← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَيُقَالَ هَذَا ضَوْءُ ثَغْرٍ ضَاحِكٍ ... فِي الْجَنَّةِ الْعُلَيا كَمَا تَريَانِ للهِ لاثِمْ ذَلِكَ الثَّغْرِ الَّذِي ... فِي لَثْمِةِ إِدْرَاك كُلّ أَمَانِ رَيَّانَة الأَعْطَافِ مِنْ مَاءِ الشَّبَا ... ب فَغِصْنَهَا بِالْمَاءِ ذُو جَرَيَانِ لَمَّا جَرَى مَاءُ الشَّبَابِ بِغِصْنِهَا ... حَمَلَ الثِّمَارَ كَثِيرَةَ الأَلْوَانِ فَالْوَرْدُ وَالتُّفْاحُ وَالرُّمَّانُ فِي ... غِصْنِ تَعَالَى غَارِسِ الْبُسْتَانِ والَقَدْ مَنْهَا كَالْقَضِيبِ اللدِنْ فِي ... حُسْنِ الْقَوامِ كَأَوْسَط الْقُضْبَانِ إِلَى أن قَالَ ﵀: وَإِذَا بَدَتْ فِي حُلَّةٍ من لُبْسِهَا ... وَتَمَايَلَتْ كَتَمَايُلِ النَّشْوَانِ تَهْتَزُ كَالْغِصْنِ الرَّطِيبِ وَحِمْلُه ... وَرْدٌ وَتُفْاحٌ عَلَى رُمَّانِ وَتَبَخْتَرَتْ فِي مَشْيَهَا وَيَحِقُّ ذَا ... كَ لِمِثْلِهَا فِي جَنْةِ الْحَيَوَان وَوَصَائِفٌ مِن خَلْفِها وَأَمَامِها ... وَعَلَى شَمَائِلِهَا وَعَنْ إِيمَانِ كَالبَدْرِ لَيلَة تِمِّهِ قَدْ حُفَّ فِي ... غَسّقِ الدُّجَى بِكَوَاكِبِ الْمِيزَانِ فَلِسَانُهُ وَفُؤَادُهُ وَالطَّرف فِي ... دَهْشٌ وَإِعْجَابٍ وَفِي سُبْحَانِ فالْقَلْبُ قَبْلَ زَفَافِهَا فِي عُرْسِهِ ... وَالْعُرْسُ إِثْر العُرْسِ مُتَّصِلانِ حَتَّى إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ تَقَابَلا ... أرأيْتَ إِذ يَتَقَابَل الْقَمَرَانِ فَسَلِ الْمُتَيَّمَ أَيْنَ خَلَّفَ صَبْرَهُ ... فِي أَيِّ وَادٍ أَمْ بَأَي مَكَانَ وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ حَالَتُهُ وَقَدْ ... مُلِئَتْ لَهُ الأُذُنَانِ وَالعَيْنَانِ مِن مَنْطِقٍ رَقَّتْ حَوَاشِيهِ وَوَجْـ ... ـه كَمْ بِهِ لِلشمْس مِن جَرَيَانِ وَسَلِ الْمُتَيَّمَ كَيَفَ عِيشَتُهُ إِذَا ... وَهُمَا عَلى فُرَشَيْهِمَا خَلَوَان يَتَسَاقَطَانِ لَئِآلئا مَنْثُورة ... مِن بَيْنِ مَنْظُومٍ كَنَظْمِ جُمانِ وَسَلِ الْمُتَيَّمَ كَيَفَ مَجْلِسُه مَعَ الْـ ... مَحْبُوبِ فِي رَوْحٍ وَفِي رَيْحَانِ وَتَدُورُ كَاسَات الرَّحِيقِ عَلَيْهِمَا ... بِأَكُفٍ أقمارٍ من الْولْدَانِ يَتَنَازَعَانِ الكَأْسَ هَذَا مَرَّة ... وَالْخُودُ أُخرَى ثُمَّ يَتَكِئَانِ

стр. 1122

فَيَضُمُّهَا وَتَضُمُّهُ أَرَأيْتَ مَعْـ ... ـشُوقَيْنِ بَعدَ البُعْدِ يَلْتقِيانِ غَابَ الرَّقِيبُ وَغَابَ كُلُّ مُنَكَّدٍ ... وَهُمَا بثَوْبِ الوَصْلِ مُشْتَمِلانِ أَتَرَاهُمَا ضَجِرَيْنِ مِنَ ذَا الْعَيْشِ لا ... وَحَياةِ رَبِّكَ مَا هُمَا ضَجِرَانِ وَيَزِيدُ كُلّ مِنْهُمْ حُبًّا لِصَا ... حِبِهِ جَدِيدًا سَائِرَ الأَزْمَانِ وَوِصَالُهُ يَكْسُوهُ حُبًا بَعْدَهُ ... مُتَسَلْسَلاً لا يَنْتَهِي بِزَمَانٍ فَالْوَصُلُ مَحْفُوفٌ بِحُبٍ سَابِقٌ ... وَبِلاحِقِ وَكِلاهُمَا صِنْوَانِ فَرْقٌ لَطِيفٌ بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنَ ذَا ... يَدْرِيْهِ ذُو شُغْلٍ بِهَذَا الشَّانِ وَمَزِيدُهُم فِي كُلّ وَقْتٍ حَاصِلٌ ... سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ وَالسُّلْطَانِ يَا غَافِلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ ... جَدَّ الرَّحِيل وَلَسْتَ بِالْيَقْظَانِ سَارَ الرِّفَاقُ وَخَلَّفُوكَ مَعَ الأولى ... قَنَعُوا بِذَا الْحَظِّ الْخَسِيسِ الْفَانِ وَرَأَيْت أَكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّفًا ... فَتَبَعْهُم فَرَضِيتَ بِالْحِرْمَانِ لَكنْ أَتَيْتَ بِخُطَّتِي عَجْزٍ وَجَهْـ ... ـلٍ بَعْدَ ذَا وَصَحِبْتَ كُلَّ أَمَانِ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ بِالْحُوقِ مَعَ الْقُعُودِ ... عَنْ الْمَسِيرِ وَرَاحَةِ الأَبْدَانِ وَلَسَوْفَ تَعْلَمُ حِينَ يَنْكَشِفُ الْغَطَا ... مَاذَا صَنَعْتَ وَكُنْتَ ذَا إمكَانِ وقَالَ ابن القيم ﵀: فَيَا سَاهِيًا فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى ... صَرِيعَ الأَمَانِي عَنْ قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ أَفِقْ قَدْ دَنَى الوَقْتُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ ... سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرَّ نَارٍ تَضَرَّمُ وَبِالسُنَّةِ الْغَرَاءِ كُنْ مَتَمَسِّكًا ... هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَيْسَ تُفْصَمُ تَمَسَّكَ بِهَا مَسْكَ الْبَخِيلِ بِمَالِهِ ... وَعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمُ وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا ... فَمُرَتِّعُ هَاتِيكَ الْحَوَادِثِ أَوْخَمُ وَهَيء جَوَابًا عِنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا ... مِنِ اللهِ يَوْمَ الْعَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ بِهِ رُسُلِي لَمَّا أَتَوْكَمْ فَمَنْ يَكُن ... أَجَابَ سوَاهُمْ سَوْفَ يُجْزَى وَيَنْدَمُ وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جُنَّةٍ ... لِيَوْمِ بِه تَبْدُو عِيَانًا جَهَنَّمُ

стр. 1123

وَيَنْصِبُ ذَاكَ الْجِسْرِ مِنْ فَوْقِ مَتْنِهَا ... فَهَاوٍ وَمَخْدُوشٌ وَنَاجٍ مُسْلِمُ وَيَأْتِى اللهُ الْعَالَمِينَ لِوَعْدِهِ ... فَيَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَحْكُمُ وَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ رَبُّكَ حَقّهُ ... فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ لِلْخَلائِقِ يَظْلِمُ وَيَنْشُر دَيوَانُ الْحِسَابِ وَتُوْضَعُ الْـ ... ـمَوَازِينُ بِالْقِسْطِ الَّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ فَلا مُجْرِمٌ يَخْشَى ظَلامَةَ ذَرَّةٍ ... وَلا مُحْسِنٌ مِن أَجْرِهِ ذَاكَ يُهْضَمُ وَيَشْهَدُ أَعْضَاءُ الْمُسِيئ بِمَا جَنَى ... كَذَاكَ عَلَى فِيهِ الْمُهيْمِنِ يَخْتِمُ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُكَ عِنْدَمَا ... تَطَايَرُ كُتُبُ الْعَالَمِينَ وَتُقْسِمُ أَتَأْخُذُ بِالْيُمْنَى كِتَابَكَ أَمْ تَكُنْ ... بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ مِنْكَ تَسَلَّمُ وَتَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْتَهُ ... فَيُشْرِقُ مِنْكَ الْوَجْهُ أَوْ هُوَ يُظْلِمُ تَقُولُ كِتَابِي فَأْقَرُؤهُ فَإِنَّهُ ... يُبَشِّرُ بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَيُعْلِمُ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإِنَّكَ قَائِلٌ ... أَلا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَهُ فَهُو مُغْرَمُ فَبَادِرْ إِذَا مَادَامَ فِي الْعُمْرِ فُسْحَةً ... وَعَدْلُكَ مَقْبُولٌ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا ... فَفِي زَمَنِ الإِمْكَانِ تَسْعَى وَتَغْنَمُ وَسِرْ مُسْرِعًا فَالْمَوْت خَلْفُكَ مُسْرِعًا ... وَهَيْهَاتَ مَا مِنْهُ مَفَرٌّ وَمَهْزَمُ اللَّهُمَّ ألهمنا القيام بحقك، وبارك لَنَا فِي الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يَا خَيْر من دعاه داع وأفضل من رجاه راج، يَا قاضى الحاجات ومجيب الدعوات هب لَنَا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه وأمّلناه يَا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما فِي ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلى الله على مُحَمَّد وَعَلَى آلِه وصحبه أجمعين. (خاتمة، وصية، نصيحة) اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه الله ويرضاه أن مِمَّا يجب الاعتناء به حفظًا وعملاً كلام الله جَلَّ وَعَلا، وكلام رسوله ﷺ .

стр. 1124

وأنه ينبغي لمن وفقه الله تَعَالَى أن يحث أولاده على حفظ القران وما تيسر من أحاديث النَّبِيّ ﷺ المتفق على صحتها عَنْهُ كالْبُخَارِيّ ومسلم. ومن الفقه مختصر المقنع ليتيسر لَهُ استخَرَجَ المسائل ويجعل لأولاده ما يحثهم على ذَلِكَ. فمثلاً يجعل لمن حفظ القران على صدره حفظًا صحيحًا عشرة آلاف أَوْ أزيد أَوْ أقل حسب حاله فِي الغنى. ومن الأحاديث عقود اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عَلَيْهِ الإمامان الْبُخَارِيّ ومسلم، يجعل لمن يحفظ ذَلِكَ ستة آلاف. فإن عجزوا على حفظها، فالعمدة فِي الْحَدِيث يجعل لمن حفظها ثلاثة آلاف أَوْ الأربعين النووية ويجعل لمن يحفظها ألفًا. ويجعل لمن يحفظ مختصر المقنع فِي الفقه ألفين من الريالات، فالغيب سبب لحفظ المسائل وسبب لسُرْعَةِ استخراج ما أُرِيدَ من ذَلِكَ، وما أشكل معناه أَوْ يدخلهم فِي مدارس تحفيظ القرآن فمدارس تعليم القرآن والسُنَّة هِيَ مدارس التعليم العالي الممتاز الباقي فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، أَوْ يدخلهم فِي حلقات تحفيظ القرآن الكريم الموجودة فِي المساجد. وَلَمْ أَرَى لِلْخَلائِقِ مِنْ مُرَبٍ ... كَعِلْمِ الشَّرْعِ يُؤْخَذُ عَنْ ثِقَاتٍ بِبَيْتِ اللهِ مَدْرَسَةِ الأََوَالِي ... لِمَنْ يَهْوَى الْعُلُومَ الرَّاقِيَاتِ فمن وفقه الله لِذَلِكَ وَعَمِلَ أولاده بذَلِكَ كَانَ سبَبًا لِحُصُولِ الأَجْرِ مِنَ الله وَسَبَبًا لِبِرِّهِمْ بِهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ إذ ذكروا ذَلِكَ منه ولعله أن يكون سببَا مبَارَكًا يعمل به أولاده مَعَ أولادهم، فيزيد الأجر لَهُ ولهم نسأل الله أن يوفق الجميع لحسن النِّيْة إنه القادر على ذَلِكَ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم. تَمَّ هَذَا الجزء الثاني بعون الله وتوفيقه ونسأل الله الحي القيوم العليّ

