، أترى غير شيء أى شيء يكون: وروى عن الأبار إلى أن قال سمعت على بن عاصم يقول: حدثنا أبا حنيفة بحديث عن النبي ﷺ . فقال: لا آخذ به، ثم قلت عن النبي ﷺ فقال: لا آخذ به. إنما يجاب عن هذا لو ذكر الحديث، فمن المعلوم أن كلما روى عن النبي ﷺ لا يؤخذ به لأن فيه منسوخا والمنسوخ فبالإجماع لا يؤخذ به.
اعلم وفقك الله أن أخبار النبي ﷺ فيها ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وإفراد وتركيب، وحقيقة ومجاز. ثم بعد ذلك صنفت على النبي ﷺ أحاديث، [و] نقل عن النبي ﷺ ثقات وغير ثقات، وبعض هذا مما يرد به الحديث بإجماع الأمة.
قال أخبرنا محمد بن أبى نصر الزينبي إلى بشر بن مفضل.
قال قلت لأبى حنيفة:
روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ . قال «البيعان بالخيار
стр. 53
ما لم يفترقا»
قال هذا رجز. أترى الناقل عن أبى حنيفة مثل هذا ما استحيا أن ينقل ما لا يسمع، فإن أراد به الرجز الذي هو الشعر فليس كذلك ومثل أبى حنيفة يعرف هذا المقدار، ولو أنه عرض على أدنى عامي لعرف هذا فكيف ينقل عن أبى حنيفة ﵀ ما لو قيل لعامى لعرف أنه خلاف ذلك ويدعى أنه الثبت؟ وأما أبو حنيفة فإنه لا يأخذ بهذا الحديث على هذا الوجه الذي ذهب إليه غيره أن قول النبي ﷺ إذا اختلف لفظا الواجب أن يوفق بينهما معنى. وهذا مذهب أبى حنيفة والبيع عقد من عقود الشرع، وجميع عقود الشرع بعد صحتها لا تحتمل النقض، مثل أن تقول بعت ويقول اشتريت، ومثل أن تقول أنكحتك على صداق مبلغه كذا وكذا، فيقول قبلت. فكما أنه ليس خيار في النكاح فكذلك ليس له خيار في البيع. وكذلك إلا جارة وغيرها من عقود الشرع، وإنما كلام النبي ﷺ مثل القرآن والقرآن جاء على العرب، تقول بئست الرمية الأرنب وإن كانت لم ترم إلا أنها من شأنها أن ترمى فسميت رمية بذلك. كما قال تعالى ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ والمائع لا ينعصر وإنما كان يعصر عنبا ليجعله خمرا. فلما كان من شأنه أن يكون خمرا نطلق اسم الخمر على العنب، لأنه اسم ما يؤول إليه.
وقد روى أنه ﵇. قال لأبى سفيان يوم الفتح: «كل الصيد في جوف الفرا»
سماه صيدا وان لم يصد. فكذلك سماهما بيعين وإن يبيعا بعد، وتقديره البيعان بالخيار إذا شاءا تبايعا، وإن شاءا لا.
كما قال ﷺ : «المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» فلما عرض عليه الحكم وهو أن النبي ﷺ حضر عند رجل من الأنصار وكان معه رجل صائم فقال: «أجب أخاك وأفطر واقض يوما مكانه»
فلما أثبت الوجوب أوجب العوض، فهذا ومثله كثير عن النبي ﷺ .
قال قلت: روى قتادة عن أنس أن يهوديا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه. قال. هذيان. فأبو حنيفة ﵀ لا يقول عن كلام النبي ﷺ هذا، ولو كان كما قال عنه الخطيب لما ترك، فضلا عن أن يتبعه الناس ويقتادون إليه وقد تقدم أن رواية جماعة خير من رواية آحاد الناس. ثم هذا الخبر مجمع على ترك العمل به بقول النبي ﷺ عن جابر بن عبد الله. قال: كان النبي ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية. قال: «اغزوابسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا». ألا تراه ﷺ نهى عن المثلة. ونهى في الخبر عن قتل النساء والصبيان فهذا ناسخ لما تقدم.
стр. 54
ثم قال
أخبرنا أبو بكر البرقاني إلى عبد الصمد عن أبيه قال:
ذكر لأبى حنيفة قول النبي ﷺ «أفطر الحاجم والمحجوم» فقال هذا سجع.
وهذا مثل قول الله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ والثاني لا يكون متعديا بل مستوفيا. ثم هذا الحديث منسوخ بقول النبي ﷺ «الفطر مما دخل، والوضوء مما خرج» والحاجم والمحجوم لم يدخل إلى بطنيهما شيء فيفطرهما. قال: وذكر له قول من قول عمر- أو قضاء من قضاء عمر- فقال: هذا قول شيطان. فهذا مثل ما ذكرت من خبر أشعب، الواحد أنسيه هو، والآخر أنسيه الخطيب.
وكذلك ما رواه عن ابن رزق إلى عبد الوارث، وقال أخبرنا محمد بن عبد الملك القرشي إلى إسحاق قال سمعت يحيى بن آدم ذكر لأبى حنيفة هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «الوضوء نصف الإيمان» قال لتتوضأ مرتين حتى تستكمل الإيمان. قال إسحاق وقال يحيى بن آدم الوضوء نصف الإيمان- يعنى نصف الصلاة- لأن الله تعالى سمى الصلاة إيمانا فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أى صلاتكم. قال النبي ﷺ «لا تقبل صلاة إلا بطهور» فالطهور نصف الإيمان على هذا المعنى إذا كانت الصلاة لا تتم إلا به. ومثل هذا لم ينقل عن أحد من الأئمة المعروفين وكيف ينبغي أن يقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ ويعنى بها الصلاة لأنه يقول في أثناء الآية ﴿أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ﴾ وليس الهداية الصلاة وحدها وإنما الهداية إلى جميع الدين والصلاة فرع من فروعه. فقد قال النبي ﷺ : «لا يكمل إيمان المؤمن حتى يريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه».
أفكان يعنى بهذا الصلاة وحدها؟ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فيحمل هذا الخطاب على من هو في الصلاة لا من هو خارج عنها، ومثل هذا كثير.
وإنما [لا] يتبين المختلف فيه إلا على العلماء، أما مثل هذا فلا.
وقد نقل عن يحيى أيضا أنه ذكر لأبى حنيفة قول من قال لا أدرى نصف العلم. قال: فليقل مرتين لا أدرى حتى يستكمل العلم. قال يحيى وتفسير قوله لا أدرى نصف العلم، لأن العلم إنما هو أدرى ولا أدرى، فأحدهما نصف الآخر. فانظر ما أحسن هذا الكلام أترى أيش يقال فيمن لا يعرف هذا الكلام؟ حتى أنه يجعل قول من قال حجة حتى يرد به على أبى حنيفة. والعلم إنما هو إثبات حكم أو نسخ حكم.
стр. 55
قال أخبرنا أبو القاسم إلى سفيان بن عيينة ثم أعاد حديث «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، وهذا تقدم الجواب عنه. وروى عن ابن دوما إلى الفضل بن موسى قال سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابى من يبول قلتين، يرد على النبي ﷺ . أترى أين الرد على النبي ﷺ وإنما القلتان العامتان، والقلتان الجرتان، والقلتان الكوزان، والقلتان قلتا الجبلين فهذا كله ينطلق عليه اسم القلتين، وقول أبى حنيفة هذا إن ثبت أنه قاله أين الرد فيه على النبي ﷺ ؟ وانما أردت أن أبين بهذا ومثله قول الخطيب. والمحفوظ غير ذلك فانظر إلى هذا المحفوظ ما أحسنه، إلا أنه يشبه ذاك الحافظ الذي جعله ثبتا فأخبر عن الخلال إلى وكيع يقول سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير. أترى أى شيء في هذا من الفقه أو العلم حتى يجعله ثبتا وروى عن ابن رزق إلى سفيان يقول: كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة في الصرف فأفتاه، فقلت: يا أبا حنيفة إن أصحاب محمد ﷺ قد اختلفوا في هذه، فغضب وقال للذي استفتاه: اذهب فأعمل بها فما كان فيها من إثم فهو على. افتراه لم لا عرف المسألة كما عرف أم خصيب؟
أفهذا ومثله الثبت.
