← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وَلا لِلْمُحِبِّينَ قَرَارٌ إِلا يَوْمَ الْمَزِيد فَمَثِّلْ لِقَلْبِكَ الاسْتِرَاحَة تَحْتَ شَجَرة طُوبَى يَهُنْ عَلَيْكَ النصب والتعب. وَاسْتَحْضِر يَومَ الْمَزِيد يَهُنْ عَلَيْكَ مَا تَتَحَمَّلُ مِنْ أَجْلِهِ. مَتَى رَأَيْتَ الْعَقْلَ يُؤَثِّرُ الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ مُسِخَ. وَمَتَى رَأَيْتَ الْقَلْب قَدْ ترحل عَنْهُ حب الله والاستعداد لِلقائه وحل فيه حب المخلوق والرِّضَا بالحياة الدُّنْيَا وَالطُّمَأْنِينَةِ بِهَا فاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ خُسِفَ بِهِ. وَمَتَى أَقْحَطَتِ الْعَيْنُ مِن الْبُكَاء مِنْ خَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى فَاعْلَمْ أَنَّ قُحْطَهَا مِن قَسْوَةِ الْقَلْب. وَمَتَى رَأَيْتُ نَفْسَكَ تَهْرَبُ مِن الأُنْسِ بِاللهِ إِلَى الأُنْسِ بِالْمَخْلُوق وَمِنْ الْخُلْوَة مَعَ اللهِ إِلَى الْخُلْوَة مَعَ الْمَخْلُوقِ فَاعْلَمْ أَنَّها لا تصلح لله. مَن رَكِبَ ظهر التفريط والتواني والكسل نَزَلَ بدارِ الْعُسْرَةِ والندامة. مَنْ أَدْلَجَ فِي غياهب الليل على نجائب الصبر صَبَّحَ منزل السرور. وَمَنْ نَامَ عَلَى فِرَاشِ الْكَسَلِ أَصْبَحَ مُلْقًا بِوَادِي الأَسَف. (فائدة نفيسة) : يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أن يتأملها ويأخذ لمستقبله فِكرة، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاء: لَمْ أَزَلْ بُرْهَةً مِنْ عُمْرِي انْظُرُ اخْتِلافَ الأُمَّةِ وَالتمَسُ المنهاجَ الْوَاضحَ وَالسَّبِيل الْقَاصِدَ وَأطلبُ مِن الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَاسْتَدِلُ عَلَى طَرِيقِ الآخِرَة بِإِرْشَادِ الْعُلَمَاء. وَعَقَلْتُ كَثِيرًا مِن كَلام اللهِ بِتَأَوِيلِ الْفُقَهَاءِ وَتَدَبَّرْتُ أَحْوَالَ الأُمَّةِ وَنَظَرْتُ فِي مَذَاهِبِهَا وَأَقَاوِيلِهَا فَعَقَلْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا قُدِّرَ لِي. وَرَأَيْت اخْتِلافَهُم بَحْرًا عَمِيقًا غَرِقَ فِيهِ نَاسٌ كَثِير وَسَلِمَ مِنْهُ عِصَابَةُ قَلِيلَة، وَرَأَيْتُ كُلَّ صَنْفٍ مِنْهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ النَّجَاةَ لِمَنْ تَبِعَهُم وَأَن الْمَهَالِكَ لِمَنْ خَالَفَهَمْ. ثُمَّ رَأَيْتُ النَّاسَ أَصْنَافًا فَمِنْهُمْ الْعَالِمُ بِأَمْرِ الآخِرَة لِقَاؤُهُ عَسِير وَوُجُودُهُ عَزِيز. وَهُوَ يُعِدُّ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا لِثَوَاب الآخِرَة وَالْقُرْبِ مِنْ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

стр. 1017

وَمِنْهُمْ الْجَاهِلُ فَالْبُعْد مِنْهُ غَنِيمَة. وَمِنْهُمْ الْمُتَشبَهُ بالْعُلَمَاءِ مَشْغُوفٌ بِدُنْيَاهُ مُؤَثِّرٌ لَهَا. وَمِنْهُمْ حَامِلُ عِلْمٍ مَنْسُوبٌ إِلَى الدِّين مُلْتَمِسٌ بِعِلْمِهِ التَّعْظِيمَ وَالْعُلُوَّ، يَنَالُ بِالدِّينِ مِنْ عَرَض الدُّنْيَا. وَمِنْهُمْ حَامِلُ عِلْمٍ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ مَا حَمَلَ. وَمِنْهُمْ الْمُتَشَبِّهُ بِالنُّسَّاكَ مُتَحَرٍّ لِلْخَيْرِ لا غِنَاءَ عِنْدَهُ وَلا نَفَاذَ لِعِلْمِهِ وَلا مُعْتَمَدَ عَلَى رَأْيِهِ. وَمِنْهُمْ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْعَقْلِ وَالدَّهَاءِ مَفْقُودُ الْوَرَعِ وَالتُّقَى. وَمِنْهُمْ شَيَاطِينُ الإِنْسَ عَنْ الآخِرَة يَصُدُّونَ وَعَلى الدُّنْيَا يَتَكَالَبُون وَإلى جَمْعِهَا يُهْرَعُونَ وَفِي الاسْتِكْثَارِ مِنْهَا يَرْغَبُونَ. فَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَحْيَاء وَفِي الْعُرْفِ مَوْتَى. فَتَفَقَّدْتُ فِي الأَصْنَافِ نَفْسِي وَضِقْتُ بِذَلِكَ ذَرْعَا فَقَصَدْتُ إِلَى هُدَى الْمُهْتَدِين بِطَلَبِ السَّدَادِ وَالْهُدَى وَاسْتَرْشَدْتُ الْعِلْمَ وَأَعْمَلْتُ الْفِكْرَ وَأَطَلْتُ النَّظَر. فَتَبَيَّنَ لِي مِنْ كِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ أَنَّ إتِّبَاعَ الْهَوَى يُعْمِي عَنْ الرُّشْدِ وَيُطِيلُ عَنْ الْحَقِّ وَيُطِيلُ الْمُكْثَ فِي الْعَمَى. فَبَدَأْتُ أَوَّلاً بِإسْقَاطِ الْهَوَى عَلَى قَلْبِي وَوَقَفْتُ عِنْدَ اخْتِلافِ الأُمَّةِ مُرْتَادًا لِطَلَبِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ. حَذَرًا مِنْ الأَهْوَاءِ الْمُرْدِيَةِ وَالْفِرْقَةِ الْهَالِكَةِ مُتَحَرِّزًا مِنْ الاقْتِحَام قَبْلَ الْبَيَانِ وَالتَمِسُ سَبِيلَ النَّجَاةِ لِنَفْسِي. ثُمَّ وَجَدْتُ بِاجْتِمَاعِ الأُمَّةِ فِي كِتَابِ اللهِ الْمُنَزَّل أَنَّ سَبِيلِ النَّجَاةِ فِي التَّمَسُّكِ بِتَقْوَى اللهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَالْوَرَعُ فِي حَلالِهِ وَحَرَامِهِ وَجَمِيع حُدُودِهِ. وَالإِخْلاص لله تَعَالَى بِطَاعَتِهِ.

стр. 1018

وَالتَّأَسِّي بِرَسُولِهِ ﷺ فَطَلَبْتُ مَعْرِفَةَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي الآثَارِ فَرَأَيْتُ اجْتِمَاعًا وَاخْتِلافًا وَوَجَدْتُ جَمِيعَهُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاللهِ وَأَمره الْفُقَهَاءِ عِنْدَ اللهِ الْعَامِلِينَ بِرِضْوَانِهِ، الْوَرِعِينَ عَنْ مَحَارِمِهِ الْمُتَأَسِّينَ بِرَسُولِهِ ﷺ وَالْمُؤْثِرِينَ الآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا أُوَلئِكَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِأَمْرِ اللهِ وَسُنَنِ الْمُرْسَلِينَ. فَالْتَمَسْتُ مِنْ بَيْنِ الأُمَّةِ هَذَا الصَّنْفَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ وَالْمُوصُوفِينَ بِآثَارِهِمْ وَاقْتَبَسْتُ مِنْ عِلْمِهِمْ فَرَأَيْتُهُمْ أَقَلَّ مِنْ الْقَلِيلِ، وَرَأَيْتُ عِلْمُهُمْ مُنْدَرِسًا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «بَدَا الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَا» . فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ وُهْم الْمُتَفَرِّدُونَ بِدِينِهِمْ. فَعَظُمَتْ مُصِيبَتِي لِفَقْد الأَوْلِيَاءِ الأَتْقِيَاءِ الأَبْرَار وَخَشِيتُ بَغْتَةَ الْمَوْتِ أَنْ يَفْجَأَنِي عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْ عُمْرِي لاخْتِلافِ الأُمَّةِ، فَانْكَمَشْتُ فِي طَالِبِ عِلْمٍ لَمْ أَجِدْ لِي مِنْ مَعْرِفَتِهِ أَبَدًا وَلَمْ أُقَصِّرْ فِي الاحْتِيَاطِ. فَقُيِّضَ لِي الرَّءُوفُ بِعِبَادِهِ قَوْمًا وَجَدْتُ فِيهِمْ دَلائِلَ التَّقْوَى وَأَعْلامَ الْوَرَعَ وَإِيثَارَ الآخِرَة عَلَى الدُّنْيَا. وَوَجَدْتُ إِرْشَادِهُمْ وَوَصَايَاهُمْ مُوَافِقَةً لأَفَاعِيل أَئِمَّةِ الْهُدَى. وَوَجَدْتُهُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى نُصْحِ الأُمَّةِ لا يُرَجُّونَ أَبدًا فِي مَعْصِيَتِهِ وَلا يُقَنِّطُونَ أَبَدًا مِنْ رَحْمَتِهِ. يَرْضُونَ أَبَدًا بِالصَّبْرِ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرْاءِ وَالرِّضَا وَالشُّكْرِ عَلَى النعماء يُحَبِبُونَ اللهَ إِلَى الْعَبْدِ بِذِكْرِهِمْ أيادِيه وَإِحْسَانِهِ وَيَحُثُّونَ الْعِبَادَ عَلَى الإِنَابَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عُلَمَاءُ بِعَظَمَتِهِ تَعَالَى عُلَمَاءُ بِعَظِيمِ قدرَتِهِ وَعُلَمَاءُ بِكِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ فُقَهَاءُ فِي دِينِهِ عُلَمَاءُ بِمَا يُحِبُّ وَيَكْرَهُ وَرِعِينَ عَنْ الْبِدع وَالأَهْوَاءِ تَارِكِينَ لِلتَّعَمُّقِ وَالإِغلاءِ مُبْغِضِينَ لِلْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ مُتَوَرِّعِينَ عَنْ الاغْتِيَابِ وَالظُّلْمِ مُخَالِفِينَ لأَهْوَائِهِمْ مُحَاسِبِينَ لأَنْفُسِهِمْ مَالِكِينَ لِجَوَارِحِهِمْ وَرِعِينَ فِي مَطَاعِمِهِمْ

стр. 1019

وَمَلابِسِهم وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ مُجَانِبِينَ لِلشُّبُهَاتِ تَارِكِينَ لِلشَّهَوَاتِ مُجْتَزِئِينَ بِالْبُلْغَةِ مِنْ الأَقْوَاتِ مُتَقَلِّلِينَ مِنْ الْمُبَاحِ مُشْفِقِينَ مِنْ الْحِسَابِ وَجِلِينَ مِنْ الْمَعَادِ عُلَمَاءُ بِأَمْرِ الآخِرَة وَأَقَاوِيلَ الْقِيَامَةِ رَاجِينَ مِنْ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ جَزِيلَ الثَّوَابِ وَخَائِفِينَ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ وَذَلِكَ أَوْرَثَهُمْ الْخَوْفَ الدَّائِمِ وَالْهَمَّ الْمُقِِيمِ فَشُغِلُوا عَنْ سُرُورِ الدُّنْيَا وَنَعِيمَهَا فَتَبَيَّنَ لِي فَضْلُهُمْ وَاتَّضَحَ لِي نُصْحُهُمْ وَأَيْقَنْتُ أَنَّهُمْ الْعَامِلُونَ بِطَرِيقِ الآخِرَة وَالمتأسُونَ بِالْمُرْسَلِينَ وَالْمَصَابِيحِ لِمَنْ اسْتَضَاءَ بِهِمْ وَالْهَادُونِ لِمَنْ اسْتَرْشَدَ. أ. هـ. قُلْتُ: فَبِمِثْلِ هَؤُلاءِ إِنْ وجدُوا فَلْيَقْتَدِ الْمُقْتَدُونَ. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) : قَالَ ابْنُ الْقَيِّم ﵀: لا يَكُونُ الْعَبْد مُتَحَقِّقًا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إِلا بِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ أَحَدُهُمَا: الإِخْلاص لِلْمَعْبُودِ. وَالثَّانِي: الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وَالنَّاس مُنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهُمْ أَهْل الإِخْلاصِ لِلْمَعْبُودِ وَالْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَهُمْ إِيَّاكَ نَعْبُدُ حَقِيقَةً. فَأَعْمَالُهُمْ كُلّهَا لله، وَأَقْوَالهُم للهِ، وَحُبُّهم للهِ، وَبُغْضُهُمْ للهِ. فَمُعَامَلَتُهُمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِوَجْهِ اللهِ وَحْدَهُ لا يريدون بذَلِكَ من النَّاس جَزَاءً وَلا شُكُورَا. وَلا ابْتِغَاءَ الْجَاهِ عِنْدَهُمْ وَلا طَلَبَ الْمَحْمَدَةِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِهِمْ وَلا هَرَبًا مِنْ ذَمِّهِمْ، بَلْ قَدْ عَدُوا أنفسهم من أصحابِ القبُور لا يملكون لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورَا. فَالْعَمَل لأجل النَّاسِ وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع مِنْهُمْ لا يكون من عارف بِهُمْ البتة، بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه فمن عرف النَّاس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص لَهُ أعماله وأقواله وعطاءه

