← История

История · id 7479

أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها

محمد حامد الفقي

Полный текст (115 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولأنها دعوة التوحيد التي من أجلها قامت السموات والأرض، وخلق الجن والأنس، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ١٨٩ - كانت الدرعية معهد التربية الدينية والعلمية، والحربية. وكانت حركتها نشيطة عنيفة في كل هذه النواحي من التربية، لا تني ولا تفتر. ١٩ ٠- تجد أهلها: ما بين مكبِّ على لوح من القرآن يحفظه، أو أصل من أصول الإسلام يتعلمه، أو كتاب من كتب الشيخ في شرح التوحيد وما يحققه، وبيان ما يهدمه، أو يبين شروط الصلاة، أو غير ذلك يستظهره. أو نبل يبريه، أو سيف يصقله، أو رمح يقوَّمه، أو فرس يمرِّنه، أو درع يَسْرُده، أو فن من فنون الجلاد والنزال يتقنه، كانت هذه الدرعية على هذه الحركة الدائمة. وكان هذا السر في انتشار دعوة الشيخ وامتداد سلطانها وثباتها أمام العواصف الهوج، والزلازل العنيفة ١٩١ - ومن فضل الله أن بارك في عمر الشيخ، ورزقه من الأبناء والتلاميذ رجالا أشداء في العلم والسيف، يحاربون بالحجة القوية، ويجالدون بالسيف البتار، ويهدمون بكليهما جحور الشرك، ومعاهد الوثنية، والشيخ يجني من ثمار غرسه سرورا وغبطة، فيزداد لله شكرا، ويزيده الله من نعمائه، حتى رأى من تلاميذه من غير بنيه وأحفاده وغيرهم-: دعاة من الرجال، وداعيات من النساء غرس الشيخ فيهم وفيهن هذه الشجرة المباركة الطيبة الأصل والثمر. ١٩٢ - ولقد كان الشيخ ﵀ يبعث دعاة التوحيد ممن ثقَّفهم بيده

стр. 72

حتى خالطت حلاوة التوحيد بشاشة قلوبهم، كما كان يعقد بيده الألوية للغزاة والمجاهدين ويزودهم بنصائحه الصادقة وينفخ فيهم من روحه القوية، وشجاعته النادرة، حتى لقد كانوا يخوضون غمار الحرب وهم واثقون من فضل الله: إما بالنصر، أو بشهادة تعجل بهم إلى الجنة. ١٩٣ - وطال عمر ابن سعود كذلك، حتى ربى بنيه على ما أُشربه قلبه من إيمان وشجاعة، وإخلاص في نصرة الحق. وأسس للتوحيد جيشاً قويا من رجال أشداء لا يرهبون الموت ولا يحرصون على الحياة، وجنى هو كذلك من ثمرة غرسه سروراً بما كان يترامى إلى سمعه من انتصارات ابنيه عبد الله وعبد العزيز وحفيده سعود، ويشكر الله على ذلك فيزيده الله من أسباب سروره، ويزيده عزة وتمكينا وبسطة في الملك والمال، حتى مات سنة ١١٧٩ قرير العين بما رأى من عز التوحيد وانتشاره رحمة الله عليه ورضوانه. ١٩٤ - بهذه الروح القوية من الشيخ وآله من آل سعود طار صيت الدعوة، وتعدى حدود نجد إلي الحجاز والعراق واليمن والشام، بل ومصر أيضا. ١٩٥ - وحين وصل صوت الدعوة إلي اليمن، أخذ علماؤها يتحدثون عن شأن الشيخ وشأن دعوته، وقد كان باليمن الإمام العلامة الشيخ محمد الأمير الصنعاني، صاحب كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام، وكتاب تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد. وهو من أنفس الكتب في الدعوة إلى توحيد العبادة، وتطهير القلوب والعقيدة من عبادة الموتى ودعائهم

стр. 73

والتوسل بهم إلي الله تعالى. ١٩٥ - وكان الشيخ الصنعانى ﵀ يلقى من أهل اليمن كل الأذى في دعوته إياهم إلي التوحيد، ومحاربته الشرك وأهله، وأهل اليمن ينتسبون إلى آل البيت، وعندهم من قبورهم، وقبابها المعظمة، الشيء العظيم المدهش. فحين سمع الشيخ الصنعانى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب فرح به كل الفرح وأنس به كل الأنس، وكتب إليه بقصيدة عظيمة يقول فيها:- سلامى على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على العبد لا جدي وقد صدرت من سفح صنعا، سقى الحيا ... رباُها وحيَّاها بقهقهة الرعد سرت من أسير ينشد الريح إن سرت: ... ألا يا صبا نجد، متى هجت من نجد؟ قفي واسألي عن عالم حلَّ سوحها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي، ويا حبذا المهدى لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صَدَرٍ في الحق منهم ولا الوِرد وما كل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الطرد والرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول، جل، يا ذا، عن الرد وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على حسب الأدلة عن النقد وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه. فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سُواعَ ومثله ... يغوث ووَداَّ، ليس ذلك من وُدي وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الفرد

стр. 74

وكم عقروا في سُوحها من عقيرة ... أُهلَّت لغير الله جهرا على عمد وكم طائف حول القبور مقبِّل ... ومستلم الأركان منهن باليد لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذى الطريقة لي وحدي يُصب عليه سوط ذم وغيبة ... ويجفوه من كان يهواه عن بعد ويُعزى إليه كل ما لا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي فيرميه أهل الرفض بالنصب فِرية ... ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد وليس له ذنب سوى أنه أتى ... بتحكيم قول الله في الحل والعقد ويتبع أقوال النبي محمد ... وهل غيره بالله في الشرع من يهدي؟ لئن عده الجهال ذنبا فحبذا ... به حبذا يوم انفرادي في لحدي سلامى على أهل الحديث فإننى ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد .......................................... ... .......................................... أأنتم أهدى من صحابة أحمد ... وأهل الكسا؟ هيهات ما الشوك كالورد أولئك أهدى في الطريقة منكم ... فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي وشتان ما بين المقلد في الهدى ... ومن يقتدي. والضد يعرف بالضد فمقتديا كن في الهدى لا مقلدا ... وخَلِّ أخا التقليد في الأسر بالِقِدِّ وأكفر من في الأرض من قال: إنه ... إله، فإن الله جل عن الند ثم وصف الاتحادية وعقيدة ابن عربي في فصوصه وأنه يقول: إن في كل شيء إلهه: من الكلب والخنزير، وأن عذاب النار عذاب لأهلها مثل نعيم أهل الجنة، ثم قال:

стр. 75

يلذون عند العجز بالذوق ليتهم ... يذوقون طعم الحق. فالحق كالشهد نقول لهم: ما الذوق؟ قالوا: مثاله ... عزيز. فلا بالاسم يدرك والحد ففشرهم بالكشف والذوق مشعر ... بأنهم عن مطلب الحق في بعد وهيهات كل في الديانات تابع ... أباه. كأن الحق في الأب والجد وهذا اغتراب الدين فاصبر فانني ... غريب، وأصحابي كثير بلا عد وإذا ما رأوني عظموني وإن أغب ... فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي فدونكها تحوى علوما جليلة ... منزهة عن وصف خد ولا قد وهى طويلة قد تركنا بعض أبيات منها اختصارا. ١٦٩ - وقد كان من أثر بلوغ صوت الدعوة إلى الحجاز أن بعث في سنة ١١٨٥ شريف مكة أحمد بن سعيد بكتاب إلى الشيخ وإلى الإمام عبد العزيز، ومعه تحف وهدايا سنية يطلب إليهما أن يبعثا بعالم من علماء نجد إلى الحجاز يبين له ولأهل الحجاز حقيقة ما يدعو إليه الشيخ محمد من الدين فبعثوا إليه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل حصين فما كاد هذا الشيخ يبلغ مكة ويقرأ على الناس بعض رسائل الشيخ محمد ويبين لهم ما فيها من عقيدة التوحيد الصحيحة، حتى ثار آل مساعد على عمهم أحمد الشريف وانتزعوا من يده ولاية مكة بالقوة، وأخرجوه منها، جزاء استقدامه هذا العالم النجدي. ووضعوا مكانه على مكة شريفا آخر. ١٩٧ - والذي يغلب على الظن كثيراً أن ليد علماء السوء أثراً في هذه الثورة على الشريف أحمد، فإنهم لا بد خافوا أن تنتشر في الحجاز هذه