وحدث عن أبى القاسم عبد الواحد إلى يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله ﷺ أربعمائة حديث- أو أكثر- قلت له يا أبا محمد تعرفها؟ قال نعم قلت أخبرنى بشيء منها فقال قال: رسول الله ﷺ : «للفرس سهمان وللراجل سهم»
فقال أبو حنيفة إنا لا نجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن. فهذا اللفظ لم يثبت عن أبى حنيفة وإنما مذهبه أن يكون للفارس سهمان وللراجل سهم. وأما لفظ النبي ﷺ للفرس سهمان فمحمول على أمثاله مما ورد عنه ﷺ وعن أصحابه. فأما ما روى عنه ﷺ فإنه لما جاء الرجل إليه وقال إنّي جعلت لأصحابى إبلا ليسلموا فلما أسلموا رجعت نفسي في الإبل؟ فقال ﷺ «لا تعطهم شيئا إن أقاموا وإلا سيرنا إليهم الخيل» فلم يرد النبي ﷺ أن يسير إليهم الخيل وإنما أراد أن يسير الخيالة. وقد تقدم مثل هذا القول. وأما روى عن أصحابه ﵃ فإنه كان ينادى فيهم بحضرة النبي ﷺ وبعده إذا استفزعوا يا خيل الله اركبي، فما كانت الخيل تركب الناس عادة، وإنما تقديره يا خيالة الله اركبي، فكنى عن الخيالة بالبعض كما ورد العرب كثير من هذا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ وإنما كان يعصر العنب ليكون خمرا، فمن لا يفهم هذا أيش يكون جوابه؟ وقال قال أبو حنيفة: الأشعار مثله.
стр. 56
صدق إلا أن يكون في الحج. وقال قال البيعان بالخيار، وقد تقدم الجواب. وقال كان النبي ﷺ يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في السفر. وأقرع أصحابه. وقال أبو حنيفة: القرعة قمار. فأقول إن القمار ما كان فيه أخذ وعطاء، وأما مذهب أبى حنيفة ﵀ في السفر بالنساء إن شاء أخرج إحداهن، وإن شاء أقرع بينهن تطيبا لأنفسهن كان حسنا. وقال لو أدركنى رسول الله صلّى الله ﷺ وأدركته لأخذ بكثير من قولي. قد تقدم الجواب عنه.
وحدث عن ابن رزق إلى إسماعيل البطلانى. وأخبرنا البرقاني قال قرأت على أبى حفص إلى أبى السائب يقول سمعت وكيعا يقول: وجدنا أبا حنيفة خالف مائتي حديث. هذه كانت أربعمائة صارت مائتين ولم يذكر من الأربعمائة والمائتين إلا حديثا واحدا، ولو أراد الخطيب صحة الثبت كما زعم لذكر الأحاديث. وحدث عن على بن أحمد الزاذ إلى حماد بن سلمة قال وسمعته يقول: أبو حنيفة استقبل الآثار واستدبرها. فهذا قول قالهحماد. والجواب عنه فيما مضى وعن غيره من أمثاله الذين قالوا مثل هذه الأقوال في أبى حنيفة وقد روى عنه أن أبا حنيفة يستقبل السنة يردها برأيه. وأخبرنى عن محمد بن الحسين بن محمد المتوثى إلى بشر بن السرى قال أتيت أبا عوانة فقلت بلغني أن عندك كتابا لأبى حنيفة أخرجه فقال: يا بنى ذكرتني فقام إلى صندوق فاستخرج كتابا فقطعه قطعة [قطعة] ثم رمى به، فقلت له ما حملك على ما صنعت؟ قال: كنت عند أبى حنيفة جالسا فأتاه رسول بعجلة من قبل السلطان كأنما قد حموا الحديد وأرادوا أن يقلدوه الأمر. فقال: يقول الأمير رجل سرق وديا فما ترى؟ فقال- غير متعتع- إن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه: فذهب الرجل فقلت يا أبا حنيفة ألا تتقى الله،
حدثني يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع بن خديج. أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر»
أدرك الرجل فإنه يقطع. فقال- غير متعتع- ذاك حكم قد مضى فانتهى وقد قطع الرجل فهذا ما يكون له عندي كتاب.
هذا مذهب أبى حنيفة ﵁. وذلك لما
روى عن النبي ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» وقال: «فإذا جمعها الجرين فاقطعوا فيما بلغ قيمة المجن»
فأبو حنيفة ﵀ اعتبر الأصل، وذلك أن اللص إذا سرق قمحا أو تمرا أو شيئا إلا أنه أصل في نفسه مقصود بالمالية قطع، وإن سرق طعاما أو شرابا ليس بمقصود بالمالية مثل
стр. 57
طعام مطبوخ أو شراب لم يقطع لأنه ليس بمقصود بالمالية في نفسه، وإنما المقصود منه دفع ضرر الجوع حتى أنه لو سرقه في إناء فضة أو ذهب لا قطع عليه لأن مقصوده دفع الضر وسد الجوع وذلك مباح بالمحرم فصار فيه شبهة والحدود عنده تدرأ بالشبهات لما روى عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يقولون. ادرءوا الحدود بالشبهات. والنبي ﷺ تارة أمر بالقطع وتارة منع منه. وقد ذكرت فيما مضى مذهب أبى حنيفة في أنه لا يخالف بين الخبرين ما وجد وجه التوفيق. فلما بين النبي ﷺ الكثير بقوله «جمعه الجرين» تبين أنه المقصود بنفسه للمالية. ولما أبهم كان لسد الجوعة.
وكذلك ما حدث عن ابن دوما إلى أبى عوانة. قال وقال الحلواني إلى حماد.
قال سمعت أبا حنيفة سئل عن محرم لم يجد إزارا فلبس سراويل، قال عليه فدية.
قلت: سبحان الله
سمعت عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ . قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار».
هذا الخبر لم يعمل به أحد من الأئمة فيحتج بصحته، فإن من لم يجد الإزار يلبس السراويل، كذلك من لم يجد الرداء يلبس القميص ومحال أن يجد السراويل ولم يجد إزارا، فإن السراويل يصير منه إزار، فهذا ومثله لا يدفع قول الخصم، فإن
أعرابيا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما تقول فيمن أحرم في جبته هذه بعد ما ضمخها بالطيب؟ فقال النبي ﷺ «أما الجبة فانزعها وأما الطيب فاغسله وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك»
وإجماع الناس ان المحرم يلزم المخيط فإن المخيط لا يراد به ما دخلته الإبرة مطلقا إنما المراد به ما يتلف على الإنسان مثل الثوب المخيط على البدن وعلى اليدين حتى يصير كهيئة الإنسان. فكذلك أيضا السراويل والخف. وحديثه عن بن دوما إلى حماد يدخل فيما ذكرت.
ثم قال: أخبرنا ابن دوما إلى سفيان بن عيينة قال قدمت الكوفة فحدثتهم عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد- يعنى حديث ابن عباس- فقالوا: إن أبا حنيفة يذكر هذا عن جابر بن عبد الله. قال قلت لا إنما هو جابر بن زيد. فذكروا ذلك لأبى حنيفة فقال: لا تبالوا إن شئتم صيروه عن جابر بن عبد الله، وإن شئتم صيروه عن جابر بن زيد. إنما قال أبو حنيفة ذلك- إن صح عنه- لأن هذا الخبر لم يعمل به أحد من الفقهاء فتقديره صيروه عمن شئتم فإنه غير معمول به. فقد أجمع القوم على أنه من لبس المخيط كان عليه الفدية سواء كان سراويل أو غيره.
