← Тараджим

Тараджим · id 747

السهم المصيب في الرد على الخطيب - ط العلمية

الملك المعظم عيسى الأيوبي

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الناس عقله. ثم قوله تحمل شرّا كثيرا إن كان أراد ما قلت فهو كذلك وإن أراد أنه فقه كلام كثير وجدل كثير فهذا عليه جميع الفقهاء. وكل فقه لا يكون كذلك فليس بشيء. والخطيب فلكونه لم يكن من الفقهاء ولا عرف الفقه ظن أنه يعيب أبا حنيفة بهذا. وروى عن ابن الفضل إلى مزاحم بن زفر قال قلت لأبى حنيفة: يا أبا حنيفة هذا الذي تفنى والذي وضعت في كتابك هو الحق الذي لا شك فيه؟ فقال: والله ما أدرى لعله الباطل الذي لا شك فيه. فهذا كما ذكر والمجتهد لا يعلم يقينا أنه على الحق ولو علم ذلك يقينا لتنزل منزلة النبي ﷺ وهذا عليه إجماع الأمة أن المجتهد يخطئ ويصيب وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ كان له أجر» فإذا كان النبي ﷺ بين هذا وإجماع الأمة عليه فمن جعله خطأ وعيبا، أتراه يكون مخطئا للفرع أو للأصل؟ وقد بينت لك من قبلأنه لم يكن غرض الخطيب إلا التشنيع والطعن على النبي ﷺ وإنما جعل أبا حنيفة ذريعة إلى ذلك. ولو كان أبو حنيفة قال هو الحق الذي لا شك فيه لكان مخطئا لا محالة فانظر إلى من لا يعرف الصواب من الخطأ ويعيب الأئمة. وروى عن على بن القاسم عن أبى نعيم قال سمعت زفر يقول: كنا نختلف إلى أبى حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنا نكتب عنه، قال زفر فقال يوما أبو حنيفة لأبى يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه منى فإنى قد أرى الرأى اليوم فاتركه غدا، وأرى الرأى غدا وأتركه بعد غد. هذا قد تقدم الجواب عنه. وسيأتي في الخبر الذي بعده جواب أيضا. وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال «لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن: من كتب عنى شيئا فليمحه». وروى عن الخلال إلى حماد بن أبى عمر قال قال أبو نعيم سمعت أبا حنيفة يقول لأبى يوسف: لا ترو عنى شيئا فانى والله ما أدرى أمخطئ أنا أم مصيب. هذا لم ينقل عن أبى حنيفة لكن نقل عنه ما هو قريب من هذا، وذلك أنه كان إذا بلغ أحد أصحابه رتبة الاجتهاد قال له: لا يحل لك بعد أن تأخذ عنى. فهذا يدل على دينه ووفور عقله وهذا لم يفعله أحد من العلماء قبل أبى حنيفة ولا بعده، والعلة في هذا أن المجتهد كما بيننا يخطئ ويصيب، والواجب على كل مسلم أن يجتهد فإن قدر على الاجتهاد مثل الفقهاء كان، وإن لم يقدر اجتهد فيمن يأخذ عنه. وهذا عليه إجماع

стр. 72

الأمة فكان أبو حنيفة يقرئ الناس الفقه فإذا بلغ أحدهم رتبة الاجتهاد قال له هذا القول. أفترى ذلك عيبا على من فعله؟ أو على من اعتقد أن هذا ذم؟ وما قلت عن الخطيب فهو أحسن الوجهين له، لأنه إن كان يعرف هذا وقال هذا، إنما كان قصده الطعن على الأئمة جميعهم، لأن هذه مسألة إجماع. ألا تراه قال لأبى يوسف ولم يقل لغيره، وذلك لعلمه بأبى يوسف وهذا دال على ما قلت ولو كان كما قال الخطيب لقال لهم جميعا ولم يقرئ أحدا مذهبه. وروى عن ابن رزق إلى عمر بن حفص بن غياث عن أبيه قال كنت أجلس إلى أبى حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتى فيها بخمسة أقاويل، فلما رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث. هذا هو الفقه لأنه يوجه جميع الوجوه حتى يترجح عنده الحق فيتبعه. وقد روى عن أبى حنيفة أنه كان يتحدث في المسائل إلى أن سأله محمد بن الحسن فقال: ما تقول يا شيخ في رجل قال لامرأته إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. فقال ثم ماذا؟ فقال محمد انظر حينا. فأطرق أبو حنيفة رأسه ثم رفعه. فقال: طلقت ثنتان. فقال أحسنت. فقال ما أدرى أى قوليه أوجع. انظر حينا أو أحسنت. قال فما كان أبو حنيفة بعد ذلك إذا سئل مسألة يرفع رأسه حتى يأتى بالجواب. وفقهه معروف لا أحتاج أن أذكره فمن أراد أن يعرفه فليقف عليه وليتصفحه، فقد روى أن عالما يهوديا كان بالبصرة فطلب الجامع الكبير، فلما وقف عليه. قال: من بحث عن دينه مثل هذا ودقق مثل هذه المسائل ثم لم يدعها لنفسه وإنما نسبها إلى نبى أشهد أنه على الحق. فأسلم وهذا يعد من بركات محمد بن الحسن ﵀ لما صنفه، ومسائله معروفة فإن من أراد أن يقرأه ويفهمه يحتاج أن يكون عالما بارعا بستة علوم؛ أولها الكتاب العزيز، والآثار، والفقه، والنحو، واللغة، والحساب. ومن لم يكن مجيدا بهذه العلوم لم يعرفه إلا تقليدا. وروى عن الحسن بن أبى طالب إلى ابن المقري عن أبيه قال سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أفضل من عطاء، وعامة ما أحدثكم به خطأ هذا لا يثبت مثله عن أحد أن يقول أكثر ما أقوله خطأ، فإن قال أحد من العلماء مثل هذا إنما يريد به التواضع وهذا الأحسن بالعالم لا سيما في الاجتهاديات فإن العلماء لمجمعون على أن المجتهد ليس على الخطإ بيقين، ولا على الصواب بيقين ولهذا سميت الاجتهاديات وقد

стр. 73

تقدم الجواب أيضا. وروى عن ابن رزق إلى وكيع عن أبى حنيفة أنه سمع عطاء- إن كان سمعه. هذا كلام لا يجاب عنه، لأننى لم أفهم قوله سمع عطاء إن كان سمعه. وإن قصد ثلب أبى حنيفة في أنه يدعى أنه سمع من تابعي ولم يكن سمع منه، فأبو حنيفة أدرك جماعة من الصحابة وعاصرهم، ومولده يقتضى ذلك فإنه ولد سنة ثمانين وعاش إلى سنة خمسين ومائة، فقد أمكن اللقاء لوجود جماعة من الصحابة في ذلك العصر. وقد جمع روايته في جزء أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقرئ وهذا الجزء سمعناه وروينا الأحاديث التي فيه عن سبعة، أخبرنا به الشيخ الفقيه ضياء الدين أبو الخطاب عمر بن أيلمك بن الأردغانسى الحنفي قراءة عليه بظاهر البيت المقدس بقراءة الخطيب بالمسجد الأقصى يومئذ في يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة. قال أنبأنا القاضي نجم الدين أبو البركات محمد بن على بن محمدالأنصارىّ البخاري- قراءة عليه بمدينة أسيوط من أصل سماعه في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمس مائة-. قال أنبأنا القاضي الإمام أبو الحسن مسعود ابن الحسن اليزدي. قال أنبأنا الشيخ الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد المقرئ الطبري قال: هذا ما روى الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن يحيى ابن زيد بن ثابت الأنصارىّ التيمي- تيم الله- بن ثعلبة رحمه الله تعالى. وتوفى ببغداد سنة خمسين ومائة عن الصحابة ﵃ أعنى أصحاب رسول الله ﷺ فذكر أنس بن مالك وعبد الله بن جزء وواثلة بن الأسقع وجابر ابن عبد الله وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن أبى أوفى وعائشة بنت عجرد وروى عن كل واحد منهم حديثا مسندا إلى النبي ﷺ . وأما لقيه للتابعين وسماعه منهم فقد قال ابن حاتم في كتابه في حرف النون. النعمان بن ثابت أبو حنيفة روى عن عطاء ونافع وأبى جعفر محمد بن على وقتادة وسماك بن حرب وحماد بن أبى سليمان. روى عنه هشيم وعباد بن العوام، وابن المبارك، ووكيع وعبد الرزاق وأبو نعيم. فقد اندفع بهذا إنكار الخطيب. وقوله عن أبى حنيفة أنه سمع عطاء إن كان سمعه، فقد أثبت ابن حاتم روايته عن عطاء وجماعة من التابعين. وروى عن البرقاني إلى أبى محمد عبد الله بن أبى القاضي قال سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله ما تقول في النظر في كلام

стр. 74

أبى حنيفة وأصحابه انظر فيها وأعمل عليها؟ قال لا. لا. لا ثلاث مرات، قلت فما تقول في النظر في حديثك وحديث أصحابك انظر فيها وأعمل عليها؟ قال نعم نعم نعم ثلاث مرات. ثم قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به، فعلمني دعاء وقال لي ثلاث مرات فلما استيقظت أنسيته. فمن رأى النبي ﵇ وسأله عن أى شيء يعمل بواسطة؟ وأما حديث النبي ﵇ وأصحابه فلا يرده أحد من علمائنا، إنما الاختلاف في تفسيره وبيانه وصحة روايته، ثم كيف أنسى الدعاء وحفظ شيئا يتهم في الصدق فيه. وروى عن محمد بن عبد الله الخنائى إلى عبيد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب الحيل لأبى حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله. وروى عن محمد بن على المقري إلى النضر بن شميل يقول في كتاب الحيل كذا وكذا مسألة كلها كفر. وحدث عن الأزهرى إلى عبد الله بن المبارك يقول من كان عنده كتاب حيل أبى حنيفة يستعمله أو يفي به فقد بطل حجه وبانت منه امرأته. فقال مولى ابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن ما أرى وضع كتاب الحيل إلا شيطان. فقال ابن المبارك الذي وضع كتاب الحيل أشر من الشيطان. وروى عن إبراهيم بن عمر البرمكي إلى أبى إسحاق قال سمعت ابن المبارك يقول: من كان كتاب الحيل في بيته يفتي به أو يعمل بما فيه فهو كافر بانت امرأته وبطل حجه. فقيل له: إن في هذا الكتاب إذا أرادت المرأة أن تختلع من زوجها ارتدت عن الإسلام حتى تبين ثم تراجع الإسلام! فقال عبد الله: من وضع هذا فهو كافر بانت منه امرأته وبطل حجه. فقال له خاقان المؤذن: ما وضعه إلا إبليس. فقال الذي وضعه عندي أبلس من إبليس. نحن لا نحيل الجواب عن هذا على معدوم، الكتاب حاضر فمن أراد أن يستبين فليفعل؟ وأما قوله عن المرأة فقد أجمع المسلمون على أن الردة تفسخ النكاح وأما عند أبى حنيفة فإنها إذا ارتدت عن الإسلام إلى دين أهل الكتاب إن لحقت بدار الحرب انفسخ نكاحها عند حلولها بدار الحرب، وإن أقامت بدار الإسلام لم ينفسخ نكاحها إلا بعد انقضاء العدة وهي على الردة، وإن ارتدت إلى الشرك انفسخ نكاحها في

стр. 75

الحال. وهذه ليست بمسألة اجتهاد بل هي مأخوذة عن النص بقوله تعالى. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ولا فرق بين بقاء النكاح وبين إنشائه. وقال تعالى ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا﴾ ولهذا قلنا إنها لا تبين حتى تعتد أو تلحق بدار الحرب، فإنها إذا لحقت بدار الحرب زال عنها حكم الإسلام وجرى عليها حكم الكفر وحصلت بالبينونة فليس طعنه على أبى حنيفة وحده. وروى عن زكريا إلى الحسين بن عبد المبارك النيسابوري قال: أشهد على عبد الله يعنى ابن المبارك شهادة يسألنى عنها أنه قال لي: يا حسين قد تركت كل شيء رويته عن أبى حنيفة فاستغفر الله وأتوب إليه. هذا التارك لكل ما رواه عن أبى حنيفة مع أن أبا حنيفة أحد المجتهدين على وجهين، ان أراد بالترك ترك الرواية فمنه إلى ربه، وإن أراد بالترك ترك المروي، فلا يخلو هل تركه باجتهاد أظهر له أن الصحيح في خلافة فله حكم بقية المجتهدين، وإن تركه عن غير اجتهاد فقد ترك الإسلام. والمنقول عن ابن المبارك أنه لم يزل على مذهب أبى حنيفة إلى أن قبضة الله. وهذا يدل على خلاف ما نقل عنه الخطيب. وقال زكريا: سمعت عبدان وعلى بن شقيق كليهما يقولان. وقال ابن المبارك كنت إذا أتيت مجلس سفيان فشئت أن تسمع كتاب الله سمعته وإن شئت أن تسمع آثار رسول الله ﷺ سمعتها وإن شئت أن تسمع كلاما في الزهد سمعته. وأما مجلس لا أذكر أنى سمعت فيه قط صلّى على رسول الله ﷺ فمجلس أبى حنيفة. وروى عن الخلال إلى أبى داود سليمان بن الأشعث السجستاني قال ابن المبارك: ما مجلس ما رأيت ذكر فيه النبي ﷺ قط ولا يصلى إلا مجلس أبى حنيفة. وما كنا نأتيه إلا خفية من سفيان الثوري. وروى عن أبى نصر أحمد بن الحسين القاضي بالدينور إلى هارون بن إسحاق. قال سمعت محمد بن عبد الوهاب القناد يقول: حضرت مجلس أبى حنيفة فرأيت مجلس لغو لا وقار فيه وحضرت مجلس سفيان الثوري فكان الوقار والعلم والسكينة فيه فلزمته.

стр. 76

وروى عن أبى بكر محمد بن عبد الله أبان التغلبي الهيتى إلى يوسف الفريابي يقول: كان سفيان ينهى عن النظر في رأى أبى حنيفة. قال: وسمعت محمد بن يوسف وسئل هل روى سفيان الثوري عن أبى حنيفة شيئا؟ فقال: معاذ الله سمعت سفيان الثوري يقول: ربما استقبلني أبو حنيفة يسألنى عن مسألة فأجيبه وأنا كاره وما سألته عن شيء قط. وروى عن القاضي أبى بكر محمد بن عمر الداودي إلى محمد بن عبيد الطنافسي يقول سمعت سفيان- وذكر عنده أبو حنيفة- فقال: يتعسف الأمور بغير علم ولا سنة. وحدث عن ابن رزق إلى ابن الجراح قال سمعت أبى يقول: ذكروا أبا حنيفة في مجلس سفيان فكان يقول عوذا بالله من شر النبطي إذا استعرب. أبو حنيفة ﵀ لم يكن نبطيا وإنما اختلف الناس في أنه هل كان مولى لبنى زياد أو فارسيا؟ وقد قال النبي ﷺ : «لو أن العلم مناط بالثريا لنالته رجال من أبناء فارس». ولا شك في أن قول النبي ﷺ أرجح من قول ابن الجراح. وروى عن ابن رزق إلى الفريابي قال سمعت الثوري ينهى عن مجالسة أبى حنيفة وأصحاب الرأى. هذا سفيان ﵀ قد روى الخطيب عن جماعة عنه ذم أبى حنيفة والتحذير عنه، وهذا الخبر الأخير يتضمن أنه نهى عن مجالسة أصحاب الرأى جملة، فهذا يدخل فيه مالك أيضا والشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قرّض ابن المبارك سفيان قال إذا أتيت مجلس سفيان، إن شئت أن تسمع كتاب الله سمعته، وإن شئت أن تسمع آثار رسول الله ﷺ سمعتها، وإن تسمع كلاما في الزهد سمعته، ولم يذكر له فقها. فهذا يدل على أنه لم يكن فقيها وإذا لم يكن فقيها لم يدخل في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ ومن لم يخش الله قال ما شاء. وقوله ليس بحجة لأنه ليس من الفقهاء وإنما يطعن في كل صنف من كان منه. فإنّ شاعرا إذا طعن في محدث لا يلتفت إلى قوله، وكذلك إن طعن محدث في فقيه وإنما يكون قوله حجة إذا كان يعرف ذلك العلم، هذا إذا عرف أن سفيان لم يكن له غرض أو حيث عرف غرضه بأن طعن على جميع أصحاب الرأى فقوله متروك بالإجماع وسيأتي ما ذكر عن سفيان وغيره بعد أن شاء الله تعالى.

стр. 77

وروى عن الأبار إلى عبد الله بن عبد الرحمن سئل قيس بن عن أبى حنيفة فقال. من أجهل الناس بما كان، وأعلمهم بما لم يكن. وروى عن البرمكي إلى حجاج قال سألت قيس بن الربيع عن أبى حنيفة فقال: أنا من أعلم الناس به كان أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان. هذا قد روى عن قيس بن الربيع من وجهين أن أبا حنيفة كان من أجهل الناس بما وأعلمهم بما لم يكن، هذا قد رد قول الله تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال فقد جعل أبا حنيفة يعلم ما لم يأت وجهله بما أتى وهذا رجل من الجاهلية يقول: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله … ولكني عن علم ما في غد عم وسمع النبي ﷺ قوله فاستحسنه ولم يخطئه. فانظر رحمك الله لي رجل يريد أن يثلب أبا حنيفة فيدعى له علم الغيب ولا علم له بما قال. ثم إن الخطيب إما أن نقل مثل هذا ولم يعلم ما نقل أو لم يستح أن ينقل مثل هذا. وروى عن البرقاني قال: قال ابن إدريس: إنّي لأشتهى من الدنيا أن يخرج من الكوفة. قول أبى حنيفة، وشرب المسكر، وقراءة حمزة هذا قد بلغه الله أمنيته، فقد خرج من الكوفة قول أبى حنيفة وقراءة حمزة ولكنهما انتشرا في الأرض واستحسنهما الناس واشتغلوا بهما، وما ضره قوله. واعلم أن جميع أصحاب أبى حنيفة ومن قرأ بقراءة حمزة إلى يومك هذا منهم من هو أعلم وأورع من هذا المتمنى وأتقى لله. وروى عن زكريا قال سمعت محمد بن الوليد البسرى قال: كنت قد تحفظت قول أبى حنيفة، فبينما أنا يوما عند أبى عاصم فدرست عليه شيئا من مسائل أبى حنيفة فقال ما أحسن حفظك ولكن ما دعاك إلى أن تحفظ شيئا تحتاج أن تتوب إلى الله منه؟ أتراه يريد من العلم بكتاب الله وسنة رسوله وأتباع الصحابة، وإذا تاب عن هذا فبأى شيء كان يريده يتعلق أم تراه لم يقف على الجامع الكبير وحده حتى يعلمه ما يتوب عنه. وأنا ذاكرا لك مسألة من مسائله لتعلم ما يطرد عليه. قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق إن كلمت زيدا. فدخلت الدار، وقع عليها تطليقتان، وإن كلمت زيدا وقع عليها

стр. 78

تطليقة. قال الله : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ فقد جمع الناس على أن الختم للقلوب، والأسماع، والغشاوة للبصر. فأبو حنيفة استخرج من هذه الآية هذه المسألة فجعل قوله إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق، ثم ابتدأ وطالق إن كلمت زيدا. فجاء بها على نسق الآية. فانظر كم وقف على هذه الآية من إنسان ولم يستخرج منها شيئا. وقد بينت في أول كتابي من جنس هذه المسألة ما يستدل به على أن من تاب عن مثل هذا كفر. وروى عن ابن رزق إلى مصعب بن خارج بن مصعب قال سمعت حمادا يقول- في مسجد الجامع- وما علم أبى حنيفة؟ علمه أحدث من خضاب لحيتي هذه. وروى عن أبى بكر أحمد بن على بن عبد الله الزجاجي إلى سفيان بن سعيد وشريك والحسن بن صالح قالوا: أدركنا أبا حنيفة وما يعرف بشيء من الفقه، ما نعرفه إلا بالخصومات. لا يشك أحد أن كل إنسان محدث وفي حال صغره لا يوصف بالعلم، ومعرفته بالعلم محدثة ولا يكون العلم قديما إلا لله تعالى وحده. وأنه لم يؤت العلم وهو صبي سوى يحيى. ومع هذا أفعلمه كان محدثا، ومن ادعى العلم القديم فقد كفر. فهذا شكر أبا حنيفة وهو يظن أنه يثلبه. وروى عن الحسن بن أبى طالب إلى المزني قال: سمعت الشافعي يقول: ناظر أبو حنيفة رجلا فكان يرفع صوته في مناظرته إياه، فوقف عليه رجل فقال الرجل لأبى حنيفة: أخطأت. فقال أبو حنيفة للرجل تعرف المسألة ما هي؟ قال لا، قال فكيف تعرف أنى أخطأت؟ قال أعرفك إذا كان لك الحجة ترفق بصاحبك، وإذا كانت عليك تشغب وتجلب. إذا كان الغائب لا يعرف المسألة فقوله وتركه سواء لأنه معترف بالجهل، وأجهل منه من يعتقد أن هذا مما يطعن به على الأئمة. وروى عن البرقاني إلى أبى العباس السراج قال سمعت أبا قدامة يقول سمعت سلمة ابن سليمان قال: قال رجل لابن المبارك: كان أبو حنيفة مجتهدا؟ قال: ما كان بخليق لذاك، كان يصبح نشيطا في الخوض إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء فمتى كان مجتهدا؟ قال وسمعت أبا قدامة يقول سمعت سلمة بن سليمان يقول قال رجل لابن المبارك: أكان أبو حنيفة عالما؟

стр. 79

قال لا، ما كان بخليق لذاك، ترك عطاء وأقبل على أبى العطوف. هذا لا يجاب عن مثله، لأنه قال من عنده شيئا خالفه الناس كلهم. لأن الناس رجلان، إما صاحب لأبى حنيفة وإما مخالف له، فأما أصحابه فلا يشك أحد أنهم يكذبون من قال هذا، وأما مخالفوه فهم أصحاب مالك والشافعي. فأما مالك فقد. قال: رأيت رجلا لو أراد أن يقيم الدليل على أن هذه السارية من ذهب لأقامه. والشافعي يقول: الناس عيال في الفقه على أبى حنيفة. وقد ذكرت عن الخطيب أنه قال في تاريخه: إن ابن المبارك لم يزل على مذهب أبى حنيفة إلى أن مات. فكيف يقول إنسان مثل هذا ويعمل بقوله؟. وروى عن الأزهرى إلى إبراهيم بن راشد الآدمي قال سمعت أبا ربيعة محمد بن عوف يقول سمعت حماد بن سلمة يكنى أبا حنيفة أبا جيفة. وروى عن ابن رزق إلى حنبل بن إسحاق قال سمعت الحميدي يقول لأبى حنيفة- إذا كناه- أبو جيفة، لا يكنى عن ذاك، ويطهره في المسجد الحرام في حلقته والناس حوله. أما هذا القول فيريد مثله أن يجيبه، لأن مثل هذا لا يذكره إلا من لا خلاق له. قال الله تعالى ﴿وَلَا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ فمن خالف القرآن فقد كفر، وهذا قد خالف القرآن أفترى قوله يصير حجة؟ فلو أن الخطيب يريد الإنصاف لكان يجعل الذم لحماد بن سلمة والحميدي لأنهما خالفا الكتاب العزيز وعملا بضد ما جاء فيه. وروى عن العتيقى إلى زكريا بن يحيى الحلواني قال: سمعت محمد بن بشار العبدى بندارا يقول: قلما كان عبد الرحمن بن مهدى يذكر أبا حنيفة إلا قال: كان بينه وبين الحق حجاب. وروى عن ابن الفضل إلى يعقوب عن محمد بن بشار قال سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول: بين أبى حنيفة وبين الحق حجاب. وروى عن البرقائى إلى محمد بن على الحافظ قال قيل لبندار- وأنا أسمع- أسمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول كان بين أبى حنيفة وبين الحق حجاب؟ فقال: نعم قد قاله لي. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ وقال النبي ﷺ : «لتختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض

стр. 80

فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من ذلك فإنما أقطع له قطعة من النار» فقد ثبت أن النبي ﷺ لم يعلم الغيب، فكيف عرف عبد الرحمن بن مهدى أن بين أبى حنيفة وبين الحق حجابا؟. وروى عن ابن رزق إلى الوليد بن عتبة قال سمعت مؤمل بن إسماعيل. قال: قال عمر بن قيس: من أراد الحق فليأت الكوفة فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه فليخالفهم. وروى عن بشرى بن عبد الله الرومي إلى أبى الجواب قال: قال لي عمار بن زريق: خالف أبا حنيفة فإنك تصيب. وقال بشرى: فإنك إذا خالفته أصبت. وروى عن ابن الفضل إلى عمار بن زريق قال إذا سألت عن شيء فلم يكن عندك شيء فانظر ما قال أبو حنيفة فخالفه فإنك تصيب. وروى عن البرقاني إلى الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار: إذا شككت في شيء نظرت إلى ما قال أبو حنيفة فخالفته كان هو الحق- أو قال البركة- في خلافه. قال حنيفة مخالفته كان هو الحق- أو قال البركة- في خلافه. قال أبو حنيفة وأصحابه: إن الله تعالى واحد أحد لا شريك له ولا شيء يشبهه قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد. وإن النبي ﷺ حق، والساعة حق، وإن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود بلا كيفية شبها، وإن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا، وإن الله يبعث من في القبور. أفترى من خالفهم في هذا يكون حاله؟. وروى عن عبد الله بن يحيى السكرى إلى سفيان بن عيينة قال: قال مساور الوراق: إذا ما أهل رأى حاورونا … بآبدة من الفتوى طريفه أتيناهم بمقياس صحيح … صليب من طراز أبى حنيفة إذا سمع الفقيه بها وعاها … وأثبتها بحبر في صحيفة فأجابه بعضهم يقول:

стр. 81

إذا ذو الرأى خاصم عن قياس … وجاء ببدعة هنة سخيفة أتيناه بقول الله فيها … وآيات محبرة شريفه فكم من فرج محصنة عفيف … أحل حرامها بأبى حنيفة فكان أبو حنيفة إذا رأى مساور الوراق أوسع له وقال هاهنا، هاهنا. وروى عن ابن رزق إلى أبى صالح هدبة بن عبد الوهاب المروزي قال: قدم علينا شقيق البلخي فجعل يصرى أبا حنيفة، فقيل له لا تطر أبا حنيفة بمرو فإنهم لا يحتملونك. قال شقيق أليس قد قال مساور الوراق: إذا ما الناس يوما قايسونا … بآبدة من الفتوى طريفه أتيناهم بمقياس تليد … طريف من طراز أبى حنيفة فقالوا له أما سمعت ما أجابوه؟ قال أجل. إذا ذو الرأى خاصم في قياس … وجاء ببدعة هنة سخيفة أتيناهم بقول الله فيها … وآثار مبرزة شريفه فكم من فرج محصنة عفيف … أحل حرامها بأبى حنيفة وروى عن ابن رزق إلى عبد الكريم قال سمعت يحيى بن أيوب قال حدثنا صاحب لنا ثقة. قال: كنت جالسا عند أبى بكر بن عياش فجاء إسماعيل بن حماد بن أبى حنيفة فسلم وجلس، فقال أبو بكر من هذا؟ قال أنا اسماعيل يا أبا بكر. قال فضرب أبو بكر على ركبة إسماعيل ثم قال: كم من فرج حرام أباحه جدك. لا شك في أنه كان حراما فأحله بما أحله به الله ورسوله، وهذه كتب أبى حنيفة غير مدحوضة ولا مستورة. وقد ذكرت غير مرة أصول مذهب أبى حنيفة وأنها من كتاب الله، فإن لم يجد فمن سنة رسول الله، فإن اختلفت الأحاديث رجح ما رجحته الصحابة، فإن لم يجد اجتهد في التوفيق بينهما ما أمكن. فإن لم يمكن واجتهد برأيه ولم يخرج عن قول النبي ﷺ وأصحابه وهذا مذكور في عدة مواضع، أفترى الخطيب يعتقد أن الفرج يكون حلالا من أول ما يخلق؟ ومن لا يعرف مثل هذا كيف يجوز له الحديث. وإنما الفرج يكون حراما فيحل، ويكون حلالا فيحرم. وهذا ما جاء في الكتاب والسنة. وحدث عن أبى عبد الله محمد بن عبد الواحد إلى أبى معمر قال: قال أبو بكر بن

стр. 82

عياش: يقولون إن أبا حنيفة ضرب على القضاء، إنما ضرب على أن يكون عريفا على طرز حاكة الخزازين. هذا إن صح عن ابن عياش فإنما ذكره ابن عياش وحده والناس على خلافه ولكني أجيبه، وإن كان ضرب أيضا على أن يكون عريفا فلم يفعل فهو كذلك أيضا لأنه تجنب الولاية، فسواء القضاء وغيره لأن النبي ﷺ يقول «العرفاء في النار» والدليل على خلاف قوله، أنهم استعملوا أبا يوسف على القضاء وهو تلميذ أبى حنيفة، فلو فعل أبو حنيفة [ورضى أن] يلي لما ولوا غلامه. وروى عن ابن رزق إلى أسود بن سالم يقول قال أبو بكر بن عياش سود الله وجه أبى حنيفة. هذا من الجميع خطأ، رجل دعا على أبى حنيفة أى شيء كان في هذا حتى ينقله، فإن مثل هذا لا ينبغي أن يذكره أحد لأنه ما أتى عن أبى حنيفة بشيء ينكره عالم، وإنما سفه فنقل الخطيب سفهه فلو أن كل من دعى عليه كان منكوتا لما سلم أحد من الناس كافة. وروى عن الحسن بن على بن عبد الله المقرئ إلى محمد بن حفص الدوري قال سمعت أبا عبيد يقول: كنت جالسا مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة، فتذكروا مسألة فقلت إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت، فقال لي الأسود: تذكر أبا حنيفة في المسجد؟ فلم يكلمني حتى مات. الجواب عن هذا كما تقدم، وأيضا فإن ذكر الكفار في القرآن، وهو كلام الله الذي لا تصح الصلاة إلا به، وأى شيء كان في هذا مما ينقل ويجعل قدحا في أبى حنيفة؟ وأيضا قد فعل محرما لأن النبي ﷺ يقول: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» فهذا الخبر لم يفت الخطيب، وإنما قصد رده والطعن فيه لا في أبى حنيفة. وروى عن محمد بن أحمد بن يعقوب إلى محمد بن عبد الوهاب يقول قلت لعلى ابن عثام: أبو حنيفة حجة؟ فقال: لا للدين ولا للدنيا. قد أجمع الناس على خلاف قول هذا القائل، وليس ابن عثام بأعلم من جميع أصحاب أبى حنيفة ولا مثل واحد منهم، فكيف ينقل عنه مثل هذا؟ وقد تقدم الجواب عنه مع غيره.

стр. 83

وروى عن أبى حازم إلى محمد بن جعفر الأسامى قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق بالرجعة، وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ فخرج أبو حنيفة يوما إلى السوق فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوب يريد بيعه، فقال له أبو حنيفة أتبيع هذا الثوب إلى رجوع على؟ فقال: إن أعطيتنى كفيلا أنك لا تمسخ قردا بعتك. فبهت أبو حنيفة. وقال: لما مات جعفر بن محمد التقى هو وأبو حنيفة فقال له أبو حنيفة أما إمامك فقد مات: فقال له شيطان الطاق: أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قد تقدم القول فيما مضى أن أبا حنيفة وأصحابه على غير هذا المذهب فكيف كان يليق بالخطيب أن يقول هذا المحفوظ ويحيل على رجل يخالفه أصحاب أبى حنيفة كلهم، ثم إن شيطان الطاق كان رافضيا وقد كان يسب كبار الصحابة، فلأبى حنيفة ﵁ أسوة بأبى بكر وعمر ﵄، والحمد لله الذي بين لك صحة ما ذكرت من أن الخطيب لم يكن غرضه الرد على أبى حنيفة، وإنما أراد الرد على النبي عليه الصلاة وأفضل السلام وأصحابه، فلذلك رجح قول من يبغض الصحابة ويسبهم. وحدث عن أبى نعيم الحافظ إلى جبر- وهو محمد بن عصام بن يزيد الأصبهانى- يقول سمعت سفيان الثوري يقول: أبو حنيفة ضال مضل. قد تقدم الجواب عن مثل هذا في أمر الحميدي وعبد الرحمن، وكذلك سفيان إن كان يدعى علم الغيب، وإلا فمن أين له هذا؟ فإن كان من قول أبى حنيفة كان بينه، فإن أقوال أبى حنيفة أظهر من الشمس. وروى عن إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب إلى رجاء السندي قال: قال عبد الله بن إدريس: أما أبو حنيفة فضال مضل، وأما أبو يوسف ففاسق من الفساق. قد تقدم الجواب عن هذا في الخبر الذي قبله. وروى عن أيوب إلى يزيد بن هارون يقول ما رأيت قوما أشبه بالنصارى من أصحاب أبى حنيفة. أترى النصارى على غير شكل بنى آدم وإلا فأى شيء شبههم بالنصارى. ومثل هذا لا يذكر فإن الله تعالى خالق كل شيء ومع هذا فلا يقال خالقك خالق الكلب. ولا شك أن الجميع خلقة الله، ومن ينكر هذا لا يكون مسلما.

стр. 84

وروى عن أحمد بن محمد العتيقى والحسن بن جعفر السلماسي والحسن بن على الجوهري إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرت في كتب لأصحاب أبى حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة. قال أبو محمد: لأن الأصل كان خطأ فصارت الفروع ماضية على الخطإ. وقال ابن أبى حاتم حدثني الربيع بن سليمان المرادي قال: سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. وقال أيضا حدثنا هارون بن سعيد الأيلى قال: سمعت الشافعي يقول: ما أعلم أحدا وضع الكتب أدل على عوار قوله من أبى حنيفة. أما أصول أبى حنيفة ﵁ فمعروفة لا يقدر أحد أن يطعن فيها، فإنه إذا بنى أصلا على باب من الأبواب لم يخالفه أبدا. مثال ذلك أن الشك لا يزيل اليقين عند أبى حنيفة ﵀، مثاله إذا أكل الرجل في شهر رمضان وهو يرى أنه لم يصبح وكان قد أصبح فعليه القضاء ولا كفارة عليه، ولو أكل وهو يرى أنه قد دخل الليل ثم تبين أنه نهار فعليه القضاء والكفارة، لأنه ممسك بالأصل. ومثاله إن العصير لا يصير خمرا يغلى ويقذف بالزبد ويشتد ويسكر فإذا حمض الخمر أدنى الحمض لا يصير خلا حتى يشتد حمضه فيتخلل بيقين ومثاله رجل توضأ ثم شك في الحدث فهو على وضوئه، ورجل شك في الوضوء يجب عليه الوضوء لأنه على الأصل، هذا في الأصول التي بنى عليها. أما على القول فالشافعي وأصحابه منذ كانوا وإلى هذه السنة التي تكلمنا فيها- وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة لهجرة النبي ﷺ لا يقدرون على بيانما نقل عنه الخطيب. وجوابي للخطيب، وإنما عندي أن الشافعي نقل عنه من حمد أبى حنيفة ما لا ينقل إلا عمن يعرف الفضل ويعرف به. وروى عن ابن رزق إلى أحمد بن سنان بن أسد القطان قال سمعت الشافعي يقول: ما شبهت رأى أبى حنيفة إلا بخيط السحارة يمد كذا فيجيء أخضر، ويمد كذا فيجيء أصفر. هذا القول لا يحسن أن ينقل عن الشافعي لأنه لا ينقله عنه إلا من يريد الطعن والتشنيع عليه، لأن مثل هذا المثل لا يتمثل به إلا الصبيان. وحدث عن البرقاني إلى المروذى أبو بكر أحمد بن الحجاج قال سألت أبا عبد الله- وهو أحمد بن حنبل- عن أبى حنيفة وعمرو بن عبيد. قال: أبو حنيفة أشد على

стр. 85

المسلمين من عمرو بن عبيد لأن له أصحابا. إن صح هذا الخبر وكان الأمر على ما ذكر فكلهم له الأصحاب، فأما أصحاب أبى حنيفة فليس فيهم من يقول: إن الله شبح جالس على العرش والعرش لا يسعه. أترى من يقول هذا القول لا يعرف أن من خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق له ما يسعه؟. وروى عن طلحة بن على الكتاني إلى الأثرم قال رأيت أبا عبد الله مرارا يعيب أبا حنيفة ومذهبه، ويحكى الشيء من قوله على الإنكار والتعجب. أنا أصدق هذا لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم «الجامع الكبير»، ولا عرف ما فيه، ومتى وقف عليه فلا شك أنه ينكره فخل عنك باقى كتب أصحاب أبى حنيفة. وروى عن بشرى بن عبد الله الرومي إلى أبى بكر الأثرم قال أخبرنا أبو عبد الله بباب في العقيقة فيه عن النبي ﷺ أحاديث مسندة، وعن أصحابه، وعن التابعين، ثم قال: وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية. ويتبسم كالمتعجب. أما هذا القول فلا ينكره على أبى حنيفة إلا من لا يعرف أمور الشرع، فإن العقيقة والطهور وغيرهما كان من شريعة إبراهيم ثم استمر ذلك في الجاهلية حتى جاء النبي ﷺ وأمر به، وبهذا جاء الكتاب العزيز ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعنى التوراة. ونحن نعمل بذلك. وقد جاء شيء من عمل الجاهلية لم يكن مذهبا لإبراهيم ﵇ وعمل به النبي ﷺ وهو البدنة. وروى عن محمد بن عبد الملك القرشي إلى محمد بن يوسف البيكندى يقول: قيل لأحمد بن حنبل قول أبى حنيفة الطلاق قبل النكاح؟ فقال مسكين أبو حنيفة كأنه لم يكن من العراق، كأنه لم يكن من العلم بشيء، قد جاء فيه عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين، مثل سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وعكرمة. كيف يجترئ أن يقول تطلق؟. هذا خلاف مذهب أبى حنيفة، لأن مذهبه أنه يقول لا طلاق إلا في ملك أو مضافا إلى ملك، أو في علقة من علائق الملك. وجميع أصحاب أبى حنيفة على ما ذكرت. وأما من نقل عن رجل فقها لم يكن من مذهبه ويقول إنه مذهبه، ما نعلم كل أحد أنه يتقول عليه ومن علم أنه كاذب كيف يصدق قوله في الأخبار عنه أو عن غيره؟.

стр. 86

وروى عن ابن رزق إلى مهنئ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما قول أبى حنيفة والبعر عندي إلا سواء. لا يشك أحد أن أحمد بن حنبل بعد مذهب أبى حنيفة، والمسائل التي هي [من] قول أبى حنيفة وعمل بها أحمد كيف حكمه فيها؟ هل هي داخلة في الجملة أو خارجة عنها؟ فإن قال داخلة فيها فقد خالف قوله بلا شك وصار بهذا كافرا لأنه يرى الخطأ ويتبعه، وإن قال لا فقد خالف قوله وناقض الحكم، ومثل هذا لا يصح عن أحمد بن حنبل لأن أدنى درجات أحمد أن يعرف ما ذكرت، فإن أحمد ولد بعد [وفاة] أبى حنيفة بأربع عشرة سنة. وروى عن البرقاني إلى محمد بن روح قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو أن رجلا ولى القضاء ثم حكم برأى أبى حنيفة، ثم سألت عنه لرأيت أن أرد أحكامه. إن كان أحمد يرى رد أحكام الحكام فربما، وإن كان غير ذلك فلا يجوز له. لأن الصحابة كلهم على خلاف هذا، فإن عليا ﵁ ولى شريحا وكان يرى خلاف رأى شريح، وكذلك أكثر الخلفاء الراشدين ولوا قضاة يرون خلاف رأيهم وإن كان أحمد يحالف جميع الصحابة فهذا عجيب. وروى عن الحسن بن أبى طالب إلى خالد بن يزيد بن أبى مالك أنه قال: أحل أبو حنيفة الزنا، وأحل الربا، وأهدر الدماء. فسأله رجل ما تفسير هذا؟ فقال: أما تحليل الربا فقال درهم وجوزة بدرهمين نسيئة لا بأس به، وأما الدماء فقال لو أن رجلا ضرب رجلا بحجر عظيم فقتله كان على العاقلةديته ثم تكلم في شيء من النحو فلم يحسنه، ثم قال لو ضربه بأبا قبيس كان على العاقلة وأما تحليل الزنا فقال لو أن رجلا وامرأة أصيبا في بيت وهما معروفا الأبوين فقالت المرأة هو زوجي، وقال هو هي امرأتى، لم أعرض لهما. قال أبو الحسن النجاد: في هذا إبطال الشرائع والأحكام. أما جوزة ودرهم بدرهمين نسيئة فإن هذا لم يرو عن أبى حنيفة ولا يصح في مذهبه النسيئة خاصة، بل الذي روى عن أبى حنيفة إذا اشترى سيفا وعليه حلية فضة لا يخلص إلا تضرب بدراهم نقدا، فإن كان الثمن بقدر الحليلة أو أقل لم يصح البيع، وإن كان الثمن أكثر من الحلية صح. لأن الحلية بوزنها والفضل في مقابلة السيف، وهذا إذا كان يدا بيد. قال ولو باع إبريق فضة وزنه عشرة ذراهم بعشرين درهما

стр. 87

لصح يدا بيد. فإن أعطاه غيره دراهم وافترقا صح في النصف وبطل في النصف، وهذا خلاف ما حكاه الخطيب. وأما الدماء فإن النبي ﷺ لم يرو عنه القصاص في الحجر، وقد قال ﷺ : «ادرءوا الحدود بالشبهات» وقال «ألا إن قتيل شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل» ولم يفرق النبي ﷺ بين العصا الكبيرة والصغيرة، ولا يستحق كل واحدة اسما غير العصا. ولم يوجب إلا الدية بهذا. وأما أبا قبيس فقد تقدم الجواب عنه. وأما الزنا فإذا جاء واحد إلى كل واحد من امرأة ورجل فقالا نحن زوجان بأى طريق يفرق بينهما أو يعترض عليهما، لأن كل واحد منهما يدعى أمرا حلالا. ولو فتح هذا الباب لكان الإنسان كل يوم، بل في كل ساعة يشهد على نفسه وعلى زوجه أنهما زوجان، وهذا لم يقل به أحد من الأئمة وفيه من الحرج ما لا يخفى على أحد. وروى عن إبراهيم بن عمر البرمكي إلى محمد بن أيوب بن المعافى البزاز قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغ الماء أحسن منها، وعرضت يوما شيئا من مسائله على أحمد بن حنبل فجعل يتعجب منها، ثم قال كأنه هو يبتدئ الإسلام. أما جواب أحمد بن حنبل عن مثل هذا فقد تقدم، ولو كان الأمر كما ذكر لبين المسائل حتى يعرف السامع أن الحق مع من وضعها أو مع من عابها. وروى عن البرقاني إلى عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني قال سمعت القاسم ابن عبد الملك أبا عثمان يقول سمعت أبا مسهر يقول: كانت الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر، وأشار إلى منبر دمشق. قال الفرهياني: وهو أبو حنيفة. أترى بأى شيء استدل الفرهياني على أن المراد بأبى فلان أبو حنيفة، حتى كأن الكنى والكنايات اختصت به دون غيره. ومع هذا فإن أبا حنيفة لم يلعن على منبر دمشق، وأما الذي ذكرة فلم يتعرض إليه إلا من وجب قتاله، وإذا كان لأبى حنيفة أسوة بمن ذكره فما نريد شرفا أكثر من ذلك. وروى عن الخلال إلى العباس بن عبد الله الترقفى قال سمعت الفريابي يقول: كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق، فقال رجل رأيت فيما يرى النائم كان النبي ﷺ قد دخل من باب الشرقي يعنى باب المسجد، ومعه أبو بكر وعمر- وذكر غير واحد من الصحابة- وفي القوم رجل وسخ الثياب، رث الهيئة فقال تدرى من ذا؟

стр. 88

قلت لا، قال هذا أبو حنيفة، هذا ممن أعين بعقله على الفجور. فقال له سعيد: أنا أشهد أنك صادق لولا أنك رأيت هذا، لم تكن تحسن تقول هذا. ليت شعري أى شيء في هذا القول مما يصعب على أبله الناس إذا أراد الاختلاف أن يقوله، ثم ومن لا يحسن أن يقول مثل هذا في اليقظة كيف يحتج بقوله في المنام؟ وليت شعري من كان هذا الرجل الرائي للمنام الذي قيست رؤياه برؤيا يوسف لم يتحمل على ظاهرها لأنها أولت لأنه لم يسجد له الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر في اليقظة كما رآها ساجدة له في المنام، ومه هذا فيكفى أبا حنيفة شرفا دخوله المسجد مع النبي ﷺ وأصحابه مقارنا لأبى بكر وعمر، ولو كان الأمر كما ذكرنا لما صحب النبي ﷺ إلى المسجد، هذا إن صدق افتراؤهما لوجدنا به بهتا وهما مستيقظان أكان أحد يصدقهما فكيف يصدقهما في المنام؟ وقد أجمع الناس على أن الرؤيا لا تفسر على ظاهرها، ولو كان الأمر كذلك لما احتيج إلى المفسرين لأن نص القرآن العزيز حكاية عن يوسف لما قال له الرائي ﴿إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ إنه يصلب فتأكل الطير من رأسه، وأين الحمل من الصلب، وأين الخبز من رأسه؟ وفي قول الملك ﴿إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ ثم قال ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ وأين البقرة من السنة، فقد أول المعبرون البكاء بالفرح، والموت بطول العمر، وأشياء كثيرة بما يضادها. فعلى هذا يكون وسخ أثواب أبى حنيفة ورثاثة هيئته نظافة وطهارة. وحدث عن أبى الفتح محمد بن المظفر بن إبراهيم الخياط إلى على بن حرب قال سمعت محمد بن عامر الطائي- وكان خيرا- يقول: رأيت في المنام كان الناس مجتمعون على درج مسجد دمشق، إذ خرج شيخ ملبب بشيخ، فقال: أيها الناس إن هذا قد بدل دين محمد ﷺ . فقلت لرجل إلى جانبي من هذان الشيخان؟ فقال: هذا أبو بكر الصديق ملبب بأبى حنيفة. أما حديثهم عن أبى حنيفة في المنام فلا حجة فيه، لا سيما ممن لو طعن فيه في اليقظة لم يقدح ذلك فيه، لأنهم ليسوا من أهل العلم. والطعن في مثله وليس في مثل هذا فائدة إلا ما ذكرناه عن الخطيب من قصد التشنيع والنكير والتعصب وقد تقدم الكلام عن ذلك.

стр. 89

وروى عن القاضي أبى العلاء محمد بن على الواسطي إلى طريف بن عبد الله قال: سمعت ابن أبى شيبة- وذكر أبا حنيفة- فقال: أراه كان يهوديا. قد أجمع الناس على أنه من كفر مسلما فهو كافر، ولا شبهة عند أئمة الأمصار أن أبا حنيفة مسلم، ومن كفر مسلما فقد كفر. لا يعد بقوله، ولقد كان هذا القول بالقدح في ابن أبى شيبة أولى منه في أبى حنيفة لولا حيف الخطيب. وحدث عن ابن رزق إلى محمد بن المهلب السرخسي عن على بن جرير. قال: كنت في الكوفة فقدمت البصرة وبها ابن المبارك، فقال لي كيف تركت الناس؟ قال قلت تركت قوما بالكوفة يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله ﷺ . قال قلت اتخذوك في الكفر إماما؟ قال فبكى حتى ابتلت لحيته. هذا كلام غير مفهوم فيجاب عنه، ولو أراد قائله أن يقول ما يسمع الجواب عنه لتكلم بما يفهم، ومع هذا قد تقدم القول عن ابن المبارك وأنه ما زال على مذهب أبى حنيفة إلى أن مات برواية الخطيب عنه. وروى عن محمد بن على المقرئ إلى على بن جرير الأبيوردى قال قدمت على ابن المبارك فقال له رجل: إن رجلين تماريا عندنا في مسألة فقال أحدهما قال أبو حنيفة. وقال الآخر قال رسول الله ﷺ فقال: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء. فقال ابن المبارك: أعد على، فأعاد عليه فقال: كفر كفر. قلت بك كفروا. وبك اتخذوا الكفر إماما. قال ولم؟ قلت بروايتك عن أبى حنيفة. قال أستغفر الله من رواياتي عن أبى حنيفة. أول ما نقول إن هذا القول من ذلك الرجل لا يتعلق بأبى حنيفة، فيكون قدحا فيه، ثم نقول كيف يتصور أن يستغفر الله من رواياته عن أبى حنيفة رجل لم يزل على مذهب أبى حنيفة إلى أن مات. وحدث عن الحسن بن أبى طالب إلى الحميدي قال سمعت ابن المبارك يقول: صليت وراء أبى حنيفة صلاة وفي نفسي منها شيء. وقال وسمعت ابن المبارك يقول: كتبت عن أبى حنيفة أربعمائة حديث إذا رجعت إلى العراق إن شاء الله محوتها. أما قوله إن في نفسه شيئا من تلك الصلاة فلا يعلم الغيب إلا الله، ما يدرى أى شيء هو الذي كان في نفسه، وأما الأحاديث التي رواها عن أبى كانت من أقوال

стр. 90

أبى حنيفة فينبغي أن يبينها لنجيب عما أنكره، وإن لم تكن من أقوال أبى حنيفة فليس الطعن في ذلك على أبى حنيفة. وحدث عن إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب إلى إبراهيم بن شماس يقول: كنت مع ابن المبارك بالثغر فقال: إن رجعت من هذه لأخرجن أبا حنيفة من كتبي. وروى عن العتيقى إلى إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن المبارك يقول: اضربوا على حديث أبى حنيفة. وروى عن عبيد الله بن عمر الواعظ إلى الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبى حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة. قال الخطيب كذا رواه لنا وأظنه عن عبد الله بن أحمد عن أبى بكر الأعين نفسه والله أعلم. الجواب عن هذه الحكايات الثلاث: إن قول ابن المبارك لا يعتد به في مثل أبى حنيفة لأن أبا حنيفة كان مجتهدا وابن المبارك من كوادن المتفقه، ثم قد تقدم القول أن ابن المبارك مات وهو على مذهب أبى حنيفة. ثم إن الخطيب بحمد الله قد شك في رواة الحكاية الثالثة الذين جعلهم ثبتا. وروى عن محمد بن أحمد بن يعقوب إلى محمد بن على بن حسن بن شقيق يقول سمعت أبى يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لحديث واحد من حديث الزهري أحب إلى من جميع كلام أبى حنيفة. إن كان الحديث الذي يحدثه الزهري عن النبي ﷺ فكل المسلمين يقولون هذا ويعتقدونه، بل يعتقدون أن لفظة واحدة من كلام النبي ﷺ خير من كل مل تكلم به الخلق، إلا أن يظن أن في المسلمين من لا يعتقد هذا فمكافأته عمن يظن به ذلك على الله، وإن كان الحديث من كلام الزهري فما اعتد أحد بكلام الزهري ولا عمل به، ولا نعرف مذهبا يقال له مذهب الزهري. وروى عن ابن دوما إلى على بن إسحاق الترمذي قال: قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث. هذا بالمدح أشبه منه بالذم فإن الناس قد قالوا درة يتيمة إذا كانت معدومة المثل، وهذا اللفظ متداول للمدح لا نعلم أحدا قال بخلاف، وقيل يتيم دهره، وفريد عصره وإنما فهم الخطيب قصر عن إدراك ما لا يجهله عوام الناس. وحدث عن البرقاني إلى عبد الله بن أحمد بن شبويه قال سمعت أبا وهب يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث. الجواب عن هذا كالجواب عما تقدمه.

стр. 91

وحدث عن على بن محمد بن عبد الله المعدل إلى أبى قطن قال حدثنا أبو حنيفة- وكان زمنا في الحديث- الزمانة لا نعرفها إلا في الأعضاء وأما العلم فلا يوصف من يتعاناه إلا بالجهل أو المعرفة، ولا يشك أحد في فقه أبى حنيفة. وأما أبو قطن فلا يعرف له قول يرجع إليه. وروى عن محمد بن الحسين الأزرق إلى أبى غسان قال ذكرت للحسن بن صالح رجلا قد كان جالس أبا حنيفة من النخع. فقال لا: لو كان أخذ من فقه النخع كان خيرا له. انظروا عمن تأخذون النخع إنما هي قبيلة من اليمن وليست بفقيه، فانظروا إلى رجل لا يعرف النخع هل هي قبيلة أو فقيه، ثم يأخذ بالأخذ عنها، ثم يحتج بقوله ويجعل ثبتا يقدح به في الأئمة. مع إن هذا الحسن بن صالح لم يكن من الفقهاء فيعرف الفقه، إنما كان يحمل كتب الحديث. وروى عن عبد الله بن يحيى السكرى والحسن بن أبى بكر ومحمد بن عمر النرسي إلى مؤمل بن إسماعيل قال سألت سفيان بن عينية قلت يا أبا محمد تحفظ عن أبى حنيفة شيئا؟ قال لا، ولا نعمة عين. ليس يضر أبا حنيفة لا يقدح فيه كون سفيان لا يحفظ عنه، فقد حفظ عنه من هو خير من سفيان مع أن الخطيب ذكر في تاريخه أن سفيان روى عنه، فلا ندري على أى قولي الخطيب نعتمد. على أن الذين حفظوا عن أبى حنيفة اعتد بأقوالهم الناس واعتمدوا على مذاهبهم، وسفيان بحمد الله لم يعتمد أحد على مذهبه. وروى عن البرمكي إلى ابن نمير قال: أدركت الناس وما يكتبون الحديث عن أبى حنيفة فكيف الرأى؟ هذا ابن نمير لم يعرف أنه من الفقهاء أصلا ولا من المحدثين المعتبرين المعتد بأقوالهم، ومه هذا فلو لم يكتب الرأى عن أبى حنيفة ويحفظ ويتداول كيف كان يبقى مذهبه إلى زماننا بعد موته إلى تأليف هذا الكتاب أربعمائة وإحدى وسبعون سنة. ويكفى هذا في الدلالة على بطلان قول ابن نمير. وروى عن العتيقى إلى حماد بن زيد قال سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: ومن أبو حنيفة؟ ومن يأخذ عن أبى حنيفة؟ وما أبو حنيفة: أما قوله من أبو حنيفة فهو النعمان بن ثابت وأما قوله من يأخذ عنه فمن وفقه الله للتفقه في دينه، وقد أخذ عنه أهل اليمن أجمع، وأهل الهند والسند، وأهل غزنة، وجبال الغور، وأهل ما وراء النهر كلهم، وأهل خراسان- إلا بعض أهل نيسابور وما حولها فإنهم شافعية-

стр. 92

وعامة أهل العراق، وبلد الروم بأسرهم، وأكثر أهل الشام، وفلسطين، ومصر، وما برح أصحاب أبى حنيفة قضاة الإسلام في دار السلام التي هي قبة الإسلام إلى هلم. وأما ما هو فإنسان شرفه الله بالعلم والعمل، فكان علمه وعمله لا يرجح أحدهما على الآخر، ولم يماثله أحد فيهما ولا قارنه. وأما علمه فباق إلى الآن لا يحتاج من عنده أدنى معرفة إلى طلب الدليل على عظمه، وأما علمه فمن جملته أنه أقام- على ما اشتهر عنه من الجم الغفير الموثوق برواياتهم- أربعين سنة يصوم النهار ويقوم الليل. لم يرو عنه أنه رؤى بالليل نائما. وكان يصلى الصبح في المسجد جماعة ثم يعطى ظهره المحراب ويقعد يطارح الناس الفقه ويتكلم في العلم إلى أن يؤذن للظهر، ثم يقوم فيركع ويصلى الظهر، فإذا فرغ من صلاته أعطى ظهره القبلة وفعل كذلك إلى العصر، ثم يصلى العصر، ويفعل كذلك إلى أن يؤذن المغرب، ثم يصلى المغرب ثم يفعل كذلك إلى أن يؤذن العشاء فيصليها ثميقوم إلى بيته فيفطر ثم يجدد وضوءه، ثم يعود إلى المسجد فيختم القرآن في ركعتين من العشاء إلى الفجر فكان هذا دأبه أربعين سنة. وكان في القرن الذين أثنى النبي ﵊ عليه بلا خلاف لأنه من القرن الثاني. ثم لم يكن من عامة الناس بل كان من خواصهم في أحكام القرآن والسنة والدين، وكان من خيار أهل عصره ومعلوم أن من كان في الدرجة الثانية وقد فاق أهلها فليس له منزلة إلا الدرجة الأولى. قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ فقد بين الله تعالى أن من أطاع الله ورسوله فقد لحق بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فحقيق أن يلحقه لكونه من صالحي أهل قرنه بالقرن الأول. وروى عن البرقاني إلى يحيى هو ابن سعيد القطان- وذكر عنده أبو حنيفة- قالوا كيف كان حديثه؟ قال: لم يكن بصاحب حديث. هذا لا يصح فإن الناس قد رووا عنه، ولولا الإطالة لذكرت كل من روى عنه لأن ذلك موجود في الكتب وقد ذكر الخطيب في التاريخ أنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة. وحدث عن الخلال إلى محمد بن حماد المقرئ قال: وسألت يحيى بن معين عن أبى حنيفة. فقال: وأيش كان عند أبى حنيفة من الحديث حتى تسأل عنه؟ كتب الحديث التي رويت عنه مشهورة لا يحتاج إلى ذكرها لاشتهارها.

стр. 93

وروى عن الحسن بن الحسن بن المنذر القاضي والحسن بن أبى بكر البزاز إلى إبراهيم بن إسحاق الحربي قال سمعت أحمد بن حنبل- وسئل عن مالك- فقال: حديث صحيح ورأى ضعيف وسئل عن الأوزاعى فقال: حديث ضعيف ورأى ضعيف. وسأل عن أبى حنيفة فقال: لا رأى ولا حديث. وسأل عن الشافعي فقال. حديث صحيح ورأى صحيح. هذا لا يكاد يصح عن أحمد بن حنبل، وإن صح فلا اعتداد به لأنه إذا جعل رأى الشافعي صحيحا وخالفه كفر. ولا شك أن أحمد يخالف الشافعي في كثير من الأقوال. وحدث عن أحمد بن على البادا إلى أبى بكر بن شاذان قال: قال لي أبو بكر بن أبى داود: جميع ما روى أبو حنيفة من الحديث مائة وخمسين حديثا أخطأ- أو قال غلط- في نصفها. هذا القائل كان ينبغي له أن يذكر الأحاديث ويبين ما أخطأ فيه بزعمه حتى نجيبه عن ذلك إن قدرنا. وروى عن ابن دوما إلى إبراهيم بن سعيد قال سمعت أبا أسامة يقول: مر رجل على رقبة فقال من أين أقبلت؟ قال من عند أبى حنيفة قال يمكنك من رأى ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة. وروى عن ابن رزق إلى الحميدي قال: قال سفيان: كنت جالسا عند رقبة ابن مصقلة فرأى جماعة منجفلين، فقال من أين؟ قالوا من عند أبى حنيفة، فقال رقبة يمكنهم من رأى ما مضغوا وينقلبون إلى أهليهم بغير ثقة. هذان القولان لم نفهم معناهما، ولو فهمنا ذلك لأجبناه. وأما قوله بغير ثقة فليس كذلك بإجماع من يعتد بقوله، ويرجع إلى مذهبه من الناس. وروى عن العتيقى إلى يحيى بن سعيد قال سمعت شعبة يقول: كف من تراب خير من أبى حنيفة. هذا القول مخالف لقول الله تعالى، وقول نبيه ﷺ ، فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ فممن؛ سؤال عمن يعقل، وليس من خلق الله من يعقل سوى الملائكة والجن والأنس، وأقل درجات أبى حنيفة أن يكون من بنى آدم لا ينازع في ذلك من له لب، بل كان من أكابر العلماء. والإجماع على أن العلماء أفضل من خواص الملائكة، وبهذه الآية استدل على ذلك لأنهم لو فضلوا على الجن لم يكن تفضيلا على الكثير، لأن تفضيل جنس من ثلاثة أجناس على جنس

стр. 94

منها لا يكون تفضيلا على الكثير إن لم يفضل على الجنسين الآخرين. فلزم أن يفضلوا على الملائكة والجن عملا بالنص. والنبي ﷺ يقول: «حرمة المؤمن عند الله خير مما طلعت عليه الشمس» وهذا قد جعل كفا من تراب خيرا من أبى حنيفة. فهذا الرد ليس لأبى حنيفة فيه حديث. وحدث عن البرمكي إلى عبد الرحمن بن مهدى قال سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فقال: أما من ثقة فلا، كان يرويه أبو حنيفة. قال أبوعبد الله: والحديث كان يرويه أبو حنيفة عن عاصم عن أبى رزين عن ابن عباس في المرأة إذا ارتدت، قال تحبس ولا تقتل. وحدث عن عبيد الله بن عمر الواعظ إلى منصور بن سلمة الخزاعي قال سمعت أبا بكر بن عياش- وذكر حديث عاصم- فقال: والله ما سمعه أبو حنيفة قط. هذا الحديث لم يذكره أبو حنيفة فيكون الجواب عنه، وإنما هكذا مذهبه أنها تحبس، والتعلق بنهي النبي ﷺ عن قتل النساء مطلقا بقوله «نهيت عن قتل النساء» وبقوله «ما بالها قتلت ولم تقاتل» والنهى إذا ورد مطلقا عمل به إلا أن يأتى أمر آخر يقيده فإنه يعمل به. فإنها إذا قتلت قتلت. ولكن بنص آخر وهو أنه القصاص. وحدث عن على بن أحمد الرزاز إلى مؤمل قال ذكروا أبا حنيفة عند سفيان الثوري فقال: غير ثقة ولا مأمون غير ثقة ولا مأمون. الجواب عن هذا يأتى عند ذكر الرواة. وحدث عن محمد بن عمر بن بكير المقرئ إلى المؤمل مثله. وحدث عن أبى سعيد بن حسنويه إلى الأشجعيّ مثله. هذه الأخبار إن صحت عن سفيان فقد رد عليه أكثر أهل الإسلام وعدوه مخطئا في ذلك. وحدث عن البرقاني إلى محمد بن كثير العبدى يقول: كنت عند سفيان الثوري فذكر حديثا، فقال رجل حدثني فلان بغير هذا فقال من هو؟ فقال أبو حنيفة. قال أحلتنى على غير مليء. وحدث عن محمد بن الحسين بن محمد المتوثى إلى محمد بن كثير العبدى إلى سفيان الثوري قال رأيته، وسأله رجل عن مسألة فأفتاه فيها، فقال له الرجل إن فيها أثرا، فقال عمن؟ فقال عن أبى حنيفة. قال أحلتنى على غير مليء. أما قوله غير

стр. 95

مليء فليس بصحيح فلا شك أن أبا حنيفة أول من وضع المسائل، وأقرأ الفقه. والنبي ﷺ يقول: «حسن السؤال نصف العلم» فقد حصل له نصف العلم بالسؤال، ثم أجاب عن المسائل فحصل له نصف العلم بالإجابة، ثم وافقه أناس وخالفه آخرون فخولف في ربع الأمر فحصل له ثلاثة أرباع العلم بغير منازعة، ومثل هذا لا يكون غير مليء. ثم وإن عنى بقوله غير مليء أن أبا حنيفة لا يكون مليئا بحديث واحد عن النبي ﷺ فهذا أيضا يقطع كل أحد ببطلانه، فإن الصبيان لا يقصرون عن مثل هذا فكيف أبو حنيفة؟ وحدث عن رضوان إلى أبى سلمة الفقيه يقول سمعت عبد الرزاق يقول ما كتبت عن أبى حنيفة إلا لأكثر به رجالي: وكان يروى عنه نيفا وعشرين حديثا. هذا قال لأكثر به رجالي. وهذا أكبر غرض المحدثين فإنهم لا يحفظون الأحاديث كما يحفظ الفقهاء المسائل والمقرءون القرآن،. ولا غرضهم إلا ما ذكر من جميع من يروون عنه، فأى شيء في هذا مما يقدح في أبى حنيفة؟ وإن كان هذا القدر قادحا فهو في جميع من يروى عنه من المشايخ. وحدث عن على بن أحمد بن عمر المقرئ إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبى عن الرجل يريد أن يسأل عن الشيء من أمر دينه مما يبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأى، ومن أصحاب الحديث لا يحفظون ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوى. فلمن يسأل؟ لأصحاب الرأى أو لهؤلاء؟ - أعنى أصحاب الحديث- على ما كان من قلة معرفتهم. قال: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأى، ضعيف الحديث خير من رأى أبى حنيفة. هذا لا يكاد يصح عن أحمد بن حنبل ﵁ لأنه من أصحاب الرأى، فكيف يفضل أصحاب الحديث مع وصفه لهم بقلة المعرفة والحفظ على أصحاب الرأى- وهو منهم- فإن ثبت عنه ذلك فهو إما مخالف لرأيه، أو لحديث معاذ: ومن رأى الحق في جهة واتبع غيرها كان مخطئا. وحدث عن العتيقى إلى عبد الله بن أحمد قال سمعت أبى يقول: حديث أبى حنيفة ضعيف، ورأيه ضعيف. وحدث عن العتيقى أيضا إلى أحمد بن الحسن الترمذي قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: كان أبو حنيفة يكذب لم يقل العتيقى- كان- أبو حنيفة ﵀ ما كان