стр. 76

العقيدة، وأن يهدم الشريف معالم الشرك التي في مقبرة المعلاة وجدة وكل بلاد الحجاز، وأهل مكة وغيرها كانت معيشة كثير منهم في ذلك الحين على الدجل والتمويه على عامة الحجاج بهذه المآثر، وابتزاز الأموال منهم باسمها. فإذا ذهبت دهب معها مورد عظيم كانوا يستفيدون به مالا كثيراً، ورياسة ضخمة، ومنزلة في العامة رفيعة، وعند الله وضيعة. ١٩٨ – ومن يومئذ بدأ أهل مكة وأشرافها يرهبون النجديين، ويخافون صولتهم، ويحسبون كل ساعة حسابا لغزوتهم التي كانت متوقعة. ١٩٩ – فحاولوا مرارا أن يأخذوهم قبل أن يكفروا هم في ذلك. وطالما بعثوا بالجيوش الكثيفة مزودة بأقصى ما تصل إليه يدهم مما تمدهم به الدولة العثمانية من عتاد وسلاح-:إلى أطراف نجد فتفشل، ثم يعيدون الكرة، وتتوغل هذه الجيوش الحجازية التركية في قلب نجد، ثم لا يكون حظها إلا كسابقاتها من الفشل والخيبة، فعمدوا إلى الصلح والمهادنة فعقدوا بينهم وبين الإمام عبد العزيز صلحا، جاء بعده الإمام عبد العزيز يجمع كثير من علماء نجد وأعيانها للحج، ثم جاء في السنة التالية أيضا بجمع أكثر فحجوا وعادوا. ولم يلقوا إلا سلاما وأمنا. ٢ ٠٠- فوجه النجديون جهودهم وجيوشهم إلى ناحية الحسا لقطع دابر مثيري الفتنة فيها، وكانت مواقع عنيفة دحر النجديون فيها عريعرا، وابنه سعدون، وغنموا مدافعهم التركية التي جاءوا بها إلى الدرعية محملة على الجمال. ٢ ٠ ١ – وما زال الإمام سعود يتابع غزواته لنبى خالد حتى أنهك قواهم، وأضعفهم عن أن يقفوا مرة أخرى في وجه جيشه الظافر.

стр. 77

٢ ٠ ٢ - وبينما كان الإمام عبد العزيز في غزواته تلك مات الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه ورضوانه في سنة ١٢٠٦عن احدى وتسعين سنة قضاها في الجهاد، وتغذية روح التوحيد بالقوة والعلم، حتى بلغت أقصى ما كان يرجو ويحب. ٢ ٠ ٣ - ولاقي ربه قرير العين بما قام به في إعلاء كلمة الله، وهدم طواغيت الشرك وتطهير نجد من آثار الجاهلية، وبما نشر من العلوم والمعارف التي نور بها بصائرهم، وطهر أخلاقهم، وزكى أرواحهم، فأمنت البلاد بعد الخوف، واطمأنت النفوس بعد طول الاضطراب، وقام ميزان العدل والقسط، فعرف كل واحد حدَّه فوقف عنده ولم يتعداه وبسط الأمن رواقه، فأصبح المسافر يقطع البلاد من أقصاها إلى أقصاها ومعه المال الوفير، والمتاع الكثير لا يخاف أحدا، ولا يخشى إلا الله. وانصرف الذين كانوا بالأمس قطاع طريق، وسفاَّكي دماء إلى قراءة الكتب ومدارسة العلم، واستثمار الأرض بالحرث والزرع وأنواع المكاسب الطيبة الحلال، فعمت البركة أهل نجد، وشملهم الله بالخير والرحمة. ٢ ٠ ٤ - مات الشيخ قرير العين آمنا على شجرة التوحيد الزكية التي غرسها، إذا جعل الله له من ذريته رجالا أشداء في الحق أمناء على العلم مخلصين لله دينهم، صادقين مع الله عهدهم. فان والدهم قد نشَّأهم أطيب نشأة وأزكاها، وأعدهم لهذه التركة ليقوموا على حفظها وصيانتها، أولئك هم: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، والشيخ على، والشيخ إبراهيم، وغير هؤلاء من أحفاد الشيخ وذوى قرباه، ومن تلاميذه الذين كانت تعج

стр. 78

بهم الدرعية وغيرها من بلاد نجد وقراها يعلمون الناس الدين الحق ويخرجهم الله بهم من الظلمات إلى النور. ٢ ٠ ٥ - ومات قرير العين مطمئن القلب بأولئك الفرسان الأشداء من آل سعود الذين يحمي الله بهم جانب التوحيد. ومات قرير العين بما ترك وراءه لخلفائه على تركته من كتب ومصنفات كانت ولا تزال نبراس الهداية لكل داع إلى الله والى سبيله. فنرجو من الله الذي لا يضيع أجر المحسنين أن يجزى الشيخ أحسن الجزاء، وأن يبوئه برحمته دار كرامته مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ٢ ٠ ٦ - وحين بلغت وفاته إلى الشيخ الإمام المصلح العلامة محمد بن على الشوكانى الزبيدي اليمني، صاحب كتب نيل الأوطار، والدر النضير في إخلاص كلمة التوحيد، وشرح الصدور بتحريم رفع القبور، والقول المفيد في إبطال التقيلد، وغيرها من الكتب النافعة رثاه بقصيدة عظيمة يقول فيها-: مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي وخطب به أعشار أحشاى صدعت ... فأمست بفرط الوجد أي تواكل ورزء تقاضانى صفاء معيشتي ... وأنهلني قسرا أمرَّ المناهل مصاب به ذابت حشاشة مهجتي ... وعن حمله قد كلَّ متني وكاهلي مصاب به الدنيا قد اغبر وجهها ... وقد شمخت أعلام قوم أسافل به هدَّ ركن الدين وانبتَّ حبله ... وشد بناءُ الغي مع كل باطل وقام على الإسلام جهرا وأهله ... نعيق غراب بالمذلة هائل

стр. 79

وسيمم منار الاتباع لأحمد ... هوان انهدام جاء من كل جاهل فقد مات طود العلم قطب رحَى العلا ... ومركز أدوار الفحول الأفاضل وماتت علوم الدين طرا بموته ... وغُيِّبَ وجه الحق تحت الجنادل إمام الهدى ماحي الردى، قامع العدى ... ومروى الصدى من فيض علم ونائل إمام الورى علامة العصر قدوتى ... وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل "محمد" ذو المجد الذي عز دركه ... وجل مقاما عن لحوق المطاول إلى عابد الوهاب يعزى وأنه ... سلالة أنجاب زكى الخصائل عليه من الرحمن أعظم رحمة ... تبلُّ ثراه بالضحى والأصائل لقد أشرقت نجد بنور ضيائه ... وقام مقامات الهدى بالدلائل ومن شأنه قمع الضلال ونصره ... لمن كان مظلوما وليس بخاذل وكم كان في الدين الحنيف مجاهدا ... بماضي سنان دامغ للأباطل وكم ذبَّ عن سامي حماه وذاد من ... مضل وبدعيٍّ ومغوٍ وفائل ففيم استباح أهل الضلال لعرضه ... وما نكست أعلامه بالأراذل فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ... ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل ولا كان للتوحيد واضح لاحب ... يقيم اعوجاج السير من كل عادل فما هو إلا قائم في زمانه ... مقام نبي في إماتة باطل ستبكيه أجفاني حياتي وإن أمت ... سيبكيه عني جفن طَل ووابل أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه ... لقد عبت حقا وارتحلت بباطل نعم ذنبه التقليد قد جدَّ حبله ... وفَلَّ التعصب بالسيوف الصياقل

стр. 80

ولما دعا لله في الخلق صارخا ... صرختم له بالقذف مثل الزواجل أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيا ... إلى دين آباء له وقبائل دعا لكتاب الله والسنة التي ... أتانا بها طه النبي خير قائل ثم عزَّى آل الشيخ بأبيات طويلة، وعطف على آل سعود، فقال: وأضعافها للمقرنيين كلهم ... هداة الورى من محتدى فرع وائل هم الناس أهل البأس يعرف فضلهم ... جميع بني الدنيا فما للمجادل؟ لقد جاهدوا في الله حق جهاده ... إلى أن أقاموا بالظبى كل مائل لقد نصروا دين الآله وحزبه ... كما دفعوا داعي الهوى بالقنابل وهي قصيدة طويلة تركت منها أبياتا كثيرة اكتفاء بما يدل على المراد من ذيوع صيت الشيخ محمد وحب العلماء المخلصين أنصار الحق له. ٢ ٠ ٧ - كان الإمام عبد العزيز قد نزل عن الأمارة لابنه سعود في سنة ١٢٠٣ فأصبح سعود من ذلك الحين إمام الوهابيين وزعيمهم الأكبر، ولم تشغله إدارة هذا الملك الواسع، والقيام بشئون هذه الدولة الضخمة عن فتح البلاد، وغزو أعداء التوحيد. ٢ ٠ ٨ - فقد توجه في ذي القعدة من سنة ١٢١٦ بجموع كثيرة وقوة عظيمة إلى العراق، والتقى في "كربلاء" بجموع كثيفة من الأعاجم ورجال الشيعة الذين استماتوا في الدفاع عن معاقل عزهم، ومحط آمالهم قبة الإمام الشهيد الحسين ﵁، وغيرها من القباب والمشاهد. ٢ ٠ ٩ - ولكن جيش التوحيد قد تغلب بقوة إيمانهم، وصدق