стр. 58
ثم قال أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصيمري إلى أبى عبد الله قال أنشدنى أبو عبد الله محمد بن زيد الوسطى لمحمد بن المعدل:
إن كنت كاذبة التي حدثتني … فعليك إثم أبى حنيفة أو زفر
المائلين إلى القياس تعمدا … والراغبين عن التمسك بالأثر
أما من هجا فقد هجا مثله خيرا من أبى حنيفة ولم يصر ذلك حجة. وهذا قال عن أبى حنيفة ﵀ ما ليس من مذهبه، وقد تقدم القول في مذهب أبى حنيفة وأخذه بالأحاديث ما وجد حتى أنه إذا جاءه الحديث الواحد خلاف القياس يعمل به في الواقعة وحدها ولا يترك أحد الحديثين. مثاله: إن الله تعالى فرض الصلاة في أوقات مخصوصة ففرض لكل وقت صلاة، ثم إن النبي ﷺ صلّى الظهر مع العصر بعرفة في وقت الظهر، والمغرب مع العشاء بالمزدلفة في وقت العشاء. فعمل بذلك أبو حنيفة في يوم عرفة خاصة، ولم يقسه على باقى الصلوات، ولا قاس باقى الصلوات عليه. وهذا إذا كان المصلى مع الإمام، وأما إذا صلّى وحده صلاها كسائر الصلوات في أوقاتها لأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك بالجماعة ولم يثبت أنه صلاها وحده على ما ذكرت فمن يكون نظره في الجمع بين الأحاديث كذا كيف يقدح فيه بقول من لا يعرف الفقه ولا العربية ولا يفرق بين الأحاديث.
ثم قال أخبرنا عبد الله بن يحيى السكرى والحسن بن أبى بكر ومحمد بن عمر النرسي إلى أبى عوانة. قال سمعت أبا حنيفة وسئل عن الأشربة، قال: فما سئل عن شيء منها إلا قال هو حلال، حتى سئل عن السّكر- أو السّكر شك أبو جعفر- فقال: حلال. قال قلت يا هؤلاء إنها زلة عالم لا تأخذوا عنه. أما مذهب أبى حنيفة ﵀ في الأشربة فمعروف، ولو لم يشك أبو جعفر لرددت الجواب. وإنما الشاك لا يصدق لأن كذبه من نفسه إذا قال شككت فقد عرف أن قوله ليس بحجة فهو شك فيما نقله عن أبى حنيفة، ولم يشك في علم أبى حنيفة فكيف استحل الخطيب أن يجعل ما شك فيه ثبتا ينفى به ما جعله يقينا.
فأما السّكر فحرام على مذهب أبى حنيفة، والسكر حلال إذا طبخ أدنى طبخ لقول الله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ وليس قول من قال خلاف أبى حنيفة بحجة لأنه قد نقل عن بعض الناس أنه قال الكلام محمول على أنك تقول تتخذون منه سكرا وتتخذون رزقا حسنا. وليس هذا حجة لأن الصحابة رضى الله
стр. 59
عنهم اتخذوا من السكر ومن التمر ومن الزبيب ومن العسل الأنبذة، والنبي ﷺ شرب من السقاية بعد ما قال له العباس يا رسول الله إنه منذ أيام، وقد مرسته أيدى الناس، ألا تصبر حتى نأتيك بشراب من البيت؟ يقول ذلك له ثلاثا والنبي ﷺ يرد قوله.
حتى أتاه بشيء منه فشربه وقطب وجهه ثم بماء من زمزم فصبه فيه وشربه. ثم قال:
«إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاكسروا متونها بالماء» وأضاف على ﵇ قوما فأطعمهم وسقاهم، فسكر بعضهم فحده. فقال: تسقينا، ثم تحدنا؟ فقال: إنما أحدكم للسكر لا للشرب. وروى أن رجلا من المسلمين شرب من سطيحة عمر فسكر، فأراد أن يحده فقال إنما شربت من سطيحتك. فقال: إنّي أحدك للسكر لا للشرب فمثل هذه الأحاديث قد روى عن النبي ﷺ وعن أصحابه فلأن يحمل أحد وجهى الآية على ما يوافق هذه الآثار مع أن هذا الوجه في القرآن أو لا خير من أن يحمل على أبعد الوجهين مع مضاد هذه الآثار وأولى.
ثم قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن حسنون الترسى إلى أبى حمزة السكرى يقول: سمعت أبا حنيفة يقول لو أن ميتا مات فدفن ثم احتاج أهله إلى الكفن فلهم أن ينبشوه ويبيعوه. هذا لم ينقل عن أبى حنيفة ولو فعل ذلك أحد لما كان به بأس.
فإن حيا يحتاج إلى كفن الميت مع أنه لم يزل عن ملكه بدفنه إياه لأحق من ميت لا يحتاج إلى شيء من أمور الدنيا.
ثم قال أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز والبزاز بهمذان إلى سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدا أجرا على الله من أبى حنيفة، ولقد أتاه يوما رجل من أهل خراسان فقال يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة أريد أن أسألك عنها. فقال هاتها، فهل سمعتم أحدا أجرا على الله تعالى من هذا؟
وأخبرنا عطاء بن السائب عن ابن أبى ليلى.
قال: لقد أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار إن كان أحدهم ليسأل عن المسألة فيردها إلى غيره فيرد هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وإن كان أحدهم ليقول في شيء وإنه ليرتعد، وهذا يقول هات مائة ألف مسألة.
وأنا أقول: هل رأيتم أو سمعتم بأحد أكذب من هذا، من يحفظ مائة ألف مسألة
стр. 60
يكون رجلا لا يعرف له اسم؟ فهل رأيتم كذا بل أقول إن جميع المجتهدين من كان فيهم من يحفظ مائة ألف مسألة على قلبه، ولو كان الأمر كما زعم فليس بأكثر من كتب الفقه فلو أخذ رجل كتابا من كتب الفقه وجاء إلى رجل من أوساط الفقهاء وقال له: أريد أن أسألك عن جميع ما في هذا الكتاب لقال له نعم وما كان يعجز عنه إذا كان من مذهبه فكيف يعجز أبو حنيفة عن ما يسأل عنه، وقد نقل عن أبى حنيفة ما شاء الله من المسائل. وأما قوله عن الصحابة: فمن المعلوم أن جميع الصحابة لم يكونوا فقهاء وما كان الفقهاء منهم إلا قليل، بل لو كان هذا السائل سأل أحد فقهاء الصحابة لقال كما قال أبو حنيفة. وقد روى عن ابن عباس أنه كان قاعدا بحرم مكة والناس حوله يسألون عن القرآن وهو يجيب، فقال له نافع بن الأزرق: يا ابن عباس ما أجرأك على كتاب الله أتفسره من عندك؟ فقال: لا إنه لكلام عربي وأنا أفسره على ما تعرفه العرب. فقال له أكل هذا تعرفه العرب؟ فقال نعم ثم جعل يقص عليه شيئا فشيئا من القرآن وينشده عليه بيتا [بيتا] من أشعار العرب، وهذا الكتاب جمعه ابن السائب وهو يعرف اليوم بغريب القرآن لابن السائب
قال:
ذكر ما قاله العلماء في ذم رأيه والتحذير عنه إلى ما يتصل بذلك من أخباره
قال أخبرنا أبو الحسن على بن أحمد بن إبراهيم البزاز إلى هشام بن عروة عن أبيه.
قال: كان الأمر في بنى إسرائيل مستقيما حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم.
فقالوا بالرأى فهلكوا وأهلكوا، وأكثر هذا الباب مثل هذا الخبر.
والجواب: أن الخطيب جعل هذا ثبتا وصححه وجعل قول عروة أولى من قول النبي ﷺ فإن
النبي ﷺ قال لمعاذ: «يا معاذ بم تحكم؟» قال أحكم بكتاب الله. قال «فإن لم تجد؟» قال بسنة رسول الله.
«قال فإن لم تجد»؟: قال أجتهد رأيى ولا آلو. فقال النبي ﷺ حينئذ: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله».