стр. 1125

العَظِيم ذا الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفوًا أحد أن يعز الإِسْلام والمسلمين وأن يخذل الكفرة والمشركين وأعوانهم وأن يصلح من فِي صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، ويهلك من فِي هلاكه عز وصلاح للإسلام والمسلمين، وأن يلم شعث الْمُسْلِمِين ويجمَعَ شملهم ويوحد كلمتهم وأن يحفظ بلادهم ويصلح أولادهم ويشف مرضاهم ويعافي مبتلاهم ويرحم موتاهم ويأخذ بأيدينا إِلَى كُلّ خَيْر ويعصمنا وإياهم من كُلّ شر، ويحفظنا وإياهم من كُلّ ضر، وأن يغفر لَنَا ولوالدينا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِهِ إِنَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " موعظة " فَيَا أَيُّهَا الْمُهْمِلُون الغافلون تيقظوا فإليكم يوجه الخطاب، ويا أيها النائمون انتبهوا قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشيِّت الأحباب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار. اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة، أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منَّا، واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ

стр. 1126

والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " موعظة " عباد الله تزودوا للرحيل فقَدْ دنت الآجال واجتهدوا واستعدوا للرحيل فقَدْ قرب الارتحال ومهدوا لأنفسكم صالح الأَعْمَال فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذنت بالفراق، وإن الآخِرَة قَدْ أشرفت للتلاق فتزودا من دار الانتقَالَ إِلَى دار الْقَرَار. واستشعروا التَّقْوَى فِي الأقوال والأفعال واحذروا التفاخر والتَّكَاثُر فِي الدُّنْيَا بجمَعَ الحطام واكتساب الآثام وَإِيَّاكُمْ والاغترار بالآمال فوراءكم المقابر ذات الوحشة والهموم والغموم والكربات وتضايق الأنفاس والأهوال المفظعات. فسوف ترون ما لم يكن لكم فِي حساب إِذَا نوديتم من الأجداث حفاة عراة غُرلاً مهطعين إِلَى الداعي وتَعَلَّقَ الْمَظْلُومُونَ بِالظَّالِمِينَ وَوَقَفْتُمْ بين يدي رب العالمين وحل بكم كرب المقام، واشتد بالخلق فِي ذَلِكَ الموقف الزحام وأُخِذَ المجرمون بالنواصي والأقدام وبرزت جهنم تقاد بسبعين ألف زمام مَعَ كُلّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها والخزنة حولها غلاظ شداد. وَيُنَادِي عَنْدَ ذَلِكَ العزيز الحميد الجبار فَيَقُولُ: هل امتلأت؟ وَتَقُول هل من مزيد. هنالك ينخلع قلبك وتتذكر ما فرطت فيه من الأوقات وتتندم ولات ساعة مندم، وتتمنى أن لو زيد فِي الحسنات وخفف من السيئات ولكن أنَّى لَكَ هَذَا وهيهات ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ شِعْرًا: ... لِمَنْ وَرْقَاءُ بِالْوَادِي الْمَرِيعِ ... تَشُبُّ بِهِ تَبَارِيحَ الضُّلُوعِ عَلَى فَيْنَانَةٍ خَضْراءَ يَصْفُو ... عَلَى أَعْطَافِهَا وَشْيُ الرَّبِيعِ

стр. 1127

جج تُرَدِدُ صَوْتُ بَاكِيَةٍ عَلَيْهَا ... رَمَاهَا الْمَوْتُ بِالأَهْلِ الْجَمِيعِ فَشَتَّتَ شَمْلَهَا وأَدَالَ مِنْهُ ... غَرَامًا عَاثَ فِي قَلْبٍ صَرِيعِ عَجِبْتُ لَهَا تُكَلَّمُ وَهِي خَرْسَا ... وَتَبْكِي وَهِيَ جَامِدَةُ الدُّمُوعِ فَهِمْتُ حَدِيثِهَا وَفَهِمْتُ أَنِّي ... مِنَ الْخُسْرَان فِي أَمْرٍ شَنِيعٍ أَتَبْكِي تِلْكَ أَنْ فَقَدَتْ أَنِيسًا ... وَتَشْربُ مِنْهُ بِالْكَأْسِ الْفَظِيعِ وَهَا أَنَا لَسْتُ أَبْكِي فَقْد نَفْسِي ... وَتَضْيِيعِ الْحَيَاةِ مَعَ الْمَضِيعِ وَلَوْ أَنِّي عَقَلْتُ الْيَوْمَ أَمْرِي ... لأَرْسَلْتُ الْمَدَامِعِ بِالنَّجِيعِ أَلا يَا صَاحِ وَالشَّكْوَى ضُرُوبٌ ... وَذِكْرُ الْمَوْتِ يَذْهَبُ بِالْهُجُوعِ لَعَلَّكَ أَنْ تُعِيرَ أَخَاكَ دَمْعًا ... فَمَا فِي مُقْلَتَيْهِ مِنْ الدُّمُوعِ اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك الفائزين برضوانك، وَاجْعَلْنَا مِنْ المتقين الَّذِينَ أعددت لَهُمْ فسيح جنانك، وأدخلنا بِرَحْمَتِكَ فِي دار أمانك، وعافنا يَا مولانَا فِي الدُّنْيَا والآخِرَة مِنْ جَمِيعِ البلايا، وأجزل لَنَا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إِلَى وجهك الكريم مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين وأيقظ قلوبنا وقلوبكم من الغَفْلَة وارزقنا وَإِيَّاكُمْ الاستعداد للنقلة من الدار الفانية إِلَى الدار الباقية، أنَّ مِنْ أَضَرِّ ما على الإِنْسَان طول الأمل. ومعنى ذَلِكَ استشعار طول البقاء فِي الدُّنْيَا حَتَّى يغلب على الْقَلْب وينسى أَنَّهُ مُهَدَّدٌ بالموت فِي كُلّ لحظة، ولا بد منه وكل ما هُوَ آت قريب فتأهب لساعة وَدَاعَكَ من الدُّنْيَا وخروجك مَنْهَا.

стр. 1128

وكن يَا أخي على حذر من مفاجأة الأجل فإنك عرض للآفات، وهدف منصوب لسهام الْمَنَايَا، وإنما رأس مالك الَّذِي يمكنكك إن وفقك الله أن تشتَرَي به سعادة الأبد هَذَا العمر. قَالَ الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ الآية، فإياك أن تنفق أوقات عمرك وأيامه وساعاته وأنفاسه فيما لا خَيْر فيه ولا منفعة فيطول حزنك وندامتك وتحسرك بعد موتك. واجعل ما يلي من الآيات نصب عينيك دَائِمًا لتحثك على الإستعداد ليوم المعاد. قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ . وقوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ . وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ الآية. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . وقال جَلَّ وَعَلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ . ونحو هَذِهِ الآيات التي مرت عَلَيْكَ فَإِنَّ كنت مؤمنًا حَقِيقَة فاشعر قلبك

стр. 1129

تلك المخاوف والأخطار، وأكثر فيها التفكر والاعتبار لتسلب عَنْ قلبك الرَّاحَة والقرار فِي هَذِهِ الدار فتشتغل بالجد والاجتهاد والتشمير للعرض على الجبار. وتفكر أَوَّلاً فيما يقرع سمَعَ سكَانَ القبور من شدة نفخ الصور، فَإِنَّهَا صيحة واحدة تنفرج بها القبور عَنْ رؤوس الموتى، فيثورون دفعة واحدة. قَالَ الله ﷻ : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ ، وقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ . فتصور نفسك إنتبه يَا أخي لهَذَا الْيَوْم العَظِيم الَّذِي لَيْسَ عظمة مِمَّا يوصف، ولا هوله مِمَّا يكيف، ولا يجري على مقدار مِمَّا يعلم فِي الدُّنْيَا ويعرف، بل لا يعلم مقدار عظمه ولا هوله إلا الله ﵎، وما ظنك بيوم عَبَّرَ الله ﵎ عَنْهُ بَعْض ما يكون فيه بشَيْء عَظِيم. قَالَ الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ، وماذا عَسَى أن يَقُولُ القائل فيه وماذا عَسَى أن يصف الواصف به الأَمْر أعظم والخطب أكبر والهول أشنع كما قَالَ القائل: وما عَسَى أنْ أَقُولَ أَوْ أَقُومُ بِهِ ... الأَمْر أَعْظَمُ مِمَّا قِيْل أَوْ وُصِفَا وقَالَ آخر: يَضْحَكُ الْمَرءُ وَالبُكَاءُ أَمَامَهُ ... وَيَرُومُ الْبَقَاءَ وَالموتُ رَامَهْ ويَمْشِي الْحَدِيثُ فِي كُلِّ لَغْوٍ ... وَيُخْلِي حَدِيثُ يَومِ الْقِيَامَهْ وَلأَمْرٌ بَكَاهُ كُلُّ لَبِيبٍ ... وَنَفَى فِي الظَّلامِ عَنْهُ مَنَامَهْ صَاحَ حَدِّثْ حَدِيثَهُ وَاخْتَصْرهُ ١٠ ... فَمُحَالٌ بِأنْ تُطِيقَ تَمَامَهُ عَجِزَ الْوَاصِفُونَ عَنْهُ فَقَالُوا ... لَمْ نَجِئْ مِن بحَارِهِ بِكضَامَهْ

стр. 1130

ج فَلْتُحَدِّثْهُ جُمْلَةً وَشَتَاتًا ... وَدَعِ الآنَ شَرْحَهُ وَنِظَامَهْ فتصور نفسك وقَدْ خرجت من قبرك متغيرًا وجهك مغبرًا بدنك من تراب قبرك مبهوتًا من شدة الصعقة، قَالَ تَعَالَى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ . وقَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ الآية. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ . وقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ . وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ فتفكر فِي الخلائق ورعبهم وذلهم واستكانتهم عَنْدَ الانبعاث خوفًا من هَذِهِ الصعقة وانتظارًا لما يقضى عَلَيْهمْ من سعادة أَوْ شقاوة. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ . شِعْرًا: ... مَنْ كَانَ يُوحِشْهُ تَبْدِيل مَنْزِلِهِ ... وَأَنْ يُبَدَّل مِنْهَا مَنْزِلاً حَسَنَا مَاذَا يَقُولُ إِذَا ضَمَّتْ جَوَانِبَهَا ... عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتْ مِنْ هَا هُنَا وَهُنَا مَاذَا يَقُولُ إِذَا أَمْسَى بِحُفْرَتِهِ ... فَرْدًا وَقَدْ فَارَقَ الأَهْلِينَ وَالسَّكَنَا يَا غَفْلَةً وَرِمَاحُ الْمَوْتِ شَارِعَةٌ ... وَالشَّيْبُ أَلْقَى بِرَأْسِي نَحْوَهُ الرَّسَنَا وَلَمْ أَعُدْ مَكَانًا لِلنِّزَالِ وَلا ... أَعَدَدْتُ زَادًا وَلَكِنْ غِرَّةً وَمُنَا إِنْ لَمْ يَجُدْ مَنْ تَوَالَى جُودُهُ أَبَدَا ... وَيَعْفُ مَنْ عَفْوُهُ مِن طَالِبِيهِ دَنَا

стр. 1131

فَيَا إِلَهِي وَمُزْنُ الجُوُدِ وَاكِفةٌ ... سَحًّا فَتُمْطِرُنَا الإِفْضَالَ وَالْمِنَنَا آنِسْ هُنَالِكَ يَا رَحْمَنُ وَحْشَتُنَا ... وَأَلْطَفْ بِنَا وَتَرَفَّقْ عِنْدَ ذَاكَ بِنَا نَحْنُ الْعُصَاةُ وَأَنْتَ اللهُ مَلْجَؤُنَا ... وَأَنْتَ مَقْصَدُنَا الأَسْنَى وَمَطْلَبُنَا فَكُنْ لَنَا عِنْدَ بَأسَاهَا وَشِدَّتِهَا ... أَوْلَى فَمَنْ ذَا الَّذِي فِيهَا يَكُونُ لَنَا اللَّهُمَّ انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإِيمَان واليقين، وخصنا منك بالتَّوْفِيق المبين، وَوَفِّقْنَا لقول الحق وإتباعه وخلصنا مِنَ الْبَاطِلِ وابتداعه، وكن لَنَا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يدًا واجعل لَنَا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا عِلْمًا نافعًا وعملاً متقبلاً، وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفاءً من كُلّ داء، اغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. " فَصْلٌ " وقَالَ ﵀: اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه ويرضاه أن كثرة ذكر الموت تردع عَنْ المعاصي وتلين الْقَلْب القاسي، وتذهب الفرح بالدُّنْيَا وزينتها وزخارفها ولذاتها. وتحثك على الجد والاجتهاد فِي الطاعات وإصلاح أحوالك وشئونك والتنسخ من حقوق الله وحقوق خلقه، وتنفيذ الوصايا وأداء الأمانات والديون. قَالَ بَعْضهمْ: فضح الدُّنْيَا وَاللهِ هَذَا الموت فلم يترك فيها لذي عقلٍ فرحًا. وقَالَ آخر: ما رأيت عاقلاً قط إلا وجدته حذرًا من الموت حزينًا من أجله. وقَالَ آخر: من ذكر الموت هانَتْ عَلَيْهِ مصائب الدُّنْيَا. وقَالَ آخر: من لم يخفه فِي هَذِهِ الدار ربما تمناه فِي الآخِرَة فلا يؤتاه.