стр. 81

عزيمتهم في الجهاد لهدم كل نُصُب، وطاغوت اتُّخِذَ مع الله شريكا في العبادات وجُعل لله ندا في القربات، وشأن مشاهد كربلاء، والكاظمية والنجف، ومعصومة قوم، وموسى الرضا: عند الشيعة وتعظيمهم لها معلوم للقاصي والداني. ٢١ ٠- فكانت موقعة هائلة، وكانت مذبحة عظيمة، سالت فيها الدماء أنهارا، خرج منها سعود وجيشه ظافرين، ودخل كربلاء وهدم القبة العظيمة، بل الوثن الأكبر المنصوب على ما يزعمون من قبر الإمام الحسين بن على ﵄، وأقر الله تعالى بهدمها عين الإمام الحسين وعيون الموحدين الذين يتبعون شرعة جد الحسين أشرف الخلق محمد ﷺ ورضي الله عن الحسين وآله الطاهرين. ٢١١ - ويعلم الله كم تتأذى روح الحسين وروح الطيبين من آل البيت بهذه القباب التي حورب بها الله ورسوله، وكيد بها للإسلام وأهله، وقُصد بها إحياء ما أمات رسول الله ﷺ وأصحابه، وعليٌّ وعترته وبنوه ﵃، وتشبه فاعلوها باليهود والنصارى الذين لعنهم رسول الله ﷺ في كل حياته وقبل موته بخمس، كما روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها فقال، وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأُبرز قبره وروى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي "أن عليا ﵁ قال له: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ إلى اليمن: أن لاتجد قبرا مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طَمَسْتَه".

стр. 82

٢١٢ - وروى سعيد بن منصور عن سهيل ين أبى سهيل قال: رآني الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ . فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: "لاتتخذوا بيتي عيدا. ولا تتخذوا بيوتكم مقابر. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني. ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". وروى الضياء المقدسي في المختارة عن على بن الحسين "أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى لله عليه سلم فيدخل فيها، فيدعو. فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبى عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم مقابر، فان تسليمكم يبلغني أينما كنتم" فهدان إمامان جليلان من أئمة آل البيت الأطهار يحذران أشد التحذير من اتخاذ قبر رسول الله صلى الله عليه سلم الذي هو أشرف القبور على وجه الأرض-: عيداً، ويعنيان بالعيد: مجتمع الناس. واعتيادهم ذلك في زمن معين، كما يصنع الناس في الرجبية وفي ربيع الأول للنبي صلى الله عليه سلم، ولغيره من الصالحين والمتقين. فانظر هده السنة التي خرجت من عند آل البيت الأطهار، وأعجب إذ ينسب الرافضة وفروخهم في مختلف البلاد: أعياد القبور وعبادتها والعكوف عندها إلى آل البيت الأطهار الأبرار، وهم بريئون من ذلك ﵃ براءة عيسى وأمه من عابديهما وعابدي الخشبة التي زعموه صلب عليها- وحاشاه- وكذلك كل من اتخذ معبودا غير الله فإنهم يوم

стр. 83

القيامة يكفرون بشركههم، كما قال تعالى ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . وقال ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ . ١٢٣ - قال العلامة ابن القيم في اغاثة اللهفان "ص١٠٢" فمن مفاسد اتخاذها أعياداً الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا- مثل الشيعة في العراق-وقدنزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرءوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج. فاستغاثوا بمن لا يبدى ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، وإذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين. ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين. فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا. وقد ملؤا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات. ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين. ثم أخذوا في التقبيل. والاستلام، أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟

стр. 84

ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود، التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك القبر بالتقصير هنالك والحلاق. واستمتعوا بخلافهم من الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق. وقربوا لذلك الوثن القرابين. وكانت صلاتهم ونسكهم وقرباتهم لغير الله رب العالمين فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا، ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا وافر وحظا. فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام. فيقول: لا، ولو بحجتك كل عام. هذا ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال ويدور بالخيال" اهـ ٢١٤ - رجع المسلمون في العجم إلى نجد فرحين بما آتاهم الله من النصر والغنائم ثم كان أن عثمان العراقي الرافضي ذهب متنكراً في زي الدراويش إلى الرياض، ونزل ضيفا على الإمام عبد العزيز وأظهر التنسك والطاعة وتعلم شيئا من القرآن، فأكرمه عبد العزيز وكساه ورتب له من يعلمه أركان الإسلام، وأقام ينتهز الفرصة لاغتيال الإمام سعود أو الإمام عبد العزيز. فحانت له في ١٠ رجب سنة ١٢١٨ حين كان قائماً يتظاهر بصلاة العصر في الصف الثالث وراء الإمام عبد العزيز فلما أهوى الإمام عبد العزيز للسجود انتزع الخبيث من داخل ثيابه خنجرا قد أعده لفعلته الشنعاء وطعنه به في خاصرته فضج الناس وتألبوا عليه، فحاول طعن غير الإمام، فلم يمكنوه من ذلك، وقبضوا عليه. فقتلوه ضرباً بالسيوف وحملوا الإمام إلى داره، فمات من هذه الطعنة ﵀.

стр. 85

وراح ضحية دسائس الأعاجم المفسدين، كما راح من قبله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بطعنة أبى لؤلؤة الذي كان موفداً من قبل قومه أعداء الإسلام والمسلمين-كما أوفد هذا الدرويش الخبيث-انتقاماً منه لأنه نكس راية المجوسية، وقوض دعائم عزِّ النار آلهتهم التي كانت قد مضى عليها آلاف السنين وهي شامخة الذرى والبنيان. فحسبنا. الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ٢١٥ - كان الإمام عبد العزيز ﵀ كثير الخوف من الله كثير الذكر له، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو على أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيما، إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه. ولا يتصاغر حقيرا ظُلم. فيأخذ الحق له، ولو كان بعيد الوطن. وكان لا يكترث في لباسه ولا سلاحه؛ بحيث كان بنوه وبنو بنيه سيوفهم محلاة بالذهب والفضة، وليس في سيفه هو شئ من ذلك إلا القليل. وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس ويصلى صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية، وخصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال، وبعث الصدقة لفقرائهم، والدعاء لهم والتفحص عن أحو الهم. كان يكثر الدعاء لهم في ورده: "اللهم أبق فيهم كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها". ٢١٦ - وكانت الرعية في زمنه آمنة مطمئنة في عيشة هنية. كان الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة في أي وقت شاء من ليل أو نهار، شرقا أو غربا لا يخشى أحدا إلا الله، لا سارقا ولا مكابرا.

стр. 86

وكانت جميع بلدان نجد وغيرها من النواحي يسيبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع ولا مرعى، وربما تلقح وتلد ولا يدري أهلها إلا إذا جاءت وولدها معها، لا يتعرض لها أحد من غير أهلها. وكان ﵀ شديدا على الجناة وقطاع الطرق والسرَّاق شدة ليس معها تهاون. ٢١٧ - وكان أهالي نجد من جميع نواحيها في غاية الاستقامة والخوف من الله أو من عقاب عبد العزيز، وكانت الزكاة والأخماس والغنائم التي تجبى إلى الدرعية لا يحصيها العد. وكان رحمه الله تعالى يوزعها كلها على ضعفة المسلمين وفقرائهم وفي وشراء السلاح والعتاد والخيل. ٢١٨ - وكان رحمه الله تعالى كثير العطاء والصدقات، جاءه يوما خمسة وعشرون حملا من الريالات فمر عليها وهي مطروحة، فنخسها بسيفه وقال: اللهم سلطني عليها ولا تسلطها على؛ ثم فرقها. ٢١٩ - وكان ﵀ مع هذه الشفقة شديد الهيبة في النفوس. إذا أراد هو، أو أحد أولاده الخروج إلى غزو وواعد الناس يوما معينا على مكان معين، لا يتخلف منهم أحد من بوادي الحجاز ولا العراق ولا الجنوب ومن تخلف بعث إليه واحدا من عنده فيؤدبه بالضرب، أو أخذ المال. ويعذب المجرم بأنواع العذاب ولا يستطيع أحد أن يتعرض له، أو يعين المجرم، بل كلهم مطيعون خاضعون. وكل هذا إنما كان لإقامته حدود الله تعالى، وإجراء العدل على نهجه، فلا ينال البريء شيء من السوء أو الأذى، بل ينتظر الكرامة والعطايا. ٢٢ ٠- وكان حريصا كل الحرص على نشر العلم، وتعليم الناس