وهذا الخطيب شرع يرد قول النبي ﷺ بطريق الرد على أبى حنيفة كما فعلت الفلاسفة وذلك أن النبي ﷺ شهد للعشرة بالجنة فلما أرادت الفلاسفة رد قول النبي ﷺ جاءوا إلى العشرة يطعنون فيهم فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا إلى ان جرى ما جرى
стр. 61
بين المسلمين من قتل عثمان ونوبة الجمل وصفين ثم قتل الحسين، وقامت التوابون وكثرت شيعة على واختلف الناس وذلك في زمن فترة معاوية بن يزيد بن معاوية لما خلع نفسه، فقالت الفلاسفة: إن عليّا ﵁ ابن عم النبي ﷺ وأحق بالخلافة من غيره، وأبو بكر اغتصبه حقه وأعانه عمر ثم ولى عثمان أمرا لم يكن له بحق وذلك لأن عبد الرحمن بن عوف تغرض عليا فأزاله عن مستحقه، وأما طلحة والزبير فإنهما قاتلا عليا في نوبة الجمل وهما له ظالمان. فهؤلاء غيروا بعد رسول الله ﷺ ولم يبقوا على ما كانوا في زمن النبي ﷺ فإذا صار أمرهم على هذا فقد فسقوا فلم يبقوا من أهل الجنة. ثم أرادوا الطعن في على فقالوا: إن عليا ترك حقه لأبى بكر وعمرو عثمان وكان أحق بذلك منهم وكان يلزمه القيام بالخلافة لأنه كان أعلم منهم وأحق بالخلافة، ومن تعين للإمامة ثم تركها لغير ذى حق فقد فسق ومن فسق استحق النار. فهؤلاء كلهم غيروا فلم تبق شهادة النبي ﷺ نافعة لهم وأشاروا إلى أن النبي ﷺ إنما شهد لهم لما رآه منهم ولم ينزل عليه في ذلك وحى، وما قصدوا بذلك إلا أنه لم يكن ينزل عليه الوحى، لأن النبوات عندهم باطلة لأنهم يقولون إما أن تكون الحاجة بالرسالة أو للناس، فيقال لهم للناس لأن الله غير محتاج إلى شيء، فيقولون هل يمكن أن يؤمن من لا يريد الله إيمانه؟ فنقول لا فيقولون: فإذا لا حاجة إلى النبي فإن الله يهدى من يريد، وهذا هو الكفر بعينه. وإنما أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين واختصهم برسالته فإن الله تعالى اجتبى الأنبياء صلوات الله عليهم ليميزهم على الناس، وأرسلهم ليعلموا الناس الحلال والحرام، وجعل العلماء ورثتهم ليهدوا الناس بهداية النبي ﷺ فمن طعن في العلماء فإنما طعن في الأنبياء
لقوله ﷺ : «العلماء ورثة الأنبياء».
ثم إن النبي ﷺ شهد للسبطين الشهيدين بالجنة فما قدروا أن يطعنوا إلا في الحسن ﵁. فقالوا: ترك حقه وبايع للرغبة في الدنيا فجعلوا ذلك ذريعة إلى الرد على النبي ﵇. وهكذا الخطيب جعل الرأى الذي قرنه النبي ﵇ بالكتاب والسنة وحمد الله كيف وفق معاذا رسوله وكيف هداه الله اليه خطأ واعلم أنه إذا خطأ أحد الثلاثة المجتمعة فقد خطأ الآخرين ضرورة، وإذ خطأ الثلاثة فإنما التخطئة لقابلهم فكان ظاهر قوله الرد على أبى حنيفة والمقصود من قال بالرأى.
فانظر أيدك الله إلى رجل جعل أبا حنيفة ذريعة إلى الرد على الرسول ﷺ وسائر أئمة الأمصار موافقون لأبى حنيفة في الرأى فكان الرد على النبي ﷺ وعلى أئمة أمته جميعا.
стр. 62
وقال:
أخبرنا البرقاني إلى حمدويه. قال قلت لمحمد بن مسلمة: ما لرأى النعمان دخل البلدان كلها إلا المدينة. قال: إن رسول الله ﷺ . قال. «لا يدخلها الدجال ولا الطاعون»
وهو دجال من الدجاجلة. أما هذا الخبر عن النبي ﷺ فصحيح، وأبو حنيفة قد دخل المدينة ودخلها مذهبه، فلو كان الأمر كذلك لما دخلها. وأما قوله إن مذهبه ما دخلها فباطل، لأن في المدينة من أهل مذهب أبى حنيفة جماعة لا يحصون وقد دخلها من زوار الحجاج ممن يقول بمذهب أبى حنيفة من لا يعد ولا يحصى كثرة في كل سنة من الأعوام.
وبإسناده عن ابن الفضل إلى مالك أنه قال: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبى حنيفة. وكان يعيب الرأى ويقول قبض النبي ﷺ وقد تم الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن تتبع آثار النبي ﷺ وأصحابه ولا يتبع الرأى، وأنه متى اتبع الرأى جاء رجل آخر أقوى منك في الرأى فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل أقوى منك اتبعته أرى هذا الأمر لا يتم.
هذا لا يكاد يصح عن مالك فإن ظاهر مذهبه أنه يعمل بإجماع أهل المدينة ويترك الحديث الذي رواه في موطئه وهذا عمل بالرأى وهو خلاف عمل أبى حنيفة ﵁. لأن رأى أبى حنيفة أن يأخذ بخبر النبي ﷺ . ما جاء فإن اختلف خبران أو كان لأحدهما وجه في التأويل يوافق به الخبر الآخر الذي ليس له إلا وجه واحد في الظاهر وفق بينهما. فإن لم يجد خبرا عن النبي ﷺ عمل من أقوال الصحابة ﵃ لما كان أقرب إلى كتاب الله وسنة نبيه ويسمى ذلك اجتهادا. ومالك فقد عمل بإجماع أهل المدينة وترك الحديث الذي رواه في موطئه وهو
قول النبي ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»
وقد رواه عن أنبل شيوخه عن نافع عن ابن عمر ثم ترك العمل به وأفتى بغير قياس لأنه أهل المدينة فصار مقلدا لهم. فإذا كان هذا مذهبه فكيف يمكن أن يصح عنه مثل هذا القول الناقض لمذهبه.
وبإسناده عن ابن رزق إلى حبيب عن مالك بن أنس أنه قال كانت فتنة أبى حنيفة على هذه الأمة أضر من فتنة إبليس في الوجهين جميعا في الأرجاء وما وضع من نقض السنن.
أما السنن فقد ذكرنا مذهب أبى حنيفة ﵁ فيها، وأما الأرجاء فأصحاب أبى حنيفة كلهم على خلاف رأى أصحاب الأرجاء فلو كان أبو حنيفة
стр. 63
مرجئا لكان أصحابه على رأيه وهم الآن موجودون على خلاف ذلك وهذا يبطل ما ادعاه الخطيب من الثبت فإنه جاء إلى أصحاب أبى حنيفة مع كثرتهم أهمل ما نقلوه وما هم عليه وتمسك بقول رجل واحد وجعله ثبتا وسيأتي فيما بعد ذكر ما في إسناد هذه الحكاية وغيرها من الخلل.
وبإسناده عن الأزهرى إلى اسماعيل بن بشر عن عبد الرحمن بن مهدى يقول: ما أعلم في الإسلام فتنة بعد فتنة الدجال أعظم من رأى أبى حنيفة. كان ينبغي لعبد الرحمن أن يبين ما استخطأ فيه أبا حنيفة حتى نجيب عنه. فإن رأى أبى حنيفة يستحيل أن يكون أخطأ في جميعه وخالف آراء الناس، فأما حين أجمل القول فهذا دليل على أن الكلام محمول على الغرض والقصد. ثم إنه قال بعد فتنة الدجال والدجال لم يفتن بعد ولا خرج فكيف يجعل شيئا ظهر وأجمعت عليه الأمة مثل شيء لم يظهر. ويقول بعد فلو كان غير هذا لكان أخفى لقصده من التشنيع ولا شك أن جمعا من المسلمين وافقوا رأى أبى حنيفة، وأيضا أبو حنيفة عمل بقول النبي ﷺ وأصحابه فترى أى الأمور التي قصدها عبد الرحمن؛ ما نقله أبو حنيفة عن النبي ﷺ أو عن أصحابه أو ما استخرجه من القرآن العظيم.
وبإسناده عن ابن الفضل إلى نعيم عن سفيان قال: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان- لرجل صلب-.
الجواب عن هذا كالجواب عن ما تقدمه، ومن هو فلان الذي صلب حتى إن كان له مذهب يوافق مذهب أبى حنيفة نتكلم عليه. وإلا فلان لا يعرف، وإن كان كل من صلب يلزم أن يكون مخطئا منسوبا إلى الخطإ فيلزم من هذا أن يكون زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب، وابن الزبير، وخبيب صاحب النبي ﷺ على هذه الصورة.