стр. 1132

وقَالَ آخر يوصى أخًا لَهُ: يَا أخي احذر الموت فِي هَذِهِ الدار من قبل أن تصير إِلَى دارٍ تتمنى بها الموت فلا يوَجَدَ. وقَالَ آخر: وأما ذكر الموت والتفكر فيه، فإنه وإن كَانَ أمرًا مقدارًا مفروغًا منه، فإنه يكسبك بتوفيق الله التجافي عَنْ دار الغرور، والاستعداد والإنابة إِلَى دار الخلود، والتفكير والنظر فيما تقدم عَلَيْهِ وفيما يصير أمرك إليه. ويهون عَلَيْكَ مصائب الدُّنْيَا ويصغر عندك نوائبها، فَإِن كَانَ سبب موتك سهلاً وأمره قريبًا فهو ذاك، وإن كَانَتْ الأُخْرَى كنت مأجورًا مَعَ النِّيْة الصَّالِحَة فيما تقاسيه، مثابًا على ما تتحمله من المشاق. واعْلَمْ أن ذكر الموت وغيره من الأذكار إنما يكون بالْقَلْب وإقبالك على ما تذكره. قَالَ الله جلا جلاله وتقدست أسماؤه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ فأي فائدة لَكَ رَحِمَكَ اللهُ فِي تحريك لسانك إِذَا لم يخطر بقلبك. وإنما مثل الذكر الَّذِي يعقب التنبيه، ويكون معه النفع والإيقاظ من الغَفْلَة والنوم أن تحضر المذكور قلبك وتجمَعَ لَهُ ذهنك وتجعله نصب عينيك ومثالاً حاضرًا بين يديك، وأن تنظر إِلَى كُلّ ما تحبه من الدُّنْيَا من ولدٍ أَوْ أَهْلِ أَوْ مالٍ أَوْ غير ذَلِكَ، فتعلم عِلْمًا لا يشوبه شك إِنَّكَ مفارقه فِي الحياة أَوْ فِي الْمَمَات، وهذه سُنَّة الله الجارية فِي خلقه وحكمه المطرد. وتشعر هَذَا قلبك وتفرغ لَهُ نفسك فتمنعها بذَلِكَ عَنْ الميل إِلَى ذَلِكَ المحبوب والتعلق به والهلكة بسببه. شِعْرًا: ... فَعُقْبَى كُلِّ شَيْءٍ نَحْنُ فِيهِ ... مِن الْجَمْعِ الْكَثِيفِ إِلَى شَتَاتِ وَمَا حُزْنَاهُ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمٍ ... يُوَزَّعُ فِي الْبَنِينِ وَفِى الْبَنَاتِ وَفِيمَنْ لَمْ نُؤَهِّلْهُُمْ بِفَلسٍ ... وَقِيمَةِ حَبَّةٍ قَبْلَ الْمَمَاتِ

стр. 1133

ج وَتَنْسَانَا الأَحِبَّةُ بَعْدَ عَشْرٍ ... وَقَدْ صِرْنَا عِظَامًا بَالِيَاتِ كَأَنَّا لَمْ نُعَاشِرْهُمْ بِوُدٍّ ... وَلَمْ يَكُ فِيهِمْ خِلٌّ مُؤاتِ واعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أن مِمَّا يعينك على الفكرة فِي الموت ويفرغك لَهُ ويكثر اشتغال فكرك به تذكر من مضى من إخوانك وخلانك وأصحابك وأقرانك وزملائك وأساتذتك ومشايخك الَّذِينَ مضوا قبلك وتقدموا أمامك. كَانُوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك، ويأملون أملك، ويعملون فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عملك وقصت المنون أعناقهم وقصمت ظهورهم وأصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم وأقرباءهم وجيرانهم فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين. ويتذكر أيضًا ما كَانُوا عَلَيْهِ من الاعتناء بالملابس ونظافتها ونضرة بشرتهم وما كَانُوا يسحبونه من أردية الشباب وأنهم كَانُوا فِي نعيم يتقلبون، وعلى الأسرة يتكئون، وبما شاؤا من محابهم يتنعمون. وفى أمانيهم يقومون ويقعدون، لا يفكرون بالزَوَال، ولا يهمون بانتقَالَ، ولا يخطر الموت لَهُمْ على بال، قَدْ خدعتهم الدُّنْيَا بزخارفها، وخلبتهم وخدعتهم برونقها، وحدثتهم بأحاديثها الكاذبة، ووعدتهم بمواعيدها المخلفة الغرارة. فلم تزل تقرب لَهُمْ بعيدها، وترفع لَهُمْ مشيدها، وتلبسهم غضَّها وجديدها، حَتَّى إِذَا تمكنت مِنْهُمْ علائقها، وتحكمت فيهم رواشقها، وتكشف لَهُمْ حقائقها، ورمقتهم من المنية روامقها. فوثَبِّتْ عَلَيْهمْ وثبة الحنق وأغصتهم غصة الشرق، وقتلتهم قلة المختنق، فكم عَلَيْهمْ من عيون باكيةٍ، ودموعٍ جاريةٍ، وخدودٍ داميةٍ، وقُلُوبٍ من الفرح والسرور لفقدهم خالية، وأنشدوا فِي هذا المعنى:

стр. 1134

وَرَيَّانَ مِنْ مَاء الشَّبَابِ إِذَا مَشَى ... يَمِيدُ عَلَى حُكْمِ الصِّبَا وَيَمِيدُ تَعَلَّقَ مِنْ دُنْيَاهُ إِذْ عَرَضَتْ لَهُ ... خَلُوبًا لأَلْبَابِ الرِّجَالِ تَصِيدُ فَأَصْبَحَ مِنْهَا فِي حَصِيدٍ وَقَائِم ... وَلِلْمَرْءِ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدُ خَلا بِالأَمَانِي وَاسْتَطَابَ حَدِيثَهَا ... فَيَنْقُصُ مِنْ أَطْمَاعِهِ وَيَزِيدُ وَأَدْنَتْ لَهُ الأَشْيَاءِ وَهِيَ بَعِيدَةُ ... وَتَفْعَلُ تُدْنِي الشَّيءَ وَهُوَ بَعِيدُ أُتِيحَتْ لَهُ مِنْ جَانِبِ الْمَوْتِ رَمْيَةٌ ... فَرَاحَ بِهَا الْمَغْرُورُ وَهُوَ حَصِيدُ وَصَارَ هَشِيمًا بَعْدَمَا كَانَ يَانِعًا ... وَعَادَ حَدِيثًا يَنْقَضِي وَيَبِيدُ كَأَنْ لَمْ يَنَلْ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَذَّة ... وَلا طَلَعَتْ فِيهِ عَلَيْهِ سُعُودُ تَبَارَكَ مَنْ يُجْرِي عَلَى الْخَلْقِ حُكْمَهُ ... فَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ عَنْهُ مَحِيدُ " فَصْلٌ ": ويروى أن إبراهيم الخليل ﵇ لما مَاتَ قَالَ الله ﷻ : كيف وجدت الموت؟ قَالَ: كسفودٍ جعل فِي النار ثُمَّ أدخل فِي صوف رطب ثُمَّ جذب. فقَالَ الله تَعَالَى: أما أَنَا لَقَدْ هوناه عَلَيْكَ يَا إبراهيم. ويروى عَنْ مُوَسى ﵇ أنه لما صَارَت روحه إِلَى الله تَعَالَى قَالَ لَهُ: يَا مُوَسى كيف وجدت الموت؟ فقَالَ: وجدت نفسي كالعصفور حين يلقى فِي المقلى لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير. ويروى عنه أنه قال: وجدت نفسي كشاة حية بيد القصاب تسلخ. ويروى أن عمر قَالَ لكعب الأحبار: حدثنا عَنْ الموت. فقَالَ: نعم يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كغصن كثير الشوك أدخل فِي جوف رجل فأخذت كُلّ شوكة بعرق ثُمَّ جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى. وقَالَ القرطبي: لتشديد الموت على الأَنْبِيَاء فائدتان أحدهما تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم ولَيْسَ ذَلِكَ نقصًا ولا عذابًا بل هُوَ كما جَاءَ أن أشد النَّاس بَلاءً الأَنْبِيَاء ثُمَّ الأمثل فالأمثل. وَالثَّانِيَة تعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن وقَدْ يطلع الإِنْسَان على بَعْض الموتى فلا يرى عَلَيْهِ حركةً ولا قلقًا ويرى سهولة

стр. 1135

خروج روحه فيظن سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه. فَلَمَّا ذكر الأَنْبِيَاء الصادقون فِي خبرهم شدة ألمه مَعَ كرامتهم على الله تَعَالَى قطع الخلق بشدة الموت الَّذِي تقاسيه مطلقًا لأخبار الصادقين عَنْهُ ما خلا الشهيد فِي سبيل الله. انتهى. أخَرَجَ الطبراني عَنْ قتادة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم مس القرصة» . أخَرَجَ ابن أبي الدُّنْيَا فِي المرض والكفارات وابن منيع فِي مسنده مِنْ حَدِيثِ أبي هريرة مرفوعًا: «يا أبا هريرة ألا أخبرك بأمر حق تكلم به فِي أول مضجعه من مرضه نجاه الله من النار» . قُلْتُ: بلى. قَالَ: «لا إله إلا الله يحيى ويميت وَهُوَ حي لا يموت وسبحان الله رب العباد والْبِلاد والحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على كُلّ حال والله أكبر كبيرًا وكبرياؤه وجلاله وقدرته بكل مكَانَ. اللَّهُمَّ إن كنت أمرضتني لتقبض روحي فِي مرضي هَذَا فاجعل روحي فِي أرواح من سبقت لَهُمْ منك الحسنى وأعذني من النار كما أعذت أولئك الَّذِينَ سبقت لَهُمْ منك الحسنى. فإن مت فِي مرضك ذَلِكَ فإلى رضوان الله والجنة، وإن كنت قَدْ اقترفت ذنوبًا تاب الله عليك» . وأخَرَجَ الطبراني عَنْ أبي هريرة وأبي سعيد الخدري مرفوعًا: «من قَالَ عَنْدَ موته: لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بِاللهِ العلى العَظِيم لا تطعمه النار» . وأخَرَجَ الحاكم عَنْ سعيد بن أبي وقاص أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «هل أدلكم على اسم الله الأعظم دُعَا يونس ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأَيُّمَا مُسْلِم دَعَا بِهَا فِي مرض موته أربعين مرة فمَاتَ فِي مرضه ذَلِكَ أعطى أجر شهيد وان برئ بَرئ مغفورًا لَهُ» .