стр. 87

ما يفقههم في دينهم فيخافون ربهم وعذابه أشد مما يخافون نكال عبد العزيز ويعرفون حق الإمام الذي جعله الله تعالى عليهم: من السمع الطاعة، ويرون من سجايا هؤلاء الأئمة ما يملأ قلوبهم بمحبتهم وإجلالهم وتعظيمهم. ٢٢١ - وكان هذا شأن الإمام محمد والد عبد العزيز، وشأن سعود ولد عبد العزيز وشأن عبد الله بن سعود. وكذلك هو شأن الإمام الكبير والملك العظيم: عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، ملك المملكة العربية السعودية. فانه سلك سيرة آبائه الطيبين وأحيا العمل بكتاب الله المبين؛ وسنة النبي الأمين، فقطع دابر المفسدين، وطهر الأرض وأمن السبل لكل المسافرين، بعد أن كان الحاج لا يكاد يتخلف عن القافلة قليلا حتى يؤخذ فيسلب ماله أو يقتل، ويذهب دمه الحرام هدرا بيد أولئك البدو السفاكين. فحق على كل مسلم أن يسأل الله الكريم أن يديم ظل هذه الدولة السعودية ممدودا على الحجاز ونجد وملحقاتها وأن يمتع المسلمين بخيراتها وبركاتها إنه سميع مجيب.

стр. 88

النجديون في الحجاز في المرة الأولى: ٢٢٢ - في سنة ١٢١٧ نقض الشريف غالب بن مساعد ما كان قد عقد من الصلح مع الإمام عبد العزيز بن محمد وولده الإمام سعود، فلم يرق ذلك في نظر عثمان بن عبد الرحمن المضايفى وزير غالب، وزعيم عربان تَرَبة، وما جاورها، فنابذه وخرج من مكة مغاضبا للشريف، والتحق بالإمام عبد العزيز وبايعه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه سلم والسمع والطاعة،

стр. 89

وحظي عثمان عند آل سعود حظوة عظيمة، لما رأوا من إخلاصه، وصدق رغبته في الدين، وصار من ذلك الحين من زعماء جيش التوحيد. ثم نزل عثمان ببلدة العبيلا، بين الطائف وتربة. واجتمع إليه كثير من عربان الحجاز وغيرهم. فبلغ ذلك الشريف غالبا فسار إليه بجموع كثيرة من الحجازيين والأتراك وغيرهم. وكانت بينهما موقعة هزم فيها عثمان ومن معه، ثم استنجد عثمان بمن يليه من الموحدين، فلبوا سراعا، وسار إليه جماعات كثيرة: من بيشة وقراها ورينية قراها وأهالي، تربة، وما والاها من البقوم وقحطان وعتيبة. وسار هذا الجمع الكثير إلى الطائف، وكان غالب ومن معه قد انحازوا إليها. فما كاد يبلغهم خبر هذا الجيش الكثيف، حتى فروا هاربين إلى مكة. فدخل عثمان ومن معه الطائف، وأخذ منها أموالا طائلة تركها الفارون ليتخففوا. فبعثها إلى الإمام عبد العزيز. فبعث إليه عبد العزيز يوليه على الطائف والحجاز أميرا. ٢٢٣ - ثم إن الإمام سعوداً سار بجيوش كثيرة حتى نزل وادي العقيق. وكان ذلك أيام الحج، وفي مكة كثير من الحجاج، فحاول غالب ومن معه من أشراف مكة وعلمائها أن يجندوا من الحجاج جيشا يردون به سعودا، ويمنعونه من دخول الحجاز، فلم يفلح، وانصرف الحجاج إلى بلادهم. فألقي الله الرعب في قلب غالب، فخرج من مكة هاربا إلى جدة ومعه ما استطاع حمله من أمواله وذخائره ولحقه أتباعه وعساكره. ٢٢٤ - وبلغ ذلك سعودا فرحل من وادي العقيق إلى مكة. ودخلوا المسجد الحرام محرمين آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين لا يخافون

стр. 90

ولا يخيفون. واستولى على مكة بلا حرب ولا قتال. ونادى في الناس بالأمان ووزع عليهم من كثير الصدقات والأعطية مالا يحصى. وشرع بعد ذلك في هدم القباب والأنصاب التي في مقبرة المعلاة وغيرها من الأماكن التي اتخذها أهل مكة من المطوفين سبيلا إلى ابتزاز أموال الحجاج بالباطل. وكان بمكة عاليها وسافلها ووسطها، وفي بيوتها من ذلك شيء كثير جدا، لبثوا في هدمه عشرين يوما ٢٢٥ - ثم ولى سعود على مكة الشريف عبد المعين بن مساعد ونزل إلى جدة فحاصرها أياما، ثم تركها وكرَّ راجعا إلى مكة فرتب فيها الجند والموظفين ثم عاد قافلا إلى وطنه. ثم ما لبث غالب أن ثاب إلى رشده وبادر إلى مصالحة الإمام سعود، فصالحه ورجع إلى مكة فأقام بها. وكذلك أهالي المدينة المنورة قد أرسلوا ببيعتهم إلى الإمام سعود، في سنة ١٢٢٠، وقاموا بهدم ما في البقيع وغيره من القباب والتي على قبر حمزة، والشهداء. ٢٢٦ - وكان الإمام سعود بعد مصالحة غالب، وإظهاره السمع والطاعة، يحج كل عام بجموع كثيرة من أطراف نحد ونواحيها، وبنى له قصرا بالبياضية بجانب المعلاة على يسار الذاهب إلى منى، وكان يكسو الكعبة كل سنة بالقيلان الأسود وإزارها وبابها من الحرير المطرز بالذهب والفضة، ويقيم في مكة ما بين الثماينة عشر يوما إلى العشرين، يوزع على أهل مكة وضعفائها من الصدقات والأموال شيئا لا يحصى ويتزاور هو والشريف غالب ويتهاديان.

стр. 91

٢٢٧ - وهكذا حج سعود ثماني حجات آخرها في سنة ١٢٢٦ يحج معه كل عام عشرات الآلاف من أطراف هذه المملكة العظيمة، ويكسو الكعبة على الصفة الماضية، ويتصدق على أهل مكة بالصدقات الطائلة والأموال الوفيرة، ويقيم أياما، ثم يقفل راجعا إلى نجد معرجا على المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فيقضى فيها أياماً يصلى في مسجد الرسول ويوزع على أهلها الصدقات الكثيرة. ٢٢٨ - وفي سنة ١٢٢٦ خرجت من مصر الجيوش الكثيفة بقيادة طوسون باشا بن محمد على باشا، وبدأت الحرب بين الفريقين إلى انتهت بزوال ملك آل سعود من الحجاز ومن نجد، وتشريدهم في البلاد، ومعهم أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وجئ بكثير منهم إلى مصر، وبقوا فيها مدة ثم عادوا فارين، أو مأذونا لهم إلى نجد. وأسسوا فيها مرة ثانية دولة سعودية، ودعوة إسلامية، انتابتها أحداث في أدوار نشأتها، حتى استقرت سفينتها أخيرا بعد طول الارتطام، والتقلب مع عواصف الفتن:- على شاطئ النجاة بقيادة ربانها الماهر، وقائدها العظيم جلالة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أدام الله تأييده ونصره، وجمع بينه وبين إخوانه ملوك المسلمين الآخرين على أحسن ما يجب الله ورسوله والمسلمون.