وبإسناده عن الطناجيرى إلى ابن صالح الأسدى قال سمعت شريكا يقول لأن يكون في كل حي من الاحياء خمار خيرا من أن يكون فيه رجل من أصحاب أبى حنيفة. وبإسناده أيضا عن على بن محمد بن عبد الله المعدل إلى منصور بن أبى مزاحم. قال سمعت شريكا يقول: لو أن في كل ربع من أرباع الكوفة خمارا يبيع الخمر لكان خيرا من أن يكون فيه من يقول بقول أبى حنيفة. أنا لا أشك أن شريكا إن صح عنه هذا القول كان يختار أن يكون الخمارون في الكوفة ولا يكون فيها
стр. 64
مذهب أبى حنيفة وذلك لأن الكوفة حينئذ لم تخل من النصارى واليهود والمجوس ولم يذكرهم ولا أنف منهم، وأظن أنه كان يحب الخمر ويختارها على ما سواها، فأراد أن تكون في رباع الكوفة ليسهل مطلبها ولا يكون فيها مثل أبى حنيفة يبين خطأه ويفقه الناس، وهذا معروف عند الناس أنه من استقضى في بلدة وكان فيها من هو أفقه منه لا يريد مجاورته لأنه كلما أخطأ بين خطأه للناس.
وبإسناده عن ابن الفضل إلى حماد بن زيد يقول. سمعت أيوب- وذكر أبا حنيفة- فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ هذا يدل على قلة فهم الخطيب لأن إتمام نور الله إنما هو بقاء العلم وقد رأينا مذاهب جماعة من أهل الرأى قد ذهبت واضمحلت ومذهب أبى حنيفة باق وكلما قدم يزيد، والناس الآن مطبقون على أن أصحاب السنة والجماعة هو أهل المذاهب الأربعة مثل أبى حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
والخطيب لم يكن قريبا من عصر أبى حنيفة ولا معاصرا له بل كان بينهما ثلاثمائة وعشر سنين وقد رأى أن مذهب أيوب تلاشى ومذهب أبى حنيفة باق ومع هذا لم يرجع عنه، بل هو كما
قال النبي ﷺ : «حبك الشيء يعمى ويصم»
فمن لم يفهم إلى أن وضع المدح موضع الذم ما كان ينبغي أن يتحدث في مثل هذا. ونحن نقول إن أيوب ما أراد بتلاوة هذه الآية عند ذكر الإمام أبى حنيفة إلا مدح أبى حنيفة والدليل عليه أن كل من تحدث في مذهب أبى حنيفة درس مذهبه حتى لا يعرف، ومذهب أبى حنيفة باق قد ملأ الأرض وأكثر الناس عليه.
وبإسناده عن الحيرى إلى سلام بن أبى مطيع قال كان أيوب قاعدا في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه قال لأصحابه: قوموا لا يعرنا بجربه. قوموا فقاموا فتفرقوا. وأى شيء في هذا مما ينقص به أبو حنيفة، فكونهم قاموا وتفرقوا لا يدل على معيبة في كلام أبى حنيفة ولا في رأيه. ولقائل أن يقول ربما أراد بقيامه أن لا يناظره فيقطعه قدام تلامذته، ثم إنه لم يبين الجرب الذي يعرهم به أى شيء هو؟ حتى يجاب عنه. ثم أيضا إن الله تعالى بين إتمام نوره بأن مذهب أيوب قد اضمحل وبقي مذهب أبى حنيفة بحيث لا يعرف اليوم أن أيوب كان صاحب مذهب إلا القليل من الناس.
وبإسناده عن ابن الفضل إلى الأسود بن عامر عن شريك أنه قال: إنما كان أبو
стр. 65
حنيفة جربا. وهذا مما يؤيد ما ذكرنا من أن الخطيب إنما أراد الرد على
النبي ﷺ لأنه ﵇. قال:- «فمن أعدى الأول». وقال ﵇ «لا عدوى ولا هامة ولا صفر».
وبسنده عن ابن رزق إلى سليمان الحلبي أنه قال سمعت الأوزاعى- ما لا أحصره- يقول: عمد أبو حنيفة إلى عرى الإسلام فنقضها عروة عروة.
وروى عن ابن الفضل إلى إبراهيم الفزارى قال كنت عند سفيان الثوري إذ جاءه نعى أبى حنيفة فقال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الإسلام عروة عروة، وما ولد في الإسلام مولود أشأم على الإسلام منه.
وروى عن ابن حسنويه إلى ثعلبة قال سمعت سفيان الثوري يقول: ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه.
وروى عن أبى نصر إلى محمد بن كثير قال سمعت الأوزاعى يقول: ما ولد مولود في الإسلام أضر على الإسلام من أبى حنيفة.
وروى عن أبى العلاء محمد بن الحسن الوراق إلى الفزاري قال سمعت الأوزاعى وسفيان يقولان: ما ولد في الإسلام مولود أشأم عليهم.
وقال الشافعي هذا هو محمد بن عبد الله صاحب الفوائد- شر عليهم من أبى حنيفة.
وروى عن ابن رزق إلى يحيى بن السكن البصري قال سمعت حمادا يقول: ما ولد في الإسلام مولود أضر عليهم من أبى حنيفة.
وروى عن ابن رزق إلى الحميدي قال سمعت سفيان يقول: ما ولد في الإسلام مولود أضر على الإسلام من أبى حنيفة.
وروى عن الحسين بن أبى بكر إلى عمر بن إسحاق قال سمعت ابن عون يقول:
ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبى حنيفة إن كان لينقض عرى الإسلام عروة عروة.
وبروايته عن محمد بن عمر بن بكير المقري إلى شريك قال سمعت ابن عون يقول:
ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبى حنيفة.
стр. 66
قد سبق الجواب عن هذه الروايات مع أن أبا حنيفة ﵁ كان آدميّا ولم يكن جربا فإن أراد بذلك الاستعارة والتشبيه بأفعاله فكان ينبغي أن يبين الفعل الذي صدر منه فشبهه بالجرب حتى نجيب عنه، ومثل هذه الحكايات لا تكاد تصدر عن الأوزاعى لأنه كان فقيها فلو أراد أن يرد على أبى حنيفة لرد عليه مفصلا لا مجملا كما يرد الفقهاء وبين الخطأ الذي نسبه إليه والعرى التي حلها حتى يكون الجواب عنه على كل فصل، وأما من أجمل أمرا والناس على خلافة فلا اعتداد بقوله. وقد روى عن الأوزاعى في مدح أبى حنيفة ما يدل على رجوعه عن هذا القول في حقه- إن صح هذا عنه- وهو يأتى فيما بعد.
وروى عن ابن الفضل إلى ابن عون أنه قال نبئت أن فيكم صدادين يصدون عن سبيل الله. قال سليمان بن حرب: وأبو حنيفة وأصحابه ممن يصدون عن سبيل الله.
وهذا ليس كما ذكر ابن عون فإن أبا حنيفة ﵁ أملى محمدا ﵀ كتابي السير. وذكر فيهما من أمور الجهاد ووصايا الأمراء وما ينبغي أن يفعله أهل الثغور وقسمة الغنائم ما لم يسبقه إلى جمعه أحد، ولم يجمع مثله بعده أحد.
فهذا الذي نعرفه فأما إن عنى بسبيل الله الجهاد وأحواله فكان يلزمه البيان ليكون الجواب بحسبه ثم كان ينبغي له أن يبين من نبأه، فإن كان النبي ﷺ كان محمولا على الرأس والعين، وإن كان عن غير النبي ﷺ عرف بالقائل لنجيب عنه. وإن كان ابن عون نبى من النبوة بزعمه فقد كفر، وإن كان قال هذا القول من عنده وعزاه إلى من لا يعرف، فبهذا القدر يعرف كذبه، وأنه ليس بأهل لهذا القول وكان يلزم سليمان ابن حرب أن يبين من أين عرف أن أبا حنيفة وأصحابه من الصدادين.
وروى عن الخلال إلى حماد بن زيد قال ذكر أبو حنيفة عند البتى فقال: ذاك رجل أخطأ عظم دينه كيف يكون حاله؟.
وروى عن إبراهيم بن محمد إلى الفريابي قال سمعت سفيان يقول: قيل لسوار لو نظرت في شيء من كلام أبى حنيفة وقضاياه فقال: كيف انظر في كلام رجل لم يؤت الرفق في دينه. قد أخذ بمذهب أبى حنيفة من هو خير من البتى وأجمعت الأمة على أن أبا حنيفة أحد فقهاء الأمصار والبتى لم يعرفه إلا آحاد الناس ولم يكن ممن يصلح لهذا القول.