стр. 1020

منعه وحبه ويغصه، ولا يعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بِاللهِ وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف النَّاس آثر معاملة الله على معاملتهم. القسم الثاني: من لا إخلاص لَهُ ولا متابعة فلَيْسَ عمله موافقا للشرع، ولَيْسَ هُوَ خالص للمعبود كأعمال المتزينين للناس المرائين لَهُمْ بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إِلَى الله ، ولهم أوفر نصيب من قوله تَعَالَى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، يفرحون بما أتوا من البدعة، والضلالة، والشرك، ويحبون أن يحمدوا بإتباع السُنَّة والإِخْلاص. وَهَذَا القسم يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إِلَى العلم والفقر والعبادة عَنْ الصراط المستقيم، فَإِنَّهُمْ يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الإتباع والإِخْلاص والعلم فهم أَهْل الْغَضَب والضلال. القسم الثالث من هُوَ مخلص فِي أعماله لكنها على غير متابعة الأَمْر كجهال العباد والمنتسبين إِلَى طَرِيق الفقر والزهد، وكل من عَبْد اللهِ بغير أمره واعتقَدْ عبادته هَذِهِ قربة إِلَى الله فهَذَا حاله، كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة وأن الْخُلْوَة التي يترك فيها الْجُمُعَة والجماعة قربة، وأن مواصلة صوم النَّهَارَ بالليل قربة وأن صيام يوم يفطر النَّاس كلهم قربة وأمثال ذَلِكَ. القسم الرابع من أعماله على متابعة الأَمْر لكنها لغير الله كطاعة المرائين وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة ويحج ليقَالَ، ويقرأ القرآن ليقَالَ، فهؤلاء أَعْمَالُهُمْ ظاهرها أعمال صَالِحَة مأمور بها لكنها غير صَالِحَة فلا تقبل، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر.. انتهى كلامه ﵀.

стр. 1021

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ صلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: أعز الأَشْيَاءِ فِي الدُّنْيَا الإِخْلاص. قِيْل: لما صار أعز. قَالَ: لأنه لَيْسَ للنفس فيه نصيب. وقَالَ آخر: أعز شَيْء فِي الدُّنْيَا الإِخْلاص وَكَمْ اجتهد فِي إسقاط الرياء عَنْ قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر. فالإِخْلاص فِي غاية الصعوبة فلِذَلِكَ نجد كثيرًا من النَّاس يشرح أعماله للناس يذكر صدقاته وصيامه وصيام التطوع وَكَمْ حج من سُنَّة وَكَمْ عمرة اعتمر وَهُوَ ما سئل وأنه يحيي الليل بالصَّلاة والتلاوة. ويذكر الَّذِينَ يساعدهم بجاهه وماله يريد بذَلِكَ المنزلة فِي قُلُوب العباد وأنه من المحسنين وَهَذَا غلط وضرر عَلَيْكَ فما دمت تعمل لله فما الداعي إِلَى ذكره لمن لا يملكون لا نفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورَا، فالرياء تعب ونصب ولغوب وخسران وذل فِي الدُّنْيَا وخزي وفضيحة وعذاب وندامة فِي الآخِرَة. فالعاقل يعمل الْعَمَل خالصًا لله لا لأجل الخلق ولا لأجل النفس وإلا دخل عَلَيْهِ مطالبه العوض أَوْ تشوق إِلَى حظ من حظوظ الدُّنْيَا. والمهم أن يحرص على إخفاء أعماله لأن الجزاء عَنْدَ من يعلم السِّرّ وأخفى لا إله إلا هُوَ، إلا إن ترجحت مصلحة الإظهار على الإخفاء كَانَ يقتدي به فِي الصدقة أَوْ الزَّكَاة لإِزَالَة التهمة عَنْهُ بعدم إخراجها. قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ . عن أَنَس ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: «من فارق الدُّنْيَا على

стр. 1022

الإِخْلاص لله وحده لا شريك لَهُ وأقام الصَّلاة وآتى الزَّكَاة فارقها والله عَنْهُ راض» . رَوَاهُ ابن ماجه والحاكم وقَالَ: صحيح على شرط الْبُخَارِيّ ومسلم. وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه قَالَ حين بعث إِلَى اليمن: يَا رَسُولَ اللهِ أوصني قَالَ: «أخلص دينك يكفيك الْعَمَل القليل» . رَوَاهُ الحاكم وقَالَ: صحيح الإسناد. وعن ثوبان ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «طُوبَى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كُلّ فتنة ظلماء» . شِعْرًا: ... لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ فِي الْوَرَى ... وَزِينَةُ الْمَرْءُ تُقَىً مَعَ أَدَبْ قَدْ يَشْرفُ الْمَرْءُ بِإِخْلاصِهِ ... صِدْقًا وَإِنْ كَانَ وَضِيعَ النَّسَبْ آخر: ... وَذَكِّرْ بِالتُّقَى نَفَرًا غَفُولاً ... فَلَوْلا السَّقْيُ مَا نَمَتِ الزُّرُوعُ لَعَمْرُكَ إِنَّ الْمَجْدَ وَالْفَخْرَ وَالْعُلا ... وَنِيلَ الأَمَانِي وَاكْتِسَاب الْفَضَائِلِ لِمَنْ يُخْلِصُ الأَعْمَالِ للهِ وَحْدَهُ ... وَيُكْثِرُ مِنْ ذِكْرٍ لَهُ فِي الْمَنَازِلِ وَفِي الْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ يَذْكُرُهُ ... وَيُشْغِلُهُمْ فِي ذِكْرِهِ فِي الْمَحَافِلِ وعن زيد بن ثابت ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «نضر الله امرئً سمَعَ منا حديثًا فبلغه غيره فرب حامل فقه إِلَى من هُوَ افقه منه ورب حامل فقه لَيْسَ بفقيه، ثلاث لا يغل عَلَيْهمْ قلب مُسْلِم إخلاص الْعَمَل لله ومناصحة ولاة الأَمْر ولزوم الجماعة فَإِنَّ دعوتهم تحيط من ورائهم، ومن كَانَتْ الدُّنْيَا نيته فرق الله عَلَيْهِ أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأتيه من الدُّنْيَا إلا ما كتب لَهُ، ومن كَانَتْ الآخِرَة نيته جمَعَ الله أمره وجعل غناه فِي قَلْبهُ وأتته الدُّنْيَا وهي راغمة» . رَوَاهُ ابن حبان وَرَوَاهُ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وعن الضحاك بن قيس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إن الله ﵎ يَقُولُ: أَنَا خَيْر شريك فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يَا أيها النَّاس

стр. 1023

أخلصوا أعمالكم فَإِنَّ الله ﵎ لا يقبل من الْعَمَل إلا ما خلص لَهُ» . أَخْرَجَهُ الْبَزَّار بإسناد لا باس به. وورد عَنْهُ ﷺ أنه قَالَ: «إن الله لا يقبل من الْعَمَل إلا ما كَانَ خالصًا وابتغى به وجهه» . رَوَاهُ أبو داود والنسائي. وعن أبي الدرداء ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما ابتغى به وجهه» . أَخْرَجَهُ الطبراني بإسناد لا بأس به. سئل الفضيل بن عياض ما أخلص الْعَمَل وما أصوبه، قَالَ: إن الْعَمَل إِذَا كَانَ خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وَإِذَا كَانَ صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حَتَّى يكون خالصًا صوابًا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السُنَّة. شِعْرًا: ... هَمُّ الأَلِبَّاءِ إِخْلاصٌ لِخَالِقِهِمْ ... فِيمَا أَمَرْهُمْ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَهَمُّ غَيْرِهِمْ فِي الصُّحْفِ يَقْرَؤُهَا ... أَوْ حَوْلَ مِذْيَاعِهِ يَا خِيبَة الأَمَلِ أَعْظِمْ بِهَا مِنْ نَدَامَاتٍ إِذَا اكْشفَتْ ... يَوْمَ الْجَزَاءِ لأَهْلِ اللَّهْوِ وَالزِّلَلِ آخر: ... لِعَمْرِيَ إِنَّ الْمَجْدَ وَالْفَخْرَ وَالْعُلا ... وَنِيلَ الأَمَانِي وَارْتِفَاعِ الْمَنَازِلِ لِمَنْ يُخْلِصُ الأَعْمَالَ للهِ وَحْدَهُ ... وَيُكْثِرُ مِنْ ذِكْرٍ لَهُ فِي الْمَحَافِلِ آخر: ... مَوَاهِبُ ذِي الْجَلالِ عَلَيْكَ تتَرَى ... بِإِحْسَانٍ وَأَنْتَ بِهَا كَنُودُ يَزِيدُكَ مِنْهُ فَضْلاً كُلَّ يَوْمٍ ... وَأَنْتَ بِضِدِّهِ أَبَدًا تَزِيدُ تَغُرُّكَ أُمُّ دَفْرٍ بِالأَمَانِي ... عَنْ الْعُقْبَى لِتَغْفُلَ يَا بَعِيدُ أَلا فَانْهَضْ إِلَى الْوَهَّابِ وَاشْكُرْ ... لَهُ نِعَما غِزَارًا لا تَبِيدُ اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الصالحين الأَبْرَار، وآتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة وَفِي الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 1024

(فَصْلٌ) : قَالَ ابن الجوز: تباعد عَنْ أَهْل السُّوء وباعد أولادك عنهم لا يعادونك بأفعالهم وأقوالهم وطباعهم ولا يزال يقسو قلبك حَتَّى يستأنس بِهُمْ فهناك الهلاك، والسُّوء يتفاوت فمن أهله أَهْل الفواحش وَمِنْهُمْ أَهْل اللهو وَمِنْهُمْ أَهْل الغيبة والنميمة وَمِنْهُمْ أَهْل الملاهي وآلات الطرب. فَإِنَّهُمْ يسبون أَهْل العقول عقولهم حَتَّى ينحلوا عَنْ دينهم ومروءتهم فيعسر عَلَيْهمْ الخلاص لما يجدونه من لذة النعمَاتَ والأصوات، حَتَّى يكون عادة وطبع فربما يجلس الرجل إليهم وَهُوَ كاره لسماع لغواهم مستوحش من نَفْسهُ ثُمَّ لا يزال على ذَلِكَ حَتَّى يراه حسنا. من كيد الشيطان أن يورد ابن آدم المورد التي يخيل إليه أن فيها منفعته ثُمَّ يصدره المصادر التي فيها عطبه ويتخلى عَنْهُ ويسلمه للهلاك ويقف يتشمت به ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والقتل واللواط والزنا ويدل عَلَيْهِ ويفضحه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ . وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . ثُمَّ اعْلَمْ أن إبلَيْسَ لعنه الله طلاع رصاد وما هُوَ بشَيْء من فخوخه بأوثق لصيده من النساء خُصُوصًا المسناة العجائز الماهرات بالحيل والمكر والخديعة، قَالَ بَعْضُهُمْ: عَجُوزُ النَّحْسِ إِبلَيْسٌ يَرَاهَا ... تُعَلِّمُهُ الْخَدِيعَةَ فِي السُّكُوتِ تَقُودُ مِن السِّيَاسَةِ أَلْفَ بَغْلٍ ... إِذَا انْفَرَدَتْ بِخَيْطِ الْعَنْكَبُوتِ وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على نبينا مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1025

(فَصْلٌ) : ذكر ابن القيم ﵀ الأسباب التي يعتصم بها من الشيطان الأول الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ والمراد بالسمع هنا سمع الإجابة لا السمع العام. الثاني قراءة المعوذتين فَإِنَّ لهما تأثيرًا عجيبًا فِي الاستعاذة بِاللهِ من شر الشيطان ودفعه، ولهَذَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ما تعوذ المتعوذون بمثلهما» . وكَانَ ﷺ يتعوذ بهما كُلّ ليلة عَنْدَ النوم، وأمر عقبة بن عامر أن يتعوذ بهما دبر كُلّ صلاة وذكر ﷺ أن من قرأهما مَعَ صورة الإِخْلاص ثلاثًا حين يمسي وثلاثًا حين يصبح كفتاه من كُلّ شر. الثالث قراءة آية الكرسي. الرابع قراءة سورة البقرة ففي الصحيح عَنْ النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «إن البيت الَّذِي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» . الخامس خاتمة سورة البقرة فقَدْ ثَبَتَ فِي الصحيح عَنْهُ ﷺ أنه قَالَ: «من قرأ الآيتين من آخر البقرة فِي ليلةٍ كفتاه» . السادس أول سورة حم المُؤْمِن إِلَى قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ففي الترمذي عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من قرأ حم المُؤْمِن إِلَى قوله ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حَتَّى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حَتَّى يصبح» . السابع لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ له الملك وله الحمد وَهُوَ على كُلّ شَيْء قدير فِي يوم مائة مرة. ففي الصحيحين أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «من قَالَ لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحمد وَهُوَ على كُلّ شَيْء قدير فِي يوم مائة مرة،