стр. 92

حال الحجاز في العهد السعودي وقبله وبعده: ٢٢٩ - كانت الدولة العثمانية حين قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته، في غاية الخلل والانحلال، واضطراب حبل الأمن في ولاياتها ووهن عناصر القوة فيها: وكان من آثار هذا الوهن: أنها لا تولي – في الغالب- وظائف الدولة، وإمارة الولايات، إلا لمن يدفع الرشوة ثمن ذلك لمن بيده الأمر، وربما يكون الأمر في كثير من الأحيان بيد جهلة المتصوفة أو بعض أشياعهم الخاضعين لنفوذهم. فيكون من أثر هذا أن تسند الأمور إلى غير أهلها، فضلا عما كان عليه كثير منهم من انحلال الأخلاق بانحلال عروة الدين عن نفوسهم، فكان الوالي إذا حل في وظيفته لا همَّ له إلا إشباع نفسه الشرهة، من شهوات وملذات، ومن أموال ودور وعقار، يأخذها غصبا، ويدفع ثمنها لمن يطلبه سياطا على الظهور والجنوب، وكم أصيبت مصر وأهلها بالكثير من هذا الأذى، مما ألجأ المصريين إلى انتخاب محمد على باشا واليا على مصر، لما توسموا فيه من الخير لمصر والعقل والسياسة، والقوة، والحزم، وحب الإصلاح العمران. ٢٣٠ - فقامت الدولة وقعدت، وأرغت وأزبدت، فلم يعبأ محمد على بها، ولم يعرها المصريون اهتماما، وتمنوا لو أنهم تخلصوا مرة واحدة من هذه التبعية التي طالما جرت على مصر الدمار والخراب ٢٣١ - وأخذ محمد على باشا سبيله في إصلاح مصر، وتنظيم جيشها، واستثمار أراضيها وخيراتها، وإعدادها لتكون دولة عظيمة كشأنها في الأعصر الماضية. وواتاه الحظ، بما وجد في نفوس المصريين من

стр. 93

التعطش لما يدعو إليه بعد ما احترقت قلوبهم من امتصاص الولاة الترك دماءهم وأموالهم ٢٣٢ - وسار محمد على باشا في سبيله بجد ونشاط لا يعرفان الكلل ولا السآمة، وقضى على كل مخلفات ولاة الأتراك من الرشوة، والاغتصاب والظلم وانتهاك الحرمات، فسارت مصر إلى الرقي المادي بخطى واسعة حتى تبوأت مكانة، خافتها الدولة العثمانية وخشيت من تقدم الوالى العظيم محمد على المطرد في سبيل المجد والعظمة. ٢٣٣ - وكان الحجاز أشقى من مصر، وأتعس حظا، إذ كانت الدولة تعتبره منفى لكل وال، أو موظف، أو ضابط، اشتهر من أعماله وأخلاقه ما يضج منه العباد والبلاد، فأين تذهب به؟ وأي البلاد ترميها بهذا الأثيم؟ الحجاز المسكين، البلاد المقدسة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا. فإذا ما حط رحله في الحجاز، وهو يعتقد أنه جيء به إلى المنفى للانتقام منه- أخذ يأتي من أنواع فساده وضروب شره، ما كان من نتائجه: الذي تسامع به الناس كلهم: أن مكة منتشر فيها الأمراض السرية: من السيلان والزهري وغيرها من ثمرات الفسق والفاحشة، مما أمسك قلمي ولساني عن الخوض فيه. وكان فيها من أنوع التهتك في الملاهي والخمور ما يدهش الإنسان عند ما يسمع حكايته ممن شهدوه في عهد الأتراك من كبار الأسنان. ٢٣٤ - وكان هذا شأن ولاة الأتراك في الحجاز إلا القليل النادر جدا من بعض الولاة الصالحين الذين يعدهم الحجازيون على أصابع يد واحدة أو أكثر بقليل. وإلى جانب هؤلاء الولاة المفسدين من الأتراك يأتي الأشراف

стр. 94

الذين كان أكثرهم مُنشأ في الآستانة، أو ما شابهها في المدنية، والذين كان أكثرهم لا يحسن إلا التعاظم بالأنساب، والتفاخر بالآباء والأجداد، وينظرون إلى الناس كأنهم جميعا عبيد لهم، وكل ما ملكت أيديهم فهو حق للشريف يأخذ منه ما يشاء فكم كان لهؤلاء أيضا من أذى وفساد ونهب واغتصاب للأموال والأعراض، وانتهاك للحرمات، إلا من شاء الله من القليل الذي كان يخاف الله ويتقيه. ٢٣٥ - كان هذا في الحجاز سببا عظيما مهد الله به للسعوديين الموحدين العادلين في دخول الحجاز سنة ١٢١٨، كما مهدَّ أيضا لهم ظلم الحسين بن على، واستبداده وغطرسته وجهله في إدارة الشئون. في دخولهم إياه سنة ١٣٤٣. ٢٣٦ - كتب الإمام سعود بعد دخوله مكة إلى السلطان سليم العثماني الكتاب الآتي: "من سعود إلى سليم. أما بعد فقد دخلت مكة في الرابع من المحرم سنة ١٢١٨، وأمنت أهلها على أرواحهم وأموالهم، بعد أن هدمت ما هناك من أشباه الوثنية. وألغيت الضرائب، إلا ما كان منها حقا. وثبت القاضي الذي وليته أنت طبقا للشرع. فعليك أن تمنع، والي دمشق ووالى القاهرة من المجئ، بالمحمل والطبول والزمور إلي هذا البلد المقدس. فإن ذلك ليس من الدين في شيء. وعليك رحمة الله وبركاته". ٢٣٧ - ويقول المؤرخ النجدي ابن بشر ﵀ "شهدت سعودا، وهو راكب مطيته محرما بالحج ونحن مجتمعون في نمرة لصلاة الظهر والعصر خطب قوق ظهرها خطبة بليغة وعظ الناس فيها وعلمهم المناسك، وذكرهم

стр. 95

ما أنعم الله عليهم من الاعتصام بكلمة لا إله إلا الله، وما أعطى الله في ضمنها من الاجتماع بعد التفرق، وأمان السبل، وكثرة الأموال، وانقياد عصاة الرجال، وأن أضعف ضعيف يأخذ حقه كاملا من أكبر كبير من مشايخ البوادي، أو عظم عظيم من رؤساء البلدان. ونادى وهو على ظهرها: لا يحمل في مكة سلاح، ولا تتبرج امرأة بزينة. وتوعد من فعل ذلك من جميع رعيته. وجعل في الأسواق وقت الصلاة رجالا يحضون الناس عليها فلا تجد فيها وقت الصلاة متخلفا إلا نادرا. ولا تجد في الأسواق من يشرب التنباك ولا غيره من المحظورات إلا مالا يرى ظاهرا". ٢٣٨ - هذا هو دستور آل سعود في حكمهم الأول للحجاز، وهو دستورهم أيضا في حكمهم الثاني، لم يتغير فإذا ما قارنا بين ولاية الأتراك والأشراف وبين ولاية السعوديين لظهر لنا ما كانت تجره الأولى وراءها من مظالم، وأكل لأموال الناس بالباطل وانتهاك لحرمات الأعراض، وما يتبع ذلك من تمرد العريان وانتشار قطاع الطرق في كل مكان. وقسوة بالغة في معاملة الحجاج واستهانة بأرواحهم ودمائهم. دع عنك شيوع الجاهلية، وعقائد الوثنية، وإضاعة الصلاة، ومنع الزكاة، وتعدى الحدود، وغير ذلك. مما قضى على كل البلاد بالدمار والخراب، ثم كان من ثمرته أن قضى أخيرا على الدولة نفسها. ٢٣٩ - أين هذا من حكم السعوديين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإقامتهم لحدود الله بلا تهادن ولاتراخ، ونشرهم نور الله وبثهم المعارف في كل مكان يحلون فيه، حتى البادية، وإيقاف كل واحد

стр. 96

عند حده لا يتعدى على غيره في مال ولا نفس ولا عرض، والضرب على أيدي المفسدين بعصا الإسلام الرادعة الزاجرة، حتى أصبح الحجاز مضرب المثل في الأمن. والاستقامة على صراط الله القويم، ودبت فيه روح الحياة القوية بنشر العلوم والمعارف، وأخذ أهله في ظل هذا الاطمئنان يفكرون في الأعمال المثمرة، من صناعات وغيرها؟ ٢٤٠ - حكي الأستاذ أمين الريحاني عن "بركهارت السويسري" الذي دخل مكة يوم كان الأمير محمد على باشا بها سنة ١٢٣٠ أنه قال "ما شعرت في مكان آخر بمثل الطمأنينة التي كنت أشعر بها وأنافي مكة"ولكنه لم يجهل أو يتجاهل ما اشتهر به المكيون والترك يومئذ من قبيح العادات والتقاليد، فذكرها في كتابه كلها وقد قال في كلامه عن الوهابيين "إنهم حقا جاءوا يطهرون الحجاز" ثم قال "وما الوهابية إذا جئنا نصفها: غير الإسلام في طهارته الأولى، وإذا ما جئنا نبين الفرق بين الوهابيين وبين الترك مثلا، فما لنا إلا أن نعد الخبائث التي اشتهر هؤلاء الترك بها". ٢٤١ - جاء الوهابيون يطهرون الحجاز، نعم، إنهم طهروه مما كان قد لوثه به ولاة الأتراك المنفيون إليه، ولكن شاء الله أن لا يطول عهد السعوديين في المرة الأولى في الحجاز، فخرجوا منه في سنة١٢٢٨. وكان عليهم من الكائنات، والأحداث ما عزاه كثير من علمائهم، ومنهم ابن بشر:- إلى افتتانهم بالدنيا حين اتسعت عليهم. ودرت عليهم المال الكثير؛ وتراخيهم في تعليم الرعية الدين الصحيح، من القرآن والسنة، وانشغالهم

