Полный текст (3 875 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فَلَيْسَ بَعْدَ حُلُولِ الموتِ مَعْتَبَةٌ ... إِلا الرَّجاَءُ وعَفْو الله ذِي الكَرَمِ
آخر:
احْفَظْ مَشِيبَكَ مِنْ عَيْبٍ يُدَنِّسُهُ ... إِنَّ البَيَاضَ سَرِيعُ الحَمْلِ لِلدَّنَسِ
واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ) فِي وَصَايَا وَفَوَائِدَ وَمَوَاعِظَ وَآدَابْ
أَوْصَى بَعضُهم، فقال: إذا عَصَيْتَ الله بِمَوضعٍ بأن حَصل مِنكَ ذَنْبٌ فاعْمَلْ في ذَلِكَ الموضعِ طَاعةً كاسْتِغْفَارٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فكما يَشْهَدُ عَليكَ يَشهَدُ لَكَ.
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . وَكُلَّمَا تَذَكَّرْتَ ذَنْبًا صَدَرَ مِنْكَ فَتُبْ عَقِبَ ذِكْركَ إَيَّاهُ تَوبةً نَصُوحًا وأَكْثِرْ مِنَ الاستغفار.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
احْرِصْ عَلى أن تَنْوِيَ فِعْلَ الخير، وإذا حَدَّثَتْكَ نفسُكَ بِشَرٍ فاعْزِمْ على تَرْكِهِ لِلَّهِ.
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال الله : (إِذَا تَحَدَّثَ عَبدي بَأَنْ يَعمل حَسَنَةً فأنا أكتُبُها له حَسَنَةً ما لم يعمل، فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبُها بعَشْرِ أَمْثالِها) .
وإذا تَحَدَّثَ بأن يَعْمَلَ سَيِئَةً فأنا أغْفِرُهَا لَهُ ما لم يَعْمَلْها فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبَها له بِمِثْلِهَا. ومما أوصَى به بعضُهم قال عَلَيكَ بِذِكْرِ اللهِ قَائمًا وقَاعدًا وعَلى جَنْبِكَ في السر والعلانية وفي الملا.
قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ
стр. 72
جُنُوبِهِمْ﴾ . وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ .
شِعْرًا:
عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله في كُلِّ سَاعَةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ
آخر: ... عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فإنَّهُ ... بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فالْزَمْهُ تَسْعَدِ
فلا تُبق في يَوْمِ السلامَةِ لحَظَةً ... تفوتُكَ لم تذكُر به الله وَحْدَهُ
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إِنْ ذَكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في مَلأ ذكْرته في مَلأ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وإن تَقَرَّبَ إِليّ ذراعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإن أَتانِي يَمْشِي أَتَيْتًه هَرْولَةِ» .
احْرِصْ على صِيَانَةِ الوَقْتِ وَثابْر على إتْيَانِ جَميعِ مَا يُقَرِّبُك إلى الله مِن الأعمال وبالأخص الإكثار مِن كلمة الإخلاص وهي: لا إلهَ إلا الله.
واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق.
وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمةً أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفَهَّمَهُ مَعْنَاهَا وَوَفَّقَهُ لِلْعَملِ بِمُقْتَضَاهَا وعليكَ بالقِيامِ بما افْتَرضَ اللهُ عَلَيْكَ ومُلاَزَمَتِهِ على الوَجهِ الأكمَلِ الذي أمركَ اللهُ جَلَ وَعَلاَ أن تقومَ فيه.
قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلتُ: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غَيْركَ قال: «قل آمنتُ بالله ثم اسْتَقِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: «اسْتَقِيمُوا ولن تُحْصُوا وأعلموا
стр. 73
أَنَّ خَيرَ أَعْمَالِكم الصلاة ولا يُحَافِظ على الوضوءِ إلا مُؤمن» . وفي روايةٍ للإِمام أحمد: «سَدِدُوا وقاربُوا ولا يُحَافِظُ على الصلاة إلا مُؤمنِ» . وعليكَ بمراعاةِ أَقْوَالِكَ كَما تُرَاعِي أَعْمَالَك فإنَّ أَقوالَكَ مِن جملةِ أَعْمَالِكَ قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ واحْذّرْ الإقامةَ بينَ أَظْهُرِ الكفار فإن في ذلك تشجيعًا للكفار وإهانةً لِدين الإسلام وإعلاءً لِكَلِمَةِ الكفر. نسأل اللهُ العافية، فَعَلى المسلم أنْ يَحْفَظَ أولادَهُ عن الذهاب إلى بلاد الكفار ويَنْصَحَ مَنْ يَقْبَلَ منه مِن قَرَابَتِهِ وأصْدِقائِهِ وجميع المسلمين.
قال النبي ﷺ : «أنا بَريءٌ مِن كل مسلم يُقِيمُ بين أظهُر المشركين لا تَرَآءى نَارَاهُما» . رواه أبو داود، والترمذي. وقال ﷺ : «مَن جَامَعَ المشركَ وَسَكَنَ مَعَهُ فإنه مثلُه» . رواه أبو داود.
وعليك بتلاوة القرآن بِتَفَهُّمٍ وتَدَبُرَّ وتَفكُرٍ ونَظَرٍ فيما تَتْلُوهُ إلى ما حُمِدَ فيه مِنَ النُعُوتِ والصِفاتِ التي وَصَفَ اللهُ جَلَّ وَعَلا بها مَن أَحَبَّهُ مِن عِبَادِهِ فاتَّصِفْ بها.
وما ذَمَّهُ اللهُ في القرآن مِن الصفاتِ فاجْتَنِبْهَا فإنَّ الله جَلَ وَعَلاَ ما أنْزَلَهَا في كتابِهِ وذَكَرَهَا لك وَعَرَّفَكَ بِهَا إلا لِتَعْمَلَ بِهَا.
فإذا قَرَأْتَ القُرآنَ فاجْمَعْ قَلْبَكَ وحَضِّرْه وفَكِّرْ فِيمَا تَتْلُو وما أشكلَ عَلَيْكَ فَطَالِعْ مَعْنَاهُ في التَّفْسِيرْ إِنْ كُنْتَ تُحْسِنُ ذَلِكَ وإلا فاسْأل أهْل الذِكْرِ.
قال الله جَل وَعَلاَ وتقَدس: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . ولا أفضلَ مِن تِلاوَةِ كلامِ اللهِ فأفْضَلُ الكلامِ كلامُ الملكِ العَلاَّم جل وعلا وتقدس.
وكُلُ ذِكْرٍ وَرَدَ فَضْلُهُ في خَبرَ أَوْ أَثَرٍ فهو بعدَ كلام الله فالتَّسْبِيحُ والتهليلُ والتكبيرُ والتحميدُ بَعْدَ التِلاوةِ وَبعدَهُنَّ الصلاةُ على رسَول ﷺ .
وعليك بمُجَالَسَةِ مَن تَنْتَفِعُ بمُجَالَستِهِ في دِينِكَ مِن عِلْمِ تَسْتَفيِدُهُ أو عَمَل
стр. 74
يَكونُ فيهِ أوْ خُلُق حَسَن يكون عليه تَكْسِبُهُ مِن صُحْبَتِِهِ.
وعَلَيْكَ بالبَذَاذَهة فإنها مِن الإِيمَانِ وهيَ تَرْكُ الزِّينَةِ وعَدَمُ التّرَفُّهِ ورثَاثَةُ الهَيْئَةِ والرِضَا بالدُونِ مِن الثِياب لِمَا وَرَدَ في الحديث: «إن البَذَاذَةَ مِن الإيمان» وفي الحديث الآخر: «إن الله يُحِبُّ المُتَبَذِّلَ الذِي لا يُبَالِي مَا لَبسَ» وفي الحديث الآخر: «ومَن تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وهو يَقْدِرُ عليهِ - أَحْسِبُهُ قال تواضعًا - كَسَاهُ الله حلة الكرامة» . رواه أبو داود.
شِعْرًا:
ومَن يَرْتَضِِي أَدْنَى اللِّباسِ تَواضُعًا ... سَيُكْسَى الثِّيَابَ العَبْقَرِيَّاتِ في غَدِ
آخر:
اطْلُبْ كَفافًا فما في الأرض مِنْ أَحَدٍ ... نَالَ الكَفَافَ عَلى تَقْوَى وإِرْشَادِِ
مِنْ مَلْبَسٍ وَشَرَابٍ بَعْدَ مَطْعَمِهِ ... في حَيْثُ خَيَّمَ في غَوْرِ وإنْجَادِ
إِلا حَوَى الفَوْزَ في الدنيا وَآجِلِهَا ... إذا أَعِينَ بِنَفْسٍ شِحُّّّهَا زَادِ
لاَ تَتْعَبَنَّ فإنَّ الرِّزْقَ عَنْ قَدَرٍ ... يَأْتِيكَ طَالِبُهُ مِنْ غير مِيعَادِ
واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
[فائدة عظيمة النفع]
اعْلَمْ أَنَّ مَن كان دَاؤُهُ المعصية فَشِفَاؤهُ الطاعة، وَمَن كان دَاؤهُ الغَفْلَةُ فشِفاؤه اليَقَظة، ومَن كان داؤهُ كَثْرةُ الأشغال فشفاؤه في تفريغ البال.
فمن تَفَرَّغَ مِن هُموم الدنيا قلبُه، قَلَّ تَعَبُه وتَوَفَّر مِنَ العِبَادة نصيبه، واتصل إلى الله مَسِيرهُ، وارتفع في الجنة مَصيره، وتمكن مِن الذِكر والفِكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس والشيطان، وغوائل النفس.
ومن كثر في الدنيا هَمُّه، أظلم طريقُهْ، ونصَبَ بَدَنُه، وضَاعَ وَقتُه، وتَشَتَّتَ شملُه، وطاشَ عَقْلُه، وانعقد لِسَانُه عن الذكر لِكثَرْة هُمومه
стр. 75
وغمُومه، وصار مُقَيَّدَ الجوارح عن الطاعة، مِن قلبِه في كل وادٍ شُعْبَة، ومِن عُمرِه لكل ِ شغل حِصَّة.
فاستعذ بالله من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضى مَولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة، وانظر لو أن طبيبًا نصرانيًا نهاك عن شرب الماءِ البارد لأجل مَرضِ في جَسَدِك لأطعتَه في ترك ما نهاك عنه، وأنتَ تعلم أن الطبيب قد يَصْدُق وقد يكذب وقد يُصْيبُ وقد يخُطئ وقد يَنصَحُ وقد يَغشُ، فما بالك لا تترك ما نهاك عنه أنصحُ الناصحين وأصدق القائلين وأوفى الواعدين لأَجْلِ مَرَضِ القلب الذي إذا لم تشفَ منه فأنتَ من أهْلَكِ الهالكين.
تَبْغِيْ الوُصُولَ بسَيْرَ فيه تَقْصِيْرُ ... لاَ شَكَّ أنَّكَ فِيْما رُمْت مغْرُوْرُ
قَدْ سَار قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُواْ ... هَذا وفي سَيْرهَمْ جِدٌ وَتَشْمِيْرُ
يا مُدَّعِي الحُبَّ في شَرْعِ الغَرامِ وَقَدْ ... أَقَامَ بَيَّنَةً لَكِنّهَا زُوْرُ
أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ ... هَذَا وَأَنْتَ بَعْيدُ الدَّارِ مَهْجُوْرُ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَيًا ذُبْتَ مِنْ كَمَدٍ ... مَا لِلْجرَاح بَجِسْمِ المَيْتِ تَأْثِيْرُ
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ نَفْسًا مُطْمئنةً تُؤمِنُ بِلقَائِكَ وَتَرضَى بقَضَائك، اللَّهُمَّ إنا نَسأَلُكَ باسْمِكَ الطاهِرِ الطَّيبِ المُبَارَكِ الأحَبِّ إليك الذي إذا دُعِيتَ به أَجَبْتَ، وإذا سُئِلْتَ به أعْطَيْتَ، وإذا اسْتُرْحِمْتَ به رَحِمْتَ، وإذا استفرجْتَ به فَرَّجَتْ أَنْ تَغْفِرَ سَيئاتنا وتُبدلها لنا بِحَسَنات يَا أَرْحَم الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(١) موعظة
كَتَبَ عَليُّ بنُ أبي طالبِ ﵁ إلى وَلَدِهِ الحُسَيْن مِنْ عبدِ اللهِ
стр. 76
عَليٍّ أمِير المؤمنينَ الوَالِدِ الْفَانِي الذَّامِّ للدُّنْيَا السَّاكِن مَسَاكِنَ الْمَوْتَى، إِلى الْوَلَدِ الْمُؤمِّلِ مَا لا يُدْرَكُ السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ، عُرْضَةُ الأَسْقَامِ وَرَهِينَةُ الأيامِ وأَسِير الْمَنَايَا وَقَرِينُ الرَّزَايَا وَصَرِيعُ الشَّهَوَاتِ وَنُصُب الآفاتِ وَخَلِيفَةُ الأَمْوَاتِ.
يا بُنيَّ إِنْ بَقيْتُ أو فَنِيْتُ فإني أُوصِيكَ بِتَقْوى اللهِ وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ والاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ فإنَّ الله يَقُولُ: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية وأيُّ سَبَبٍ يا بُنَيَّ أَوْثَقُ مِنَ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَبيْنَ اللهِ .
أَحْيي قلبَكَ بالمَوْعِظَةِ وَنَوِّرْهُ بالحِكْمَةِ وَقَوِّهِ بالزُهْدِ وَذَلِّلْهُ بالَمْوتِ وَقرّرْهُ بالفَنَاءِ وَحَذِّرْهُ صَوْلةَ الدَهْر وَتَقَلُّبَ اللَيَالي.
واعْرضْ عليهِ أَخْبَارَ الماضِينَ وَسِرْ في دِيارهِمْ وآثارِهْمْ فانظُرْ مَا فَعَلُوا وأيْنَ حَلُّوا فَإَنَكَ تَجِدُهُم قَدِ انْتَقَلُوا مِنْ دَارِ الغُرورِ وَنَزَلُوا دارَ الغُرْبَةِ.