стр. 1136

شِعْرًا: ... بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِي الْوَرَى سَتُعَذَّبُ ... فَنَاجٍ بِخَدْشٍ وَالْكَثِيرُ يُكَبْكَبُ أَمَا يَسْتَحِي مَنْ كَانَ يَلْهُو وَيَلْعَبُ ... (ذُنُوبُكَ يَا مَغْرُورُ تُحْصَى وَتُحْسَبُ) (وَتُجْمَعُ فِي لَوْحٍ حَفِيظٍ وَتُكْتَبُ) وَأَنْتَ بِمَا لا يُرْتَضَى كُلَّ لَيْلَةٍ ... أَمَا تَتَّقِي مَوْلاكَ فِي كُلِّ فِعْلَةِ تَبِيتُ بِِلَذَّاتِ وَتَلْعَابِ طِفْلَةٍ ... (وَقَلْبُكَ فِي سَهْوٍ وَلَهْوٍ وَغَفْلَةٍ) (وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا حَرِيصٌ مُعَذَّبُ) فَلَوْ تَسْتَطِعْ أَخْذَ التَّقِي وَرَحْلِهِ ... أَخَذْتَ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ وَمَحَلِّهِ وَأَنْتَ عَلَى كَنْزِ الْقَلِيلِ وَجِلِّهِ ... (تُبَاهِي بِجَمْعِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلَّهِ) (وَتَسْعَى حَثِيثًا فِي الْمَعَاصِي وَتُذْبِبُ) وَتُعْرِضُ عَنْ فِعْلِ المَرَاضِي وَتَرْتَضِي ... فِعَالاً تُنَافِي فِعْلَةَ الدينِ الرَّضِي أَمَا تَرْعَوِي يَا مَنْ عَلَى لَهْوَهِ رَضِي ... (أَمَا الْعُمْرُ يَفْنَى وَالشَّبِيبَةَ تَنْقَضِي) (أَمَا الْعُمْرُ آتٍ وَالْمَنِيَّةَ تُطلبُ) فَلا تَغْتَرِرُ وَاحْذَرْ فَدُنْيَاكَ يَا الْغَدِي ... إِذَا أَضْحَكتكَ الْيَوْم أَبْكَتْكَ فِي الْغَدِي أَتَلْهُو بِدَارٍ لا تَدُومُ لِمَرْغَدِي ... (أَمَا تَذْكُر الْقَبْرَ الْوَحِيشَ وَلَحْدَهَ) (بِهِ الْجِسْمُ مِنْ بَعْدِ الْعِمَارَةِ يَخْرَبُ) وَتَقْتَتِلُ الدِّيدَانُ لا شَكَّ حَوْلَهُ ... وَمَا أَحَدٌ يَنْعِي وَلا يَعِ عَوْلَهُ أَمَا آنَ أَنْ تَخْشَى الْعَزِيزَ وَطَوْلَهُ ... (أَمَا تَذْكُر الْيَوْمَ الطَّوِيلَ وَهَوْلَهُ) (وَمِيزَانَ قِسْطٍ لِلْوَفَاءِ سَيُنْصَبُ) فَتُوزَنُ أَعْمَالٌ فَتُخْزَى رِجَالُهُ ... وَكُلٌّ يُجَازِي مَا جَنَتُهُ فِعَالُهُ وَوَيْلٌ لِمَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَجَالُهُ ... (أَمَا جَاءَ أَنَّ اللهَ ﷻ )

стр. 1137

(إِذَا هَتَكَ الْعَبْدُ الْمَحَارِمَ يَغْضَبُ) فَيَهْتِكُ سِتْرَ الظَّالِمِينَ بِغِرَّةٍ ... وَكُلُّهُمُوا عَضَّ الأَكُفَّ بِحَسْرَةٍ وَلاتَ مَنَاصٍ حِينَ جَادُوا بِعَبْرَةٍ ... (أَمَا الْوَاحِدُ الدَّيَّانُ جَلَّ بِقُدْرَةٍ) (يُنَاقَشُ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ وَيَحْسِبُ) فَيُنْصِفُ لِلْمَظْلُومِ مِمَّنْ لَهُ افْتَرَى ... وَيَقْصِمُهُ فَيَبْقَى مُقَحْطَرَا أَمَا زَاجِرٌ يَزْجُرْكَ يَا مَنْ تَبَخْتَرَى ... (أَمَا تَذْكُرُ الْمِيزَانَ وَيْحَكَ مَا تَرَى) (إِذَا كُنْتَ فِي قَعْرِ الْجَحِيمِ مُكَبْكَبُ) أَمَا تَمْشِين بَيْنَ الْوَرَى مُتَوَاضِعًا ... أَمَا تَتَّقِي رَبًا آلاتُكَ خَاضِعًا أَحَاطَكَ ظَهْرًا ثُمَّ بَطْنًا وَرَاضِعًا ... (كَأَنَّكَ مَا تَلْقَى عَلَى الأَرْضِ مَوْضِعًا) (وَمِنْ بَعْدِ تَلْهُو بِالشَّبَابِ وَتَلْعَبُ) رَأَيْتُ وَلَمْ تَشْعُرْ نَذِيرًا وَنَاهِيًا ... وَكُنْتَ بِدُنْيَاكَ الدَّنِيَّةِ سَاهِيَا سَهِرْتَ وَآثَرْتَ الْغِنَى وَمَلاهِيًا ... (تَرُوحُ وَتَغْدُو فِي مُرَاحِكَ لاهِيًا) (وَسَوْفَ بِأَشْرَاكِ الْمَنِيَّةِ تَنْشبُ) أَتَحْسَبُ أَنَّ اللهَ أَنْشَى الْوَرَى سُدَى ... سَيَأْتِيكَ مَا مِنْهُ تَكُونُ مُكَسَّدَا وَتُنْزَعُ رَوْحٌ تَبْقَى مُجَسَّدَا ... (وَتَبْقَى صَرِيعًا فِي التُّرَابِ مُوَسَّدَا) (وَجِسْمُكَ مِنْ حَرٍّ بِهِ يَتَلَهَّبُ) وَمَالَكَ عَنْ دَفْعِ الأَذِيَّةِ صَوْلَةٌ ... وَمَالَكَ مُذْ جَاءَ الْمُقَدَّرُ حِيلَةٌ تَنُوحُ وَتَبْكِى بِالدُّمُوعِ أَهْيَلَة ... (وَحَوْلَكَ أَطْفَالٌ صِفَارٌ وَعَوْلَةٌ) (بِهِمْ بَعْدَ مَغْذَاكَ الْبَنُونُ تَشَعَّبُ) أَيَادِي سَبَا خَلْفًا وَيَمْنَى وَيَسْرَةً ... وَكُنْتَ رَهِينًا لِلْمَنَايَا وَقَسْرَةً وَجَاءَكَ مَا أَوْدَى البَهَا وَمَسَرَّةً ... (وَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَاكَ بِالدَّمْعِ حَسْرَةً) (وَخَلَّفْتَ لِلْوُارَّثِ مَا كُنْتَ تَكْسِبُ) وَتَسْعَى لَهُ مِنْ تَالِدٍ وَمُحَصَّلٍ ... وَتَسْهَرُ لَوْ فِي سَدِّ يَأْجُوجَ تُوصِلُ

стр. 1138

.. وَبِتَّ وَلَمْ تَسْمَعْ وِصَاةً لِمُوصِلٍ ... (تُعَالُجَ نَزْعَ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ مَفْصِلٍ) (فَلا رَاحِمٌ يُنْجِي وَلا ثَمَّ مَهْرَبُ) وَضَاقَتْ عَلَيْكَ الرُّوحُ بَعْدَ مُرُوجِهَا ... وَأَنْزَلْتَ عِنْدَ الْبَابِ بَعْدَ بُرُوجِهَا وَقُرَّبتِ الأَكْفَانُ بَعْدَ عُرُوجِهَا ... (وَغُمِّضَتِ الْعَيْنَانَ بَعْدَ خُرُوجِهَا) (وَبُسِّطَتِ الرِّجْلان وَالرَّأْسُ يُعْصَبُ) وَقَامَ سِرَاعُ النَّاسِ لِلنَّعْشِ يحْضِرُوا ... وَحَفَّارُ قَبْرٍ فِي الْمَقَابِرِ يَحْفُرُ وَجَدَّ الَّذِي فِي حَوْلِ نَادِيكَ حُضَّرٌ ... (وَقَامُوا سِرَاعًا فِي جِهَازِكَ أَحْضَرُوا) (حُنُوطًا وَأَكْفَانًا وَلِلْمَاءِ قَرَّبُوا) وَصَبُّوا عَلَيْكَ الْمَاءَ وَأَنَّ سُمُوعَهُ ... وَحَنَّ قَرِيبٌ بِالْبُكَا وَرُبُوعُهُ وَكُلُّ شَقِيقٍ جَاءَ جَدَّ زُمُوعُهُ ... (وَغَاسِكُكَ الْمَحْزُونُ تَبْكِي دُمُوعُهُ) (بِدَمْعٍ غَزِيرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ) كَصَيِّبِ مُزْنٍ وَدْقُهُ مُتَفَرِّقٌ ... حَزِينٌ وَمِنْ مَا دَمْعِهِ مُتَفَرَّقٌ وَكُلُّ رَحِيمٍ قَلْبُهُ مُتَحَرِّقٌ ... (وَكُلُّ حَبِيبٍ لُبُّهُ مُتَحَرِّقٌ) (يُحَرِّكُ كَفَّيْهِ عَلَيْكَ وَيَنْدُبُ) وَجَاؤُوا بِأَثْوَابٍ وَطِيبٍ بِطَيِّهَا ... (وَقَدْ نَشَرُوا الأَكْفَانَ مِنْ بَعْدِ طَيِّهَا) (وَقَدْ بَخَّرُوا مَنْشُورَهُنَّ وَطَيَّبُوا) وَخَاطُوا الَّذِي يَحْتَاجُ وَأَخْرَجُوا ... طَرَأيِدَ لِلتَّحْزِيمِ مِنْهَا وَأَدْلَجُوا جَمِيعًا بِتَجْهَازٍ وَجِسْمِكَ أَدْرَجُوا ... (وَأَلْقُوكَ فِيهَا بِيْنَهُنَّ وَأَدْرَجُوا) (عَلَيْكَ مَثَانِي طَيَّهُنَّ وَعَصَّبُوا) وَشَالُوكَ مِنْ بَيْنِ الأَخِلا مُجَرَّدًا ... وَمَالَكَ خَلْفًا قَدْ تَرَكْتَ وَخُرَّدَا وَصَلَّوْا وُقُوفًا ثُمَّ زَقَّوْكَ وُرَّدًا ... (وَفِي حُفْرَةٍ أَلْقَوْكَ حَيْرَانَ مُفْرَدَا) (تَضُمُّكَ بَيْدَاءٌ مِن الأَرْضِ سَبْسَبُ) بَعِيدٌ عَلَى قُرْبِ الْمَدَى يَعْلَمُونَهُ ... وَسَائِلُكَ الْمُجْهَادُ لا يَسْمَعُونَهُ

стр. 1139

.. وَقَبْرُكَ قَامُوا بَعْدَ ذَا يَسِمُونَهُ ... (وَرَاحُوا لِمَّا خَلَّفْتَ يَقْتَسَمُوْنَهُ) (كَأَنَّكَ لَمْ تَشْقَى عَلَيْهِ وَتَتْعَبُ) وَتَسْهَرُ حَتَّى كَادَ ظَهْرُكَ يَنْهَصِرُ ... (وَجِسْمُكَ مَهْزُولٌ بِسَعْيِكَ مُنْعَصِرْ) َوَخَّلْفَتُه طُرًا وَمَالَكَ مُنْتَصِرْ ... (فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ حَسْبُكَ فَاقْتَصِرْ) (وَخَفْ مِنْ جَحِيمٍ حَرُّهَا يَتَلَهَّبُ) وَلا تَمْشِ مِنْ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ مُسْبِلا ... وَكُنْ صَالِحًا بَرًّا تَقِيًّا مُحْسَبْلا وَتُبْ عَنْ ذُنُوبٍ لا تَكُنْ مُتَكَرْبِلا ... (وَجَانِبْ لِمَا يُرْدِيكَ فِي حُفْرَةِ الْبَلا) (فَكُلٌّ يُجَازَى بِالَّذِي كَانَ يَكْسِبُ) مَآكِلُ مَا نَحْتَاجُ مِنْهَا لِقُوَّتِنَا ... شَبِيهُ حَرَامٍ وَالسَّمِيعُ لِصَوْتِنَا يُجَازِي بِعَدْلِ لا مَفَرَّ لِفَوْتِنَا ... (إِذَا كَانَ هَذَا حَالُنَا بَعْدَ مَوْتِنَا) (فَكَيْفَ يَطِيبُ الْيَوْمَ أَكْلٌ وَمَشْرَبُ) وَقُدَّامُنَا قَبْرٌ بِهِ الْمَرْءُ أَلْكَنُ ... وَلَوْ أَنَّهُ سَحْبَانُ مَأثمَّ أَلْسَنُ وَكَيْفَ رَبَتْ مِنَّا لُحُومٌ وَأَعْكُنُ ... (وَكَيْفَ يَطِيبُ الْعَيْشُ وَالْقَبْرَ مَسْكَنُ) (بِهِ ظُلُمَاتٌ غَيْهَبٌ ثُمَّ غَيْهَبُ) وَخَوْفٌ بِهِ حُزْنُ طَوِيلٌ وَرَعْشَةٌ ... وَلَيْتَكُ تَسْلَمْ لا يُصِيبُكَ نَهْشَةٌ وَمُنْكَرُ إِذْ يَسْأَلْ يَهُلَكْ وَدَهْشَةٌ ... (وَهَوْلٌ وَدِيدَانٌ وَرَوْعٌ وَوَحْشَةٌ) (وَكُلُّ جَدِيدٍ سَوْفَ يَبْلَى وَيَذْهَبُ) وَمِنْ بَعْدِ ذَا يَوْمٌ وَإِنَّ حِسَابَهُ ... أَلِيمٌ مَهُولٌ مُفْزِعٌ وَعِقَابُهُ عَظِيمٌ لِعَاصٍ مَا أَشَدَّ عَذَابَهُ ... (فَيَا نَفْسُ خَافِي اللهَ وَارْجِي ثَوَابَهُ) (فَهَادِمُ لَذَّاتِ الْفَتَى سَوْفَ يَقْرُبُ) فَيَأْخُذُ أَطْفَالاً وَيَأْخُذُ رِمَّةً ... وَيَأْخُذُ شُبَّابًا وَيَهْدِمُ نِعْمَةَ فَخَلِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ وَعَسْمَةً ... (وَقُولِي إِلَهِي أَوْلِنِي مِنْكَ رَحْمَةً) (وَعَفْوًا فَإِنَّ اللهُ لِلذَّنْبِ يُذْهِبُ)