стр. 67
وروى عن إبراهيم بن مخلد إلى أبى مصعب الأصم قال سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق بها الداء العضال؟ قال: الهلكة في الدين ومنهم أبو حنيفة. لم يرد عمر ﵁ بالداء العضال الهلكة في الدين كما ذكر مالك، إنما أراد الوباء بدليل قوله لا تسكنوا العراق فإن العرب لا تصلح إلا حيث يصلح البعير.
فاختطوا بأرض العرب. فاختط الناس الكوفة والبصرة فكتبوا إليه وإنا قد اختطينا بأرض كوفة، فسميت الكوفة. وبأرض بصرة فسميت البصرة.
وروى عن جعفر إلى مطرف أنه قال سمعت مالكا يقول الداء العضال الهلاك في الدين وأبو حنيفة من الداء العضال.
وروى عن ابن رزق إلى الوليد بن مسلم قال قال لي مالك بن أنس: أيتكلم برأى أبى حنيفة عندكم؟ قلت: نعم. قال: ما ينبغي لبلدكم أن يسكن.
وروى عن على بن المعدل إلى الوليد بن مسلم قال قال لي مالك بن أنس: أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت نعم. وقال ما ينبغي لبلدكم أن تسكن.
وروى عن على بن معدل إلى منصور بن مزاحم قال سمعت مالك بن أنس يقول- وذكر أبا حنيفة- فقال: كاد الدين، كاد الدين.
وروى عن ابن رزق إلى منصور بن مزاحم قال سمعت مالك يقول: إن أبا حنيفة كاد الدين ومن كاد الدين فليس له دين.
وروى عن أحمد العتيقى إلى أبى محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازي عن أبيه عن بن أبى سريج قال سمعت الشافعي يقول سمعت مالك بن أنس- وقيل له أتعرف أبا حنيفة؟ فقال نعم ما ظنكم برجل لو قال هذه السارية من ذهب لقام دونها حتى يجعلها من ذهب وهي من خشب أو حجارة. قال أبو محمد: يعنى أنه كان يثبت على الخطأ ويحتج دونه ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له.
هذا لا يصلح أن يصدر عن مالك، لأن مالكا ﵁ كان يثنى على أبى حنيفة وهو ما رواه الخطيب. قال: أنبأنا البرقاني أنبأنا أبو العباس بن حمدان لفظا حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أحمد بن الصباح قال سمعت الشافعي محمد بن إدريس قال قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وأما قول أبى محمد إن مالكا عنى أنه كان
стр. 68
يثبت على الخطإ ويحتج دونه ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له فمن أين لأبى محمد هذا؟ وهذا القول من مالك في حق أبى حنيفة أقرب إلى المدح منه إلى الذم وأظهر.
ثم إن القائلين بمذهب مالك من عهد مالك إلى وقتنا هذا- وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة- لا يقدرون على إثبات خطإ لأبى حنيفة، فكيف يسوغ لفقيه أن يتكلم في أمر فقيه ولا يقوم بما قال ومسائل الخلاف أشهر من أن أبينها لك وليس المراد من كتابنا هذا الإكثار وإنما مرادنا الاختصار.
وروى عن حمزة إلى أبى بلال الأشعريّ قال سمعت أبا يوسف القاضي يقول: كنا عند هارون أنا وشريك وإبراهيم بن أبى يحيى وحفص بن غياث، قال فسأل هارون عن مسألة فقال إبراهيم بن أبى يحيى حدثنا صالح عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ .
وقال شريك حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر بن الخطاب.
وقال حفص حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قال عبد الله قال: وقال لي أنا: ما تقول أنت قال: قلت قال أبو حنيفة. قال فقال خاك يس.
قلت: تفسيره تراب على رأسك. هذا القول إنما أراد به الخطيب التشنيع على أحسن وجهيه أما الوجه الآخر فهو الصحيح لأن الخطيب إنما أراد التشنيع وما علم ما ينقل، لأن الأمة قد أجمعت أن أئمة الأمصار هم اليوم الأربعة فمتى جاء عن أحدهم كلام لا يشك أحد أنه منقول من الكتاب والسنة، أو مقيس عليهما أو على أحدهما، ولا شك أن الخبر الوارد عن النبي ﷺ لا يكمل العمل به اليوم، لأنا لا نعلم أحوال الرواة. ثم إن المحدثين يأخذون الآثار عمن سمع وهو طفل صغير لم يقف على ما يرويه ولا يعلم كيف سمعه. أو يكون رجلا سمع الحديث ثم لم يقرأه ولم يدر ما هو حتى يرويه. وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجوز أخذ الأحكام إلا ممن سمعها ووعاها وأداها كما سمعها، كما قال ﵊: «رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها» وإذا سمع أحد الخبر على هذا الوجه لا يحل له العمل به حتى يعلم أنا سخا هو أو منسوخا، أم ثم حديث آخر يجب على الفقيه أن يجمع بينهما مثل قوله ﷺ لما سئل عن مس الفرج- فقال: «من مس فرجه فليتوضأ». ثم روى عنه ﷺ أنه سئل فقال: «هل هو إلا بضعة منك» فورد عنه ﷺ هذان الوجهان، فإذا أردنا الجمع بينهما قلنا إن أصل الوضوء من الوضاءة وهي
стр. 69
النظافة، والوضوء الشرعي هو غسل أعضاء معينة، فلما ورد الأمران احتجنا إلى أن نعرف تأويل الخبر فقلنا لما أمر بالوضوء تارة وبتركه أخرى قلنا إن أمره بالوضوء محمول على قوله ﷺ : «فتوضئوا مما مسته النار فتوضئوا ولو من تور أقط» وهذا للنظافة. وقد أجمعنا على أنه لا يجب من هذا إلا النظافة وحملنا قوله هل هو إلا بضعة منك على الوجوب فلم يوجب وضوءا.
واعلم أيدك الله أن الخلاف نشأ بين الأئمة من ثمانية أوجه؛ وهي الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والأفراد والتركيب، والاجتهاد فيما لا نص فيه إلى ما فيه نص، واشتراك الألفاظ مع اختلاف المعنى واختلاف الألفاظ مع اشتراك المعنى، والتأويل، والنقلة والرواة.
فأما النقلة والرواة فقد انقطع أمرهم عنا لأنا لا نعرفهم إلا بالنقل، ولعل الناقل لا يعرف حاله على الوجه أيضا. فمن لا يعرف هذا كله لا يحل لهالكلام إلا فيما ينقله عن الأئمة لأن الله تعالى يقول ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فبين أن بعضنا إذا قام بالعلم جاز لنا أن نأخذ عنه أمر ديننا. وأجمع أهل عصر أبى حنيفة على أنه لم يكن مثله في علم التأويل، والفقهاء إلى يومنا هذا مسلمون أن القياس مع أبى حنيفة وقد أجمعنا أن الأئمة لم يأخذوا إلا من كتاب الله وسنة رسوله، فإذا قد سلموا الفقه لأبى حنيفة وسلموا أنه مشاركهم في الكتاب والسنة فوجب على العامة الأخذ بقول أبى حنيفة دون غيره.
هذا إذ لو كان الخطيب لما ذكر الإسناد بين الخبر الذي أسنده وما المسألة التي سألها هارون وطعن الخطيب هذا ليس على أبى حنيفة وحده لأن الأئمة الأربعة على مذهب واحد في أنهم إذا سألوا عن مسألة لم يرووها عن النبي ﷺ ولكنهم يذكرون المسألة ويعلم السامع أنهم لم يأخذوها إلا من الكتاب والسنة. وكأن الخطيب أراد التشنيع في الظاهر على أبى حنيفة ومراده الجميع.
وروى عن القاضي أبى بكر الحرشي إلى عفان قال سمعت أبا عوانة يقول:
اختلفت إلى أبى حنيفة حتى مهرت في كلامه ثم خرجت حاجا فلما قدمت أتيت مجلسه فجعل أصحابه يسألونى عن مسائل كنت عرفتها وخالفوني فيها، فقلت سمعت من أبى حنيفة على ما قلت، فلما خرج سألته عنها فإذا هو قد رجع عنها
стр. 70
فقال: رأيت هذا أحسن منه. فقلت كل دين يتحول عنه فلا حاجة لي فيه ونقضت ثيابي ثم لم أعد إليه.