стр. 97

عن ذلك بما فتنوا به، وحين اختلطوا بالحواضر وامتزجوا بأهل المدن، فسرى إليهم من عدواهم. فانتقم الله منهم لذلك بما صار عليهم من الدمار والنكال. ونسأل الله لنا ولهم العافية من ذلك. ٢٤٢ - وصل سعود بجيوشه إلى الجوف ثم إلى بصري، وحوران فأصبح على حدود الشام، أغنى ولايات الدولة العثمانية، وقويت شوكة الأمير محمد على باشا في مصر، واشتهر صيته في الإصلاح والعمران. وهو رجل طموح إلى العلى لا يرضى إلا به، فماذا عليه لو نادى بنفسه ملكا على مصر، وكل المصريين يحبونه يسمعون له ويطيعون، وقد أصبح عنده جيش لا يستهان به؟ ثم ماذا يكون حال الدولة بعد هذه الكوارث: الحرمان الشريفان ضاعا بيد الوهابيين، والشام على وشك الضياع، ومصر كذلك؟ وأوروبا تنظر إلى محمد علي باشا، وقيامه ببناء هذه الدولة المصرية العظيمة بعين الحقد والخوف، أن يؤول ذلك إلى دولة إسلامية ضخمة ترجع إلى الإسلام مجده، وتخيب آمالهم التي كانوا يبنون قصورها من أنقاض الدولة العثمانية الظاهر وهنها وتحللها وفساد أمرها. فقاموا ينصحون للدولة أن تصدر أمرها إلى الأمير محمد على أن يذهب بجيوشه لحر ب الوهابيين، فتكون قد أصابت عصفورين بحجر واحد. وإما أن لا يظفر أحدهما بالآخر، فتبقى أمام عدو واحد. وإما أن لا يظفر أحدهما بصاحبه، فيكون ذلك إنهاكا لقواهما جميعاً، وشغلا لهما عنها، حتى تتفرغ لكليهما ولو بعد حين. ٢٤٣ - انتهزها محمد على باشا فرصة لتوسيع سلطانه ومد جناحيه

стр. 98

على الحرمين الشريفين، وذلك ما كان يرجوه ويصبو إليه من كل نفسه. ٢٤٤ - وبلغ محمد على ما أراد من الحجاز ونجد، فأراد ضمهما إلى مصر، لكن أوربا لم تمكن له، فأغرت به الدولة العثمانية، وكان هو من جانبه يصانعها حرصا على كيانها أمام أوربا، وخوفا على الخلافة أن تضيع، فعاد الحجاز إلى الدولة العثمانية في ربيع الأول سنة ١٢٤٣هـ، وعاد الفساد والفسق، وعبادة القبور وانتهاك الحرمات واضطراب الأمن، وفساد لأحوال، وعادت الجاهلية قريبا مما كانت. ٢٤٥ - توالت على نجد، وعلى آل سعود الكوارث بعد الحرب التركية التي انتهت باستيلاء إبراهيم باشا على الدرعية، وتخريبها، والقبض على كل آل سعود وآل الشيخ، وإرسالهم أسرى إلى مصر، إلا من أفلت من أيديهم، وهرب في البادية فلم يقدروا عليه، وإرسال الإمام عبد الله بن سعود إلى الآستانة، ثم قتله بها، بعد إعطائه العهود الوثيقة بالأمان على نفسه وولده وماله. وعادت إليها القلاقل والفساد، لكن بعد مدة وجيرة، عاد كثير من آل سعود إليها، وعملوا على إرجاع ملكهم المضاع، وإصلاح ما فسد، ثم وقعت بين أفراد الأسرة السعودية فتن أخرجت الرياض من أيديهم في سنين عدة إلى آل الرشيد، من قبيلة شمر أمراء حايل. ٢٤٦ - كانت الدولة العثمانية لا تفتأ تغري آل الرشيد بآل سعود وتمدهم دائما بالسلاح والمال للقضاء عليهم، وبعد حروب وفتن وقلاقل انتهى الأمر إلى استيلاء عبد الرحمن بن الرشيد على الرياض وإخراج الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، والد جلالة الملك عبد العزيز، إلى

стр. 99

الكويت، وكان الإمام عبد العزيز إذ ذاك في العاشرة من عمره، فأقاموا ضيوفا على مبارك الصباح أمير الكويت إلى رمضان سنة ١٣١٩، إذخرج الملك عبد العزيز على رأس ٤٠ بطلا من آل سعود، مصمما على دخول الرياض وانتزاعها من آل الرشيد وقتل عجلان أميرها من قبلهم أو الموت، فانه أهنا من حياة الذل بعيدا عن ملكه ووطنه. ٢٤٧ - وكان السعد له رفيقا، فقد بلغ الرياض في اليوم الرابع من ذي القعدة، وأعمل الفكر في الاحتيال لدخول البلد، التي كانت مسورة بسور حصين تغلق أبوابه عند الغروب من كل يوم، فوفق الله، ودخل البلد، وتسلق الجدار حتى دخل القصر، وأخذ يبحث عن عجلان، في قصر الإمارة فوجده عند إحدى زوجاته في مكان آخر، فادخل رفقاءه وجلسوا يأكلون ويشربون إلى الصباح، ولبث حتى خرج عجلان من منزله، ثم هجم عليه هو ورفقاؤه وبعد محاولات، تمَّ قتل عجلان، وتسليم الرياض إلى البطل الفاتح عبد العزيز. ٢٤٨ - وفرح بذلك أهل الرياض كل الفرح، فان آل سعود- وخصوصا الإمام عبد الرحمن وبنيه- كان لهم في قلوب أهالي الرياض الذين كانوا مخلصين في إيمانهم وحبهم منزلة لا تدانيها منزلة، وذلك لما كان مشهورا عنه من الإيمان الصادق، والتقوى، والعدل والشفقة التامة بالرعية، والحظ الوافر في نصر عقيدة التوحيد. وقد كان العلماء من آل الشيخ يحبونه كل المحبة، ويعتبرونه كوالد للجميع. لما كان ينالهم من بره بهم، وعطفه عليهم.

стр. 100

٢٤٩ - ولقد كان يستحق هذا الحب وأكثر منه من آل الشيخ وطلبة العلم، وكل الناس، لأنه قد كان فيه من الخصال الحميدة، وصفات المؤمنين الأتقياء ما لا يكاد يوجد إلا في ولده جلالة الإمام عبد العزيز. ٢٥٠ - وقد رأيت يوم كنت بمكة كبار العلماء من آل الشيخ يبكون مرَّ البكاء يوم جاء الخبر بوفاة الإمام عبد الرحمن حتى لترى الواحد منهم كأنه يبكي أباه بل أكثر، وكنت تسمع من تفجعهم عليه، ومن حزنهم أمرا عجبا، وكانوا يقصون علينا من جلائل أعمال الإمام، وحبه لأهل العلم ما يعذرهم السامع له في ذلك الحزن ويشاركهم البكاء. ٢٥١ - أخذ ابن الرشيد يشن الغارة ويؤجج نار الحرب على الإمام عبد العزيز سنين طويلة تمده فيها الدولة العثمانية بكل ما تستطيع حتى انتهى الأمر باستيلاء الإمام عبد العزيز على حائل سنة ١٩٤٠، وأخذ آل الرشيد إلى الرياض ولا يزالون عنده إلى الآن في غاية الكرامة والإعزاز. ٢٥٢ - ثم كان شريف مكة الحسين ين على قد أعلن التمرد على الدولة العثمانية وقتل من ضباط الأتراك والموظفين في الحجاز منهم عددا كثيرا، ومثَّل بهم تمثيلا تتفطر لهَوْله القلوب، فإنه كان يأتي بجثة الضابط أو الموظف ويجرها من رجلها أمام زوجه وأطفاله والناس، وأخذ نساءهم وأطفالهم وسلمهم للانكليز، بعد أن سلط عبيده، وخدمه على أولئك المساكين يفعلون معهن ومع أطفالهن من المنكر ما يشمئز المسلم من ذكره وحكايته وما تسمع فواجعه المفتتة للقلوب من الحجازيين الذين شهدوا هذه المآسي

стр. 101

بأنفسهم، وجمع أقصى ما استطاع من عربان الحجاز وباديتها وجيشهم بقيادة والده الملك فيصل انتصاراً للانكليز على الأتراك في الجزيرة والشام وانتهى الأمر بانهزام الأتراك وخروجهم من الشام بعد أن أذاقوا أهله الأمرَّين من ظلمهم. ولقد كان لجيش فيصل هذا في الميدان الشرقي أعظم الأثر في انتصار الحلفاء في الحرب العامة، فإنه حفظ لهم طريق الهند، واستراليا، اللتين كانت ترد منهما الجيوش بكثرة هائلة. ٢٥٣ - وكان الحسين يفعل ذلك لاطفاء ما كان في نفسه من نار العداوة المتأججة على الأتراك، ويبتغى إرضاء الانكليز الذين منُّوه الأماني الكاذبة، وخدعوه بإمبراطورية عربية يكون حضرة الشريف على رأسها ملكا وخليفة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. وما لبثت أحلامه أن طلع عليها صبح الحقيقة، فتبددت وعجز أن يشفى غيظه من الإنكليز إذ خدعوه. فوجه نار حقده إلى ألد أعدائه وأعظم خصومه الإمام عبد العزيز، لأنه هو الأمير العربي الوحيد الذي كان يخافه لقوته وسطوته، والذي كان مع هذا الخوف يعتقد كفره لعقيدته السلفية التي كان الحسين يحاربها في الحجاز بكل ما استطاع، حتى منع دخول كتب شيخ الإسلام بن تيمية، وابن القيم ومؤلفات غيرهم من علماء السلف، الداعين إلى خلع الأوثان وإخلاص العبادة الله، وكان إذا سمع عن واحد من الحجازيين عنده كتاب من هذه الكتب زج به في غيابات سجن القبو، وقد فعل ذلك بالمرحوم الشيخ أبى بكر خوقير مؤلف فصل المقال، وإرشاد الضال في توسل الجهال، وولده الذي كان ضابطا بالجيش التركي حتى مات هذا الولد

стр. 102

الضابط وبقيت جثته أمام والده أياما كثيرة حتى تعفنت وظهر عفنها وما خرج الشيخ خوقير عليه رحمة الله من سجن القبر إلا بعد دخول السعوديين إلى مكة، بعد أن أصيب بأمراض مزمنة مما لقي من أهوال هذا القبو ٢٥٤ - ولطالما حاول إيصال الأذى لكبير أعيان الحجاز السيد محمد حسين نصيف أفندى، لأنه سلفي العقيدة، وما عصمه منه إلا الله ثم نفوذ هذا السيد، وغناه ومركزه المادي والأدبي في العالم الإسلامي كله ٢٥٥ - ولقد منع الحاج النجدي من أداء مناسكه سنين عدة وحال بينهم وبين المسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد. وهذا زيادة على ما كان يبثه دائما ضد الإمام ابن سعود والنجديين وعقيدتهم السلفية. ثم أخذ يوقد نار الفتنة في إمارة عسير بواسطة جواسيسه، ويكتب في جريدة القبلة المقالات المثيرة لها، حتى إذا كانت سنة ١٩٢٠ بعث حملة عظيمة مسلحة بكل ما كان عنده من مدافع ورشاشات وبنادق حديثة كان بعث بها إليه الانكليز في ثورته على الأتراك، ولم يبق في مخازنه سلاحا إلا أخرجه مع هذا الحملة. وكانت بقيادة ولده الأمير عبد الله، وما وصلت إلى تربه حتى بيتها جند الأخوان فافناها عن آخرها، ولم يسلم الأمير عبد الله إلا باعجوبة: إذ شق الخيمة من الخلف وخرج وعبده يعدو به فرسه حتى دخل على أبيه الحسين بمكة على شر حال. وقد كان هو وأبوه من غرورهما يزعمان أن حملتهم هذه ستواصل زحفها حتى تكتسح الرياض في أيام قلائل، ولكن الله غالب على أمره

стр. 103

٢٥٦ - ولقد كان من السهل اليسير جدا على جيش الإخوان أن يتابعوا زحفهم حتى يدخلوا الحجاز في ذلك الحين، ولكن أوامر الملك ابن السعود ردتهم عن ذلك؛ واكتفى بهذه الضربة لعل الحسين يرعوى، ويستيقظ من حماقته، وغطرسته. ٢٥٧ - لكن الحسين كان عنيداً، ضيق التفكير معجبا بنفسه. كتب إليه ابن السعود يخطب وده، ويرجوه أن يعمل على جمع كلمة أمراء العرب، ولمِّ شملهم، بعقد مؤتمر منهم يعمل على إطفاء نار الفتن من بينهم حتى لا يكونوا لقمة للعدو الذي يتربص بهم الوهن والضعف من وراء تناحرهم فكتب إليه الحسين كتابا لا. يليق أن يصدر من رجل عادى فضلا عن شريف عظيم يريد أن يكون خليفة للمسلمين. وأخذ مع هذا يبث جواسيسه ودعاته لإشعال نار الفتنة في عسير حتى قامت فيها ثورة أطفاها الملك ابن السعود قبل استفحالها. ٢٥٨ - فلما رأى السعوديون أن الحسين لا يكف شره، ولا يترك فرصة في الكيد لهم إلا انتهزها، أمر جلالة عبد العزيز الشريف البطل، خالد بن لؤى أن يهجم برجاله على الطائف، فتقدم إليها ووصلها في أول صفر سنة ١٣٤٣، وفر من كان فيها من جند الهاشميين واستولى عليها في السادس من صفر. ٢٥٩ - فجمع الشريف الحسين جيشاً مهلهلا استأجر رجاله من أهالي مكة والأغراب المقيمين فيها والاعراب حولها، فالتقى بهم جيش الإخوان في لهدا، فما هي إلا جولة تمزق فيها الجيش الحسيني وولى منهزما إلى مكة، وتابع

стр. 104

الإخوان زحفهم إلى مكة، فقام عقلاء الحجازيين على الحسين وأرغموه على الخروج من مكة حتى لا يقع فيها حرب، ويدخلها الإخوان آمنين. فجمع أمواله ومتاعه، وخرج إلى جدة، ودخلها الشريف خالد والأخوان محرمين معتمرين، في نصف ربيع الأول سنة ١٣٤٣ ونادوا في الناس بالأمان وأن لا يخاف أحد على نفسه، مادام متبعا لأحكام الإسلام. ٢٦٠ - واضطر الحسين تحت ضغط الحجازيين على النزول عن الملك لولده الأكبر علي بن الحسين في يوم ٦ ربيع الأول سنة ١٣٤٣، ثم رحل بما جمع من أموال الحجازيين وغيرهم ظلما، إلى العقبة، ثم بعد أيام رحل على بارجة انجليزية إلى قبرص، حيث مات بها في سنة ١٣٥٢ ونقلت جثته إلى القدس فدفن فيها، وجاء الملك عبد العزيز إلى الحجاز، في جمادي الأولى وأبى رحمةً بالحجاز وأهله وضيوفه إلا إخراج الهاشميين من الحجاز مرة واحدة ثم يحكمِّ المسلمين في مصير الحجاز، لأنه لا غاية له فيه ولا مطمع. وزحف على جدة في جمادى الآخرة. فحاصر الملك علياً في جدة أحد عشر شهرا انتهت بتسليم الملك على وسفره من الحجاز إلى بغداد في ٢٤ ديسمبر سنة ١٩٢٥ وبذلك دخل الحجاز كله تحت الراية السعودية الإسلامية السعيدة. ٢٦١ - وكتب الإمام عبد العزيز إلى العالم الإسلامي أن تبعث كل حكومة وهيئة إسلامية مندوبين من قبلها لتقرير مصير الحجاز وحكومته، فلم يرد عليه إلا جمعية الخلافة الإسلامية في الهند. وتبين بعدُ أنه كان لمندوبيها غرض لا يتفق مع الشرف الإسلامي ولا مع قداسة الحجاز. ٢٦٢ - لما طال الحصار على جدة اشتد الضيق على أهلها، وعرف

стр. 105

العقلاء أن جيش الملك على الذي كان مؤلفا من مرتزقة الآفاقيين والضعفاء، والبدو القليلين: لا فائدة منه، ومحال أن يتغلب على الإخوان الاشداء المتحمسين – ارغمو الملك عليا علي التسليم، فوسط قنصل انكلترا في جدة أن يسعى لدى الملك ابن السعود في الصلح والاتفاق على شروط التسليم فكتب القنصل إلى الملك ابن السعود: ٢٦٣ - "بعد الاحترام، مراعاة للإنسانية، ولأجل تسهيل عودة السلام والرفاهية إلى الحجاز: أكون مسرورا إذا تفضلتم عظمتكم بالموافقة على مقابلتي بالرغامة غدا يوم الخميس ١٧ ديسمبر سنة ٩٢٥ قبل الظهر، أو بعد ذلك بأسرع ما يمكن" فارسل إليه الرد بالموافقة. فاجتمعا، وتم الاتفاق على شروط تسليم جدة، وهى تتلخص فيما يأتي "أن يسلم الملك على ما يكون عنده من الأسرى وأن يسلم كل الضباط والعساكر بأسلحتهم ومهماتهم الحربية إلى الملك عبد العزيز، بشرط أن لا يخربوا شيئاً منها، وأن تكون جميع ممتلكات الحكومة من دور وأبنية وأثاث وبواخر ومنشئات وسنابيك ملكا للملك عبد العزيز، ويتعهد الملك عبد العزيز أن يضمن سلامة جميع السكان والموظفين، وأن يمنحهم العفو العام، وأن يرحل الضباط العساكر الذين يرغبون العودة إلى أوطانهم، وأن يوزع عليهم خمسة آلاف جنيه، وأن يبقي الصالح من موطفي الحكومة في وظائفهم، وأن يسمح للملك على أن يأخذ أمتعته الشخصية، وأن يمنح أسرة الحسين ممتلكاتهم الموروثة، بخلاف ما يكون أصله وقفا أو أنشأه

стр. 106

الحسين أثناء حكمه. وأن يمنح سكان وأهالي ينبع كل ما منح لأهالي جدة. فان خالف الملك علي أو رجاله أو قصروا في تنفيذ أي شرط من هذه الشروط فيكون الملك عبد العزيز غير مسئول عما عليه في هذا الاتفاق". ٢٦٤ - بعد التسليم انتخب أعيان الحجاز وفدا من بينهم قابل ابن السعود، وطلب إليه أن يترك لهم حق تقرير مصيرهم، فأجابهم إلى ذلك، وأصدر: بيانا هذا نصه: ٢٦٥ - "أما بعد فقد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأمرنا إلى أن اضطررنا لامتشاق الحسام دفاعا عن أرواحنا وأوطاننا، ودفاعا عن حرمات الله ومحارمه. ولقد بذلت النفس والنفيس في سبيل هذه الديار إلى أن يسر الله الكريم بفضله فتحها واستتباب الأمن فيها. ولقد كانت عزيمتي منذ باشرت العمل في هذه الديار أن أنزل على حكم العالم الإسلامي- وأهل الحجاز ركن منه-في مستقبل هذه الديار المقدسة. ولقد أذعت الدعوة للمسلمين عامة غير مرة أدعوهم لعقد مؤتمر إسلامي يقرر في مصير الحجاز ما يرى فيه المصلحة ثم عززت ذلك بدعوة عامة وخاصة. فأرسلت كتابا للحكومات والشعوب الإسلامية في ١٠ ربيع الآخر سنة ١٣٤٢. وقد نشر ذلك الكتاب في سائر صحف العالم. ومضى عليه ما يزيد عن الشهرين لم أتلق على دعوتي جوابا من أحد، ما عدا جمعية الخلافة في الهند، فإنها -بارك الله فيها- عملت وتعمل كل ما في وسعها لراحة الحجاز وهنائه. ولما انتهى الأمر في الحجاز إلى هذه النتيجة التي نحمد الله

стр. 107

عليها جاء أهله جماعات ووحدانا يطلبون منى أن أمنحهم حريتهم التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم، فلم يسعني أمام طلباتهم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون. بعد ما ظهر من العالم الإسلامي هذا الصد والإعراض عن مثل هذه القضية الهامة". ٢٦٦ - ثم رفع الحجازيون بعد هذا كتابا إلى الإمام ابن سعود ضمنوه نص بيعتهم له علي الملك، إذا قالوا: ٢٦٧ - "بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد الله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على أن تكون ملكا على الحجاز على كتاب الله وسنة رسوله صلى لله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والأئمة الأربعة ﵏. وأن يكون الحجاز للحجازيين، وأن أهله هم الذين يقومون بإدارة شئونه. وأن تكون مكة المكرمة عاصمة الحجاز وأن يكون الحجاز جميعه تحت رعاية الله ثم رعايتكم" - ووقعه العلماء، والاعيان، ورؤساء التجار، والموظفون فأجابهم: ٢٦٨ - "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى أخواننا الحجازيين الموقعين أسماءهم:سلام عليكم. وبعد فقد أجبناكم إلى ما طلبتم ونسال الله تعالى المعونة والتوفيق للجميع". ٢٦٩ - ثم كانت البيعة في الكعبة المشرفة، في ٢٢جمادى الثانية سنة ١٣٤٤، ألقى الملك بعدها خطبة بليغة دعا فيها إلى الاعتصام بكتاب الله وإلى التوحيد الخالص. ثم قال:"إني أحمد الله الذي جمع الشمل وأمَّن الاوطان.

стр. 108

وأنا لكم على عهد الله وميثاقه إنني أنصح لكم كما أنصح لنفسي وأولادي وأسرة آل سعود: أحبكم في الله وأعاديكم في الله".

стр. 109

صقر الجزيرة وبطل الإسلام: عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أطال الله عمره، وأيد ملكه، ومتع الإسلام بقوة سلطانه، وامتداد زمانه. ٢٧٠ - ولد عند أذان فجر يوم الثلاثاء العشرين من شهر ذي الحجة من شهور سنة ١٢٩٧وهو الموافق لليوم السادس عشر من نوفمبر من سنة ١٨٧٩ ميلادية. وكان جو الرياض في هذه الأيام مكفهرا بإحداث مروعة وفتن كقطع الليل المظلم. فالإمام عبد الرحمن لم يصل إلى الولاية إلا بعد حروب أهلية طاحنة، وعروة الصفاء والمحبة بين الرؤساء والزعماء منفصمة، فحين أخذ الإمام عبد الرحمن يطفئ هذه الفتن إذا بها تشتعل جذوتها بأروع وأشد من قبل ابن الرشيد الذي أخذ يتابع غزواته على الرياض في عنف وشدة، والرياض تزداد كل يوم وهنا على وهن أمام جيوش مزودة بالسلاح العثماني الكثير والمال الوفير، حتى انتهت أخيراً باستيلاء ابن الرشيد عليها في سنة ١٨٨٥، وولى عليها من قبله من يحكمها تحت سلطانه. وقبع الإمام عبد الرحمن في داره. وجمرة الغيظ تأكل قبله، إذ أعجلته الأيام عن الوصول إلى غايته التي كان يسعى لها جاهدا. وهى لمُّ شعث أولئك الزعماء الذين أكلهم التحاسد، وفرق شملهم، وأذهب ريحهم، وألزمهم الفشل في كل مواقفهم. وحاول تقوية أواصر المحبة

стр. 110

والأخوة، والتي كان يعمل لها بالدين والعقيدة الإسلامية التي كان هذا الإمام متمكنا منها، ومتمكنة منه غاية التمكن. ٢٧١ - في وسط هذه العواصف الهوج، والزعازع المقلقة بزغت شمس عبد العزيز. حين صاح مؤذن الفجر "حي على الصلاة حي على الفلاح" فكأن ذلك الداعي إلى الفلاح الدنيوي والأخروي يبشر بهذا الفلاح في وجه ذلك المولود السعيد الذي حقق الله فيه هذه البشرى، فأسعد أهل الجزيرة. وأنا لهم على يديه عز الدنيا والآخرة، وفلاحهما. ٢٧٢ - رضع هذا المولود السعيد التقوى والورع، وخشية الله مع لبان ثدي أمه التي كانت أصلح أهل زمانها وأتقاهن لله، ومن أبيه الذي كان كذلك، وغذى بآيات الجد والعمل، وروح الحرب والجهاد، وغسل ما لحق بأسرة آل سعود، وما لحق بدعوة التوحيد على يد ابن الرشيد وغير ابن الرشيد الذين كادوا لهما وأذلوهما بمعاونة العثمانيين ٢٧٣ - حضر الحروب الهائلة، ورأى رؤوس الرجال تطير، والدماء تسفك، وهو حول العاشرة أو دونها. وذلك: أن سالما أمير الرياض من قبل ابن الرشيد حاول أن يقضى على آل سعود بمكيدة الأنذال الجبناء، وأن يجمعهم في حفلة سمر مع إمامهم عبد الرحمن، ثم يلقى بالإشارة إلى عبيده وجنده، فيذبحونهم كالخراف. لكن الإمام عبد الرحمن ليس بغافل، ففطن للمكيدة، ورأى الحفرة أمامه، فصمم على إيقاع سالم فيها، وأفضى بذلك آل سعود، فجاءوا إلى السمر متهيئين، وحضروا بقلوب السباع لا بوادعة الحمل، فلما صفا المجلس، وقبل أن يفكر سالم كيف يسلم مما رأى من خيبة
следующие страницы →