Полный текст (115 стр.). Показаны 106–115 · переход к 111.
стр. 106
الحسين أثناء حكمه. وأن يمنح سكان وأهالي ينبع كل ما منح لأهالي جدة. فان خالف الملك علي أو رجاله أو قصروا في تنفيذ أي شرط من هذه الشروط فيكون الملك عبد العزيز غير مسئول عما عليه في هذا الاتفاق".
٢٦٤ - بعد التسليم انتخب أعيان الحجاز وفدا من بينهم قابل ابن السعود، وطلب إليه أن يترك لهم حق تقرير مصيرهم، فأجابهم إلى ذلك، وأصدر: بيانا هذا نصه:
٢٦٥ - "أما بعد فقد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأمرنا إلى أن اضطررنا لامتشاق الحسام دفاعا عن أرواحنا وأوطاننا، ودفاعا عن حرمات الله ومحارمه. ولقد بذلت النفس والنفيس في سبيل هذه الديار إلى أن يسر الله الكريم بفضله فتحها واستتباب الأمن فيها. ولقد كانت عزيمتي منذ باشرت العمل في هذه الديار أن أنزل على حكم العالم الإسلامي- وأهل الحجاز ركن منه-في مستقبل هذه الديار المقدسة. ولقد أذعت الدعوة للمسلمين عامة غير مرة أدعوهم لعقد مؤتمر إسلامي يقرر في مصير الحجاز ما يرى فيه المصلحة ثم عززت ذلك بدعوة عامة وخاصة. فأرسلت كتابا للحكومات والشعوب الإسلامية في ١٠ ربيع الآخر سنة ١٣٤٢. وقد نشر ذلك الكتاب في سائر صحف العالم. ومضى عليه ما يزيد عن الشهرين لم أتلق على دعوتي جوابا من أحد، ما عدا جمعية الخلافة في الهند، فإنها -بارك الله فيها- عملت وتعمل كل ما في وسعها لراحة الحجاز وهنائه. ولما انتهى الأمر في الحجاز إلى هذه النتيجة التي نحمد الله
стр. 107
عليها جاء أهله جماعات ووحدانا يطلبون منى أن أمنحهم حريتهم التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم، فلم يسعني أمام طلباتهم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون. بعد ما ظهر من العالم الإسلامي هذا الصد والإعراض عن مثل هذه القضية الهامة".
٢٦٦ - ثم رفع الحجازيون بعد هذا كتابا إلى الإمام ابن سعود ضمنوه نص بيعتهم له علي الملك، إذا قالوا:
٢٦٧ - "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على أن تكون ملكا على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله صلى لله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والأئمة الأربعة ﵏. وأن يكون الحجاز للحجازيين، وأن أهله هم الذين يقومون بإدارة شئونه. وأن تكون مكة المكرمة عاصمة الحجاز وأن يكون الحجاز جميعه تحت رعاية الله ثم رعايتكم" - ووقعه العلماء، والاعيان، ورؤساء التجار، والموظفون فأجابهم:
٢٦٨ - "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى أخواننا الحجازيين الموقعين أسماءهم:سلام عليكم. وبعد فقد أجبناكم إلى ما طلبتم ونسال الله تعالى المعونة والتوفيق للجميع".
٢٦٩ - ثم كانت البيعة في الكعبة المشرفة، في ٢٢جمادى الثانية سنة ١٣٤٤، ألقى الملك بعدها خطبة بليغة دعا فيها إلى الاعتصام بكتاب الله وإلى التوحيد الخالص. ثم قال:"إني أحمد الله الذي جمع الشمل وأمَّن الاوطان.
стр. 108
وأنا لكم على عهد الله وميثاقه إنني أنصح لكم كما أنصح لنفسي وأولادي وأسرة آل سعود: أحبكم في الله وأعاديكم في الله".
стр. 109
صقر الجزيرة وبطل الإسلام:
عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أطال الله عمره، وأيد ملكه، ومتع الإسلام بقوة سلطانه، وامتداد زمانه.