هذا أبو عوانة لم يعرف من الفقهاء فقد ثبت أن قوله مهرت في كلامه ليس بصحيح وإنما مهر في كلام أبى حنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن وبشر بن غياث وابن أبى ليلى وابن شبرمة وزفر وغيرهم ممن هو في طبقاتهم. ثم قوله فلا حاجة لي فيه. خلاف إجماع الأمة، لأنا نعلم يقينا أن القرآن العزيز فيه الناسخ والمنسوخ، كذلك السنة فإذا قال الفقيه قولا ثم علم أنه منسوخ كيف يحل له الوقوف عنده؟
وهذا لم يفعله أبو حنيفة وحده، وقد فعله جميع الفقهاء من الصحابة والتابعين وغيرهم. ومذهب على ﵁ أنه. قال: كنت لا أرى بيع أم الولد في زمن عمر، واليوم فقد رأيت ذلك. فهذا أيضا رجوع عن مذهب وتمسك بآخر. وابن عباس قد نقل عنه كذلك أيضا في مسألة العول، أنه. قال: ما كان المال إن يكون له نصف ونصف وثلث. فقالوا له: إنك كنت تراها في زمن عمر. فقال هبته وكان رجلا مهيبا.
فانظر إلى الخطيب كيف يروى الشيء وضده ويجعله عيبا والشيء وضده لا يكونان عيبا، لأنه قال في الحكاية التي ذكر فيها أبا حنيفة: وإن مالكا قال ما ظنكم برجل لو قال هذه السارية من ذهب لقام بحجته، أى لجعلها من ذهب وهي من خشب أو حجارة. ثم قال قال أبو محمد- يعنى أنه كان يثبت على الخطإ ويحتج دونه ولا يرجع إلى الصواب إذا بان له- ففي هذه الحكاية أخبر أنه لا يرجع وجعله عيبا، وفي هذه أخبر إنه يرجع وجعله عيبا، فهذا أيدك الله يعلم منه أنه انما أراد التشنيع ولم يرد التثبيت ولم يكن له من المعرفة ما يفرق به بين الجيد والرديء، ولا من العلم ما يعرف به الخطأ من الصواب.
وروى عن أحمد بن الحسن بن إلى النضر بن محمد قال: كنا نختلف إلى أبى حنيفة وشامي معنا فلما أراد الخروج جاء ليودعه فقال: يا شامي تحمل هذا الكلام معك إلى الشام. قال نعم قال تحمل شرا كثيرا.
هذا الخطيب لا يستحى فيما يذكر كيف يقول الرجل مذمة نفسه، وإن كان قاله فإنما قاله على وجه التواضع، لأن الرجل قد يقول للآخر أنت خير الناس فيقول أنا أقل الناس، وهذا الذي عليه الناس فما يقول أنا خير الناس، ولو قال ذلك لعاب
стр. 71
الناس عقله. ثم قوله تحمل شرّا كثيرا إن كان أراد ما قلت فهو كذلك وإن أراد أنه فقه كلام كثير وجدل كثير فهذا عليه جميع الفقهاء. وكل فقه لا يكون كذلك فليس بشيء. والخطيب فلكونه لم يكن من الفقهاء ولا عرف الفقه ظن أنه يعيب أبا حنيفة بهذا.
وروى عن ابن الفضل إلى مزاحم بن زفر قال قلت لأبى حنيفة: يا أبا حنيفة هذا الذي تفنى والذي وضعت في كتابك هو الحق الذي لا شك فيه؟ فقال: والله ما أدرى لعله الباطل الذي لا شك فيه. فهذا كما ذكر والمجتهد لا يعلم يقينا أنه على الحق ولو علم ذلك يقينا لتنزل منزلة النبي ﷺ وهذا عليه إجماع الأمة أن المجتهد يخطئ ويصيب وإلى هذا
أشار النبي ﷺ بقوله: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ كان له أجر»
فإذا كان النبي ﷺ بين هذا وإجماع الأمة عليه فمن جعله خطأ وعيبا، أتراه يكون مخطئا للفرع أو للأصل؟ وقد بينت لك من قبلأنه لم يكن غرض الخطيب إلا التشنيع والطعن على النبي ﷺ وإنما جعل أبا حنيفة ذريعة إلى ذلك. ولو كان أبو حنيفة قال هو الحق الذي لا شك فيه لكان مخطئا لا محالة فانظر إلى من لا يعرف الصواب من الخطأ ويعيب الأئمة.
وروى عن على بن القاسم عن أبى نعيم قال سمعت زفر يقول: كنا نختلف إلى أبى حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنا نكتب عنه، قال زفر فقال يوما أبو حنيفة لأبى يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه منى فإنى قد أرى الرأى اليوم فاتركه غدا، وأرى الرأى غدا وأتركه بعد غد. هذا قد تقدم الجواب عنه. وسيأتي في الخبر الذي بعده جواب أيضا.
وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال «لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن: من كتب عنى شيئا فليمحه».
وروى عن الخلال إلى حماد بن أبى عمر قال قال أبو نعيم سمعت أبا حنيفة يقول لأبى يوسف: لا ترو عنى شيئا فانى والله ما أدرى أمخطئ أنا أم مصيب. هذا لم ينقل عن أبى حنيفة لكن نقل عنه ما هو قريب من هذا، وذلك أنه كان إذا بلغ أحد أصحابه رتبة الاجتهاد قال له: لا يحل لك بعد أن تأخذ عنى. فهذا يدل على دينه ووفور عقله وهذا لم يفعله أحد من العلماء قبل أبى حنيفة ولا بعده، والعلة في هذا أن المجتهد كما بيننا يخطئ ويصيب، والواجب على كل مسلم أن يجتهد فإن قدر على الاجتهاد مثل الفقهاء كان، وإن لم يقدر اجتهد فيمن يأخذ عنه. وهذا عليه إجماع
стр. 72
الأمة فكان أبو حنيفة يقرئ الناس الفقه فإذا بلغ أحدهم رتبة الاجتهاد قال له هذا القول. أفترى ذلك عيبا على من فعله؟ أو على من اعتقد أن هذا ذم؟ وما قلت عن الخطيب فهو أحسن الوجهين له، لأنه إن كان يعرف هذا وقال هذا، إنما كان قصده الطعن على الأئمة جميعهم، لأن هذه مسألة إجماع. ألا تراه قال لأبى يوسف ولم يقل لغيره، وذلك لعلمه بأبى يوسف وهذا دال على ما قلت ولو كان كما قال الخطيب لقال لهم جميعا ولم يقرئ أحدا مذهبه.
وروى عن ابن رزق إلى عمر بن حفص بن غياث عن أبيه قال كنت أجلس إلى أبى حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتى فيها بخمسة أقاويل، فلما رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث. هذا هو الفقه لأنه يوجه جميع الوجوه حتى يترجح عنده الحق فيتبعه. وقد روى عن أبى حنيفة أنه كان يتحدث في المسائل إلى أن سأله محمد بن الحسن فقال: ما تقول يا شيخ في رجل قال لامرأته إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. فقال ثم ماذا؟ فقال محمد انظر حينا. فأطرق أبو حنيفة رأسه ثم رفعه. فقال: طلقت ثنتان. فقال أحسنت.
فقال ما أدرى أى قوليه أوجع. انظر حينا أو أحسنت. قال فما كان أبو حنيفة بعد ذلك إذا سئل مسألة يرفع رأسه حتى يأتى بالجواب. وفقهه معروف لا أحتاج أن أذكره فمن أراد أن يعرفه فليقف عليه وليتصفحه، فقد روى أن عالما يهوديا كان بالبصرة فطلب الجامع الكبير، فلما وقف عليه. قال: من بحث عن دينه مثل هذا ودقق مثل هذه المسائل ثم لم يدعها لنفسه وإنما نسبها إلى نبى أشهد أنه على الحق.
فأسلم وهذا يعد من بركات محمد بن الحسن ﵀ لما صنفه، ومسائله معروفة فإن من أراد أن يقرأه ويفهمه يحتاج أن يكون عالما بارعا بستة علوم؛ أولها الكتاب العزيز، والآثار، والفقه، والنحو، واللغة، والحساب. ومن لم يكن مجيدا بهذه العلوم لم يعرفه إلا تقليدا.