شِعْرًا:
سَلِ الأَيَّامَ مَا فَعَلَتْ بِكِسْرى ... وقَيْصَرَ والقُصُورَ وَسَاكِنيْهَا
أما اسْتَدَعَتْهُم لِلْمُوتِ طُرًا ... فَلَمْ تَدَعِ الحَلِيمَ ولا السَّفيهَا
دَنَتْ نحَو الدَّني بسَهْمِ خطْبٍ ... فأصْمَتْهُ ولَمْ تدَعِ الوَجِيهَا
أَما لَوْ بِيعَتِ الدُّنْيَا بِفِلْسٍ ... أنِفْتُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَشْتَرِيهَا
وكأَنك عنْ قَليلٍ يا بُنيَ قد صِرْتَ كأحَدِهِمْ فبعْ دُنْيِاكَ بِآخِرَتِِكَ وَلاَ تَبعُ آخِرَتَك بدُنياكَ وَدَع القَوْلَ فِيمَا لا تَعْرفُ والأمْرَ فِيمَا لا تُكَلَّفُ وَمُرْ بالمعروفِ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ وَكُنْ مِن أَهْلِهِ وأَنْكِرِ المُنْكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ وَبَايْنْ مَنْ فَعَلَهُ.
وَخضْ الغَمَرَاتِ إِلى الحَقِّ وَلاَ تَأخُذْكَ في اللهِ لَوْمَةُ لائِمَ واحْفَظْ
стр. 77
وَصِيَّتي فلا خَيْرَ في عِلْمٍ لا ينفَعُ، واعْلَمُ أنه لا غِنَى بك عن حُسْن الارتِيَادِ مَعَ بَلاغِكَ مِنَ الزادِ.
فإنْ أَصبْتَ مِنْ أهلِ الفَاقَة مَنْ يَحْتَمِلُ عَنْكَ زَادَكَ فيُوَافِيكَ بهِ في مَعَادِكَ فاغْتَنِمْهُ فإنَّ أمامَكَ عقبةً كَؤُودًا لا يُجاوزُها إلا أخَفُّ الناسِ حِمْلاً.
وَأَجْمِلْ في الطَلَبِ وَأَحْسِنْ في المَكْسَبِ فَرُبَّ طَلَبٍ قدْ جَرَّ إلى حَرْبٍ وإنَّمَا المَحْروبُ مَنْ حُربَ دِينَهُ والمَسلوبُ مَنْ سُلِبَ يَقينَهُ، واعْلَمْ أَنهُ لا غِنَى يَعْدِلُ الجَنةَ ولاَ فقرَ يَعْدِلُ النارَ والسلام عليكَ ورحمةُ الله.
وَقال بَعْضُهم: لا غِنَى يَعْدِل رَضِى الله ولا فَقْرَ يَعْدِلُ سَخْطَهُ. قال النَّاظم:
وكُنْ بينَ خَوفٍ والرَّجَا عاملاً لِمَا ... تَخَافُ وَلاَ تَقْنَطْ وُثُوقًا بِمَوعِدِ
تَذَكَّرْ ذُنوبًا قَدْ مَضَيْن وَتُبْ لَهَا ... وَتُبْ مُطْلقًا مَع فَقْدِ عِلْمِ التَّعَمُّدِ
وبادِرْ مَتَابًا قَبْلَ يُغْلَقُ بَابُهُ ... وَتُطوَى على الأعمالِ صُحْفُ التزَوُّدِ
فحِينَئِذٍ لا يَنْفَعُ المَرْءَ تَوْبَةٌ ... إذا عَايَنَ الأَمْلاكَ أَوْ غَرْغَرَ الصَّدِي
ولا تَجْعَلِ الآمَالَ حِصْنًا فَإِنَّهَا ... سَرَابٌ يَغُرُّ الغافلَ الجاهلَ الصَّدِي
فَبَيْنَا هُوْ مُغْتَرًا يُفُاجِئُهُ الرَّدَى ... فَيُصْبحُ نَدْمَانًا يَعَضُّ على اليَدِ
وَتَوْبَةُ حقِّ اللهِ يَسْتَغْفرُ الفَتَى ... وَيَندمُ يَنْوِي لا يَعودُ إِلَى الرَّدَي
وإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ ظَاهِرًا ... فَسِتْرُكَ أَوْلَى مِنْ مُقِرٍّ لِيُحْدِدَ
وإِنْ تَابَ مِنْ غَصْبٍ فيُشرَطُ رَدُّهُ ... وَمَعْ عَجْزِهِ يَنْوي مَتَى وَاتَ يَرْدُدِ
وَمِنْ حَدِّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٍ مَتَابُهُ ... بِتَمْكِينِهِ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ مَا أَبْتُدِي
وَتَحْلِيلُ مَظْلُومٍ مَتَابٌ لِنَادِمٍ ... تَدَارُكُ عُدْوَانِ اللِسَانِ أَوِ اليَدِ
لِلَّهِ دَرّ قَومٍ بادَرُوا الأَوْقاتِ، واسْتَدْركُوا الْهَفَوات، فالعَينُ مَشْغُولةٌ بالدَّمْع عن المحرَّماتِ، واللسانُ مَحبوسٌ في سِجْن الصَّمْت عن الهَلَكَاتْ، والكفُّ قد كُفَّتْ بالخوفِ عن الشهوات، والقَدَم قد قُيِّدت بِقَيدِ المحاسبَات.
стр. 78
والليلُ لدَيْهِمُ يَجْأَرُونَ فيه بالأصْواتْ، فإذا جَاءَ النهارُ قَطَعُوهُ بمُقَاطَعة اللَّذات، فكَمِ مِن شَهْوَةٍ مَا بَلَغُوهَا حَتَّى الممات.
فتيقَّظْ لِلِحَاقِهم مِن هَذِهِ الرَّقَدات، ولا تَطْمَعَنَّ في الخَلاص مَعَ عَدمِ الإخلاص في الطاعات، ولا تُؤَمّلنّ النجاة وأنت مقيمٌ على الموبقات. قال الله جل وعلا: ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ .
شِعْرًا:
أَفْنَيْتَ عًمْرَكَ والذُنُوبُ تَزِيدُ ... والكَاتِبُ المُحْصِي عَلَيْكَ شَهِيدٌ
كم قُلْتَ لَسْتُ بِعَائِدٍ في سَوْءَةً ... وَنَذَرْتَ فيها ثُمَّ تَعُودُ
حَتَّى مَتَى لا تَرْعَوِي عَنْ لَذَّةٍ ... وحِسَابُهَا يومَ الحِسَابِ شَدِيدُ
وَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ أَتَتْكَ مَنِيِّةٌ ... لا شَكَ أَنَّ سَبِيلِهَا مَوْرُودُ
شِعْرًا:
أَخِي قَدْ طَالَ لبثُكَ فِي الفَسَاد ... وَبِئْسَ الزَّادُ زَادُكَ لَلْمَعَادِ
صَبَِا مِنْكَ الفُؤَادُ فَلَمْ تَزَعْهُ ... وَجِدْتَ إَلَى مُتَابَعَةِ الفُؤَادِ
وقادَتْكَ المَعَاصَي حَيْثُ شَاءَتْ ... وَأَلْفَتْكَ امْرَءًا سَلِسَ القِيادِ
لَقَدْ نُودِيتَ لِلتِّرْحَالَ فاسْمَعْ ... ولا تَتَصامَمَنَّ عن المُنَادِي
كَفَاكَ مَشِيبُ رأسِكَ مِنْ نَذِيرٍ ... وَغالَبَ لَونُهُ لَوْنَ السَّوَادِ
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وفي الآخِرةِ، واجْعَلْنَا هُدَاة مُهْتَدينَ وَتَوفَّنَا مُسْلِمينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ إِيمَانِنا بِكَ عَمِيقًا وسَهِّلْ لَنَا إِلَى مَا يُرْضِيكَ طَرِيقًا وَالطَفْ بِنَا يَا مَوْلاَنَا وَوَفِقْنَا لِلْبَاقِياتِ الصَّالِحَاتِ تَوْفِيقًا، واغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى وَآلِهِ وصَحْبِهِ.
(فَصْلٌ) فِيمَا يَنْبَغِي التَّنْبِِيهُ عَلَيْه والتحذير مِن ارتِكَابِهِ
قال ابنُ الجوزي ﵀: المسلمون المُغترّون طبقاتٌ:
стр. 79
الطبقةُ الأولى: (طَبَقَةُ العُلُمَاءِ) : وَهُمْ قَوْمٌ أَحْكَمُوا العِلْم وَتَركُوا العملَ بِهِ ظنًا منهُم أنَّهُمْ قد حَفِظُوا الشريعَة فَلَهُم عِندَ اللهِ قَدْرٌ، ولو حَقَّقُوا النَّظَرَ، لَعِلمُوا أنَّ العِلْم لا يُرادُ إلا لِلْعَمَلِ وكأنّهم يَزِيدُونَ مِنَ الحُجَّةِ عليهِم.
ومنهم قومٌ أحْكموا العِلْمِ والعَمَلَ إِلا أنَهُمْ لم يُصْلِحُوا الصِّفَاتِ البَاطِنَة المَذْمُومَةَ مِنَ الكِبْرِ والحَسَدِ والرِّياءِ ولَمْ يَدْرُوا أنَّ هَذِهِ شُعَلٌ تَعْمَلُ في بَيْتِ القَلبِ فَتُحْرِقُ بَوَاطِنَ الْمَعْرِفَةِ.
قُلْتُ: وَهؤلاءِ كَمَريضٍ ظَهَرَ بهِ جُرُوحٌ أَصْلُها في البَاطِن فأمَرَ الطَّبِيبُ مَنْ بهِ ذلكَ أنْ يَغْسِلَ الظَّاهرَ بدَوَاءٍ وأمَرَهُ بشُرْب دَوَاءٍ آخَرَ لِمَا نَشَأَ عنه الظاهرُ فاسْتَعْمَل ما لِلَّظاهِرِ وَتَرَك ما لِلْبَاطِنِ فأزال مؤقتًا ما بظاهِرِه وَأَمَّا مَا في بِاطِنِهِ فِعَلَى حَالِهِ.
فَلَوْ شَرِبَ ما لِلْبَاطِنِ مِنَ الدَّوَاءِ بَرِئَ الظاهرُ إذا أَرَادَ اللهُ واسْتراحَ ظَاهرُهُ وبَاطنُه، فكذلك الذنوبُ والمعاصِي إذا اخْتَفَتْ في القلبِ ظهرَ أثرُها على جَوَارِحِ الإنسانِ.
ومِن العُلَمَاءِ قومٌ سَلِمُوا مِنْ هذِهِ الآفاتِ، لَكِنَّهم في خِدْمةِ الهَوَى مِنْ حيثُ لا يعلمون فهم يُصَنِّفون وَيَتَكَلَّمُون ومُرادُهم ذِكْرُهم بذلكَ وَمَدْحُهم وَكَثَرَةُ إتباعِهِم وهذهِ الآفةُ مِن خَبَايَا النفوسِ لا يَفْطِنُ لها إلا الأكياسُ مِن الناسِ.
الطبقة الثانية: (طبقةُ العُبَّاد) : فمنهم مَن حققوا التَّعبُّد إلا أنه يَرى نفسَهُ فهو مَغرورٌ بذلكَ، ومنهم: مَن ترَكَ كثيرًا مِنَ الفَرائضِ شُغْلاً بالنَّوافِلِ فَمِنْهُمْ مِنْ يُدْرِكُهُ الوَسْواسُ في نِيَّةِ الصلاةِ ثم يَتْرُكُ قَلْبَه في باقِيها يَسْرَحُ في الغَفَلاتِ.
وَمنهم: مَن يُكْثِرُ التِلاَوَةَ ولا يعملُ بما يَتْلو، ومنهم مَنْ يصومُ ولا يتحفَّظُ
стр. 80
مِنْ غَيْبتِهِ، وَمِنْهُمْ: مَنْ يخرجُ إلى الحجِّ ولا يخرجُ من المظالمِ، ولا يَنْظُرُ في نَفَقَتِهِ، ومنهم: مَنْ يجاورُ بمكةَ وَيَنْسى الحُرمَة، ومنهم: مَنْ يأمرُ بالمعروفِ وَيَنْسَى نفسَه. قلتُ: وأهلَه وأولاَدَهُ.
ومنهم: مَنْ يَزْهَدُ في المالِ وهو راغبٌ في الرياسةِ بالزُهْدِ. ومنهم: مَنْ يتخلقُ بأخلاقِ الفقراء فِي صُوَرِ ثيابهِمْ وَمُرَقَّعَاتِهِمْ وَيَتْرُك أخلاقَهُم الباطِنَة، فيشبعُ من الشهواتِ، وينامُ الليلَ ولا يعرفُ واجباتِ الشرْع.
قلتُ: وهؤلاءِ غرورُهم عظِيمٌ كما قال بعضُ العلماءِ لأنهمْ يظنون أنهم يُحبون في اللهِ ورسولهِ وما قَدروا على تحقيق دقائق الإخلاصِ إلا وهم مُخلِصون، ولا وَقَفوا على خبايا النفس إلا وهم مُنَزَّهون، وهم أَحَبُّ في الدنيا مِنْ كل أحد وَيُظهرون الزُّهدَ في الدنيا لِشِدَّةِ حِرصِهِم عليها وَقوةِ رغبتهمْ فيها. قال بعضهم فيمن يُظْهِرُ الزهدَ في الدنيا وهو حريصٌ عليها:
أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ زُهْدًا ... وعلى الدِّينَار دَارُوا
وَله صَلُّوا وصَامُوا ... وله حَجُوا وزَارُوا
لَو يُرى فَوْقَ الثُريَّا ... وَلَهُمُ رِيشٌ لَطَارُوا
يَحُثُّون على الإخلاصِ وهُمْ غيرُ مخلصينَ وَيُظْهرونَ الدُعاءَ إلى اللهِ وَهُمْ منه فارُّونَ، وَيُخَّوِّفُونَ باللهِ وهُمْ آمِنون. ويذُكِّرون باللهِ وهُمْ له ناسُون، ويحُثُّون على التمسكِ بالسنةِ بالدقيقِ والجليلِ وهم لها نابِذُون وَيَذمّون الصفاتِ المذمومةَ وهُمْ بها مُتَّصِفونَ، وكأنه لمْ يَطرُقْ أسمْاعَهُمْ قولُهُ تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . وقولُهُ تعالى حكايةً عمَّا قال شُعيبُ:
стр. 81
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وَوَرَدَ عن ابنِ عباسٍ: أنه جاءه رجلٌ فقال: إني أُريد أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهَى عن المُنْكَر. قال: أبَلَغْتَ ذلك؟ قال: أرجو. قال: إنْ لَمْ تَخشَ أن تَفْتَضِحَ بثلاثِ آياتٍ من كتابِ اللهِ فافْعَلْ. يشيرُ ابنُ عباس إلى الآياتِ المتقدمةِ.
الطبقةُ الثالِثةُ: (أَرْبابُ الأموالِ) فَمِنْهم: قومٌ يَحْرِصِونَ على بناءِ المساجدِ والْمدَارسِ ويَكْتُبونَ أَسْمَاءَهُم عليها لِتَخْلِيدِ ذِكْرهِمْ وَمَنْ أرادَ وجهَ اللهِ لَمْ يُبالِ بِذْكر الخَلْقِ وهؤلاء قَال بعضُ العلماءِ: إنهم اغْتَرُّوا مِن وَجْهَيْن: أَحَدُهُما: أنَّهم اكْتَسَبوها مِنَ الظُلْمِ والشُبُهاتِ والرُشَاءِ والجِهَاتِ المَحْظُورةِ، فهؤلاءِ تَعَرَّضُوا لِسَخَطِ اللهِ في كَسْبِها فإذا عَصَوُا اللهَ في كَسْبِها فالواجبُ عليهمْ التَوْبةُ وَرَدُّ الأموالِ إلى أربابها إنْ كانُوا أحْيَاءً، وإلى وَرَثَتِهِمْ إنْ كانُوا أَمْوَاتًا، وإنْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ وَرَثَةٌ فالواجِبُ عليهمْ أنْ يَصْرِفُوها في أهمِّ المَصَالِحِ وَرُبما يكُونُ الأهَمُّ تَفْرِقَتَها على المساكينِ.
والوجهُ الثاني: أنَّهمُ يَظُنُونَ بأنفُسِهِمْ الإِخْلاصَ وَقَصْدَ الخَيرِ في الإنفاقِ وعُلوِّ الأبْنِيَة. ولو كُلِّفَ واحدٌ منهم أنْ يُنْفِقَ دِينارًا على مِسكينٍ لم تَسْمَحْ َنْفُسُه بذلك، لأنَّ حُبَّ المدْحِ والثناءِ مُسْتَكِنٌّ في باطِنِهِ.
ومنهُمْ: قَومٌ يَتَصَدَّقُونََ ولكنْ في المَحَافِلِ وَيُعطُون مَنْ عادتُهُ الشُكرُ وإفشاءُ المعروفِ.
ومنهُمْ: مَنْ يُكْثِرُ الحَجَّ وَرُبما تركَ جِيرانَهُ جياعًا.
ومنهم: قومٌ يَجْمَعُون المالِ وَيَبخَلونَ بإخراجِهِ، ثم يَشْتَغِلُونَ بالعَباداتِ البَدَنِيَّةِ التي لا تحتاجُ إلى نفقةٍ كالصيامِ والصلاةِ، ولا يَدْرونَ أَنَّ جِهادَ النفسِ في البخلِ المُهلِكِ أوْلى.
شِعْرًا:
لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيًا دَنِيَّةٌ ... وما هِيَ أنْ غرَّتْ قُرُونًا باطَائِلِ
стр. 82
أَتَتْنَا عَلى زِيِّ العَزيزِ بِثَينَةٍ ... وَزِينَتِهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ
فَقُلْتُ لَهَا غُرِي سِوَايَ فإِنَّنِي ... عَزوفٌ عن الدُّنْيَا وَلسْتُ بِجَاهِل
وَهَبْها أَتَتْنا بالكُنوزِ وَدُرِّهَا ... وأَمْوَالِ قَارُونٍ وَمُلْكِ القَبائِل
أَليْسَ جَمِيعًا لِلفَنَاءِ مَصِيرُهَا ... وَيُطْلبُ مِنْ خُزَّانِها بالطَّوائِلِ
فَغُرِّي سِوايَ إِنَّنِي غَْيُر رَاغِبٍ ... لِمَا فِيكِ مِنْ غِرٍ وَمُلْكٍ ونائِلِ
وَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسي بِمَا قد رُزِقْتُهُ ... فَشَأْنِكِ يا دُنْيَا وأَهْلَ الغَوَائِلِ
فإِنّي أَخَافُ اللهُ يَوْم لِقَائِهِ ... وأَخْشَى عِقَابًا دَائِمًا َغَيْرَ زَائِل
اللَّهُمَّ نَجّنا برحمتِكَ مِن النارِ وعافِنا من دار الخِزْيَ والبَوَار، وَأَدْخِلنا بفَضْلِكَ الجنةَ دارَ القَرار وعامِلْنَا بكَرَمِكَ وَجودِكَ يا كَرِيمُ يا غَفارُ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا وَقوِّهَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُور الإيمانِ واجعلنا هُداةً مُهْتَدِين وآتِنا في الدُّنيا حَسَنَةً وفي الآخِرِةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النارِ واغْفِرْ لَنَا ولوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(٢) موعظة: اعلم يا بُنَيَّ وَفَّقَكَ اللهُ لِلصَّواب أنه لم يتميز الآدمي ُّبالعقل إلا لِيَعْمَل بمُقتضاه، فاسْتَحْضر عَقْلَكَ، وأَعْمِلْ فِكْرَكَ، واخْل بِنَفْسِكَ تَعْلَم بالدليلَ أنكَ مَخْلُوق مُكَلَّف، وأنَّ عليكَ فرائض أنتَ مُطَالبٌ بها.
وأن الملكَين يُحْصِيَان أَلفاظَكَ وَنَظَرَاتِكَ، وَأنَّ أنفاسَ الحي خُطَاه إلى أَجَلِهِ، وَمِقْدارُ اللُّبثِ في الدنيا قَلِيل، والحبسُ في القُبور طَوِيل، والعذابُ على مُوافَقَة الهَوى وبيل.
فأينَ لَذّةُ أَمْس؟! رَحَلَتْ وأَبْقَتْ نَدَمًا، وأينَ شَهْوةُ النفسِ؟ كم نَكَّسَتْ رَأْسًا، وَزَلَّتْ قَدَمًا، وما سَعِدَ مَن سَعِدَ إلا بِخِلاف هَواهُ، ولا شَقِيَ مَن شَقِيَ إلا بإيثار دُنياه.
стр. 83
فاعتبرْ بِمَنْ مَضَى مَن المُلُوكِ والزُهَّادِ، أَيْنَ لَذَّةُ هَؤلاءِ وأَيْنَ تَعَبُ أولئك؟ بَقِيَ الثوابُ الجزيلُ، والذِكرُ الجميلُ لِلصَّالِحينَ، والمقالةُ القَبِيحَةُ والعقابُ الوبيلُ لِلعاصِين.
وكَأَنَّه ما جَاعَ مَن جَاعَ وَلا شَبعَ مَن شَبعَ، واعْلَمْ أنَّ الكَسَلَ عن الفضائِل بِئسَ الرَّفِيقِ، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.
واعلم أَنَّ طَلَبَ الفَضائِل نِهَايَةُ مُرَادِ المُجْتَهِدين، ثم الفضائلُ تَتَفاوتُ، فَمِن الناسِ مَن يَرى الفضائلَ الزُهْدَ في الدنيا، ومنهم مَن يراهَا التَّشَاغُلَ بالتعبدِ، وعلى الحقيقةِ فَليستَ الفضائلُ الكاملةُ إلا الجمع بينَ العلم والعمل.
شِعْرًا:
حَيَاةُ الفَتَى والله بالعلِمِ والتّقُىَ ... إذَا لَمْ يَكُونَا لا اعتبارَ لِذَاتِهِ
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ ذلَّ التَّعَلُم سَاعَة ... تَجَرَّع كَأْسَ الذُّلِ طُولَ حَيَاتِهِ
فوائِدْ: مِنْ حِكَمِ أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: العلم خير من المال، العلمَ يَحرسك وأنت تَحرس المال، المال تنقصه النفقة والعلم يَزكُو على الإنفاق، بالعلم يَكسِبُ الإنسانُ الطاعةَ في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، العلم حاكم والمال محكوم عليه.
فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق ، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه، فتلك الغاية المقصودة، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يريد مرادًا ولا كل طالب وَاجِدًا، ولكن على العبد الاجتهاد وكل ميسر لما خلق له والله المستعان.
يَا خَالِقِي عبدُكَ الخاطِي الحَزينُ لَقَدْ ... أتاكَ مُنْكَسِرًا فاجْبُرْ لِمُنْكَسِرِ
مُسِتَغْفِرًا مِن ذُنُوبٍ لاَ عِدَادَ لَهَا ... بِعَفْوِكَ الجمّ يَا رَحْمَنُ لا تَذَرِ
فلاَ تَدَعْني مَلِيكَ العَرْش مُطَّرحًا ... بَينَ النَّوَائِب والأسْدَامِ والغِيرَ
стр. 84
حَسْبِي لَدَىَ المُوبِقَاتِ الصُّمِ أَنْتَ فَلاَ ... نَرجُو سِواكَ لِنَيْلِ السُؤْلِ والوَطَر
عَليكَ يا ذا العَطَا والمنِ مُعْتَمَدِي ... في كُلِّ خَطبٍ أتَى بالغَيْرِ والضَّرَرِ
فَاغْفِرْ وَأَكْرِمْ عُبَيْدًا مَالَهُ عَمَلٌ ... من الصَّوالح يا رَحْمنُ في العُمُرِ
لَكِنَّهُ تَائِبٌ ممَّا جَنَاهُ فَقَدْ ... أَتَاكَ مُسْتَغْفِرًا يَخْشَى مِن السَّقَرِ
فإِن رَحِمْتَ على مَنْ جَاء مُفْتَقِرًا ... فأنْتَ أهْل به يا ربِّ فاغْتَفِرِ
وإنْ تُعَذِّبْ فإني أَهْلُ ذاكَ وذا ... عَدْلٌ قَوِيم بلا لَوْمٍ ولا نُكُرِ
ثم الصلاةُ على خَير الخليقةِ مَن ... كَفَاهُ مُعْجِزَةً الشقُ في القَمَرِ
وآلهِ الطيبينَ الطُهْرِ قَاطَبِةٍ ... وَصَحبهِ المُكْرَمِينَ السَّادَةِ الغُرَرِ
مَا هَبِّتِ الريحُ واهْتَزَ النباتُ بِها ... وما تَغَنَّتْ حَمَامُ الأَيْكِ فِي السَّحَرِ
فائدة: قال أَحَدُ العُلَمَاءِ رَأَيْتُ كَثِيرًا مَا يُزَيَّنُ لِطَالِبِ العِلْمِ أّيَّامَ الاخْتِبَارِ قِرَأَةُ مَا لَيْسَ مُطَالِبًا بِهِ في الاخْتِبَارِ، وَهَذَا مِنْ مَرَضِ النَّفْسِ وَتَسْوِيلِ الشَّيطَانِ تَضْعِيفًا لِلْهِمَّةِ والنَّشَاطْ، فإِنَّ العِلْمَ المُطَالِبَ بِهِ فِيه تَكْلِيفٌ وَإِلزَامَ وَتحمُّلٌ وَأَدَاء، فَهْوَ ثَقِيلَ عَلَى النَّفْسِ الوَانِيَةِ، والعِلْمُ الذِي لَمْ يُطَالَبْ بِهِ لاِ تِكْلِيفَ بِهِ فَهوَ خَفِيفٌ عَلَى النَّفْسِ وَهَذَا مِن هَوَى النَّفْسِ وَسَرِقَةِ الشَّيْطَانِ لَهُ لأَنَّهُ اِنْحرَاف عن الصَّوابِ النافِع.
اللَّهُمَّ أعْطِنا من الْخَيْرِ فَوقَ ما نَرْجُو، واصْرِفْ عنَّا مِن السُّوءِ فَوقَ ما نَحْذَرُ. اللَّهُمَّ عَلِّقْ قُلُوبَنَا بِرَجائِكَ واقْطَعْ رَجَاءَنَا عَمَّنْ سِوَاكَ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ عُيُوبَنَا فاسْتُرْهَا وتَعْلَمَ حَاجَاتِنَا فَاقْضِهَا كَفَى بِكَ وليًّا وكَفَى بِكَ نَصِيرًا يا رَبَّ العالمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ سَبِيلِ عِبَادِكَ الأَخْيارِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمتكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحمِّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
الفصل الثامن: الطبقةُ الرابعةُ طبقةُ العَوامّ وغُرورُهُمْ ِمْن وُجوهٍ: فمنهم: مَنْ يُصَلِّي كَيْفَمَا اتَّفَقَ ولا يَسْأَلُ عَمَّا يُصْلِحُ الصلاة وما يُفسِدُهُا. ومنهم مَنِ
стр. 85
يُواظِبُ على النوافِل كالتراويحِ، ولا تكادُ تَجِدْهُ في صلاةِ الجَماعةِ، ومنهم: مَنْ يلازِمُ مَجَالِسَ الوَعْظِ ولا يَعْمَلُ بِمَا يَسْمَعُ ولا يَنْتَهِي عَنْ قَبيحِ ما يَأْتي، كأَنَّ المقصودَ الحُضُورُ فقطْ. قُلْتُ: لأنّ مَجَالسَ الذِكْرِ والإرْشادِ إنّما تُفيدُ لِكَوْنِهَا مُرَغِّبَةً في الخَيْرِ وباعِثةً في الغالِبِ عليه فإنَّ لَمْ يَنْشَأُ عنها ذَلِكَ فلا خيرَ فيها وصِفةُ هؤلاءِ كما قال بعضُ العُلماءِ: كمِثْلِ مريض يَحْضُرُ مَجَالِسَ الأطباءِ وَيَسْمَعُ مِنهم ما يَصِفونَهُ مِن الأدويةِ ولا يَفْعَلُها ولاَ يَشْتَغِلُ بها فأيُّ فائِدةٍ يَحْصُلَ عَليها.
فكُل وَعْظٍ لا يُغيّرُ مِنكَ صِفةً تَتَغَيَّرُ بِها أفعالُك حتى تُقْبِلَ على اللهِ وَتُعْرِضُ عن الدُّنْيَا وَتُقْبِلُ إِقْبالاً قويًّا، فإِنْ لَمْ تَفْعلْ فذلكَ كان زيادَة حُجةٍ عليكَ، وهذا غُرورٌ عظيمٌ.
ومنهم: مَنْ يَتَنَفَّلُ بالعباداتِ وَيُهْمِلُ الفرائضَ.
ومنهم: مَنْ يَتَطَّوعُ بالخيرِ وَيُكثرُ التسبيحَ معَ معامَلَتِهِ بالرِّبا واسْتِعْمَالِ الغِشِّ، وَرُبَما صاحَ على وَالِدَيهِ وَأَخذَ أَعْراضَ الناسِ، وَجُمهورُ الناسِ قد اتَّكَلوا على العفْو والحلمِ فهُمْ مُصِرّون على ذُنوبٍ وخطايا فإذا ذَكَرْت لهمُ العُقوبَةَ قالُوا: هو كريمٌ وَينْسَوْنَ أنه شَدِيدُ العِقابِ، ومنهم: أقوامٌ يَسْتَعْجِلُون المعصيةَ مُوَافقةً لِلْهَوى وَيُضْمِرون أننا سَنَتُوبُ وَيُسَوِّفُونَ بالتوبةِ، ومِنَ العُصاةِ مَنْ يَغْتَرُّ بِفِعْلِ خيرٍ فربما تَصَدّقَ أوْ سبَّحَ وَظَنَّ أَنَّ هذا يُقاوَمُ ذُنوبَهُ.
وَيَنْسَى مَا حَصَلَ مِنه مِنَ الغِيبَةِ والكَذِبِ والرِّياءِ وغيرِ ذلكَ مِن المعاصِي التي تَقْضِي على الحَسَنَاتِ التي أمثالُ الجبالِ.
ومِنَ المغترِّين مَنْ َيغرُّهُ صلاحُ آبائِهِ وربما قال: أبِي يَشْفَعُ لي ولا يَدْري أنَّ أباه فُضِّل بالتقوَى وكان مَعَ التَّقْوى خائفًا؟ ومِنْ أينَ له أن يَشْفَعَ
стр. 86
لَهُ، أو مَا سَمِعَ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .
ولَمْ يعلمْ أنَّ نوحًا ﵇ أرادَ أنْ يَحْمِلَ ابْنَهُ مَعَهُ في السفينةِ فَمُنِعَ منْ ذلكَ وَأغرَقَ اللهُ ابَنَهُ مَعَ المُغرَقِينَ.
وفي الحديث الصحيحِ أنَّ رسولَ اللهَ ﷺ قالَ: «يا فاطمَةُ لا أُغْنِي عنكِ مِنَ اللهِ شيئًا» . فالعاقلُ مَنْ عَمِلَ على الحِرْصِ وأخَذٍ بالأَحْوَطِ فَمَنْ تأمَّلَ العِلمَ وَتَصَفَّحَهُ وَشاوَرَ العقلَ دَلّهُ على الحزْمِ فَسَلِمَ مِنَ الاغْتِرَارِ. واللهُ الموفِّقُ.
وطبقةٌ أخرى أَكَبُّوا على تِلاوةِ كِتابِ اللهِ وَتَرَكُوا تَدَبُّرَهُ والعملَ بهِ، وَرُبما خَتَموه في يَومٍ وَليلةٍ بِألْسِنَتِهِمْ، أما قلوبُهُمْ فهي في أوديةِ الدنيا تَردَّدُ، ولا تَتَفَكَّر في معاني القرآنِ لِتَنْزجِرَ بزواجرِه وَتتعظَ بمواعِظِهِ وتقِفَ عندَ أوامِرِه ونَواهِيه وَتَعْتَبِرَ بمواضِعِ الاعْتبارِ. فَمَنْ قَرَأَ كتابًا عِدَّة مرَاتٍ وَتَركَ العَمَلَ بهِ يُخْشَى عَليهِ مِن العُقُوبَةِ.
وَطَبَقَةٌ اغْتَرُّوا وَأَكْثرُوا الصِّيامَ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لا يَحْفَظُونَ ألْسِنَتَهُمْ عن الغِيبَةِ والنميمةِ والكذِبِ والتمَلُّقِ عندَ الفُسَّاقِ وأعْدَاءِ الدِينِ وَلا يَعْرِفُونَ الوَلاءَ والبَراءَ ولا يَحْفَظُونَ بُطُونَهُمْ عن الْحَرامِ وَلا أَعْيُنَهُم عن النَّظَر المُحَرَّمِ وَلا أسْمَاعَهُم عنِ الملاهِي والمُنكَراتِ وَلاَ يَقُومُونَ عَلى أَولادِهِمْ وَيَأْمُرُونهم.
وطبقةٌ أخْرَى أَكثَرتْ مِنْ نَوافِلِ الحَجِّ مِنْ غَيرِ خُرُوجٍ مِنَ الْمَظَالِمِ وَقَضَاءِ الدُيُونِ، واسْتِرْضَاءِ الوَالِدَيْن وَلا طَلَبُوا لِذلِكَ الزَّادَ الحلاَلَ، وَرُبَّمَا ضَيَّعُوا صَلاَة الجَمَاعَةِ أو الصَّلاَةِ المكتُوبَةَ، وَرُبَّمَا كانُوا لا يُبالُونَ بالنَّجَاسَاتِ، وَرُبَّمَا كان نَفَقَةُ أَحَدِهِمْ حَرَامًا كُلَّه َهوَ وَرُفَقَاؤُهُ، وَرُبَّمَا كانَ
стр. 87
مُرَائِيًا في إنْفَاقِهِ فَيَعْصِي اللهَ في كَسْبِ الحرَامِ أولاً وفي إنفاقِهِ لِلرّياءِ ثانيًا. نَعُوذُ باللهِ من الغُرورِ. وفِرقةٌ أخذَتْ في طَرِيقِ الأَمِر بالمَعْرُوفِ وإرْشادِ الخَلْقِ وأنكَرُوا على الناسِ وتَركُوا أَنْفُسَهُم وَأوْلادَهُم وَمَنْ يَخْشَوْنَهم أو يَرجُونهم. وَفِرْقَةٌ أُخرى غَلَبَ عليها البُخلُ فلا تَسْمَحُ نُفوسُهم بأداءِ الزكاةِ كَامِلةً مُكَمّلةً يُخْرِجُ مِقدارَ رُبْعِهَا فقط وَيَتَأولُ الباقِي وَيَعِدُ أنه إذا وَجَدَ فقيرًا أعطاهُ وَيَرى أنَّ ما يدفُعهُ إذا تقدَّم فقيرٌ في بعضِ الأيامِ وأعطاهُ كافيًا ورُبما كانتْ زكاتُهُ عدَدَ أيامِ السنةِ مئاتٍ مِنَ الريالات نعوذُ بالله من الغُرورِ.
قُلْتُ: ومنهم مَن يَدفعُ زكاتَه إلى مَن يَخْدِمه أَوْ يَخْدِم أَهْلَه وهذا خَطَأ فانْتِبهْ ونَبِّهْ فإنَّ هذا العَملَ وقَايَةً لِمَالِهِ وَلَيْسَ زَكَاةَ وَلا يَخْفَى إلا عَلَى مَنْ عَمِيَتْ بَصِيرَتَهُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ البُخْلُ والشُحُ.
اللَّهُمَّ أَنظِمْنا في سِلكِ حِزبِكَ المُفلِحِين، واجْعلنا مِنْ عبادِكَ المُخْلِصين وآمِنَّا يومَ الفَزَع الأكَبرِ يومَ الدِين، واحْشُرْنَا مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَليهَم مِنَ النَبيين والصِّدِّيقين والشُهداء والصالحينِ واغْفِرْ لَنَا، وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحياءِ منهمْ والميتينَ بِرَحْمَتِكَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا:
الموتُ في كُلِّ حِينٍ يَنْشُرُ الْكَفَنَا ... ونَحْنُ في غَفْلَةٍ عما يُرَادُ بِنَا
لا تَطْمَئِنَّ إلى الدُّنْيَا وَبَهْجتها ... وإنْ تَوَشَّحْتَ مِنْ أَثْوَابِهَا الحَسَنَا
أَيْنَ الأَحِبَّةُ والجِيرانُ ما فَعلُوا ... أينَ الذين هُمُ كانُوا لَنَا سَكَنَا
سَقَاهُم الموتُ كأسًا غَيْرَ صَافِيَةً ... فَصَيَّرَتْهُمْ لأطْبَاقِ الثَّرَى رُهُنَا
تَبْكِي المَنَازِلُ مِنْهُمْ كُلَّ مُنْسَجِمٍ ... بالمَكْرُمَاتِ وتَرْثِي البِرَّ والمِنَنَا
حَسْبُ الحِمَام لَو أَبْقاهُمْ وأَمْهَلَهُمْ ... أَلا يَظُنُّ عَلَى مَعْلُومِهِ حسَنَا
اللَّهُمَّ أظِلنَا تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لا ظِلّ إلا ظِلَّكَ وَلا بَاقٍ إلا وَجْهُكَ
стр. 88
وَاسْقِنا مِنْ حَوْضِ نَبيّك شرْبةَ هَنيئَةً لا نَظْمَأً بَعْدَهَا أَبَدًا حَتَّى نَدْخُلَ الجَنَّةْ، اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرِكِ وَشُكْرِكَ وَوَفِقْنَا لِمَا وَفّقْتَ لَهُ الصّالِحِينَ مِنْ خَلْقِكَ، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
موعظة: خطب عمرُ بنُ عبدِ العزيز آخرَ خطبةٍ خَطَبَهَا فَقَالَ فيهَا: أمَا بَعدُ: (إنكمْ لمْ تُخلقوا عَبَثًا، ولَنْ تُتْرَكُوا سُدَى، وإنَّ لَكُمْ مَعَادًا ينزلُ اللهُ فيهِ للفَصْلِ بينَ عبادِهِ، فقدْ خابَ وخسِرَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رحمةِ اللهِ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيء وَحُرِمَ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتِ وَالأرضُ، أَلا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ في أَسْلابِ الهَالِكِينَ، وَسَيَرِثُهَا بَعْدَكُمْ البَاقُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تُرَدُّ إِلَى خَيْرِ الوَارِثِينَ، وَفي كُلِّ يَوْمٍ تَشَيِّعُونَ غَادِيًا وَرَائِحًا إِلَى اللهِ قَضَى نَحْبَهُ وَانْقَضَى أَجَلُهُ فَتَدَعُونَهُ في صَدْعٍ مِن الأَرْضِ غَيْرَ مُوَسَّدٍ وَلاَ مُمَهَّدٍ، قَدْ خَلَعَ الأَسْبَابَ، وَفَارَقَ الأَحْبَابَ، وَسَكَنَ التُرَابَ، وَوَاجَهَ الحِسَابَ، غَنِيَا عَمَّا خَلَفْ، فَقِيرًا إَلَى مَا أَسْلَفَ، فَاتَّقُوا اللهَ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ وَانْقِضَاءََ مَوَاقِيتِهِ، وَإِنِّي لأََقُولُ لَكُمْ هَذِِهِ الْمَقَالَةَ وَمَا أَعْلَمُ عِنْدَ أََحَدٍ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْثَرُ مِمَّا أَعْلَمُ عِنْدِِي، وَلَكِنْ أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ طَرَفَ رِدَائِهِ وَبَكَى حَتَّى شَهَقَ ثُمَّ نَزَلَ، فَمَا عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَهَا حَتَّى مَاتَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.
شِعْرًا:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ ... وَلكِنَّ الْتَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَتَقْوَى اللهُ خَيْرِ الزَّادِ ذِخْرًا ... وَعِنْدَ اللهَ لِلأتْقَى مَزِيدُ
وَمَا لاَبُدَّ أَنْ يَأْتَي قَرْيبٌ ... وَلَكِنَّ الذِّي يَمْضَي بَعِيدُ
آخر:
أَتَبْكِي لِهَذَا الْمَوْتِ أَمْ أَنْتَ عَارْف ... بِمَنْزِلَةٍ تَبْقَى وَفِيها المَتَالِفُ
كَأَنَّكَ قَدْ غُيِّبْتَ في اللَحْدِ والثَرَى ... فَتَلْقَى كَمَا لاَقَى القُرونُ السَّوَالِفُ
أَرَى الْمَوْتَ قَدْ أَفْنَى القُرون التي مَضَتْ ... فَلَمْ يَبْقَ ذُو أُلْفٍ يَبْقَ آلِفُ
стр. 89
كَأَنَّ الفَتَى لَمْ يَغْنَ في الناسِ سَاعَةً ... إذا عُصِبَتْ يَوْمًا عليهَ اللَّفَائِفُ
وَقَامَتْ عَلَيهِ عُصْبةٌ يَنْدُبُونَهُ ... فَمُسْتَعْبِرٌ يَبْكِي وَآخَرُ هاتِفُ
وَغُودِرَ في لَحْدٍ كَرِيهٍ حُلُولُهُ ... وَتُعْقَدُ مِنْ لِبْنٍ عَلَيْهِ السَّقَائِفُ
يَقِلُّ الغنَى عَنْ صاحِبَ اللَّحدِ والثَرَى ... بِمَا ذَرَفَتْ فيهِ العُيُونٌ الذَّوَاِرفُ
ومَا مَنْ يَخَافُ الْبَعْثَ والنارَ آمِنٌ ... وَلَكِن حَزِينٌ مُوجِعُ القلبِ خَائِفُ
إذا عَنَّ ذِكْرُ الموتِ أَوْجَعَ قَلْبَهُ ... وَهَيَّجَ أَحْزَانًا ذُنُوبٌ سَوَالِفُ
اللَّهُمَّ يَا عَظِيمَ الْعَفْو، يَا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ يَا قَرٍيبُ الرَّحْمَةِ، يَا ذا الجلالِ والإكرامِ، هَبْ لَنَا العَافِيةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ وَيَا قَيُّوم فَرِّغْنَا لِمَا خَلَقْتَنَا لَهُ، وَلاَ تُشْغِلْنَا بِمَا تكَفَّلْتَ لَنَا بِهِ، واجعلنا مِمَّن يُؤمِنُ بِلقَائِكِ، ويَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَيَقْنَعُ بِعَطَائِكْ، وَيَخْشَاكَ حَقَّ خَشْيَتِكْ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَنَا رَغَدًا، ولا تُشْمِتْ بِنَا أَحَدَ. اللَّهُمَّ أنظْمْنَا في سِلْكِ حِزْبِكَ المُفْلِحِين، واجْعلنا مِنْ عِبَادِكَ المُخْلَصِينَ وآمِنَّا يَوْمَ الفَزَعِ الأكْبَرِ يَوْمَ الدِّين، واحشُرْنَا معَ الذينَ أنعمْتَ عَليهم مِنَ النَّبِيين والصِّدِّيقينَ والشُهداء والصالحين، واغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فصلٌ في العِلْمِ وفضْلِهِ
العِلْمُ صفةٌ يُمَيَّزُ المُُتَّصِفُ بِهَا تميزًا جَازِمًا، وقيلَ: هو إدراكُ الشيءِ بحَقيقتِهِ، والعلِمُ فضلُهُ أُشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِ مَا اكْتَسَبَهُ الإنسانُ وأَشْرَفُ مُنْتَسِبٍ وأنْفَسُ ذَخيرةٍ تُقْتَنَى وأطلب ثمرةٍ تُجْتَنَى، بِهِ يُتَوَصَّلُ إِلَى الحَقَائِقِ وَإِذَا عَمِلَ بِهِ الإِنْسَانُ على وَفْقِ الشريعةِ أَدْرَكَ رِضَا الخَالِقِ.
والعِلْمُ لاَ يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ فَضْلِهِ وَجَلاَلَةِ قَدْرِهِ إِلا بِالعِلْمِ وَلاَ
стр. 90
يَضِيعُ صَاحِبُ العِلْمُ الدِّينِيّ الصَّحِيحِ الذِّي جَاءَ عن النبي ﷺ وَلاَ يَفْتَقِرُ كَاسِبُ الِعْلِم وَلاَ يَخيبُ طَالِبُهُ وَلا تَنْحَطُّ مَرَاتِبُهُ ما دامَ مُطَبِّقًا لِعِلْمِهِ بِالعَمَلِ وَلا يَجْهَلُ شَرَفَ العِلْمِ إِلا الجَاهِلُ لِقُصُورِ فَهْمِهِ عَنْ عَظِيمِ مَنَافِعِهِ وَكَريمَ مَواقِفِهِ، وَحامِلُُهُ الصائنُ له عن الأدْنَاسِ عَزيزٌ عندَ الناسِ إِنْ قَالَ فَكلامُهُ مَرْمُوقٌ بعَينِ التَّقْدِير وَإِنْ أَمَر فأمرُهُ مَسْمُوع.
وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلْفَضائِلِ وهو نُورٌ زَاهِرٌ لِمَنْ اسْتضاءَ بِهِ وَقُوتٌ هَنِيءٌ لِمَنْ تَقوَّتَ بِهِ تَرْتَاحُ بِهِ الأَنْفُسُ إِذْ هُوَ غِذَاءُهَا وَتَفْرَحُ بِهِ الأَفئِدةُ إَذْ هُوَ قُوَاهَا.
شِعْرًا:
أَجَلُّ مَا يُبْتَغَى دَوْمَا وَيُكْتَسَبُ ... وَيُقْتَنَى مِنْ حُلَى الدُّنْيَا وَيُنْتَخَبُ
عِلْمُ الشَّرِيَعَةِ عِلْمُ النَّفْعِ قَد رُفِعَتْ ... لِمَنْ يُزَاولُهُ بَيْنَ الوَرَى رُتَبُ
إِنْ عَاشَ عَاشَ سَعِيدًا سَائِدًا أَبَدًا ... لا يُسْتَظَامُ ولا يُشْنَا فَيُجْتَتَبُ
وَإِنْ يَمُتْ فَثَنَاءٌ سَائِدٌ أَبَدًا ... وَبَعْدَهُ رَحْمَةٌ ترجَى وَتُرْتَقَبُ
وَهُوَ يَدُلُّ على الخيرِ، وَعَوْنٌ على المُروءَةِ وَهُوَ الصَّاحِبُ في الغُرْبَةِ والمُؤْنِسُ في الْخَلْوَةِ، والشَّرَفُ في النَسَبِ وَلِلْعِلْمِ آثارٌ جليلةُ القدْرِ كَمْ جَلَّ بِهِ مِنْ حَقيرٍ.
وَكُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْلَمَ كَانَ جَلِيلاً عِنْدَنَا. مَضَى سَلَفُنَا الصَّالِحُ العَامِلُونَ بِعِلْمِهِمْ الوَرِعُونَ الذين لا تأخُذُهم في اللهِ لَوْمةُ لاَئِمٍ الذَّينَ إِذَا ذُكِرُوا وَمَا قَامُوا بِهِ مِنْ نَصْرِ دِينِ اللهِ والدعوةِ إِلَيْهِ استَنَارْتَ المَجَالِسُ وَأَسْفَرَتْ الوُجُوهُ وَارْتَاحَتْ الأَنْفُسُ وَقَوِيَتْ الْقُلُوبُ وَنَشِطَتْ الأبْدَانُ عَلَى الطَّاعَاتِ والعِبَادَاتِ وَوَدَّ المُسْتَمِعُونَ المُحِبُّونَ لِلدِّينِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَزْدادُوا مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ وَذَلِكَ بِمَا وَهبَهُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ الدِّيني وَالتَّمَسُّكِ بِهِ
стр. 91
وَآثارِهِ الجَليلةِ، وَكَانُوا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيينَ وَكَانُوا أَشْجَعَ الناسِ لأنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الأجَلَ لاَ يُطِيلُهُ الجُبْنُ وَكَانُوا أَغْنَى الْعَالَمِ نُفُوسًا وَأَقْوَاهُمْ تَوَكُّلاً عَلَى اللطِيفِ الخبيرِ لأنَّهُمْ رَضُوا بِقِسْمَةِ مَوْلاَنَا العليمِ الحكيمِ، وَكَانُوا مَحَطَّ رِحَالِ الكَرَمِ والجُودِ لأنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ البُخلَ لاَ يُرْضِي اللهَ، وَكَانُوا في الحِلْمِ كَالجبالِ الرَّاسِياتِ لأنَّهُم عَرَفُوا مَا لِلْحِلْمِ مِنْ مَزَايَا دُنْيَا وَأُخْرَى.
وَكَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الَبلاَيَا بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا بِتَقْدِيرٍ وَتَصْرِيفِ الحَكِيمِ الخَبيرِ وَكَانُوا دَائِمًا يَسْتَقْبِلُونَ النِعَمَ بِالشُكِرِ وَالحَمْدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ لِجَزْمِهِمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُمْ وَلاَ مِنْ سَائِرِ المَخْلُوقِينَ بَلْ مِنْ الكَرِيمِ الدَّائِمِ الإِحْسَانِ الذِّي عَمَّ إِحسانُهُ الخَلايَقَ كُلَّهُمْ، وَكَانُوا يُحِبُّون الخيرَ لِبَعْضِهِمْ كَمَحَبَّتِهِمْ لأنْفُسِهِمْ عَمَلاً بِقَوْلِ الرسولِ الكريمِ: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحبُ لِنَفْسِهِ» وَلِعِلْمِهِمْ أَنَّ كَرَاهَتَهُمْ لاَ تُحْدِثُ أيَّ تَغَيّرُ وَقَدْ عَرَفُوا قَوْلَ النبي ﷺ لابنِ عباسٍ: «يَا غُلامُ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ ... » الحَديث رواهُ الترمذي.
وَكَانُوا لا يُحُّبونَ الشرَّ وَأْهَلُه وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ مَوْلاَهُمْ دَائِمًا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم وأَنَّه أَحَاطَ بِكُلِّ شيءٍ عِلْمًا فَلِهَذَا كَانُوا إِذَا قَالُوا أَوْ فَعَلُوا تَحَرَّوْا مَا يُرْضِيهِ جَلَّ وَعَلاَ فِيمَا يَقُولُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ وَهَكَذَا كَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَتَحَرَّكُوا أَوْ يَسْكنوا باسْتِشَارَةِ مَا وَهَبَهُمُ اللهُ مِنَ العِلمِ الدِّينِي يَتَحَرَّكُون وَيَسْكنون لِهَذَا كانوا لليومِ مَوْضِعَ إِعْجَابٍ وَنَالُوا فوقَ هَذا رِضَى رَبِّ العَالمينَ هكذا كَانُوا بِبَرَكَاتِ مَا وَهَبَهُمْ مَوْلاَهُمْ مِنَ العلمِ الدِيني والتمسُّكِ بِهِ تَمَامًا.
وَكَانُوا أَزْهَدَ النَّاسِ في الدُّنْيَا لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقَارَتِهَا وَسُرْعَةَ زَوَالِهَا
стр. 92
وَكَثْرَة هُمُومِهَا وَغُمُومِهَا وإِشْغَالِهَا عَنْ طَاعةِ اللهِ وَلذلكَ كَانَ النَّاسُ يُقَدِّرُونَهُمْ وَيَضَرِبُونَ بِهِمُ الأَمثالَ وَأَنْتَ تَرَى أَنه على قَدْرِ قَنَاعَةِ العُلَمَاءِ في الدُّنْيَا تَكُونُ مَكَانتُهُمْ في نُفُوسِ النَّاسِ والتَفَافُهُم حَوْلَهم والاسْتِمَاعُ لِنَصائِحِهمْ والانقيادُ لإِرْشَاداتِهِمْ وَالرُّجوعُ إِليهِمْ فَيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى قَدْرِ تَعَلّقِ العُلََمَاءِ بَالدُّنْيَا وَتَوَجُهِهِمْ إِليها تَكُونُ زَهَادَةُ الناسِ في العُلماءِ وَعَدمُ الثِّقَةِ بَهَمْ واتِّهَامُهُمْ وَالنُفْرَةُ مِنْهُمْ وأَكْلُ لُحُومِهِمْ وَعَدَمُ قُبُولِ كَلاَمِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَنَصَائِحِهِمْ فَلاَ يَسْمَعُونَ لَهُمْ قَوْلاً وَلاَ يُعَوِّلُون عَلَيهِمْ في مَا يَجْهَلُونَهُ وَيَحْرَصُونَ عَلَى البُعْدِ عَنْهُمْ وَيَسْتَثْقِلُونَهَمْ والسَّبَبُ الوَحِيدُ كَمَا عَلِمْتَ أَولاً هو التعلقُ بالدُّنْيَا ضِدَّ مَا عَلَيْهِ السلفُ الصَّالِحُ.
قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: اعْلَمْ أَيَّهَا الإِنْسَانُ أَنَّ الدُّنْيَا مَنْزِلةٌ وَلَيْسَتْ بِدَارِ قَرارٍ وَالإِنْسَانُ مُسَافر فَأَوّلُ مَنَازِلهِ بَطْنُ أمهِ وَآخرُ مَنَازِلهِ لحَدُ قَبْرِهِ، وَإِنمَّا وَطَنُهُ وَقَرَارُهُ وَمُكْثُهُ واسْتِقْرَارُهُ بَعْدَهَا في هَذَا.
وَاخْتَصَرُ أَحَدُ العُبَّادِ فَقَالَ: مَا تأَسُّفِي عَلَى دَارِِ الهُمُوم والأَنْكاَدِ وَالأَحْزَانِ وَالخَطَايَا والذُّنُوبِ، وَإنَّمَا تَأُسُّفِي عَلَى لَيْلَةٍ نِمْتُهَا، وَيَوْمٍ أَفْطَرْتُهُ، وَسَاعَةٍ غَفَلْتُ فِيهَا عَنْ ذِكْرِ الله ثّمَّ مَاتَ ﵀.
وَقَالَ مُطَرِّفُ بنُ الشَّخِيرِ: إِنَّ هَذَا الموتَ نَغَّصَ عَلَى النَّعِيمِ نَعِيمَهُمْ، فاطْلُبُوا نَعِيمًا لاَ مَوْتَ فيهَ، فَكيْفَ وَوَرَاءَهُ يوم يُعَدُّ فيهِ الجَوَابُ وَتَدْهَشُ فيهِ الأَلْبَابُ، وَتفْنَى في شَرْحِهِ الأَقْلاَمُ والكُتَّابُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ سَنَةٍ تَنْقَضِي مِنَ الإِنْسَانِ فَكَالمرحَلةِ. وَكُلَّ شَهْرٍ يَنْقَضِي مِنْهُ فَكَاسْتِرَاحَةِ المُسَافِر في طَرِيق، وَكُلُّ أُسْبُوعٍ فَكَقَرية تَلقَاهُ. وكُلُّ يَوْمٍ فَكَفَرْسَخٍ يَقْطَعُهُ.
وَكُلُّ نَفَس كَخَطْوةٍ يَخْطُوهَا. وَبقَدرِ كُلِّ نَفَسٍ يَتَنَفَّسُهُ يَقْرُبُ مِنَ الآخِرَةِ وَهَذِهِ الدُّنْيَا قِنْطَرَةٌ فَمَنْ عَمَّرَ القَنْطَرةَ وَاسْتَعْجَلَ بِعمارتِهَا فَنيَ فِيهَا زَمَانُهُ.
стр. 93
وَنَسِيَ المنزِلةَ التي هِيَ مَصيرُهُ وَمَكَانُه. وَكَانَ جَاهِلاً غَيْرَ عَاقلٍ.
وَإِنمَّا العاقلُ الذِّي لاَ يَشْتَغِلُ في دُنْياهُ إِلا لاِسْتِعْدَادِهِ لِمَعادِهِ وَيْكَتَفِي مِنْهَا بِقدَرِ الحاجةِ وَمَهْمَا جَمَعَهُ فَوقَ كِفَايَتِهِ كَانِ سُمًّا نَاقِعًا وَيَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ جَميعُ خَزَائِنِهِ وَسَائِرِ ذَخَائِرِهِ رَمَادًا وَتُرَابًا لاَ فِضَّةً ولاَ ذَهَبًا وَلَوْ جَمَعَ مَهْمَا جَمَعَ.
فَإنَّ نَصِيبَهُ مَا يَأْكُلَهُ وَيَلْبِسُهُ لا سِوَاهُ وَجَمِيعُ مَا يُخلّفهُ يَكُونُ عَلَيْهِِ حَسْرَةً وَنَدَامَةً وَيَصْعُبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَحلاَلُهَا حِسَابٌ. وَحَرامُهَا عَذَابْ. إِنْ كَانَ قَدْ جَمَعَ المَالَ مِنْ حَلاَلٍ طُلِبَ مِنْهُ الحِسَابَ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ جَمَعَ مِنْ حَرَامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ العَذَابُ. وَكَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ حَسْرَتِهِ حُلُولُ العَذَابِ في حُفْرَتِهِ وَمَعَ هَذَا جَمِيعُهُ إِذَا كَانَ إِيمانُه صَحِيحًا سَالِمًا لِحَضْرَةِ الدَّيَانِ. فَلا وَجْه لِيَأْسِهِ مِنْ الرَّحْمَةِ والرضوان. فَإِنَّ الله جَواد كَريمٌ غَفُورٌّ رَحِيم.
واعْلَمْ أَنَّ رَاحَةَ الدُّنْيَا أَيامٌّ وَأَكْثَرُهَا مُنَغَصٌّ بالتّعب مَشُوبٌ بِالنَّصبَ. وَبِسَبَبِهَا تَفُوتُ رَاحَة الآخرةِ التي هِيَ الدائمةُ والمُلْكُ الذي لاَ نِهَايَةَ لَهُ وَلا فَنَاء. فَيَسْهُلَ عَلَى العاقل أنْ يَصْبِرَ في هذهِ الأَيَّامِ القَلاَئِل لِينالُ رَاحةً دَائِمَةً بِلا انقضاء.
شِعْرًا:
وَمَنْ يَصْطَبِرْ لِلْعِلْمِ يَظْفَرْ بِنَيْلِهِ ... وَمَنْ يَخْطُبُ الحَسْنَاءَ يَصْبِر عَلَى البَذْلِ
وَمَنْ لاَ يُذِلُّ النَّْفَس في طَلَبِ العُلَى ... يَسِيرًا يَعَشْ دَهْرًا طَوِيلاً أَخَاذْلُ
قَالَ ابْنُ القَيِّم ﵀:
كُلُّ مَنْ أَثَرَ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ واسْتَحَبَّهَا فَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ عَلى اللهِِ غَيرَ الحقّ في فَتْوَاهُ وَحُكْمِهِ في خَبَرِهِ وَإِلزَامِهِ لأِنَّ أَحكامَ الربِّ سُبْحَانَهُ كَثِيرًا مَا تَأْتِي عَلى خِِلافِ أَغْراضِ النَّاسِ، وَلاَ سِيَّمَا أهلُ الرِّيَاسَةِ والذِّين يَتَّبِعُون الشُّبُهاتِ فإِنَّهُمْ لا تَتِمُّ لَهُمْ أَغْرَاضُهُمْ إَلا بِمُخَالَفَةِ الحقِّ وَدَفْعِهِ كَثِيرًا فَإِذَا كَانَ العَالِمُ والحَاكِمُ مُحِبِّينَ لِلرِّيَاسَةِ مُتَّبِعِينَ لِلْشَهَوَاتِ
стр. 94
لَمْ يَتِمَّ لَهُمَا ذَلِكَ إِلا بِدَفْعِ مَا يُضَادُّهُ مِنَ الحَقِّ وَلاسِيَّمَا إَذَا قَامَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَتَتَّفِقُ الشُّبْهَةُ وَالشَّهْوَةُ وَيثُورُ الهَوَى فَيَخْفَى الصَّوَابُ وَيَنْطَمِسُ وَجْهُ الحَقِّ، وَإِذَا كَانِ ظَاهرًا لا خَفَاءَ بِهِ وَلا شُبْهَةَ فِيهِ أَقْدَمَ عَلَى مُخُالَفَتِهِ وقال لِي: مَخْرَجٌ بِالتَّوْبَةِ وَفي هَؤلاءِ وَأَشْبَاهِهِِمْ قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ .
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَخَذُوا العَرَضَ الأَدْنَى مَعَ عِلْمِهِمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ عَرَضَ لَهُمْ عَرَضٌ آخَرُ أَخَذُوهُ فَهُمْ مُصِّرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الحَامِلُ لَهُمْ عَلى أَنْ يَقُولُوا عَلى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ فَيَقُولُونَ هَذَا حُكْمُهُ وَشَرْعُهُ وَدِينُهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ دِينَهُ وَشَرْعَهُ وَحُكْمَهُ يُخَالِفُ ذَلِكَ أَوْ لا يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ دِينُه وَشَرْعُه وَحُكْمُه فَتَارَةً يَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا يَعْلَمُونَ وَتَارَةً يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُونَ بُطْلانَهُ. قَالَ وَهَؤُلاءِ لا بُدَّ أَنْ يَبْتَدِعُوا في الدِّينِ مَعَ الفُجُورِ في العَمَلِ فَيَجْتَمِعُ لَهُمْ الأَمْرَانِ فَإِنَّ إتِّبَاعْ الهَوَى يُعْمِي عَيْنَ القَلْبِ فَلا يُمِيزِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ أَوْ يُنَكِسُهُ فَيَرَى البِدْعَةَ سُنَّةً وَالسُّنَّةَ بِدْعَةً فَهَذِهِ آفَةُ العُلَمَاءِ إِذَا آثَرُوا الدُّنْيَا وَاتَّبَعُوا الرِيَّاسَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَهَذِهِ الآيَاتِ فِيهِمْ إَلَى قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ . فَهَذَا مَثَلُ عَالِمِ السُّوءِ الذي يَعْمَلُ بِخَلافِ عِلْمِهِ.
وَخِتَامًا فَإِنَّ العَاقِلَ اللَّبِيبِ يِتَأَسَّفُ عَلِى إِهْمَالِ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ
стр. 95
رَسُولِهِ ﷺ وَكُتُبِ أَهْلَ العِلْمِ وَالإِيمَانِ يَبْنَى عَلَيْهِمَا الغُبَارُ وَيُسْتَبْدَلُ بِهِمُا قَتْلُ الوَقْتِ في أَلُوْوَ كَمْ بَاعَ فُلاَنٌ وَكَمْ شَرَىَ فُلاَنٌ وَأَيْنَ قَضَيْتَ العُطْلَةَ فِيهِ وَأَيْنَ تَقْضِي المُسْتَقْبَلَةَ وَارْفَعْ الجَرِيدَةَ وَأَعْطِنِي الأُخْرَى وَأَيْنَ المَجَلَّةُ الفُلانِيَّةُ وَمَا الذي ظَهَرَ في التِّلِفِزْيُونِ وَمَاذَا بِالإذَاعَةِ الفُلانِيَّةِ هَذَا وَأَمْثَالُهُ كُثِيرٌ مِنْ نَوَاحِي مَعْلُومَاتِنَا مَعْشَرَ هَذَا الجِيلِ يَشِّبُ الوَاحِدُ مِنَّا وَيَشِيبُ وَهُوَ جَاهِلٌ بِسَيرِ سَلَفِنَا وَتَطْبِيقِهِا وَالإقْتِدِاءِ بِمَنْ أَمَرَنَا سَيَّدُنُا ومولانا بِإتِّبَاعِهِمْ مِنْ رُسُلِهِ الكِِرَامِ وَمَنْ اقْتَدَى بِهِمْ وَحَذَا حَذْوَهُمْ وَنَهَجَ مَنْهَجُهُمْ مِمَّنْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقهمْ مولاهم يُنفِقُونَ، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ إلى آخر السورة.
اللَّهُمَّ إَليْكَ بِدُعَائِنَا تَوَجَّهْنَا وَبِفَائِكَ أَنَخْنَا وَإِيَاكَ أَمَّلْنَا وَلِمَا عِنْدِكَ مِنَ الجُودِ وَالإِحْسَانِ طَلَبْنَا وَلِرَحْمَتِكَ رَجَوْنَا وَمِِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْنَا وَلِغُفْرَانِكَ تَعَرَّضْنَا. اللَّهُمَّ أَحْيِي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ وَلا تُعَذِّبْنَا بَأَلِيمِ عَقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بِالنَّوَالِ وَجَادَ بَالأَفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقِضْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بِلُطْفِكِ وَإِحْسَانِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنِا بِعَفْوِكَ وَغُفْرِانِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
هَذِهِ قَصِيدَةٌ تَحْتَوِي عَلَى الحَثِّ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ وَالزُّهْدِ في الدُّنْيَا وَالإِقْبَالِ عَلَى الآخِرَةْ.
تَفُتُّ فُؤَادَكَ الأَيَّامُ فَتًا
وَتَنْحَتُ جِسْمُكَ السَّاعَاتُ نَحْتًا
стр. 96
وَتَدْعُوكَ الْمَنُونُ دُعَاءَ صَدْقٍ
أَلا يَا صَاحِ أَنتَ أُريدَ أَنْتَا
أَرَاكَ تُحِبُّ عِرْسًا ذَاتَ غَدْرٍ
أَبَتَّ طلاقَها الأكْيَاسُ بَتًّا
تَنَامُ الدَّهْرَ وَيْحَكَ، فِي غَطِيطٍ
بِهَا حَتَّى إِذَا مِتَّ انْتَبَهْتَا
فَكَمْ ذَا أَنْتَ مَخْدُوعٌ فَحَتَّى
مَتَى لا تَرْعَوِي عَنْهَا وَحَتَّى؟!
أَبَا بَكْرٍ دَعَوْتُك لَوْ أَجبتَ
إِلى مَا فِيهِ حَظَّكَ لَوْ عَقِلْتَا
إِلى عِلْمٍ تكونُ بهِ إمامًا
مُطَاعًا إِنْ نَهَيْتَ وإِنْ أَمَرْتَا
وَيَجْلو ما بِعَيْنِكَ مِنْ غِشَاءٍ
وَيَهْدِيكَ الصِّراطَ إذا ضَلَلْتَا
وَتَحْمِلُ منهُ فِي نَادِيكَ تَاجًا
وَيَكْسُوكَ الْجَمَالَ إِذَا اغْتَربْتَا
يَنَالُكَ نَفَعُهُ ما دُمْتَ حيًّا
وَيَبْقَى ذِكْرُهُ لَكَ إِنْ ذَهَبْتَا
هُوَ الْعَضْبُ الْمُهَنَّدُ لَيْسَ يَكْبُو
تَنَالُ بِهِ مَقَاتِلَ مَنْ ضَرَبْتَا
وَكَنْزٌ لا تخافُ عليهِ لِصًّا
خَفِيفُ الْحَمْلِ يُوجَدُ حَيثُ كُنْتَا
يَزِيدُ بِكَثْرةِ الإِنْفَاقِ مِنْهُ
стр. 97
وَيَنْقُصُ إِنْ بِهِ كَفًّا شَدَدْتَا
فلو قَدْ ذُقْتَ مِنْ حَلْواهُ طَعْمًا
لآثرْتَ التَّعَلُّمَ وَاجْتهدْتَا
وَلَمْ يَشْغَلْكَ عنهُ هَوىً مُطاعٌ
وَلا دُنْيَا بِزُخْرِفُهَا فُتِنْتَا
وَلا يُلْهِيكَ عَنْهُ أَنِيقُ رَوْضٍ
ولا خَوْدٌ بزينَتِهَا كَلِفْتَا
فَقُوْتُ الرُّوحِ أرْواح الْمَعَالِي
وَلَيْسَ بَأنْ طَعِمْتَ وأنْ شَرِبْتَا
فَوَاظِبْهُ، وَخُذْ بالْجِدِّ فِيهِ
فَإِنْ أَعَطَاكَهُ البارِي أَخَدْتَا
وَإِنْ أُوتِيتَ فِيهِ بِطوُلِ بَاعٍ
وَقَالَ النَّاسُ: إِنَّكَ قَدْ سَبَقْتا
فلا تَأمَنْ سُؤالَ اللهِ فِيهِ
بِتَوْبِيخٍ، عَلِمْتَ فهلْ عَمِلْتَا؟!
وَضَافِي ثَوْبِكَ الإحسان لا أنْ
وَلَيْسَ بأَن تَعَالى أَوْ رَئِسْتَا
وإنْ أَلْقَاكَ فَهْمُكَ فِي مَهَاوٍ
فَلَيْتَكَ ثُمَّ لَيْتَكَ مَا فَهِمْتَا
إذا ما لمْ يُفِدْكَ العلمُ خَيْرًا
فَخيرٌ مِنْهُ أَنْ لَوْ قَدْ جَهِلْتَا
سَتَجْنِي مِنْ ثِمَارِ اللَّهْوِ جَهْلاً
стр. 98
وَتَصْغَرُ في العُيُونِ إذا كَبِرْتَا
وَتُفْقِدُ إِنْ جَهِلْتَ، وَأَنْتَ بَاقٍ
وَتُوجَدُ إِنْ عَلِمْتَ إِذا فُقِدْتَا
سَتَذْكُرُ لِلنَّصِيحَةِ بَعْدَ حِينٍ
وَتَطْلُبُهَا إذا عَنْهَا شُغِلْتَا
وَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا
وَسَوْفَ تَعَضُّ مِنْ نَدَمٍ عَلَيْهَا
إِذَا أَبْصَرْتَ صَحْبَكَ في سَمَاءٍ
وَقَدْ رُفِعُوا عَليكَ، وَقَدْ سُفِلْتَا
فراجعها وَدَعْ عَنْكَ الهُوَيْنَا
فَمَا بِالبُطْءِ تُدْرِكُ ما طَلَبْتَا
وَلا تَحْفِلْ بِمَالِكَ، وَالْهُ عنهُ
فَليسَ المَالُ إلا ما عَلِمْتَا
وَلَيسَ لِجَاهِلٍ في الناسِ مَغْنَىً
وَلَوْ مُلْكُ الأنَامِ لَهُ تَأَتَّى
سَيَنْطَقُ عَنْكَ مَالُكَ في نَدِيٍّ
وَيَكْتُبُ عنكَ يَومًا إِنْ كَتَبْتَا
وَما يُغْنِيكَ تَشْييدُ الْمَبَانِي
إذا بالجَهْلِ دِينَك قد هَدَمْتَا
جَعَلْتَ المَالَ فَوْقَ العِلْمِ جَهْلاً
لَعَمْرُكَ في القَضِيَّةِ مَا عَدَلْتَا
وَبَيْنَهُمَا بِنَصِّ الوَحْي فَرْقٌ
سَتَعْلَمُهُ إِذا (طَه َ) قَرَأْتَا
стр. 99
لَئِنْ رَفَعَ الغَنِيُّ لِوَاءَ مَالٍ
فَأنْتَ لِوَاءَ عِلمِكِ قَدْ رَفَعْتَا
وَإِنْ جَلَسَ الْغَنِيُّ عَلَى الْحَشَايَا
فَأنْتَ عَلَى الْكَوَاكِبِ قَدْ جَلَسْتَا
وَإِنْ رَكِبَ الْجِيادَ مُبسَوَّمَاتٍ
فَأنْتَ مِنْاهِجَ التَّقْوَى رَكِبْتَا
وَمَهْمَا افْتَضَّ أَبْكَارَ الْغَوَانِي
فَكَمْ بِكْرٍ مِنَ الحِكَمِ افْتَضَضْتَا
وَلَيْسَ يَضُرُّكَ الإِقْتَارُ شَيْئًا
إِذَا مَا أَنْتَ رَبَّكَ قَدْ عَرَفْتَا
فِيامَا عِنْدَهُ لَكَ مِنْ جَزِيلٍ
إِذَا بِفِنَاءِ طاعتِهِ أَنَخْتَا
فَقَابِلْ بالقَبُولِ صَحيحَ نُصْحِي
وَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ فقَدْ خَسِرْتَا
وَإِنْ رَاعَيْتَهُ قَوْلاً وَفِعْلاً
وَعَامَلْتَ الإِلَهَ بِهِ رَبِحْتَا
فَلَيْسَتْ هَذِه الدُّنْيَِا بشيءٍ
تَسُوؤكَ حُقْبَةً، وَتَسُرُّ وَقْتَا
وَغَايَتُهَا إِذَا فَكَّرْتَ فِيها
كَفِئكَ، أَوْ كَحُلْمِكَ إِنْ رَقَدْتَا
سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌ
فكَيفَ تُحبُّ مَنْ فِيهَا سُجِنْتَا
وَتُطْعِمُكَ الطَّعَامَ وَعَنْ قَلِيلٍ
стр. 100
.. سَتُطْعَمُ مِنْكَ مَا مِنْهَا طَعِمْتَا
وَتَعْرَى إِنْ لَبِسْتَ بِهَا ثِيَابًا
وَتُكْسَى إنْ مَلابِسَهَا خَلَعْتَا
وَتَشْهَدُ كُلَّ يَوْمٍ دَفْنَ خِلٍّ
كَأنك لا تُرادُ بِمَا شَهِدْتَا
وَلَمْ تُخْلَقْ لِتَعْمُرَهَا وَلَكِنْ
لِتَعْبُرَها فَجِدَّ لِمَا خُلِقْتَا
وَإِنْ هَدَمْتَ فَزِدْهَا أَنْتَ هَدْمًا
وَحَصِّنُ أَمْرَ دِينِكَ مَا اسْتَطَعْتَا
ولا تَحْزَنْ لِمَا قَدْ فَاتَ مِنْها
إِذَا مَا أَنْتَ فِي أُخْرَاكَ فُزْتَا
فَلَيْسَ بِنَافِعٍ ما نِلْتَ مِنْهَا
مِنْ الفانِي إِذَا الباقي حُرِمْتَا
وَلا تَضْحَكْ مَع السُّفَهَاءِ جَهْلاً
فَإنَّكَ سَوْفَ تَبْكِي إِنْ ضَحِكْتَا
وَكَيْفَ بِكَ السُّرورُ وأنتَ رَهْنٌ
وَلا تَدْرِي غَدًا أَنْ لَوْ غُلَبْتَا؟!
وَسَلْ مِنْ رِبِّكَ التَّوْفِيقَ فِيهَا
وَأَخْلِصْ في الدُّعاء إِذَا سَأَلْتَا
وَنَادِ إذ سُجِنْتَ بِهِ اعْتِرافًا
كَمَا نَادَاهُ ذُو النُّونِ بنُ مَتَّى
وَلازِمْ بَابَهُ قَرْعًا عَسَاهُ
سَيَفْتَحُ بابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَا
стр. 101
وأكْثِرْ ذِكْرَهُ في الأرِضِ دَابًّا
لِتُذْكَرَ في السماءِ إِذَا ذَكَرْتَا
وَلا تَقُلِ الصَّبَا فِيهِ امْتِهالٌ
وَفَكِّرْ كَمْ صَغِيرِ قَدْ دَفَنْتَا
وَقُلْ لِي: يَا نَصِيحِي لأَنْتَ أَوْلَى
بِنُصْحِكَ إِذْ بِعَقْلِكَ قَدْ عُرِفْتَا
فَتَعْذِلُني عن التَّفريطِ يَوْمًا
وَبَالتَّفْرِيطِ دَهْرَكَ قَدْ قَطَعْتَا
وَفِي صَغِرِي تُخوِّفُنِي الْمَنَايَا
وَمَا تَجْرِي بِبَالِكَ حِينَ شِخْتَا
وَكُنْتَ مَعَ الصِّبَا أَهْدَى سَبِيلاً
فَمَا لَكَ بَعْد شَيْبِكَ قَدْ نُكِسْتَا
وَهَا أَنَا لَمْ أَخُضْ بَحْرَ الخَطَايَا
كَمَا قَدْ خُضْتَهُ حَتَّى غَرِقْتَا
وَلَمْ أَشْرَبْ حُمَيَّا أَمْ دَفْرٍ
وَأَنْتَ شَرِبْتَهَا حَتَّى سَكِرْتَا
وَلَمْ أحْلِلْ بَوَادٍ فِيهِ ظُلْمٌ
وَأَنْتَ حَلَّلْتَ فِيهِ وَانْتَهَكْتَا
وَلَمْ أَنْشَأ بَعَصْرٍ فِيهِ نَفْعٌ
وَأَنْتَ نَشَأْتَ فِيهِ فَمَا انْتَفَعْتَا
وَنَادَاكَ الكِتَابُ فَلْم تُجِبْهُ
وَنَبَّهَكَ الْمَشِيبُ فما انْتَبَهْتَا
وَقَدْ صَاحبْتَ أعْلامًا كَثِيرًا
стр. 102
فَلَمْ أَرَكَ انْتَفَعْتَ بِمَنْ صَحِبْتَا
وَيَقْبُحُ بَالْفَتَى فِعْلُ التَّصَابِي
وَأَقْبَحُ منه شَيْخُ قَدْ تَفَتَّى
فَأَنْتَ أَحَقُّ بَالتَّفِنِيدِ مِنِّي
وَلَوْ سَكَتَ الْمُسِيءُ لِمَا نَطَقْتَا
فَنَفْسَكَ ذُمَّ لا تَذْمُمْ سِوَاها
بَعْيبٍ فَهِي أَجْدَرُ إِنْ ذَمَمْتَا
وَلَوْ بَكَتِ الدِّمَا عَيْنَاكَ خَوْفًا
لِذَنْبِكَ لَمْ أَقُلْ لَكَ قَدْ أَمِنْتَا
فَمَنْ لَكَ بَالأمَانِ وَأَنْتَ عَبْدٌ
أُمِرْتَ فَمَا ائْتَمَرْتَ وَلا أَطَعْتَا
فَسِرْتَ الْقَهْقَرَى وَخَبَطْتَ عَشْوًا
لَعَمْرُكَ لَوْ وَصِلْتَ لَمَا رَجَعْتَا
ثَقُلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَسْتَ تَخْشَى
لِجَهْلِكَ أَنْ تَخِفَّ إِذًا وُزِنْتَا
وَلَوْ وَافَيْتَ رَبَّكَ دُونَ ذَنْبٍٍ
وَنَاقَشَكَ الحِسَابَ إِذَا هَلَكْتَا
لَمْ يَظْلمْكَ فِي عَمَل وَلَكِن
عَسَيرٌ أَنْ تقُومَ بما حَمَلْتَا
تَوَجَّعُ لِلْمُصِرِّ عَلَى الخَطَايَا
وَتَرْحَمُهُ وَنَفْسَكَ مَا رَحِمْتَا
وَلَوْ قَدْ جِئْتَ يَوْمَ الْفَصْلِ فَرْدًا
وَأَبْصَرْتَ الْمَنَازِلَ فِيهِ شَتَّى
стр. 103
لأعَظَمْتَ النَّدَامَةَ فِيهِ لَهْفًا
عَلَى مَا فِي حَيَاتِكَ قَدْ أَضَعْتَا
تَفِرُّ مِنْ الْهَجِيرِ وَتَتَقِيهِ
فَهَلا مِن جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَا!!
وَلَسْتَ تُطيقُ أَهْوَانَها عَذَابًا
ولو كُنْتَ الْحَدِيدَ بِها لَذُبْتَا
وَلا تكْذِبْ فَإنَّ الأَمْرَ جَدٌّ
وَلَيَسَ كَمَا حَسِبْتَ وَمَا ظَنَنْتَا
أَبَا بَكْرٍ كَشَفْت أَقَلَّ عَيْبِي
وَمَا اسْتَعْظَمْتَهُ مِنْهَا سَتَرْتَا
فَقُلْ مَا شِئْتَ فِي مِن الْمَخَازِي
وَضَاعِفْهَا فَإنَّكَ قَدْ صَدَقْتَا
وَمَهْمَا عَبْتَنِي فَلِفَرْطِ عِلْمِي
بِبَاطِنَتِي كَأنَّكَ قَدْ مَدَحْتَا
وَلا تَرْضَى الْمَعَائبَ فَهِيَ عارٌ
عَظِيمٌ يُورِثُ الإِنْسَانَ مَقْتَا
وَتَهْوَى بَالوَجِيهِ مِنَ الثُّرَيَا
وَتُبْدِلُهُ مَكانَ الْفَوْقِ تَحْتَا
كَذَا الطَّاعَاتُ ُتبِلِغُكَ الدَّرَارِي
وَتَجْعَلُكَ القَرِيبَ وإنْ بَعُدْتَا
وَتَنْشُرُ عَنْكَ فِي الدُّنْيَا جَمِيلاً
فَتَلْقَى البِرَّ فِيها حَيْثُ شِئْتَا
وتُمسِي في مَسَاكِنِهَا عَزِيزًا
стр. 104
وَتَنْجِي الحَمْدَ مِمَّا قَدْ غَرَسْتَا
وَأَنْتَ اليومَ لمْ تُعْرِفْ بِعَيْبٍ
وَلا دَنَّسْتَ ثَوْبَك مُذْ نَشَأْتَا
وَلا سَابَقْتَ في مَيْدَانِ زُورٍ
وَلا أَوْضَعْتَ فِيهِ وَلا خَبَبْتَا
فَإنْ لَمْ تَنْأَ عنهُ نَشَبْتَ فِيهِ
فَمَنْ لَكَ بَالخَلاصِ إِذَا نَشَبْتَا؟!
وَدَنِّسَ مِنْكَ مَا طَهَّرْتَ حَتَّى
كَأنَّكَ قَبْلَ ذلكَ مَا طَهُرْتَا
وَصِرْتَ أَسِيرَ ذَنْبِكَ فِي وِثَاقٍ
وَكَيْفَ لَكَ الفِكَاكُ وَقَدْ أُسِرْتَا؟!
فَخَفْ أبْنَاءَ جِنْسِكَ وَاخْشَ مِنْهُمْ
كَمَا تَخْشَى الضَّرَاغِمَ والسَّبَنْتَا
فَخَالِطْهُم وَزَايلْهُمْ حِذارًا
وَكُنْ كالسَّامِري إِذَا لُمْستَا
وَإِنْ جَهِلُوا عَلَيْكَ فَقُلْ سَلامٌ
لَعَلَّكَ سَوْفَ تَسْلَمُ إِنْ سَلِمْتَا
وَمَنْ لَكَ بالسَّلامَةِ فِي زَمَانٍ
يُزِلُّ الْعُصْمَ إِلا إِنْ عُصِمْتَا
وَلا تَلْبثْ بَحَيٌ فِيهِ ضَيْمٌ
يُمِيتُ القَلْبَ إلا أَنْ كُبِلْتَا
فَغَرِّبْ فالتَّغْرُّبُ فِيهِ خَيْرٌ
وَشَرِّقْ إنْ بِرِيْقِكَ قَدْ شَرِقْتَا
стр. 105
فَلَيْسَ الزُّهْدُ في الدُّنْيَا خُمُولاً
فأنْتَ بها الأميرُ إذا رَهِدْتَا
فَلَوْ فَوقَ الأَمِيرِ يكُونُ عَالٍ
عُلُّوًا وارْتِفَاعًا كُنْتَ أَنْتَا
فإنْ فارَقْتَهَا وَخَرجْتَ منها
إلى دارِ السَّلامِ فقد سَلِمْتَا
وإنْ أكْرَمْتَها وَنَظَرْتَ فِيهَا
بَإجْلالٍ فَنفسَكَ قَدْ أَهْنَتَا
جَمَعْتُ لَكَ النَّصَائحَ فَامْتَثِلْهَا
حَيَاتَكَ فَهِيَ أَفْضَلُ مَا امْتَثَلْتَا
وَطوَّلْتُ العِتَابَ وَزِدْتُ فيهِ
لأَنَّكَ في البَطَالةِ قَدْ أَطَلْتَا
فَلا تَأْخُذْ بَتَقْصِيرِي وَسَهْوي ... وَخُذْ بِوَصِيَّتِي لَكَ إِنْ رُشِدْتَا
وَقَدْ أَرْفَقْتُهَا سِتًّا حِسَانًا ... فَكَانَا قَبْلَ ذَا مِأةً وَسِتًّا
وَصَلَّى اللهُ مَا أَوْرَقْ نَضَارٌ ... عَلَى الْمُخْتَارِ في شَجَرٍ وَحَنَّا
اللَّهُمَّ يَا مَنْ خَلَقَ الإِنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ وَبِقُدْرَتِهِ التي لا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ نَسْأَلُكَ أَنْ تَهْدِينَا إِلى صِرَاطِكَ الْمُسْتِقيمِ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَأَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
موعظة: عباد الله سَيَصْحُو السَّكرانُ من سُكْره، حِينَ لا يُمْكِنِهُ تَلافي أَمْرهْ وَسَيْنَدَمُ المضيع على تَضْييعه، إِذَا قَابلَهُ أَمْر صَنِيعهْ، وَسَيُقْصرُ الأَمَلَ من أمله وقْتَ هجُومِ أجَله، وتعذر الزيادة في عَمَله، والخروج من بين مالهِ وَأَهْلِهْ.
стр. 106
هُنَالِكَ يَستحَيلُ حُلْوُ العيش مُرًا وَيَنْقَلبُ عُرْفُ الأمر نُكْرًا، ويَعْلمِ جَامِعُ الحطام الذِي أَضَاعِ بِهِ أَوْقَاتَهُ أن الباقيات الصالحات أَبْقَى ذِكرَا وأنفعُ ذُخْرَا، ليس في ظل الدنيا مقيل ولا على هَذِهِ الحياةِ تَعويلِ.
كَيْفَ يطمعُ عاقِلٌ في الإقامة بدار الرحيل، كيف يَضحَك من هو مَحْفُوفَ بمُوجبات البُكاء والعَويل، أسْمَعَنا النَّاصِحُ فَتَصَامَمْنَا، وَأيْقَظَتْنَا الغيَرُ فَتَنَاومْنَا، وَرَضِينَا بَالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخرِة، واشْتَرَيْنَا مَا يَفْنَى بِمَا يَبْقَى فَتِلْكَ إِذًا صفقَةٌ خَاسِرَة.
أَيْنَ الآذَانُ الْواعِية، أيْنَ الأعْيُنُ البَاكِية، قَوْلٌ بلا فِعَال وأمْرٌ بلا امتثال رُسُلُ مَلَكِ الموت في كُل نَفَس تَدْنُوا إلى أنْفُسِنَا وأجْسَادُ أَحِبَّتِنَا تحتَ أطباق الثرى هَامدة.
قد أو حَشَتْ منهم دِيَارُهُمْ، وَدَرَسَتَ رُسُومُهَم وآثارُهم، وتقطعت بالبلاء أوَصالُهم، وَمَحَتْ أَيْدِي الحَوادثِ والقُبور مَحَاسِنَ تِلكَ الصُّورَ، وأطْبَقُت عَليهم ضُلَماتُ تِلْكَ الحُفَر.
فلا شَمس فيها ولا نُور ولا قَمر، ونَحْنُ عَمَّا قَريب إلى مَا صاروا إليه صائرون، وبالكأس الذي شربوا منه شارِبُون ثم مع هذا اليقين إلى دار الغرور راكنون.
طُوبَى لِمَنْ فِي مَراضي رَبِّه رَغَبَا ... وَعَنْ مَصَارِعِ أهلِ اللَّهْو قَدْ هَرَبَا
قَدْ وَطَّنَ النفسَ أنَّ اللهَ سَائلُهُ ... فَفَرَّ مِنْهُ إِلَيْهِ مُهِيبًا هَرَبَا
وَللتُقَى مَرْكَبٌ يَنْجُو برَاكِبِهِ ... فَيَا نَجَاةَ الذي مَعْ أَهْلِهِ رَكَبَا
وَلِلْهُدَى رُفْقَةٌ فَاسْعَدْ بِصُحْبَتِهْمِ ... فَيَا سَعَادَةَ مَن أَهلَ الهدُى صَحَبَا
لِلَّهِ دُرُّ عِبَادٍ قُرْبَهُ طَلَبُوا ... لَمْ يَطْلُبُوا فِضَّةً منه ولا ذَهَبَا
سَارُوا بَعْزِمِ وَتَشْمِير وَمَا اتَّخَذُوا ... فِي سَيْرِ دُنْيَاهُمُوا لَهْوًا وَلا لَعِبَا
стр. 107
الصِّدْقُ مَرْكَبُهم والحقُ مَطْلَبُهُمْ ... لا زُورَ مَازَجَ دَعْواهُم ولا كَذِبَا
اللَّهُمَّ علمْنَا مَا يَنْفَعْنَا وانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي عُلومِنَا وَأَعْمَالِنَا وَأَعْمَارِنَا وَأصْلِحْ نَيَّاتِنَا وَذُرَّيَاتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فصل)
ومما ورد في فضل العلمِ والحثِّ على تَعلُّمِهِ وتعليمِهِ ما يلي مِنَ الأحاديث:
١– فعن معاوية ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . رواهُ البخاريُّ، ومسلمُ.
٢- وعن عبد الله يعني ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ وألهمه رشده» . رواهُ البَزَّارُ، والطَّبَرَانِي فِي الْكَبِيرِ بإسنادٍ لا بَأْسَ بِهِ.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدنيا والآخرة، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا حَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أبَطأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو داوودَ، والتُّرْمُذِي، والنَّسائي، وابنُ ماجَة، وابنُ حِبَّان في صحيحِهِ، والحاكمُ وقال: صحيحٌ على شَرْطِهِمَا.
стр. 108
٤– وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بما يصنع وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حتى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وفَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
٥– وعن صَفْوَانُ بن عَسَّالٍ الْمُرَادِيُّ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النبي ﷺ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بُرْدٍ لَهُ أحمر، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا بطالبِ الْعِلْمِ، إنَّ طَالِبُ الْعِلْمِ تحُفُّهُ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْضُهُم بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ مَحُبِّتهِمْ لِمَا يَطْلُبُ» . رواه أحمد، والطبراني بإسناد جيدٍ واللفظ له، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. وروى ابن ماجة نحوه باختصار ويأتي لفظه إن شاء الله تعالى.
تَرَفَّقَ بِمَنْ يَأْتِيكَ لِلْعِلْمِ طَالِبًا ... وَقُلْ مَرْحَبًا يَا طَالِبَ العِلْم مَرْحَبَا
فَهَذَا الذي أَوْصَى بِهِ سَيِّدُ الوَرَى ... كَمَا قَدْ رَوَى الخُدْريُّ عَنْهُ وَرَحَّبَا
وَمَنْ سَهَّلَ اللهُ الطَّرِيقَ لِجَنَّةٍ ... لَهُ الجَدِيرُ بِالتَّرحُّبِ وَالحِبَا
آخر:
مُنَايَ مِن النُيا عُلومٌ أَبُثُّهَا ... وَأَنْشُرُهَا في كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ
دُعَاءٌ إلَى القُرآنِ وَالسُّنَّةِ التِّي ... تَنَاسَى رِجَالٌ ذِكْرَهَا في المَحَاضِرِ
وَقَدْ أَبْدَلُوهَا بِالجَرَائِدِ تَارَةً ... وَتِلْفَازِهْمِ رَأسُ الشُّرُورِ المَنَاكِرِ
وَمِذْيَاعِهِمْ أَيْضًا فَلا تَنْسَ شَرَّهُ ... فَكَمْ ضَاع مِنْ وَقْتٍ بِهِ بالخَسَائِرِ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 109
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ» . رواه ابن ماجة وغيره.
وَرُوِيَ عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ جَاءهُ أَجَلُهُ وهو يَطْلُبُ العِلْمَ لَقِيَ اللهَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبينَ النَّبيينَ إِلا دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ» . رواهُ الطَبراني في الأوسط.
٦– وَرُوِي عَنْ سَخْبَرَةَ ﵁ قَالَ: مَرَّ رَجُلانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُذَكِّرُ، فَقَالَ: «اجْلِسَا فَإِنَّكُمَا عَلَى خَيْرٍ» ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، قَامَا، فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لَنَا: «اجْلِسَا، فَإِنَّكُمَا عَلَى خَيْرٍ» أَلَنَا خَاصَّةً، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَطْلُبُ الْعِلْمَ، إِلا كَانَ كَفَّارَةَ مَا تَقَدَّمَ» . رواه التُرْمُذِي مختصرًا، وَالطَّبَرَانِي في الكبير واللفظُ لهُ.
قال بَعضُ العلماء: مَن غَرَسَ العلم اجْتَنَى النباهَةِ، وَمَنْ غَرَسَ الزُّهْدَ اجْتَنَى العِزَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الإِحسان اجْتَنَى المحبةَ، وَمَنْ غَرَسَ الفكرة اجْتَنَى الحِكْمَةَ، وَمَنْ غَرَسَ الوَقَارَ اجْتَنَى المَهَابَة، وَمَنْ غَرَسَ المَدَارَة اجْتَنَى السَّلامَة، وَمَنْ غَرَسَ الكِبَرَ اجْتَنَى المَقْتَ، وَمَنْ غَرَسَ الحِرْصَ اجْتَنَى الذِّلَّةَ، وَمَنْ غَرَسَ الطَّمَعَ اجْتَنَى الخِزْيَ، وَمَنْ غَرَسَ الحَسَدَ اجْتَنَى الحُزْنَ والكَمَدَ.
٧- وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ما اكْتَسَبَ مُكْتَسِبٌ مِثْلَ فَضْلِ عِلْمٍ يَهْدِي صَاحِبَهُ إِلى هُدَى أَوْ يَرُدَّهُ عَنْ رَدَى وَمَا استقامَ دِينُهُ حتى يَسْتَقِيمَ عَمَلُه» . رواه الطبراني في الكبير واللفظُ والصغيرِ إلا أنه قَال فيهِ: حتى يَسْتَقِيمَ عَقلُهُ. وإسنادُهُمَا متقارِبٌ.
٨- وَرُوِيَ عن أبي ذَرّ، وأبي هُريرةَ ﵄ أنهُما قالا:
стр. 110
لبابٌ يتعلمُهُ الرجلُ أحَبُّ إلى الله مِنْ أَلفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا وقالا: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إذا جاءَ الموتُ لِطَالِبِ العِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالةِ ماتَ وهو شهيدٌ» . رواه البزارُ، والطبرانيُّ في الأوسطِ إلا أنه قال: «خيرٌ له مِنْ أَلفِ رَكْعة» .
٩- وعنْ أبي ذَرّ ﵁ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ» . رواه ابن ماجة بإسنادٍ حسنٍ.
شِعْرًا:
إذا ما شِئتَ أَنْ تَسْمُو وَتُسْمَى ... وَتُدْرِكَ رَاحَةً رُوحًا وَجِسْمًا
فَقُمْ لِطَرِيقِ أَهْلَ العِلْمِ سَعْيًا ... لِتَقْفُوا مَعْهُمُوا أَثَرًا وَرَسْمًا
فَإِنْ حَصَّلْتَ مَطْلُوبًا وَإلا ... ظَفِرْتَ بِأَكْبَرِ الشَّرَفَيْنِ قَسْمَا
فَأَكْرَمُ مَا حَوَاهُ المَرْءُ عِلْمٌ ... بِهِ يُهَدَى وَيَهْدِي مَنْ أَلَمَّا
وَلَيْسَ يُفِيدُ الْكَوْنَ عَبْدًا ... إِلَى العَلْيَاءِ يَسْرِي وَهْوَ أَعْمَى
فَكَمْ أَبْدَى ضِيَاءُ العِلْمِ رُشْدًا ... وَأَذْهَبَ ظُلْمَةً وَأَزَالَ غَمًا
فَنَحْمَدُ رَبَّنَا إِذْ مَنَّ لُطْفًا ... بِهِ في رُشْدِنَا وَأزَالَ غَمًّا
آخر:
إذَا مِتُّ فانْعِيْنِقي إلِى العِلْمُ والنِّهَى ... وَمَا حَبُّرتْ كِفِّيْ بِمَا في المَحَابَرِ
فَإِنِّي مِنْ قَوْمٍ بِهِمْ يَضِحُ الهُدَى ... إِذَا أَظْلَمَتْ بالقَوْمِ طُرْقُ البَصَائِرِ
١٠- وعن أبي هُريرَة ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالاهُ وَعَالِمًا ومُتَعَلِّمًا» . رواه التُرمُذِي، وابنُ ماجة، والبَيْهَقِي. وقالَ الترمذيُّ: حَدِيثٌ حَسَن.
١١- وعن ابن مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لاَ حَسَدَ إِلا فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ،
следующие страницы →