стр. 96

يروى عن النبي ﷺ حديثا في الأحكام والدين ويخالفه، بل إن كان الحديث صحيحا عمل به، وإن كان ضعيفا وثم حديث آخر صحيح يشبهه عمل بهما، ومن صح عنده عن النبي ﷺ حديث ولم يعمل به كان مخطئا، وهذا لم ينقل عن أبى حنيفة كما نقل عن أحمد ومالك فإنهما رويا أحاديث وخالفاها. وحدث عن القاضي أبى الطيب طاهر بن عبد الله المطيري إلى عباس بن محمد الدوري قال سمعت يحيى بن معين يقول:- وقال له رجل- أبو حنيفة كذاب. قال: أبو حنيفة أنبل من أن يكذب، كان صدوقا إلا أن في حديثه ما في حديث الشيوخ انظر إلى الخطيب اعتقد أن هذا مما يذم به أبو حنيفة، فهل للمحدثين ولجميع العلماء إلا الشيوخ؟ وحدث عن عبيد الله بن عمر الواعظ إلى جعفر بن أبى عثمان قال سمعت يحيى- وسألته عن أبى يوسف وأبى حنيفة- فقال كان أبو يوسف أوثق منه في الحديث. قلت فكان أبو حنيفة يكذب؟ قال كان أنبل في نفسه من أن يكذب. من لا يكذب كيف يكون غيره أوثق منه؟ مع أن أبا يوسف ﵀ لم يكن له شيء إلا من أبى حنيفة، وقد تقدم قول أبى يوسف بقول أبى حنيفة في حكاية خاك يسر. وروى عن البرقاني عن محمد بن العباس الخزاز إلى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز قال سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة لا بأس به وكان لا يكذب. وسمعت يحيى يقول مرة أخرى: أبو حنيفة عندنا من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب. ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا. هذا يحيى بن معين قد رددت أقواله في أبى حنيفة ﵁ وتناقضت فإن ثبتت عنه هذه الطرق المروية كلها فلا اعتبار بقوله، لأنه قد ثبت عنه قول الشيء وضده، ولا بد أن يكون في أحدهما مبطلا. وإذا بطل في أحد القولين لم يصدق في الآخر. وحدث عن العتيقى إلى نصر بن محمد البغدادي يقول سمعت يحيى بن معين يقول: كان محمد بن الحسن كذابا وكان جهميّا، وكان أبو حنيفة جهميا ولم يكن كذابا. أصحاب أبى حنيفة أكثر من أن يحصوا في عصر من الأعصار، وما ثبت عن أحد منهم مذهب الجهمية بل هم مجمعون على أن الصلاة خلف الجهمى لا تجوز، وهؤلاء ثبتت بعشرة منهم خبر التواتر. والذي نقل عن يحيى بن معين إنما نقله الواحد عن الواحد، وإذا قيس بمثل هذين في الأخبار النبوية رجح التواتر على الآحاد. وحدث عن ابن رزق إلى محمد بن سعد العوفى يقول سمعت يحيى بن معين يقول:

стр. 97

كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظ، ولا يحدث بما لا يحفظ. هذا هو مذهب أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز أن يروى حديثا عن النبي ﷺ إلا ما سمعه وحفظه من حين سمعه إلى حين أداه. وحدث عن التنوخي إلى أحمد بن الصلت الحماني قال سمعت يحيى بن معين- وهو يسأل عن أبى حنيفة أثقة هو في الحديث؟ - قال: نعم ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وهو أجل قدرا من ذلك. وهذا الخبر عن أبى حنيفة إنما أوردناه في هذا الموضع لأنه جاء في هذا الباب وليس منه وإنما أوردناه لسياق الكلام. وسيأتي الجواب عن هذا وعما تقدم من صفات أبى حنيفة ومدحه فيما بعد. وحدث عن الصيمري إلى أحمد بن عطية قال سئل يحيى بن معين هل حدث سفيان عن أبى حنيفة؟ قال نعم كان أبو حنيفة ثقة صدوقا في الحديث والفقه، مأمونا على دين الله . قلت: (يعنى الخطيب) أحمد بن الصلت هو أحمد بن عطية وكان غير ثقة، وسيأتي حديث أحمد مع بقية الرواة فيما بعد إن شاء الله. وحدث عن ابن رزق إلى محمد بن عثمان بن أبى شيبة قال سمعت يحيى بن معين- وسئل عن أبى حنيفة- فقال: كان يضعف في الحديث. وحدث عن أحمد بن عبد الله الأنماطى إلى أحمد بن سعد بن أبى مريم قال: وسألته- يعنى يحيى بن معين- عن أبى حنيفة فقال: لا تكتب حديثه. هذا القول لا يلتفت الناس إليه، قد كتب حديثه ورأيه وسار في الآفاق واجمع الناس على أئمة أربعة أبو حنيفة منهم. وما أخذ أحد بقول يحيى ولا بروايته. وأخبر عن على بن محمد المالكي إلى عبد الله بن على بن عبد الله المديني قال: وسألته- يعنى أباه- عن أبى حنيفة صاحب الرأى فضعفه جدا وقال لو كان بين يدي ما سألته عن شيء. وروى خمسين حديثا أخطأ فيها. كان الواجب أن يذكر الأحاديث ويبين خطأ أبى حنيفة فيها هل هو من الطرق أو من الرأى الذي رآه فيها، وأما أن يقول خمسين حديثا من غير ذكرها وتبيين الخطإ فيها فهذا من دلائل التحامل والافتراء، والعجب من اقتصاره على خمسين حديثا.

стр. 98

وحدث عن عبد الله بن يحيى السكرى إلى ابن الغلابي قال: أبو حنيفة ضعيف. هذه دعوى مجهولة، هل أراد ضعيف الجسم، أو ضعيف القلب، أو ضعيف الفقه أو ضعيف الحديث. كان يريد أن يبين في أى شيء هو ضعيف، وإن كان يعنى الحديث- وهو الأقرب- فكان يلزمه أن يبين الأحاديث التي ضعفه فيها ويبين وجه ضعفه وإلا ربما يكون الضعف من فهم القادح، وإلا فقد روى عن أبى حنيفة جماعة كثيرة كل واحد منهم أجل قدرا منه. وحدث عن ابن الفضل إلى أبى حفص عمرو بن على قال: وأبو حنيفة النعمان ابن ثابت صاحب الرأى ليس بالحافظ مضطرب الحديث: واهي الحديث، وصاحب هوى. هذا كان يحتاج إلى تبيين ما ادعاه وإثبات طرقه وذكر الأحاديث التي كان فيها مضطربا واهيا متهاويا فإن مثل هذا لا يثبت إلا بمثل هذه الشرائط. وحدث عن عبد العزيز بن أحمد الكتاني إلى إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني قال: أبو حنيفة لا يقنع بحديثه ولا برأيه. أما الحديث فقد ذكرته وذكرت أنه كان يجب ذكر الأحاديث التي لم يقنع به فيها ولم كان؟ وأما الرأى فقد أجمع أهل العصر على أربعة منهم أبو حنيفة، وهذا إبراهيم لا يكاد يعرفه إلا آحاد المحدثين فمن أجمعت الأمة على أنه أحد الأئمة الأربعة المجمع عليهم لا يقدح فيه قول من لا يعرفه إلا بعض المحدثين. ورأى أبى حنيفة أكثر من أن نحصيه في كتاب. وحدث عن أبى عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدى أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة حدثنا جدي قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت صدوق ضعيف الحديث. وهذا أيضا كما قدمنا من الأمر أنه قال شيئا وضده، والذي يكون صدوق كيف يكون ضعيف الحديث، ومن يكون ضعيف الحديث كيف يكون صدوقا. وحدث عن أبى حازم العبدوي قال سمعت محمد بن عبد الله الجوزقى يقول قرئ على مكي بن عبدان وأنا أسمع قيل له سمعت مسلم بن الحجاج يقول: أبو حنيفة النعمان بن ثابت صاحب الرأى مضطرب الحديث، ليس له كبير حديث صحيح؟ هذه أيضا دعوى مجهولة إلا أن يشرح الأحاديث ويبين وجه الاضطراب كما بينا القول.

стр. 99

وحدث عن البرقاني إلى عبد الكريم بن أحمد بن شعيب النسائي عن أبيه قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت كوفى ليس بالقوى في الحديث. والجواب عن هذا كما تقدم. وحدث عن القاضي أبى العلاء محمد بن على الواسطي إلى الهيثم بن عدى قال: وأبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي- تيم بن ثعلبة- مولى لهم توفى ببغداد سنة خمسين ومائة. هذا إن كان أراد أن يبين النسب فالنسب قد اختلف فيه وهو معروف، وإن كان أراد أن يبين كونه مولى فنحن نجيب على تقدير صحة قوله فنقول قال الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ﴾ وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَساءَلُونَ﴾. وقال النبي ﷺ : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» وقال: «الناس كأسنان المشط» وكونه مولى إن صح ذلك لا يقدح في دينه ولا في علمه. وحدث عن القاضي أبى بكر أحمد بن الحسن الخرشى إلى أبى عاصم قال سمعت سفيان الثوري- بمكة- وقيل له مات أبو حنيفة فقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرا من الناس. وحدث عن أبى سعيد محمد بن موسى الصيرفي إلى مسدد قال سمعت أبا عاصم يقول ذكر عند سفيان موت أبى حنيفة فما سمعته يقول رحمه اللهو لا شيئا. قال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به. هذا قد بين أن سفيان كان له غرض مع أبى حنيفة حتى أنه لما مات لم يترحم عليه مع كونه من أهل القبلة بلا شك. وقال: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به فإن كان حمد الله على كونه عافاه من الموت الذي ابتلاه به فقد أخطأ فإن الله لا يعافى أحدا منه ولو كان ذلك لكان في حق النبي ﷺ وقد قال له ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وإن كان حمد الله على أنه عافاه بلاء ابتلى به أبا حنيفة دونه فكان ينبغي أن يبينه. وحدث عن محمد بن عمر بن بكير المقرئ إلى عبد الله بن مسمع الهروي قال: سمعت عبد الصمد بن حسان يقول: لما مات أبو حنيفة قال لي سفيان الثوري اذهب إلى إبراهيم بن طهمان فبشره أن فتان هذه الأمة قد مات، فذهبت إليه فوجدته قائلا

стр. 100

فرجعت إلى سفيان. فقلت له إنه قائل، قال اذهب فصح به إن فتان هذه الأمة قد مات. قلت: (يعنى الخطيب) أراد الثوري أن يغم إبراهيم بوفاة أبى حنيفة لأنه كان على مذهبه في الأرجاء. هذا غير صحيح لأن أصحاب أبى حنيفة كلهم على غير ذلك وإذا جمع الناس على أمر وخالفهم واحد لم يلتفت إلى قوله ولم يصدق في دعواه، حتى أن الصلاة عند أصحاب أبى حنيفة خلف المرجئة لا تجوز. وحدث عن ابن الفضل إلى على بن المديني قال: قال لي بشر بن أبى الأزهر النيسابوري رأيت في المنام جنازة عليها ثوب أسود وحولها قسيسين، فقلت جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبى حنيفة، حدثت به أبا يوسف فقال لا تحدث به أحدا. قد علمت وفقك الله بما تقدم من هذه الأقوال تعصب الخطيب وما ذكرت فيه في نفسه وإن مثله لا يقبل قوله إذا روى عمن يقول في اليقظة فكيف بالرواية عمن يقول إنه رأى في المنام، ولكني أجيب عن ذلك أيضا لأن لكل كلام جوابا وقد يكون الكلام خطأ ويسمى كلاما، وأنا أذكر الجواب من الكتاب والسنة وإن كنت قد ذكرته فيما تقدم. أما الكتاب العزيز فقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ فلم يكن ذلك في اليقظة وإنما كان أخوته النجوم وأباه وخالته القمران، هذا مع كونه نبى ابن نبى وقوله: ﴿إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ فأولت البقر بالسنين وأين هذا من هذا، وقوله : ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قَالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ وأجمع المفسرون على أن هذه الرؤيا ما كانت وأنهما افتعلاها كذبا ولما أولها يوسف الصديق لم يؤولها على ظاهر لفظها بل أول العاصر على أنه يسقى ربه خمرا ولم يكن للسقي ولا لرب الرائي ذكر في الرؤيا، وأول لحامل الخبز أنه يصلب فتأكل الطير من رأسه وأين هذا من هذا لولا التأويل، فإن كان راوي هذه الرؤيا صادقا فيما زعم فالتأويل على ضد ما روى، وأما السنة فإن النبي ﷺ رويت عنه تأويلات كثيرة على خلاف ظاهر لفظ الرؤيا، وكان إذا أصبح يقول «من رأى منكم الليلة رؤيا» ثم يؤوله أو يقول لأبى بكر الصديق ﵁ ما ترى فيه ولا يتوقف على أن يحمله على ظاهره وكان

стр. 101

المفسر مثل رسول الله ﷺ . فكيف يصدق بشر بن أبى الأزهر ويحمل منامه على ظاهره من غير تأويل. هذا آخر ما ذكره الخطيب في ترجمة أبى حنيفة ﵀ وقد أجبناه بما تيسر لنا من الأجوبة. ونحن الآن ذاكرون إن شاء الله أحوال الرجال الذين روى عنهم هذه الحكايات التي أوردها في تاريخه وكاشفون أسماءهم من كتابه التاريخ وناقلون ما ذكره عنهم وما ذكره غيره من أئمة الحديث في حالهم. فأول من روى عنه هذه الحكايات وكيع بن الجراح. قال: الخطيب في تاريخه في ترجمة وكيع أجاز لنا إبراهيم بن مخلد حدثنا مكرم بن أحمد القاضي. ثم أنبأنا الصيمري قراءة أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرئ أنبأ مكرم حدثنا على بن الحسين بن حبان عن أبيه قال سمعت يحيى بن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع بن الجراح، قيل له ولا ابن المبارك؟ قال قد كان لابن المبارك فضل ولكن ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة ويحفظ حديثه ويقوم الليل ويسرد الصوم ويفتي أبى حنيفة، وكان قد سمع منه شيئا كثيرا قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد القطان يقول بقوله أيضا. وإذا أثبت الخطيب أن وكيعا من أصحاب أبى حنيفة وكان يفتي بقوله فقد اندفع ما نقل عنه من خلاف ذلك، وعلم أنه لا يقدح فيه. والذي يدل على كونه من اتباع أبى حنيفة أنه كان يرى شرب النبيذ مباحا. وقد ذكر الخطيب في ترجمة وكيع؛ حدثت عن أبى الحسن الدارقطني قال: حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن على بن أم شيبان الهاشمي. قال حدثني أبى قال حدثنا أبو عبد الرحمن سفيان بن وكيع بن الجراح قال حدثني أبى. قال: كان أبى وكيع يصوم الدهر فكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار ثم ينصرف فيقيل إلى وقت صلاة الظهر ثم يخرج فيصلى الظهر ويقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر ثم يرجع إلى مسجده فيصلى العصر ثم يجلس فيدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله فيقدم إليه إفطاره وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام ثم يقدم له قرابة فيها نحو من عشرة

стр. 102

أرطال نبيذ فيشرب منها ما طاب له على طعامه ثم يجعلها بين يديه. ويقوم فيصلى وردة من الليل وكلما صلّى ركعتين- أو أكثر من شفع أو وتر- شرب منها حتى ينفذها ثم ينام. وقال الخطيب: قرأت على التنوخي عن أبى الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن البهلول الأنبارى. قال حدثني أبى قال حدثني جدي إسحاق بن البهلول. قال: قدم علينا وكيع بن الجراح فنزل في المسجد على الفرات فكنت أصير إليه لاستماع الحديث منه فطلب منى نبيذا فجئته بمخيسة ليلا فأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب فلما نفذ ما كنت جئته به أطفأ السراج فقلت له ما هذا فقال لو زدتنا لزدناك. وقال أنبأنا هلال بن محمد بن جعفر الحفار أنبا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا جعفر ابن محمد- يعنى الطيالسي- قال سمعت يحيى بن معين يقول سمعت رجلا سأل وكيعا فقال: يا أبا سفيان شربت البارحة نبيذا فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلا يقول إنك شربت خمرا؟ فقال وكيع ذاك الشيطان. وقال أخبرنا ابن الفضل أنبأنا دعلج حدثنا أحمد بن على الأبار حدثنا محمد بن يحيى قال: قال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع أو قال تغذينا فقال أى شيء تريدون أجيئكم به؟ نبيذ الشيوخ أو بنبيذ الفتيان؟ قال قلت أتتكلم بهذا. قال هو عندي أحل من ماء الفرات. قال قلت له ماء الفرات لم يختلف فيه أحد، وقد اختلف في هذا. وذكر الخطيب في ترجمة الفضل بن دكين أبى نعيم من تاريخه بإسناده ساقه عن البرقاني إلى أن قال سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال سمعت أبى يقول: أخطأ وكيع بن الجراح في خمسمائة حديث. ثم ذكر بعده سفيان الثوري وهو ممن قال في أبى حنيفة المدح وخلافه، وقد روى عنه الأمران جميعا فأما أن يكون الطرق إليه كلها سواء فإحدى الروايتين كذب لا محالة، وإن كانت إحدى الطريقين ليست بصحيحة فالأخرى صحيحة فأما طرق مدح أبى حنيفة وتعظيمه فلم نذكرها إذ لا حاجة لنا في ذكره فإن الطرق في هذا كثيرة وقد أفردت له كتب من غير تصانيف الخطيب، فلو كنا نقتصر على البعض

стр. 103

يكون الكتاب غير مفيد، ولو استوعبنا الجميع لطال الكتاب وليس هذا من الغرض. فنقتصر على المتكلمين في أبى حنيفة والنقلة عنهم ونبين طرق ذلك. فأول من تكلم سفيان الثوري وروى عنه وكيع ورجح قول سفيان. فنحن ذاكرون حاله إن شاء الله تعالى ونبدأ بما نقل عنه الخطيب ثم بما بلغنا عن غيره. قال الخطيب في ترجمة سفيان الثوري: أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا دعلج بن أحمد أخبرنا أحمد بن على الأبار حدثنا أحمد بن هاشم حدثنا ضمرة قال سمعت مالك بن أنس يقول إنما كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثوري. وكان سفيان يقول: ما لك ليس له حفظ. فهذا القول من سفيان في حق مالك باطل، لأنه إن عنى به الحفظ للحديث فمالك له الموطأ الذي هو أشهر من الشمس وإن كان يريد الفقه فهو أحد الأئمة الأربعة الذين أجمعت عليهم الأمة، فثبت أن قول سفيان هذا ليس بشيء لأنه نقل خلاف إجماع الناس فتبين أنه صاحب هوى، ومن كان شأنه هكذا رفض المحدثون أقواله. ونظرنا طرق هذا النقل إلى سفيان رجلا رجلا فلم نجد فيهم من تحدث فيه، ثم نظرنا الحديث الذي تكلم فيه سفيان عن أبى حنيفة فرأينا راوية عنه وكيعا، وقد ذكرنا عن وكيع ما تقدم. ثم ذكر حكاية حدث بها عن على بن محمد بن عبد الله المعدل إلى حمزة بن الحارث بن عمير عن أبيه. والحارث بن عمير هذا هو أبو عمر البصري. قال ابن حبان البستي في كتاب الجرح: يروى عن الإثبات الموضوعات. ثم ذكر حكاية رواها عن واحد عن محمد بن العباس الخزاز- وهو ابن حيوية- ذكر عنه الخطيب في ترجمته أنه كان مكثرا وكان فيه تسامح، وربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه. فيقرأه من كتاب أبى الحسن بن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، ثم ساق السند إلى محمد بن محمد الباغنديّ وقال في ترجمته قال حمزة سألت الدارقطني عن محمد الباغنديّ. قال: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع، وربما سرق. وقال ابن عدى في كتاب الجرح: كان مدلسا. وقال إبراهيم الأصفهانى كذاب. وهذا ظاهر. وهذه الحكاية قال في آخرها: إن أحمد بن حنبل كتب إلى ابن الزبير أن أكتب إلى بأشنع مسألة عن أبى حنيفة، فكتب إليه: حدثني

стр. 104

الحارث بن عمير، والحارث بن عمير قد نقلنا ما ذكر الناس عنه. وأما أحمد بن حنبل فإنه طلب أشنع مسألة من أبى حنيفة، فتبين بهذا أنه كان صاحب هوى. ثم نقل ما نقل عن الحارث بن عمير وهو عارف بما قيل فيه فتبين أنه نقل عن ضعيف غير خاف عنه ضعفه وحاله، وساق فيها عن الحارث بن عمير أشياء أخر، وقد بينا حال الحارث هنا. ثم ذكر حكاية فيها الحارث بن عمير [أيضا] وقد تبين حاله. وذكر أيضا حكاية فيها مؤمل بن إسماعيل عن سفيان، ومؤمل هذا هو بصرى، قال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ. وذكر حكاية عن سفيان في سندها شيخ شيخه وهو عبد الله بن جعفر بن درستويه، ثم ذكر في ترجمة عبد الله هذا قال سمعت هبة الله بن الحسن الطبري ذكر ابن درستويه فضعفه وقال: بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثا ونحن نعطيك درهما، ففعل- ولم يكن سمع من عباس- وقال سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال ضعفوه، لأنه لما روى كتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك، وقالوا له إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديما فمتى سمعته منه؟ وذكر في حكاية ساقها إلى شريك القاضي، وقد ذكر الخطيب في ترجمة شريك عن أحمد بن حنبل. قال: قال أبو بكر المروذى قلت- يعنى لأحمد بن حنبل- يحيى القطان أى شيء كان يقول في شريك؟ قال: كان لا يرضاه، وما ذكر عنه إلا شيئا على المذاكرة حديثين وذكر قال: قال على بن المديني: شريك أعلم من إسرائيل. وإسرائيل أقل خطأ منه. وذكر عن شريك فقال: كان عسرا في الحديث، وإنما كان حديث شريك وقع بواسط قدم عليهم في حفر نهر فحمل عنه إسحاق الأزرق وغيره. وقال أيضا في روايته إلى عمرو بن على أبى حفص. قال: كان يحيى لا يحدث عن إسرائيل ولا عن شريك. وروى أيضا بإسناد له إلى على بن المديني. قال: قال يحيى بن سعيد: قدم شريك مكة فقيل لي لو أتيته؟ فقلت لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وضعف حديثه جدا. قال يحيى أتيته بالكوفة فإذا هو لا يدرى. وقال أيضا بإسناد رفعه إلى أبى صالح الهمداني قال سمعت أبا حاتم الرازي. قال: شريك لا يحتج بحديثه.

стр. 105

وقال أبو حاتم في كتاب «الجرح والتعديل»: شريك بن عبد الله النخعي صدوق وله أغاليط. وقال أبو زرعة: كان صاحب وهم يغلط أحيانا. وقال يحيى بن سعيد: ما زال مخلطا. وقال الدارقطني في كتابه: ليس بالقوى فيما ينفرد به- يعنى شريكا. ومن جملة رجال هذه الحكاية عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصى القاضي ذكر في ترجمته قال: كان عبد السلام بن عبد الرحمن الأسدى الوابصى على قضاء بغداد، وكان عفيفا. فصرفه يحيى بن أكثم في أيام المتوكل فأخبرنى أبو عبد الله المباركى أن المتوكل قال ليحيى: لم صرفت الوابصى؟ فذكر له شيئا أراه ضعفه في الفقه وقول ابن المبارك أراه ضعفه في الفقه ظن منه. والظاهر أن يحيى لم يعزله إلا لأمر أوجب عزله، ولأنه بين ذلك بين يدي الخليفة. وذكر حكاية فيها شيخ شيخه عبد الله بن درستويه وقد ذكرنا ما قيل عنه. وذكر حكاية ساقها إلى القاسم بن حبيب، وهذا القاسم المذكور ذكره أبو حاتم في كتاب «الجرح والتعديل» قال: قال عنه ابن معين: لا شيء. وذكر حكاية ساق سندها إلى طاهر بن محمد بن وكيع، وقد تقدم القول في وكيع. وذكر حكاية فيها شيخ شيخه ابن درستويه وقد تقدم القول فيه وفي ضعفه وذكرهما من طريق آخر فيه محمد بن موسى البربري وقد ذكر الخطيب في ترجمته قال: كان لا يحفظ إلا حديثين، حديث الطير، وحديث تقتل عمارا الفئة الباغية. ومعلوم أن حديث الطير موضوع. وروى عن القاضي أحمد بن كامل أنه دخل عليه يوما وهو مغموم فقال له مالك؟ فقال فلانة- يعنى امرأته- حملتني على أن عتقت هذه الجارية، وقد بقيت بلا أمة تخدمنى ولا أحد يغيثنى. فقلت وأى شيء ثمن هذه الجارية؟ قال إن امرأتى دفعت إلى دنانير اشترى لها بها جارية، فاشتريت هذه الجارية. فقلت وتعتق ما لا تملك؟ قال كأنه لا يجوز؟ قلت لا، الجارية لها على ملكها. فقال لي: فعل الله وفعل، يدعو لي. ومن لا يعرف هذا المقدار كيف يؤخذ عنه. وذكر في حكاية أخرى عن أبى القاسم إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب بأصفهان أخبرنا أبو بكر بن المقرئ قال حدثنا سلام بن محمود القيسي- بعسقلان-

стр. 106

حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال سمعت أبا مسهر. وذكر حكاية أخرى رواها عن الحسن بن الحسين بن العباس النعالى- وهو شيخ الخطيب يعرف بابن دوما- ذكر الخطيب في ترجمته قال: كتبنا عنه وكان كثير السماع، إلا أنه أفسده أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم تكن سماعه. وقال الخطيب: ذكرت لمحمد بن على الصوري جزءا من حديث الشافعي كان حدثنا به ابن دوما، فقال الصوري: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء وفيه سماع ابن دوما الأكبر وليس فيه سماع أبى على، ثم سمع فيه أبو على لنفسه وألحق اسمه مع اسم أخيه. وقد قال الخطيب عنه هذا وروى عنه. وروى في حكاية أخرى عن ابن رزق عن جعفر الخلدى حدثنا محمد بن عبد الله ابن سليمان الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ قال سمعت أبى يقول: دعاني أبو حنيفة إلى الأرجاء. وروى في حكاية أخرى عن ابن الفضل عن ابن درستويه- وقد تقدم ما ذكر فيه- رفعها إلى ابن المبارك وقد تقدم القول فيه. والحكاية التي بعدها فيها ابن درستويه وقد علم حاله. ثم ذكر حكاية أخري عن أبى يوسف ﵁، وقد ذكرنا أن هذا لا يصح عن أبى يوسف، لأن الفقهاء ينقلون عنه خلاف ذلك. وذكر حكاية عن الحسن بن الحسين بن دوما وقد تقدم القول عنه وهو شيخه. وذكر حكاية عن البرقاني عن محمد بن العباس الخزاز وقد تقدم ما ذكر عنه. وذكر حكاية أخرى عن العتيقى رفعها إلى أبى القاسم البغوي، وأبو القاسم هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ذكره ابن عدى في كتاب «الضعفاء». وقال: وافيت العراق سنة سبع وتسعين ومائتين والناس أهل العلم والمشايخ مجمعون على ضعفه. وذكر حكاية عن محمد بن على المقرئ ساقها إلى مسدد بن قطن عن قطن، وقطن هذا هو ابن بشير أبو عباد الغبرى. قال الرازي قال أبو زرعة: روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت أنكرت عليه. وقال ابن عدى: كان يسرق الحديث

стр. 107

ويوصله. وتمام الحكاية قال سمعت عشرة كلهم ثقات. كان الواجب عليه أن يبين من هم ليعلم حالهم. ثم ذكر حكاية رواها عن أبى عبد الله الحسين بن شجاع الصوفي ساقها إلى حسين بن عبد الأول، والحسين هذا هو الذي ذكره ابن أبى حاتم في كتابه وقال تكلم الناس فيه. وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أدرى ما هي، ولست أحدث عنه. وروى حكاية عن الخلال إلى عمر بن الحسن القاضي، والقاضي هذا هو الأشنانى، ذكره الخطيب في تاريخه وقال في ترجمته ذكر أبو عبد الرحمن السلمى أنه سأل الدارقطني عن عمر بن الأشنانى فقال: ضعيف. ثم قال الخطيب سألت الحسن ابن محمد الخلال عن ابن الأشنانى فقال: ضعيف تكلموا فيه. وذكر الحكاية التي بعدها. أخبرنا ابن رزق عن محمد بن العباس قال حدثنا أبو محمد- شيخ له- وهذا مجهول كان ينبغي بيانه. وذكر حكاية رواها عن ابن الفضل إلى سفيان بن وكيع، وسفيان بن وكيع هذا هو ابن الجراح أبو محمد. قال البخاري يتكلمون فيه لاشياء لقنوه إياها. قال أبو زرعة: لا نشتغل به، قيل له أكان يتهم بالكذب؟ قال نعم. وقال ابن عدى: كان إذا لقن تلقن. وقال النسائي: ليس بشيء. وقال ابن حبان: قيل له في أشياء لقتها فلم يرجع عنها فاستحق الترك لإصراره. وذكر حكاية عن إبراهيم بن عمر البرمكي إلى ابن أبى غنية قال أخبرنا جار لي أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب. وهذا جميعه مجهول الراوي والذي استتيب منه. وذكر حكاية عن محمد بن عبد الله الحنائى إلى ضرار بن صرد، وضرار هذا هو نعيم الكوفي الطحان. روى عن المعتمر والدراوردي، وكان متعبدا. ذكره ابن أبى حاتم في كتابه وقال: كان يحيى بن معين يكذبه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف: ضعيف. وشيخ ضرار المذكور سليم أبو سلمة القارئ الكوفي وهو مولى الشعبي يروى عنه. قال يحيى بن معين: ضعيف ليس بشيء وقال أبو حفص الفلاس: ضعيف الحديث. وقال النسائي ليس بثقة. وذكر حكاية بعدها فيها ضرار بن صرد وقد تقدم ما ذكرته العلماء عنه. وذكر

стр. 108

حكاية بعدها عن عبد الباقي بن عبد الكريم إلى عبد الرحمن بن الحكم بن بشر بن سلمان عن أبيه ثم قال- أو غيره- وأكبر ظني أنه عن غيره. لما ساق الخطيب الإسناد جيدا عدل به ثم قال أو غيره، فأدخل الشك فنفى صحة الإسناد. ألا ترى أن غيرا موضوعة للإبهام، وهي مع الإضافة لا تختص بقول مررت برجل غيرك، فيكون كل من مر به غيرك الاسم واقع عليه ألا ترى أن قولك مررت بغلامك يختص هاهنا ويعرف بالإضافة إلى الكاف فهي تجرى في الإبهام مجرى مثلك وشبهك. ثم ذكر حكاية عن ابن رزق ساقها إلى شريك القاضي وقد تقدم ما قيل فيه. ثم ذكر حكاية عن ابن الفضل عن ابن درستويه وقد ذكر حاله، وما ذكر. عنه. ثم ساقها إلى محمد بن فليح المدني ذكره ابن أبى حاتم في كتابه وقال: قال يحيى ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: ليس بذلك القوى. وهذا محمد بن فليح يروى الحكاية عن أخيه سليمان. قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف لفليح ولدا غير محمد ويحيى. وقال الخطيب عن سليمان في هذا السند: وكان علّامة بالناس. وأدنى أحوال العلامة أن يعرفه أكثر الناس، فكيف بك من ينكر وجوده أئمة المحدثين ويقولون لا نعرف لفليح ولدا غير محمد ويحيى. وذكر حكاية عن على بن طلحة المقرئ والحسن بن على الجوهري ساقها إلى على بن إسحاق بن زاطيا ذكره الخطيب في تاريخه فقال في ترجمته بحكاية ساقها: كان بجانبنا أسفل خان أبى زياد، كتب عنه ولم يكن بالمحمود. ثم ساقها إلى حجاج الأعور ذكره الخطيب في تاريخه في ترجمة حجاج وقال: قال إبراهيم الحربي: أخبرنى صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد خلط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى يخلط فقال لابنه: لا تدخل عليه أحدا. وروى الحجاج هذا عن قيس بن الربيع، وقيس هذا هو أبو محمد الكوفي الأسدى ذكره ابن أبى حاتم في كتابه فقال: تركه عبد الرحمن بن مهدى، وضعفه أحمد. وقال روى أحاديث منكرة وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء. وذكره ابن الجوزي في كتاب «الضعفاء» فقال قال يحيى ليس بشيء. وقال مرة

стр. 109

ضعيف. وقال مرة لا يكتب حديثه. وقال قيل لأحمد لم ترك الناس حديثه؟ قال كان يتشيع، وكان كثير الخطأ في الحديث وروى أحاديث منكرة. وكان ابن المديني ووكيع يضعفانه. وقال الدارقطني: ضعيف الحديث. وقال السعدي: ساقط. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو داود: إنماأتى قيس من قبل ابنه، كان يأخذ أحاديث الناس فيدخلها في كتاب قيس ولا يعرف الشيخ ذلك. وقال ابن الجوزي: إنما قال أبو الفتح الأزدى في ابن منيع. أخبرنا محمود بن غيلان. قال لي محمد بن عبيدة: كان قيس بن الربيع استعمله أبو جعفر على المدائن، فكان يعلق النساء بأبدانهن ليرسل عليهن الزنابير. ثم ذكر حكاية عن الحسن بن محمد أخى الخلال ساقها إلى شريك القاضي وقد تقدم شرح حاله. ثم ذكر حكاية أخرى حدث فيها عن ابن الفضل عن ابن درستويه وقد شرحنا ما قاله فيه الناس. ثم ساقها إلى شريك القاضي وقد ذكر ما قيل فيه. ثم ذكر حكاية أخرى عن محمد بن عبد الله المعدل رفعها إلى شريك وقد ذكر فيما تقدم حاله. ثم ذكر حكاية عن ابن رزق إلى على بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا وقد شرح ما قاله الخطيب في ترجمته. وساق الحكاية من طريق أخرى عن ابن الفضل إلى أن أوصل الطريقين إلى سفيان الثوري. ذكر ابن عدى صاحب كتاب «الجرح والتعديل» في كتاب مسند أبى حنيفة ﵁ في صدر الكتاب في مناقب أبى حنيفة بإسناد له إلى أن قال: كان بين أبى حنيفة وبين سفيان الثوري شيء، وكان أبو حنيفة أكفهما لسانا. فهذا ابن عدى قد نقل أنهما كان بينهما شيء، وإذا صار خصما فلا اعتداد بقوله في حقه، وقد بين ابن عدى بقوله وكان أبو حنيفة أكفهما لسانا، أنه قد جرت بينهما منافرة توجب ترك كلام كل واحد منهما في صاحبه ثم إن الخطيب نقل عن سفيان الثوري مدح أبى حنيفة وتعظيمه، ونقل خلاف ذلك عنه أيضا. وقد ذكرنا ما كان بينهما، وهذا إذا لم يقابل بين قولي سفيان فقد بينا غرضه. أما إذا تقابل القولان فهما متضادان، فلا بد أن يكون أحدهما باطلا. فأما من وافق سفيان على مدح أبى حنيفة وتعظيمه

стр. 110

فأكثر من أن يحصوا كثرة في كل عصر من أعصر الإسلام من لدن أبى حنيفة إلى هلم. وأما من وافق سفيان في القول الآخر فقليل لم نعرفه إلا في كتاب الخطيب، وقد بينا ما كان بينهما، وبينا فساد الطريق. فأما ما حكى الخطيب عن سفيان بإسناد له في كتابه إلى أن قال سمعت يزيد بن أبى الزرقا يقول: رأيت سفيان الثوري ببغداد وقد نظر إلى شيخ جلاد يتصدق- وقد ذهب بصره- فحمل قطعة فأعطاه ثم قال له: ليس هذه صدقة عليك. هذه شماتة بك. وذكر أيضا في ترجمته عن محمد بن الحسين القطان أخبرنا دعلج بن أحمد أخبرنا أحمد بن على الأبار حدثنا أحمد بن هاشم حدثنا ضمرة قال سمعت مالك بن أنس يقول إنما: كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثوري. وكان سفيان الثوري يقول: ما لك ليس له حفظ. فهذا يدلك- أيدك الله- أنه لما قال للأعمى ذلك القول إنما أراد المجون- أو الاستهتار- ومن نقل عنه مثل هذا عن رجل ليس بينه وبينه شيء فلأن ينقل عنه في رجل بينه وبينه شيء بطريق الأولى. ثم قوله عن مالك ليس له حفظ يعلم يقينا أنه كذب، لأنه إن أراد الحديث فليس لسفيان مثل موطإ مالك، وإن أراد الفقه فهو أحد الأئمة الأربعة المجمع عليهم وسفيان من المتروكى المذهب. ومن ثبت مثل هذا عنه فلا اعتداد بقوله. وحدث أيضا مثلها عن ابن الفضل عن ابن درستويه إلى سفيان، وابن درستويه قد تقدم ما قاله فيه، وهذا قولنا في سفيان. وحدث في حكاية عن أبى نعيم الحافظ، وأبو نعيم هذا هو صاحب الحلية وقد تكلم فيه بسبب جزء محمد بن عاصم الذي أخرجه إلى أبى بكر الخطيب ولم يكن سماعه عليه، ولحق الخطيب الضعف أيضا بسبب قراءته عليه، وسيأتي ذكره. وقد ذكر الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في كتابه المعروف بمنثور الحكايات قال: سمعت إسماعيل بن أبى الفضل القومسانى- بهمذان- وكان من أهل المعرفة بالحديث يقول: ثلاثة من الحفاظ لا أحبهم لشدة تعصبهم وقلة إنصافهم؛ الحاكم أبو عبد الله، وأبو نعيم، وأبو بكر الخطيب. ثم ساق الخبر إلى مؤمل وسيأتي ذكر مؤمل هذا في الحكاية التي تلى هذه الحكاية.
следующие страницы →