وروى عن الحسن بن أبى طالب إلى ابن المقري عن أبيه قال سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أفضل من عطاء، وعامة ما أحدثكم به خطأ هذا لا يثبت مثله عن أحد أن يقول أكثر ما أقوله خطأ، فإن قال أحد من العلماء مثل هذا إنما يريد به التواضع وهذا الأحسن بالعالم لا سيما في الاجتهاديات فإن العلماء لمجمعون على أن المجتهد ليس على الخطإ بيقين، ولا على الصواب بيقين ولهذا سميت الاجتهاديات وقد
стр. 73
تقدم الجواب أيضا.
وروى عن ابن رزق إلى وكيع عن أبى حنيفة أنه سمع عطاء- إن كان سمعه. هذا كلام لا يجاب عنه، لأننى لم أفهم قوله سمع عطاء إن كان سمعه. وإن قصد ثلب أبى حنيفة في أنه يدعى أنه سمع من تابعي ولم يكن سمع منه، فأبو حنيفة أدرك جماعة من الصحابة وعاصرهم، ومولده يقتضى ذلك فإنه ولد سنة ثمانين وعاش إلى سنة خمسين ومائة، فقد أمكن اللقاء لوجود جماعة من الصحابة في ذلك العصر.
وقد جمع روايته في جزء أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقرئ وهذا الجزء سمعناه وروينا الأحاديث التي فيه عن سبعة، أخبرنا به الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو الخطاب عمر بن أيلمك بن الأردغانسى الحنفي قراءة عليه بظاهر البيت المقدس بقراءة الخطيب بالمسجد الأقصى يومئذ في يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة. قال أنبأنا القاضي نجم الدين أبو البركات محمد بن على بن محمدالأنصارىّ البخاري- قراءة عليه بمدينة أسيوط من أصل سماعه في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمس مائة-. قال أنبأنا القاضي الإمام أبو الحسن مسعود ابن الحسن اليزدي. قال أنبأنا الشيخ الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد المقرئ الطبري قال: هذا ما روى الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن يحيى ابن زيد بن ثابت الأنصارىّ التيمي- تيم الله- بن ثعلبة رحمه الله تعالى. وتوفى ببغداد سنة خمسين ومائة عن الصحابة ﵃ أعنى أصحاب رسول الله ﷺ فذكر أنس بن مالك وعبد الله بن جزء وواثلة بن الأسقع وجابر ابن عبد الله وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن أبى أوفى وعائشة بنت عجرد وروى عن كل واحد منهم حديثا مسندا إلى النبي ﷺ . وأما لقيه للتابعين وسماعه منهم فقد قال ابن حاتم في كتابه في حرف النون. النعمان بن ثابت أبو حنيفة روى عن عطاء ونافع وأبى جعفر محمد بن على وقتادة وسماك بن حرب وحماد بن أبى سليمان. روى عنه هشيم وعباد بن العوام، وابن المبارك، ووكيع وعبد الرزاق وأبو نعيم. فقد اندفع بهذا إنكار الخطيب. وقوله عن أبى حنيفة أنه سمع عطاء إن كان سمعه، فقد أثبت ابن حاتم روايته عن عطاء وجماعة من التابعين.
وروى عن البرقاني إلى أبى محمد عبد الله بن أبى القاضي قال سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله ما تقول في النظر في كلام
стр. 74
أبى حنيفة وأصحابه انظر فيها وأعمل عليها؟ قال لا. لا. لا ثلاث مرات، قلت فما تقول في النظر في حديثك وحديث أصحابك انظر فيها وأعمل عليها؟ قال نعم نعم نعم ثلاث مرات. ثم قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به، فعلمني دعاء وقال لي ثلاث مرات فلما استيقظت أنسيته. فمن رأى النبي ﵇ وسأله عن أى شيء يعمل بواسطة؟ وأما حديث النبي ﵇ وأصحابه فلا يرده أحد من علمائنا، إنما الاختلاف في تفسيره وبيانه وصحة روايته، ثم كيف أنسى الدعاء وحفظ شيئا يتهم في الصدق فيه.
وروى عن محمد بن عبد الله الخنائى إلى عبيد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب الحيل لأبى حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله.
وروى عن محمد بن على المقري إلى النضر بن شميل يقول في كتاب الحيل كذا وكذا مسألة كلها كفر.
وحدث عن الأزهرى إلى عبد الله بن المبارك يقول من كان عنده كتاب حيل أبى حنيفة يستعمله أو يفي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته. فقال مولى ابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ما أرى وضع كتاب الحيل إلا شيطان. فقال ابن المبارك الذي وضع كتاب الحيل أشر من الشيطان.
وروى عن إبراهيم بن عمر البرمكي إلى أبى إسحاق قال سمعت ابن المبارك يقول: من كان كتاب الحيل في بيته يفتي به أو يعمل بما فيه فهو كافر بانت امرأته وبطل حجه. فقيل له: إن في هذا الكتاب إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها ارتدت عن الإسلام حتى تبين ثم تراجع الإسلام! فقال عبد الله: من وضع هذا فهو كافر بانت منه امرأته وبطل حجه. فقال له خاقان المؤذن: ما وضعه إلا إبليس. فقال الذي وضعه عندي أبلس من إبليس.
نحن لا نحيل الجواب عن هذا على معدوم، الكتاب حاضر فمن أراد أن يستبين فليفعل؟ وأما قوله عن المرأة فقد أجمع المسلمون على أن الردة تفسخ النكاح وأما عند أبى حنيفة فإنها إذا ارتدت عن الإسلام إلى دين أهل الكتاب إن لحقت بدار الحرب انفسخ نكاحها عند حلولها بدار الحرب، وإن أقامت بدار الإسلام لم ينفسخ نكاحها إلا بعد انقضاء العدة وهي على الردة، وإن ارتدت إلى الشرك انفسخ نكاحها في
стр. 75
الحال. وهذه ليست بمسألة اجتهاد بل هي مأخوذة عن النص بقوله تعالى. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ولا فرق بين بقاء النكاح وبين إنشائه. وقال تعالى ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا﴾ ولهذا قلنا إنها لا تبين حتى تعتد أو تلحق بدار الحرب، فإنها إذا لحقت بدار الحرب زال عنها حكم الإسلام وجرى عليها حكم الكفر وحصلت بالبينونة فليس طعنه على أبى حنيفة وحده.
وروى عن زكريا إلى الحسين بن عبد المبارك النيسابوري قال: أشهد على عبد الله يعنى ابن المبارك شهادة يسألنى عنها أنه قال لي: يا حسين قد تركت كل شيء رويته عن أبى حنيفة فاستغفر الله وأتوب إليه. هذا التارك لكل ما رواه عن أبى حنيفة مع أن أبا حنيفة أحد المجتهدين على وجهين، ان أراد بالترك ترك الرواية فمنه إلى ربه، وإن أراد بالترك ترك المروي، فلا يخلو هل تركه باجتهاد أظهر له أن الصحيح في خلافة فله حكم بقية المجتهدين، وإن تركه عن غير اجتهاد فقد ترك الإسلام. والمنقول عن ابن المبارك أنه لم يزل على مذهب أبى حنيفة إلى أن قبضة الله. وهذا يدل على خلاف ما نقل عنه الخطيب.
وقال زكريا: سمعت عبدان وعلى بن شقيق كليهما يقولان.
وقال ابن المبارك كنت إذا أتيت مجلس سفيان فشئت أن تسمع كتاب الله سمعته وإن شئت أن تسمع آثار رسول الله ﷺ سمعتها وإن شئت أن تسمع كلاما في الزهد سمعته. وأما مجلس لا أذكر أنى سمعت فيه قط صلّى على رسول الله ﷺ فمجلس أبى حنيفة.
وروى عن الخلال إلى أبى داود سليمان بن الأشعث السجستاني قال ابن المبارك: ما مجلس ما رأيت ذكر فيه النبي ﷺ قط ولا يصلى إلا مجلس أبى حنيفة. وما كنا نأتيه إلا خفية من سفيان الثوري.
وروى عن أبى نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور إلى هارون بن إسحاق.
قال سمعت محمد بن عبد الوهاب القناد يقول: حضرت مجلس أبى حنيفة فرأيت مجلس لغو لا وقار فيه وحضرت مجلس سفيان الثوري فكان الوقار والعلم والسكينة فيه فلزمته.
следующие страницы →