٢٧٠ - ولد عند أذان فجر يوم الثلاثاء العشرين من شهر ذي الحجة من شهور سنة ١٢٩٧وهو الموافق لليوم السادس عشر من نوفمبر من سنة ١٨٧٩ ميلادية. وكان جو الرياض في هذه الأيام مكفهرا بإحداث مروعة وفتن كقطع الليل المظلم. فالإمام عبد الرحمن لم يصل إلى الولاية إلا بعد حروب أهلية طاحنة، وعروة الصفاء والمحبة بين الرؤساء والزعماء منفصمة، فحين أخذ الإمام عبد الرحمن يطفئ هذه الفتن إذا بها تشتعل جذوتها بأروع وأشد من قبل ابن الرشيد الذي أخذ يتابع غزواته على الرياض في عنف وشدة، والرياض تزداد كل يوم وهنا على وهن أمام جيوش مزودة بالسلاح العثماني الكثير والمال الوفير، حتى انتهت أخيراً باستيلاء ابن الرشيد عليها في سنة ١٨٨٥، وولى عليها من قبله من يحكمها تحت سلطانه. وقبع الإمام عبد الرحمن في داره. وجمرة الغيظ تأكل قبله، إذ أعجلته الأيام عن الوصول إلى غايته التي كان يسعى لها جاهدا. وهى لمُّ شعث أولئك الزعماء الذين أكلهم التحاسد، وفرق شملهم، وأذهب ريحهم، وألزمهم الفشل في كل مواقفهم. وحاول تقوية أواصر المحبة
стр. 110
والأخوة، والتي كان يعمل لها بالدين والعقيدة الإسلامية التي كان هذا الإمام متمكنا منها، ومتمكنة منه غاية التمكن.
٢٧١ - في وسط هذه العواصف الهوج، والزعازع المقلقة بزغت شمس عبد العزيز. حين صاح مؤذن الفجر "حي على الصلاة حي على الفلاح" فكأن ذلك الداعي إلى الفلاح الدنيوي والأخروي يبشر بهذا الفلاح في وجه ذلك المولود السعيد الذي حقق الله فيه هذه البشرى، فأسعد أهل الجزيرة. وأنا لهم على يديه عز الدنيا والآخرة، وفلاحهما.
٢٧٢ - رضع هذا المولود السعيد التقوى والورع، وخشية الله مع لبان ثدي أمه التي كانت أصلح أهل زمانها وأتقاهن لله، ومن أبيه الذي كان كذلك، وغذى بآيات الجد والعمل، وروح الحرب والجهاد، وغسل ما لحق بأسرة آل سعود، وما لحق بدعوة التوحيد على يد ابن الرشيد وغير ابن الرشيد الذين كادوا لهما وأذلوهما بمعاونة العثمانيين
٢٧٣ - حضر الحروب الهائلة، ورأى رؤوس الرجال تطير، والدماء تسفك، وهو حول العاشرة أو دونها. وذلك: أن سالما أمير الرياض من قبل ابن الرشيد حاول أن يقضى على آل سعود بمكيدة الأنذال الجبناء، وأن يجمعهم في حفلة سمر مع إمامهم عبد الرحمن، ثم يلقى بالإشارة إلى عبيده وجنده، فيذبحونهم كالخراف. لكن الإمام عبد الرحمن ليس بغافل، ففطن للمكيدة، ورأى الحفرة أمامه، فصمم على إيقاع سالم فيها، وأفضى بذلك آل سعود، فجاءوا إلى السمر متهيئين، وحضروا بقلوب السباع لا بوادعة الحمل، فلما صفا المجلس، وقبل أن يفكر سالم كيف يسلم مما رأى من خيبة
стр. 111
تدبيره، كانت السيوف قد ذهبت برءوس جنده جميعا، وكان هو في القيد أسيرا. وكان الطفل عبد العزيز يشهد هذه الحفلة الساهرة ليتلقي بها درس الرجولة ودرس السيف كيف يلعب برءوس الرجال. وكيف يروى ظمأه من دمائها الحارة. وكان هذا درسا لن يبلغ معلم إلى قلب عبد العزيز بمثل ما بلغ إليه هذا الدرس من رباطة الجأش، وثبات القلب، وقوة النفس، والشجاعة التي تحدثنا عن عمر بن الخطاب وعن خالد بن الوليد، وعن إخوانهما من ليوث التوحيد الأولين ﵃.
