Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ويقارن بين الأمرين فَإِنَّ كَانَ ذا عقل راجح آثر الآخِرَة على الدُّنْيَا وأيضًا لابد من قطع التسويف وطول الأمل حَتَّى يحس أنه فِي غربة وأنه مسافر عَنْ هَذِهِ الدار وأنه سيرحل عَنْهَا فِي أَيَّةِ ساعةٍ رغم أنفه شاء أم أبى.
شِعْرًا: ... وَكُلُّ حَيٍّ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلةٍ حَدْبَاء مَحْمُول
آخر: ... وَكُلُّ حَيٍّ وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا لَهُ مِنْ دَوَاعِي الْمَوْتِ تَثْوِيبُ
وَإِن وسوس لَهُ الشيطان وألقى فِي روعه إِنَّكَ شاب قوي موفور الصحة مشدود أسرك وَفِي إمكانك الرجوع إِلَى الطاعة والإقبال إِلَى الآخِرَة فليطرد وساوسه باستحضار الَّذِينَ رحلوا شبابًا وكهولاً وهم الآن تحت الثرى.
شِعْرًا: ... يُعَمَّرِ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ أَلْفًا ... وَيُنْسَى مَنْ يَمُوتُ مِن الشَّبَابِ
آخر: ... لا تَغْتَزِرْ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَضِلٍ ... فَكَمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشَّيْبِ شُبَّانُ
ويخَرَجَ إِلَى المقابر ويتفكر فيمن جمعوا الأموال وقتلوا أوقاتهم فِي طلبها واتعبوا أبدانهم وأنهم سيحاسبون عَلَيْهَا، ويفكر فيمن تعود عَلَيْهمْ بعده ربما أنهم لا يذكرونه بخَيْر ويتمنون موته فلماذا يحرق نَفْسهُ فِي جمعها لَهُمْ.
شِعْرًا: ... وقَدْ يُورِثُ الْمَال الْبَعِيدَ مُظَلَّلٌ ... مِن النَّاس يَأْبَى وَضَعْه فِي الْقَرَائِب
آخر: ... فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُه ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ
وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
آخر: ... شَقِيتُ بِمَا جَمَعْتُ فَلَيْتَ شِعْرِي ... وَرَائِي مَنْ يَكُونَ بِهِ سَعِيدَا؟!
أُعَايِنُ حَسْرَةً أَهْلِي وَمَالِي ... إِذَا مَا النَّفْسُ جَاوَزَتِ الْوَرِيدَا
أُعِدُّ الزَّادَ مِنْ تَقْوَى فَإِنِّي ... رَأَيْتُ مَنِيَّتِي السَّفَرَ الْبَعِيدَا
تَبَدَّل صَاحِبي فِي اللَّحْدِ مِنِّي ... وَهَالَ عَلَى مَنَاكِبَى الصَّعِيدَا
فَلَوْ أَبْصَرْتَنِي مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ ... رَأَيْتَ مَحَاسِنِي قَدْ صِرْنَ دُودَا
وَحِيدًا مُفْرِدًا يَا رَبِّ [لُطْفًا] ... بِعَبْدِكَ حِينَ مَا يُتْرَكْ وَحِيدَا
стр. 1052
فإذا قصر أمله فِي الحياة انَبْعَث إِلَى التجهز للآخرة بعمل الطاعات إذ لا يدري متى ينادى عَلَيْهِ بالرحيل فإذا تخلص من التعلق بالدُّنْيَا وأفرغ ما فِي قَلْبهُ من سمومها وأقبل على الآخِرَة أحس بغربة شديدة فِي الدُّنْيَا ولكن مَعَ خفة فِي روحه وإقبال شديد على مراضي الله وعلى رأسها الدعوة إليه وهداية الحيارى من عباد الله.
لا يعوقه عَنْ ذَلِكَ عائقٌ من تعبٍ ولا نصبٍ ولا سفرٍ ولا سهرٍ ولا بذلٍ ولا تضحيةٍ لأن ذَلِكَ كله من الزَّاد المؤكد نفعه وفائدته فِي سفره الطويل الْبَعِيد إِلَى الآخِرَة بل إنه سيعقب تعبه راحةٌ وألمه لذة وَفِي بذله ربحًا وَفِي تضحيته عوضًا مضمونَا.
وَفِي وصية الإِمَام علي بن أبي طالب لابنه الحسن أحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة وقوه باليقين ونوره بالحكمة وَذَلِلّهُ بذكر الموت وقرره بالفناء وبصره بفجائع الدُّنْيَا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأَيَّامُ وأعرض عَلَيْهِ أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كَانَ قبلك من الأولين وسر فِي ديارهم وآثارهم وانظر فيما فعلوا وعما انتقلوا وأين حلوا ونزلوا فإنك تجدهم قَدْ انتقلوا عَنْ الأحبة وحلوا فِي دار غربة وكأنك عَنْ قليل قَدْ صرت كأحدهم فأصلح مثواك ولا تبع أخرتك بدنياك إِلَى أن قَالَ: يَا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عَلَيْهِ وتفضي بعد الموت إليه حَتَّى يأتيك وقَدْ أخذت وشددت لَهُ أزرك ولا يأتيك بغتة فيبهرك وَإِيَّاكَ أن تغتر بما تَرَى من إخلاد أَهْل الدُّنْيَا إليها وتكالبهم عَلَيْهَا فقَدْ نبأك الله عَنْهَا ونعت لَكَ نفسها وتكشف لَكَ عَنْ مساويها فَإِنَّ أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية يهر بعضها بَعْضًا أي ينبح بعضها على بَعْض ويأكل عزيزها ذليلها ويقهر كبيرها صغيرها نَعَمٌ معلقة وأخرى مهملة قَدْ أضلت عقولها وركبت مجهولها سروح عاهة لَيْسَ راع يقيمها ولا مقيم يَسِيسُهَا سلكت بِهُمْ الدُّنْيَا طَرِيق العمى وأخذت
стр. 1053
بأبصارهم عَنْ منار الهدى فتاهوا فِي خيراتها وغرقوا فِي نعمتها واتخذوها رَبًّا فلعبت بِهُمْ ولعبوا بها ونسوا ما وراءها، واعْلَمْ أن من كَانَ مطيته الليل والنَّهَارَ فإنه يسار به وإن كَانَ واقفًا ويقطع المسافة وإن كَانَ مقيمًا.
شِعْرًا: ... يَا جَامِعَ الْمَالِ إِنَّ الْعُمْرَ مُنْصَرِمٌ ... فَابْخَلْ بِمَالِكَ مَهْمَا شِئْتَ أَوْ فَجُدِ
وَيَا عَزِيزًا يَخِيطُ الْعُجْبُ نَاظِرُهُ ... أُذْكُرْ هَوَانَكَ تَحْتَ التُّرْبِ وَاتَّئِدِ
قَالُوا تَرَقَى فُلانُ الْيَوْمَ مَنْزِلَةً ... فَقُلْتُ يُنْزِلُهُ عَنْهَا لِقَاءُ غَدِ
كَمْ وَاثِقٍ بِاللَّيَالِي مَدَّ رَاحَتَهُ ... إِلَى الْمَرَامِ فَنَادَاهُ الْحِمَامُ قَدِ
وَبَاسِطٍ يَدَهُ حُكْمًا وَمَقْدِرَةً ... وَوَارِدُ الْمَوْتِ أَدْنَى مِنْ فَمٍ لِيَدِ
كَمْ غَيَّرَ الدَّهْرُ مِنْ دَارِ وَسَاكِنِهَا ... لا عَنْ عَمِيدِ ثَنَى بَطْشًا وَلا عَمَدِ
زَالَ الَّذِي كَانَ لِلْعَلْيَا بِهِ سَنَدٌ ... وَزَالَتْ الدَّارُ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ
تَبَارَكَ اللهُ كَمْ تَلْقَى مَصَائِدَهَا ... هَذِي النُّجُوم عَلَى الدَّانِينَ وَالْبُعَدِ
تَجْرِي النُّجُومُ بِتَقْرِيبِ الْحِمَامِ لَنَا ... وَهُنَّ مِنْ قُرْبِهِ مِنْهَا عَلَى أَمَدِ
لا بُدَّ أَنْ يَغْمِسَ الْمِقْدَارُ مُدْيَتَهُ ... فِي لَبَّةِ الْجَدْيِ مِنْهَا أَوْ حَشَى الأَسَدِ
عَجِبْتُ مِنْ آمِلٍ طُولَ الْبَقَاءِ وَقَدْ ... أَخْنَى عَلَيْهِ الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ
يَجُرّ خَيْطُ الدُّجَى وَالْفَجْرِ أَنْفُسَنَا ... لِلتُّرْبِ مَا لا يَجُرُّ الْحَبْلُ مِنْ مَسَدِ
هَذِي عَجَائِبُ تَثْنِي النَّفْسَ حَائِرَةً ... وَتُقِعِدُ الْعَقْلَ مِنْ عِيِّ عَلَى ضَمَدِ
مَا لِي أُسَرٌ بِيَوْمٍ نِلْتُ لَذَتَهُ ... وَقَدْ ذَوَى مَعَهُ جُزْءٌ مِن الْجَسَدِ
لا تَرْكَنَّ فَرِيدًا فِي التُّرَابِ غَدًا ... وَلَوْ تَكَثَّرَ مَا بَيْنَ الْوَرَى عَدَدِي
مَا نَافِعِي سَعَةٌ فِي الْعَيْشِ أَوْ حَرَجٌ ... إِنْ لَمْ تَسَعْنِي رُحْمَى الْوَاحِدِ الصَّمَدِ
اللَّهُمَّ قنعنا من الدُّنْيَا باليسير وسهل عَلَيْنَا كُلّ أمر عسير وَوَفِّقْنَا لما تحبه وترضاه إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير وأسكنا دار كرامتك يَا من هُوَ ملجؤنا وملاذنا وإليه المصير واجعل لَنَا من كُلّ هم فرجَا ومن كُلّ ضيق مخرجَا،
стр. 1054
اللَّهُمَّ أحيي قلوبًا أماتها البعد عَنْ بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يَا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالأفضال، اللَّهُمَّ أيقظنا من غفلتنا بلطفك وإحسانك، وتجاوز عَنْ جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
" فَصْلٌ "
ومِمَّا ورد فِي فضيلة الرجَاءَ من الأحاديث ما فِي الصحيحين عَنْ أبي سعيد ﵁ عَنْ رسول الله ﷺ أن رجلاً قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثُمَّ ندم وسأل عابدًا من عباد بني إسرائيل هل لَهُ من توبة فقَالَ لا فقتله وأكمل به مائةً، ثُمَّ سأل عالمًا من علمائهم هل لَهُ من توبة فقَالَ ومن يحول بينك وبين التوبة.
ثُمَّ أمره بالذهاب إِلَى قرية يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت فِي أثناء الطَرِيق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة الْعَذَاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كَانَ أقرب فهو مَنْهَا فوجدوه أقرب إِلَى الأَرْض التي هاجر إليها بشبر فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عَنْدَ الموت، وأن الله ﵎ أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلد أن تتباعد. هَذَا معنى الْحَدِيث.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، وأن مُحَمَّد عبده ورسوله، وأن عيسى عَبْد اللهِ ورسوله وكلمته ألقاها إِلَى مريم وروح منه، وأن الْجَنَّة حق والنار حق، أدخله الله الْجَنَّة على ما كَانَ من الْعَمَل» . متفق عَلَيْهِ. وَفِي رواية لمسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحَمَّدًا رسول الله حرم الله عَلَيْهِ النار» .
стр. 1055
وعن أبي ذر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَقُولُ الله من جَاءَ بالحسُنَّة فله عشر أمثالها، أو أزيد ومن جَاءَ بالسيئة فجزاء سَيِّئَة مثلها أَوْ أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب منى ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولةً، ومن لقيني بقراب الأَرْض خطيئةً لا يشرك بي شَيْئًا لقيته بمثلها مغفرة» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وعن جابر ﵁ قَالَ: جاء أعربي إِلَى رسول الله ﷺ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ما الموجبتان؟ قَالَ: «من مَاتَ لا يشرك بِاللهِ شَيْئًا دخل الْجَنَّة، ومن مَاتَ يشرك به شَيْئًا دخل النار» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وَفِي حديث معاذ: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قَلْبهُ إلا حرمه الله عَلَى النَّارِ» .
وَفِي حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عَنْ الْجَنَّة» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وَفِي حديث عتبان قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَإِنَّ الله قَدْ حرم عَلَى النَّارِ من قَالَ لا إله إلا الله يبتغي بذَلِكَ وجه الله» . متفق عَلَيْهِ.
وعن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ قَالَ: قدم رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فالزقته ببطنها فأرضعته، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أترون هَذِهِ المرأة طارحة ولدها فِي النار» ؟ قلنا: لا وَاللهِ. فقَالَ: «لله أرحم بعباده من هَذِهِ بولدها» . متفق عَلَيْهِ.
وعن أَنَس ﵁ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ الله يَا ابن آدم إِنَّكَ ما دعوتني ورجوتني، غفرت لَكَ على ما كَانَ منك ولا أبالي، يَا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثُمَّ استغفرتني غفرت لَكَ، يَا ابن آدم
стр. 1056
إِنَّكَ لو أتيتني بقراب الأَرْض خطايا، ثُمَّ لقيتني لا تشرك بي شَيْئًا، لا تيتك بقرابها مغفرة» . رَوَاهُ الترمذي.
وعنه عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: «إن الكافر إِذَا عمل حسَنَةً أطعم بها طعمة من الدُّنْيَا، وأما المُؤْمِن فَإِنَّ الله تَعَالَى يدخر لَهُ حسناته فِي الآخِرَة ويعقبه رزقًا فِي الدُّنْيَا على طاعته» .
وَفِي رواية: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسَنَةً يعطى بها فِي الدُّنْيَا ويجزى بها فِي الآخِرَة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أفضى إِلَى الآخِرَة لم يكن لَهُ حسَنَةً يجزى بها» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وَفِي حديث ابن مسعود قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ما أنتم فِي أَهْل الشرك إلا كالشعرة البيضاء فِي جلد الثور الأسود أَوْ كالشعرة السوداء فِي جلد الثور الأحمر» . متفق عَلَيْهِ.
وَفِي حديث ابن عباس قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «ما من رجل مُسْلِم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بِاللهِ شَيْئًا إلا شفعهم الله فيه» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وَفِي حديث أبي هريرة فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اذهب فمن لقيت وراء هَذَا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قَلْبهُ فبشره بالْجَنَّة» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وعن أبي مُوَسى ﵁ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النَّهَارَ ويبسط يده بالنَّهَارَ ليتوب مسيء الليل حَتَّى تطلع الشمس من مغربها» . رَوَاهُ مُسْلِم.
شِعْرًا:
تَتَبَّعْ مَرَاضِي اللهَ وَادْعُ وَالْحِفَا ... لَعَلَّكَ يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتَسْعَدا
وَحَافِظْ عَلَى فِعْلِ الْفُرُوضِ بِوَقْتِهَا ... وَلاتتوانى عَندما تسمع الندا
стр. 1057
عن ابن عمر ﵄ قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «يُدْنَى المُؤْمِن يوم القيامة من ربه حَتَّى يضع عَلَيْهِ كنفه فيقرره بذنوبه فَيَقُولُ: أتعرف ذنب كَذَا أتعرف ذنب كَذَا فَيَقُولُ: ربي أعرف، قَالَ: فإني سترتها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وأنَا اغفرها لَكَ الْيَوْم فيعطى صحيفة حسناته» . متفق عَلَيْهِ.
وينبغي لمن قربت مفارقته الدُّنْيَا أن يكون على باله ما تقدم من آيات الرجَاءَ وأحاديث الرجَاءَ. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
شِعْرًا: ... نَادَتْ بِوَشْكَ رَحِيلِكَ الأَيَّامُ ... أَفْلَسَتْ تَسْمَعُ أَمْ بِكَ اسْتِصْمَامُ
وَمَضَى أَمَامَك مَنْ رَأَيْتُ وَأَنْتَ لِلْـ ... بَاقِينَ حَتَّى يَلْحَقُوكَ إِمَامُ
مَا لِي أَرَاكَ كَأَنَّ عَيْنَكَ لا تَرَى ... عِبَرًا تَمُرُّ كَأَنَّهُنَّ سِهَامُ
تَأْتِي الْخُطُوبُ وَأَنْتَ مُنْتَبِهُ لَهَا ... فَإِذَا مَضَتْ فَكَأَنَّهَا أَحْلامُ
قَدْ وَدَّعَتْكَ مِن الصِّبَا نَزَوَاتُهُ ... فَاجْهَدْ فَمَالَكَ بَعْدَهُنَّ مَقَامُ
وَأَرْضَ الْمَشِيبَ مِن الشَّبَابِ خَلِيفَةً ... فَكِلاهُمَا لَكَ خِلْفَةٌ وَنِظَامُ
وَكِلاهُمَا حُجَجٌ عَلَيْكَ قَوِيَّةٌ ... وَكِلاهُمَا نِعَمٌ عَلَيْكَ جِسَامُ
وَلَقَدْ غَنِيتَ مِنَ الشَّبَابِ بِغِبْطَةٍ ... وَلَقَدْ كَسَاكَ وِقَارُهُ الإِسْلامُ
أَهْلاً وَسَهْلاً بِالْمَشِيبِ مُؤَدِّبًا ... وَعَلَى الشَّبَابِ تَحِيَّةٌ وَسَلامُ
مَا زُخْرُفُ الدُّنْيَا وَزُبْرُجُ أَهْلِهَا ... إِلا غُرُورٌ كُلُّهُ وَحُطَامُ
وَلَرُبَّ ذِي فُرُشٍ مُمَهَّدَةٍ لَهُ ... أَمْسَى عَلَيْهِ مِن التُّرَاب رُكَامُ
وَلَكَمْ رَأَيْتُ مَحَلَّةً أَقْوَتْ وَكَمْ ... جَدَثٌ رَأَيْتُ تَلُوحُ فِيهِ عِظَامُ
وَالْمَوْتُ يَعْمَلُ وَالْعُيُونُ قَرِيرَةٌ ... تَلْهُو وَتَعْبَثُ بِالْمُنَى وَتَنَامُ
فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي هُوَ دَائِمٌ ... أَبَدًا وَلَيْسَ لِمَا سِوَاهُ دَوَامُ
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي لِجَلالِهِ ... وَلِحِلْمِهِ تَتَصَاغَرُ الأَحْلامُ
وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي هُوَ لَمْ يَزَلْ ... لا تَسْتَقْلُ بِعِلْمِهِ الأَوْهَامُ
سُبْحَانَهُ مَلِكٌ تَعَالَى جَدُّهُ ... وَلِوَجْهِهِ الإِجْلالُ وَالإِكْرَامُ
стр. 1058
اللَّهُمَّ اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم فِي دار الْقَرَار، اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغار إليك وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُن فِي طَاعَتكَ والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب فِي معاملتك والتسليم لأَمْرِكَ والرِّضَا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لَنَا ولوالدينا ولجميع الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
" فَصْلٌ ": إِذَا فهمت ما تقدم فاعْلَمْ أن الْعَبْد المُؤْمِن لا بد أن يجمَعَ بين الرجَاءَ والخوف، وَهَذَا الطَرِيق هُوَ طَرِيق الاعتدال، لأنه إن غلب عَلَيْكَ الرجَاءَ حَتَّى فقدت الخوف البتة وقعت فِي طَرِيق الأمن من مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وإن غلب عَلَيْكَ الخوف حَتَّى فقدت رجَاءَ الله وقعت فِي طَرِيق اليأس، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، وإن جمعت بين الخوف والرجَاءَ فهو طَرِيق أَوْلِيَاء الله وأصفيائه.
قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: وجملة الأَمْر أنَّكَ إِذَا تذكرت سعة رحمة الله تَعَالَى التي سبقت غضبه ووسعت كُلّ شَيْء ثُمَّ أن كنت من هَذِهِ الأمة المرحومة الكريمة على الله تَعَالَى ثُمَّ غاية فضله العَظِيم وكمال جوده الكريم وجعل عنوان كتابه بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ كثرة أياديه إليك ونعمته عَلَيْكَ ظاهرة وباطنة من غير شفيع أَوْ قدم سابقة لَكَ.
شِعْرًا: ... يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي قَدْ أَحَطْتَ بِهَا ... عِلْمًا وَبِي وَبِإِعْلانِي وَإِسْرَارِي
أَنَا الْمُوَحِّدُ لَكِنِّي الْمُقِرُّ بِهَا ... فَهَبْ ذُنُوبِي لِتَوْحِيدِي وَإِقْرَارِي
آخر: ... أَيَا رَبِّ قَدْ أَحْسَنْتَ عَودًا وَبَدْأَةً ... إِليَّ فَلَمْ يَنْهَضْ بِإِحْسَانِكَ الشُّكْرُ
فَمَنْ كَانَ ذَا عُذْرٍ لَدَيْكَ وَحُجَّةٍ ... فَعُذْرِي إِقْرَارِي بِأَنْ لَيْسَ لِي عُذْرُ
وتذكرت من جانب آخر كمال جلاله وعظمته وعظم سلطانه وهيبته
стр. 1059
ثُمَّ شده غضبه الَّذِي لا تَقُوم لَهُ السماوات والأَرْض، ثُمَّ غاية غفلتك وكثرة ذنوبك وجفوتك مَعَ دقة أمره، وخطر معاملته فِي إحاطة علمه وبصره بالعيوب والغيوب، ثُمَّ حسن وعده وثوابه الَّذِي لا يبلغ كنهه الأوهام وشدة وعيده وأليم عقابه الَّذِي لا يحتمل ذكره الْقُلُوب.
تَارَّة تنظر إِلَى عذابه وتَارَّة تنظر إِلَى رأفته ورحمته، وتَارَّة تنظر إِلَى نفسك فِي جفواتها وجناياتها فإذا فعلت ذَلِكَ أدى بك جميع ذَلِكَ إِلَى الخوف والرجَاءَ وَكُنْت قَدْ سلكت سبيل الشارع الْقَصْد وعدلت من الجانبين المهلكين، الأمن واليأس ولا تتيه فيهما مَعَ التائهين، ولا تهلك مَعَ الهالكين وشربت الشراب الممزوج العدل فلا تهلك ببرودة الرجَاءَ الصرف، ولا بحرارة الخوف الصرف.
وكأني بك قَدْ وصلت إِلَى المقصود غانمًا وشفيت من العلتين سالمًا ووجدت النفس قَدْ انبعثت للطاعة ودانت فِي الخدمة ليلاً ونهارًا من غير فترةٍ ولا غَفْلَةٍ، واجتنبت المعاصي والمخازي وهجرنها وصرت حينئذ من الأصفياء الخواص العابدين، الَّذِينَ وصفهم الله تَعَالَى بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
وَاللهُ سُبْحَانَهُ المسئول أن يمدك وإيانَا بحسن توفيقه وتسديده إنه أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وأجود الأجودين ولا حول ولا قوة إلا بِاللهِ العلي العَظِيم.
اللَّهُمَّ إنََّا نسألك التوبة ودوامها، ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، اللهم أفض عَلَيْنَا من بحر كرمك وعونك حَتَّى نخَرَجَ من الدُّنْيَا على السلامة من وبالها وارأف بنا رأفة الْحَبِيب بحبيبه عَنْدَ الشدائد ونزولها، وارحمنا من هموم الدُّنْيَا وغمومها بالروح والريحان إِلَى الْجَنَّة ونعيمها، ومتعنا بالنظر إِلَى وجهك الكريم فِي جنات النَّعِيم مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء
стр. 1060
والصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ ": قَالَ ابن القيم ﵀: الْقَلْب فِي سيره إِلَى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجَاءَ جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران ومتى قطع الرأس مَاتَ الطائر متى فقَدْ الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر.
وقِيْل أكمل الأَحْوَال الاعتدال.أهـ. قَالَ الله تَعَالَى مخبرًا عَنْ أوليائه وأصفيائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وقِيْل: إن كَانَ الغالب على الْقَلْب الأمن من مكر الله فالخوف أفضل وَكَذَا إن كَانَ الغالب على الْعَبْد المعصية، وإن كَانَ الغالب عَلَيْهِ اليأس والقنوط فالرجَاءَ أفضل.
والَّذِي تطمئن إليه النفس سلوك الاعتدال إلا عَنْدَ فراق الدُّنْيَا فيغلب جانب الرجَاءَ.
لما ورد عَنْ جابر ﵄ أنه سمَعَ النَّبِيّ ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يَقُولُ: «لا يموتن أحدكم إلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنِ بِاللهِ » . رَوَاهُ مُسْلِم.
وقَالَ ﵊: «قَالَ الله أَنَا عَنْدَ ظن عبدي بي وأنَا معه حيث ذكرني» . الْحَدِيث رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ومسلم مِنْ حَدِيثِ أبي هريرة وقَدْ رئي بَعْضهمْ بعد موته فسئل عَنْ حاله فأنشد:
شِعْرًا: ... نُقِلْتُ إِلَى رِمْسِ الْقُبُورِ وَضِيقَهَا ... وَخَوْفِي ذُنُوبِي أَنَّهَا بِي تَعْثُرُ
стр. 1061
فَصَادَفْتُ رَحْمَانًا رَؤُوفًا وَأَنْعُمًا ... حَبَانِي بِهَا سَقْيًا لِمَا كُنْتُ أَحْذَرُ
وَمنْ كَانَ حُسْنُ الظَّنِ في حَالِ مَوْتِهِ ... جَمِيلاً بِعَفْوِ اللهِ فَالْعَفْوُ أَجْدَرُ
آخر: ... رَجَوْتُكَ يَا رَحْمَنُ إِنَّكَ خَيْرُ مَنْ ... رَجَاهُ لِغُفْرَانِ الْجَرَائِمِ مُرْتَجِي
فَرَحْمَتُكَ الْعُظْمَى الَّتِي لَيْسَ بَابُهَا ... وَحَشَاكَ فِي وَجْهِ الْمُسِيء بِمُرْتَجِ
آخر: ... يَا مَنْ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ يَبْتَهِلُوا ... وَكُلُّ حَيّ عَلَى رُحْماهُ يَتَّكِلُ
يَا مَنْ نَأَى فَرَأى مَا فِي الْقُلُوبُ وَمَا ... تَحْتَ الثَّرَى وَحِجَابُ اللَّيْلِ مُنْسَدِلُ
يَا مَنْ دَنَا فَنَأَى عَنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ الْـ ... أَفْكَارُ طُرًّا أَوْ الأَوْهَامُ وَالْعِلَلُ
أَنْتَ الْمَلاذُ إِذَا مَا أَزْمَتٌ شَمِلَتْ ... وَأَنْتَ مَلْجَأُ مَنْ ضَاقَتْ بِهِ الْحِيَلُ
أَنْتَ الْمُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ حَادِيَةٍ ... أَنْتَ الإِلهُ وَأَنْتَ الذُّخْرُ وَالأَمَلُ
أَنْتَ الْغِيَاثُ لِمَنْ سُدَّتْ مَذَاهِبُهُ ... أَنْتَ الدَّلِيلُ لِمَنْ ضَلَّتْ بِهِ السُّبُلُ
إِنَّا قَصَدْنَاكَ وَالآمَالُ وَاقِعَةٌ ... عَلَيْكَ وَالْكُلُّ مَلْهُوفٌ وَمُبْتَهِلُ
فَإِنْ غَفَرْتَ فَعَنْ طُولٍ وَعَنْ كَرَمٍ ... وَإِنْ سَطَوْتَ فَأَنْتَ الْحَاكِمُ الْعَدِلُ
وأخَرَجَ الإِمَام أحمد وابن حبان فِي صحيحه والبيهقي عَنْ حيان أبي النضر قَالَ: خرجت عائدًا ليزيد بن الأسود، فلقيت واثلة بن الأسقع وَهُوَ يريد عيادته، فدخلنا عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى واثلة بسط يده وجعل يشير إليه، فأقبل واثلة حَتَّى جلس فأخذ يزيد بكفي واثلة فجعلهما على وجهه، فقَالَ لَهُ واثلة: كيف ظنك بِاللهِ؟ قَالَ: ظني بِاللهِ حسن. قَالَ: فأبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «قَالَ الله أَنَا عَنْدَ ظن عبدي بي، إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله» .
وروى الطبراني عَنْ ابن مسعود ﵁ قَالَ: والَّذِي لا إله غيره لا يحسن عبد بِاللهِ الظن إلا أعطاه ظنه، وَذَلِكَ بأن الْخَيْر فِي يده.
وروى البيهقي عَنْ أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أمر الله بعبد إِلَى النار فَلَمَّا وقف على شفتها التفت فقَالَ: أما وَاللهِ يا رب إن كَانَ ظني
стр. 1062
بك لحسن فقَالَ الله : ردوه أَنَا عَنْدَ حسن ظن عبدي بي» .
ولما حضرت الإِمَام أحمد الوفاة قَالَ لولده عَبْد اللهِ: أذكر لي أحاديث الرجَاءَ، وأنشد بَعْضهمْ يوبخ نَفْسهُ:
شِعْرًا: ... أَرَانِي إِذَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِتَوْبَةٍ ... تَعَرَّضَ لِي مِنْ دُونِ ذَلِكَ عَائِقُ
تَقَضَّتْ حَيَاتِي فِي اشْتِغَالٍ وَغَفْلَةٍ ... وَأَعْمَالِ سُوءٍ كُلُّهَا لا تُوَافِقُ
طُرِدْتُ وَغَيْرِي بِالصَّلاحِ مُقَرَّبٌ ... وَدُونَ بُلُوغِي مَسْلَكٌ مُتَضَايقُ
وَكَيْفَ وَزَلاتُ الْمُسِيءِ كَثِيرَةٌ ... أَيَقْرُبُ عَبْدٌ عَنْ مَوَالِيهِ آبِقُ
إِلَى اللهِ أَشْكُو قَلْبَ سُوءٍ قَدْ احْتَوَى ... عَلَيْهِ الْهَوَى وَاسْتَأْصَلَتْهُ الْعَلائِقُ
وَلِي حُزْنٌ يَزْدَادُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَدَمْعُ جُفُونِي لِلْبُكَاءِ يُسَابِقُ
فَإِنْ يَغْفِرْ الْمَوْلَى الَّذِي قَدْ أَتَيْتُه ... فَذَاكَ الرَّجَا وَالظَّنُّ حِينًا يُوَافِقُ
(عَلامَةُ مَا يُولِي مِن الْفَضْل إِنْ أَنَا ... هَجَرْتُ الدُّنَا أَوْ قُلْتُ إِنَّكَ طَالِقُ)
(وَأَقْبَلْتُ فِي تَصْلِيحِ أَخْرَايَ مُدْلِجًا ... أُحَاسِبُ نَفْسِي كُلِّ مَا ذَرَّ وَشَارِقُ)
" فَصْلٌ "
قَالَ ابن القيم ﵀: ولا ريب أن حُسْن الظَّنِ بِاللهِ إنما يكون مَعَ الإحسان فَإِنَّ المحسن حَسَنُ الظَّنِ بربه أنه يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات فَإِنَّ المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حُسْن الظَّنِ بربه وَهَذَا موجود فِي الشاهد فَإِنَّ الْعَبْد الآبق المسيء الخارج عَنْ طاعة سيده لا يحُسْن الظَّنِ به، ولا يجامَعَ وحشة الإساءة إحسان الظن أبدًا، فَإِنَّ المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن النَّاس ظنًا بربه أطوعهم لَهُ، كما قَالَ الحسن البصري: إن المُؤْمِن أحُسْن الظَّنِ بربه فأحسن الْعَمَل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء الْعَمَل.
стр. 1063
وكيف يكون محُسْن الظَّنِ بربه من هُوَ شارد عَنْهُ، حال مرتحل فِي مساخطه وما يغضبه، متعرض للعنته، قَدْ هان حقه وأمره عَلَيْهِ فأضاعه، وهان نهيه عَلَيْهِ فارتكبه وأصر عَلَيْهِ وكيف يحُسِّن الظَّنِ بربه من بارزه بالمحاربة، وعادى أولياءه ووالى أعداءه، وجحد صفات لَهُ وأساء الظن بما وصف نَفْسهُ ووصفه به رسوله ﷺ وظن بجهله أن ظاهر ذَلِكَ ضلال وكفر.
وكيف يحُسْن الظَّنِ بمن يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب وقَدْ قَالَ الله تَعَالَى فِي حق من شك فِي تعلق سمعه ببَعْض الجزئيات، وَهُوَ السِّرّ فِي القول (٤١: ٢٣) ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ﴾ .
فهؤلاء لما ظنوا أن الله سُبْحَانَهُ لا يعلم كثيرًا مِمَّا يعملون كَانَ هَذَا إساءة لظنهم بربهم، فأرداهم ذَلِكَ الظن. وَهَذَا شأن كُلّ من جحد صفات كماله ونعوت جلاله، ووصفه بما لا يليق به، إِذَا ظن هَذَا أنه يدخله الْجَنَّة كَانَ هَذَا غرورًا وخداعًا من نَفْسهُ، وتسويلاً من الشيطان، لا إحسان ظن بربه.
فتأمل هَذَا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمَعَ فِي قلب الْعَبْد تيقنه بأنه مُلاقٍ الله، وأن الله يسمَعَ كلامه ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عيه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسئول عَنْ كُلّ عمل وَهُوَ مقيم على مساخطه مضيع لأوامره معطل لحقوقه، وَهُوَ مَعَ هَذَا يحُسْن الظَّنِ به.
وهل هَذَا إلا من خدع النُّفُوس وغرور الأماني، وقَدْ قَالَ أبو سهل ابن حنيف: (دخلت أَنَا وعروة بن الزبير على عَائِشَة ﵂ فقَالَتْ: لو رأيتما رسول الله ﷺ فِي مرض لَهُ، وكَانَتْ عنده ستة دنانير أَوْ سبعة دنانير، فأمرني رسول الله ﷺ إن أفرقها، فشغلني وجع رسول الله ﷺ حَتَّى عافاه
стр. 1064
الله ثُمَّ سألني عَنْهَا فقَالَ: «ما فعلت أكنت فرقت الستة دنانير» . فَقُلْتُ: لا وَاللهِ، لَقَدْ كان شغلني وجعك، قَالَتْ: فدعا بها فوضعها فِي كفه، فقَالَ: «ما ظن نَبِيّ اللهِ لو لقي الله وهذه عنده» .
فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة بِاللهِ إِذَا لقوه ومظَالِم العباد عندهم، فَإِنْ كَانَ ينفعهم قولهم: حسَّنَّا ظنونَنَا بك إِنَّكَ لم تعذب ظالمًا ولا فَاسِقًا، فليصنع الْعَبْد ما شَاءَ، وليرتكب كُلّ ما نهاه الله عَنْهُ، وليحسن ظنه بِاللهِ، فالنار لا تمسه، فسبحان الله، ما يبلغ الغرور بالْعَبْد، وقَالَ إبراهيم لقومه (٣٧: ٨٦) ﴿أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . أي ما ظنكم به إن يفعل بكم إِذَا لقيتموه وقَدْ عبدتم غيره.
ومن تأمل هَذَا الموضع حق التأمل علم أن حُسْن الظَّنِ بِاللهِ هُوَ حسن الْعَمَل نَفْسهُ، فَإِنَّ الْعَبْد يحمله على حسن الْعَمَل حُسْن الظَّنِ بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عَلَيْهَا ويتقبلها منه، فالَّذِي حمله على حسن الْعَمَل حُسْن الظَّنِ، فكُلَّما حسن ظنه بربه حسن عمله.
وإِلا فَحُسْن الظَّنِ مَعَ اتباع الهوى عجز، كما فِي الترمذي والمسند مِنْ حَدِيثِ شداد ابن أوس عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «الكيس من دان نَفْسهُ وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نَفْسهُ هواها، وتمنى على الله الأماني» .
وبالجملة فَحُسْن الظَّنِ إنما يكون مَعَ انعقاد أسباب النجاة وأما مَعَ انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن.
فَإِنَّ قِيْل: بل يتأتى ذَلِكَ، ويكون مستند حُسْن الظَّنِ على سعة مغفرة الله ورحمته، وعفوه وجوده، وأَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَأَنَّهُ لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو.
стр. 1065
قِيْلَ: الأَمْر هكَذَا، وَالله فوق ذَلِكَ وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذَلِكَ فِي محله اللائق به، فإنه سُبْحَانَهُ موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة، فلو كَانَ مُعَوَّلُ حُسْن الظَّنِ على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك فِي ذَلِكَ البر والفاجر، والمُؤْمِن والكافر، ووليه وعدوه.
فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقَدْ باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته، ووقع فِي محارمه وانتهك حرماته، بل حُسْن الظَّنِ ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسُنَّة، واستقبل بقية عمره بالْخَيْر والطاعة، ثُمَّ أحُسْن الظَّنِ بعدها فهَذَا هُوَ حُسْن الظَّنِ، والأول غرور وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
يفرق بين حُسْن الظَّنِ بالله وبين الغرور به قَالَ الله تَعَالَى (٢: ٢١٨) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾ فجعل هؤلاء أَهْل الرجَاءَ، لا الباطلين والفاسقين، وقَالَ تَعَالَى (١٦: ١١٩) ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فأخبر سُبْحَانَهُ أنه بعد هَذِهِ الأَشْيَاءِ غفور رحيم لمن فعلها، فالعَالِم يضع الرجَاءَ مواضعه، والجاهل المغتر يضعه فِي غير مواضعه.
اللَّهُمَّ أَحْيِنَا فِي الدُّنْيَا مؤمنين طائعين وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ تائبين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ فِي نَمَاذِج مِنْ أََخْلاَقِ السَّلَفِ ﵏
من ذَلِكَ توصية بَعْضهمْ بَعْضًا وقُبُولهمْ لها وشكرهم للواعظ لَهُمْ، ومن وصية الإِمَام علي بن أبي طالب لابنه الحسن قَالَ فيها:
стр. 1066
أي بني.. إني لما رأيتني قَدْ بلغت سنًا، ورأيتني أزداد وهنًا بادرت بوصيتي إليك، وأوردت خصالاً مِنْهَا قبل أن يُعَجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما فِي نفسي، وأن أنقص فِي رأيي كما نقصت فِي جسمي، أَوْ يسبقني إليك بَعْض غلبات الهوى وفتن الدُّنْيَا، فتَكُون كالصعب النفور.
وإنما قلب الحدث كالأَرْض الخالية ما ألقي فيها من شَيْء قبلته، فبادرتك بالأَدَب قبل أن يقسو قلبك، ويشتغل لبك، لتستقبل بجد رأيك من الأَمْر ما قَدْ كفاك أَهْل التجارب بغيته وتجربته، فتَكُون قَدْ كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذَلِكَ ما قَدْ كنا نأتيه، واستبان لَكَ ما ربما أظلم عَلَيْنَا منه.
أي بني.. إني وإن لم أكن عمرت عمر من كَانَ قبلي، فقَدْ نظرت فِي أَعْمَالُهُمْ، وفكرت فِي أخبارهم، وسرت فِي آثارهم حَتَّى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهِيَ إِلَيَّ من أمورهم قَدْ عمرت مَعَ أولهم إِلَى آخرهم، فعرفت صفو ذَلِكَ من كدره ونفعه من ضرره.
فاستخلصت لَكَ من كُلّ أمر نخيله وتوخيت لَكَ جميله، وصرفت عَنْكَ مجهوله، ورَأَيْت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق، وأجمعت عَلَيْهِ من أدبك أن يكون ذَلِكَ وأَنْتَ مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية.
وأن إبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الإِسْلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذَلِكَ بك إِلَى غيره، ثُمَّ أشفقت أن يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ ما اختلف النَّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الَّذِي التَبَسَ عَلَيْهمْ، فكَانَ أحكام ذَلِكَ على ما كرهت من تنبيهك به الهلكة، ورجوت أن يوفقك الله لما فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك بوصيتي هَذِهِ.
стр. 1067
واعْلَمْ يَا بني، إن أحب ما أَنْتَ آخذ به إِلَيَّ من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما فرضه الله عَلَيْكَ، والأخذ بما مضى عَلَيْهِ الأولون من آبائك والصالحون من أهل بيتك، فَإِنَّهُمْ لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أَنْتَ ناظر.
وفكروا كما أَنْتَ مفكر، ثُمَّ ردهم آخر ذَلِكَ إِلَى الأخذ بما عرفوا، والإمساك عما لم يكلفوا، فَإِنَّ أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا، فليكن طلبك ذَلِكَ بتفهم وتعلم، ولا بتورط الشبهات وعلوا الخصومَاتَ.
وابدأ قبل نظرك فِي ذَلِكَ بالاستعانة بإلهك، والرغبة إليه فِي توفيقك، وترك كُلّ شائبة أَوْلجتك فِي شبهة أَوْ أسلمتك إِلَى ضلالة، فإذا أيقنت أن قَدْ صفا قلبك فَخَشَعَ، وتم رأيك فاجتمَعَ، وكَانَ همك فِي ذَلِكَ همًا واحدًا، فَانْظُرْ فيما فَسَّرْتُ لَكَ.
وإن لم يجتمَعَ لَكَ ما تحب من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك، فاعْلَمْ أنَّكَ إنما تخبط العشواء وتتورط الظلماء، ولَيْسَ طالب الدين من خبط أَوْ خلط، والإمساك على ذَلِكَ أمثل.
فتفهم يَا بني وصيتي، واعْلَمْ أنَّ مالك الموت هُوَ مالك الحياة، وأنَّ الخالق هُوَ المميت، وأن المفني هُوَ المعيد، وأن الله هُوَ المعافي، وأن الدُّنْيَا لم تكن لتستقر إلا على ماجعلها الله عَلَيْهِ من النعماء والابتلاء، والجزاء فِي المعاد أَوْ ما شَاءَ مِمَّا لا نعلم.
فإن أشكل عَلَيْكَ شَيْء من ذَلِكَ فاحمله على جهالتك به، فإنك أول ما خلقت جاهلاً ثُمَّ علمت، وما أكثر ما تجهل من الأَمْر، ويتحير فيه رأيك، ويضل فيه بصرك، ثُمَّ تبصره بعد ذَلِكَ، فاعتصم بالَّذِي خلقك ورزقك وسواك، وليكن لَهُ تَعَبُّدُكَ، وإِليه رغبتُك، ومنه شفقتك.
стр. 1068
واعْلَمْ يَا بني أن أحدًا لم ينبئ عَنْ الله كما أنبأ عَنْهُ الرَّسُول ﷺ فارض به رائدًا، وإلى النجاة قائدًا، فإني لم آلُكَ نصيحة، وإنك لن تبلغ فِي النظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظري لَكَ.
واعْلَمْ يَا بني أنه لو كَانَ لربك شريك لأتتك رسله، ولرَأَيْت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إلهٌ واحدٌ كما وصف نَفْسهُ، لا يضاده فِي ملكه أَحَدًا، ولا يزول أبدًا، ولم يزل أول قبل الأَشْيَاءِ بلا أولية، وآخر بعد الأَشْيَاءِ بلا نهاية، عَظُمَ عَنْ أن تَثْبُتَ ربوبيته بإحاطة قلب أَوْ بصر، فإذا عرفت ذَلِكَ فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله فِي صغر خطره، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعَظِيم حاجته إِلَى ربه، فِي طلب طاعته، والرهبة من عقوبته، والشفقة من سخطه، فإنه لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عَنْ قبيح.
يا بني.. إني قَدْ أنبأتك عَنْ الدُّنْيَا وحالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عَنْ الآخِرَة وما أعد لأهلها فيها، وضربت لَكَ فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عَلَيْهَا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نعوذ بك من الشك بعد اليقين، ومن الشيطان الرجيم، ومن شدائد يوم الدين، ونسألك رضاك والْجَنَّة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللَّهُمَّ ارحمنا إِذَا عرق الجبين واشتد الكرب والأنين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المسلمين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
" فَصْلٌ ": إنما مثل من خَبَرَ الدُّنْيَا كمثل قوم سَفرٍ نَبَا بِهُمْ منزل جديب فأَمَّوا منْزِلاً خصيبًا وجنابًا مريعًا فاحتملوا وعثاء الطَرِيق وفراق الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم، ليأتوا سعة دراهم، ومنزل قرارهم، فلَيْسَ
стр. 1069
يجدون لشيء من ذَلِكَ ألَمًا، ولا يرون فِي نفقه مغرمًا، ولا شَيْء أحب إليهم مِمَّا قربهم من منزلهم، وأدناهم عَنْ محلهم.
ومثل من اغتر بها كمثل قوم كَانُوا بمنزل خصيب، فَنَبَا بِهُمْ إِلَى منزل جديب، فلَيْسَ شَيْء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كَانُوا فيه إِلَى ما يهجمون عَلَيْهِ ويصيرون إليه.
يا بني.. اجعل نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره لَهُ ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من النَّاس بما ترضاه لَهُمْ من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقَالَ لَكَ.
وَاعْلَمْ أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فاسع فِي كدحك ولا تكن خازنًا لغيرك، وَإِذَا هديت لقصدك، فكن أخشع ما تَكُون لربك.
واعْلَمْ أن أمامك طريقًا ذا مسافة بعيدة ومشقة شديدة، وأنه لا غنى لَكَ فيه عَنْ حسن الارتياد، قَدْرَ بلاغك من الزَّاد مَعَ خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذَلِكَ وبالاً عَلَيْكَ.
وَإِذَا وجدت من أَهْل الفاقة من يحمل لَكَ زادك إِلَى يوم القيامة، فيوافيك به غدًا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمله إياه، وأكثر من تزويده وأَنْتَ قادر عَلَيْهِ، فلعلك تطلبه فلا تجده، واغتنم من استقرضك فِي حال غناك، ليجعل قضاءه لَكَ فِي يوم عسرتك.
واعْلَمْ أن أمامك عقبة كؤودًا، المخف فيها أحسن حالاً من المثقل، والمبطي عَلَيْهَا أقبح حالاً من المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أَوْ على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك، ووطئ المنزل قبل حلولك، فلَيْسَ بعد الموت مستعتب، ولا إِلَى الدُّنْيَا منصرف.
стр. 1070
واعْلَمْ أن الَّذِي بيده خزائن السماوات والأَرْض، قَدْ أذن لَكَ فى الدُّعَاء، وتكفل لَكَ بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك تسترحمه ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عَنْكَ، ولم يلجئك إِلَى من يشفع لَكَ إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يعيرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عَلَيْكَ فِي قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة.
بل جعل نزوعك عَنْ الذنب حسُنَّة، وحسب سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشرًا، وفتح لَكَ باب المتاب، فإذا ناديته سَمِعَ نداءك، وَإِذَا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسأتله من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار، وصحة الأبدان، وسعة الأرزاق.
ثُمَّ جعل فِي يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لَكَ من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدُّعَاء أبواب نعمته، واستمطرت شآبيب رحمته فلا يقنطك إبطاء إجابته، فَإِنَّ العطية عَلَى قَدْرِ النية، وَرُبَّمَا أخرت عَنْكَ إجابة ليكون ذَلِكَ أعظم لأجر السائل، وأجزل لعطاء الآمل.
وَرُبَّمَا سألت الشيء فلا تؤتاه وأوتيت خيرًا منه عاجلاً أَوْ آجلاً، أَوْ صرف عَنْكَ لما هُوَ خَيْر لَكَ، فلرب أمر قَدْ طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته، فلتكن مسألتك فيما يبقى لَكَ جماله، وينفى عَنْكَ وباله. فالْمَال لا يبقى لَكَ ولا تبقى لَهُ.
واعْلَمْ أَنَّكَ إنما خلقت للآخرة لا الدُّنْيَا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك فِي منزل قلعة ودار بلغة، وطَرِيق إِلَى الآخِرَة.
стр. 1071
وأنك طريد الموت الَّذِي لا ينجو منه هاربه، ولا بد أنه مدركه، فكن منه على حذر إن يدركك وأَنْتَ على حال سَيِّئَة قَدْ كنت تحدث نفسك مَنْهَا بالتوبة، فيحول بينك وبين ذَلِكَ، فإذا أَنْتَ قَدْ أهلكت نفسك.
يا بني.. أكثر من ذكر الموت، وذكر ما تهجم عَلَيْهِ، وتفضي بعد الموت إليه، حَتَّى يأتيك وقَدْ أخذت منه حذرك، وشددت لَهُ أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، وَإِيَّاكَ أن تغتر بما تَرَى من إخلاد أَهْل الدُّنْيَا إليها، وتكالبهم عَلَيْهَا.
فقَدْ نبأك الله عَنْهَا ونَعَتَتْ لَكَ نفسها، وتكشفت لَكَ عَنْ مساويها، فَإِنَّ أهلها كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها بَعْضًا، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها.
نعم معقلة، وأخرى مهملة، قَدْ أضلت عقولها، وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث. لَيْسَ لها راع يقيمها، ولا مقيم يسميها، سلكت بِهُمْ الدُّنْيَا طَرِيق العمى، وأخذت بأبصارهم عَنْ منار الهدى، فتاهوا فِي حيرتها، وغرقوا فِي نعمتها، واتخذوها ربًّا فلعبت بِهُمْ ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها.
رويدًا يسفر الظلام، كَأنْ قَدْ وردت الأظغان، يوشك من أسرع أن يلحق، واعْلَمْ أن من كانت مطية الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفًا ويقطع المسافة وإن كان مقيمًا وادعًا.
واعلم يقينا إِنَّكَ لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، وإنك فِي سبيل من كَانَ قبلك فخفض فِي الطلب، وأجمل فِي المكتسب فانه رب طلب قَدْ جر إلى حرب، فلَيْسَ كُلّ طالب بمرزوق، ولا كُلّ مجمل بمحروم، وأكرم نفسك عَنْ دنية، وان ساقتك إِلَى الراغائب، فانك لن تعتاض بما تبذل
стр. 1072
من نفسك عوضًا، ولا تكن عبد غيرك وقَدْ جعلك الله حرًا، وما خَيْر، لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال الا بعسر.
وَإِيَّاكَ أن توجف بك مطايا الطمَعَ، فتوردك مناهل الهلكة، وإن استطعت أن يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله سُبْحَانَهُ أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كَانَ كُلّ منه.
كَأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ بِأَخْبَارِ مَنْ مَضَى ... وَلَمْ تَرَ فِي الْبَاقِينَ مَا يَصْنَعُ الدَّهْرُ
فَإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ دِيَارُهُمْ ... عَلَيْهَا مَجَالُ الرِّيحِ بَعْدَكَ وَالْقَطْرُ
وَهَلْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ حَيًّا بِمَنْزِلٍ ... عَلَى الأَرْضِ إِلا بِالْفَنَاءِ لَهُ قَبْرُ
وَأَهْلُ الثَّرَى نَحْوَ الْمَقَابِرِ شُرّعٌ ... وَلَيْسَ لَهُمْ إِلا إِلَى رَبِّهِمْ نَشْرُ
عَلَى ذَاكَ مَرُّوا أَجْمَعُونَ وَهَكَذَا ... يَمُرُّونَ حَتَّى يَسْتَرِدُّهُمْ الْحَشْرُ
فَلا تَحْسَبَنَّ الْوَفْرَ مَالاً جَمَعْتَهُ ... وَلَكِنَّ مَا قَدَّمْتَ مِنْ صَالِحٍ وَفْرُ
قَضَى جَامِعُوا الأَمْوَالِ لَمْ يَتَزَوَّدُوا ... سِوَى الْفَقْرُ يَا بُؤْسًا لِمَنْ زَادُهُ الْفَقْرُ
بَلَى سَوْفَ تَصْحُو حِينَ يَنْكَشِفُ الْغَطَا ... وَتَذْكُرُ قَوْلِي حِينَ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ
وَمَا بَيْنُ مِيلادُ الْفَتَى وَوَفَاتِهِ ... إِذَا نَصَحَ الأَقْوَامُ أَنْفُسَهُمْ عُمْرُ
لأَنَّ الَّذِي يَأْتِي كَمِثْلِ الَّذِي مَضَى ... وَمَا هُوَ إِلا وَقْتُكَ الضَّيِّقُ النَّزْرُ
فَصَبْرًا عَلَى الأَوْقَاتِ حَتَّى تَحُوزَهَا ... فَعَمَّا قَلِيلٍ بَعْدَهَا يَنْفَعُ الصَّبْرُ
اللَّهُمَّ إليك بدعائنا توجهنا وبفنائك أنخنا وَإِيَّاكَ أملنا ولما عندك من الكرم والجود والإحسان طلبنا ومن عذابك أشفقنا ولغفرانك تعرضنا فاغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 1073
(وَصِيَّةُ أَبِيْ حَازِمٍ الأَعْرَجِ لِلزُّهْرِي)
عافانَا الله وَإِيَّاكَ أبا بكر من الفتن، ورحمك من النار، فقَدْ أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك مَنْهَا، أصبحت شيخًا كبيرًا قَدْ أثقلتك نعم الله عَلَيْكَ، بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وعلمت حجج الله تَعَالَى مِمَّا حَمَلَكَ من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سُنَّة نبيك ﷺ ، فرمى بك فِي كُلّ نعمة أنعمها عَلَيْكَ وكل حجة يحتج بها عَلَيْكَ، وقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ .
انظر.. أي رجل تَكُون إِذَا وقفت بين يدي الله فسألك عَنْ نعمه عَلَيْكَ كيف رعيتها، وعن حججه عَلَيْكَ كيف قضيتها، ولا تحسبن الله راضيًا منك بالتغرير، ولا منك التقصير، هيهات لَيْسَ كَذَلِكَ.
أخذ على الْعُلَمَاء فِي كتابه إذ قال ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ﴾ .. الآية.
إنك تَقُول إِنَّكَ جدل، ماهر عَالِم، قَدْ جدلت النَّاس فجدلتهم، وخاصمتم فخصمتهم، إذلالاً منك بهمك، وإقتدارًا منك برأيك، فأين تذهب من قول الله : ﴿هَا أَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .. الآية
اعْلَمْ أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما احتقيت، أن آنست الظَالِم وسهلت لَهُ طَرِيق الغي بدنوك حين أدنيت، وأجابتك حين دعيت، فما أخلقك أن تبوء بإثمك غدا مَعَ الْجُمُعَة، وأن تسأل عما أردت بإغضائك عَنْ ظلم مظلمة.
إنك أخذت ما لَيْسَ لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يرد على أحد حقًا، ولا ترك باطلاً حين أدناك، وأجبت من أراد التدلَيْسَ بدعائه إياك حين دعاك.
جعلوك قطبًا تدور باطلهم عَلَيْكَ، وجسرًا يعبرون بك إِلَى بلائهم،
стр. 1074
وسلمًا إِلَى ضلالتهم، وداعيًا إِلَى غيهم، وسالكًا سبيلهم، يدخلون بك الشك على الْعُلَمَاء، ويقتادون بك قُلُوب الجهال إليهم، فلم تبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم لَهُمْ إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أيسر ما عمروا لَكَ فِي جنب ما خرجوا عَلَيْكَ، وما أقل ما أعطوك فِي كثير ما أخذوا منك، فَانْظُرْ لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.
وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرًا وكبيرًا، وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه فِي النَّاس بخيلاً، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك لكسوته ستيرَا، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تَكُون منه قريبَا.
ما لَكَ لا تنتبه من نفسك، وتستقِيْل من عثرتك، فَتَقُول: وَاللهِ ما قمت لله مقامًا واحدًا أحيي لَهُ فيه دينًا، ولا أميت لَهُ فيه باطلاً، إنما شكرك لمن استحَمَلَكَ كتابه، واستودعك علمه.
ما يؤمنك أن تَكُون من الَّذِينَ قَالَ الله تَعَالَى فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى﴾ ... الآية.
إنك لست فِي دار مقام، قَدْ أذنت بالرحيل، ما بقاء المرء بعد أقرانه، طُوبَى لمن كَانَ مَعَ الدُّنْيَا على وجل، ويا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده.
إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ولَيْسَ أحد أهلاً أن تردفه على ظهرك. ذهبت اللذة وبقيت التعبة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره، إحذر فقَدْ أتيت، وتخلصت فقَدْ أدهيت إِنَّكَ تعامل من لا يجهل، والَّذِي يحفظ عَلَيْكَ لا يغفل.
تجهز فقَدْ دنا منك سفر، وداو دينك فقَدْ دخله سقم شديد، ولا
стр. 1075
تحسبن أني أردت توبيخك أَوْ تعييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تبنش ما فات من رأيك، وترد ما عزب عَنْكَ من حلمك، وذكرت قوله تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أغفلت ذكر من مضى من أسلافك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب، فَانْظُرْ هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أَوْ دخلوا فِي مثل ما دخلت فيه، هل تراه إِدَّخَرَ لَكَ خيرًا منعوه أَوْ علمك عِلْمًا جهلوه، بل جهلت ما ابتليت به من حالك فِي صدور العامة، وكلفهم بك أن صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك، إن حللت أحلوا، وإن حرمت حرموا، ولَيْسَ ذَلِكَ عندك، ولكن إكبابهم عَلَيْكَ، ورغبتهم فيما فِي يديك، ذهاب عملهم، وغلبة الجهل عَلَيْكَ وعَلَيْهمْ، وطلب حب الرياسة وطلب الدُّنْيَا منك وَمِنْهُمْ.
أما تَرَى ما أَنْتَ فيه من الجهل والعزة، وما النَّاس فيه من البَلاء والفتنة، وابتليتهم بالشغل عَنْ مكاسبهم وفتنتهم، بما رأوا من اثر العلم عَلَيْكَ، وتاقت أنفسهم إِلَى أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه مثل الَّذِي بلغت، فوقعوا بك فِي بحر لا يدرك قعره، وَفِي بَلاء لا يقدر قدره، فالله لَنَا ولك ولهم المستعان.
واعْلَمْ أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تَعَالَى على يدي أوليائه لآوليائه، الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم، ولَقَدْ جَاءَ نعتهم على لسان رسول الله ﷺ ((إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الَّذِينَ إِذَا غابوا لم يفتقدوا، وَإِذَا شهدوا لم يعرفوا، قُلُوبهمْ مصابيح الهدى، يخرجون من كُلّ فتنة سوداء مظلمة» .
فهؤلاء أَوْلِيَاء الله الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 1076
وجاه يجريه الله تَعَالَى على يدي أعدائه لأوليائه، وَمِقَةٌ يقذفها الله فِي قُلُوبهمْ لَهُمْ، فيعظمهم النَّاس بتعَظِيم أولئك لَهُمْ ويرغب النَّاس فيما فِي أيديهم لرغبة أولئك فيه إليهم ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
وما أخوفني أن تَكُون ممن ينظر لمن عاش مستورًا عَلَيْهِ فِي دينه، مقتورًا عَلَيْهِ فِي رزقه، معزولة عَنْهُ البلايا، مصروفة عَنْهُ الفتن فِي عنفوان شبابه وطهور جلده، وكمال شهوته.
فعني بذَلِكَ دهره، حَتَّى إِذَا كبر سنه، ورق عظمه، وضعفت قوته، وانقطعت شهوته ولذته، فتحت عَلَيْهِ الدُّنْيَا شر فتوح فلزمته تبعتها وعلقته فتنتها، وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها.
فسبحان الله ما أبين هَذَا الغبن، وأخسر هَذَا الأَمْر، فهلا إِذَا عرضت لَكَ فتنتها ذكرت أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عمر ﵁ فِي كتابه إِلَى سعد.. حين خاف عَلَيْهِ مثل الَّذِي وقعت فيه عِنْدَمَا فتح الله على سعد.
أما بعد فأعرض عَنْ زهرة ما أَنْتَ فيه حَتَّى تلقى الماضين الَّذِينَ دفنوا فِي أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم، لَيْسَ بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدُّنْيَا ولم يفتنوا بها، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا.
فإذا كَانَتْ الدُّنْيَا يبلغ من مثلك هَذَا فِي كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فمن يلوم الحدث فِي سنه، والجاهل فِي علمه، والمأفون فِي رأيه المدخول فِي عقله (إنَا لله وإنَا إليه راجعون) على من المعول، وعَنْدَ من المستعتب.
نحتسب عَنْدَ الله مصيبتنا.. وما نرى منك، ونحمد الله الَّذِي عافانَا مِمَّا ابتلاك به. والسَّلام عَلَيْكَ ورحمة الله وبركاته..
стр. 1077
شِعْرًا: ... يَمْشُونَ نَحْوَ بُيُوتِ اللهِ إِذَا سَمِعُوا ... اللهُ أَكْبَرُ فِي شَوْقٍ وَفِي جَذَلِ
أَرْوَاحُهُمْ خَشَعَتْ للهِ فِي أَدَبِ ... قُلُوبُهُمْ مِنْ جَلالِ اللهِ فِي وَجَلِ
نَجْوَاهُمُ رَبَّنَا جِئْنَاكَ طَائِعَةً ... نُفُوسَنَا وَعِصْيَانَا خَادِعَ الأَمَلِ
إِذَا سَجَى اللَّيْلُ قَامُوهُ وَأَعْيُنُهُمْ ... مِنْ خَشْيَةِ اللهِ مِثْلَ الْجَائِدِ الْهَطَلِ
هُمُ الرِّجَال فَلا يُلْهِيهِمْ لَعِبٌ ... عَن الصَّلاةِ وَلا أَكْذُوبَةُ الْكَسَلِ
آخر: ... لا فِي النَّهَارَ وَلا فِي اللَّيْلِ لِي فَرَحٌ ... فَمَا أُبَالِى أَطَالَ اللَّيْلُ أَمْ قَصُرَا
لأَنَّنِي طُولَ لَيْلِى هَائِمٌ دَنِفٌ ... وَبِالنَّهَارَ أُقَاسِي الْهَمَّ وَالْفِكَرَا
آخر: ... لَعَمْرِي لَقَدْ نُودِيتَ لَوْ كُنْتَ تَسْمَعُ ... أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَوْتَ مَا لَيْسَ يَدْفَعُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ النَّاسَ فِي غَفَلاتِهِمْ ... وَأَنَّ الْمَنَايَا بَيْنَهُمْ تَتَقَعْقَعُ
أَلَمْ تَرَ لَذَّاتِ الْجَدِيدِ إِلَى الْبَلَى ... أَلَمْ تَرَ أَسْبَابَ الأُمُورِ تَقَطَّعُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَوْتَ يَهْتَزُّ سَيْفُهُ ... وَأَنَّ رِمَاحَ الْمَوْتِ نَحْوَكَ شُرَّعُ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الوَقْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... لَهُ عَارِضٌ فِيهِ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ
أَيَا بَانِي الدُّنْيَا لِغَيْرِكَ تَبْتَنِي ... وَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِكَ تَجْمَعُ
وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
وقَالَ رجل لمُحَمَّد بن سيرين: أوصني. فقَالَ: لا تحسد أَحَدًا فإنه إن كَانَ من أَهْل النار فَكَيْفَ تحسده على دنيا فانية مصيره بعدها إلى النار، وإن كَانَ من أَهْل الْجَنَّة فاتبعه فِي إعمالها واغبطه عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أولى من حسدك لَهُ على الدُّنْيَا.
وقَالَ رجل للحسن البصري: أوصني. فقَالَ: لا تذنب فتلقى نفسك فِي النار من إِنَّكَ لو رَأَيْت أَحَدًا يلقى برغوثًا فِي النار لا نكرت عَلَيْهِ، وأَنْتَ تلقى نفسك فِي النار كُلّ يوم مرات، ولا تنكر عَلَيْهَا. ومن ذَلِكَ حسن أدبهم مَعَ الصغير والكبير ومَعَ الْبَعِيد فضلاً عَنْ القريب.
والأصل فِي الأَدَب شهود النقص فِي النفس والكمال فِي الغير عكس من
стр. 1078
كَانَ قليل أدب متكبر، وكَانَ ميمون بن مهران إِذَا دُعِي إِلَى وليمة جلس مَعَ الصبيان والمساكين من الرِّجَال وترك الأغنياء، وكَانَ بكر بن عَبْد اللهِ المزني يَقُولُ: إِذَا رَأَيْت من هُوَ أكبر منك فعظّمْه وقل إنه سبقني إِلَى الإِسْلام والْعَمَل الصالح وَإِذَا رَأَيْت من هُوَ أصغر منك فعظمه وقل فِي نفسك إني سبقته إِلَى الذُّنُوب، وَإِذَا أكرمك النَّاس فقل هَذَا من فضل الله علي لا أستحقه وَإِذَا أهانوك فقل هَذَا بذنب أحدثته.
ومن أخلاقهم انخلاع قُلُوبهمْ من خوف الله من ذَلِكَ ما ذكر أنه لما حضرت الوفاة سلمان الفارسي بكى، وقَالَ إن رسول الله ﷺ قَدْ عهد إلينا وقَالَ: «ليكن بلغة أحدكم من الدُّنْيَا كزَادَ الراكب " وها أَنَا قَدْ جمعت هَذِهِ الأمتعة وأشار إليها وهي أجانة وحفنة ومطهرة فَلَمَّا مَاتَ قوموها بخمسة عشر درهمًا.
شِعْرًا: ... مَا ضَرَّ مَنْ كَانَتْ الْفِرْدَوْسُ مَسْكَنَهُ ... مَاذَا تَحَمَّلَ مِنْ بُؤْسٍ وَإِقْتَارِ
تَرَاهُ يَمْشِي كَئِيبًا خَائِفًا وَجِلاً ... إلى الْمَسَاجِدِ يَسْعَى بَيْنَ أَطْمَارِ
ومِمَّا ينسب إِلَى الشَّافِعِي:
يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى شَيْئَيْنِ لَوْ جُمِعَا ... عِنْدِي لَكُنْتَ إِذَا مِنْ أَسْعَدِ الْبَشَرِ
كَفَافِ عَيْشٍ يَقِينِي شَرَّ مَسْأَلَةٍ ... وَخِدْمَةِ الْعِلْمِ حَتَّى يَنْتَهِي عُمُرِي
آخر: ... قَطَعَ اللَّيَالِي مَعَ الأَيَّامِ فِي خَلِق ... وَالنَّوْمُ تَحْتَ رِوَاقِ الْهَمِّ وَالْقَلَقِ
أَحْرَى وَأَعْذَرُ لِي مِنْ أَنْ يُقَالَ غَدًا ... إِنِّي التَمَسْتُ الْغِنَى مِنْ كَفِّ مُخْتَلِقِ
قَالُوا قَنِعْتَ بِذَا قُلْتُ الْقُنُوعُ غِنَى ... لَيْسَ الْغِنَى كَثْرَةُ الأَمْوَالِ وَالْوَرَقِ
آخر: ... لا تَضْرَعَنَّ لِمَخْلِوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فَإِنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْكَ فِي الدِّينِ
وَاسْتَرْزِقْ اللهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ ... فَإِنَّمَا الأَمْرُ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
آخر: ... كَمْ فَاقَةٍ مَسْتُورَةٍ بِمُرُوءَةٍ ... وَضَرورَةٍ قَدْ غُطِّيَتْ بِتَجَمُّلِ
وَمنِ ابْتِسَامٍ تَحْتَهُ قَلْبٌ شَجِي ... قَدْ خَامَرَتْهُ لَوْعَةٌ مَا تَنْجَلِي
стр. 1079
آخر: ... إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا نَالَتْهُ مَخْمَصَةٌ ... أَبْدَى إِلَى النَّاسِ رَيًّا وَهُوَ ظَمْآنُ
يَطْوِي الضُّلُوعَ عَلَى مِثْلِ اللَّظَى حُرَقًا ... وَالْوَجْهُ طلق بِهِ وَالْبشَّر رَيّانُ
آخر: ... نَهَارٌ مُشْرِقٌ وَظَلامُ لَيْلٍ ... أَلَحَّا بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ
هُمَا هَدَمَا دَعَائِمَ عُمْرِ نُوحٍ ... وَلُقْمَانٍ وَشَدَّادٍ وَعَادِ
فَيَا بَكْرَ بن حَمَّادٍ تَعَجَّبْ ... لِقَوْمٍ سَافَرُوا مِنْ غَيْرِ زَادِ
تَبِيتُ عَلَى فِرَاِشَك مُطْمَئِنًا ... كَأَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ مِنَ الْمَعَادِ
فَيَا سُبْحَانَ مَنْ أَرْسَى الرَّوَاسِي ... وَأَوْفَدَهَا عَلَى السَّبّعُ الشِّدَادِ
آخر: ... مَنْ رَاقَبَ الْمَوْتَ لَمْ تَكْثُرْ أَمَانِيهِ ... وَلَمْ يَكُنْ طَالِبًا مَا لَيْسَ يَعْنِيهِ
آخر: ... رُبَّ بَاتَ يُمَنِّي نَفْسَهُ ... حَالَ مِنْ دُونِ مُنَاهُ أَجْلُهْ
آخر: ... إِذَا أَمْسَيْتَ فَابْتَدِرِ الصَّبَاحَا ... وَلا تُمْهِلْهُ تَنْتَظِرِ الصِّيَاحَا
وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ فَكَمْ أُنَاسٍ ... قَضَوْا نَحْبًا وَقَدْ نَامُوا صِحَاحَا
آخر: ... وَلا تُرْجِ فِعْلَ الصَّالِحَاتِ إِلَى غَدٍ ... لَعَلَّ غَدًا يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ
احتضر بَعْض العباد فقَالَ: ما تأسفي على دار الهموم والأحزان والانكاد والخطايا والذُّنُوب، وإنما تأسفي على ليلة نمتها ويوم أفطرته وساعة غفلت فيها عَنْ ذكر الله، وقَالَ إبراهيم بن أدهم: فرغ قلبك من ذكر الدُّنْيَا يفرغ عَلَيْكَ الرضاء إفراغًا. خطب الحجاج فقَالَ: إن الله أمرنا نطلب الآخِرَة وكفانَا مؤنة الدُّنْيَا فليته كفانَا مؤونة الآخِرَة وأمرنا بطلب الدُّنْيَا. فقَالَ الحسن البصري: ضالة المُؤْمِن عَنْدَ فاسق فليأخذها.
وقَالَ أَنَس ﵁: إن الله جعل الدُّنْيَا دار بلوى والآخِرَة دار عقبى، فجعل بلوى الدُّنْيَا لثواب الآخِرَة سببًا، وثواب الآخِرَة من بلوى الدُّنْيَا عوضًا فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي. وقَالَ بَعْضهمْ: إن امرأ ذهبت ساعة من عمره فِي غير ما خلق لَهُ لحري أن يطول عَلَيْهَا حزنه.
стр. 1080
وقَالَ آخر: ما ابتلى أحد بشَيْء أشد من الغَفْلَة والقَسْوَة إنما كره المُؤْمِن الموت لانقطاع الأَعْمَال الصَّالِحَة وخوف الذُّنُوب، ومن شغله طلب الدُّنْيَا عَنْ الآخِرَة ذل إما فِي الدُّنْيَا وإما فِي الآخِرَة وإما بهما جميعًا.
من نظر فِي سيرة السَّلَف عرف تقصيره وتخلفه عَنْ درجات الكمال، تعرف نفسك فِي ثلاثة مواضع: إِذَا عملت فَانْظُرْ نظر الله إليك وَإِذَا تكلمت فاذكر سمَعَ الله إليك وَإِذَا سكت فاذكر علم الله فيك، تهاون بالدُّنْيَا حَتَّى لا يعظم بعينك أهلها ومن يملكها.
قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: كَانَ الرجل فِي أَهْل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركًا لها، والْيَوْم يزداد الرجل بعلمه حبًا للدنيا وطلبًا لها وكَانَ الرجل ينفق ماله على علمه والْيَوْم يكسب الرجل بعلمه مالً وكَانَ يرى على طالب العلم زيادة فِي باطنه وظاهره والْيَوْم يرى على كثير من أَهْل العلم فساد فِي الظاهر والباطن.
شِعْرًا: ... يَا عَامِرَ الدُّنْيَا عَلَى شَيْبَتِهْ ... فِيكَ أَعَاجِيبُ لِمَنُ يَعْجَبُ
مَا عُذْرُ مَنْ يَعْمُر بُنْيَانَهُ ... وَعُمْرُهُ مُسْتَهْدَمٌ يَخْرَبُ
آخر: ... عَجِبْتُ لِتَغْرِيسِي نَوَى النَّخْلِ بَعْدَمَا ... طَلَعْتَ عَلَى السِّتِّينَ أَوْ كِدْتُ أَفْعَلُ
وَأَدْرَكْتُ مِلأَ الأَرْضِ نَاسًا فَأَصْبَحُوا ... كَأَهْلِ دِيَارٍ أَدْلَجُوا فَتَحَمَّلُوا
وَمَا النَّاسُ إِلا رُفْقَةٌ قَدْ تَحَمَّلَتْ ... وَأُخْرَى تُقَضَّى حَاجَهَا ثُمَّ تَرْحَلُ
ولما حضرت إبراهيم النخعى الوفاة بكى فقِيْل لَهُ فِي ذَلِكَ فقَالَ: إني أنتظر رسولاً يأتيني من ربي لا أدري هل يبشرني بالْجَنَّة أَوْ بالنار. ولما حضرت عمر بن عَبْد الْعَزِيز الوفاة، قَالَ: اللهم إني أذنبت فَإِنَّ غفرت لي فقَدْ مننت وإن عذبتني فقَدْ عدلت، وما ظلمت لكن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثُمَّ قضى نحبه.
وكَانَ يتمثل بهذه الأبيات:
стр. 1081
تَرَاهُ مَكِينًا وَهُوَ لِلَّهْوِ مَاقِتٌ ... بِهِ عَنْ حَدِيثِ الْقَوْمِ مَا هُوَ شَاغِلُهْ
وَأَزْعَجَهُ عِلْمٌ عَنْ الْجَهْلِ كُلِّهِ ... وَمَا عَالِمٌ شَيْئًا كَمَنْ هُوَ جَاهِلُهْ
عَبُوسٌ عَنْ الْجُهَّالِ حِينَ يَرَاهُمُوا ... فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُمْ خَدِينٌ يُهَازِ لَهْ
تَذَكَّرَ مَا يَلْقَى مِنْ الْعَيْشِ آجِلاً ... فَاشْغَلهُ عَنْ عَاجِلِ الْعَيْشِ آجِلُهْ
ولما حضرت عامر بن قيس الوفاة بكى وقَالَ: إني لم أبك جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدُّنْيَا، ولكن على عدم قضاء وطري من طاعة ربي وقيام الليل فِي أيام الشتاء.
وكَانُوا يبكون إِذَا فاتتهم تكبيرة الإحرام مَعَ الجماعة، وكَانَ المحدث الثِّقَة بشر بن الحسن يقَالَ لَهُ الصفي لأنه كَانَ يلزم الصف الأول فِي مسجد البصرة خمسين سُنَّة.
مثله إبراهيم بن ميمون المروزي أحد الدعاة المحدثين الثقاة من أصحاب عطاء بن أبي رباح وكَانَتْ مهنته الصياغة وطرق الذهب والفضة قَالُوا: كَانَ فقيهًا فاضلاً من الأمارين بالمعروف. وقَالَ ابن معين: كَانَ إِذَا رفع المطرقة فسمَعَ النداء لم يردها.
وقِيْل لكثير بن عبيد الحمصى عَنْ سبب عدم سهوه فِي الصَّلاة وقَدْ أم أَهْل حمص ستين سُنَّة كاملة فقَالَ: ما دخلت من باب المسجد قط وَفِي نفسي غير الله.
وقَالَ سُلَيْمَانٌ بن حمزة المقدسى وَهُوَ من ذرية ابن قدامة صَاحِب كتاب المغنى " لم أصل الفريضة قط منفردًا إلا مرتين، وكأني لم أصلها قط مَعَ أنه قارب التسعين» .
وذكر عَنْ الأعمش أنه قَالَ: لم تفتني صلاة الجماعة ما يقرب من أربعين سُنَّة إلا مرة واحدة حين ماتت والدته اشتغل بتجهيزها.
стр. 1082
وذكر عن بَعْضهمْ أنه لم تفته تكبيرة الإحرام أربعين سُنَّة وكَانَ بَعْضهمْ يصيبه مرض إِذَا فاتته صلاة الجماعة.
نَحْنُ بالعكس ربما يصيبنا مرض أَوْ جنون إِذَا فاتنا شَيْء من حطام الدُّنْيَا والسبب الوحيد إِنَّ الدُّنْيَا ما تهمهم وأما الآخِرَة فهي نصب أعينهم فِي كُلّ ساعة يستعدون لها والدُّنْيَا جعلوها مطية الآخِرَة.
نسال الله الحي القيوم العلى العَظِيم القوى العزيز أن يوقظ قلوبنا من هَذِهِ الرقدة اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد.
شِعْرًا: ... أَفَلَسْتَ تَدْرِي أَنَّ يَوْمَكَ قَدْ دَنَا ... أَوَ لَسْتَ تَدْرِي أَنَّ عُمْرَكَ يَنْفَدُ
فَعلامَ تَضْحَكُ وَالْمَنِيَّةُ قَدْ دَنَتْ ... وَعَلامَ تَرْقُدُ وَالثَّرى لَكَ مَرْقَدُ
آخر: ... الْوَقْت سَاوَمَنِي عُمْرِي فَقُلْتُ لَهُ ... لا بِعْتُ عُمْرِي بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
ثُمَّ اشْتَرَاهُ تَفْرِيقًا بِلا ثَمَنِ ... ثَبِّتْ يَدَا صَفقَةٍ قَدْ خَابَ شَارِيهَا
آخر: ... وَمَا فُرْشُهُمْ إِلا أَيَامِنَ أُزْرِهِمْ ... وَمَا وُسْدُهُمْ إِلا مِلاءٌ وأَذْرُعُ
وَمَا لَيْلُهُم فِيهِنَّ إِلا تَخَوُّفٌ ... وَمَا نَوْمُهُمْ إِلا عِشَاشٌ مُرَوَّعُ
وألوانهم صفر كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ... عَلَيْهَا جِسَامًا مَا بِهِ الْوَرْسُ مُشبْعُ
نَوَاحِلُ قَدْ أَرْزَى بِهَا الْجُهْدُ وَالسَّرَى ... إِلَى اللهِ فِي الظُّلْمَاءِ وَالنَّاسُ هُجَّعُ
وَيَبْكُونَ أَحْيَانًا كَأَنَّ عَجِيجَهُمْ ... إِذَا نَوَّمَ النَّاسُ الْحَنِينُ الْمُرَجَّعُ
وَمَجْلِسِ ذِكْرِ فِيهِمْ قَدْ شَهِدْتُهُ ... وَأَعْيُنُهُمْ مِنْ رَهْبَةِ اللهِ تَدْمَعُ
آخر: ... وَمَا النَّاسُ إِلا رَاحِلُونَ وَبَيْنَهُمْ ... رِجَالٌ ثَوَتْ آثَارُهُمْ كَالْمَعَالِمِ
بِعِزَّةِ بَأَسٍ وَاطِّلاعِ بَصِيرَةٍ ... وَهَزَّةِ نَفْسٍ وَاتِّسَاعِ مَرَاحِمِ
حُظُوظُ كَمَالٍ أَظْهَرَتْ مِنْ عَجَائِبٍ ... بِمِرْآة شَخْصٍ مَا اخْتَفَى فِي الْعَوَالِمِ
وَمَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ يَخْتَصُّ نَفْسَهُ ... أَلا إِنَّمَا التَّخْصِيصُ قِسْمَةُ رَاحِمِ
وَقَدْ يَفْسِدُ الْحُرَّ الْكَرِيمَ جَلِيسُهُ ... وَتَضْعُفُ بِالإِيهَامِ قُوَّةُ حَازِمِ
وَلَيْسَ بِحَيٍّ سَالِكٍ فِي خَسَائِسٍ ... وَلَيْسَ بِمَيْتٍ هَالِكٌ فِي مَكَارِمِ
стр. 1083
.. إِذَا لَجَّ لُؤْمٌ مِنْ سَفِيهٍ لِرَاشِدٍ ... تَوَهَّمَ رَشْدًا فِي سَفَاهَهِ لائِمِ
عَجِبْتُ مِنْ الإِنْسَانِ يَعْجَبُ وَهُوَ فِي ... نَقَائِصَ أَحْوَالٍ قَسِيمَ السَّوَائِمِ
يَرَى جَوْهَرَ النَّفْسِ الطَّلِيقَ فَيَزْدَهِي ... وَيَذْهَلُ عَنْ أَعْرَاضِ جِسْمٍ لَوَازِمِ
دُيُونُ اضْطِرَارٍ تَقْتَضِي كُلَّ سَاعَةٍ ... فَتُقْتَرَضُ الأَعْمَارُ بَيْنَ الْمَغَارِمِ
وَكُلُّ فَمَغْرُورٌ بِحُب حَيَاتِهُ ... وَيُغْرِيهِ بِالأَدْنَى خَفَاءُ الْخَوَاتِمِ
وَجَمَّاعُ مَالٍ لا انْتِفَاعَ لَهُ بِهِ ... كَمَا مَصَّ مَشْرُوطَا زُجَاجِ الْمَحَاجِمِ
وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا تَيَقَّنَ أَنَّهَا ... مَطِيَّةُ يَقْظَانٍ وَطَيْفَةُ حَالِمِ
فَلِلَّهِ سَاعٍ فِي مِنْاَهجِ طَاعَةٍ ... لإيلافِ عَدْلٍ أَوْ لإِتْلاِفِ ظَالِمِ
ولما حضرت عَبْد اللهِ بن المبارك الوفاة قَالَ لغلامه: اجعل رأسي على الأَرْض. فَبَكَى غلامه قَالَ: ما يبكيك؟ قَالَ: ذكرت ما كنت فيه من النَّعِيم وأَنْتَ هُوَ ذا تموت على هَذِهِ الحال فقَالَ: إني سألت ربي أن أموت على هَذِهِ الحال.
ثُمَّ قَالَ: لقني يَا أخي لا إله إلا الله إِذَا الحال تغير، ولا تعد علي إلا إن تكلمت بعد بكلام. ودخل الحسن البصري على رجل وَهُوَ فِي سياق الموت يجود بنفسه فقَالَ: إن أمرًا هَذَا آخره لحقيق أن يزهد فِي أوله. ولما حضرت أبا ذر الوفاة قَالَ: يَا موت اخنق وعجل فإني أحب لقاء الله.
ودخل أبو الدرداء ﵁ على رجل محتضر يجود بنفسه فوجده يَقُولُ: الحمد لله. فقَالَ لَهُ: أصبت يَا أخي أن الله إِذَا قضى أمرًا أحب من عبده أن يحمده عَلَيْهِ. ودخل سفيان الثوري على ولد يجود بنفسه وأبواه يبكيان عنده فقَالَ لهما: لا تبكيا فَإِنَّي قادم على من هُوَ أرحم منكما. ولما حضرت أبا هريرة الوفاة بكى، قَالُوا: ما يبكيك؟ قَالَ: بعد السفر وقلة الزَّاد وضعف اليقين وخوف الوقوع من الصراط فِي النار. وروي أن معاذ بن جبل ﵁ لما حضرته الوفاة قَالَ: أعوذ بِاللهِ من ليلة صباحها إِلَى النار.
стр. 1084
شِعْرًا: ... لَعَمْرِي مَا الرَّزِيَّةُ فَقْد قَصَرٍ ... فَسِيحٍ مُنْيَةِ لِلسَّاكِتِينَا
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ دِينٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا
ثُمَّ قَالَ: مرحبًا بالموت زائر مغيب وحبيب جَاءَ على فاقة، اللَّهُمَّ إني كنت أخافك وأنَا الْيَوْم أرجوك، اللهم إِنَّكَ تعلم أني لم أكن أحب الدُّنْيَا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومكابدة السَّاعَات ومزاحمة الْعُلَمَاء بالركب عَنْدَ حلق الذكر.
ولما حضرت أبا الدرداء الوفاة وجعل يجود بنفسه وَيَقُولُ: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هَذَا ألا رجل يعمل لمثل يومي هَذَا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هَذِهِ. ثُمَّ قبض ﵀ فيا أيها الغَافِل المهمل وكلنا كَذَلِكَ انتبه واغتنم أوقات الصحة والسلامة واملأ أوقاتك بالباقيات الصالحات قبل أن يفاجئك هاذم اللذات ويحال بينك وبين الأَعْمَال الصالحات وتندم ولات ساعة مندم.
شِعْرًا: ... تَغَنَّمْ سُكُونَ الْحَادِثَاتِ فَإِنَّهَا ... وَإِنْ سَكَنَتْ عَمَّا قَلِيلٌ تَحَرَّكُ
وَبَادِرْ بَأَيَّامِ السَّلامَةِ إِنَّهَا ... رِهَانٌ وَهَلْ لِلرَّهْنِ عِنْدَكَ مَتْرَكُ
آخر: ... نَهَارُكُ بَطَّالٌ وَلَيْلُكَ نَائِمٌ ... وَعَيْشُكَ يَا مِسْكِينُ عَيْشُ الْبَهَائِم
آخر: ... وَعَظَتْكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ صُمُوتُ ... وَسُكَّانِهَا تَحْتَ التُّرَابِ خُفُوتُ
أَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغِهِ ... لِمَنْ تَجْمَعِ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ
وروى المزني قَالَ: دخلت على الشَّافِعِي فِي مرضه الَّذِي مَاتَ فيه فَقُلْتُ لَهُ: كيف أصبحت؟ فقَالَ: أصبحت من الدُّنْيَا راحلاً وللإِخْوَان مفارقًا ولسوء عملي ملاقيًا ولكأس المنية شاربًا وعلى الله واردًا فلا أدري أروحي تصير إِلَى الْجَنَّة فأهنؤها أَوْ إِلَى النار فأعزيها ثُمَّ أنشأ يَقُولُ:
وَلَمَّا قَسَى قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا
стр. 1085
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ ... بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوِكَ أَعْظََمَا
وَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنْ الذَّنْبِ لَمْ يَزَل ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا
آخر: ... أَجَاعَتْهُمْ الدُّنْيَا فَخَافُوا وَلَمْ يَزَلْ ... كَذَلِكَ ذُو التَّقْوَى عَنْ الْعَيْشِ مُلْجَمَا
أَخُو طَيءٍ دَاوُدُ مِنْهُمْ وَمِسْعَرٌ ... وَمِنْهُمْ وَهَيْبٌ وَالْعَرِيبُ بنُ أَدْهَمَا
وَفِي ابنِ سَعِيدٍ قُدْوَةَ الْبِرَّ وَالنُّهَى ... وَفِي الْوَارِثِ الْفَارُوقِ صِدْقًا مُقَدِّمَا
وَحَسْبُكَ مِنْهُمْ بِالْفُضَيْلِ مَعَ ابْنِهِ ... وَيُوسُفَ إِنْ لَمْ يَأْلُ أَنْ يَتَسَلَّمَا
أُولِئكَ أَصْحَابِي وَأَهْلُ مَوَدَّتِي ... فَصَلَّى عَلَيْهِمْ ذُو الْجَلالِ وَسَلَّمَا
فَمَا ضَرَّ ذَا التَّقْوَى نِصَالُ أَسِنَّةٍ ... وَمَا زَالَ ذُو التَّقْوَى أَعَزُّ وَأَكْرَمَا
وَمَا زَالَتِ التَّقْوَى تُرِيكَ عَلَى الْفَتَى ... إِذَا مَحَّض التَّقْوَى مِنْ الْعِزِّ مِيسَمَا
آخر: ... عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ وَاقْنَعْ بِرِزْقِهِ ... فَخَيْرُ عِبَادِ اللهِ مَنْ هُوَ قَانِعُ
وَلا تُلْهِكَ الدُّنْيَا وَلا طَمَعٌ بِهَا ... فَقَدْ تُهْلِكَ الْمَغْرُورَ فِيهَا الْمَطَامِعُ
فَصَبْرًا عَلَى مَا نَابَ مِنْ تَبُعَاتِهَا ... فَمَا يَسْتَوِي عَبْدٌ صَبُورٌ وَجَازِعُ
أَعَاذِلُ مَا يُغْنِي الثَّرَاء عَنْ الْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ فِي النَّفْسِ مِنْهُ الأَضَالِعُ
آخر: ... امنع جفوننك طول الليل رقدتها ... وامنع حشاك لذيذ الري والشبعا
واستشعر البر والتقوى ودم بهما ... حتى تنال بهن الفوز والرفعا
آخر: ... فَخُضْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَاسْمُ إِلَى الْعُلا ... لِتَحْظَى بِعِزِّ فِي حَيَاتِكَ دَائِمِ
فَلا خَيْرَ فِي مَنْ لا يَخَافُ إِلَهَهُ ... وَلا هِمَّةٍ تَصْبُو لِنَيْلِ الْمَآثِمِ
آخر: ... وَرَبِّكَ لَوْ أَبْصَرْتَ يَوْمًا تَتَابَعَتْ ... عَزَائهُمْ حَتَّى لَقَدْ بَلَغُوا الْجُهْدَا
لأَبْصَرْتَ قَوْمًا جَانَبُوا النَّوْمَ وَارْتَدَوْا ... بَارْدِيَةِ التَّسْهَادِ وَاسْتَقْرَبُوا الْبُعْدَا
وَصَامُوا نَهَارًا دَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرُوا ... عَلَى بُلَغ الأَقْوَاتِ وَاسْتَعْمَلُوا الْكَدَّا
أُولَئِكَ قَوْمٌ حَسَّنَ اللهُ فِعْلَهُمْ ... وَأَوْرَثَهُمْ مِنْ حُسْنِ فِعْلِهِمْ الْخُلْدَا
آخر: ... صَفَوْا فَلا غُرْوَ أَنْ تَصْفُوا مَشَارِبَهُمْ ... وَفِي الْمَصَافَتِ لِلأَحْبَابِ أَسْرَارُ
يَرْوِي عَلِيلُ الصِّبَا صَحِيحَ هَوَى ... مِنَ الشَّذَا فَهُوَ نَقَّالٌ وَمِعْطَارُ
стр. 1086
.. هُمُ الرِّجَالُ فَإِنْ تَسْلُكْ طَرِيقَهُمُوا ... نِلْتَ الْمُنَى لَيْسَ بَعْدَ الْعَيْنِ آثَارُ
سَلْهُمْ وَسَلْ عَنْهُمُوا مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ ... فَعِنْدَهُمْ لِمُقِيمِي الدِّينِ أَقْدَارُ
أَنْعَمْ إِذَا كُنْتَ تَهْوَاهُم بِقُرْبِهِمُوا ... وَاصْحَبْهُمُوا إِنْ نَأَتِ يَوْمًا بِكَ الدَّارُ
وَاحْلُلْ بِسَاحَتِهِمْ تَسْعَدْ بِجَيْرَتِهِمْ ... يَحْمُوا النَّزِيلَ وَلا يُؤْذَى لَهُمْ جَارُ
آخر: ... اعتزلْ ذكر الغواني وَالْغَزَلْ ... وَقُلِ الْفَصْلَ وَجَانِبْ مِنْ هَزَلْ
وَدَعِ الذِّكْرَى لأَيَّامِ الصِّبَا ... فَلأَيَامِ الصِّبَا نِجْمٌ أَفَلْ
إِنّ أَهْنَا عَيْشَةٍ قَضَّيْتَهَا ... ذَهَبَتْ لَذَّاتُهَا وَالإثْمُ حَلّ
وَاتْرُكِ الْغَادَةَ لا تَحْفَلْ بِهَا ... تُمْس فِي عَزّ رَفِيع وَتُجَلّ
وَافْتَكِرْ فِي مُنْتَهَى حُسْنِ الَّذِي ... أَنْتَ تَهْوَاهُ تَجِدْ أَمْرًا جَللْ
وَافْتَكِرْ فِي مُنْتَهَى حُسْنِ الَّذِي ... أَنْتَ تَهْوَاهُ تَجِدْ أَمْرًا جَللْ
وَاهْجُرْ الْخَمْرَةَ إِنْ كُنْتَ فَتَىً ... كَيْفَ يَسْعَى فِي جُنُونٍ مِنْ عَقَلْ
وَاتَّقِ اللهَ فَتَقْوَى اللهِ مَا ... بَاشرَتْ قَلْبَ امْرِئٍ إِلا وَصَلْ
لَيْسَ مَنْ يَقْطَعُ طُرْقًا بَطَلاً ... إِنَّمَا مَنْ يَتَّقِي اللهَ بَطَلْ
صَدِّقِ الشَّرْعَ وَلا تَرَكَنْ إِلَى ... رَجُلٍ يَرْصُدُ فِي اللَّيْلِ زُحَلْ
حَارَتِ الأَفْكَارُ فِي قُدْره مَنْ ... قَدْ هَدَانَا سُبْلَنَا
أَيْنَ نَمْرُودُ وَكَنْعَانُ وَمَنْ ... مَلَكَ الأَرْضَ وَوَلَّى وَعَزَلْ
أَيْنَ عَادٌ أَيْنَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ ... رَفَعَ الأَهْرَامَ مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ
أَيْنَ مَنْ سَادُوا وَشَادُوا وَبَنُوا ... هَلَكَ الْكُلُّ فَلَمْ تُغْنِ الْقُللْ
أَيْنَ أَرْبَابُ الْحِجَى أَهْلُ النُّهَى ... أَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ وَالْقَوْمُ الأَوَلْ
سَيُعِيدُ الله كلاً مِنْهُمُ ... وَسَيَجْزِي فَاعِلاً مَا قَدْ فَعَلْ
يَا بُنَيّ اسْمَعْ وَصَايَا جَمَعتْ ... حِكَمًا خُصّتْ بِهَا خَيْرُ الْمِلَلْ
اطْلبِ الْعِلْمَ وَلا تَكسَلْ فَمَا ... أَبْعدَ الْخَيْرَ عَلَى أَهْلِ الْكَسَلْ
وَاحْتَفِلْ لِلْفِقْه فِي الدِّينِ وَلا ... تَشْتَغِلْ عَنْهُ بِمَالٍ وَخَولْ
стр. 1087
.. وَاهْجُرْ النَّوْمَ وَحَصِّلْهُ فَمَنْ ... يَعْرِفِ الْمَطْلُوبَ يَحْقِرْ مَا بَذَلْ
لا تَقُل قَدْ ذَهَبَتْ أَرْبَابُه ... كُلُّ مَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلْ
فِي ازْدِيَادِ الْعِلْمِ إِرْغَامُ الْعِدَى ... وَجَمَالُ الْعِلْمِ إِصْلاحُ الْعَمَلْ
جَمِّلِ الْمَنْطِقَ بِالنَّحوِ فَمَن ... حُرِمَ الإِعْرَابَ بِالنُّطْقِ اخْتَبَلْ
أُنْظمِ الشِّعْرَ وَلازِمْ مَذْهَبِي ... فِي اطِّرَاح الرِّفد لا تَبْغِ النِّحَلْ
فَهُوَ عُنْوَانٌ عَلَى الْفَضْلِ وَمَا ... أَحْسَنَ الشِّعْرَ إِذَا لَمْ يُبْتَذَلْ
مَاتَ أَهْل الْجُودَ لَمْ يَبْقَ سِوَى ... مُقْرِفٌ أَوْ عَلَى الأَصْلِ اتَّكَلْ
أَنَا لا أَخْتَارُ تَقْبِيلَ يَدٍ ... قَطَعُهَا أَجْمَلُ مِنْ تِلْك الْقُبَلْ
إِنْ جَزَتْنِي عَنْ مَدِيحِي صِرْتُ فِي ... رِقِّهَا أَوْ لا فَيَكْفِينِي الْخَجَلْ
مُلْكُ كسرى عَنْهُ تُغْنِي كِسْرَةٌ ... وَعَنْ الْبَحْرِ اكْتِفَاءٌ بِالْوَشَلْ
أَعْذَبُ الأَلْفَاظِ قَوْلِي لَكَ خُذْ ... وَأَمْرِّ اللَّفْظِ نُطْقِي بِلَعَلّ
لَيْسَ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ عَزْمِه ... لا وَلا مَا فَاتَ يَوْمًا بِالْكَسَلْ
اطْرحِ الدُّنْيَا فَمِنْ عَادَاتِهَا ... تَخْفِضُ الْعَالِي وَتُعْلِي مِن سَفَلْ
عَيْشَةُ الرَّاغِبُ فِي تَحْصِيلِهَا ... عَيْشَةُ الزَّاهِدُ فِيهَا أَوْ قَلّ
كَمْ جَهُولٍ وَهُوَ مُثْرٍ مُكْثِرٌ ... وَعَلِيمٍ مَاتَ مِنْهَا بِالْعِلَلْ
كَمْ شُجَاعٍ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا الْمُنَى ... وَجَبَانٍ نَالَ غَايَاتِ الأَمَلْ
فَاتْرُكِ الْحِيلَة فِيهَا وَاتَّئِدْ ... إِنَّمَا الْحِيلَةُ فِي تَرْكِ الْحِيَلْ
أَيُّ كَفٍّ لَمْ تَنَلْ مِمَّا تُفِدْ ... فَرَمَاهَا اللهُ مِنْهُ بِالشَّلَلْ
لا تَقُلْ أَصْلِي وَفَصْلِي أَبَدًا ... إِنَّمَا أَصْلُ الْفَتَى مَا قَدْ حَصَلْ
قَدْ يَسُودُ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ... وَبِحُسْنِ السَّبكِ قَدْ يُنْفَى الزَّعَلْ
وَكَذَا الْوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ وَمَا ... يَطْلَعُ النَّرجسُ إِلا مِنْ بَصَلْ
مَعَ أَنِّي أَحْمَدُ اللهَ عَلَى ... نَسَبِي إِذْ بأَبِي بَكْرٍ اتَّصَلْ
قِيمَةُ الإِنْسَانِ مَا يُحْسِنُهُ ... أَكْثَرَ الإِنْسَانُ مِنْهُ أَوْ قَلّ
стр. 1088
.. أُكْتُم الأَمْرَيْنِ فَقْرًا وَغِنَىً ... وَاكْسَبِ الْفِلْسَ وَحَاسِبْ مِنْ مَطَلْ
وَادَّرِعْ جَدًّا وَكَدًّا وَاجْتَنِبْ ... صُحْبَةَ الْحَمْقَى وَأَرْبَابَ الدُّوَلْ
بَيْنَ تَبْذِيرٍ وَبُخْلٍ رَتْبَةٌ ... وَكِلا هَذَيْنِ إِنْ زَادَ قَتَلْ
لا تخُضْ فِي حَقِّ سَادَاتٍ مَضَوْا ... إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلزِّلَلْ
وَتَغَافِلْ عَنْ أُمُورٍ إِنَّهُ ... لَمْ يَفُزْ بِالْحَمْدِ إِلا مَنْ غَفَلْ
لَيْسَ يَخْلُوا الْمَرْءُ مِنْ ضِدٍّ وَلَوْ ... حَاوَلَ الْعُزْلةَ فِي رَأْسِ جَبَلْ
مِلْ عَنْ النَّمَّامِ وَازْجُرْه فَمَا ... بَلَغَ الْمَكْرُوهَ إِلا مَنْ نَقَلْ
دَارِ جَارَ السُّوءِ بِالصَّبْرِ فَإِنْ ... لَمْ تَجِدْ صَبْرًا فَمَا أَحْلَى النُّقَلْ
جَانِبْ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ ... لا تُعَانِدْ مَنْ إِذَا قَالَ فَعَلْ
لا تَلِي الْحُكْمَ وَإِنْ هُمْ سَأَلُوا ... رَغْبَةً فِيكَ وَخَاَلِفْ مَنْ عَذَلْ
إِنَّ نِصْفَ النَّاسِ أَعْدَاءٌ لِمَنْ ... وَلِيَ الأَحْكَامَ هَذَا إِنْ عَدَلْ
فَهُوَ كَالْمَحْبُوسِ عَنْ لَذَّاتِهِ ... وَكِلا كَفَّيْهِ فِي الْحَشْرِ تُغَلّ
إِن لِلنَّقْصِ وَالاسْتِثْقَالِ فِي ... لَفْظَةِ الْقَاضِي لَوَعظًا وَمَثْل
لا تَوَازِي لَذَّةُ الْحُكْمِ بِمَا ... ذَاقَهُ الشَّخْصُ إِذَا الشَّخْصُ انْعَزَلْ
فَالْوِلايَاتُ وَإِنْ طَابَتْ لِمَنْ ... ذَاقَهَا فَالسُّمُّ فِي ذَاكَ الْعَسَلْ
نَصَبُ الْمنْصِبِ أَوْهِى جَلَدِي ... وَعَنَائِي مِنْ مَدَارَاِة السَّفَلْ
قصِّر الآمَالَ فِي الدُّنْيَا تَفُزْ ... فَدَلِيلُ الْعَقْلِ تَقْصِيرُ الأَمَلْ
إِنَّ مَنْ يَطْلُبُهُ الْمَوْتُ عَلَى ... غِرَّةٍ مِنْهُ جَدِيرٌ بِالْوَجَلْ
غِبْ وَزُرْ غِبًّا تَزِدْ حُبًّا فَمَنْ ... أَكْثَرَ التِّرْدَادَ أَقْصَاهُ الْمَلَلْ
خُذْ بِنَصْلِ السَّيْفِ وَاتْرُكْ غِمَدَهُ ... وَاعْتَبِرْ فَضْلَ الْفَتَى دُونَ الْحُلَلْ
لا يَضُرُّ الْفَضْلَ إِقْلالٌ كَمَا ... لا يَضُرُّ الشَّمْسُ إِطْبَاقُ الطِّفَلْ
حُبَّكَ الأَوْطَان عَجْزٌ ظَاهِرٌ ... فَاغْتَرِبْ تَلْقَ عَنْ الأَهْلِ بَدَلْ
فَبِمُكثِ الْمَاءِ يَبْقَى آسِنًا ... وَسُرَى الْبَدْرِ بِهِ الْبدرُ اكْتَمَلْ
стр. 1089
.. أَيُّهَا الْعَائِبُ قَوْلِي عَبَثًا ... إِنَّ طِيبَ الْوَرْدِ مُؤْذٍ لِلْعَجَلْ
عَدِّ عَنْ اسْهُمِ قَوْلِي وَاسْتَتِرْ ... لا يُصِيبَنَّكَ سَهْمٌ مَنْ ثُعَلْ
لا يَغُرَّنَكَ لِينٌ من فَتَىً ... إِنَّ لِلْحَيَّاتِ لِينًا يُعْتَزَلْ
أَنَا مِثْلُ الْمَاءِ سَهْلٌ سَائِغٌ ... وَمَتَى سُخِّنَ آذَى وَقَتَلْ
أنَا كَالْخَيْزور صَعْب كَسْرَهُ ... وَهُوَ لَدْن كَيْفَ مَا شِئْتَ انْفَتَل
غَيْرَ أَنِّي فِي زَمَانٍ مَنْ يَكُنْ ... فِيهِ ذَا مَالٍ هُوَ الْمَوْلَى الأَجَل
وَاجِبٌ عِنْدَ الْوَرَى إِكْرَامُهُ ... وَقَلِيلُ الْمَالِ فِيهُمْ يُسْتَقَل
كُلُّ أََهْلِ الْعَصْرِ غمر وَأَنَا ... مِنْهُمْ فَاتْرُكْ تَفَاصِيل الْجمل
وَصَلاةٌ وَسَلامٌ أَبَدًا ... لِلنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الدّول
وَعَلَى الآلِ الْكِرَامِ السُّعَدَا ... وَعَلَى الأَصْحَابِ وَالْقَوْمِ الأُوَل
مَا ثَوَى الرَّكْبُ بِعشَاقٍ إِلَى ... أَيْمَن الْحَيّ وَمَا غَنَّى رَمْل
" موعظة "
إخواني: إن الليل كما علمتم فيه فضل عَظِيم وثواب جزيل لمن وفقه الله جَلَّ وَعَلا،
وَهُوَ من أثقل شَيْء على النفس ولا سيما بعد أن يرقَدْ الإِنْسَان، وإنما يكون خفيفًا بالاعتياد، وتوطين النفس وتمرينها عَلَيْهِ والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة فِي الابتداء، ثُمَّ بعد ذَلِكَ ينشرح وينفتح باب الأُنْس بِاللهِ وتلذ لَهُ المناجاة والْخُلْوَة، وعَنْدَ ذَلِكَ لا يشبع الإِنْسَان من قيام الليل، فضلاً عَنْ أن يستثقله أَوْ يكسل عَنْهُ كما وقع لكثير من السَّلَف. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَهْل الليل فِي ليلهم ألذ من أَهْل اللهو فِي لهوهم ويا بعدها بين الحالتين، فسبحان من وفق أقوامًا فتقربوا إليه بالنوافل، وأبعد بحكمته وعدله آخرين فهم عَنْ ما ينفعهم فِي حاضرهم ومآلهم غافلون.
شِعْرًا: ... ولا خَيْر فِي مَنْ لا يُوَطِّنُ نَفْسهُ ... عَلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى بِمَا فِي كِتَابِهِ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وَوَفِّقْنَا للقيام بأمرك وأعذنا من عدونا وعَدُوّكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبة أجمعين.
стр. 1090
" فَصْلٌ "
اعْلَمْ يَا أخي أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من سؤال الله ويتحرى أوقات الإجابة لعل الله جَلَّ وَعَلا أن يستجيب لَهُ، قَالَ الله تبارك تَعَالَى وَهُوَ أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، وقَالَ ﵎ وَهُوَ أوفى الواعدين: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ، وقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ ، وقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وأن يفتح الدُّعَاء بالثناء على الله والصَّلاة على رسول الله ﷺ .
شِعْرًا: ... وأقوم خلق الله لله بالَّذِي ... يحب ويرضاه النَّبِيّ المبجل
فتى جمعت فيه المكارم شملها ... فما فاته مَنْهَا أخَيْر وأول
عنايته بالدين تشهد أنه ... نبي من الرحمن قَدْ جَاءَ مرسل
له مني عظمى على كُلّ مُسْلِم ... وطاعته فرض من الله منزل
دعانَا إِلَى الإِسْلام بعدا اندراسه ... وقام بأمر الله والأَمْر مهمل
وأصلح بين الْمُسْلِمِين بيمنه ... واطفأ نيرانًا على الدين تشعل
يعاقب تأديبًا ويعفو تطولاً ... ويجزى على الحسنى ويعطى فيجزل
ولا يتبع المعروف منا ولا أذى ... ولا البخل من عاداته حين يسأل
رعاه الَّذِي استرعاه أمر عباده ... وكافاه عنا المنعم المتفضل
اللَّهُمَّ اجعل الإِيمَان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات وَوَفِّقْنَا للأعمال الصالحات، وَاجْعَلْنَا ممن توكل عَلَيْكَ فكفيته، واستهداك فهديته ودعا لَكَ فأجبته، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى صحبه وسلم أجمعين.
следующие страницы →