стр. 1026

كَانَتْ عدل عشر رقاب وكتب لَهُ مائة حسُنَّة ومحيت عَنْهُ مائة سَيِّئَة وكَانَ حرزًا لَهُ من الشيطان يومه ذَلِكَ حَتَّى يمسي ولم يأت أحدٌ بأفضل منه إلا رجل عمل أكثر من ذَلِكَ» . الثامن وَهُوَ أنفع الحروز من الشيطان كثرة ذكر الله وَهَذَا بعينه هُوَ الَّذِي دلت عَلَيْهِ سورة النَّاس، فانه وصف الشيطان فيها الشيطان بأنه الخناس الَّذِي إِذَا ذكر الْعَبْد ربه انخنس فإذا غفل عَنْ ذكر الله التقم الْقَلْب وألقى إليه الوساوس، فما أحرز الْعَبْد نَفْسهُ من الشيطان بمثل ذكر الله . الحرز التاسع الوضوء والصَّلاة وَهَذَا من أعظم ما يحترز الْعَبْد به ولاسيما عَنْدَ الْغَضَب والشهوة فَإِنَّهَا نار تصلى فِي قلب ابن آدم، كما روى الترمذي عَنْ النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «ألا وإن الْغَضَب جمرة فِي قلب ابن آدم فما أطفأ الْعَبْد جمرة الْغَضَب والشهوة بمثل الوضوء والصَّلاة» . فَإِنَّ الصَّلاة إِذَا وقعت بخشوعها والإقبال علي الله فيها أذهبت أثر ذَلِكَ جملة وَهَذَا أمر تجربته تغني عَنْ إقامة الدَلِيل عَلَيْهِ. الحرز العاشر إمساك فضول الكلام فَإِنَّهَا تفتح أبوابًا من الشَّر كُلّهَا مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عَنْكَ تلك الأبواب. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. (فَوَائِد ونصائح ومواعظ وحكم وآداب ووصايا) من أَخْلاق المُؤْمِن حسن الْحَدِيث، وحسن الاستماع إِذَا حدث، وحسن البشر إِذَا لقي، ووفاء الوعد إِذَا عد ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. سوء الخلق سبب النكد فِي الحياة والشرور والآثام، فعلى العاقل اللبيب أن يعرف الأَخْلاق السيئة ليتنبها، وهي كثيرة ولا يخلوا احد مَنْهَا فتفقَدْ نفسك وأزل ما فيها.

стр. 1027

فمن ذَلِكَ المكر، والخديعة، والخيانة، والغش، والكذب، والغيبة، والنميمة، والسعاية، والظلم، والرياء، والعقوق، والقطيعة، والكبر، والعجب، والزهو، والأنفة من المسكنة. والنفاق، والخيانة، والغدر، والحسد، والغل، والحقَدْ، والشماتة، والبغضاء، وسوء الظن، والتجسس على الْمُسْلِمِين. وإضمار السُّوء، والتربص بالدوائر، ومساعدة الهوى، ومخالفة الحق، والرضى بالهوى، والحب والبغض بالهوى، والجفاء. والقَسْوَة، وقلة الرحمة، والحرص، والشره، والطمَعَ، والطيرة، والطغيان بالْمَال، والفرح بإقبال الدُّنْيَا، واستقلال الرزق، واحتقار النعم، والاحتقار بمصائب الدين، واستعظام الدُّنْيَا، والحزن على ما فات مَنْهَا. والاستهانة بعلم الله عَنْدَ فعلك للذنب والاستهانة بسماعه ما يصدر منك من المعاصي قولاً وفعلاً، وقلة الحياة من إطلاع الله عَلَيْكَ ومن إطلاع من عَنْ اليمين وعن الشمال قعيد، وأَنْتَ لو اطلع عَلَيْكَ مخلوق ضعيف وأَنْتَ تعمل معصية الله لانزعجت. فتنبه لِذَلِكَ وراقب الله جَلَّ وَعَلا وتقدس وكن منه على حذر. شِعْرًا: ... وَهُوَ الْحَلِيمُ فَلا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعَقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ ... فَهُوَ السَّتِيرُ وَصَاحِبُ الْغُفْرَانِ وَهُوَ الْعَفُّوُ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الْوَرَى ... لَوْلاهُ غَارَ الأَرْضُ بِالسُّكانِ وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ ... شَتَمُوهُ بَلْ نَسَبُوهُ لِلْبُهْتَانِ قَالُوا لَهُ وَلَدٌ وَلَيْسَ يُعِيدُنَا ... شَتْمًا وَتَكْذِيبًا مِن الإِنْسَانِ هَذَا وَذَاكَ بِسَمْعِهِ وَبِعِلْمِهِ ... لَوْ شَاءَ عَاجَلهُمْ بِكُلِّ هَوَانِ لَكِنْ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ ... يُؤْذُونَهُ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرَانِ

стр. 1028

ج (فَصْلٌ) : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: إخواني إِذَا تقرب النَّاس إِلَى الله بأنواع البر الظاهرة مثل الجهاد والحج والصوم والزَّكَاة والصدقة وتلاوة القران وغير ذَلِكَ، فنافسوهم فيها واجعلوا أعظم الرغبة فِي طاعة الْقُلُوب التي لا يطلع عَلَيْهَا الإنس ولا الملائكة ولا الجن، ولا يعلمها إلا علام الغيوب، فَإِنَّ القليل من أعمال البر كثير لسلامته من الرياء وَجَمِيع المكدرات. ألا فتقربوا إِلَى الله بطاعة الْقُلُوب فَإِنَّ فيها المعرفة بعظمة الله وكبريائه وجلاله وقدرته وعَظِيم قدرته سُبْحَانَهُ وتقربوا إليه بمحابه، وبغض مكارهه، والرِّضَا والْغَضَب لَهُ وفيه، وتقربوا إليه بشدة الحب لَهُ، والحب فيه والغض من أجله، وتقربوا إِلَى الله بالمعرفة بأياديه الحسُنَّة ونعمه الظاهرة والباطنة، وأفعاله الجميلة، ومننه المتواترة على تواتر الإساءة منا، وَهُوَ جَلَّ وَعَلا وتقدس يعود بأنواع النعم عَلَيْنَا. ألا فتقربوا إليه بالخوف من زَوَال النعم وشدة الحياء من التقصير فِي الشكر، وتقربوا بالوجل من مكر الله تَعَالَى والإشفاق على إيمانكم، وتقربوا إِلَى الله بشدة الخوف منه، وحَقِيقَة الرجَاءَ فيه، والسرور بذكره، ومناجاته، والشوق إليه، والرغبة فِي جواره، وتقربوا إِلَى الله بصدق اليقين والتوكل عَلَيْهِ والثِّقَة به وَالطُّمَأْنِينَة إليه والأُنْس به والانقطاع إليه. وتقربوا إليه بالوفاء ولين الجانب والجناح والتواضع والخشوع والخضوع، وتقربوا إليه بالحلم والاحتمال وكظم الغيظ وتجرع المرارة، وتقربوا إليه بسلامة الصدر وإرادة الْخَيْر للأمة وكراهة الشَّر لَهُمْ، وتقربوا إِلَى الله بالرأفة والرحمة والشفقة والحوطة على الْمُسْلِمِين، وتقربوا إليه بالجود والكرم والتفضل والإحسان وصدق الوفاء. وتقربوا إليه بالقناعة والعفاف والكفاف والرضى وبالبُلْغَةِ واليأس من نائل

стр. 1029

النَّاس، وتقربوا إليه بالتدبير لكتابه وتفهمه والْعَمَل به والإِخْلاص، وتقربوا إليه بمجاهدة إبلَيْسَ لعنة الله ومخالفة الهوى والنفس الأمارة بالسُّوء والتفقَدْ لأحوالكم والتقوى فِي كُلّ أموركم وتقربوا إِلَى الله بأداء الأمانات، وتقربوا إليه بالإحسان إِلَى المسيء والإيثار على أنفسكم وإن كَانَ بكم خصاصة، وارغبوا فِي مكارم الأَخْلاق. شِعْرًا: ... وَيَا سَائِلِي عَنْ حِرْفَتِي قُلْتُ حِرْفَتِي ... صِيَانَةُ أَوْقَاتِي بِطَاعَةِ خَالِقِي فقَالَ لَقَدْ أَحْسَنْتَ تَصْرِيفَ مُدَّةٍ ... لِعُمْرِكَ فَالْزِمْهَا تَفُزْ بِالسَّعَادَةِ وتقربوا إِلَى الله بالتواضع والابتعاد عَنْ الترفع على عباد الله الْمُؤْمِنِينَ، وتقربوا إِلَى الله بالفرح بمصائب الدُّنْيَا، والرِّضَا بقضاء الله وقدره وتقربوا إِلَى الله بالاستعداد للموت والبعث والنشور والحساب. شِعْرًا: ... دَعِ التَّعْلِيلَ وَالتَّسْوِيفَ وَاقْبِلْ ... عَلَى مَوْلاكَ تَغْنَمْ نَيْلَ حَظِّ أَدِمْ بِالْحَزْمِ إِقْبَلاً عَلَيْهِِ ... عَسَى تَحْظَى بِتَوْفِيقٍ وَحِفْظِ وَنَقِّ الْقَلْبَ مِنْ شُِبُهَاةِ زَيْغٍ ... تَرَاهُ مَعْنَوِيًّا ثُمَّ لَفْظِي وَرِدْ حَوْضَ الشَّرِيعَةِ مَعْ صَفَاءٍ ... وَجَانِبْ كُلَّ ذِي حَسَدٍ وَغَيْظِ وَرَقِّ النَّفْسَ بِالْعُرْفَانِ تَزْكُو ... وَتَظْفَر بِالْمُنَى مِنْ كُلِّ وَعْظِ وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) من أنفع الحياء أن تستحي من الله أن تسأله ما تحب وتأتى ما يكره. قَالَ بَعْضُهُمْ: ربما أصلي لله ركعتين فانصرف وأنَا من الخجل بمنزلة من ينصرف عَنْ السرقة حياء من الله لأني لم أوفها حقها. قَالَ ابن مسعود ﵁: (الدُّنْيَا كُلّهَا غموم فما كَانَ مَنْهَا من سرور فهو ربح) . وقَالَ الجنيد ﵁: لست اسْتَبْشِعُ ما يرد علي لأني قَدْ أصلت أصلاً وَهُوَ أَنَّ الدُّنْيَا دار هم وغم وبَلاء وفتنة وإن العَالِم كله شر.

стр. 1030

ومن حكمه أن يتلقاني بكل ما أكره فَإِنَّ تلقاني بما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هُوَ الأول. وقَالَ بَعْضهمْ: يَا أيها النَّاس أنتم تحبون الروح والروح لله وتحبون الْمَال والْمَال للورثة وتطلبون اثنين ولا تجدونهما الرَّاحَة والفرح وهما فِي الْجَنَّة. فالواجب على الْعَبْد أن لا يوطن نَفْسهُ على الرَّاحَة فِي الدُّنْيَا ولا يركن فيها إِلَى ما يقتضي فرحًا وأنسًا وأن يعمل على قول النَّبِيّ ﷺ فيما روى عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةِ ﵁ «الدُّنْيَا سجن المُؤْمِن» . فتوطين الْعَبْد نَفْسهُ على المحن يهون عَلَيْهِ ما يلقاه ويجد السلوان عَنْدَ ما يهواه. شِعْرًا: ... يُمَثِّلُ ذُو اللُّبِ فِي لُبِّهِ ... شَدَائِدَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلا فَإِنْ نَزَلَتْ بَغْتَةً لَمْ تَرُعْهُ ... لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهُ مَثَلا رَأى الأَمْر يُفْضِي إِلَى آخِرِ ... فَصَيِّرَ آخِرَهُ أَوَّلا وَذُو الْجَهْلِ يَأْمَنْ أَيَّامَهُ ... وَيَنْسَى مَصَارِعَ مَنْ قَدْ خَلا فَإِنْ دَهَمَتْهُ صُرُوفُ الزَّمَانِ ... بِبُغْضِ مَصَائِبِهِ أَعْوَلا وَلَوْ قَدَّمَ الْحَزْمَ فِي نَفْسِهُ ... لَعَلَّمَهُ الصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلا فعلى الإِنْسَان العاقل أن يتلقى ما يرد عَلَيْهِ من المصائب والهموم والغموم والانكاد بالصبر والرِّضَا والاستسلام عَنْدَ جريان الِقَضَاءِ. فعن قريب إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ينجلي الأَمْر ويستوجب من الله جَلَّ وَعَلا جزيل الأجر والثواب والله ولي التَّوْفِيق. وقَالَ أحد الزهاد: جوع قليل، وَعُرْيٌ قليل وذل قليل، وصبر قليل وقَدْ انقضت عَنْكَ أيام الدُّنْيَا. وقَالَ آخر: الصبر جماع كُلّ فضيلة وملاك كُلّ فائدة جزيلة ومكرمة نبيلة. قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 1031

بِمَا صَبَرُواْ﴾ ، وقَالَ جل وعلا وتقدس: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ وقَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . من أنزل حوائجه بِاللهِ تَعَالَى والتجأ إليه وتوكل فِي أمره كله عَلَيْهِ كفاه كُلّ مؤنة، وقرب عَلَيْهِ كُلّ بعيد، ويسر عَلَيْهِ كُلّ عسير، ومن سكن إِلَى علم نَفْسهُ وعقله، واعتمد على قوته وحوله وكله الله إِلَى نَفْسهُ وخذل وحرم التَّوْفِيق فلم تنجح مطالبه ولم تتيسر مآربه. شِعْرًا: ... أَقَرَّ عَلَى حُكْمِ الرَّدَى الْمُتَخَمِّطُ ... وَقَرَّ كَأَنْ لَمْ يُصْرَعِ الْمُتَخَبِّطُ عَلَيْكَ سَبِيلُ الْخَيْرِ وَانْظُرْ إِلَى الَّذِي ... تَأَبَّطَ شَرًّا هَلْ نَجَا الْمُتَأَبِّطُ وَإِيَّاكَ وَالتَّفْرِيطَ فِي الْبِرِّ وَالتُّقَى ... فَكَمْ قَرَعَ السِّنَّ الذُّهُولُ الْمُفَرِّطُ وَحَاوِلْ مِن الدُّنْيَا الدَّنِيةِ مَخْلِصًا ... وَأَنَّى وَأَنْتَ النَّاشِبُ الْمُتَوَرِّطُ لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْر مَا عَزَّ قَاسِطٌ ... وَلَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا وَلا ذَلَّ مُقْسِطُ تَبَرَّأَ غَالٍ مِنْ مَسَاعِيهِ مُسْرِفٌ ... وَأَحْمَدَ عُقْبَى أَمْرِهِ الْمُتَوَسِّطُ سَيَنْخَفِضُ الطَّمَّاحُ إِثْمًا وَعِزَّةً ... وَيَنْقَبِضُ التَّلْعَابَةُ الْمُتَبَسِّطُ آخر: ... سَهَوْنَا عَنْ مُسَاوَرَةِ الْمَنَايَا ... فَيَا للهِ مِنْ سَهْوِ الْعِبَادِ وَغَرَّتْنَا مُسَاعَدَةُ الأَمَانِي ... فَلَمْ نَحْزَنْ عَلَى الْعُمْرِ الْمُبَادِ وَكَمْ نَادَتْ فَأَسْمَعَتِ اللَّيَالِي ... وَلَكِنْ لا مُصِيخَ إِلَى مُنَادِ مُجَاهَرَةٌ بِنُكْرٍ دُونَ عُرْفٍ ... وَتَنْدِيدٌ يُعَادُ بِكُلِّ نَادِ يَطُولُ تَعَجُّبِي مِنَّا حَلَلْنَا ... وَلَمْ نَخَفِ السُّيُولَ بِبَطْنِ وَادِ وَلَمْ أَرَ مِثْلَنَا سَفَرًا تَبَارَوْا ... إِلَى الْغَايَاتِ سَيْرًا دُونَ زَادِ اللهم وَفَّقَنَا توفيقًا يَقِينَا عَنْ معاصيك وأرشدنا إِلَى السعي فيما يرضيك وأجرنا يَا مولانَا من خزيك وعذابك وهب لَنَا ما وهبته لأوليائك وأحبابك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 1032

(فَصْلٌ) : فائدة - قَالَ ابن القيم ﵀: لشهادة أن لا إله إلا الله عَنْدَ الموت تأثير عَظِيم فِي تكفير السيئات وإحباطها لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قَدْ ماتت منه الشهوات ولانت نَفْسهُ المتمردة وانقادت بعد إبائها، وأقبلت بعد أعراضها، وذلت بعد عزها وخَرَجَ مَنْهَا حرصها على الدُّنْيَا وفضولها واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كَانَتْ لَهُ وأرجى ما كَانَتْ لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد مَنْهَا التَّوْحِيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه. فزالت مَنْهَا تلك المنازعات التي كَانَتْ مشغولة بها، واجتمَعَ همها على من أيقنت بالقدوم عَلَيْهِ والمصير إليه، فوجه الْعَبْد وجهه بكليته إليه، واقبل بقَلْبهُ وروحه وهمه عَلَيْهِ، فاستسلم لله وحده ظاهرًا وباطنًا واستوى سره وعلانيته. فقَالَ: لا إله إلا الله مخلصًا من قَلْبهُ وقَدْ تخلص من التعلق بغيره والالتفات إِلَى ما سواه، قَدْ خرجت الدُّنْيَا كُلّهَا من قَلْبهُ وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قَلْبهُ من الآخِرَة، فصَارَت نصب عينيه، وصَارَت الدُّنْيَا وراء ظهره. فَكَانَتْ تلك الشهادة الْخَالِصَة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه لأنه لقِيَ ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها وعلانيتها فلو حصلت لَهُ الشهادة على هَذَا الوجه فِي أيام الصحة لا ستوحش من الدُّنْيَا وأهلها وفر إِلَى الله من النَّاس وأنس به دون من سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأنس بها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إِلَى غير الله فلو تجردت كتجردها عِنْدَ الموت لكَانَ لها نبأ آخر وعيش آخر سِوَى عيشها البهيمي. وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ. شِعْرًا: ... إِذَا مَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا ... حَيَاةً حُلْوَةَ الْمَحْيَا فَلِلْفُرُوضِ لا تَهْمَلْ ... وَذِكْرُ اللهِ لا تَنْسَى

стр. 1033

شِعْرًا: ... أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَرْأَ يَحْبِسُ مَالَهُ ... وَوَارِثَهُ فِيهِ غَدًا يَتَمَتَّعُ كَأَنَّ الْحُمَاةَ الْمُشْفِقِينَ عَلَيْكَ قَدْ ... غَدَوْا بِكَ أَوْ رَاحُوا رَوَاحًا فَأَسْرَعُوا وَمَا هُوَ إِلا النَّعْشُ لَوْ قَدْ أَتَوَ بِهِ ... تُقَلَّ فَتُلَقَى فَوْقَهُ ثُمَّ تُرْفَعُ وَمَا هُوَ إِلا حَادِثٌ بَعْدَ حَادِثٍ ... عَلَيْكَ فَمِنْ أَيِّ الْحَوَادِثِ تَجْزَعُ وَمَا هُوَ إِلا الْمَوْتُ يَأَتِي لِوَقْتِهِ ... فَمَالكَ فِي تَأْخِيرِهِ عَنْكَ مَدْفَعُ أَلا وَإِذَا وُدِّعْتَ تَوْدِيعَ هَالِكٍ ... فَآخِرُ يَوْمٍ مِنْكَ يَوْمَ تُوَدَّعُ أَلا وَكَمَا شَيَّعْتَ يَوْمًا جَنَائِزًا ... فأَنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُمْ سَتُشَيَّعُ رَأَيْتُكَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثِقَةٍ بِهَا ... وَإِنَّكَ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَ الْمُرَوَّعُ وَصَفْتَ التُّقَى وَصْفًا كَأَنَّكَ ذُو تُقَى ... وَرِيحُ الْخَطَايَا مِنْ ثِيَابِكَ تَسْطَعُ وَلَمْ تُعْنَ بِالأَمْرِ الَّذِي هُوَ وَاقِعُ ... وَكُلُّ امْرِئٍ يَعْنَى بِمَا يَتَوَقَّعُ وَإِنَّكَ لِلْمَنْقُوصِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ... وَكُلُّ بَنِي الدُّنْيَا عَلَى النَّقْصِ يُطْبَعُ وَمَا زِلْتُ أَرْمي كُلَّ يَوْمٍ بِعِبْرَةٍ ... تَكَادُ لَهَا صُمُّ الْجِبَالِ تَصْدَعُ فَمَا بَالُ عَيْنِي لا تَجُودُ بِمَائِهَا ... وَمَا بَالُ قَلْبِي لا يَرِقُّ وَيَخْشَعُ تَبَارَكَ مَنْ لا يَمْلِكُ الْمُلْكَ غَيْرُهُ ... مَتَى تَنْقَضِي حَاجَاتُ مَنْ لَيْسَ يَقْنَعُ وَأَيُّ امْرئٍ فِي غَايَةٍ لَيْسَ نَفْسُهُ ... إِلَى غَايَةٍ أُخْرَى سِوَاهَا تَطَلَّعُ وَبَعْضُ بَنِي الدُّنْيَا لِبَعْضٍ ذَرِيعَةٌ ... وَكُلٌّ بِكُلَّ قَلَّمَا يَتَمَتَّعُ يُجِبُّ السَّعِيدُ الْعَدْلَ عِنْدَ احْتِجَاجِهِ ... وَيَبْغِي الشَّقِيُّ الْبَغْيَ وَالْبَغْيُ يَصْرَعُ اللَّهُمَّ ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الحَسْرَة والندامة يوم القيامة وخفف عنا ثقل الأوزار، وارزقها عيشة الأَبْرَار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 1034

(موعظة) عباد الله كلنا نعلم أن حياتنا مهما امتدت وصفت للزَوَال، وكَذَلِكَ كُلّ واحد منا يعلم أنه أتى للدنيا للاختيار بما كلفنا به من العبادات والمعاملات، سيصبح الواحد منا عما قريب فِي حفرة وحيدًا لَيْسَ معه أولاد ولا أموال، وحينئذ تَكُون أيها الأخ كأنك ما رَأَيْت الدُّنْيَا ولا هِيَ رأتك لحظة من اللحظات. ويا ليتك إِذَا زالت الحياة تزول دون أن يترتب عَلَيْهَا آثار لو كَانَ ذَلِكَ لأحب بعضنا الموت، لأنه يكون بشيرًا بانتهاء الأمراض والمصائب والآلام لكنك تعلم أنه يعقب ذَلِكَ الموت أهوال، وأمور مزعجات، تلاقي جزاء ما كَانَ منك قبل الموت فِي الاختيار. فإن كنت قَدْ أحسنت، رَأَيْت قبرك روضة نعيم، وإن كنت مسيئًا رأيته نيرانًا محرقات. عن البراء بن عازب قَالَ: كنا فِي جنازة رجل من الأنصار ومعنا رسول الله ﷺ فانتهينا إِلَى القبر ولم يلحد، ووضعت الجنازة وجلس رسول الله ﷺ فقَالَ: «إن المُؤْمِن إِذَا احتضر أتاه ملك الموت فِي أحسن صورة، وأطيب ريحًا، فجلس عنده لِقَبْضِ رُوحِهِ، وأتاه ملكَانَ بحنوط من الْجَنَّة وكانَا منه على بعيد فاستخَرَجَ ملك الموت روحه من جسده رشحًا. فإذا صَارَت إِلَى ملك الموت ابتدرها الملكَانَ فأخذاها منه فحنطاها بحنوط من الْجَنَّة وكفناها بكفن من الْجَنَّة ثُمَّ عرجا بها إِلَى الْجَنَّة، فتفتح لَهُ أبواب السماء، وتستبشر الملائكة بها ويقولون: لمن هَذِهِ الروح الطيبة التي فتحت لها أبواب السماء. ويسمى بأحسن الأسماء التي كَانَ يسمى بها فِي الدُّنْيَا، فيقَالَ هَذِهِ روح

стр. 1035

فلان فإذا صَعَدَا بها إِلَى السماء شيعها مقربوا كُلِّ سماء حَتَّى توضع بين يدي الله عَنْدَ العرش، فيخَرَجَ عملها من عليين فَيَقُولُ الله للمقربين: اشهدوا أني قَدْ غفرت لصَاحِب هَذَا الْعَمَل. ويختم كتابه فيرد فِي عليين. فَيَقُولُ الله : ردوا روح عبدي إِلَى الأَرْض، فإني وعدتهم أني أردهم فيها. ثُمَّ قرأ رسول الله ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ فإذا وضع المُؤْمِن فِي لحده تَقُول لَهُ الأَرْض: إن كنت لحبيبًا إِليَّ وأَنْتَ على ظهري، فَكَيْفَ إذ صرت الْيَوْم فِي بطني سأريك ما أصنع بك، فيفسح لَهُ فِي قبره مد بصره. وقَالَ رسول الله ﷺ : «إِذَا وضع الكافر فِي قبره أتاه منكر ونكير فيجلِسَانه فيقولان لَهُ: من ربك؟ فَيَقُولُ: لا أدري. فيقولان لَهُ: لا دريت، فيضربانه ضربة فيصير رمادًا، ثُمَّ يعاد فيجلس فيقولان لَهُ: ما قولك فِي هَذَا الرجل. فَيَقُولُ: أي رجل؟ فيقولان: مُحَمَّد ﷺ فَيَقُولُ: قَالَ النَّاس إنه رسول الله ﷺ فيضربانه ضربة فيصير رمادًا» . ويا ليت الأَمْر ينتهي ويقف عَنْدَ هَذَا الحد، فتبقى فِي قبرك على الدوام، فإنه أخف مِمَّا بعده، فتَكُون آلامك فيه أخف إن كنت من أَهْل الشقاء والآثام، ولكن تعلم أن ما أخبر به الله سيقع، وَهُوَ القيام من القبور، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وحينئذ تسوقك نتيجة اختبارك إما إِلَى الْجَنَّة وإما إِلَى السعير، من كَانَ مكذبًا بهَذَا والعياذ بِاللهِ فلا كلام لَنَا معه، لأن مآله إِلَى جهنم وبئس المهاد لأنه من الكافرين، وإن كَانَ مؤمنًا بذَلِكَ كما أخبر الله ورسوله فهو الَّذِي تفيد فيه المواعظ وضرب الأمثال ويقَالَ: لماذا نراك متصفًا بما يخالف قولك.

стр. 1036

شِعْرًا: ... فَأَكْثَرُ مَنْ تَلْقَى يَسُرُّكَ قَوْلُهُ ... وَلَكِنْ مَنْ يَسُرُّكَ فِعْلُهُ اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن عَلَيْنَا يَا مولانَا بتوبة تمحو بها عنا كُلّ ذنب وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَخِتَامَ لا تَصْحُو وَقَدْ قَرُبَ الْمَدى ... وَحَتَّام لا يَنْجَابُ عَنْ قَلْبِكَ السُّكْرُ بَلَى سَوْفَ تَصْحُو حِينَ يَنْكَشِفُ الْغَطَا ... وَتَذْكُرُ قَوْلِي حِينَ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ آخر: ... وَمُنْتَظِرٍ لِلْمَوْتِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... يَشِيدُ وَيَبْنِي دَائِمًا وَيُحَصِّنُ لَهُ حِينَ تَبْلُوهُ حَقِيقَةُ مُوقِنَ ... وَأَفْعَالُهُ أَفْعَالُ مَنْ لَيْسَ يُوقِنُ " فَصْلٌ يَحْتَوِيْ عَلَى الإِنْكَارِ عَلَى المُنْحَرِفِيْنْ " نراك فِي ليلك ونهارك فِي ما يغضب مولاك فلسانك فِي ميدان الفحش، ومنكر القول جواد عَظِيم وعينك فِي أودية النظرات الخائبة دَائِمًا تجول وتهيم، وفرجك لا يتهيب أن يتجاوز أرضه الطيبة إِلَى الأَرْض الوبيئة الخبيثة وأما بطنك فلا يعف عَنْ أخبث المأكولات، وأما أذنك فمصغية وسامعة إِلَى ما لا يحل من الكلام. وأما رجلك فساعية إِلَى المعاصي والآثام، وأما يدك فباطشة بالضعيف دون توقع، فيا مسكين أن المعاصي عدو مبين، يعلم ذَلِكَ كُلّ مُؤْمِن عاقل فضلاً عَنْ المُؤْمِن يلقي نَفْسهُ فيها، فاتعظ وتنبه أيها الأخ وبرهن على إِنَّكَ تميز بين النافع والضار. شِعْرًا: ... إِنَّ فِي الْمَوْتِ وَالْمَعَادِ لَشُغْلاً ... وَادِّكَارًا لِذِي النُّهَى وَبَلاغَا

стр. 1037

فَاغْتَنِمْ خِصْلَتَيْنِ قَبْلَ الْمَنَايَا ... صِحَّةَ الْجِسْمِ يَا أَخِي وَالْفَرَاغَا آخر: ... فَبَادِرْ مَتَابًا قَبْلَ يُغْلَقُ بَابَهُ ... وَتُطْوَى عَلَى الأَعْمَالِ صُحْفُ التَّزَوُّدِ وَمَثْلُ وُرُودَ الْقَبْرِ مَهْمَا رَأَيْتَهُ ... لِنَفْسِكَ نِفَاعًا فَقَدِّمْهُ تَسْعَدِ آخر: ... يَا طَالِبًا رَاحَةً مِنْ دَهْرِهِ عَبَثًا ... أَقْصِرْ فَمَا الوَقْتِ إِلا بِالْهُمُومِ مُلِي كَمْ مَنْظَرٍ رَائِقٍ أَفْنَتْ جَمَالَته ... يَدُ الْمَنُونِ وَأَعْيَتْهُ عَنْ الْحِيَلِ وَكَمْ هُمَامٍ وَكَمْ قَرْمٍ وَكَمْ مَلِكٍ ... تَحْتَ التُّرَابِ وَكَمْ شَهْمٍ وَكَمْ بَطَلِ وَكَمْ إِمَامٍ إِلَيْهِ تَنْتَهِي دُوَلٌ ... قَدْ صَارَ بِالْمَوْتِ مَعْزُولاً عَنْ الدُّوَل وَكَمْ عَزِيزٍ أَذَلَّتْهُ الْمَنُونُ وَمَا ... أَنْ صَدَّهَا عَنْهُ مِنْ مَالٍ وَلا خَوَلِ يَا عَارِفًا دَهْرَهُ يَكْفِيكَ مَعْرِفَةً ... وَإِنْ جَهلْتَ تَصَارِيفَ الزَّمَانِ سَلِ هَلْ فِي زَمَانِكَ أَوْ قَبْلَهُ سَمِعَتْ ... أُذْنَاكَ أَنَّ ابنَ أُنْثَى غَيْرُ مُنْتَقِلِ وَهَلْ رَأَيْتَ أُنَاسًا قَدْ عَلوا وَغَلَوا ... فِي الْفَضْلِ زَادُوا بِمَا نَالُوا عَنْ الأَجَلِ أَوْ هَلْ نَسِيتَ (لِدُوا لِلْمَوْتِ) أَوْ عَمِيَتْ ... عَيْنَاكَ عَنْ وَاضِعٍ نَعْشًا وَمُحْتَمِلِ وَهَلْ رَعَى الْمَوْتُ ذَا عِزِّ لِعِزَّتِهِ ... أَوْ هَلْ خَلا أَحَد دَهْرًا بِلا خَلَلِ المَوْتُ بَابٌ وَكُلُّ النَّاسِ دَاخِلُهُ ... لَكِنْ ذَا الْفَضْلِ مَحْمُولٌ عَلَ عَجَلِ ولَيْسَ فَقْدُ إِمَامٍ عَالِمٍ عَلَمٍ ... كَفَقْدِ مَنْ لَيْسَ ذَا عِلْمٍ وَلا عَمَلِ ولَيْسَ مَوْت الَّذِي مَاتَتْ لَهُ أُمَمٌ ... كَمَوْتُ شَخْصٍ مِنْ الأَوْغَادِ وَالسَّفَلِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ وقوي إيماننا بك وملائكتك وكتبك ورسلك والْيَوْم الآخِر والقدر خيره وشره، اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وَوَفِّقْنَا لامتثال أمرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ وأَنْتَ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " فَصْلٌ فِي الرَّجَاء " الرجَاءَ قِيْل فِي تعريفه هُوَ ارتياح لانتظار ما هُوَ محبوب عَنْدَ الإِنْسَان

стр. 1038

ولكن ذَلِكَ المتوقع لابد لَهُ من سبب حاصل، فَإِنْ لم يكن السبب معلوم الوجود ولا معلوم الانتقاء سمي تمنيًا لأنه انتظار من غير سبب ولا يطلق اسم الرجَاءَ والخوف إلا على ما يتردد فيه. فأما ما لا يتردد فيه ويقطع به فلا إِذًا، لا يقَالَ أرجو طلوع الشمس ولكن يقَالَ أرجو نزول المطر، وأخاف انقطاعه وضد الرجَاءَ اليأس وَهُوَ تذكر فوت رحمة الله، وقطع الْقَلْب عَنْ ذَلِكَ، واليأس معصية، قَالَ تَعَالَى إخبارًا عما قاله يعقوب ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ . شِعْرًا: ... لا تَرْجُ غَيْرَ اللهِ سُبْحَانَهُ ... وَاقْطَعْ عُرَى الآمَالِ مِنْ خَلْقِهِ لا تَطْلُب الْفَضْلَ مِنْ غَيْرِهِ ... وَاضْنُنْ بِمَاءِ الْوَجْهِ وَاسْتَبْقِهِ فَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ وَمَا لامْرِئٍ ... يَكُونُ طُولَ الدَّهْرِ فِي رِقِّهِ آخر: ... التَمِسِ الأَرْزَاقِ عَنْ الَّذِي ... مَا دُونَهُ إِنْ سُئِلَ مِنْ حَاجِبِ وَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ ... بِغَيْرِ تَوْقِيعٍ مِنْ الْكَاتِبِ ومقدمَاتَ الرجَاءَ أربع، الأولى: ذكر سوابق فضل الله إِلَى الْعَبْد. وَالثَّانِيَة: ذكر ما وعد الله من جزيل ثوابه وعَظِيم كرمه وجوده دون استحقاق أَوْ سؤال. الثالثة: ذكر كثرة نعم الله عَلَيْكَ فِي أمر دينك وبدنك ودنياك فِي الحال من أنواع الإمداد والألطاف من غير استحقاق أَوْ سؤال. والرابعة: ذكر سعة رحمة الله تَعَالَى وسبقها غضبه وأنه الرحمن الرحيم الغنى الكريم الرؤوف بعباده الْمُؤْمِنِينَ، وقوة الرجَاءَ على حسب قوة المعرفة بِاللهِ وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه. قَالَ ابن القيم ﵀ فالرجَاءَ ضروري للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أَوْ كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو إصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها.

стр. 1039

وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها والرجَاءَ من الأسباب التي ينال بها الْعَبْد ما يرجوه من ربه بل هُوَ من أقوى الأسباب. أهـ. وقَالَ فِي مختصر منهاج القاصدين: وقَدْ علم أرباب الْقُلُوب أنَّ الدُّنْيَا مزرعة الآخِرَة والْقَلْب كالأَرْض والإيمان كالبذر فيها والطاعات جارية مجرى تنقية الأَرْض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها. وأن الْقَلْب المستغرق بالدُّنْيَا كالأَرْض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة هُوَ يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر الإِيمَان، وقل أن ينفع إيمان مَعَ خبث الْقَلْب وسوء أخلاقه، كما لا ينمو البذر فِي الأَرْض السبخة. فينبغي أن يقاس رجَاءَ الْعَبْد المغفرة برجَاءَ صَاحِب الزرع، فكل من طلب أرضًا طيبةً وألقى فيها بذرًا جيدًا غير مسوسٍ وعفنٍ، ثُمَّ ساق إليها الماء فِي أوقات الحاجة ونقى الأَرْض من الشوك والحشيش وما يفسد الزرع. ثُمَّ جلس ينتظر من فضل الله تَعَالَى دفع الصواعق والآفات المفسدة إِلَى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، فهَذَا يسمى انتظاره رجَاءَ، فَأَمَّا إن بذر فِي أرض سبخة صلبة مرتفعة لا يصل إليها الماء ولم يتعاهدها أصلاً ثُمَّ انتظر الحصاد فهَذَا يسمى انتظاره حمقًا وغرورًا لا رجَاءً. وإِنْ بث البذر فِي أرض طيبة، ولكن لا ماء لها وأخذ ينتظر مياه الأمطار سمي انتظاره تمنيًا لا رجَاءً، فَإِنَّ اسم الرجَاءَ إِنما يصدق على انتظار محبوب، تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيار الْعَبْد، ولم يبق إلا ما لَيْسَ إِلَى اختياره، وَهُوَ فضل الله سُبْحَانَهُ بصرف الموانع المفسدات. فالْعَبْد إِذَا بث بذر الإِيمَان وسقاه ماء الطاعات، وطهر الْقُلُوب من شوك الأَخْلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تَعَالَى ثباته على ذَلِكَ إِلَى الموت، وحسن

стр. 1040

الخاتمة المفضية إِلَى المغفرة كَانَ انتظاره لِذَلِكَ رجَاءً محمودًا باعثًا على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإِيمَان إِلَى الموت. شِعْرًا: ... تَرَى الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَصْبُو ... وَمَا يَخْلُو مِنَ الشَّهَوَاتِ قَلْبُ فُصُولُ الْعَيْشِ أَكْثَرُهَا هُمُومٌ ... وَأَكْثَرَ مَا يَضُرُّكَ مَا تُحِبُّ فَلا يَغْرُوكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ ... وَعَيْشٌ لَيِّنُ الأعْطَافِ رَطْبُ وإن قطع بذر الإِيمَان عَنْ تعهده بماء الطاعات أَوْ ترك الْقَلْب مشحونًا برذائل الأَخْلاق وانهمك فِي طلب لذات الدُّنْيَا، ثُمَّ انتظر المغفرة كَانَ ذَلِكَ حمقًا وغرورًا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ وذم القائل ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً﴾ . شِعْرًا: ... أَفِي السَّبَخَاتِ يَا مَغْبُونُ تَبْنِي ... وَمَا أَبْقَى السِّبَاخُ عَلَى الأَسَاسِ ذُنُوبُكَ جَمَّةٌ تَتْرَى عِظَامًا ... وَدَمْعُكَ جَامِدٌ وَالْقَلْبُ قَاسِي وَأَيَّامًا عَصَيْتَ اللهَ فِيهَا ... وَقَدْ حَفِظْتُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ نَاسِي فَكَيْفَ تُطِيقُ يَوْمَ الدِّين حِمْلاً ... لأَوْزَارِ الْكَبَائِرِ كَالرَّوَاسِي هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي لا وِدَّ فِيهِ ... وَلا نَسَبٌ وَلا أَحَدٌ مُوَاسِي اللَّهُمَّ يَا عَالِم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يَا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا أَنْتَ إليك المصير، نسألَكَ أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله علي مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. (موعظة) : عباد الله يَقُولُ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ عباد الله إن الصَّلاة عماد الدين وأعظم أركَانَ الإِسْلام بعد الشهادتين، وهي قرة عين المُؤْمِن وطمأنينة قَلْبهُ تبدو

стр. 1041

واضحة فِي وقوفه بين يدي ربه، وخشوعه وانكساره، عِنْدَمَا يتجه إليه فِي عبادته، ويقف خاضعًا ذليلاً بين يدي العزيز الحكيم. عباد الله من حافظ على الصَّلاة فهو السَّعِيد الرابح، ومن أضاعها فهو الشقي الخاسر، وإن اللبيب العاقل من إِذَا حضر للصلاة اقبل بقَلْبهُ وقالبه، وطرح الدُّنْيَا وشؤنها ومتعلقاتها جانبًا وتدبر ما يتلوه إن كَانَ وحده أَوْ إمامًا. وأنصت وأحضر قَلْبهُ إن كَانَ مأمومًا وتفهم ما يسمَعَ وابتهل وتضرع إِلَى مولاه. (موعظة) : عباد الله إن الخشوع فِي الصَّلاة هُوَ روحها، والمحور الَّذِي تدور عَلَيْهِ سائر أفعالها، والخشوع فيها مَعَ الإِخْلاص لله آية الإِيمَان وسبب الفلاح وأمان من وساوس الشيطان. ألا وإن الصَّلاة بلا خشوع كجسد بلا روح قَالَ ابن عباس ﵄ (لَيْسَ لَكَ من صلاتك إلا ما عقُلْتُ مَنْهَا) . وَفِي المسند مرفوعًا: «إن الْعَبْد ليصلي الصَّلاة ولم يكتب لَهُ إلا نصفها أَوْ ثلثها أَوْ ربعها حَتَّى بلغ عشرها» . وقَدْ علق الله فلاح المصلين بالخشوع فِي صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فلَيْسَ من أَهْل الفلاح ولو اعتد لَهُ بها ثوابًا لكَانَ من المفلحين هكَذَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء. قَالُوا: وأما الاعتداد بها فِي أحكام الدُّنْيَا وسقوط الِقَضَاءِ فَإِنَّ غلب الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعًا، وكَانَتْ السُّنَن والأذكار وعقبها جوابر ومكملات لنقصها، وإن غلب عَلَيْهِ عدم الخشوع فيها وعدم تعلقها. فقَدْ اختلف الْعُلَمَاء فِي وجوب إعادتها واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عَلَيْهَا، ولم يضمن لَهُ فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته مَنْهَا، ويسقط الِقَضَاءِ عَنْهُ كصلاة المرائي قَالُوا: ولأن الخشوع والعقل روح الصَّلاة، ومقصوها ولبها،

стр. 1042

فَكَيْفَ يعتد بصلاة فقدت روحها، ولبها وبقت صورتها وظاهرها. قَالُوا: ولو ترك الْعَبْد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بَعْضًا من ابعاضها منزلة فوات عضو من أعضاء الْعَبْد المعتق فِي الكفارة، فَكَيْفَ إِذَا عدمت روحها ومقصودها، وصَارَت بمنزلة الْعَبْد الميت فإذا لم يعتد بالْعَبْد المقطوع اليد يعتقه تقربًا إِلَى الله تَعَالَى فِي كفارة واجبةٍ فَكَيْفَ يعتد بالْعَبْد الميت. وقَالَ بَعْض السَّلَف: الصَّلاة كجارية تهدى إِلَى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدى إليه جارية شلاء أَوْ عوراء أَوْ عمياء أَوْ مقطوعة اليد أَوْ الرجل أَوْ مريضة أَوْ دميمة أَوْ قبيحة حَتَّى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فَكَيْفَ بالصَّلاة التي يهديها الْعَبْد ويتقرب بها إِلَى ربه تَعَالَى والله طيب لا يقبل إلا طيب ولَيْسَ من الْعَمَل الطيب صلاة لا روح فيها كما أنه لَيْسَ من العتق الطيب عتق بلا روح. قَالُوا: وتعطيل الْقَلْب عَنْ عبودية الحضور والخشوع تعطيل لملك الأعضاء عَنْ عبوديته وعزل لَهُ عَنْهَا فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقَدْ عزل ملكها وتعطل. قَالُوا: والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائمًا بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وَإِذَا فسدت عبوديته بالغَفْلَة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون. قَالُوا: ولأن عبودية من غلبت عَلَيْهِ الغَفْلَة والسهو فِي الغالب لا تَكُون مصاحبة للإخلاص فَإِنَّ الإِخْلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغَافِل لا قصد لَهُ فلا عبودية لَهُ.

стр. 1043

قَالُوا: وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، ولَيْسَ السهو عَنْهَا تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما السهو عَنْ واجبها إما عَنْ الحضور أَوْ الخشوع. والصواب أنه يعم النوعين فإنه سُبْحَانَهُ أثَبِّتْ لَهُمْ صلاة ووصفها بالسهو عَنْهَا، فهو السهو عَنْ وقتها الواجب أَوْ عَنْ إخلاصها وحضورها الواجب، ولِذَلِكَ وصفهم بالرياء، ولو كَانَ السهو سهو ترك لما كَانَ هناك رياء أ. هـ. وبالتالي فَإِنَّ الْعَبْد إِذَا مرن نَفْسهُ وقَلْبهُ على التفهم والتدبر والخشوع والخضوع فِي الصَّلاة انغرست فِي قَلْبهُ خشية الله ومحبته والرغبة فيما لديه وحضرته هيبة خالقه فِي جميع أحواله وَفِي جميع أعماله. فإذا سولت لَهُ نَفْسهُ أمرًا أَوْ زين لَهُ الشيطان سوءًا تبرأ منهما قائلاً إِني أخاف الله رب العالمين فكن فِي صلاتك خاشعًا خاضعًا مخبتًا. فإذا قُلْتُ الله أكبر فاستحضر عظمة الله وأنه لا شَيْء أكبر منه ولا شَيْء أعظم منه وأنه مستحق لأن يعظم ويجل ويقدر وأنه لَيْسَ أحد يساويه أَوْ يدانيه فِي عظمته. وإذا قُلْتُ الحمد لله رب العالمين فاستحضر أنه المستحق للثناء وأنه المربي لجميع الخلق التربية العامة والمربي لخواص خلقه التربية الخاصة، وهي تربية الْقُلُوب على العقائد النافعة، والأعمال الصَّالِحَة، والأَخْلاق الفاضلة. وَإِذَا قُلْتُ الرحمن الرحيم استحضرت لرحمته العامة والخاصة راجيًا منه أن يجعلك ممن كتبها لَهُمْ فإذا قُلْتُ مالك يوم الدين مجدته واستحضرت لوقوفك بين يديه وَهُوَ أحكم الحاكمين. فإذا قُلْتُ إياك نعبد وَإِيَّاكَ نستعين استحضرت أنَّكَ تخصه وحده بالعبادة

стр. 1044

والاستعانة، المعنى نعبدك ولا نعبد غيرك ونستعين بك ولا نستعين بغيرك. فإذا قُلْتُ أهدنا الصراط المستقيم استحضرت أنَّكَ تتضرع إليه وتسأله أن يدلك ويرشدك ويوفقك إِلَى سلوك الصراط المستقيم وأن يثبتك عَلَيْهِ فهَذَا الدُّعَاء من أجمَعَ الأدعية وأنفعها للعبد ولهَذَا وجب على الْعَبْد أن يدعو به فِي كُلّ ركعة من صلاته لضرورته إِلَى ذَلِكَ وَهَذَا الصراط هُوَ صراط المنعم عَلَيْهمْ من النبيين. والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وافعل فِي باقي صلاتك كما فعلت فِي أولها من التدبر والتفهم محضرًا قلبك لمعاني ما تقوله وما تسمعه حَتَّى تكتب لَكَ كاملة. عباد الله إن من حافظ على الصلوات فِي أوقاتها وواظب على الْجُمُعَة والجماعات وأداها تأدية تامة بخشوع وخضوع، استنار قَلْبهُ وقويت الصلة بينه وبين ربه، وتهذبت نَفْسهُ وحسنت مَعَ الله والنَّاس معاملته، وحيل بينه وبين المحرمَاتَ وكَانَ على البؤساء عطوفًا وبالضعفاء رحيمًا، وأفلح فِي دينه وكَانَ من المحبوبين عَنْدَ الله وعَنْدَ خلقه. عباد الله النفس آمرة بالسُّوء، والشيطان يأمر بالفحشاء والْمُنْكَر والسيف القاطع والدواء النافع الَّذِي جعله الله وقاية للإنسان من شر النفس والشيطان، إنما هُوَ الصَّلاة، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ . عباد الله احذروا أن تستهينوا بالصَّلاة وأن لا تهتموا لها، فَإِنَّ هَذِهِ صفة الَّذِينَ خلت صلاتهم من التذلل والخشوع كما ترونهم يسرعون فِي أدائها وهم عَنْهَا غافلون لا يعرفون لها معنى ولا يعقلون لها سرًا ولم تشعر قُلُوبهمْ بحلاوتها ولا بلذة المناجات قَدْ ملكتهم الوساوس، وامتلأت قُلُوبهمْ بشواغل

стр. 1045

الدُّنْيَا ولذاتها، واستحوذ عَلَيْهمْ الشيطان فأنساهم ذكر الله. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ومن النَّاس من عميت بصائرهم، وتحجرت ضمائرهم، فأضاعوا الصَّلاة واتبعوا الشهوات، وأهملوا أوامر بديع السماوات وغفلوا عَنْ واجب شكره ولم يخافوا سطوة جبروته وبطشه، ولا سوء الحساب، ولا نار الْعَذَاب ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ ، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . فيا أيها المسلمون اتقوا الله ربكم وحافظوا على صلاتكم وقوموا لله خاضعين خاشعين لتفوزوا برضوانه وتكونوا من المفلحين. شِعْرًا: ... للهِ دَرُّ السَّادَةِ الْعُبَّادِ ... فِي كُلِّ كَهْفٍ قَدْ ثَوَوْا أَوْ وَادِي أَلْوَانُهُمْ تُنْبِيكَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ ... وَدُمُوعُهُمْ عَنْ حُرْقَةِ الأَكْبَادِ كَتَمُوا الضَّنَى حِفَظًا لَهُمْ وَتَحَمَّلُوا ... سُقْمَ الْهَوَى وَمَشَقَّةَ الأَجْسَادِ هَجَرُوا الْمَرَاقِدَ فِي الظَّلامِ لِرَبِّهِمْ ... وَاسْتَبْدَلُوا سَهَرًا بِطِيبِ رُقَادِ لا يَفْتُرونَ إِذَا الدُّجَى وَافَاهُمُوا ... مِنْ كَثْرَةِ الأَذْكَارِ وَالأَوْرَادِ وَرَأَوْا عَلامَاتِ الرَّحِيلِ فَبَادِرُوا ... تَحْصِيلِ مَا الْتَمَسُوا مِن الأَزْوَادِ فَإِذَا اسْتَمَالَ قُلُوبَهُمْ دَاعِي الْهَوَى ... ذَكَرُوا الْبِلَى فِي ظُلْمَةِ الإِلْحَادِ نَظَرُوا إِلَى الدُّنْيَا تَغُرُّ بِأَهْلِهَا ... بِوِصَالِهَا وَتَكِرُّ بِالإِبْعَادِ فَتَجَنَّبُوهَا عِفَّةً وَتَزَهُّدًا ... وَتَزَوُّدُوا مِنْ صَالِحِ الأَزْوَادِ وَمَضُوا عَلَى مِنْهَاجِ صَحْبِ نَبِيِّهِمْ ... فَنَجَوْا غَدًا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ مَعَادِ وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) : روى شداد بن أوس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «الكيس من دان نَفْسهُ وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نَفْسهُ هواها وتمنى على الله الأماني» .

стр. 1046

وَمِمَّا ورد فِي الحث على الرجَاءَ قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. وقَالَ: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ وقَالَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ . شِعْرًا: ... إِذَا شَدَّ زَنْدِي حُسْنُ ظَنِّي بِمَنْ عَلَى ... عَلَى خَلْقِهِ فَهُوَ الَّذِي كُنْتُ أَطْلُبُ آخر: ... وَإِنِّي لآتِي الذَّنْبَ أَعْرِفُ قدْرَهُ ... وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْفُو وَيَغْفِرُ لَئِنْ عَظَّمَ النَّاسُ الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا ... وَإِنْ عَظُمَتْ فِي رَحْمَةِ اللهِ تَصْغُرُ وقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ إِلَى قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ . وقَالَ: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ، وقَالَ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ووجه الدلالة مِنْهَا حيث أوصى الله بالإحسان إِلَى القاذف. ومن جانب الرجَاءَ ما كَانَ من أمر السحرة المبارزين لمُوَسى ﵇ فما كَانَ إلا أن رأوا آية مُوَسى فعرفوا الحق ووقعوا سجدًا ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة فهَذَا حال من عرف الله ووحده بعد كُلّ ذَلِكَ السحر والكفر والضلال والفساد فَكَيْفَ حال من أفنى عمره فِي توحيد الله.

стр. 1047

وَكَذَا قصة أصحاب الكهف إذ آمنوا بِاللهِ كيف لطف بِهُمْ، وأكرمهم وألبسهم المهابة حَتَّى إن بركتهم شملت كلبهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحالة وصار لَهُ ذكر وشان وخبر يتلى وهذه فائدة صحبة الأخيار فما ظنك بالمُؤْمِن الَّذِي عَبَّد الله ووحده ولهج بذكره آناء الليل وآناء النَّهَارَ، وعادى فيه ووالى فيه سنين عديدة وبوده لو عمر زيادة تابع فيها خدمة سيده ومولاه جَلَّ وَعَلا. ومن جانب الرجَاءَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ . شِعْرًا: ... تَفِيضُ عُيُونِي بِالدُّمُوعِ السَّوَاكِبِ ... وَمَالِي لا أَبْكِي عَلَى خَيْرِ ذَاهِبِ عَلَى عُمْرِي إِذْ وَلَّى وَحَانَ انْقِضَاؤُهُ ... بِآمَالِ مَغْرُورٍ وَأَعْمَالِ نَاكِبِ عَلَى غُرَرِ الأَيَّامِ لَمَّا تَصَرَّمَتْ ... وَأَصْبَحْتُ مِنْهَا رَهْنَ شُؤْمِ الْمَكَاسِبِ عَلَى زَهَرَاتِ الْعَيْشِ لَمَّا تَسَاقَطَتْ ... بِرِيحِ الأَمَانِي وَالظُّنُونِ الْكَوَاذِبِ عَلَى أَشْرَفِ الأَوْقَاتِ لَمَّا غُبِنْتُهَا ... بِأَسْوَاقِ غَبْنٍ بَيْنَ لاهٍ وَلاعِبِ عَلَى أَنْفَسِ السَّاعَاتِ لَمَّا أَضَعْتُهَا ... وَقَضَّيْتُهَا فِي غَفْلَةٍ وَمَعَاطِبِ عَلَى صَرْفِيَ الأَيَّامَ فِي غَيْرِ طَائِلٍ ... وَلا نَافِعٍ مِنْ فِعْلِ فَضْلٍ وَوَاجِبِ عَلَى مَا تَوَلَّى مِنْ زَمَانٍ قَضَيْتُهُ ... وَرَجَّيْتُهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ وَصَائِبِ عَلَى فُرَصٍ كَانَتْ لَوْ أَنِّي انْتَهَزْتُهَا ... لَقَدْ نِلْتُ فِيهَا مِنْ شَرِيفِ الْمَطَالِبِ وَأَحْيَانَ آنَاءٍ مِنْ الدَّهْرِ قَدْ مَضَتْ ... ضَيَاعًا وَكَانَتْ مُوسِمًا لِلرَّغَائِبِ عَلَى صُحُفٍ مَشْحُونَةٍ بِمَآثِمٍ ... وَجُرْمٍ وَأَوْزَارٍ وَكَمْ مِنْ مَثَالِبِ عَلَى كَمْ ذُنُوبٍ كَمْ عُيُوبٍ وَزَلَّةٍ ... وَسَيِّئَةٍ مَخْشِيَّةٍ فِي الْعَوَاقِبِ عَلَى شَهَوَاتٍ كَانَتْ النَّفْسُ أَقْدَمَتْ ... عَلَيْهَا بِطَبْعٍ مُسْتَحَثٍّ وَغَالِبِ عَلَى أَنَّنِي آثَرْتُ دُنْيَا دَنِيَّةً ... مُنَغَّصَةً مَشْحُونَةً بِالْمَعَائِبِ

стр. 1048

عَلَى عَمَلِ لِلْعِلْمِ غَيْرِ مُوَافِقٍ ... وَمَا فَضْلُ عِلْمٍ دُونَ فِعْلٍ مُنَاسِبِ عَلَى فِعْلِ طَاعَاتٍ بِسَهْوٍ وَغَفْلَةٍ ... وَمِنْ غَيْرِ إِحْضَارٍ وَقَلْبٍ مُرَاقِبِ أُصَلِّي الصَّلاةَ الْخَمْسَ وَالْقَلْبُ جَائِلٌ ... بِأَوْدِيَةِ الأَفْكَارِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ عَلَى أَنَّنِي أَتْلُو الْقُرْآنَ كِتَابَهُ ... تَعَالَى بِقَلْبِ ذَاهِلٍ غَيْرَ رَاهِبِ عَلَى طُولِ آمَالٍ كَثِير غَرُورُهَا ... وَنِسْيَانِ مَوْتٍ وَهُوَ أَقْرَبُ غَائِبِ عَلَى أَنَّنِي قَدْ أَذْكُرُ اللهَ خَالِقِي ... بِغَيْرِ حُضُورٍ لازِمٍ وَمُصَاحِبِ عَلَى أَنَّنِي لا أَذْكُرُ الْقَبْرَ وَالْبَلَى ... كَثِيرًا وَسَفْرًا ذَاهِبًا غَيْرَ آيِبِ عَلَى أَنَّنِي عَنْ يَوْمِ بَعْثِي وَمَحْشَرِي ... وَعَرْضِي وَمِيزَانِي وَتِلْكَ الْمَصَاعِبِ مَوَاقِفُ مِنْ أَهْوَالِهَا وَخُطُوبِهَا ... يَشِيبُ مِنْ الْولْدَانِ شَعْرُ الذَّوَائِبِ تَغَافَلْتُ حَتَّى صِرْتُ مِنْ فُرْطِ غَفْلَتِي ... كَأَنِّي لا أَدْرِي بِتِلْكَ الْمَرَاهِبِ عَلَى النَّارِ أَنِّي مَا هَجَرْتُ سَبِيلَهَا ... وَلا خِفْتُ مِنْ حَيَّاتِهَا وَالْعَقَارِبِ عَلَى السَّعْيِ لِلْجَنَّاتِ دَارِ النَّعِيمِ وَالْـ ... ـكَرَامَةِ الزُّلْفَى وَنَيْلِ الْمَآرِبِ مِنْ الْعِزِّ وَالْمُلْكِ الْمُخَلَّدِ وَالْبَقَا ... وَمَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ مِنْ كُلِّ طَالِبِ وَأَكْبَرُ مِنْ هَذَا رِضَا الرَّبِّ عَنْهُمْ ... وَرُؤْيَتُهُمْ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ حَاجِبِ فَآهًا عَلَى عَيْشِ الأَحِبَّةِ نَاعِمًا ... هَنِيئًا مُصَفَّى مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ وَآهًا عَلَيْنَا فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ ... هَنِيئًا مُصَفَّى مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ وَآهًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ هَدْي سَادَةٍ ... عَنْ الْمَلاءِ الأَعْلَى وَقُرْبِ الْحَبَائِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ هِمَّةٍ وَعَزِيمَةٍ ... وَمِنْ سِيرَةٍ مَحْمُودَةٍ وَمَذَاهِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ عِفَّةٍ وَفُتُوَّةٍ ... وَجَدٍّ وَتَشْمِيرٍ لِنَيْلِ الْمَرَاتِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ صَوْمٍ كُلِّ هَجِيرَةٍ ... وَزُهْدٍ وَتَجْرِيدٍ وَقَطْعِ الْجَوَاذِبِ عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ اللَّذَيْنِ تَحَقَّقَا ... وَمِنْ خَلْوةٍ بِاللهِ تَحْتَ الْغَيَاهِبِ عَلَى مَا صَفَا مِنْ قُرْبِهِمْ وَشُهُودِهِمْ ... وَصِدْقٍ وَإِخْلاصٍ وَكَمْ مِنْ مَنَاقِبِ وَاسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ جَلالُهُ ... وَمَا طَابَ مِنْ أَذْوَاقِهِمْ وَالْمَشَارِبِ

стр. 1049

.. فَآهًا عَلَى عَيْشِ الأَحِبَّةِ نَاعِمًا ... وَقُدْرَتُهُ فِي شَرْقِهَا وَالْمَغَارِبِ وَآهًا عَلَيْنَا فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ ... عَنْ الْمَلاءِ الأَعْلَى وَقُرْبِ الْحَبَائِبِ وَآهًا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ هَدْي سَادَةٍ ... وَمِنْ سِيرَةٍ مَحْمُودَةٍ وَمَذَاهِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ هِمَّةٍ وَعَزِيمَةٍ ... وَجَدٍّ وَتَشْمِيرٍ لِنَيْلِ الْمَرَاتِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ عِفَّةٍ وَفُتُوَّةٍ ... وَزُهْدٍ وَتَجْرِيدٍ وَقَطْعِ الْجَوَاذِبِ عَلَى مَا لَهُمْ مِنْ صَوْمٍ كُلِّ هَجِيرَةٍ ... وَمِنْ خَلْوةٍ بِاللهِ تَحْتَ الْغَيَاهِبِ عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ اللَّذَيْنِ تَحَقَّقَا ... وَصِدْقٍ وَإِخْلاصٍ وَكَمْ مِنْ مَنَاقِبِ عَلَى مَا صَفَا مِنْ قُرْبِهِمْ وَشُهُودِهِمْ ... وَمَا طَابَ مِنْ أَذْوَاقِهِمْ وَالْمَشَارِبِ وَاسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ جَلالُهُ ... وَقُدْرَتُهُ فِي شَرْقِهَا وَالْمَغَارِبِ إِلَيْهِ مآبِي وَهُوَ حَسْبِي وَمَلْجَئِي ... وَلِي أَمَلٌ فِي عَطْفِهِ غَيْرُ خَائِبِ وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ فِيمَا بَقِي لِمَا ... يُحِبُّ وَيَرْضَى فَهُوَ أَسْنَى الْمَطَالِبِ وَأَنْ يَتَغَشَّانَا بِعَفْوٍ وَرَحْمَةٍ ... وَفَضْلٍ وَإِحْسَانٍ وَسَتْرِ الْمَعَائِبِ وَأَنْ يَتَوَلانَا بِلُطْفٍ وَرَأْفَةٍ ... وَحِفْظٍ يَقِينَا شَرَّ كُلِّ الْمَعَاطِبِ وَأَنْ يَتَوَفَّانَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةٍ ... عَلَى مِلَّةِ الإِسْلامِ خَيْرِ الْمَوَاهِبِ مُقِيمِينَ لِلْقُرْآنِ وَالسُنَّةِ الَّتِي ... أَتَانَا بِهَا عَالِي الذُّرَى وَالْمَرَاتِبِ مُحَمَّدٌ الْهَادِي الْبَشِيرُ نَبِيُّنَا ... وَسَيِّدُنَا بَحْرُ الْهُدَى وَالْمَنَاقِبِ عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ ... وَآلٍ وَأَصْحَابٍ لَهُ كَالْكَوَاكِبِ (موعظة) : عباد الله لا شَيْء أفسد للقلب من التعلق بالدُّنْيَا والركون إليها فَإِنَّ متاعها قليل ولا تطمعوا بالإقامة فيها فَإِنَّ البقاء فيها مستحيل كيف لا والمنادي ينادي كُلّ يوم يَا عباد الله الرحيل، هُوَ الموت ما منه فوت ولا تعجيل ولا يقبل الفداء فاستعدوا لَهُ فإنه سيأتيكم عَنْ قريب.عباد الله لا شَيْء أفسد للقلب من التعلق بالدُّنْيَا والركون إليها وإيثارها على الآخِرَة فَإِنَّ هَذَا الفساد يقعد المسلم عَنْ التطلع إِلَى الآخِرَة والْعَمَل لها وإتعاب الجسد فِي سبيل الله والدعوة إليه وهيهات لقلب فاسد مريض أن يقوى على مهام الدعوة إِلَى الله،

стр. 1050

إِنَّ الدُّنْيَا فيها قابلية الإغراء للتعلق بها وحبها. ولهَذَا وصفها النَّبِيّ ﷺ بقوله: «إِنَّ الدُّنْيَا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدُّنْيَا واتقوا النساء» . وقَدْ حذرنا ربنا من الوقوع فِي شباكها والتعلق بها فقَالَ عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ . ووجه الاغترار بالدُّنْيَا أن فيها مباهج ومناظر وملذات للأنفس والأعين والأسماع تهواها نَفْسهُ بطبيعتها وتؤثرها على ما سواها، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا والآخِرَة * وَالآخِرَة خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ، وقَالَ عز من قائل: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَة﴾ . فإذا تركت النفس وشانها زَادَ تعلقها بالدُّنْيَا وزَادَ التصاقها بها حَتَّى تصبح هِيَ كُلّ غايتها ومنتهى أملها ومبلغ علمها، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ . وإذا ما وصلت النفس إِلَى هَذَا الحد فقدت حاسة القبول والاعتبار وعَنْدَ ذَلِكَ لا يجدي معها وعظ ولا تذكير مهما بالغت فيه. فما هُوَ العلاج لمن وصل إِلَى هَذِهِ الدرجة العلاج بإذن الله هُوَ تخليص الْقَلْب من أسرارها وتعلقه بها وَذَلِكَ بان يجعل زَوَال الدُّنْيَا نصب عينيه ويتيقن لقاء الآخِرَة وبقاءها وما فيها من النَّعِيم الْمُقِيم. ويتدبر الآيات مثل قوله تَعَالَى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ . وقوله تَعَالَى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَة خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾ ، وقوله: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَة إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ ، وقوله تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَة مِن نَّصِيبٍ﴾ . وقوله ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ﴾ الآية. ويتدبر الأحاديث مثل قوله ﷺ لابن عمر: «كن فِي الدُّنْيَا غريب أَوْ عابر سبيل» . الْحَدِيث. وقوله: «ما لي وللدنيا» . ونحو ذَلِكَ من الآيات وَالأَحَادِيث التي مرت سابقًا حول أمثلة الدُّنْيَا.

стр. 1051

ويقارن بين الأمرين فَإِنَّ كَانَ ذا عقل راجح آثر الآخِرَة على الدُّنْيَا وأيضًا لابد من قطع التسويف وطول الأمل حَتَّى يحس أنه فِي غربة وأنه مسافر عَنْ هَذِهِ الدار وأنه سيرحل عَنْهَا فِي أَيَّةِ ساعةٍ رغم أنفه شاء أم أبى. شِعْرًا: ... وَكُلُّ حَيٍّ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلةٍ حَدْبَاء مَحْمُول آخر: ... وَكُلُّ حَيٍّ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا لَهُ مِنْ دَوَاعِي الْمَوْتِ تَثْوِيبُ وَإِن وسوس لَهُ الشيطان وألقى فِي روعه إِنَّكَ شاب قوي موفور الصحة مشدود أسرك وَفِي إمكانك الرجوع إِلَى الطاعة والإقبال إِلَى الآخِرَة فليطرد وساوسه باستحضار الَّذِينَ رحلوا شبابًا وكهولاً وهم الآن تحت الثرى. شِعْرًا: ... يُعَمَّرِ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ أَلْفًا ... وَيُنْسَى مَنْ يَمُوتُ مِن الشَّبَابِ آخر: ... لا تَغْتَزِرْ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَضِلٍ ... فَكَمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشَّيْبِ شُبَّانُ ويخَرَجَ إِلَى المقابر ويتفكر فيمن جمعوا الأموال وقتلوا أوقاتهم فِي طلبها واتعبوا أبدانهم وأنهم سيحاسبون عَلَيْهَا، ويفكر فيمن تعود عَلَيْهمْ بعده ربما أنهم لا يذكرونه بخَيْر ويتمنون موته فلماذا يحرق نَفْسهُ فِي جمعها لَهُمْ. شِعْرًا: ... وقَدْ يُورِثُ الْمَال الْبَعِيدَ مُظَلَّلٌ ... مِن النَّاس يَأْبَى وَضَعْه فِي الْقَرَائِب آخر: ... فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُه ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ آخر: ... شَقِيتُ بِمَا جَمَعْتُ فَلَيْتَ شِعْرِي ... وَرَائِي مَنْ يَكُونَ بِهِ سَعِيدَا؟! أُعَايِنُ حَسْرَةً أَهْلِي وَمَالِي ... إِذَا مَا النَّفْسُ جَاوَزَتِ الْوَرِيدَا أُعِدُّ الزَّادَ مِنْ تَقْوَى فَإِنِّي ... رَأَيْتُ مَنِيَّتِي السَّفَرَ الْبَعِيدَا تَبَدَّل صَاحِبي فِي اللَّحْدِ مِنِّي ... وَهَالَ عَلَى مَنَاكِبَى الصَّعِيدَا فَلَوْ أَبْصَرْتَنِي مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ ... رَأَيْتَ مَحَاسِنِي قَدْ صِرْنَ دُودَا وَحِيدًا مُفْرِدًا يَا رَبِّ [لُطْفًا] ... بِعَبْدِكَ حِينَ مَا يُتْرَكْ وَحِيدَا

стр. 1052

فإذا قصر أمله فِي الحياة انَبْعَث إِلَى التجهز للآخرة بعمل الطاعات إذ لا يدري متى ينادى عَلَيْهِ بالرحيل فإذا تخلص من التعلق بالدُّنْيَا وأفرغ ما فِي قَلْبهُ من سمومها وأقبل على الآخِرَة أحس بغربة شديدة فِي الدُّنْيَا ولكن مَعَ خفة فِي روحه وإقبال شديد على مراضي الله وعلى رأسها الدعوة إليه وهداية الحيارى من عباد الله. لا يعوقه عَنْ ذَلِكَ عائقٌ من تعبٍ ولا نصبٍ ولا سفرٍ ولا سهرٍ ولا بذلٍ ولا تضحيةٍ لأن ذَلِكَ كله من الزَّاد المؤكد نفعه وفائدته فِي سفره الطويل الْبَعِيد إِلَى الآخِرَة بل إنه سيعقب تعبه راحةٌ وألمه لذة وَفِي بذله ربحًا وَفِي تضحيته عوضًا مضمونَا. وَفِي وصية الإِمَام علي بن أبي طالب لابنه الحسن أحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة وَذَلِلّهُ بذكر الموت وقرره بالفناء وبصره بفجائع الدُّنْيَا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأَيَّامُ وأعرض عَلَيْهِ أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كَانَ قبلك من الأولين وسر فِي ديارهم وآثارهم وانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا ونزلوا فإنك تجدهم قَدْ انتقلوا عَنْ الأحبة وحلوا فِي دار غربة وكأنك عَنْ قليل قَدْ صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع أخرتك بدنياك إِلَى أن قَالَ: يَا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عَلَيْهِ وتفضي بعد الموت إليه حَتَّى يأتيك وقَدْ أخذت وشددت لَهُ أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك وَإِيَّاكَ أن تغتر بما تَرَى من إخلاد أَهْل الدُّنْيَا إليها وتكالبهم عَلَيْهَا فقَدْ نبأك الله عَنْهَا ونعت لَكَ نفسها وتكشف لَكَ عَنْ مساويها فَإِنَّ أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بَعْضًا أي ينبح بعضها على بَعْض ويأكل عزيزها ذليلها ويقهر كبيرها صغيرها نَعَمٌ معلقة وأخرى مهملة قَدْ أضلت عقولها وركبت مجهولها سروح عاهة لَيْسَ راع يقيمها ولا مقيم يَسِيسُهَا سلكت بِهُمْ الدُّنْيَا طَرِيق العمى وأخذت

стр. 1053

بأبصارهم عَنْ منار الهدى فتاهوا فِي خيراتها وغرقوا فِي نعمتها واتخذوها رَبًّا فلعبت بِهُمْ ولعبوا بها ونسوا ما وراءها، واعْلَمْ أن من كَانَ مطيته الليل والنَّهَارَ فإنه يسار به وإن كَانَ واقفًا ويقطع المسافة وإن كَانَ مقيمًا. شِعْرًا: ... يَا جَامِعَ الْمَالِ إِنَّ الْعُمْرَ مُنْصَرِمٌ ... فَابْخَلْ بِمَالِكَ مَهْمَا شِئْتَ أَوْ فَجُدِ وَيَا عَزِيزًا يَخِيطُ الْعُجْبُ نَاظِرُهُ ... أُذْكُرْ هَوَانَكَ تَحْتَ التُّرْبِ وَاتَّئِدِ قَالُوا تَرَقَى فُلانُ الْيَوْمَ مَنْزِلَةً ... فَقُلْتُ يُنْزِلُهُ عَنْهَا لِقَاءُ غَدِ كَمْ وَاثِقٍ بِاللَّيَالِي مَدَّ رَاحَتَهُ ... إِلَى الْمَرَامِ فَنَادَاهُ الْحِمَامُ قَدِ وَبَاسِطٍ يَدَهُ حُكْمًا وَمَقْدِرَةً ... وَوَارِدُ الْمَوْتِ أَدْنَى مِنْ فَمٍ لِيَدِ كَمْ غَيَّرَ الدَّهْرُ مِنْ دَارِ وَسَاكِنِهَا ... لا عَنْ عَمِيدِ ثَنَى بَطْشًا وَلا عَمَدِ زَالَ الَّذِي كَانَ لِلْعَلْيَا بِهِ سَنَدٌ ... وَزَالَتْ الدَّارُ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ تَبَارَكَ اللهُ كَمْ تَلْقَى مَصَائِدَهَا ... هَذِي النُّجُوم عَلَى الدَّانِينَ وَالْبُعَدِ تَجْرِي النُّجُومُ بِتَقْرِيبِ الْحِمَامِ لَنَا ... وَهُنَّ مِنْ قُرْبِهِ مِنْهَا عَلَى أَمَدِ لا بُدَّ أَنْ يَغْمِسَ الْمِقْدَارُ مُدْيَتَهُ ... فِي لَبَّةِ الْجَدْيِ مِنْهَا أَوْ حَشَى الأَسَدِ عَجِبْتُ مِنْ آمِلٍ طُولَ الْبَقَاءِ وَقَدْ ... أَخْنَى عَلَيْهِ الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ يَجُرّ خَيْطُ الدُّجَى وَالْفَجْرِ أَنْفُسَنَا ... لِلتُّرْبِ مَا لا يَجُرُّ الْحَبْلُ مِنْ مَسَدِ هَذِي عَجَائِبُ تَثْنِي النَّفْسَ حَائِرَةً ... وَتُقِعِدُ الْعَقْلَ مِنْ عِيِّ عَلَى ضَمَدِ مَا لِي أُسَرٌ بِيَوْمٍ نِلْتُ لَذَتَهُ ... وَقَدْ ذَوَى مَعَهُ جُزْءٌ مِن الْجَسَدِ لا تَرْكَنَّ فَرِيدًا فِي التُّرَابِ غَدًا ... وَلَوْ تَكَثَّرَ مَا بَيْنَ الْوَرَى عَدَدِي مَا نَافِعِي سَعَةٌ فِي الْعَيْشِ أَوْ حَرَجٌ ... إِنْ لَمْ تَسَعْنِي رُحْمَى الْوَاحِدِ الصَّمَدِ اللَّهُمَّ قنعنا من الدُّنْيَا باليسير وسهل عَلَيْنَا كُلّ أمر عسير وَوَفِّقْنَا لما تحبه وترضاه إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير وأسكنا دار كرامتك يَا من هُوَ ملجؤنا وملاذنا وإليه المصير واجعل لَنَا من كُلّ هم فرجَا ومن كُلّ ضيق مخرجَا،

стр. 1054

اللَّهُمَّ أحيي قلوبًا أماتها البعد عَنْ بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يَا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالأفضال، اللَّهُمَّ أيقظنا من غفلتنا بلطفك وإحسانك، وتجاوز عَنْ جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " فَصْلٌ " ومِمَّا ورد فِي فضيلة الرجَاءَ من الأحاديث ما فِي الصحيحين عَنْ أبي سعيد ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ أن رجلاً قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثُمَّ ندم وسأل عابدًا من عباد بني إسرائيل هل لَهُ من توبة فقَالَ لا فقتله وأكمل به مائةً، ثُمَّ سأل عالمًا من علمائهم هل لَهُ من توبة فقَالَ ومن يحول بينك وبين التوبة. ثُمَّ أمره بالذهاب إِلَى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت فِي أثناء الطَرِيق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة الْعَذَاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كَانَ أقرب فهو مَنْهَا فوجدوه أقرب إِلَى الأَرْض التي هاجر إليها بشبر فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عَنْدَ الموت، وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلد أن تتباعد. هَذَا معنى الْحَدِيث. وعن عبادة بن الصامت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، وأن مُحَمَّد عبده ورسوله، وأن عيسى عَبْد اللهِ ورسوله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه، وأن الْجَنَّة حق والنار حق، أدخله الله الْجَنَّة على ما كَانَ من الْعَمَل» . متفق عَلَيْهِ. وَفِي رواية لمسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمَّدًا رسول الله حرم الله عَلَيْهِ النار» .

стр. 1055

وعن أبي ذر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَقُولُ الله من جَاءَ بالحسُنَّة فله عشر أمثالها، أو أزيد ومن جَاءَ بالسيئة فجزاء سَيِّئَة مثلها أَوْ أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب منى ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأَرْض خطيئةً لا يشرك بي شَيْئًا لقيته بمثلها مغفرة» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن جابر ﵁ قَالَ: جاء أعربي إِلَى رسول الله ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ما الموجبتان؟ قَالَ: «من مَاتَ لا يشرك بِاللهِ شَيْئًا دخل الْجَنَّة، ومن مَاتَ يشرك به شَيْئًا دخل النار» . رَوَاهُ مُسْلِم. وَفِي حديث معاذ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قَلْبهُ إلا حرمه الله عَلَى النَّارِ» . وَفِي حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عَنْ الْجَنَّة» . رَوَاهُ مُسْلِم. وَفِي حديث عتبان قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَإِنَّ الله قَدْ حرم عَلَى النَّارِ من قَالَ لا إله إلا الله يبتغي بذَلِكَ وجه الله» . متفق عَلَيْهِ. وعن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ قَالَ: قدم رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فالزقته ببطنها فأرضعته، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أترون هَذِهِ المرأة طارحة ولدها فِي النار» ؟ قلنا: لا وَاللهِ. فقَالَ: «لله أرحم بعباده من هَذِهِ بولدها» . متفق عَلَيْهِ. وعن أَنَس ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ الله يَا ابن آدم إِنَّكَ ما دعوتني ورجوتني، غفرت لَكَ على ما كَانَ منك ولا أبالي، يَا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثُمَّ استغفرتني غفرت لَكَ، يَا ابن آدم
следующие страницы →