٢٧٤ - أدخله والده المكتب ليتعلم القراءة والكتابة، فعافت نفسه العظيمة أن يجلس وسط الأطفال، لأنها لم تكن نفس أطفال، وأن يقعد أمام معلم يلقى إليه التعليم بلسانه وعصاه، لأنه يحس من نفسه صارخا يقول: أنت يا عبد العزيز الذي ستعلم الناس، وأنت الذي ستكون للجميع إماما وزعيما. فلما عرف القراءة والكتابة، تمرد على المكتب وعلى شيخه، فخرج منه يتلقى الدروس والعلوم المعارف في مدرسة الحياة وعلى يد الحوادث
٢٧٥ - سمع ثبت أحداث التاريخ، وتقلبات الأيام البيض والسود بأسرة آل سعود، وبدعوة التوحيد، وصوت الضربات التي وقعت على كلتيهما من خصومهما آل الرشيد، والعثمانيين، وأشراف الحجاز وغيرهم ممن تألب عليهما، وكاد لهما وشفى غيظه منهما، وأصابع الفتنة التي لعبت بهما حتى مزقت شملهما، وذهبت بريحهما، بما وصلت إليه من تفريق القوى، وفصم عروة الوحدة العربية الإسلامية التي كانا قد وثقاها، وبلغا
стр. 112
بها إلى أوج العز ومنتهى القوة، فكان لسماعه ذلك الثبت من أبيه، وأمه، وإخوته، والمشايخ، وغيرهم من كل من مسه شرر هذه الفتن والدسائس والخطوب:- أثره في رسم خطته في بناء ذلك الملك الذي شيده على أساس الدين، والحكمة، واستلال الحقد من القلوب، حتى سلمت وكانت قلبا واحدا، وكلمة واحدة، ويدا واحدة، وروحا واحدة، هي روح الجامعة الإسلامية تحت راية التوحيد"لا آله الله محمد رسول الله".
٢٧٦ - أن الله تعالى قد اصطفاه، وآتاه بسطة في الجسم والعقل والعلم، فهو أفخم من رأيت من الرجال، قامة مديدة، وأكتاف عريضة، وصدر رحب، وجسم كله قوة؛ وكله نشاط وحركة. وعقل قوى، وجنان ذكي وفكر متوقد، وبديهة حاضرة، وقلب يسع كل الرجال والحوادث فلا يتزلزل، ولا يهن ولا يضعف بشيء منها، فهو كالجبل الراسي. ولسان فصيح ومنطق قوى، وقول يصيب المحز، وحكم رائعة، وبلاغة تفحم السامع، وتقوده بخيط من حرير، فإذا هو طوع هذا الخطيب العظيم. ويد سخية، لا تعرف للمال قيمة إلا ادخار المثوبة عند الله، ثم امتلاك أعناق الرجال وقلوبهم، فهو لا يعرف "لا" ولا يخطر في باله أن يقولها لأي سائل، ولا أن يرد بها على أي مسترفد فضله، أو مجتد من كرمه، اللهم إلا فيما ينال من كرامة دينه، أو ملكه أو نفسه. سمعته يوما-وقد دخل عليه البطل خالد بن لؤي ﵀ عليه، وعقب إطفاء فتنة الدويش- يقول له: اسمع يا خالد اسمعوا يا الاخوان، أنا عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النيل منهما ولو بشعرة: الأول كلمة
стр. 113
التوحيد، لا آله إلا الله محمد رسول الله. اللهم صلى وسلم وبارك عليه. أني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة لا أضن به. والثاني هذا الملك جمع الله به شمل العرب بعد الفرقة وأعزهم به بعد الذلة، وكثرهم بعد القلة، فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمى في سبيل الذود عن حوضه. وقد عودني الله ومن كرمه وفضله أن ينصرني على كل من أراد هذا الملك أو دبر له كيدا، لأني جعلت سنتي ومبدأي أن لا أبدأ أحدا بالعدوان؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكانا، وأتمادى في الصبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف. حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية، وكانت الآية على ما عودني الله من فضله. والحمد الله رب العالمين.