стр. 1140

.. وَخُذْ بِيَدِي نَحْوَ الطَّرِيقِ الْمُحَمَّدِي ... وَكُنْ بِي رَحِيمًا وَاسْتَقِمْ بِي عَلَى الْهُدَى وَلا تُخْزِنِي فِي الْحَشْرِ وَأَطْلِقْ مُقَيَّدِي ... (وَلا تُحْرِقَنْ جِسْمِي بِنَارِكَ سَيِّدِي) (فَجِسْمِي ضَعِيفٌ وَالرَّجَا مِنْكَ أَقْرَبُ) وَجُودُكَ مَنَّانِي وَلَوْ كُنْتَ أَحْقَرَا ... وَعَفْوَكَ رَجَا مَنْ هَفَا وَتَقَحْطَرَا وَإِنِّي وَأَنْ كُنْتَ الْبَعِيدِ وَمِنْ وَرَى ... (فَمَا لِي إلا أَنْتَ يَا خَالِقَ الْوَرَى) (عَلَيْكَ اتِّكَالِي أَنْتَ لِلْخَلْقِ مَهْرَبُ) وَأَنْتَ مَلاذٌ لِلْوَرَى فِي رُجُوعِهَا ... مُجِيبٌ لِمَنْ يَدْعُو بِهَامِي دُمُوعِهَا فَتَرْجُوكَ تَسْمَعْ مِنْ صَمِيمِ سَمِيعِهَا ... (وَنَدْعُو بِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ جَمِيعِهَا) (وَخَاتِمَةِ الْعُمْرِ الَّتِي هِيَ أَطْلُبُ) وَأَسْأَلُ طُولُ الدَّهْرِ مَا نَآءَ طَارِقُ ... (وَصَلِّ إِلَهِي كُلَّ مَا نَاضَ بَارِقُ) (وَمَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَمَا لاحَ كَوْكَبُ) وَمَا حَنَّ رَعْدٌ فِي دِيَاجِي لَيَالِهِ ... وَمَا انْهَلَّ سَارٍ مُغْدِقٍ مِنْ خِلالِهِ وَمَا أَمَّ بَيْتَ اللهِ مِنْ كُلِّ وَالِهِ ... (عَلَى أَحْمَدِ الطُّهْرِ النَّذِيرِ وَآلِهِ) (فَهُوَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ طُرًّا وَأَطْيَبُ) وَأَكْمُلَ مَنْ حَلَّ الصَّفَا وَالْمُحَصَّبَا ... وَأَحَلاُهُموا خَلْقًا وَخُلْقًا وَمَنْصِبَا وَأَصْحَابِهِ مَا اخْضَرَّ عُودٌ وَأَخْصَبَا ... (كَذَاكَ سَلامُ اللهِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا) (وَهَبَّتْ شَمَالٌ مَعَ جَنُوبٍ وَهَيْدَبُ) آخر: ... إِلَى كَمْ تَمَاى فِي غُرُورٍ وَغَفْلَةٍ ... وَكَمْ هَكَذَا نَوْمٌ إِلَى غَيْرَ يَقْظَةِ لَقَدْ شَاعَ عُمْرٌ سَاعَةٌ مِنْهُ تُشْتَرَى ... بِمِلْءِ السَّمَا وَالأَرْضِ أَيَّةَ ضَيْعَةِ أَيُنْفَقُ هَذَا فِي هَوَى هَذِهِ الَّتِي ... أَبَى اللهُ أَنْ تُسْوَى جَنَاحَ بَعُوضَةِ أَتَرْضَى مِن الْعَيْشِ الرَّغِيدِ وَعَيْشَةٍ ... مَعَ الْمَلا الأَعْلَى بِعَيْشِ الْبَهِيمَةِ فَيَا دُرَّةً بَيْنَ الْمَزَابِلِ أُلْقِيَتْ ... وَجَوْهَرَةً بِيعَتْ بِأَبْخَسِ قِيمَةِ أَفَقٍ بِبَاقٍ تَشْتَرِيهِ سَفَاهَةً ... وَسُخْطًا بِرِضْوَانٍ وَنَارًا بِجَنَّةِ

стр. 1141

.. أَأَنْتَ صَدِيقُ أَمْ عَدُوٌّ لِنَفْسِهِ ... فَإِنَّكَ تَرْمِيهَا بِكُلِّ مُصِيبَةِ وَلَوْ فَعَلَ الأَعْدَا بِنَفْسِكَ بَعْضَ مَا ... فَعَلْتَ لِمَسَّتْهُمْ لَهَا بَعْضُ رَحْمَةِ لَقَدْ بِعْتَهَا هَوْنًا عَلَيْكَ رَخِيصَةً ... وَكَانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيقَةِ أَلا فَاسْتَفِقْ لا تَفْضَحَنْهَا بِمَشْهَدٍ ... مِنْ الْخَلْقِ إِنْ كُنْتَ ابنَ أُمٍّ كَرِيمَةِ فَبَيْنَ يَدَيْهَا مَشْهَدٌ وَفَضِيحَةٌ ... يُعَدُّ عَلَيْهَا كُلُّ مِثْقَالِ ذَرَّةِ فُتِنْتَ بِهَا دُنْيَا كَثِيرٍ غُرُورُهَا ... تُعَامِلْ فِي لَذَّتهِاَ بِالْخَدِيعَةِ إِذَا أَقْبَلَتْ بَذَّتْ وَإِنْ هِيَ أَحْسَنَتْ ... أَسَاءَتْ وَإِنْ ضَاقَتْ فَثِقْ بِالْكُدورَةِ وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا مَالَ قَارُونَ لَمْ تَنَلْ ... سِوَى لُقْمَةٍ فِي فِيكَ مِنْهَا وَخِرْقَةِ وَهَيْهَاتَ تُحْظَى بِالأَمَانِي وَلَمْ تَكُنْ ... وَكَانَتْ بِهَذَا مِنْكَ غَيْرَ حَقِيقَةِ فَدَعْهَا وَأَهْلِيهَا لِتَغْبِطَهُمْ وَخُذْ ... لِنَفْسِكَ عَنْهَا فَهُوَ كُلُّ غَنِيمَةِ وَلا تَغْتَبِطْ مِنْهَا بِفَرَحَةِ سَاعَةٍ ... تَعُودُ بِأَحْزَان عَلَيْكَ طَوِيلَةِ فَعَيْشُكَ فِيهَا أَلْفُ عَامِ وَتَنْقَضِي ... كَعَيْشِكَ فِيهَا بَعْضُ يَوْمِ وَلَيْلَةِ قَالَ بَعْضهمْ يوبخ نَفْسهُ توعيظها: يَا نفس بادري بالأوقات قبل انصرامها، واجتهدي فِي حراسة ليالي الحياة وأيامها، فكأنك بالقبور قَدْ تشققت، وبالأمور وقَدْ تحققت، وبوجوه المتقين وقَدْ أشرقت، وبرؤوس العصاة وقَدْ أطرقت، قَالَ تَعَالَى وتقدس: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ، يَا نفس أما الورعون فقَدْ جدوا، وأما الخائفون فقَدْ استعدوا، وأما الصالحون فقَدْ فرحوا وراحوا وأما الواعظون فقَدْ نصحوا. اللَّهُمَّ قوي إيمانَنَا بِكَ وَنَوِّر قلوبنا بنور الإِيمَان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين، اللَّهُمَّ يَا مقلب الْقُلُوب ثَبِّتْ قلوبنا على دينك وألهمنا ذكرك وشكرك وأمنا من سطوتك ومكرك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 1142

" فَصْلٌ " عن أَنَس ﵁ قَالَ: دعا رجل فقَالَ: اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لَكَ الحمد لا إله إلا أَنْتَ الحنان المنان بديع السموات والأَرْض ذو الجلال والإكرام يَا حي يَا قيوم. فقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «أتدرون بما دعا» ؟ قَالُوا: الله ورسوله أعْلَمْ. قَالَ: «والَّذِي نفسي بيده لَقَدْ دعا باسمه الله الأعظم الَّذِي إِذَا دعي به أجاب وَإِذَا سئل به أعطى» . أَخْرَجَهُ أصحاب السُّنَن. عَنْ سعيد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دعوة ذي النون إذ دعي وَهُوَ فدى بطن الحوت لا إله إلا أَنْتَ سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مُسْلِم فِي شَيْء قط إلا استجاب لَهُ» . رَوَاهُ الترمذي والنسائي والحاكم وقَالَ: صحيح الإسناد. وعن معاوية بن أبي سفيان قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ: «من دعا بهؤلاء الكلمَاتَ الخمس لم يسأل الله شَيْئًا إلا أعطاه (لا إله إلا الله، والله اكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ له الملك وله الحمد وَهُوَ على كُلّ شَيْء قدير لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بِاللهِ» . رَوَاهُ الطبراني بإسناد حسن. وعن معاذ بن جبل قَالَ: سمَعَ رسول الله ﷺ رجلاً وَهُوَ يَقُولُ: (يَا ذا الجلال والإكرام) فقال: «قَدْ استجيب لَكَ فسل» . رَوَاهُ الترمذي. اللَّهُمَّ اجعلنا مكثرين لذكرك مؤدين لحقك حافظين لأَمْرِكَ راجين لوعدك راضين فِي جميع حالاتنا عَنْكَ، راغبين فِي كُلّ أمورنا إليك مؤملين لفضلك شاكرين لنعمك. يا من يحب العفو والإحسان، ويأمر بهما أعف عنا، وأحسن إلينا، فإنك بالَّذِي أَنْتَ لَهُ أَهْل من عفوك أحق منا بالَّذِي نَحْنُ لَهُ أَهْل من عقوبتك.

