← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هُنَالِكَ يَستحَيلُ حُلْوُ العيش مُرًا وَيَنْقَلبُ عُرْفُ الأمر نُكْرًا، ويَعْلمِ جَامِعُ الحطام الذِي أَضَاعِ بِهِ أَوْقَاتَهُ أن الباقيات الصالحات أَبْقَى ذِكرَا وأنفعُ ذُخْرَا، ليس في ظل الدنيا مقيل ولا على هَذِهِ الحياةِ تَعويلِ. كَيْفَ يطمعُ عاقِلٌ في الإقامة بدار الرحيل، كيف يَضحَك من هو مَحْفُوفَ بمُوجبات البُكاء والعَويل، أسْمَعَنا النَّاصِحُ فَتَصَامَمْنَا، وَأيْقَظَتْنَا الغيَرُ فَتَنَاومْنَا، وَرَضِينَا بَالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخرِة، واشْتَرَيْنَا مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى فَتِلْكَ إِذًا صفقَةٌ خَاسِرَة. أَيْنَ الآذَانُ الْواعِية، أيْنَ الأعْيُنُ البَاكِية، قَوْلٌ بلا فِعَال وأمْرٌ بلا امتثال رُسُلُ مَلَكِ الموت في كُل نَفَس تَدْنُوا إلى أنْفُسِنَا وأجْسَادُ أَحِبَّتِنَا تحتَ أطباق الثرى هَامدة. قد أو حَشَتْ منهم دِيَارُهُمْ، وَدَرَسَتَ رُسُومُهَم وآثارُهم، وتقطعت بالبلاء أوَصالُهم، وَمَحَتْ أَيْدِي الحَوادثِ والقُبور مَحَاسِنَ تِلكَ الصُّورَ، وأطْبَقُت عَليهم ضُلَماتُ تِلْكَ الحُفَر. فلا شَمس فيها ولا نُور ولا قَمر، ونَحْنُ عَمَّا قَريب إلى مَا صاروا إليه صائرون، وبالكأس الذي شربوا منه شارِبُون ثم مع هذا اليقين إلى دار الغرور راكنون. طُوبَى لِمَنْ فِي مَراضي رَبِّه رَغَبَا ... وَعَنْ مَصَارِعِ أهلِ اللَّهْو قَدْ هَرَبَا قَدْ وَطَّنَ النفسَ أنَّ اللهَ سَائلُهُ ... فَفَرَّ مِنْهُ إِلَيْهِ مُهِيبًا هَرَبَا وَللتُقَى مَرْكَبٌ يَنْجُو برَاكِبِهِ ... فَيَا نَجَاةَ الذي مَعْ أَهْلِهِ رَكَبَا وَلِلْهُدَى رُفْقَةٌ فَاسْعَدْ بِصُحْبَتِهْمِ ... فَيَا سَعَادَةَ مَن أَهلَ الهدُى صَحَبَا لِلَّهِ دُرُّ عِبَادٍ قُرْبَهُ طَلَبُوا ... لَمْ يَطْلُبُوا فِضَّةً منه ولا ذَهَبَا سَارُوا بَعْزِمِ وَتَشْمِير وَمَا اتَّخَذُوا ... فِي سَيْرِ دُنْيَاهُمُوا لَهْوًا وَلا لَعِبَا

стр. 107

الصِّدْقُ مَرْكَبُهم والحقُ مَطْلَبُهُمْ ... لا زُورَ مَازَجَ دَعْواهُم ولا كَذِبَا اللَّهُمَّ علمْنَا مَا يَنْفَعْنَا وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي عُلومِنَا وَأَعْمَالِنَا وَأَعْمَارِنَا وَأصْلِحْ نَيَّاتِنَا وَذُرَّيَاتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فصل) ومما ورد في فضل العلمِ والحثِّ على تَعلُّمِهِ وتعليمِهِ ما يلي مِنَ الأحاديث: ١– فعن معاوية ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . رواهُ البخاريُّ، ومسلمُ. ٢- وعن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وألهمه رشده» . رواهُ البَزَّارُ، والطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ بإسنادٍ لا بَأْسَ بِهِ. وعن أبي هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدنيا والآخرة، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا حَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أبَطأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو داوودَ، والتُّرْمُذِي، والنَّسائي، وابنُ ماجَة، وابنُ حِبَّان في صحيحِهِ، والحاكمُ وقال: صحيحٌ على شَرْطِهِمَا.

стр. 108

٤– وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بما يصنع وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حتى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وفَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي. ٥– وعن صَفْوَانُ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النبي ﷺ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أحمر، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ، إنَّ طَالِبُ الْعِلْمِ تحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ مَحُبِّتهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» . رواه أحمد، والطبراني بإسناد جيدٍ واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وروى ابن ماجة نحوه باختصار ويأتي لفظه إن شاء الله تعالى. تَرَفَّقَ بِمَنْ يَأْتِيكَ لِلْعِلْمِ طَالِبًا ... وَقُلْ مَرْحَبًا يَا طَالِبَ العِلْم مَرْحَبَا فَهَذَا الذي أَوْصَى بِهِ سَيِّدُ الوَرَى ... كَمَا قَدْ رَوَى الخُدْريُّ عَنْهُ وَرَحَّبَا وَمَنْ سَهَّلَ اللهُ الطَّرِيقَ لِجَنَّةٍ ... لَهُ الجَدِيرُ بِالتَّرحُّبِ وَالحِبَا آخر: مُنَايَ مِن النُيا عُلومٌ أَبُثُّهَا ... وَأَنْشُرُهَا في كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ دُعَاءٌ إلَى القُرآنِ وَالسُّنَّةِ التِّي ... تَنَاسَى رِجَالٌ ذِكْرَهَا في المَحَاضِرِ وَقَدْ أَبْدَلُوهَا بِالجَرَائِدِ تَارَةً ... وَتِلْفَازِهْمِ رَأسُ الشُّرُورِ المَنَاكِرِ وَمِذْيَاعِهِمْ أَيْضًا فَلا تَنْسَ شَرَّهُ ... فَكَمْ ضَاع مِنْ وَقْتٍ بِهِ بالخَسَائِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 109

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ» . رواه ابن ماجة وغيره. وَرُوِيَ عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَاءهُ أَجَلُهُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لَقِيَ اللهَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبينَ النَّبيينَ إِلا دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ» . رواهُ الطَبراني في الأوسط. ٦– وَرُوِي عَنْ سَخْبَرَةَ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُذَكِّرُ، فَقَالَ: «اجْلِسَا فَإِنَّكُمَا عَلَى خَيْرٍ» ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، قَامَا، فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَنَا: «اجْلِسَا، فَإِنَّكُمَا عَلَى خَيْرٍ» أَلَنَا خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَطْلُبُ الْعِلْمَ، إِلا كَانَ كَفَّارَةَ مَا تَقَدَّمَ» . رواه التُرْمُذِي مختصرًا، وَالطَّبَرَانِي في الكبير واللفظُ لهُ. قال بَعضُ العلماء: مَن غَرَسَ العلم اجْتَنَى النباهَةِ، وَمَنْ غَرَسَ الزُّهْدَ اجْتَنَى العِزَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الإِحسان اجْتَنَى المحبةَ، وَمَنْ غَرَسَ الفكرة اجْتَنَى الحِكْمَةَ، وَمَنْ غَرَسَ الوَقَارَ اجْتَنَى المَهَابَة، وَمَنْ غَرَسَ المَدَارَة اجْتَنَى السَّلامَة، وَمَنْ غَرَسَ الكِبَرَ اجْتَنَى المَقْتَ، وَمَنْ غَرَسَ الحِرْصَ اجْتَنَى الذِّلَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الطَّمَعَ اجْتَنَى الخِزْيَ، وَمَنْ غَرَسَ الحَسَدَ اجْتَنَى الحُزْنَ والكَمَدَ. ٧- وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ما اكْتَسَبَ مُكْتَسِبٌ مِثْلَ فَضْلِ عِلْمٍ يَهْدِي صَاحِبَهُ إِلى هُدَى أَوْ يَرُدَّهُ عَنْ رَدَى وَمَا استقامَ دِينُهُ حتى يَسْتَقِيمَ عَمَلُه» . رواه الطبراني في الكبير واللفظُ والصغيرِ إلا أنه قَال فيهِ: حتى يَسْتَقِيمَ عَقلُهُ. وإسنادُهُمَا متقارِبٌ. ٨- وَرُوِيَ عن أبي ذَرّ، وأبي هُريرةَ ﵄ أنهُما قالا:

стр. 110

لبابٌ يتعلمُهُ الرجلُ أحَبُّ إلى الله مِنْ أَلفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا وقالا: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا جاءَ الموتُ لِطَالِبِ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالةِ ماتَ وهو شهيدٌ» . رواه البزارُ، والطبرانيُّ في الأوسطِ إلا أنه قال: «خيرٌ له مِنْ أَلفِ رَكْعة» . ٩- وعنْ أبي ذَرّ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ» . رواه ابن ماجة بإسنادٍ حسنٍ. شِعْرًا: إذا ما شِئتَ أَنْ تَسْمُو وَتُسْمَى ... وَتُدْرِكَ رَاحَةً رُوحًا وَجِسْمًا فَقُمْ لِطَرِيقِ أَهْلَ العِلْمِ سَعْيًا ... لِتَقْفُوا مَعْهُمُوا أَثَرًا وَرَسْمًا فَإِنْ حَصَّلْتَ مَطْلُوبًا وَإلا ... ظَفِرْتَ بِأَكْبَرِ الشَّرَفَيْنِ قَسْمَا فَأَكْرَمُ مَا حَوَاهُ المَرْءُ عِلْمٌ ... بِهِ يُهَدَى وَيَهْدِي مَنْ أَلَمَّا وَلَيْسَ يُفِيدُ الْكَوْنَ عَبْدًا ... إِلَى العَلْيَاءِ يَسْرِي وَهْوَ أَعْمَى فَكَمْ أَبْدَى ضِيَاءُ العِلْمِ رُشْدًا ... وَأَذْهَبَ ظُلْمَةً وَأَزَالَ غَمًا فَنَحْمَدُ رَبَّنَا إِذْ مَنَّ لُطْفًا ... بِهِ في رُشْدِنَا وَأزَالَ غَمًّا آخر: إذَا مِتُّ فانْعِيْنِقي إلِى العِلْمُ والنِّهَى ... وَمَا حَبُّرتْ كِفِّيْ بِمَا في المَحَابَرِ فَإِنِّي مِنْ قَوْمٍ بِهِمْ يَضِحُ الهُدَى ... إِذَا أَظْلَمَتْ بالقَوْمِ طُرْقُ البَصَائِرِ ١٠- وعن أبي هُريرَة ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمًا ومُتَعَلِّمًا» . رواه التُرمُذِي، وابنُ ماجة، والبَيْهَقِي. وقالَ الترمذيُّ: حَدِيثٌ حَسَن. ١١- وعن ابن مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لاَ حَسَدَ إِلا فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ،

стр. 111

وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» . رواه البخاري، ومسلم. ١٢- وعن أبي موسى ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ وَأَنْبَتَتْ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً أُخْرَى مِنْهَا إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالى وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» . رواه البخاري، ومسلم. شِعْرًا: اعْمَلْ بِعِلْمِكَ تُؤْتَ حِكْمَةً إِنَّمَا ... جَدْوَى عُلومِ المَرْءُ نِهْجَ الأَقْوَمِ وَإِذَا الفَتَى قَدْ نَالَ عِلْمًا ثُمَّ لَمْ ... يَعْمَلْ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمِ آخر: وَاعْلَمْ بأنَّ العِلْمَ أَرفعُ رُتْبَةً وَأَجَلُّ مكتسبًا وَأَسْنَى مَفْخَرٍ فَاسْلُكْ سبيلَ المُقْتَفِينَ لَهُ تَسُدْ إِنَّ السِّيادَةَ تُقْتَنَى بالدَّفْتَر والعالِمُ المدعُوُّو حَبْرًا إِنَّمَا سَمَّاهُ باسمِ الحَبْرِ حَمْلُ المَحْبَرِ تَسْمُوا إِلَى ذِي العِلْمِ أَبْصَارُ الوَرَى وَتَغُضُّ عن ذِي الجَهْلِ لا بَلْ تَزْدَرِي وَمُضَمَّرُ الأقلامِ يَبْلغُ أَهلُها مَا ليسَ يُبْلغُ بِالعِتَاقِ الضُّمَّرِ والعِلمُ ليس بنافِعٍ أَرْبَابَهُ

стр. 112

ما لَمْ يُفْدْ عَمَلاً وَحُسْنَ تَبَصُّرِ فاعْمَلْ بعلْمِكَ تُوفِ نَفسَك وزنْهَا لا تَرْضَى بالتَّضييعِ وَزْنَ الْمُخْسِّرِ آخر: وَبَّخْتَ غَيْرَكَ بِالْعَمَى فَأفَدْتَهُ ... بَصَرًا وَأَنْتَ مُحَسِّنٌ لِعَمَاكَا كَفَتِيلَةِ الْمِصْبَاحِ تَحْرِقُ نَفْسَهَا ... وتُضِيءُ للأَعْشَى وأَنْتَ كَذاكَا آخر: جَزَى اللهُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ مَثُوبَةً ... وَبَوأَهُم فِي الْخَلْدِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فَلَولا اعْتِنَاهُم بالْحَدِيثِ وحِفْظِهِ ... وَنَفْيهُمُ عَنْهُ ضُروبَ الأَبَاطِلِ وَإنْفَاقَهُمْ أَعْمَارَهُمْ فِي طِلابِهِ ... وَبَحْثِهُمُ عَنْهُ بِجِدٍ مُوَاصلِ لِمَا كَانَ يَدْرِي مَنْ غَدَا مُتَفَقهًّا ... صَحِيح حَدِيثٍ مِنْ سَقِيم وَبَاطِلِ وَلَمْ يَسْتَبْنِ مَا كَانَ فِي الذِّكْرِ مُجْمَلاً ... وَلَمْ نَدْرِي فَرْضًا مِنْ عُمُومِ النَّوافِلِ لَقَدْ بَذَلُو فِيهِ نُفُوسًا نَفِيسَةً ... وَبَاعُوا بِحَظِّ آجلٍ كُلَّ عَاجِلِ فَحُبُّهمُ فَرْضٌ عَلَى كُلَّ مُسْلمٍ ... وَلَيْسَ يُعَادِيهم سِوَى كُلّ جَاهلِ اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَعْرِفَتِكَ بَأسْمَائِكَ وَصِفَاتِكَ وأَفْعَالِكَ وارْزُقْنَا الرِّضَا بِقَضَائِكَ وَقَدَرِكَ والتَّوكُّلَ عَلَيْكَ فِي كُلِّ ضَيْقٍ وَسَعَةٍ وَشَدَّةٍ وَرَخَاءٍ وَكَلَّ مَا تَيَسَّرَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ صِِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَجَنِّبْنَا جَمِيعَ مَا يُغْضِبُكَ يَا كَرِيمُ وَأَعِذْنَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ والْجَحِيمْ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ ١١) ١٣- عن أبي هُريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، أوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابنِ

стр. 113

السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» . رواهُ ابنُ ماجَة بإسنادٍ حَسنٍ، والبيهقيُّ. ١٤- وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَاتَ ابن آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ الناسُ بِهِ، أوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُهُ. ١٥- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رجلانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ، وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» . رواهُ التِّرْمِذِي. وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عائشة مختصَرًا قَالَ: «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لهُ كلُّ شَيءٍ حتَّى الْحِيتَانُ في الْبَحْرِ» . ١٦- ورُويَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ، وَفَقِيهٌ واحدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ وَلِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ، وَعِمَادُ هَذَا الدِّينِ الْفِقْهُ» . وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لأَنْ أَجْلِسَ سَاعَةً فَأَفْقَهَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أُحْيِىَ لَيْلَةً الْقدْر. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي، والْبَيْهَقِي. إِلا أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إليّ مِنْ أَنْ أُحْيِي لَيْلَةً إِلى الصَّبَاحِ. وقَالَ الْمَحْفُوظَ: هَذَا اللفْظُ مِنْ قَوْلِ الزُّهَرِيُّ. شعرًا: تَعَلَّمْ يَا فَتَى والْعُودُ رَطْبً ... وَطِينُكَ لَيِّنٌ والْعُمْرُ قَابلْ وَحَسْبُكَ يَا فَتَى شَرفًا وَفَخْرًا ... سُكُوتُ الْحَاضِرينَ وَأَنْتَ قَائِلْ ١٧- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ مَرَّ بِسوقِ الْمَدِينةِ فَوقَفَ عليها، فقَالَ يَا أَهْلَ السُّوقِ مَا أَعْجَزَكُمْ؟ قَالَوا: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرُةَ؟

стр. 114

قَالَ: ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقْسَمُ، وَأَنْتُمْ هَا هُنَا ألا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ. قَالَوا: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا سِرَاعًا وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا فَقَالَ لَهُمْ: مَا لَكُمْ؟ فقَالَوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا فيه فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ: ومَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا؟ قَالَوا: بَلَى، رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ، وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلالَ وَالْحَرَامَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَيْحَكُمْ فَذَاكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الأَوْسَطِ بإسنادٍ حَسَنٍ. ١٨- وَعَنْ جَابَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْعِلْمُ عِلْمانِ: عِلْمُ في الْقَلْبِ فذاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ عَلَى اللَّسَانِ فَذَاكَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى ابْنِ آدمَ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الخَطيبُ بإسْنَادٍ حَسَن. وَرَوَاهُ ابنُ عبدِ الْبَرِّ النَّمِرِي فِي كتابِ الْعِلْمِ عن الْحَسَن مُرْسَلاً بإسنادٍ صَحِيحٍ. شعرًا: لا خَيْرَ فِي الْعِلْمِ إنْ لَمْ يَرْقَ صَاحُبُه ... عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الأَخْلاقِ في الصِّغَرِ كَمْ عَالمٍ فَاسِدٌ ضَلَّتْ مَذَاهِبُهُ ... وَقَدْ غَدَا عِلمُهُ شَرًا عَلَى الْبَشَرِ إَبْلِيسُ أَعْلَمْ الْفِسْقِ قَاطِبةً ... والنَّاسُ تَلْعَنُهُ فِي الْبَدْوِ والْحَضَرِ الْعِلْمُ كَالْغَيْثِ والأَخْلاقُ مَزْرَعَةٌ ... إِنْ تَخْبُثِ الأَرْضُ تَذْهَبِ نِعْمَةُ الْمَطَرِ والجهلُ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمٍ يُدَنِّسُهُ ... نُضْجُ الرَّذِيلَةِ مِنْ أَخْلاقِ مُقْتَدِرِ ١٩- وَعَنْ زَرِّ بن حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيّ ﵁ قَالَ: مَا جَاء بِكَ؟ قُلْتُ: الْعِلْمُ. قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ خَارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنَحَتِهَا رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذيَّ وَصَحَّحه. وابنُ ماجَة واللفظُ لهُ، وابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمْ. وقَالَ: صَحيحُ الإِسْنَادِ.

стр. 115

وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِمَجْلِسَيْنِ أحدُهُما يذْكرون الله تعالى والآخرون يَتَفَقَّهُون، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كلا مَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْر، وأَحَدُهَمَا أَحَبُّ إليّ مِنْ صاحِبِهِ. أَمَّا هَؤلاءِ فَيَسْأَلُونَ اللهَ تَعالى وَيَذْكُرُونَهُ فَإنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا الْمَجْلِسُ الآخَرُ فَيَتَعَلَّمُونَ الفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ وإنما بُعِثْتُ مُعَلِّمًا» . وَجَلَسَ إِلى الْفقهِ. ورُوِي عَنْ النبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «خِيَارُ أُمَّتِي عُلَمَاؤُها، وَخِيارُ عُلمَائِهَا فُقَهَاؤُهَا» . يَمُوتُ قَوْمٌ وَيُحْيِي الْعِلْم ذِكْرهُمُ ... والْجَهْلُ يُلْحِقُ أَحْيَاءٌ بأًمْوَاتِ آخر: ... تَعَلَّمْ فإنَّ الْعِلْمَ زَينٌ لأهْلِهِ وَفَضْلٌ وَعنوانٌ لِكُلِّ الْمَحَامِدِ وَكُنْ مُسْتَفِيدًا كُلَّ يَومٍ زِيادَةً مِنْ الْعِلْمِ واسْبحْ في بُحُورِ الْفَوَائِدِ تَفَقَّهْ فإنَّ الْفِقْهَ أَفْضَلُ قَائِدٍ إِلى الْبِرِّ والتَّقوَى وَأَعْدَلُ قَاصِدِ هُو الْعلْمُ الْهَادِي إلى سُنَنِ الْهُدَى هُوَ الْحِصْنُ يُنْجِي مِنْ جَمِيعِ الشَّدائِدِ فَإِنْ فَقِيهًا وَاحِدًا مُتَورِّعًا أَشَدُّ عَلى الشَّيطانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدِ آخر: ... وَعَابَ سَمَاعِي للْحَدِيثِ بُعَيْدَمَا ... كَبْرتُ أُنَاسٌ هُمْ إلى الْعَيْبِ أَقْرَبُ وَقَالُوا إِمَامٌ فِي عُلُومِ كَثِيرَةٍ ... يَرُوحُ وَيَغْدُ سَامِعًا يَتَطَلَّبُ فَقُلْتُ مُجِيبًا عَنْ مَقَالَتِهِمْ وَقَدْ ... غَدَوْتُ لِجَهْلٍ مِنْهُمُ أَتَعَجَّبُ إِذَا اسْتَدْرَكَ الإِنْسَانُ مَا فَاتَ مِنْ عُلا ... فِللْحَزْمِ يُعْزَى لا إلى الْجَهْلِ يُنْسَبُ آخر: ... يَلُومُونِي إِنْ رُحْتُ فِي الْعِلْمِ دَائِبًا ... أَجْمَعُ مِنْ عَنْدِ الرُّوَاة فُنُونَهُ

стр. 116

فَيَا عَاذِلي دَعْنِي أَغَالِي بقِيمَتِي ... فَقِيمَةُ كُلُّ النَّاسِ مَا يَحْسِنُونَهُ آخر: ذَوُوا الْعِلْمِ فِي الدُّنْيَا نُجومُ هِدَايةٍ إِذَا غَابَ نَجْمٌ لاحَ بَعْدُ جَدِيدُ بِهمْ عَزَّ دِينُ اللهِ طُرًّا وَهُمْ لَهُ مَعَاقِلُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَجُنُودُ آخر ... وَمَا أَنَا بَالْغَيْرَانِ مِنْ دُونِ جَارتي ... إذَا أَنَا لم أُصْبِحْ غَيوُرًا عَلَى الْعِلْمِ آخر: أَرَى الْعِلْمِ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الْمَراتِبِ ... ومِنْ دُونِهِ عِزُّ الْعُلَى فِي الْمَوَاكِبِ فَذُو الْعِلْم يَبْقَى عِزَّهُ مُتَضَاعِفًا ... وَذُو الْجَهْلِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَحْتَ التَّرَائِبِ فَهَيْهَاتَ لا يَرْجُو مَدَاهُ مَنْ ارْتَقَى ... رُقِيَّ وَليّ الْمُلْكِ وَالي الْكَتَائِبِ سَأُمْلِي عَلَيْكُمْ بَعْضَ ما فِيهِ فَاسْمَعُوا ... فَبِي حَصَرٌ عن ذِكْرِ كُلَّ الْمَنَاقِبِ هُو النُّورُ كُلُّ النُّورِ يَهْدِي عن الْعَمَى ... وَذُو الْجَهْلِ مَرَّ الدَّهْرِ بَيْنَ الْغَيَاهِبِ هُو الذُّرْوَةُ الشَّمْاءُ تَحْمِِي مَنْ الْتَجَا ... إِلَيْهَا وَيَمْشِي آمِنًا فِي النَّوَائِبِ بِهِ يَنْتَجِي والنَّاسُ في غَفَلاتِهِمْ ... بِهِ يَرْتَجِي والرُّوحُ بَين التَّرَائِبِ بِهِ يَشْفَعُ الإِنْسَانُ مَنْ رَاحَ عَاصِيًا ... إِلى دَرَكِ النِّيرَانِ شَرِّ الْعَواقِبِ فَمَنْ رَامَه ُرَامِ الْمَآرِبَ كُلَّهَا ... وَمَنْ حَازَهُ قَدْ حَازَ كُلَّ الْمَطَالِبِ هُوَ الْمَنْصِبُ الْعَالِي فَيَا صَاحِبَ الْحَجَا ... إِذَا نِلْتَهُ هَوِّنْ بِفْوتِ الْمَنَاصِبِ فَإِنْ فَاتَتَ الدُّنْيَا وَطِيبُ نَعِيمِهَا ... [فَغَمَّضْ] فَإِنَّ الْعِلْمَ خَيْرُ الْمَوَاهِبِ آخر: ... الْعِلْمُ إِنْ لَمْ تَكْتَنِفْهُ شَمَائِلٌ ... تُعْلِيهِ كَانَ مَطِيَّةَ الإِخْفَاقِ لا تَحْسَبَنَّ الْعِلْم يَنْفَعُ وَحْدَهُ ... مَا لَمْ يُتَوَّجْ رَبُّهُ بِخَلاقِ كَمْ عَالِمٍ مَدَّ الْعُلُومَ حِبَائِلاً ... لِوَقِيعَةٍ وَقَطِيعَةٍ وَفِرَاقِ

стр. 117

وَفَقِيهِ قَوْمٍ ظَلَّ يَرْصُدُ فِقْهَهُ ... لِمَكِيدَةٍ أَوْ مُسْتَحِلَّ طَلاقِ يَمْشِي وَقَدْ نُصِبَتْ عَلَيْهِ عمَامَةٌ ... كَالْبُرْجِ لَكْنِ فَوْقَ تلِّ نِفَاقِ وَطَبِيبِ قَوْمٍ قَدْ أَحَلَّ لِطِبِّهِ ... ما لا تُخِلُ شَريعَةُ الْخَلاقِ قََتَل الأجِنَّةِ فِي الْبُطُونِ وَتَارةً ... جَمَعَ الدَّرَاهِمَ مِنْ دَمِ مِهرَاقِ آخر: مَا الْفَخْرُ إِلا لأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمْ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنْ اسْتَهْدَى أدلاءُ وَقِيمَة الْمَرْءِ ما قَدْ كَانَ يُحْسِنُهُ ... والْجَاهِلُونَ لأَهْلِ الْعِلْمِِ أَعْدَاءُ فَعِشْ بِعِلْمِ تَفُزْ حَيًّا بِهِ أَبَدَا ... النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ ١٢) قَالَ ابنُ الْقَيِّمِ ﵀: الأَصْلُ الأولُ فِي الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَشَرَفِهِ وَبَيَانِ عُمُومِ الْحَاجَةِ إِليهِ وَتَوَقُّفِ كَمَالِ الْعبدِ ونَجَاتِهِ في مَعِاشِهِ وَمَعادِهِ عليهِ. قَالَ اللهُ تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ استشْهدَ سبحانه بأولي العلمِ على أَجَلِّ مَشْهودٍ عَلَيْهِ وَهُو توحيدُهُ فقَالَ: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾ وَهَذا يدلُّ على فضْلِ الْعِلْمِ وأهلِهِ مِنْ وُجوِهٍ. أَحدُها: استشهادُهُمْ دُونَ غَيْرِهمْ من الْبَشَر، والثاني: اقترانُ شهادَتِهِمْ بِشَهَادِتِهِ، والثالثُ: اقترَانُها بشهادَةِ مَلائِكتِهِ، والرابعُ: أنّ في ضِمْنِ هذا تزْكِيَتَهُمْ وَتَعْدِيلَهُمْ فإنّ اللهَ لا يستشْهِدُ من خلقِهِ إلا العُدولَ ومنْهُ الأثَرُ الْمَعْرُوفُ عن النَّبِيَّ ﷺ : «يَحْمِلُ هذا الْعِلْمَ مِنْ كلِّ خَلَفِهِ عُدُوله ينفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغالين وانْتِحَالَ الْمُبْطِلينَ وَتَأويلَ الْجَاهِلين» .

стр. 118

والْخَامِسُ: أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهمْ أَوْلَي الْعِلْمِ وهذا يدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ بهِ وَأَنهُمْ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ لَيْسَ بِمُسْتَعَارٍ لَهُمْ. السَّادِسُ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتشهد بنفسِهِ وَهو أجلُّ شاهدٍ ثُمْ بِخِيارِ خلقِهِ وهم ملائكتُهُ والْعلماءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَكْفِيهِمْ بِهَذَا فَضْلاً وَشَرفًا. السَّابعُ: أَنَّهُ اسْتَشْهَدَ بِهمْ على أجَلِّ مشهودٍ بِهِ وَأَعظمِهِ وَأَكْبرهِ وَهو شهادةُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ والعَظِيمُ الْقَدْرِ إِنَّما يَسْتَشْهِدُ عَلى الأمرِ العظيمِ أكابِرَ الْخَلْقِ وَسَادَاتِهمْ. الثامِن: أنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْمنكِرِينَ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَدِلَّتِهِ وآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِهِ الدَّالة على توحيدِهِ. التاسع: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَفردَ الْفعلَ الْمُتضمنَ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ الصَّادرةِ منهُ ومِنْ مَلائكتِهِ وَمِنْهُمْ وَلَمْ يعطِفْ شهادَتَهُمْ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرَ شِهادتِهِ. وهذا يدلُ على شدةِ ارتباطِ شهادتِهمْ بشهادِتِهِ فكأنَّهُ سُبْحانَه شَهِدَ لنفْسِهِ بَالتَّوْحِيدِ على ألسِنَتهِمْ وأنْطَقَهُمْ بِهَذِهِ الشَّهْادةِ فَكَانَ هو الشاهدّ بِها لِنَفْسِهِ إِقامَةً وَإِنْطَاقًا وَتَعْلِيمًا وَهُمْ الشَّاهِدُونَ بِهَا لَهُ إقْرارًا واعْتِرَافًا وَتَصْدِيقًا وَإِيمَانًا. العاشرُ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُمْ مؤدّينَ لحقِّهِ عندَ عبادِهِ بهذهِ الشهادةِ فَإِذَا أدَّوْهَا فَقَدْ أدّوا الحقَّ المشهودَ بِهِ فَثبتَ الحقُّ المشهودُ بِهِ فَوَجَبَ عَلى الْخَلْقِ الإقرارُ بِهِ وَكَانَ ذلك غايةَ سَعَادَتِهمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَكلُّ مَنْ نالهُ الْهُدَى بشهادتِهم وَأقرَّ بهذا الحقِّ بسببِ شهادتِهم فلهُمْ مِنَ الأَجْرِ مثلُ أَجْرِهِ أَيْضًا فَهِذِهِ عَشرةَ أوجُهٍ في هذه الآيةِ. الحادي عَشَرَ: في تفضيلِ العلْمِ وأَهْلِهِ أَنَّهُ سبحانه نَفَى التسْويَةَ بَيْنَ أَهْلِهِ وبينَ غَيْرِهِمْ كما نفى التسويةَ بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.

стр. 119

فقَالَ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كما قَالَ تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وَهَذا يَدُلُّ عَلى غايةِ فَضْلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ. الوجهُ الثاني عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْجَهْلِ بِمَنْزِلَةِ الْعُمْيانِ الذينَ لا يُبْصِرونَ فقَالَ: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ فَمَا ثَمَّ إِلا عَالِمْ أَوْ أَعْمَى وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَه أَهْلَ الْجَهْلِ بأنَّهمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ في غير مَوْضِعٍ مِنْ كتابِهِ. شعرًا: مَا أَقْبَحَ الْجهْلَ يُبْدِي عَيْبَ صَاحِبهِ ... لِلنَّاظِرين وعن عَيْنَيْهِ يُخْفِيهِ كَذَالِكَ الثُومُ لا يَشْمُمْهُ آكِلُهُ ... والناسُ تَشْتَمُّ نَتَنَ الرِّيحِ مِنْ فِيهِ الوجهُ الثالثَ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخبَرَ عَنْ أُولي الْعِلْمِ بَأنَّهُمْ يَرَوْن أنَّ مَا أُنْزِلَ إليهِ مِنْ رَبِّهِ حَقٌّ وَجَعل هذا ثَنَاءً عَلَيْهِمْ وَاسْتِشْهَادًا بهم. فقَالَ تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ . الوجهُ الرابعَ عَشَرَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِسُؤالهِمْ والرجوعِ إِلى أقْوَالِهمْ وَجَعَلَ ذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ مِنْهُمْ. فقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وَأَهْلُ الذَّكْرِ هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ. الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ شَهِدَ لأَهْلِ الْعِلْمِ شَهَادَةً في ضِمْنِهَا الاسْتِشْهادُ بِهِمْ عَلى صِحَّةِ ما أَنْزَلَ اللهُ على رَسولِهِ فقَالَ تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصْلٌاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ .

стр. 120

الوجهُ السادسَ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ سَلَّى نَبيَّهُ، بإيمانِ أهلِ الْعِلْمِ به وَأمَرَهُ أَنْ لا يَعْبَأ بَالجْاَهِلِينَ شَيْئًا. فقَالَ تَعَالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً * قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ وهذا شَرَفٌ عظيمٌ لأهْلِ الْعِلْمِ وَتَحْتَه أنَّ أَهْلَهُ الْعَالِمُونَ قَدْ عَرَفوهُ وآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا فَسواءٌ آمنَ بِهِ غيرُهُم أوْ لا. الوجهُ السابعَ عَشَرَ: أنهُ سُبْحَانَهُ مَدَحَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ وَشَرَّفَهُمْ بَأنْ جَعَلَ كِتَابَهُ آياتٍ بَيْناتٍ فِي صُدورِهِمْ وَهَذِهِ خاصةٌ وَمَنْقَبَةٌ لَهُمْ دَوُنَ غَيْرِهِمْ. فقَالَ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ. ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ وَسَواءً كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُسْتَقِرٌ فِي صُدُوِرِ الذين أوتوا الْعِلْمَ ثابتٌ فِيهَا مَحْفوظٌ وَهَو في نفسِهِ آياتٌ بيناتُ فيكونُ أَخبَرَ عَنهُ بَخَبَرَيْنِ. أَحدُهُمَا: أنه آياتٌ بيناتٌ. الثاني: أنهُ محفوظٌ مُسْتَقرٌّ ثَابتٌ في صدورِ الذين أوتوا العلمَ. أو كان الْمَعْنَى أَنَّهُ آيات بينات في صدورهم أي كونُه آياتٍ بيناتٍ مَعْلومٌ لَهمْ ثابتٌ في صدورِهِمْ والْقَوْلانِ مُتَلازِمانِ لَيْسَا بمُخْتَلِفَيْن. وَعلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهوَ مَدْحٌ لَهُمْ وَثَنَاءُ عليهم في ضِمْنِهِ الاستشهادُ بِهمْ فتأمَّلْهُ. الوجهُ الثامنَ عَشَرَ: أنهُ سُبْحَانَهُ أمرَ نَبيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ مَزِيدَ الْعِلْمِ فقَالَ تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وَكَفَى بِهَذَا شَرفًا لِلْعِلْمِ أَنْ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ

стр. 121

الْمَزيدَ مِنْهُ. اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعْنَا وَانْفَعْنَا وَارْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا. شعرًا: ... الْعِلْمُ مُبْلِغُ قَوْمٍ ذُرْوَةَ الشَّرَفِ وَصَاحُب الْعِلْمِ مُحْفُوظٌ مِن التَّلَفِ يَا صَاحِبَ الْعِلْمِ مَهْلاً لا تُدَنّسَهُ بَالْمُوبِقَاتِ فَمَا لِلْعِلْمِ مِنْ خَلَفِ الْعِلْمُ يَرَفَعُ بَيْتًا لا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ والشَّرَفِ الوجهُ التاسِعَ عَشَرَ: أنهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ رَفْعِهِ دَرَجاتِ أهلِ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ خَاصَّةً. فقَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . قَصِيدةٌ في الْحَثِّ على طَلَبِ الْعِلْمِ: يَا تَارِكًا لِمَرَاضِي اللهِ أَوْطَانًا وَسَالِكًا فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ أَحْزَانَا كُنْ باذِلَ الْجدِّ فِي عِلْم الحديثِ تَنَلْ كُلَّ الْعُلومِ وَكُنْ بالأَصْلِ مُشْتَانَا فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مَطْلُوبٍ وَطَالبُهُ مِنْ أَكَمْلِ النَّاسِ مِيزَانًا وَرُجْحَانَا وَالْعِلْمُ نُورٌ فَكُنْ بَالْعِلْمِ مُعْتَصِمًا إِنْ رُمْتَ فَوْزًا لَدَى الرَّحْمَنِ مَوْلانَا وَهُوَ النَّجَاةِ وَفِيهِ الْخَيْرِ أَجْمَعَهُ وَالْجَاهِلُونَ أَخَفَّ النَّاسِ مِيزَانَا وَالْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا كَانَ مُنْخَفِضًا

стр. 122

وَالْجَهْلُ يَخْفِضُهُ لَوْ كَانَ مَا كَانَا وأرفعُ الناسِ أهلُ الْعِلْمِ مَنْزِلةً وَأَوْضَعَ النَّاسِ مَنْ قَدْ كان حَيْرَانَا لا يَهْتَدِي لِطَرِيقِ الْحَقِّ مِنْ عَمَهٍ بَلْ كَانَ بِالَجَهْلِ مِمَّنْ نَال خُسْرانَا تَلقاهُ بَيْنَ الوَرَى بالْجَهْلِ مُنْكَسِرًا لا يَدْرِ مَا زَانَهُ في النَّاسِ أَوْ شَانَا وَالْعِلْمُ يَرْفَعُهُ فَوْقَ الْوَرَى دَرَجَا وَالنَّاسُ تَعْرفُهُ بالْفَضْلِ إِذْ عَانَا وَطَالبُ العِلمِ إِنْ يَظْفَرْ بِبُغْيَتِهِ يَنَالُ بالعلمِ غُفْرانًا وَرِضْوَانَا فَاطْلُبْهُ مُجْتَهِدًا مَا عِشْتَ مُحْتَسِبًا لا تَبْتَغِي بَدَلاً إِنْ كُنْتَ يَقْظَانَا مَنْ نَالَهُ نَالَ فِي الدَّارَيْنِ مَنْزِلَةً أَوْ فَاتَهُ نَالَ خُسرانًا وَنُقْصَانَا وَبَاذِلُ الْجِدِّ فِي تَحْصِيلِهِ زَمَنًا وَلَمْ يَكنْ نَالَ بَعْدَ الْجِدِّ عُرْفَانَا فَلَنْ يَضِيعَ لَهُ سَعْيٌّ وَلا عَمَلٌ عِنْدَ الإِلَهِ وَلا يُولِيهِ خَسْرَانَا فَطَالِبُ الْعِلْمِ إِنْ أَصْفَى سَريرَتَهُ يَنَالُ مِنْ رَبِّنَا عَفْْوًا وَرِضْوَانَا فَالْعِلْمُ يَرْفَعُ فِي الْخُلْدِ مَنْزِلَةً وَالْجَهْلُ يُصْلِيهِ يَوْمَ الْحَشْرِ نِيرَانَا

стр. 123

.. والْجَهْلُ في هذِهِ الدُّنْيَا يَنْقُصْهُ وَالْعِلمُ يَكْسُوهُ تاجَ الْعِزِّ إِعْلانَا وَإِنْ تُرِدْ نَهْجَ هذا الْعِلْمِ تَسْلُكُهُ أَوْ رُمْتَ يَوْمًا لِمَا قَدْ قُلْتَ بُرْهَانَا فَألْقِ سَمْعًا لِمَا أُبْدِي وَكُنْ يَقْظًا وَلا تَكُنْ غَافِلاً عَنْ ذَاكَ كَسْلانَا قَدْ أَلَّفَ الشَّيْخَ فِي التَّوْحِيدِ مُخْتصَرًا يَكْفِي أَخَا اللُبِّ إِيضَاحًا وَتِبْيَانَا فِيهِ الْبيانُ لتَوْحِيدِ الإِلهِ بِما قَدْ يَفْعَلُ الْعَبْدُ لِلطَّاعاتِ إِيمِانَا حُبًّا وَخَوْفًا وَتَعْظِيمًا لَهُ وَرَجَا وَخَشْيَةً مِنْهُ لِلرَّحْمَنِ إذْعَانَا كَذَاكَ نَذْرًا وَذَبْحًا وَاسْتَغَاثَتُنَا والاستعانةُ بالْمَعْبُودِ مَوْلانَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ للهِ مِنْ طَاعَةٍ سِرًّا وَإِعْلانَا وَفِيهِ تَوْحيدُنَا رَبَّ الْعِبَادِ بِمَا قَدْ يَفْعَلُ اللهُ أَحْكَامًا وَإِتْقَانًا خَلْقًا وَرِزْقًا وَإِحْيَاءً وَمَقْدُرةً بالاخْتِرَاعِ لِمَا قَدْ شَاءَ أَوْ كَانَا وَيَخْرُجُ الأمرُ عَنْ طَوْقِ الْعَبادِ لَهُ وَذَاك مِنْ شَأْنِهِ أَعْظِمْ بهِ شَانَا وَفِيهِ تَوْحِيدُنَا الرَّحْمَنَ أَنَّ لَهُ

стр. 124

.. صِفَاتِ مَجْدٍ وَأسْمَاءً لِمَوْلانَا تِسْعٌ وَتَسعُونَ اسْمًا غَيرَ مَا خَفِيتْ لا يَسْتَطِيعُ لَهَا الإِنْسَانُ حُسْبَانَا مِمَّا بِهِ اسْتَأْثَرَ الرَّحْمَنُ خَالِقُنَا أَوْ كَانَ علَّمَهُ الرَّحْمَنُ إِنْسَانَا نُمِرُّهَا كَيْفَ جَاءت لا نُكَيِّفْهَا بَلْ لا نُؤَوِّلَهَا تَأْوِيلَ مَنْ مَانَا وَفِيهِ تَبْيَانُ إِشْرَاكٍ يُنَاقُضُهُ بَلْ مَا يُنَافِيهِ مِنْ كُفْرَانِ مَنْ خَانَا أَوْ كَانَ يَقْدَحُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ بِدَعٍ شَنْعاءَ أَحْدَثَهَا مَنْ كان فَتَّانَا أَوْ الْمَعَاصِي الَّتِي تُزْرِي بِفَاعِلِهَا مِمَّا يُنَقِّصُ تَوْحِيدًا وَإِيمَانَا فَسَاقَ أَنْوَاعَ تَوْحِيدِ الإِلهِ كَمَا قَدْ كانَ يَعْرفُهُ مِنْ كَانَ يَقْظَانَا وَسَاقَ فِيهِ الذي قد كان يَنْقُضُهُ لِتَعْرِفَ الْحقَّ بالأضْدَادِ إِمْعَانَا مُضْمِّنًا كُلَّ بَابٍ مِنْ تَرَاجُمِهِ مِنْ النُّصوصِ آحَادِيثًا وَقُرْآنَا فَالشيخُ ضَمَّنَهُ ما يَطْمَئِنَّ لَهُ قَلْبُ الْمُوَحِّدِ إِيضَاحًا وَتِبْيَانَا فَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِهِ فِي الأَصْلِ مُعْتَصِمًا يُورِثْكَ فِيمَا سِوَاهُ اللهُ عِرْفَانَا

стр. 125

وَانْظُرْ بِقَلْبِكَ في مَبْنَى تَرَاجُمِهِ تَلقَى هُنالِكَ لِلتَّحْقِيقِ عُنْوَانَا وَلِلْمَسَائِلِ فَانْظُرْ تَلْقَهَا حِكْمً يَزْدَادَ مِنهنَّ أَهْلُ الْعِلْمِ إِتْقَانَا وَقُلْ جَزَى اللهُ شَيْخَ الْمُسْلِمِينَ كَما قَدْ شَادَ لِلْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ أَرْكَانَا فَقَامَ لِلَّهِ يَدْعُو النَّاسَ مُجْتَهِدًا حَتَّى اسْتَجَابُوا لَهُ مَثْنَى وَوُحْدَانَا وَوَحَّدُوا اللهَ حَقًّا لا شَرِيكَ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْهَمَكُوا فِي الْكُفْرِ أَزْمَانَا وَأَصْبَحَ الناسُ بعدَ الْجَهْلِ قَدْ عَلِمُوا وَطَالَ مَا هَدَمُوا لِلدِّين بُنْيَانَا وَأَظْهَرَ اللهُ هَذَا الدِّينَ وَانْتَشَرَتْ أَحْكَامُهُ فِي الْوَرَى مِنْ بَعْدِ أَنْ كَانَا بَالْجَهْلِ وَالْكُفْرِ قَدْ أَرْسَتْ مَعَالِمُهُ لا يَعْرِفُ النَّاسُ إِلا الْكُفْرِ أَزْمَانَا يَدْعُونَ غَيْرَ الإِلِهِ الْحَقَّ مِنْ سَفَهٍ وَيَطْلُبُونَ مِنَ الأَمْوَاتِ غُفْرَانَا وَيَنْسِكُونَ لِغَيْرِ اللهِ مَا ذَبَحُوا وَيَنْذِرُونَ لَغَيْرِ اللهِ قُرْبَانَا وَيَسْتَغِيثُونَ بَالأَمْوَاتِ إِنْ عَظُمَتْ وَأَعْضَلَتْ شِدَّةُ مِنْ حَادِثٍ كَانَا وَيَنْدِبُونَ لَهَا زَيْدًا لِيَكْشِفَها

стр. 126

بَلْ يَنْدِبُونَ لَهَا تَاجًا وَشُمْسَانَا فَزَالَ ثَمَّ بِهَذَا الشَّيخِ حِينَ دَعَا مَنْ صَدَّ أَوْ نَدَّ عَنْ تَوْحِيدِ مَوْلانَا فَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو وَلِيجَتَهُ يَوْمًا بِنَجْدٍ وَلا يَدْعُونَ أَوْثَانَا بَلْ الدُّعَا كَلُّهُ وَالدِّينُ أَجْمعُهُ للهِ لا لِسِوَى الرَّحْمَنِ إِيمَانَا فَاللهُ يُعْلِيهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مَنْزِلَةً فَضْلاً وَجُودًا وَتَكْرِيمًا وَإِحْسَانَا وَاللهُ يُولِيهِ أَلْطَافًا وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً مِنْهُ إِحْسَانًا وَرِضْوَانَا ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمَعْصُومِ سَيَّدِنَا أَزْكَى الْبَرِيةِ إِيمَانًا وَعِرْفَانَا مَا نَاضَ بَرْقٌ وَمَا هَبَّ النَّسِيمُ وَمَا مِسَّ الْحَجِيجُ لِبَيْتِ اللهِ أَرْكَانَا أَوْ قَهْقَهَ الرَّعْدُ فِي هَدْبَاءَ مُدْجِنَةٍ أَوْ نَاحَ طَيْرٌ عَلَى الأَغْصَانِ أَزْمَانَا وَلآلِ والصَّحْبِ ثُمَّ التَّابِعينَ لَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ إِيمَانًا وَإِحْسَانَا اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا وَقَدْ قَبِلْتَ اليسيرَ مِنَّا وَاجْعَلْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ عِبَادِكَ الذين لا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنونَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْنَا بَالإِسْلامِ قَائِمِينَ واحْفَظْنَا بَالإِسْلامِ قَاعِدِينَ واحْفَظْنَا بَالإِسْلامِ رَاقِدِينَ

стр. 127

وَلا تُشمِتْ بنا الأَعْدَاءَ وَلا الْحَاسِدينَ، اللَّهُمَّ وَعَافِنَا مِنْ مِحَنِ الزَّمَانِ وعَوَارضِ الْفِتنِ فَإِنَّا ضُعَفَاءِ، عَنْ حَمْلِهَا وَإِنْ كُنَّا مِنْ أَهْلِهَا فَعَافيتُكَ أَوْسَعُ يَا واسعُ يا عليمُ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ ١٣) : وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحانَهُ فِي كِتَابِهِ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، أَحَدُهَا هَذَا. والثَّانِي قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ . (والثالثُ) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ (والرابعُ) قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ فَهَذِهِ أَرْبَعةُ مَوَاضِعَ فِي ثَلاثةٍ مِنْهَا الرِّفَعةُ بالدرجاتِ لأهْلِ الرِّفْعةِ بالْجِهَاتِ فعادَتْ رِفْعَةُ الدرجاتِ كُلِّهَا إِلى الْعِلْم والْجِهَادِ اللذَيْنِ بِهِمَا قِوامُ الدِّينِ. الوجهُ العشرون: أنَّهُ سُبْحَانَه اسْتَشْهَدَ بَأهْلِ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ الْكُفَّارِ فقَالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . الوجهُ الحادِي والعشرونَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَهْلُ خَشْيَتِهِ بَلْ خَصَّهُمْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِذَلِكَ. فقَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ .

стр. 128

شعرًا: لا يَنَالُ الْعِلْمَ شَخْصٌ وَقْتُهُ ضَائِعٌ عِنْدَ الْمَلاهِي والْكُرَهْ والتَّلافِيزَ وَمِذْيَاعِ الضَّرَرْ وَكَذَا الْفِدْيُو فَحَذِّرْ وَاحْذَرَهْ (فَصْلٌ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ وَهَذَا حَصْرٌ لِخَشْيَتِهِ في أُولِي الْعِلْمِ. وقَالَ تعالى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أَهْل خَشْيَتِهِ هُمْ الْعُلَمَاءِ. فَدَلّ عَلَى أَنْ هَذَا الْجَزَاءِ الْمَذْكُورَ لِلعلماءِ بمجموعِ النَّصَّيْنِ. وقَالَ ابنُ مَسْعِودٍ ﵁: كَفَى بَخشيةِ اللهِ عِلْمًا، وَكَفَى بَالاغْتِرَارِ بَاللهِ جَهْلاً. الوجهُ الثانِي والعشرون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ أَمْثَالِهِ التِي يَضْرُبها لِعبادِهِ يَدُلُّهم على صِحَّةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَنَّ أَهْلَ العلمِ هُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا الْمُخْتَصُّونَ بعِلْمِهَا فقَالَ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ وفي القرآنِ بِضْعةٌ وَأَرْبَعونَ مَثَلاً وكان بعضُ السَّلَفِ إِذَا مَرَّ بِمَثَلٍ لا يفهَمُهُ يَبْكِي وَيَقَولُ: لَسْتَ مِنْ الْعَالِمِين. الوجهُ الثالثُ والعشرون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ مُنَاظَرَةَ إِبْرَاهِيمَ لأبيهِ وَقَوْمِهِ وَغَلَبتِهِ لَهُمْ بَالْحُجةِ وَأَخْبَر عَنْ تَفْضِيلِهِ بذلكَ وَرْفعِهِ دَرجَتَهُ بعلمِ الْحُجَّةِ فقَالَ تَعَالَى عُقَيْبَ مُنَاظَرَتِهِ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ فِي سُورةِ الأنْعَامِ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قَالَ زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ ﵁: نَرْفَعُ درجاتٍ مَنْ نَشاءُ بِعلمِ الْحُجَّةِ.

стр. 129

الوجهُ الرابعُ والعشرون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ ووضَعَ بَيْتَهُ الْحَرامَ والشهرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائدَ لِيُعْلِمَ عِبَادَهُ أَنَّهُ بُكلِ شَيءٍ عَلِيمٌ وَعَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فقَالَ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ فَدَلَّ عَلى أَنْ عِلمَ الْعِبَادِ بربِّهِمْ وَصِفَاتِهِ وَعبادَتِهِ وَحْدَهُ هُو الْغَايةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الْخَلْق وَالأَمْرِ. شعرًا: الْعِلُم يَغْرِسُ كَلَّ فَضْلٍ فَاجْتَهِدْ أَنْ لا يفوتَكَ فَضلُ ذَاكَ المَغْرسُ وَاعْلَمْ بَأنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ يَنَالُهُ مَنْ هَمُّهُ فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسِ إِلا أَخُو الْعِلْمَ الذي يَزْهُو بِهِ فِي حَالَتَيْهِ عَارِيًا أَوْ مُكْتَسِي فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مِنْهُ حَظًّا وَافِرًا وَاهْجُرْ لَهُ طِيبَ الرُّقادِ وَعَبِّسِ فَلَعلَّ يَوْمًا إِنْ حَضَرْتَ بِمَجْلِسٍ كُنْتَ الَّرئِيسَ وَفَخْرَ ذَاكَ الْمَجْلِسِ آخر: شُغِلنا بِكَسبِ العِلمِ عَن مَكسَبِ الغِنى ... كَشُغلِهِمُ عَن مَكسَبِ العِلمِ بِالوَفرِ فَصارَ لَهُم حَظٌّ مِنَ الجَهلِ وَالغِنى ... وَصارَ لَنا حَظٌّ مِنَ العِلمِ وَالفَقرِ آخر: ... إِذَا مَا اعْتزَ ذُو عِلْمٍ بعِلمٍ ... فَعِلْمُ الْفِقْهِ أَوْلَى باعْتِزَازِ فكَمْ طِيبِ يَفُوحُ ولا كَمِسْكٍ ... وَكَمْ طَيْرٍ يَطِيرُ ولا كَبَازِي آخر: لَيْسَ الْحَياةَ بَأنْفَاسٍ تُرددهَا ... إِنْ الْحَياةَ حَيَاةُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ

стр. 130

آخر: يَا طَالبَ الْعِلْمِ لا تَرْكَنْ إلى الْكَسَلِ ... واعْجَلْ فَقَدْ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلِ وَاسْتَعْمِلْ الصَّبْرَ فِي كَسْبِ الْعُلْومِ وَقُلْ ... أَعُوذُ بالله مِنْ عَلْمٍ بِلا عَمَلِ آخر: ... الْفِقْهُ أَنْفَسُ شَيْءٍ أَنْتَ ذَاخِرُهُ ... مَنْ يَدْرُسِ الْعِلْمِ لَمْ تَدْرُسْ مَفَاخِرُهُ فَاكْسَبْ لِنَفْسِكَ مَا أَصْبَحْتَ تَجْهَلُهُ ... فَأوَّلُ الْعِلْمِ إِقْبَالٌ وَآخرُهُ آخر: وَمَنْ بَغَى نيل فِقْهٍ وَهُوَ فِي دَعَةٍ ... كَمَنْ بَغَى مِنْ صَفَاةٍ دَرَّ حَلابِ آخر: الْعِلْمُ يَمْنَعُ أَهْلَهُ أَنْ يُمْنَعَا ... فاسْمَحْ بِهِ تَنَلْ الْمَحَلَ الأَرْفَعَا وَاجْعَلْهُ عِنْدَ الْمُسْتَحِقِّ وَدِيعَةً ... فَهُوَ الذِي مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُودَعَا وَالْمُسْتَحِقُّ هو الذي إنْ حَازَهُ ... يَعْمَلْ بِهِ أَوْ إِنْ تُلْقِنَهُ وَعَا آخر: ... إِذَا لَمْ يزِدْ عِلمُ الفتى قلبَهُ هُدىً ... وسيرتَهُ عَدلاً وأخلاقَهُ حُسْنا فبَشِّرْهُ أنَّ اللهَ أولاهُ فِتنَةً ... تُغَشِّيهِ حِرماناً وتُوسِعُهُ حُزْنا آخر: ... بِقَدْرِ الِجِدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي ... وَمَنْ طَلَبَ الْعُلا سَهِرَ اللَّيَالِي نَزومُ العِزَّ ثُم تَنَامُ عَنْهُ ... يَغُوصُ الْبَحْرَ مِنْ طَلَبَ اللآلِي آخر: ... عَوِّدْ بَنِيكَ عَلَى الآدَابِ فِي الصِّغَرِ كَيْمَا تَقَرَّ بِهمْ عَيْنَاكَ فِي الْكِبَرِ فَإِنَّمَا مَثَلُ الآدَابِ تَجْمَعُهَا في عُنْفُوَانِ الصِّبَا كالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ هِي الْكُنُوزُ الَّتِي تَنْمُو ذَخَائِرُهَا وَلا يَخَافُ عَلَيْهَا حَادِثُ الْغِيَر ج

стр. 131

.. إِنَّ الأَدِيبَ إِذَا زَلَّتْ به قَدَمٌ يَهْوِي على فُرُشِ الدِّيباجِ والسُّرُرِ آخر: حَاولْ جَسيمَاتِ الأُمُور ولا تِنِي ... إِنَّ الْمَحَامِدَ وَالعُلا أَرْزَاقُ وَارْْغَبْ بنفسِكَ أَنْ تَكُونَ مُقْصِرًا ... عَنْ غَايةٍ فِيهَا الطُّلابُ سِبَاقُ لَوْ لمَ ْيَكُنْ مِنْ فَضْلِ العِلْمِ إلاَّ أَنَّ الجُهَّالَ يَهَابُونَكَ وَيُجلُّونَكَ وَأَنَّ العُلماءَ العَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ البَعِيدُونَ عن الرِيَاءِ وَحُبِّ الظُّهُورِ يُحِبُونَكَ وَيُكْرِمُونَكَ لَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا دَعِيًا إِلى وُجُوبِ طَلَبِهِ، فَكَيْفَ بِسَائِرِ فَضَائِلِهِ في الدُّنيا والآخِرَة. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَقصِ الجهلِ إلا صَاحِبَه يَحُسِدُ العُلماءَ وَيُحْتَقَرُ عندَ الناسِ حَتى عندَ أهلِهِ وأَقْرِبَائِهِ وجِيرَانِهِ فَكَيْف بسائِر رَذَائِلِه وَمَسَاوِيهِ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ. ولو لم يكن مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ إِلا أَنَّهُ يُقْطَعُ المشتَغِلَ بِهِ عن الوَسَاوِسِ المُضنِيَةِ وَالأَفْكارِ الرَّدِيئَةِ ومَطَارِح الآمالِ التي لا تُفيد غَيْرَ الهمِ والغَمِ لكانَ ذلك أَعْظَمُ دَاعٍ فَكْيفَ وَلَهُ مِنْ الْفَضَائِلَ وَالْمَحَاسِن ما يَطُول ذِكْرُهُ. أَلا رُبَّ مَنْ قَدْ أنْحَلَ الزُّهدُ جِسْمِهُ ... كَثِيرَ صَلاةٍ دَائمُ الصومِ عابِدُ يَرُوم وِصَالاً وَهو بالطُرْقِ جَاهِلٌ ... إِذَا جُهِلَ الْمَقْصُودُ قََدْ خَابَ قاصِدُ قليلٌ مِن الأَعمالِ بالعِلمِ نَافِعٌ ... كثيرُ مِن الأَعمَالِ بالجَهْلِ فاسِدُ اللَّهُمَّ اعفُ عنْ تَقْصِيرنَا في طَاعَتِكَ وَشُكْرِكَ، وأَدِمْ لَنَا لُزومَ الطَّريقِ إلى ما يُقْرِّبُنَا إِليكْ وَهَبْ لَنَا نَورًا نَهْتِدِيَ بِهِ إِليكَ، وَيَسِّرْ لَنَا مَا يَسَّرْتَهُ لأهْلِ مَحَبَّتِكَ، وَأَيْقِظْنَا مِنْ غَفْلاتِنَا، وَأَلْهِمْنَا رُشْدَنَا، وَاسْتُرْنَا فِي دُنْيَانَا وَآخِرَتِنَا، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ المتقين، وَأَلْحِقْنَا بِعبَادِك الصالِحينْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيَّتينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 132

(فَصْلٌ) الوجهُ الخامسُ والعشرونَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَالْفَرَحِ، بِمَا آتَاهُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعونَه الناسُ فقَالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وَفَسَّرَ اللهُ الْفَضْلَ بالإيمانِ وَرَحْمَتَهُ بالقرآنِ والإيمانُ والقرآنُ هَما الْعِلمُ النافعُ والعملُ الصالحُ والهُدَى وَدينُ الْحَقِّ وَهُمَا أفضلُ عِلْمٍ وأفضلُ عَمَلٍ. الوجهُ السادسُ والعشرون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ شَهِدَ لِمَنْ آتَاهُ الْعِلْمَ بأنهُ قد آتاهُ خَيْرًا كثيرًا فقَالَ تعالى: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ قَالَ ابن قُتَيْبَةَ، وَالْجُمْهورُ: الْحكمةُ: إصابةُ الحقِّ والعملُ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ النَّافُع والعَمَلُ الصالحُ. الوجهُ السابعُ والعشرونَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ عَدَّدَ نِعَمِهُ وَفَضْلَهُ على رسولِهِ ﷺ وجعلَ مِنْ أَجَلِّهَا أَنْ آتَاهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمْ فَقَالَ تَعَالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ . الوجهُ الثامِنُ والعشرونَ: أنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكر عِبادَهُ الْمُؤْمِنينَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَأَمَرَهُمْ بِشُكْرِهَا وَأَنْ يَذْكُرُوهُ عَلَى إِسْدَائِها إلَيْهِمْ فقَالَ تَعَالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ . الوجهُ التاسعُ والعشرون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ لِمَا أَنْ عَرَّفَهُمْ فَضْلَ آدمَ بالْعِلْمِ وَعَجْزَهُم عَنْ مَعْرِفَةِ مَا عَلَّمَهُ قَالَ لَهُمْ: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فَعَرَّفَهُمْ

стр. 133

سبحانه نَفْسَهُ بالعِلمِ، وأنه أحاطَ عِلمُهُ بِظاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهمْ وَبِغيبِ السَّماواتِ وَالأرضِ، فَتَعَرَّفَ إَلَيْهِمْ بِصِفَةِ الْعِلْمِ، وَعَرَّفَهُمْ فَضْلَ نَبَيِّهِ وَكَليمِهِ بالعِلْمِ وَعَجْزَهُمْ عَمَّا آتَاهُ آدمَ مِنْ العِلْمِ وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا لِلْعِلْمِ. وَبَيَانُ فَضْلِ العِلْمِ مِنْ هذه القصةِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ في آدَمَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا كَانَ بِهِ أَفْضَل مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقاتِ، وأرادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُظْهِرَ لِمَلائِكَتِهِ فَضْلَهُ وَشَرَفَهُ فَظَهَرَ لَهُمْ أَحْسَنَ مَا فِيهِ وَهُوَ عِلْمُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَشْرَفُ مَا فِي الإِنْسَانِ وَأَنَّ فَضْلَهُ وَشَرَفَهُ إِنَّمَا هُو بَالْعِلْمِ وَنَظِيرُ هذا ما فَعَلََهُ بِنَبِيِّهِ يُوسُفَ ﵇ لَمَّا أَرَادَ إِظْهَارَ فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ كُلِّهِمْ أَظْهرَ للمَلِكِ وأَهلِ مِصرَ مِنْ عِلْمِهِ بتأْويلِ رؤياهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ علماءُ التعبيرِ فَحينئذٍ قَدَّمَهُ وَمَكَّنَهُ وَسَلَّم إليهِ خزائنَ الأرْضِ، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ قَدْ حَبَسَهُ عَلى ما رآهُ مِنْ حُسْنِ وجهِهِ وَجَمَالِ صُورتِهِ، ولَما ظَهَرَ لَهُ حُسْنُ صُورةِ علمِهِ وَجَمالُ مَعْرِفَتِهِ أَطْلَقهُ مِنْ الْحَبْسِ وَمَكَّنَهُ في الأرْضِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صُورَةَ الْعِلْمِ عِنْدَ بَنِي آدَمَ أَبْهَى وَأَحْسَنُ مِنْ الصورةِ الْحِسِّيَّةِ ولو كانتْ أجْملَ صُورةٍ. وَهَذا وجهٌ مستقلٌّ في تَفْضِيلِ الْعِلْمِ مضافٌ إِلى مَا تَقَدَّمَ فَتَمَّ بِهِ ثَلاثين وَجْهًا. الوجهُ الحادِي والثلاثون: أنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَمَّ أَهْلَ الْجَهْلِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرةٍ مِنْ كِتَابِهِ. الوجهُ الثانِي والثلاثون: أنَّ الْعِلْمَ حَياةٌ وَنُورٌ، وَالْخَيْرُ كله سَبَبُهُ النَّورُ والْحَياةُ، فَإنَّ النورَ يكشِفَ عَنْ حقائِقِ الأشْيَاءِ وَيُبَيِّنُ مَرَاتِبَها، وَالْحَياةُ هي الْمُصَحِّحَةُ لِصفاتِ الْكمالِ الْمُوجِبَةُ لِتَسْدِيدِ الأَقْوَالِ وَالأعْمَالِ فَكُلَّمَا تَصَرَّفَ مِنَ الْحياةِ فَهُوَ خَيْرٌ كلُهُ كالْحَياءِ الذي سببُهُ كمالُ حياةِ القلبِ وَتَصَوُّرُهُ حَقيقةَ القُبْحِ وَنُفرتُهُ مِنْهُ وَضِدُّهُ الوَقاحةُ والفُحْشُ وَسَبَبُهُ موتُ

стр. 134

القلبِ وعدمُ نُفْرتِهِ مِنَ القبيحِ وكالْحَيَا الذي هو المطرُ الذي بهِ حياةُ كلِّ شيءٍ قَالَ تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ كَانَ مَيْتًا بَالْجَهْلِ قَلْبُهُ فَأحياهُ بالعِلْمِ وَجَعَلَ لَهُ مِنَ الإِيمَانِ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناسِ. الوجهُ الثالثُ والثلاثون: أنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ صَيْدَ الكلبِ الْجَاهِلِ مَيْتَةً يَحرُمُ أكلُها وأباحَ صَيْدَ الكلبِ الْمُعَلَّمْ وهذا أيضًا مِنْ شَرَفِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لا يُباحُ إلا صَيْدُ الكلبِ الْعَالِم، وَأَمَّا الْكَلْبُ الْجَاهلُ فَلا يَحِلُّ أَكلُ صَيْدِهِ فدلَّ عَلى شَرَفِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ. شعرًا: إِذَا مَا أُنَاسٌ فَاخرُونَا بِمَالِهمْ ... فَإنِّي بِمِيراثِ النَّبِيين فَاخِرٌ أَلَمْ تَرَ الْعِلْمِ يُذْكَرُ أَهْلُه ... بِكُلِّ جَمِيلٍ فِيهِ وَالْعَظمُ نَاخرْ سَقَى اللهُ أَجْدَاثًا أَجَنَّتْ مَعاشِرًا ... لهمُ أَبْحُرٌ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ زَوَاخِرُ آخر: الْعِلْمُ بالتَّوْحِيدِ أَفْضَلُ مُكْتَسَبْ ... ثُمَّ الْحَدِيث يَتْلُوهُ فَنِعْمَ الأَدَبْ فاشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلَيْهِمَا ... فَلِحَبْلَيْهِمَا أَقْوى سَبَبْ هَذَا هُو الْكِنْزُ الذي ... يَبْقَى إِذَا فَنِي الذَّهَبْ وقَالَ ﵀: الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمحبته وإيثار مرضاته، المستلزمة لمعرفته، ونصب للعباد علمًا لا كمال لهم إلا به. وهو: أن تكون حركاتهم كلها موافقة على وفق مرضاته ومحبته، ولذلك أرسل رسله وأنزل كتبه، وشرع شرائعه. فكمال العبد الذي لا كمال له إلا به: أن تكون حركاته موافقة لما يحبه الله منه ويرضاه له. ولهذا جعل إتباع رسوله ﷺ دليلاً على محبته. قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .

стр. 135

فالمحب الصادق يرى خيانة منه لمحبوبه أن يتحرك بتحركة اختيارية في غير مرضاته، وإذا فعل فعلاً مما أبيح له بموجب طبيعته وشهوته تاب منه كما يتوب من الذنوب، ولا يزال هذا الأمر يقوى عنده حتى تنقلب بها مباحاته كلها طاعات. فيحتسب نومه وفطره وراحته كما يحتسب قومته وصومه واجتهاده، وهو دائمًا بين سراء يشكر الله عليها، وضراء يصبر عليها، فهو سائر إلى الله تعالى دائمًا في نومه ويقظته. قَالَ بعض العلماء: الأكياس عاداتهم عبادات الحمقى، والحمقى عباداتهم عادات. شعرًا: لا يحَقْرِ الرَّجُلُ الْعَظِيمُ دَقِيقَةً ... فِي السَّهْوَ فِيهَا لِوضِيعِ مَعَاذِرُ فَكَبَائِر الرجُل الصَّغِيرِ صَغَائِرٌ ... وَصَغَائِرُ الرجُل الْكَبِير كَبَائِرُ آخر: دَعْ التَّعْلِيلَ والتَّسْويفَ وَاقْبِلْ ... عَلى مَوْلاكَ تَغنَمْ نَيْلَ حَظِّ أدِمْ بالْحَزْمَ إقْبَالاً عَليْهِ ... عَسَى تَحْظَى بَتَوْفِيقٍ وَحِفْظِ وَنَقِّ الْقَلْبَ مِنْ شُبُهَاتِ زَيْغٍ ... تَرَاهُ مَعْنَويًّا ثُمَّ لَفْظِي وَرِدْ حَوْضَ الشَّرِيعَةِ مَعْ صَفَاءٍ ... وَجَانِبْ كُلَّ ذِي حَسَدٍ وَغَيْظِ وَرَقِّ النَّفْسَ بَالْعِرْفَانِ تَزْكُو ... وَتَظْفَرْ بَالْمُنَى مِنْ كُلِّ وَعْظِ وقَالَ بعض السلف: حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون به سهر الحمقى وصومهم، فالمحب الصادق إن نطق نطق لله وبالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضات الله فهو لله وبالله ومع الله. ومعلوم أن صاحب هذا المقام، أحوج خلق الله إلى العلم، فإنه لا تتميز له الحركة المحبوبة لله من غيرها ولا السكون المحبوب لله من غيره إلا بالعلم. فليست حاجته إلى العلم كحاجة من طلب العلم لذاته.

стр. 136

ولأنه في نفسه صفة كمال، بل حاجته إليه كحاجته إلى ما به قوام نفسه وذاته. ولهذا اشتدت وصاة شيوخ العارفين لمريديهم بالعلم وطلبه، وإنه من لم يطلب العلم لم يفلح، حتى كانوا يعدون من لا علم له من السفلة. قَالَ ذو النون وقد سئل من السفلة؟ فقَالَ: من لم يعرف الطريق إلى الله ولا يتعرفه. وقَالَ أبو زيد: لو نظرتم إلى الرجل وقد أعطي من الكرامات حتى يتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود ومعرفة الشريعة. وقَالَ أبو حمزة البزازي: مَن عَلِمَ طريقَ الحقِّ سُهِّلَ عليه سُلُوكُه، ولا دليل على الطريقةِ إلا متابعةُ الرسولِ في أَقواله وأفَعاله وأَحواله. وقَالَ محمد بن الفضل الصوفي الزاهد: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس. صِنْفٌ لا يَعْمَلُونَ بما يَعْلَمُون. وَصِنْفٌ يَعْمَلُونَ بما لا يَعْلَمُون. وَصِنْفٌ لا يَعْمَلونَ ولا يَعْلمَون. وَصِنْفٌ يَمْنَعُونَ الناسَ مِن التَّعَلم. قلت: الصنف الأول: من له علم بلا عمل، فهو أضر شيء على العامة، فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومخسة. والصنف الثاني: العابد الجاهل، فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله. وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.

стр. 137

فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم، فإذا كان العلماء فجرة، والعباد جهلة، عمت المصيبة بهما، وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة. والصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل، وإنما هم كالأنعام السائمة. والصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض، وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين، فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجن، فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه. فهؤلاء الأربعة الأصناف، هم الذين ذكرهم هذا العارف رحمة الله عليه وهؤلاء كلهم على شفا جرف هار، وعلى سبيل الهلكة. وما يَلْقَى العَالِمُ الداعِي إلى الله ورسوله ما يَلقَاهُ من الأذَى والمحاربةِ إلاَّ عَلى أَيْدِيهم. والله يَسْتَعْمِل مَن يشاء في سَخَطِهِ، كما يَسْتَعْمِلُ مَن يَشاء في مَرْضَاتِهِ إنه بعباده خبير بصير. ولا ينكشفُ سِرُّ هذه الطوائف وطريقتهم إلا بالعلم، فعاد الخير بحذافيره في العلم وموجبه، والشر بحذفيره إلى الجهل وموجبه. شِعْرًا: مَعَ الْعِلْمِ فَاسْلُكْ حَيْثَمَا سَلَكَ الْعِلْمُ ... وَعَنْهُ فَكَاشِفْ كُلَّ مَنْ عِنْدَهُ فَهْمُ فَفِيهِ جَلاءٌ لِلْقُلُوبِ مِنْ العَمَى ... وَعَوْنٌ عَلى الذِين الذي أمْرُهُ حَتْمُ آخر: ... لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعِلْمِ إِلا أَنَّهُ ... يَذَرَ الضَّئِيلَ مِن الرِّجَالِ مَهِيبَا آخر: ذَوُوا العِلْم في الدُّنْيَا نُجُومُ هِدَايَةٍ ... إِذَا غَابَ نَجْمٌ لاحَ بَعْدُ جَدِيدُ بِهِمْ عَزَّ دِينُ الله طُرًّا وَهُمْ لَهُ ... مَعَاقِلُ مِن أَعْدَائِه وجُنُودُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ أَهْلُ الحديثِ بِنَقْلِهِ ... فَمَنْ كَانَ يَرْوِي عِلْمَهُ وَيُفِيدُ هُمُوا وَرِثُوا عِلْمَ النَّبوةِ وَاحْتووْا ... مِنْ الْفَضل ما عنه الأَنامُ رُقُودُ وَهُمْ كَمَصَابِيح الدُّجَى يُهْتَدَى بِهِمْ ... وَمَا لَهُمُوا بَعْدَ الْمَمَاتِ خُمُودُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا أَمْرَ الرِّزْقِ وَاعْصِمْنَا مِِنْ الْحِرْصِ وَالتَّعَبِ في طلبهِ وَمِنْ شَغْل

стр. 138

القَلْبِ وَتَعلُّقِ الْهَمِّ بِهِ، وَمِنْ الذُّلِّ لِلخَلْقِ بِسَبَبَهِ وَمِنْ التَّفْكِيرِ وَالتَّدْبِيرِ فِي تَحْصِيلهِ، وَمِنْ الشُّحِّ وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمَيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : قَالَ ابن رجب: فالعلماء بما أنزل الله على رسوله هم الأدلاء والذين يُهتَدى بهم في ظلمات الجهل والشبهِ والضلالِ فإذا فُقدُوا ضَلَّ السالكُ. وقد شُبِّهَ العلماءُ بالنجوم، والنجومُ فيها ثلاثٌ فوائد: يُهْتَدى بها في الظلمات، وهي زِينة للسماء، ورجومٌ للشياطين الذين يسترقون السمع منها. والعلماءُ في الأرض يجتمع فيهم هِذِهِ الأَوْصافُ الثلاثةُ: بهم يُهْتَدى في الظلمات، وهُم زينةُ للأرض، وهم رجومٌ للشياطين الذين يخلطون الحق بالباطل ويُدْخِلونَ في الدين ما ليس منه مِن أهل الأهواء. وما دام العلم باقيًا في الأرض فالناسُ في هُدَى. وبقاءُ العلمِ بقاءُ حَمَلَتِهِ فإذا ذَهَبَ حَمَلتهُ ومَن يقوم به وقع الناسُ في الضلال كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صدور الرجال وَلَكِنْ يذهب الْعُلَمَاءِ فإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» . شِعْرًا: مَا أَكْثَرَ الْعِلْمِ وما أَوْسَعَهْ ... مَنْ ذَا الذي يَقْدِرُ مِنْ الْخَلْقِ أَنْ يَجْمَعَهْ إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ لَهُ طَالِبَا ... فَجِدَّ فِيهِ وَالتَمِسْ أَنْفَعَهْ وخرج الترمذي مِنْ حَدِيث جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: «هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» .

стр. 139

فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: يَا رَسُولَ اللهُ كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا الْعِلْم وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟ فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا. فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِى عَنْهُمْ» ؟ . قَالَ جُبَيْرٌ بِنْ نُفَيْرَ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقُلْتُ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ. فقَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَوْ شِئْتَ لأخَبَرْتُكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ: الْخُشُوعُ، يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْجَامع فَلاَ تَرَى فِيهِ خَاشِعًا. وخرجه النسائي من حديث جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بنحوه. وفي حديثه (فذكر ﷺ ضلالةَ اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله) ، قَالَ جبيرُ بنُ نفيرُ: فلقيت شدادَ بن أوس فحدثتهُ بحديث عوفِ بن مالك فقَالَ: صَدَقَ، ألا أخبرك بأول ذلكَ؟ يُرْفَعُ الخشوعُ حتى لا تَرى خَاشِعًا. وخرج الإمام أحمد من حديث زياد بنْ عن النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا فَقَالَ: «ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ» . فذكر الحديث وقَالَ فيه: «أَوَلَيْسَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا» ؟ ولم يذكر ما بعدها. ففي هذه الأحاديث أنِ ذَهَابَ الْعِلْمِ بذَهَابِ العمل وأن الصحابة فسروا ذلك بذَهَابِ الْعِلْمِ الباطن من القلوب وهو الخشوع. كذا روي عن حذيفة: أن أول ما يرفع من العلم الخشوع.

стр. 140

فإن العِلْمَ كَمَا قَالَ الحسنُ عِلْمَان: عِلْمُ اللسانِ فذاك حَجُةُ اللهِ على ابن آدم، وعلْمُ في القلبِ فذَاك العِلْمُ النافِعُ. وروي عن الحسن مرسلاً عن النبي ﷺ . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: «إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ وَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ» . فالعلمُ النافعُ هو ما بَاشرَ القلبَ فأوْقَرَ فيه معرفَة اللهِ وعظمته وخَشْيتهِ وإجلالَه وتَعْظِيمهُ ومحبته، ومتى سَكَنَتْ هذِه الأشياءُ في القلبَ خَشَعَ فَخَشَعَتَ الجوارُح تَبَعًا لَهُ. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ» . وهذَا يَدُلُ على أن العلْمَ الذي لا يوِجِبُ الخشوعَ لِلْقَلْبِ فهو عِلْمٌ غَيْرُ نَافعٍ. وروي عنه ﷺ أنه كان يَسْأَلُ الله علمًا نافعًا. وفي حديث آخر: «سَلُوا الله علمًا نافعًا وتَعوذُوا باللهِ مِنْ علمٍ لا ينفع» . وأما العلمُ الذي على اللسان فهو حُجَّةُ اللهِ على ابنِ آدم كما قَالَ ﷺ : «والقرآنُ حُجُّةٌ الله لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» . فإذا ذهبَ مِن الناسِ العلمُ الباطنُ بَقِيَ الظَّاهرُ على الألسنةِ حُجَّةً. ثم يَذْهبُ الْعِلْمُ الذي هو حجةٌ بذَهَابِ حَملته ولا يَبْقَى مِن الدِّين إلا اسْمُهُ ولا مِن القرآن إلا رَسْمُهُ، فَيَبْقَى الْقرآنُ في المصاحفِ ثم يُسْرى به في آخر الزمان فلا يَبْقَى مِنْه في المصاحفِ ولا في القلوب شيء. ومن هنا قَسَّم مَنْ قَسَّمَ مِن العلماء إلى باطنٍ وظاهر: فالباطن: ما باشَرَ القلوبَ فأثْمرَ لها الخشيةَ والخشوعَ والتعظيمَ والإِجلالَ والمحبةَ والأنْسَ والشوقَ. والظاهرُ: ما كان على اللسانِ فَبِهِ تَقُومُ حُجَّةُ الله على ابن آدم.

стр. 141

وَكَتَبَ وَهْبُ بنُ مُنَبه إلى مكحول: إنكَ امرؤٌ قَدْ أصبْتَ بِما َظَهر مِن عِلْمِ الإِسْلام شَرفًا فَاطْلُبْ بِمَا بَطَنَ مِنْ عَلْمِ الإِسْلام مَحَبَّةً وَزُلْفىَ. وفي رواية أنه كَتَبَ إليه: أنكَ قد بَلَغْتَ بظاهرِ عِلْمِكَ عِنْدَ النَّاس مَنْزلةً وَشَرفًا فَاطُلب بباطِنِ عِلمكَ عندَ الله منزلةً وزُلْفَى. وَاعلم أَنَّ إِحْدَى الْمَنْزِلَتَيْنِ تَمنعُ مِن الأخُرْى. فأشارَ وَهْبَ بِعلمِ الظاهرِ إلى علمِ الفَتَاوي والأَحْكَامِ، والحلالِ والحرام، والقصصِ والوعظِ وهو مَا يظهُر على اللسان، وهذا العلمُ يوجَبُ لِصَاحِبهِ مَحبة الناسِ لَهُ وَتَقَدُّمُه عندهم فَحَذَّرَهُ من الوقوفِ عندَ ذلكَ والركون إليهِ والالتفاتِ إلى تعظيمِ الناس ومحبتهم فإن مَن وَقَفَ مَعَ ذلك فقد انقطعَ عن الله وانْحَجَبَ بنظرهِ إلى الخلقِ عن الحق. وأَشَاَر بعلمِ الباطنِ إلى العِلم الذي يُبَاشرُ الْقُلوبَ فيحدِثُ لها الخشيةَ والإجْلالَ والتعظيمَ، وأَمَرهُ أَن يَطْلُبِ بهذا المَحبةَ مِن الله والقربَ مِنهُ والزُلْفَى لَدَيه. وكان كثيرٌ مِن السلفِ كَسُفْيَانِ الثوري وغيره يُقَسِّمُونَ العلماءَ ثلاثةَ أقسام: عالمٌ بالله وعالمٌ بأمرِ الله ويُشِيرُون بذلكَ إلى مَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَين الْعَلْمَيْنِ الْمُشَارُ إليهما: الظاهر والباطنِ. وهؤلاءُ أشرفُ العُلماء وهم المَمدُوحُونَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ، وقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ إلى قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ . وقَالَ كثير من السلف: ليس العلم كثرةُ الرواية ولكن العلمُ الخشيةُ. وقَالَ بعضهُم: كَفَى بِخَشَيةِ الله عِلْمًا وكفَى بالاغترار بالله جَهْلاً. ويَقُولُون أيضًا: عالمٌ بالله ليس عالم بأمر الله وهُم أصْحَابُ العِلم الباطن الذين

стр. 142

يَخْشَونَ الله ولَيْسَ لَهم اتِّساعٌ في العلم الظاهر. ويَقُولَونَ: عالمٌ بَأمرِ الله ليسَ بِعَالِمٍ بالله، وهم أصحابُ العلم الظاهر الذينَ لا نَفَاذَ لهَمُ في العلمِ الباطنِ وليس لهم خَشْيَةٌ وَلا خُشُوعٌ، وهؤلاءِ مَذْمُومُونَ عِند السلفَ. وكان بعضهُم يقول: هذا هو العلم الفَاجِرُ. وهؤلاء الذينَ وَقَفُوا مَعَ ظاهرِ العِلمِ ولم يصل العلمُ النافعُ إلى قلوبهم ولا شَمُوا لَهُ رَائِحَتَهُ غَلَبَتْ عَلَيْهم الغفلةُ والقَسوةُ والأعراضُ عن الآخرة والتنافُسُ في الدنيا ومحبةُ العُلوِ فيها والتقدم بينَ أَهلها. وقد مُنعوا إحْسَانَ الظن بِمَنْ وَصَلَ الْعِلمُ النَّافعُ إلى قلوبهم فلا يُحبونهم ولا يُجالِسونهم وربما ذَمُّوهُم وقَالَوا: ليسوا بعلماء، وهذا مِن خداع الشيطان وغرُورُه لِيَحْرِمَهم الوصولَ إلى العلم النافعِ الذي مدحه اللهُ ورسولهُ وسلفُ الأمة وأئمتها. ولهذا كانَ علماءُ الدنيا يُبغضُون علماءَ الآخرة وَيَسْعَونَ في أذاهم جُهْدَهُم كما سَعَوا في أذَى سَعيدِ بن المسيب، والحسنِ، وسفيان الثوري، ومالك، وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين. وذلك لأن علماءَ الآخرةِ خلفاءُ الرسل وعلماءَ السوءِ فيهم شبهٌ مِن اليهود وهم أعداءُ الرسلِ وقتلة الأنبياء ومَن يأمر بالقسطِ من الناس، وهم أشدُ الناس عَدَاوَةً وحسدًا للمؤمنين. وَلِشِدَّةِ مَحبتهم للدنيا لا يُعظمُون علمًا ولا دِينًا وإنما يُعَظِمُونَ المالَ والجاهَ والتقدمَ عند الملوكَ. إِذَا الْعِلْمُ لَمْ تَعَمَلْ به كان حُجَّةً ... عَلَيْكَ وَلَمْ تُعْذَرْ بِمَا أَنْتَ حَامِلُ فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْصَرْتَ هَذَا فَإِنَّمَا ... يُصَدِّقُ قَوْلَ الْمَرْءِ مَا هُوَ فَاعِلُ آخر: قالوا فلانٌ عالمٌ فاضلٌ ... فأكرمُوهُ مثلما يَرْتضي

стр. 143

فقلتَ لما لمْ يكنْ ذا تقىً ... تَعَارَضَ المانعُ والمقتضي اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ مَنَاهِج المتقِين وَخَصَّنَا بالتَّوفِيق المُبين واجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِين الذين لا خَوْفٌ عَلَيْهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. [فَوائدُ نَافِعةٌ حَوْلَ الإِفْتَاءِ والاِسْتِفْتَاءِ] اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن الفُتْيَا أمرها عظيم، ولقد كان السلف ﵏ يأبون الفُتْيَا، وَيُشَدِّدُونَ فيها ويَتَدَافَعُون عكس ما عليه علماء هذا العصر. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلي قَالَ: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ يُسْئَلُ أَحَدُهُم عن المسألة فَيَرُدَّهَا هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية ما منهم مَن يُحَدِّث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يُسْتَفْتَى عن شيء إلا ود أَنَّ أخاه كفاه الفُتيا. وأنكر الإمام أحمد وغيره على مَن يَهْجمُ على الجواب لِخَبَرِ: أجْرَؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار. وقَالَ الإمام أحمد: لا ينبغي أن يجيب في كل ما يُسْتَفْتَى فيه، وقَالَ: لا ينبغي للرجل أن يعرض نفسه لِلْفُتْيَا حتى يكون في خمس خصال: أحدها: أنْ تكون له نية، وهي أن يخلص لله تعالى، ولا يقصد رياسة ولا نحوها، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور. الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية. الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه وعلى معرفته، وإلا فقد عَرَّضَ نَفْسَه لَخَطَرٍ عظيم.

стр. 144

الرابعة: الكفاية، وإلا أبْغَضَهُ الناس، لأنه احتاج إلى الناس وإلى الأخذ مما في أيديهم، فيتضررون منه. الخامسة: معرفة الناس بأن يكون بصيرًا بمكرهم وخداعهم، ليكون حذرًا منهم لئلا يوقعوه في المكروه. وإليك ما ورد في ذلك، نقل الميموني عن الإمام أحمد ﵁ أنه سئل عن حديث، فقَالَ سلوا أصحاب الغريب فإني أخاف أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطي. وقَالَ أبو داود الطيالسي: سَمعْتُ شُعْبةَ قَالَ: سألتُ الأصمعي عن حديث النبي ﷺ : «إنه لَيُغَانُ على قلبي» ، ما مَعْنَى يُغَان؟ قَالَ: فقَالَ لي هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ فَقُلْتُ: نعم. فقَالَ: لو كان عن غير النبي ﷺ لَفَسَّرْتُ ذلك ولكن عن النبي ﷺ لا أَجْتَرِئُ عليه. وعن الأصمعي عن مُعْتَمِرُ بنُ سُليمان عن أبيه قَالَ: كانوا يتقون حديث النبي ﷺ كما يتقون تفسير القرآن. وكان الإمام أحمد يجيء إلى أبي عبيد يسأله في الغريب روى ذلك الخلال. وقَالَ ابن عباس: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله وقَالَ كان رسول الله ﷺ إمام المسلمين وسيد العالمين يسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء. وقَالَ الشعبي: لا أدري نصف العلم. وقَالَ أحمد في رواية المروذي: كان مالك يسْئَلَ عن الشيء فَيُقَدِّم ويؤخِّر يَتَثَبَّت وهؤلاء يقيسون على قوله ويقولون: قَالَ مالك. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قَالَ: من عِلْمِ الرجل أن

стр. 145

يقول لما لا يَعْلَم: الله أعْلم، لأن الله قَالَ لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ . وصح عن ابن عمر ﵄ قَالَ: العلم ثلاثة: كتابٌ ناطِقٌ، وسنة ماضية، ولا أدري. وقَالَ أحمد في رواية المروذي: ليس كل شيء ينبغي أن يُتَكلم فيه وذكر أحاديث النبي ﷺ كان يُسْأل فيقول: «لا أدري حتى أسأل جبريل» . وقَالَ عبد الله: سَمِعْتُ أبي يقول: كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق ويقول مَنْ يُحْسِنُ ذا من يُحْسِنُ ذا. وقَالَ في رواية الحارث: وَدِدْتُ أنه لا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ عن مسألة أو ما شيء أشد علي من أن أسأل عن هذه المسائل البلاء يُخْرِجُه الرجلُ عن عُنُقِه ويُقَلِّدك. وخاصَّة مَسائل الطلاق والفُروج، ونقل الأثرم عنه أنه سأله عن شيء فقلت: كيف هو عندك؟ فقَالَ: وما عندي أنا. وسَمِعْتُه يقول: إنما هو يعني العِلْمِ ما جاء من فوق. وقَالَ سفيان: من فتنة الرجل إذا كان فقيهًا أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت. وقَالَ المروذي: قُلْتُ لأبي عبد الله: إن الْعَالِمَ يظنون عنده عِلْمُ كل شيء، فقَالَ: قَالَ ابن مسعود ﵁: إن الذي يُفْتِي الناسَ في كل ما يَسْتَفْتُونَه لمَجْوُن. وأنكر عبد الله على من يَتَهَجَّم في المسائل والجَوابات. قَالَ: وَسَمِعْتُ أبا عبد الله يقول: لِيَتَّقِ الله عَبْدٌ ولينظر ما يقول وما يتكلم فإنه مسئول. وقَالَ: من أفتى الناس ليس يَنَبغِي له أن يُحِيلَ الناسَ على مذهبه ويُشَدِّد عليهم.
следующие страницы →