٢٧٨ - سجايا فطر الله تعالى عليها عبد العزيز: الحلم البعيد المدى والشجاعة النادرة، وقوة الفصاحة التي لا تبارى، والقلب المملوء بالعلم والحكمة، فإذا خطب ملك القلوب وقاد النفوس العصية، والكرم الذي يجعله كالريح المرسلة، والبساطة في كلامه، ولباسه، وطعامه، ومجلسه، وفي كل شأنه والتواضع الذي يملك على رائية كل مشاعره، والعدل الذي فتح بابه لكل مظلوم، والتنبه الدقيق جداً لكل شأن من شون ملكه حتى لا تفوته صغيرة ولا كبيرة، والصراحة في الحق حتى لا يخشى فيه أحدا ويحبه من كل أحد، ولا يدخر في نصره وسعا. وقوة الذاكرة التي تعي الحوادث والمسائل العلمية مفصلة فلا يند منها شيء،فيجمع شتاتها، ويقرنها ببعضها،
стр. 114
ويستخلص منها التجارب: يرسم بها خطط عمله، وأساليب حكمه، ونظم مملكته. ورحمة وحنان على الضعيف والصغير يحسُّ معه رحمة الأبوة، وحنان المؤمن الذي قلبه مرآة ينطبع فيها شعور كل أخوانه وإحساساتهم، فيفرح بما يفرحون، ويتألم مما يتألمون. كم رأيته في مجلسه يجلس أحد أطفال أولاده أو أحفاده في حجره، يداعبه ويلاطفه، وهو مع تلك المداعبة والملاطفة لا ينشغل عن حديثه، ولا يقطع مجرى خطبته. وقد وفق إلى حرص عظيم على بر الوالدين وصلة الأرحام، ويتجلى به معنى قوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: ٢٣،٢٤] حدثني من رآه بمكة، وقد أردا والده الإمام عبد الرحمن ﵀ أن يركب، فوطَّأ له من كتفه حتى وضع قدمه عليه، فصعد على مركبه، وأنه كان يتولي بنفسه صب القهوة في مجلس والده. وكان ذلك في الحجاز. وعبد العزيز ملك الحجاز وسلطان نجد، وصقر الجزيرة وبطل الإسلام, وبذلك ضرب للناس أعظم المثل، وأحسن القدوة في إتباع الكتاب الكريم وسنة النبي صلى الله عليه سلم، وأنه هو أحق الناس أن يكون زعيما، وأن يكون إماما وأبا للجميع وذلك خلق بنيه الكرام، فإنك ترى من توقيرهم لوالدهم وتآلفهم فيما بينهم ما يخبرك أصدق الأخبار عن المؤمنين السالفين.
٢٧٨ - بهذه السجايا العظيمة، والخلال الكريمة بسط الله لعبد العزيز
стр. 115
هذا الملك، ووطأ له من أكناف هذه الدولة. وبهذه الروح المؤمنة الصادقة أتاح الله للجزيرة عهدا سعيدا بالأمن والرخاء ورغد العيش، يذكرنا بعهد عمر بن الخطاب وإخوانه الخلفاء الراشدين ﵃.
٢٧٩ - هذه عجالة لطيفة عن هذا البطل العظيم وعن بنيه الأمراء. اجتزئ بها الآن مرجئا بسط القول إلى كتابي الذي ستقرءونه قريبا إن شاء الله وتعرفون عن هذا البطل آيات عدله، وفصاحته ورحمته، وكيف وطد الأمن في هذه الجزيرة المترامية الأطراف وسط هذه الجبال والأغوار والصحارى والقفار، في وقت نسمع فيه عن حوادث خطف الأطفال في أمريكا وأوربا بالآلاف، وحوادث القتل والسرقات بالملايين، مع كثرة الشُّرط والقضاة ورجال الإدارة، والقوانين واللوائح. مما ليس عشره ولا واحد من ألف منه عند الملك عبد العزيز. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
٢٨٠ - هذا، وقد أعجلني السفر إلى الأقطار الحجازية عن التنميق والتدقيق، ولم تكن النية قد انعقدت على عمل هذه المحاضرة إلا قبيل السفر. فمن أجل هذا أرجو من القارئ أن يلتمس لي العذر في بعض ما لعله واقف عليه من خطأ لفظي أو معنوي. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.