стр. 1143

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ رجاءك فِي قلوبنا، واقطعه عمن سواك، حَتَّى لا نرجو غيرك ولا نستعين إلا إياك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ويا أكرم الأكرمين. اللَّهُمَّ هب لَنَا اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عَلَيْكَ، والاستغناء عَنْ خلقك، واجعل خَيْر أعمالنا ما قارب آجالنا. اللَّهُمَّ أغننا بما وفقتنا لَهُ من العلم، وزينا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية. اللهم افتح مسامِعَ قلوبنا لذكرك وارزقنا طَاعَتكَ وطاعة رسولك وَوَفِّقْنَا للعمل بِكِتَابِكَ وسُنَّة رسولك. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك الهدى، والتقى والعافية والغنى، ونعوذ بك من درك الشقاء، ومن جهد البَلاء ومن سوء الِقَضَاءِ ومن شماتة الأعداء. اللَّهُمَّ لَكَ الحمد كله، ولك الملك كله، بيدك الْخَيْر كله، واليك يرجع الأَمْر كله علانيته وسره، أَهْل الحمد والثناء أَنْتَ، لا إله إلا أَنْتَ سبحانك إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير. اللَّهُمَّ اغفر لَنَا جميع ما سلف منا من الذُّنُوب، واعصمنا فيما بقى من أعمارنا، وَوَفِّقْنَا لعمل صالح ترضى به عنا. اللَّهُمَّ يَا سامَعَ كُلّ صوت، ويا بارئ النُّفُوس بعد الموت، يا من لا تشتبه عَلَيْهِ الأصوات، يَا عَظِيم الشأن، يَا واضح البرهان، يَا من هُوَ كُلّ يوم فِي شأن، اغفر لَنَا ذنوبنا إِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم. اللَّهُمَّ يَا عَظِيم العفو، يَا واسع المغفرة، يَا قريب الرحمة، يَا ذا الجلال والإكرام، هب لَنَا العافية فِي الدُّنْيَا والآخِرَة. اللَّهُمَّ يَا حي ويَا قيوم فرغنا لما خلقتنا لَهُ، ولا تشغلنا بما تكلفت لَنَا به،

стр. 1144

وَاجْعَلْنَا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك. اللَّهُمَّ اجعل رزقنا رغدَا، ولا تشمت بنا أَحَدَا. اللَّهُمَّ رغبنا فيما يبقى، وزهدنا فيما يفنى، وهب لَنَا اليقين الَّذِي لا تسكن النُّفُوس إلا إليه، ولا يعول فِي الدين إلا عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك بعزك الَّذِي لا يرام وملكك الَّذِي لا يضام وبنورك الَّذِي ملأ أركَانَ عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. اللَّهُمَّ يَا عليم يَا حليم يَا قوي يَا عزيز يَا ذا المن والعطاء والعز والكبرياء يَا من تعنوا لَهُ الوجوه وتخشع لَهُ الأصوات، وَفَّقَنَا لصالح الأَعْمَال وأكفنا بحلالك عَنْ حرامك وبِفَضْلِكَ عمن سواك إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمَعَ بها شملنا، وتلم بها شعثنا وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا به رشدنا، وتعصمنا من كُلّ سوء يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارزقنا من فضلك، وأكفنا شر خلقك، وأحفظ عَلَيْنَا ديننا وصحة أبداننا. اللَّهُمَّ يَا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقِيْل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يَا رب العالمين. اللَّهُمَّ يَا عَالِم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، ويا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أَنْتَ إليك المصير، نسألك أن تذيقنا برد عفوك وحلاوة رحمتك، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وأرأف الرائفين وأكرم الأكرمين.

стр. 1145

اللَّهُمَّ اعتقنا من رق الذُّنُوب، وخلصنا من أشر النُّفُوس، واذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذُّنُوب، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم. اللَّهُمَّ طيبنا للقائك، وأهلنا لولائك وأدخلنا مَعَ المرحومين من أوليائك، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وألحقنا بِالصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابك، وَاجْعَلْنَا من حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللَّهُمَّ يَا فالق الحب والنوى، يَا منشئ الأجساد بعد البلى يَا مؤي المنقطعين إليه، يَا كافي المتوكلين عَلَيْهِ، انقطع الرجَاءَ إلا منك، وخابت الظنون إلا فيك، وضعف الاعتماد إلا عَلَيْكَ نسألك أن تمطر محل قلوبنا من سحائب برك وإحسانك وأن توفقنا لموجبات رحمتك وعزائم مغفرتك إِنَّكَ جواد كريم رؤوف غفور رحيم. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك قلبًا سَلِيمًا، ولسانًا صادقًا، وعملاً متقبلاً، ونسألك بركة الحياة وخَيْر الحياة، ونعوذ بك من شر الحياة وشر الوفاة. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك باسمك الأعظم الأعز الأجل الأكرم الَّذِي إِذَا دعيت به أجبت وَإِذَا سئلت به أعطيت، ونسألك بوجهك الكريم أكرم الوجوه، يَا من عنت لَهُ الوجوه، وخضعت لَهُ الرقاب، وخشعت لَهُ الأصوات، يَا ذا الجلال والإكرام، يَا حي يَا قيوم، يَا مالك الملك، يَا من هُوَ على كُلّ شَيْء قدير، وبكل شَيْء عليم، لا إله إلا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ نستغيث، ومن عذابك نستجير. اللَّهُمَّ اجعلنا نخشاك حَتَّى كأننا نراك، وأسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك.

стр. 1146

اللَّهُمَّ إِنَّكَ تسمَعَ كلامنا، وتَرَى مكاننا، وتعلم سرنا، وعلانيتنا لا يخفى عَلَيْكَ شَيْءٌ من أمرنا نَحْنُ البؤساء الفقراء إليك، المستغيثون المستجيرون الوجلون المشفقون المعترفون بذنوبنا، نسألك مسألة المسكين، ونبتها إليك ابتهال المذنب الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير. اللَّهُمَّ يا من خضعت لَهُ رقابنا، وفاضت لَهُ عباراتنا، وذلت لَهُ أجسامنا، ورغمت لَهُ أنوفنا ... لا تجعلنا بدعائك أشقياء، وكن بنا رؤوفًا يَا خَيْر المسؤلين. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك نفسًا مطمئنةً، تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، يَا أرأف الرائفين وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك التَّوْفِيق لما تحبه من الأَعْمَال، ونسألك صدق التوكل عَلَيْكَ، وحُسْن الظَّنِ بك يَا رب العالمين. اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك المخبتين، الغر المحجلين الوفد المتقبلين. اللَّهُمَّ إنَّا نسألك حياةً طيبةً، ونفسًا تقيةً، وعيشةً نقية، وميتةً سوية، ومردًا غير مخزي ولا فاضح. اللَّهُمَّ اجعلنا من أَهْل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يَا رب العالمين. ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَا ودود يَا ذا العرش المجيد يَا مبدئ يَا معيد يَا فعال لما تريد نسألك بنور وجهك الَّذِي ملأ أركَانَ عرشك وبقدرتك التِي قدرت بها على جميع خلقك وبِرَحْمَتِكَ التِي وسعت كُلّ شَيْء لا إله إلا أَنْتَ أن تغفر ذنوبنا وسيئاتنا وأن تبدلها لَنَا بحسنات إِنَّكَ جواد كريم رؤوف رحيم. اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع

стр. 1147

المسلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَوَائِد عَظِيْمَة النَّفْعِ " واعجبًا منك يضيع منك الشيء القليل وتتكدر، وتتأسف، وقَدْ ضاع أشرف الأَشْيَاءِ عندك وَهُوَ عمرك الَّذِي لا عوض لَهُ، وأَنْتَ عند قَتَّالاتِ الأوقات، الكورة والتلفاز والمذياع ونحوها من قطاع الطَرِيق عَنْ الأَعْمَال الصَّالِحَة، ولكن ستندم ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ وقَالَ آخر: من تفكر فِي قصر العمر المعمول فيه، وفكر فِي امتداد زمان الجزاء الَّذِي بعد البعث اختطف اللحظة من عمره وانتهبها، وعباها فِي الباقيات الصالحات وزاحم كُلّ فضيلة فَإِنَّهَا إِذَا فاتت فلا تدرك أبدًا، ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيلها كاملة، فهم يبالغون فِي كُلّ علم، ويثابرون على كُلّ فضيلة، فإذا ضعفت أبدانهم عَنْ بَعْض ذَلِكَ قامت النيات نائبة عَنْهَا. شِعْرًا: ... الْجَدُّ بِالْجَدِّ وَالْحِرْمَانَ فِي الْكَسَلِ ... فَانْصِبٍ تُصِبْ عَنْ قَرِيبٍ غَايَة الأَمَلِ ويقول الآخر: فَكَابِدْ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسَ عَذْوَهَا ... وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طَلاع أَنْجُدِ وَلا يَذْهَبَنَّ الْعُمْر مِنْكَ سَبَهْلَلا ... وَلا تَغْبَن بِالنِّعْمَتَيْنِ بَلْ أجْهِدِ فَمَنْ هَجَرَ اللذَّاتِ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ ... أَكَبَّ عَلَى اللذَّاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ آخر: ... فَشَمِّرْ وَلُذْ بِاللهِ وَأحْفَظْ كِتَابَهُ ... فَفِيهِ الْهُدَى حَقًّا وَلِلْخَيْرِ جَامِعُ هُوَ الذُّخْرُ لِلْمَلْهُوفِ وَالْكِنْزُ وَالرَّجَا ... وَمِنْهُ بِلا شَكٍّ تُنَالَ الْمَنَافِعُ وَبِهِ يَهْتَدِي مَنْ تَاهَ مُهِمَّهِ الْهَوى ... بِهِ يَتَسَلَّى مَنْ دَهَتْهُ الْفَجَائِعُ آخر: ... يَا عَاشِقَ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا ... هَلْ أَخْلَدَ النَّاسَ مَا حَازُوا وَمَا عَمِرُوا عَلَيْكَ بِاللَّيْلِ فِي الأَذْكَارِ تُعَمِّرهُ ... وَدَعْ مَلَذَّتِهِ الأُخْرَى لِمَنْ كَفَرُوا لَغَمْسَةٌ فِي جِنَانِ الْخُلْدِ خَاطِفَةً ... تُنْسِيكَ مَا مَرَّ مِنْ بُؤْسٍ لَهُ خَطَرُ

стр. 1148

" فَائِدَةٌ عَظِيْمَة النَّفْعِ " قَالَ أحد الْعُلَمَاء رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: عَلَيْكَ يَا أخي بمحاربة الشيطان، وقهره، وَذَلِكَ لخصلتين أحدهما أنه عدو مضل مبين، لا مطمَعَ فيه بمصالحة واتقاء شره أبدَا، لأنه لا يرضيه ويقنعه إلا هلاكك أصلاً فلا وجه إِذًا للآمن من هَذَا الْعَدُو والغَفْلَة عَنْهُ، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ ، والخصلة الثَّانِيَة أنه مجبول على عداوتك، ومنتصب لمحاربتك، فِي الليل والنَّهَارَ يرميك بسهامه، وأَنْتَ غَافِل عَنْهُ، ثُمَّ هُوَ لَهُ مَعَ جميع الْمُؤْمِنِينَ عداوةٌ عامةٌ، ومَعَ المجتهد فِي العبادة والعلم عداوةٌ خاصةٌ، ومعه عَلَيْكَ أعوان نفسك الأمارة، بالسُّوء، والهوى، والدُّنْيَا، وَهُوَ فارغٌ وأَنْتَ مشغول، وَهُوَ يراك وأَنْتَ لا تراه، وأَنْتَ تنساه وَهُوَ لا ينساك، فإذًا لا بد من محاربته، وقهره، وإلا فلا تأمن الفساد والهلاك والدمار، ومحاربته بالاستعاذة بِاللهِ والإكثار من ذكره. شِعْرًا: اهْجُرْ فِرَاشَكَ جَوْفَ الليْلِ وَارْمِ بِهِ ... فَفِي الْقُبُورِ إِذَا وَافَيْتَهَا فُرُشُ مَا شِئْتَ إِن شَيئْتهَا فُرْشًا مُرَّقَشة ... أَوْ رَمْضَة فَوْقَهَا الْمَسْمُومَةُ الرُّقُش هَذَا عَلَيْهِ قَرِير الْعَيْنِ نَائِمُهَا ... وذا عَلَيْهِ سَخِينَ الْعَيْنِ يُنْتَهَشُ شَتَّانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَالِهِمَا ... هَلْ يَسْتَوِي الرَّيُّ فِي الأَحْشَاءِ وَالْعَطَشُ فَبَادِرِ الصُّبْحَ أَنْ تَغْشَى طَلائِعَهُ ... وَيَلْتَقِي الأَحْيَانِ الرُّومُ وَالْحَبُشُ كَمْ فَازَ دُونَكَ بِاللَّذَّاتِ مِنْ رَجُلٍ ... وَافَى بِهِ دُلُجَ الأَسْحَارِ وَالْغَبَشُ قَامُوا وَنِمْنَا وَكُلٌّ فِي تَقََلُّبِه ... لِنَفْسِهِ جَاهِدًا يَسْعَى وَيَجْتَوِشُ زَكُّوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ صَالِحَةٍ ... وَطَيَّبُوهَا فَلا عَيْبٌ وَلا وَقشُ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1149

(فَصْلٌ في فَوَائِد منوعة) قَالَ ابن القيم: واعلم أن الصبر على الشهوة أسهلُ من الصبر على ما تُوجِبُه الشهوة. فان الشهوة إما إن تَكُون توجب ألمًا وعقوبةً. وإما أن تقطع لذةً أكمل مِنْهَا. وإما أن تضيع وقتًا أضاعته حَسْرَة وندامة. وإما أن تثلم عرضًا توفيره وانفع للعبد من ثلمه. وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خَيْرٌ من ذهابه. وإما أن تسلب نعمةً بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة. وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها قبل ذَلِكَ. وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا لا يقارب لذة الشهوة. وإما أن تنسي عِلْمًا ذكره ألذ من نيل الشهوة. وإما أن تشمت عدوًا وتحزن وليًا. وإما أن تحدث عيبًا يبقى صفةً لا تزول، فَإِنَّ الأَعْمَال تورث الصفات والأَخْلاق.. أهـ. وقَالَ إبراهيم بن بشار: ما رَأَيْت فِي جميع من لقيته من العباد والْعُلَمَاء والصالحين والزهاد أَحَدًا يبغض الدُّنْيَا ولا ينظر إليها مثل إبراهيم بن أدهم، وَرُبَّمَا مررنا على قوم قَدْ أقاموا حائطًا أَوْ دارًا أَوْ حانوتًا فيحول وجهه ولا يملأ عينيه من النظر إليه فعاتبته على ذَلِكَ، فقَالَ: يَا بشار اقرأ ما قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ولم يقل أيكم أحسن عمارة للدنيا وأكثر حبًا وذخرًا وجمالاً، ثُمَّ بكى وقَالَ صدق الله عز اسمه فيما يَقُولُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ولم يقل إلا ليعمروا الدُّنْيَا ويجمعوا الأموال ويبنوا الدور ويشيدوا القصور ويتلذذوا ويتفكهوا، وجعل يومه كله يردد ذَلِكَ وَيَقُولُ ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ .

стр. 1150

شِعْرًا: ... صَرَفْتُ إِلَى رَبِّ الأَنَامِ مَطَالِبِي ... وَوَجْهَتُ وَجْهِي نَحْوَهُ وَمَآرَبِّي إِلَى الْمَلِكِ الأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهْ ... مَلِيكٌ يُرَجَّى سَيْبُهُ فِي الْمَتَاعِبِ إِلَى الصَّمَدِ الْبَرِّ الَّذِي فَاضَ جُودُهُ ... وَعَمَّ الْوَرَى طُرًا بِجَزْلِ الْمَوَاهِبِ مُقِيْلي إِذَا زَلَّتْ بِيَ النَّعْلُ عَاثِرًا ... وَاسْمَحْ غِفَارٍ وَأَكْرمَ وَاهِبِ فَمَا زَالَ يُولِينِي الْجَمِيلَ تَلَطُّفًا ... وَيَدْفَعُ عَنِّي فِي صُدُورِ النَّوَائِبِ وَيَرْزُقُنِي طِفْلاً وَكَهْلاً وَقَبْلَهَا ... جَنِينًا وَيَحْمِينِي وَبِيَّ الْمَكَاسِبِ إِذَا أَغْلَقَ الأَمْلاكَ دُونِي قُصُورَهُمْ ... وَنَهْنَهَ عَنْ غِشْيَانِهِمْ زَجْرُ حَاجِبِ فَزِعْتُ إِلَى بَابِ الْمُهَيْمِنِ طَارِقًا ... مُدِلاً أُنَادِي بِاسْمِهِ غَيْرَ هَائِبِ فَلَمْ أَلْفِ حُجَّابًا وَلَمْ أَخْشَ مِنْعَةً ... وَلَوْ كَانَ سُؤْلِي فَوْقَ هَامِ الْكَوَاكِبِ كَرِيمٌ يُلَبِّي عَبْدَهُ كُلَّمَا دَعَا ... نَهَارًا وَلَيْلاً فِي الدُّجَى وَالْغَيَاهِبِ سَأَسْأَلُهُ مَا شِئْتُ إِنَّ يَمِينَهُ ... تَسِحُّ دِفَاقًا بِاللُّهَى وَالرَّغَائِبِ فَحَسْبِي رَبَّي فِي الْهَزَاهِزِ مَلْجَأً ... وَحِرْزًا إِذَا خِيفَتْ سِهَام النَّوَائِبِ وَنَسْأَلَ اللهَ الْحَيَّ الْقَيْوُمَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ الْوَاحِدَ الْفَرْدَ الْصَّمَدَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ يَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَخْذُلَ الْكَفَرَةَ وَالْمُشْرِكِينَ وَأَعْوَانَهُمْ وَأَنْ يُصْلِحَ مَنْ فِي صَلاحِهِ صَلاحٌ لِلإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ ويُهْلِكَ مَنْ فِي هَلاكِهِ عِزٌّ وَصَلاح لِلإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَلِمَّ شَعَثَ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْمَعَ شَمْلَهُمْ وَيُوَحِّدَ كَلِمَتُهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ بِلادَهُمْ وَيُصْلِحَ أَوْلادَهُمْ وَيَشْفِ مَرْضَاهُمْ وَيُعَافِي مُبْتَلاهُمْ وَيَرْحَمَ مَوْتَاهُمْ وَيَأْخُذَ بِأَيْدِينَا إِلَى كُلّ خَيْرٍ وَيَعْصِمَنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَيَحْفَظَنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ كُلِّ ضُرٍّ وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدِيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 1151

وَقْفٌ للهِ تَعَالَى تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً الجزء الثالث

стр. 1152

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَقَفَ قَوْمٌ عَلَى عَالِم فَقَالُوا: إِنَا سَائِلُوكَ أَفَمُجِيبُنَا أَنْتَ؟ قَالَ: سَلُوا وَلا تُكْثِرُوا، فَإِنَّ النَّهَارَ لَنْ يَرْجِعَ وَالْعُمُرَ لَنْ يَعُودَ، وَالطَّالِبَ حَثِيثٌ فِي طَلَبِهِ. قَالُوا: فَأَوْصِنَا. قَالَ: تَزَوَّدُوا عَلَى قَدْرِ سَفَرِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّاد مَا أَبْلَغَ الْبُغْيَةَ. ثُمَّ قَالَ: الأَيَّامُ صَحَائِفُ الأَعْمَارِ فَخَلّدُوهَا أَحْسَنَ الأَعْمَال، فَإِنَّ الْفُرَصَ تَمُرُّ مَرَّ السَحَابِ، والتَّوَانِي مِنْ أَخْلاقَ الْكُسَالَى وَالْخَوَالِفِ، وَمَنِ اسْتَوْطَنَ مَرْكَبَ الْعَجْزِ عَثَرَ بِهِ. وَتَزَوَّجَ التَّوَانِي بِالْكَسَلِ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا الْخُسْرَانُ. أ. هـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: شِعْرًا: ... تَزَوَّجَتِ الْبَطَالَةُ بِالتَّوَانِي ... فَأَوْلَدَهَا غُلامًا مَعَ غُلامَهْ فَأَمَّا الابْنُ سَمَّوْهُ بِفَقْرٍ ... وَأَمَّا الْبِنْتُ سَمَّوْهَا نَدَامَهَ آخر: ... خِصَالٌ إِذَا لَمْ يَحْوِهَا الْمَرْء لَمْ يَنَلْ ... مَنَالاً مِنَ الأُخْرَى يَكُونُ لَهُ ذُخْرَا يَكُونُ لَهُ تَقْوَى وَزُهْدٌ وَعِفَّة ... وَإِكْثَارُ أَعْمَال يَنَالُ بِهَا أَجْرَا آخر: ... لَيْسَ يَبْقَى عَلَى الْجَدِيدَيْنِ إِلا ... عَمَلٌ صَالِحٌ وَذِكْرٌ جَمِيلُ آخر: ... وَمَا فِي النَّاسِ أَحْسَنُ مِنْ مُطِيعٍ ... لِخَالِقِهِ إِذَا عُدَّ الرِّجَالُ آخر: ... سَأُنْفِقُ رَيْعَانَ الشَّيْبَةِ دَائِبًا ... عَلَى طَلَبِ الْعَلْيَاءِ مَعْ طَلَبِ الأَجْرِ أَلَيْسَ مِنْ الْخُسْرَانِ أَنَّ لَيَالِيًا ... تَمُرُّ بِلا نَفْعِ وَتُحْسَبُ مِنْ عُمْرِي قَالَ بَعْضُهم: أَيُّهَا الناسُ إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارِكمْ، ولا مَحَلِّ إِقَامَتِكُمْ، دَارٌ كَتَبَ اللهُ عَلى أَهْلِهَا الفَنَاءَ وَأَوْجَبَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهَا الرَّحِيْلَ فَكَمْ مِنْ عَامِرٍ مُؤَنِّقٍ وَمُحسِّنْ، عَمَّا قَلِيْلٍ ستَخْرَبُ عِمَارَتُه، وَكَمْ مِنْ مُقِيْمٍ مُغْتَبِطٍ سَيَرحَلُ إِلى المقبَرة فَأَحْسِنُوا رَحِمكُم اللهُ مِنْهَا الرِّحْلَةَ وَاحْمِلُوا خَيْرَ مَا يَحْضُرُكُمْ لِلنُّقْلَةِ وَتَزَوَّدُوْا فَإِنَّ خَيْرَ الزَادِ التَّقوى.

стр. 1153

(١) الليْل والنَّهَارَ يَعْمَلانِ فِيكَ فَاعْمِلْ فِيهِمِا أِعْمَالاً صَالِحَة تَرْبَحُ وَتُحْمَدُ الْعَاقِبَة الْحَمِيدَة إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. شِعْرًا: ... إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرُكَ فَاحْتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبِ آخر: ... إِذَا شَامَ الْفَتَى بَرْقَ الْمَعَالِي ... فَأَهْوَنُ فَائِتٍ طِيبُ الرُّقَادِ (٢) الْمَلائِكَة يَكْتُبَان مَا تَلْفِظُ بِهِ فَاحْرِصْ عَلَى أَنْ لا تَنْطِق إِلا بِمَا يَسُرُّكَ يَوْم الْقِيامَةِ. أَشْرَفُ الأَشْيَاءِ قَلْبُكَ، وَوَقْتُكَ، فَإَذَا أَهْمَلْتَ قَلْبَكَ وَضَيْعَتَ وَقْتَكَ فَمَاذَا يَبْقَى مَعَكَ كُلُّ الْفَوَائِدِ ذَهَبَتْ. شِعْرًا: ... أَمَّا بُيُوتُكَ فِي الدُّنْيَا فَوَاسِعَةٌ ... فَلَيْتَ قَبْرَكَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَتَّسِعُ آخر: ... وَبَادِرِ اللَّيْلُ يِدْرِسِ الْعُلُوم ... فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نَهَارُ الأَرِيبُ (٣) اعْلَمْ أَنَّ قِصَرَ الأَمَلِ عَلَيْهِ مَدَارٌ عَظِيم وَحِصْن الأَمَلِ ذِكْرُ الْمَوْتَ وَحِصْنُ حِصْنِهِ ذِكْرُ فَجْأَة الْمَوْت وأَخْذ الإِنْسَان عَلَى غِرّة وَغَفْلَة وَهُوَ فِي غُرُورٍ وَفُتُورٍ عَنْ الْعَمَل لِلآخِرَةِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوقِظَ قُلُوبَنَا إَِنَّهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وسلم. شِعْرًا: ... يَحْيِي اللَّيَالِي إِذَا الْمَغْرُورُ أَغْفَلَهَا ... كَأَنَّ شُهْبَ الدَّيَاجِي أَعْيُنٌ نُجُلُ آخر: ... وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ... لِخَالِقِهِ فَهُوَ الَّذِي خَسِرَ الْعُمْرَا آخر: ... أَمَا وَاللهِ لَوْ عَلِمَ الأَنَامُ ... لِمَا خُلِقُوا لَمَا غَفَلُوا وَنَامُوا

стр. 1154

لَقَدْ خُلِقُوا لِمَا لَوْ أَبْصَرَتْهُ ... عُيُونُ قُلُوبِهِمْ تَاهُوا وَهَامُوا وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ ... وَتَوْبِيخٌ وَأَهْوَالٌ عِظَامُ مُلاحَظَة: لا يُسْمَح لأَيِ إِنْسَانٍ أَنْ يَخْتَصَرُهُ أَوْ يَتَعَرَض لَهُ بِمَا يُسَمُونَهُ تَحْقِيقًا لأَنَّ الاخْتِصَارَ سَبَبٌ لِتَعْطِيلِ الأَصْلِ. وَالتَّحْقِيقَ أَرَى أَنَّهُ اتِّهَامٌ لِلْمُؤَلِفِ، وَلا يُطْبَعُ إِلا وَقْفًا للهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَنْتَفَعَ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِين. شِعْرًا: ... الدِّينُ فِيهِ الْعِزُّ وَالْكَمَالُ ... وَالْكُفْرُ فِيهِ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ ((فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ النَّفْع لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ)) مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُ لا إله إلا الله، وَفَهَّمَهُ مَعْنَاهَا، وَوَفَّقَهُ لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا. شِعْرًا: ... إِذَا تَمَّ دِينُ الْمَرْءِ تَمَّتْ أُمُورُهُ ... وَتَمَّتْ أَمَانِيهِ وَتَمَّ بِنَاؤُهُ آخر: ... الذِّكْرُ أَصْدَقُ قَوْلٍ فَافْهَمِ الْخَبَرَا ... لأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَدْ أَنْشَأَ الْبَشَرَا فَاعْمَلْ بِهِ تُرِدْ فِهْمًا وَمَعْرِفَةً ... يَا ذَا النُّهَى كَيْ تَنَالَ الْعِزَّ وَالْفَخْرَا وَتَحْمِدِ اللهِ فِي يَوْمِ الْمَعَادِ إِذَا ... جَاءَ الْحِسَابُ وَعَمَّ الْخَوْفُ وَانْتَشَرَا للهِ دَرُّ رِجَالٍ عَامِلِينَ بِهِ ... فِيمَا يَدِقُ وَمَا قَدْ جَلَّ وَاشْتَهَرَا آخر: ... جَمِيعُ الْكُتُبِ يُدْرِكُ مَنْ قَرَاهَا ... مِلالٌ أَوْ فُتُورُ أَوْ سَآمَةْ سِوَى الْقُرْآنِ فَافْهَمْ وَاسْتَمِعْ لِي ... وَقَوْلِ الْمُصْطَفَى يَا ذَا الشَّهَامَةْ آخر: ... أُقَلِّبُ كُتُبًا طَالَمَا قَدْ جَمَعْتُهَا ... وَأَفْنَيْتَ فِيهَا الْعَيْنَ وَالْعَيْنَ وَالْيَدَا وَأَصْبَحْتُ ذَا ظَنِّ بِهَا وَتَمَسُّكٍ ... لِعِلْمِي بِمَا قَدْ صُغْتُ فِيهَا مُنَضَّدَا وَأَحْذَرْ جُهْدِي أَنْ تَنَالَ بِنَائِلٍ ... مُهِينٌ وَأَنْ يَغْتَالِهَا غَائِلُ الرَّدَى وَأَعْلَمْ حَقًّا أَنَّنِي لَسْتُ بَاقِيًا ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ يُقَلِّبُهَا غَدَا آخر: ... لَصِيقُ فُؤَادِي مِنْذُ عِشْرِينَ حَجَّةٍ ... وَصَيْقَلُ ذِهْنِي وَالْمَفِرّ عَنْ هَمِّي

стр. 1155

عَزِيزٌ عَلَى مِثْلِي إِعَارَةُ مِثْلِهِ ... لِمَا فِيهِ مِنْ عِلْمٍ لَطِيفٍ وَمِنْ نَظْمٍ جُمُوعٌ لأَصْنَافِ الْعُلُومِ بِأَسْرِهَا ... فَأَخْلِقْ بِهِ أَنْ لا يُفَارِقَهُ كُمِّي (فَصْلٌ) في نماذج من وصايا السلف وثباتهم عند الموت رحمة الله على تلك الأرواح الأولى: وصية أبي بكر ﵁: عن أبي المليح أن أبا بكر ﵁ لما حضرته الوفاة أرسل إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أني أوصيك بوصية، إن أنت قبلتها عني: إن لله حقًا بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله حقًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل النافلة حتى تؤدَّى الفريضة، ألم تر إنما ثقلت موازينه في الآخرة بإتباعهم الحق في الدنيا، وثقل ذلك عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا حقًا أن يثقل، ألم تر إنما خفت موازين من خفت موازينه في الآخرة بإتباعهم الباطل في الدنيا، وخف ذلك عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا باطلاً، أن يخف، ألم (تر) أن الله أنزل آية الرجاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرجاء، لكي يكون العبد راغبًا راهبًا، لا يلقي بيده إلى التهلكة، لا يتمنى على الله غير الحق، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن أنت ضيعت وصيتي هذه فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. وصية عمر ﵁: عن الشعبي قال: لما طعن عمر ﵁ جاء ابن عباس فقال: يا أمير المؤمنين! أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقتلت شهيدًا ولم يختلف عليك اثنان، وتوفى رسول الله ﷺ -

стр. 1156

وهو عنك راض، فقال له: أعد علي مقالتك، فأعاد عليه فقال: المغرور من غررتموه، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس أو غربت لافتديت به من هول المطلع. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. وصية عثمان ﵁: وعن العلاء بن الفضل عن أبيه قال: لما قتل عثمان بن عفان ﵁ فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقًا مقفلاً، ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: هذه وصية عثمان بن عفان: بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيا، وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية علي بن أبي طالب ﵁: وعن الشعبي لما ضرب علي بن أبي طالب ﵁، تلك الضربة قال: ما فعل ضاربي؟ قالوا: قد أخذناه، قال: أطعموه من طعامي، واسقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رَأْيِي، وإن أنا مت فاضربوه ضربة واحدة لا تزيدوه عليها. ثم أوصى الحسن ﵁ أن يغسله ولا يغالي في الكفن، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تغلو في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا» . وامشوا بي بين المشيتين، لا تسرعوا بي، ولا تبطئوا، فإن كان خيرًا عجلتموني إليه، وإن كان شرًا ألقيتموني عن أكتافكم. شِعْرًا: ... نُرَاعُ لِذِكْرِ الْمَوْتِ سَاعَةَ ذِكْرِهِ ... وَتَعْتَرِضُ الدُّنْيَا فَنَلْهُوا وَنَلْعَبُ

стр. 1157

وَنَحْنُ بَنُو الدُّنْيَا خُلِقْنَا لِغَيْرِهَا ... وَمَا كَانَ فِيهَا فَهُوَ شَيْءٌ مُحَبَّبُ آخر: ... أَبَا الْمُغِيرَةِ وَالدُّنْيَا مُغِيرَةٌ ... وَإِنَّ مَنْ غُرَّ بِالدُّنْيَا لَمَغْرُورُ وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية معاذ بن جبل ﵁: ولما أصيب أبو عبيدة (بن الجراح) في طاعون عمواص استحلف معاذ بن جبل واشتد الوجع، فقال الناس لمعاذ: ادع الله يرفع عنا هذا الزجر، قال: إنه ليس برجز ولكنه: دعوة نبيكم ﷺ وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص (بها) الله من يشاء منكم أيها الناس أربع خلال من استطاع أن لا يدركه شيء منهن فلا يدركه، قالوا: وما هي؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل، ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل: والله ما أدري على ما أنا. لا يعيش على بصيرة، ولا يموت على بصيرة ويعطَى الرجل المال من مال الله على أن يتكلم الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قال: يا أبانا ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال: ستجدني إن شاء الله من الصابرين. . ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بفيه يقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغير حتى هلك رحمة الله عليه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية عبد الله بن مسعود ﵁: وعن الشعبي قال: لما حضر عبد الله بن مسعود الموت دعا ابنه فقال: يا عبد الله بن مسعود! إني أوصيك بخمس خصال فاحفظهن عني: أظهر اليأس للناس، فإن ذلك غنىً فاضل، ودع مطلب الحاجات إلى الناس، فإن (ذلك) فقر حاضر، ودع ما تعذر منه من الأمور، ولا تعمل به،

стр. 1158

وإن استطعت أن لا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالأمس فافعل، فإذا صليت صلاة فصل مودع كأنك لا تصلى بعدها. قال بعضهم: شِعْرًا: ... أَلا لَيْتَ أَنِّي يَوْمَ تَدْنُو مَنِيَّتِي ... أُلازِمْ ذِكْرَ اللهِ فِي كُلِّ لَحْظَةِ وَآخِرُ رَمْقِ مِنْ حَيَاتِي خِتَامُهُ ... بِكَلِمَةِ إِخْلاصٍ لِبَارِي الْبَرِيَّةِ وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية أبي موسى الأشعري ﵁: ولما حضرت أبا موسى الوفاة دعا فتيانه فقال: اذهبوا فاحفروا لي وأعمقوا فإنه كان يستحب العمق، قال: فجاء الحفرة فقالوا: قد حفرنا. فقال: اجلسوا بي فوالذي نفسي بيده إنها لإحدى المنزلتين، إما ليوسعن قبري حتى تكون كل زاوية أربعين زراعا، وليفتحن لي بابًا من أبواب الجنة فلأنظرن إلى منزلي وإلى أزواجي، وما أعد الله لي فيها من النعيم، ثم لأنا أهدى إلى منزلي في الجنة مني اليوم إلى أهلي، وليصيبني من روحها وريحانها حتى أبعث. وإن كانت الأخرى فليضيقن علي قبري حتى تختلف فيه أضلاعي حتى يكون أضيق من كذا وكذا، وليفتحن لي باب من أبواب جهنم، فلأنظرن إلى مقعدي وإلى ما أعد الله لي فيها من السلاسل والأغلال والقرناء، ثم لأنا إلى مقعدي من (جهنم) لأهدى مني اليوم إلى منزلي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أبعث. والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية أبي عقيل ﵁: ولما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال كان أول من خرج أبو عقيل رمي بسهم بين منكبه وفؤاده فأخرج السهم فوهن له شقه الأيسر وجر إلى الرحل فلما حمى القتال سمع معن ابن عدي يصيح يا آل الأنصار اللهَ الله

стр. 1159

والكرة على عدوكم قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل فقلت: ما تريد، قال: قد فوه المنادى باسمي، فقلت: ما يعنى الجرحى. فقال: أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوًا. فتحزم وأخذ السيف ثم جعل ينادي: يا آل الأنصار كرة كيوم حنين، قال ابن عمر: فاختلفت السيوف بينهم فقطعت يده المجروحة من المنكب فقلت: أبا عقيل، فقال: لبيك، بلسان ملتاث، لمن الدبرة؟ فقلت: أبشر قد قتل عدو الله. فأخبرت عمر فقال: ﵀ ما زال يسأل الشهادة ويطلبها. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وصية عبد الله بن رواحة ﵁: ولما تجهز الناس وتهيئوا للخروج إلى مؤتة مضوا حتى نزلوا أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضمت إليه المستعربة (من لخم، وجزام وبلقين، وبهرا، وبلى) في مائة ألف، فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب لرسول الله ﷺ فنخبره (بعدد عدونا) . قال: (فشجع عبد الله بن رواحة الناس، ثم قال: والله يا قوم، إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون الشهادة وما نقاتل العدو بعدة، ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة فمضوا. ولما قدم أبو عون مصر واستولى على البلد أرسل إلى حيوة بن شريح فجاء فقال: إنا معشر الملوك لا نعصى فمن عصانا قتلناه قد وليتك القضاة، قال: أوامر أهلي، قال: اذهب فجاء إلى أهله فغسل رأسه ولحيته ونال شيئا من الطيب ولبس أنظف ما قدر عليه من الثياب ثم جاء فدخل عليه فقال: من جعل السحرة

стр. 1160

أولى بما قالوا منا فاقض ما أنت قاض، فلست أتولى لك شيئًا، قال: فأذن له فرجع. عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لما حضرت أبي الوفاة جلست عنده بيدي الخرقة لأشد بها لحييه فجعل يعرق، ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا: لا بعد ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة، قلت له: يا أبة أي شيء هذا قد لهجت به في هذا الوقت تعرق حتى تقول قد قبضت، ثم تعود فنقول لا لا بعد فقال لي: يا بني ما تدري؟ قلت: لا، قال: إبليس لعنه الله قائم حذائي عاض على أنامله يقول لي: أحمد فُتَّنِي، فأقول له: لا بعد حتى أموت. . . . أ. هـ. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر: وصية داود بن أبي هند ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به داود بن أبي هند (أوصى بتقوى الله ولزوم طاعته، وطاعة رسوله، والرضي بقضائه، والتسليم لأمره، وأوصاهم بما أوصى به يعقوب بنيه) ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة:١٣٢) . وداود يشهد بما شهد الله عليه وملائكته: أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله ﷺ وبالجنة والنار وبالقدر كله، على ذلك يحيا، وعلى ذلك يموت. اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →