Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
.. هُمُ الرِّجَالُ فَإِنْ تَسْلُكْ طَرِيقَهُمُوا ... نِلْتَ الْمُنَى لَيْسَ بَعْدَ الْعَيْنِ آثَارُ
سَلْهُمْ وَسَلْ عَنْهُمُوا مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُمْ ... فَعِنْدَهُمْ لِمُقِيمِي الدِّينِ أَقْدَارُ
أَنْعَمْ إِذَا كُنْتَ تَهْوَاهُم بِقُرْبِهِمُوا ... وَاصْحَبْهُمُوا إِنْ نَأَتِ يَوْمًا بِكَ الدَّارُ
وَاحْلُلْ بِسَاحَتِهِمْ تَسْعَدْ بِجَيْرَتِهِمْ ... يَحْمُوا النَّزِيلَ وَلا يُؤْذَى لَهُمْ جَارُ
آخر: ... اعتزلْ ذكر الغواني وَالْغَزَلْ ... وَقُلِ الْفَصْلَ وَجَانِبْ مِنْ هَزَلْ
وَدَعِ الذِّكْرَى لأَيَّامِ الصِّبَا ... فَلأَيَامِ الصِّبَا نِجْمٌ أَفَلْ
إِنّ أَهْنَا عَيْشَةٍ قَضَّيْتَهَا ... ذَهَبَتْ لَذَّاتُهَا وَالإثْمُ حَلّ
وَاتْرُكِ الْغَادَةَ لا تَحْفَلْ بِهَا ... تُمْس فِي عَزّ رَفِيع وَتُجَلّ
وَافْتَكِرْ فِي مُنْتَهَى حُسْنِ الَّذِي ... أَنْتَ تَهْوَاهُ تَجِدْ أَمْرًا جَللْ
وَافْتَكِرْ فِي مُنْتَهَى حُسْنِ الَّذِي ... أَنْتَ تَهْوَاهُ تَجِدْ أَمْرًا جَللْ
وَاهْجُرْ الْخَمْرَةَ إِنْ كُنْتَ فَتَىً ... كَيْفَ يَسْعَى فِي جُنُونٍ مِنْ عَقَلْ
وَاتَّقِ اللهَ فَتَقْوَى اللهِ مَا ... بَاشرَتْ قَلْبَ امْرِئٍ إِلا وَصَلْ
لَيْسَ مَنْ يَقْطَعُ طُرْقًا بَطَلاً ... إِنَّمَا مَنْ يَتَّقِي اللهَ بَطَلْ
صَدِّقِ الشَّرْعَ وَلا تَرَكَنْ إِلَى ... رَجُلٍ يَرْصُدُ فِي اللَّيْلِ زُحَلْ
حَارَتِ الأَفْكَارُ فِي قُدْره مَنْ ... قَدْ هَدَانَا سُبْلَنَا
أَيْنَ نَمْرُودُ وَكَنْعَانُ وَمَنْ ... مَلَكَ الأَرْضَ وَوَلَّى وَعَزَلْ
أَيْنَ عَادٌ أَيْنَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ ... رَفَعَ الأَهْرَامَ مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ
أَيْنَ مَنْ سَادُوا وَشَادُوا وَبَنُوا ... هَلَكَ الْكُلُّ فَلَمْ تُغْنِ الْقُللْ
أَيْنَ أَرْبَابُ الْحِجَى أَهْلُ النُّهَى ... أَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ وَالْقَوْمُ الأَوَلْ
سَيُعِيدُ الله كلاً مِنْهُمُ ... وَسَيَجْزِي فَاعِلاً مَا قَدْ فَعَلْ
يَا بُنَيّ اسْمَعْ وَصَايَا جَمَعتْ ... حِكَمًا خُصّتْ بِهَا خَيْرُ الْمِلَلْ
اطْلبِ الْعِلْمَ وَلا تَكسَلْ فَمَا ... أَبْعدَ الْخَيْرَ عَلَى أَهْلِ الْكَسَلْ
وَاحْتَفِلْ لِلْفِقْه فِي الدِّينِ وَلا ... تَشْتَغِلْ عَنْهُ بِمَالٍ وَخَولْ
стр. 1087
.. وَاهْجُرْ النَّوْمَ وَحَصِّلْهُ فَمَنْ ... يَعْرِفِ الْمَطْلُوبَ يَحْقِرْ مَا بَذَلْ
لا تَقُل قَدْ ذَهَبَتْ أَرْبَابُه ... كُلُّ مَنْ سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلْ
فِي ازْدِيَادِ الْعِلْمِ إِرْغَامُ الْعِدَى ... وَجَمَالُ الْعِلْمِ إِصْلاحُ الْعَمَلْ
جَمِّلِ الْمَنْطِقَ بِالنَّحوِ فَمَن ... حُرِمَ الإِعْرَابَ بِالنُّطْقِ اخْتَبَلْ
أُنْظمِ الشِّعْرَ وَلازِمْ مَذْهَبِي ... فِي اطِّرَاح الرِّفد لا تَبْغِ النِّحَلْ
فَهُوَ عُنْوَانٌ عَلَى الْفَضْلِ وَمَا ... أَحْسَنَ الشِّعْرَ إِذَا لَمْ يُبْتَذَلْ
مَاتَ أَهْل الْجُودَ لَمْ يَبْقَ سِوَى ... مُقْرِفٌ أَوْ عَلَى الأَصْلِ اتَّكَلْ
أَنَا لا أَخْتَارُ تَقْبِيلَ يَدٍ ... قَطَعُهَا أَجْمَلُ مِنْ تِلْك الْقُبَلْ
إِنْ جَزَتْنِي عَنْ مَدِيحِي صِرْتُ فِي ... رِقِّهَا أَوْ لا فَيَكْفِينِي الْخَجَلْ
مُلْكُ كسرى عَنْهُ تُغْنِي كِسْرَةٌ ... وَعَنْ الْبَحْرِ اكْتِفَاءٌ بِالْوَشَلْ
أَعْذَبُ الأَلْفَاظِ قَوْلِي لَكَ خُذْ ... وَأَمْرِّ اللَّفْظِ نُطْقِي بِلَعَلّ
لَيْسَ مَا يَحْوِي الْفَتَى مِنْ عَزْمِه ... لا وَلا مَا فَاتَ يَوْمًا بِالْكَسَلْ
اطْرحِ الدُّنْيَا فَمِنْ عَادَاتِهَا ... تَخْفِضُ الْعَالِي وَتُعْلِي مِن سَفَلْ
عَيْشَةُ الرَّاغِبُ فِي تَحْصِيلِهَا ... عَيْشَةُ الزَّاهِدُ فِيهَا أَوْ قَلّ
كَمْ جَهُولٍ وَهُوَ مُثْرٍ مُكْثِرٌ ... وَعَلِيمٍ مَاتَ مِنْهَا بِالْعِلَلْ
كَمْ شُجَاعٍ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا الْمُنَى ... وَجَبَانٍ نَالَ غَايَاتِ الأَمَلْ
فَاتْرُكِ الْحِيلَة فِيهَا وَاتَّئِدْ ... إِنَّمَا الْحِيلَةُ فِي تَرْكِ الْحِيَلْ
أَيُّ كَفٍّ لَمْ تَنَلْ مِمَّا تُفِدْ ... فَرَمَاهَا اللهُ مِنْهُ بِالشَّلَلْ
لا تَقُلْ أَصْلِي وَفَصْلِي أَبَدًا ... إِنَّمَا أَصْلُ الْفَتَى مَا قَدْ حَصَلْ
قَدْ يَسُودُ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ ... وَبِحُسْنِ السَّبكِ قَدْ يُنْفَى الزَّعَلْ
وَكَذَا الْوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ وَمَا ... يَطْلَعُ النَّرجسُ إِلا مِنْ بَصَلْ
مَعَ أَنِّي أَحْمَدُ اللهَ عَلَى ... نَسَبِي إِذْ بأَبِي بَكْرٍ اتَّصَلْ
قِيمَةُ الإِنْسَانِ مَا يُحْسِنُهُ ... أَكْثَرَ الإِنْسَانُ مِنْهُ أَوْ قَلّ
стр. 1088
.. أُكْتُم الأَمْرَيْنِ فَقْرًا وَغِنَىً ... وَاكْسَبِ الْفِلْسَ وَحَاسِبْ مِنْ مَطَلْ
وَادَّرِعْ جَدًّا وَكَدًّا وَاجْتَنِبْ ... صُحْبَةَ الْحَمْقَى وَأَرْبَابَ الدُّوَلْ
بَيْنَ تَبْذِيرٍ وَبُخْلٍ رَتْبَةٌ ... وَكِلا هَذَيْنِ إِنْ زَادَ قَتَلْ
لا تخُضْ فِي حَقِّ سَادَاتٍ مَضَوْا ... إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِلزِّلَلْ
وَتَغَافِلْ عَنْ أُمُورٍ إِنَّهُ ... لَمْ يَفُزْ بِالْحَمْدِ إِلا مَنْ غَفَلْ
لَيْسَ يَخْلُوا الْمَرْءُ مِنْ ضِدٍّ وَلَوْ ... حَاوَلَ الْعُزْلةَ فِي رَأْسِ جَبَلْ
مِلْ عَنْ النَّمَّامِ وَازْجُرْه فَمَا ... بَلَغَ الْمَكْرُوهَ إِلا مَنْ نَقَلْ
دَارِ جَارَ السُّوءِ بِالصَّبْرِ فَإِنْ ... لَمْ تَجِدْ صَبْرًا فَمَا أَحْلَى النُّقَلْ
جَانِبْ السُّلْطَانَ وَاحْذَرْ بَطْشَهُ ... لا تُعَانِدْ مَنْ إِذَا قَالَ فَعَلْ
لا تَلِي الْحُكْمَ وَإِنْ هُمْ سَأَلُوا ... رَغْبَةً فِيكَ وَخَاَلِفْ مَنْ عَذَلْ
إِنَّ نِصْفَ النَّاسِ أَعْدَاءٌ لِمَنْ ... وَلِيَ الأَحْكَامَ هَذَا إِنْ عَدَلْ
فَهُوَ كَالْمَحْبُوسِ عَنْ لَذَّاتِهِ ... وَكِلا كَفَّيْهِ فِي الْحَشْرِ تُغَلّ
إِن لِلنَّقْصِ وَالاسْتِثْقَالِ فِي ... لَفْظَةِ الْقَاضِي لَوَعظًا وَمَثْل
لا تَوَازِي لَذَّةُ الْحُكْمِ بِمَا ... ذَاقَهُ الشَّخْصُ إِذَا الشَّخْصُ انْعَزَلْ
فَالْوِلايَاتُ وَإِنْ طَابَتْ لِمَنْ ... ذَاقَهَا فَالسُّمُّ فِي ذَاكَ الْعَسَلْ
نَصَبُ الْمنْصِبِ أَوْهِى جَلَدِي ... وَعَنَائِي مِنْ مَدَارَاِة السَّفَلْ
قصِّر الآمَالَ فِي الدُّنْيَا تَفُزْ ... فَدَلِيلُ الْعَقْلِ تَقْصِيرُ الأَمَلْ
إِنَّ مَنْ يَطْلُبُهُ الْمَوْتُ عَلَى ... غِرَّةٍ مِنْهُ جَدِيرٌ بِالْوَجَلْ
غِبْ وَزُرْ غِبًّا تَزِدْ حُبًّا فَمَنْ ... أَكْثَرَ التِّرْدَادَ أَقْصَاهُ الْمَلَلْ
خُذْ بِنَصْلِ السَّيْفِ وَاتْرُكْ غِمَدَهُ ... وَاعْتَبِرْ فَضْلَ الْفَتَى دُونَ الْحُلَلْ
لا يَضُرُّ الْفَضْلَ إِقْلالٌ كَمَا ... لا يَضُرُّ الشَّمْسُ إِطْبَاقُ الطِّفَلْ
حُبَّكَ الأَوْطَان عَجْزٌ ظَاهِرٌ ... فَاغْتَرِبْ تَلْقَ عَنْ الأَهْلِ بَدَلْ
فَبِمُكثِ الْمَاءِ يَبْقَى آسِنًا ... وَسُرَى الْبَدْرِ بِهِ الْبدرُ اكْتَمَلْ
стр. 1089
.. أَيُّهَا الْعَائِبُ قَوْلِي عَبَثًا ... إِنَّ طِيبَ الْوَرْدِ مُؤْذٍ لِلْعَجَلْ
عَدِّ عَنْ اسْهُمِ قَوْلِي وَاسْتَتِرْ ... لا يُصِيبَنَّكَ سَهْمٌ مَنْ ثُعَلْ
لا يَغُرَّنَكَ لِينٌ من فَتَىً ... إِنَّ لِلْحَيَّاتِ لِينًا يُعْتَزَلْ
أَنَا مِثْلُ الْمَاءِ سَهْلٌ سَائِغٌ ... وَمَتَى سُخِّنَ آذَى وَقَتَلْ
أنَا كَالْخَيْزور صَعْب كَسْرَهُ ... وَهُوَ لَدْن كَيْفَ مَا شِئْتَ انْفَتَل
غَيْرَ أَنِّي فِي زَمَانٍ مَنْ يَكُنْ ... فِيهِ ذَا مَالٍ هُوَ الْمَوْلَى الأَجَل
وَاجِبٌ عِنْدَ الْوَرَى إِكْرَامُهُ ... وَقَلِيلُ الْمَالِ فِيهُمْ يُسْتَقَل
كُلُّ أََهْلِ الْعَصْرِ غمر وَأَنَا ... مِنْهُمْ فَاتْرُكْ تَفَاصِيل الْجمل
وَصَلاةٌ وَسَلامٌ أَبَدًا ... لِلنَّبِيِّ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الدّول
وَعَلَى الآلِ الْكِرَامِ السُّعَدَا ... وَعَلَى الأَصْحَابِ وَالْقَوْمِ الأُوَل
مَا ثَوَى الرَّكْبُ بِعشَاقٍ إِلَى ... أَيْمَن الْحَيّ وَمَا غَنَّى رَمْل
" موعظة "
إخواني: إن الليل كما علمتم فيه فضل عَظِيم وثواب جزيل لمن وفقه الله جَلَّ وَعَلا،
وَهُوَ من أثقل شَيْء على النفس ولا سيما بعد أن يرقَدْ الإِنْسَان، وإنما يكون خفيفًا بالاعتياد، وتوطين النفس وتمرينها عَلَيْهِ والمداومة والصبر على المشقة والمجاهدة فِي الابتداء، ثُمَّ بعد ذَلِكَ ينشرح وينفتح باب الأُنْس بِاللهِ وتلذ لَهُ المناجاة والْخُلْوَة، وعَنْدَ ذَلِكَ لا يشبع الإِنْسَان من قيام الليل، فضلاً عَنْ أن يستثقله أَوْ يكسل عَنْهُ كما وقع لكثير من السَّلَف. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَهْل الليل فِي ليلهم ألذ من أَهْل اللهو فِي لهوهم ويا بعدها بين الحالتين، فسبحان من وفق أقوامًا فتقربوا إليه بالنوافل، وأبعد بحكمته وعدله آخرين فهم عَنْ ما ينفعهم فِي حاضرهم ومآلهم غافلون.
شِعْرًا: ... ولا خَيْر فِي مَنْ لا يُوَطِّنُ نَفْسهُ ... عَلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى بِمَا فِي كِتَابِهِ
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وَوَفِّقْنَا للقيام بأمرك وأعذنا من عدونا وعَدُوّكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبة أجمعين.
стр. 1090
" فَصْلٌ "
اعْلَمْ يَا أخي أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من سؤال الله ويتحرى أوقات الإجابة لعل الله جَلَّ وَعَلا أن يستجيب لَهُ، قَالَ الله تبارك تَعَالَى وَهُوَ أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ، وقَالَ ﵎ وَهُوَ أوفى الواعدين: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ، وقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ ، وقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وأن يفتح الدُّعَاء بالثناء على الله والصَّلاة على رسول الله ﷺ .
شِعْرًا: ... وأقوم خلق الله لله بالَّذِي ... يحب ويرضاه النَّبِيّ المبجل
فتى جمعت فيه المكارم شملها ... فما فاته مَنْهَا أخَيْر وأول
عنايته بالدين تشهد أنه ... نبي من الرحمن قَدْ جَاءَ مرسل
له مني عظمى على كُلّ مُسْلِم ... وطاعته فرض من الله منزل
دعانَا إِلَى الإِسْلام بعدا اندراسه ... وقام بأمر الله والأَمْر مهمل
وأصلح بين الْمُسْلِمِين بيمنه ... واطفأ نيرانًا على الدين تشعل
يعاقب تأديبًا ويعفو تطولاً ... ويجزى على الحسنى ويعطى فيجزل
ولا يتبع المعروف منا ولا أذى ... ولا البخل من عاداته حين يسأل
رعاه الَّذِي استرعاه أمر عباده ... وكافاه عنا المنعم المتفضل
اللَّهُمَّ اجعل الإِيمَان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات وَوَفِّقْنَا للأعمال الصالحات، وَاجْعَلْنَا ممن توكل عَلَيْكَ فكفيته، واستهداك فهديته ودعا لَكَ فأجبته، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى صحبه وسلم أجمعين.
стр. 1091
" فَصْلٌ "
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ولن ينفع حذر من قدر، ولكن الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل، فعليكم بالدُّعَاء عباد الله» . رَوَاهُ أحمد والطبراني عَنْ معاذ ﵁.
قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «إن الله حيى كريم يستحى إِذَا رفع الرجل يديه إن يردهما صفرًا خائبتين» . رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاود والترمذي وابن ماجه والحاكم عَنْ سلمان ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ادعوا الله وأنتم موقنين بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب من قلب غَافِل لاه ". رَوَاهُ الترمذي والحاكم عَنْ أبي هريرة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب لَهُ، فَإمَّا أن يعجل لَهُ فِي الدُّنْيَا وإما أن يؤخر لَهُ فِي الآخِرَة وإما يكفر عَنْهُ من ذنوبه بقدر ما دعاء، ما لم يدع بإثُمَّ أَوْ قطيعة رحم، أَوْ يستعجل يَقُولُ: دعوت ربى فما استجاب لي» . رَوَاهُ الترمذي عَنْ أبي هريرة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «من سره إن يستجيب الله لَهُ عَنْدَ الشدائد والكرب فليكثر الدُّعَاء فِي الرخاء» . رَوَاهُ الترمذي والحاكم عَنْ أبي هريرة ﵁.
ولَقَدْ علم النَّبِيّ ﷺ أمته كيف تدعو فقَالَ ﷺ : «إذ صلى أحدكم فليبداء بتحميد الله تَعَالَى والثناء عَلَيْهِ ثُمَّ ليصل على النَّبِيّ ﷺ ثُمَّ ليدع بما شَاءَ» . رَوَاهُ أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقى عَنْ فضالة بن عبيد ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «إِذَا دعا أحدكم فليؤمن على دعاء نَفْسهُ» . رَوَاهُ ابن عدي عَنْ أبي هريرة ﵁.
стр. 1092
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ " لا يجتمَعَ ملأ فيدعوا بَعْضهمْ ويؤمن بَعْضهمْ الا أجابهم الله» . رَوَاهُ الطبراني والحاكم والبيهقى عَنْ حبيب بن سَلَمَة الفهري ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم» . رَوَاهُ أبو داود والبيهقى عَنْ ابن عباس ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «لا تدعو على أنفسكم إلا بخَيْر فَإِنَّ الملائكة يؤمنون على ما تقولون ". رَوَاهُ أحمد ومسلم وَأَبُو دَاود عَنْ أم سَلَمَة ﵂.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا على تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافق من الله ساعة نيل فيها عطاء مستجاب لكم» . رَوَاهُ أبو داود عَنْ جابر ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «تفتح أبواب السماء ويستجاب الدُّعَاء فِي أربعة مواطن: عَنْدَ التقاء الصفوف فِي سبيل الله، وعَنْدَ نزول الغيث، وعَنْدَ إقامة الصَّلاة، وعَنْدَ رؤية الكعبة» . رَوَاهُ الطبراني عَنْ أبي إمامة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «من كَانَتْ لَهُ إِلَى الله حَاجَة فليدع بها دبر كُلّ صلاة مفروضة» . رَوَاهُ ابن عساكر عَنْ أبي مُوَسى ﵁.
وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإِمَام العادل، والصائم حَتَّى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، وَيَقُولُ الرب ﵎: وعزتي لا نصرنك ولو بعد حين» . رَوَاهُ أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ أبي هريرة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ " دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه بظهر الغيب، عَنْدَ رأسه ملك موكل به، كُلَّما دعا لأخيه بخَيْر قَالَ الملك: آمين ولك مثل
стр. 1093
ذَلِكَ. رَوَاهُ أحمد ومسلم وابن ماجه عَنْ أبي الدرداء ﵁
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «سلوا الله حوائجكم حَتَّى الملح» . رَوَاهُ البيهقى عَنْ بكر بن عَبْد اللهِ المزني ﵁ مرسلاً.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كُلّ ليلة إِلَى السماء الدُّنْيَا حين يبقى الثلث الليل الآخِر فَيَقُولُ: من يدعوني فاستجيب لَهُ، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فاغفر لَهُ» . رَوَاهُ أحمد والْبُخَارِيّ ومسلم وَأَبُو دَاود والترمذي وابن ماجة عَنْ أبي هريرة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «أقرب ما يكون الرب من الْعَبْد فِي جوف الليل الآخِر فَإِنَّ استطعت أن تكون مِمَّا يذكر الله فِي تلك الساعة فكن» . رَوَاهُ الترمذي والنسائي والحاكم عَنْ عمرو بن عنبسة ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «يدعو الله بالمُؤْمِن يوم القيامة حَتَّى يوقفه بين يديه، فَيَقُولُ: عبدي، إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لَكَ، فهل كنت تدعوني؟ فَيَقُولُ: نعم يَا رب. فَيَقُولُ: أما إِنَّكَ لم تدعنى بدعوة إلا استجيب لَكَ، ألَيْسَ دعوتني يوم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ ففرجت عَنْكَ؟ فَيَقُولُ: نعم يَا رب. فَيَقُولُ: إني عجلتها لَكَ فِي الدُّنْيَا، ودعوتني يوم كَذَا وَكَذَا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فلم تر فرجًا؟ قَالَ: نعم يَا رب. فَيَقُولُ: إني ادخرت لَكَ بها فِي الْجَنَّة كَذَا وَكَذَا. ودعوتني فِي حَاجَة اقضيها لَكَ فِي يوم كَذَا وَكَذَا فقضيتها؟ فَيَقُولُ: نعم يَا رب. فَيَقُولُ: إني عجلتها لَكَ فِي الدُّنْيَا. ودعوتني يوم كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَة أقضيها لَكَ فلم تر قضاء. فَيَقُولُ: نعم يَا رب. فَيَقُولُ: ادخرتها لَكَ فِي الْجَنَّة كَذَا وَكَذَا» .
وقَالَ رسول الله ﷺ : «فلا يدع الله دعوة دعا عبده المُؤْمِن إلا بين لَهُ، إما أن يكون عجل لَهُ فِي الدُّنْيَا وإما أن يكون ادخر لَهُ فِي الآخِرَة» . قَالَ
стр. 1094
فَيَقُولُ المُؤْمِن فِي ذَلِكَ المقام: يَا ليته لم يكن عجل لَهُ شَيْئًا من دعائه» . رَوَاهُ الحاكم عَنْ جابر ﵁.
وقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " أيها النَّاس إن الله طيب لا يقبل إلا طيب. وإن الله أمر الْمُؤْمِنِينَ بما أمر به المرسلين فقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وقَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، ثُمَّ ذكر: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إِلَى السماء: يَا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لِذَلِكَ» . رَوَاهُ أحمد ومسلم والترمذي عَنْ أبي هريرة ﵁. عَنْهُ فمن أراد أن تجاب دعوته فليطب مطعمه.
" فَصْلٌ "
فيا أيها الغَافِل المهمل المفرط وكلنا كَذَلِكَ انتبه وتصور صرعة الموت لنفسك وتصور نزعه لروحك وتصور كربه وسكراته وغصصه وغمه وقلقه.
وتصور بُدُوَّ الملك لجذب روحك من قدميك ثُمَّ الاستمرار ليجذب الروح مِنْ جَمِيعِ بدنك فَنُشِطَتْ من أسفلك متصاعدة إِلَى أعلاك حَتَّى إِذَا بلغ منك الكرب والوجع والألم منتهاه وعمت الآلام جميع بدنك وقلبك وجل محزون منتظر إما البشرى من الله بالرِّضَا وإما الْغَضَب.
فبينما أَنْتَ فِي كربك وغمومك وشدة حزنك لارتقابك أحدى البشريين إذ سمعت صوته إما بما يسرك وإما بما يغمك فيلزم حينئذ غاية الهم والحزن أَوْ الفرح والأُنْس والسرور قلبك حين أقضت من الدُّنْيَا مدتك وانقطع مَنْهَا آثرك وحملت إِلَى دار من سلف من الأمم قبلك.
وتصور نفسك حين استطار قلبك فرحًا وَسُرُورًا وملئ رعبًا وحزنًا وعبرة وبزيارة القبور وهول مطلعه وروعة الملكين منكر ونكير وسؤالها لَكَ فِي
стр. 1095
القبر عَنْ ثلاثة أسئلة ما فيها تخيير، الأول من ربك والثاني ما دينك والثالث من نبيك.
فتصور أصواتهما عَنْدَ ندائهما لَكَ لتجلس لسؤالهما لَكَ فيه فتصور جلستك فِي ضيق قبرك وقَدْ سقط كفنك عَنْ حقويك والقطن من عينيك. ثُمَّ تصور شخوصك ببصرك اليهما وتأملك لصورتهما فَإِنَّ رأيتهما بأحسن صورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة والسرور وإن رأيتهما بأقبح صورة أيقنت بالعطب والهلاك.
شِعْرًا: ... وللمرء يوم ينقضي فيه عمره ... وموت وقبر ضيق فيه يولج
ويلقى نكيرًا فِي السؤال ومنكرًا ... يسومان بالتنكيل من يتلجلج
آخر: ... تفكر فِي مشيبك والمآب ... ودفنك بعد عزك فِي التراب
إذا وافيت قبرًا أَنْتَ فيه ... تقيم به إِلَى يوم الحساب
وفى أوصال جسمك حين تبقى ... مقطعة ممزقة الاهاب
فلولا القبر صار عَلَيْكَ سترًا ... لأنتنت الأباطح والروابي
خلقت من التُّرَاب فصرت حيًا ... وعلمت الفصيح من الخطاب
فطلق هَذِهِ الدُّنْيَا ثلاثًا ... وبادر قبل موتك بالمتاب
نصحتك فاستمَعَ قولي ونصحي ... فمثلك قَدْ يُدَلُّ على الصواب
خلقنا للممَاتَ ولو تركنا ... لضاق بن الفسيح من الرحاب
ينادى فِي صبيحة كُلّ يوم ... لدوا للموت وابنو للخراب
ثُمَّ تصور كيف يكون شعورك إن ثبتك الله ونظرت إلى ما أعد الله لَكَ وقولهما لَكَ هَذَا منزلك ومصيرك فتصور فرحك وسرورك بما تعانيه من النَّعِيم وبهجة الملك وإيقانك بالسلامة مِمَّا يسوؤك.
وان كَانَتْ الأُخْرَى فتصور ضد ذَلِكَ من انتهارك ومعينتك جهنم
стр. 1096
وقولهما لَكَ هَذَا منزلك ومصيرك فيا لها من حَسْرَة ويا لها من ندامة ويا لها من عثرة لا تقَالَ.
ثُمَّ بعد ذَلِكَ الْفَنَاء والبَلاء حَتَّى تنقطع الأوصال وتتفتت العظام ويبلى جسدك ويستمر حزنك فيا حَسْرَة روحك وغمومها وهمومها، حَتَّى إِذَا تكاملت عدة الأموات وقَدْ بقى الجبار الأعلى منفردًا بعظمته وجلاله وكبريائه ثُمَّ لم يفجأك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جَلَّ وَعَلا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ يأمر الله ملكًا ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقه والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل الِقَضَاءِ.
فتصور وقوع الصوت فِي سمعك ودعائك إِلَى العرض على مالك الملك فيطير فؤادك ويشيب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة للعرض على الرب جَلَّ وَعَلا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ .
فبينما أَنْتَ فِي فزع من الصوت إذ سمعت بانشقاق الأَرْض فخرجت مغبرًا من غبار قبرك قائمًا على قدميك شاخصًا ببصرك نَحْوَ النداء، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ ، وقَالَ: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ .
فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك وغمومك فِي زحمة الخلائق خاشعة أبصارهم وأصواتهم ترهقهم الذلة، قَالَ تَعَالَى ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ .
اللَّهُمَّ ثبتنا على قولك الثابت فِي الحياة الدُّنْيَا وفى الآخِرَة واتنا فِي الدُّنْيَا حسُنَّة
стр. 1097
وفى الآخِرَة حسُنَّة وقنا عذاب النار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين.
اللَّهُمَّ خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأَبْرَار واصرف عنا شر الأَشْرَار واعتق رقابنا ورقاب إبائنا من النار يَا عزيز يَا غفار ويا كريم يَا ستار ويا حليم ويا جبار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فصل ": ثُمَّ تصور إقبال الوحوش من البراري منكسة رؤوسها لهول يوم القيامة فبعد توحشها وانفرادها من الخلائق ذلت ليوم النشور، قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ .
وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق مَعَ كثافة سمكها فيا هول صوت ذَلِكَ الانشقاق.
والملائكة على حافات ما يتفطر من السماء، قَالَ تَعَالَى ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ . وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ . قِيل تذوب كما تذوب الفضة فِي السبك وتتلون كما تلون الأصباغ التي يدهن بها فتَارَّة حمراء وتَارَّة صفراء وزرقاء وخضراء وَذَلِكَ من شدة الأَمْر وهول يوم القيامة، وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ﴾ قِيْل كالفضة المذابة أَوْ الرصاص المذاب، وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ .
فتصور وقوفك مفردًا عريانًا حافيًا وقَدْ أدنيت الشمس من رؤوس الخلائق ولا ظِلّ إلا ظِلّ عرش رب العالمين، فبينما أَنْتَ على تلك الحال المزعجة اشتد الكرب والوهج من حر الشمس ثُمَّ ازدحمت الأمم وتدافعت وتضايقت واختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من شدة العطش والخوف العَظِيم.
стр. 1098
وانضاف إِلَى حر الشمس كثرة الأنفاس وازدحام الأجسام والعطش تضاعف ولا نوم ولا راحة وفاض عرقهم على الأَرْض حَتَّى استنقع ثُمَّ ارتفع على الأبدان عَلَى قَدْرِ مراتبهم ومنازلهم عَنْدَ ربهم بالسعادة والشقاوة.
ثُمَّ تصور مجئ جهنم تقاد ولها سبعون ألف زمام مَعَ كُلّ زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ .
فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل الا جثا لركبته يَقُولُ: يَا رب نفسي نفسي. فتصور ذَلِكَ الموقف المهيل المفزع الَّذِي قَدْ ملا الْقُلُوب رعبًا وخوفًا وقلقًا وذعرًا يَا لَهُ من موقف ومنظر مزعج.
وأَنْتَ لا محالة أحدهم فتوهم نفسك لكربك وقَدْ علاك العرق والفزع والرعب الشديد والنَّاس معك منتظرون لفصل الِقَضَاءِ إِلَى دار السعادة أَوْ إِلَى دار الشقاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ .
فتصور أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم منفرد كُلّ واحد بنفسه ينادي نفسي نفسي، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ الآية.
فتصور نفسك وحالتك عِنْدَمَا يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصَاحِب لما فِي ذَلِكَ الْيَوْم من المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت الْقُلُوب من الخوف والفزع والرعب والذعر.
ولولا عظم هول ذَلِكَ الْيَوْم ما كَانَ من الكرم والمروة والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك وأخيك وبنيك ولكن عظم الخطر وشدة الكرب والهول اضطرك إِلَى ذَلِكَ فلا تلام على فرارك مِنْهُمْ ولا لوم عَلَيْهمْ إِذَا فروا منك، قَالَ الله تَعَالَى:
стр. 1099
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ، وقَالَ ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ .
فبينما أَنْتَ فِي تلك الحالة مملوء رعبًا قَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ مِنْ شِدَّةِ الأَهْوَال وَالْمُزْعِجَات وَالْخَوف الْعَظِيم إِذَا ارتفع عنق من النار يلتقط من أمر بأخذه فينطوي عَلَيْهمْ ويلقيهم فِي النار فتبتلعهم ثُمَّ تصور الميزان وعظمته وقَدْ نصب لوزن الأَعْمَال وتصور الكتب المتطايرة فِي الإِيمَان والشمائل وقلبك واجف مملوءًا خوفًا متوقع أين يقع كتابك فِي يمينك أَوْ فِي شمالك أَوْ من وراء ظهرك.
اللَّهُمَّ انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإِيمَان واليقين، وخصنا منك بالتَّوْفِيق المبين، وَوَفِّقْنَا لقول الحق وإتباعه وخلصنا مِنَ الْبَاطِلِ وابتداعه، وكن مؤيدًا ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يدًا واجعل لَنَا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا عِلْمًا نافعًا وعملاً متقبلاً، وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفاءً من كُلّ داء، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فصل ": فالأتقياء يعطون كتبهم بإيمانهم والأشقياء بالشمال أَوْ من وراء الظهر، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ، وقَالَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ .
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ الآيات، وقَالَ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ﴾ الآيات.
стр. 1100
فيا لها من مواقف، ويا لها من أهوال ويا لها من خطوب مجرد تصورها يبكي المُؤْمِن بها حَقًّا.
عَنْ الحسن أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ رأسه فِي حجر عَائِشَة فنعس فتذكرت الآخِرَة فبكت فسالت دموعها على خد النَّبِيّ ﷺ فاستيقظ بدموعها فرفع رأسه فقَالَ: «ما يبكيك» ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذكرت الآخِرَة هل تذكرون أهليكم يوم القيامة.
قَالَ: «والَّذِي نفسي بيده فِي ثلاثة مواطن فَإِنَّ أَحَد لا يذكر إلا نَفْسهُ: إِذَا وضعت الموازين ووزنت الأَعْمَال حَتَّى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل وعَنْدَ الصحف حَتَّى ينظر أبيمينه أم بشماله وعَنْدَ الصراط» .
وعن أَنَس بن مالك قَالَ: يؤتى بابن آدم يوم القيامة حَتَّى يوقف بين كفتي الميزان ويوكل به ملك فَإِنَّ ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمَعَ الخلائق سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا.
وإن خف ميزانه نادى بصوت فيسمَعَ الخلائق شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا.
وتصور بينما أَنْتَ واقف مَعَ الخلائق الَّذِينَ لا يعلم عددهم إلا الله جَلَّ وَعَلا وتقدس إذ نودي باسمك على رؤوس الخلائق من الأولين والآخرين أين فلان بن فلان هَلُمَّ إِلَى العرض على الله .
فقمت أَنْتَ لا يقوم غيرك لما لزم قلبك من العلم من أَنْتَ المطلوب فقمت ترتعد فرائضك وتضطرب رجلاك وَجَمِيع جوارحك وقلبك من شدة الخوف والذهول فِي أشد الخفقان مرتفعًا إِلَى الحنجرة.
قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ .
стр. 1101
فتصور خوفك وَذُلُّكَ وضعفك وانهيار أعصابك وقواك متغيرًا لونك مرعوبًا مذعورًا مرتكضًا مزعجًا قَدْ حَلَّ بِكَ الْغَمِّ وَالْهَمَّ والاضطراب والقلق والذهول لما أصابك ورَأَيْت من الشدائد والكروب والمحزنات ما الله به عليم.
قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ، فيا من يوم، قَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ والآية بعدها.
وتصور وقوفك بين يدي بديع السموات والأَرْض الَّذِي الأَرْض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويان بيمينه القوي العزيز وقلبك خائف مملؤء من الرعب محزون وجل وطرفك خائف خفي خاشع ذليل.
وجوارحك مرتعدة بيدك صحيفة فيها الدقيق والجليل لا تغادر صغيرة ولا كبيرة فقرأتها بلسان كليل وقلب منكسر وداخلك من الخجل والجبن والحياء من الله الَّذِي لم يزل أليك محسنًا وعَلَيْكَ سَاتِرًا.
فبأي لسان تجيبه حين يسألك عَنْ قبيح فعلك وعَظِيم جرمك وبأي قدم تقف غدًا بين يديه وبأي طرف تنظر إليه وبأي قلب تحتمل كلامه العَظِيم الجليل ومساءلته وتوبيخه.
وتصور نفسك بصغر جسمك بين يدي من السموات السبع والأَرْض كخردلة فِي كفة الكبير المتعال شديد المحال الَّذِي ما من دابة إلا هُوَ آخذ بناصيتها وقُلُوب العباد بين أصابعه لا إله الا هُوَ القوي العزيز.
وتصور نفسك بهذه الهيئة والأهوال محدقة بك من جوانبك ومن خلفك فكم من كبيرة قَدْ نسيتها أثبتها عَلَيْكَ الملك وَكَمْ من بلية أحدثتها فذكرتها وَكَمْ من سريرة قَدْ كنت كتمتها قَدْ ظهرت وبدت.
стр. 1102
وَكَمْ من عمل قَدْ كنت تظن أنه قَدْ خلص لَكَ وسلم فإذا هُوَ بالرياء قَدْ حبط بعد ما كَانَ أملك فيه عظيمًا فيا حَسْرَة قلبك وتأسفك على ما فرطت فِي طاعة ربك، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
حتى إِذَا كرر عَلَيْكَ السؤال بذكر البلايا ونشرت مخبآتك التي طالما أخفيتها وسترتها عَنْ مخلوق مثلك لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا وقَدْ ظهرت قلة هيبتك وقلة حيائك منه وظهرت مبارزتك لَهُ بفعل ما نهاك عنه.
فما ظنك بسؤال من قَدْ امتلأ سمعك من عظمته وجلاله وكبريائه وسائر صفات كماله وكيف بك أن ذكرك مخالفتك لَهُ وركوبك معاصيه وقلة اهتمامك بنهيه ونظره إليك وقلة اكتراثك فِي الدُّنْيَا بطاعته.
وماذا تَقُول إن قَالَ: يَا عبدي أما استحيت مني أما راقبتني استخففت بنظري إليك ألم أحسن إليك ألم أنعم عَلَيْكَ ما غرك مني.
شبابك فيما ابليته وعمرك فيما أفنيته ومالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته وعلمك ماذا عملت فيه.
وورد عَنْ النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «ليقفن أحدكم بين يدي الله ﵎ لَيْسَ بينه وبينه حجاب يحجبه ولا بينه وبينه ترجمان يترجم عَنْهُ فَيَقُولُ ألم أنعم، ألم آتك مالاً فَيَقُولُ: بلى. فَيَقُولُ: ألم أرسل أليك رسولاً فَيَقُولُ: بلى. ثُمَّ ينظر عَنْ يمينه فلا يرى إلا النار ثُمَّ ينظر عَنْ شماله فلا يرى إلا النار فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة فَإِنَّ لم يجد فبكلمة طيبة " رَوَاهُ الْبُخَارِيّ.
فأعظم به موقفًا وأعظم به من سائل لا تخفى عَلَيْهِ خافية وأعظم بما يداخلك من الخجل والغم والحزن والأسف الشديد على ما فرطت فِي طاعته
стр. 1103
وعلى ركوبك معصيته وعلى أوقات ضاعت عَنْدَ الملاهي والمنكرات، قَالَ الله تَعَالَى عَنْ حال المجرمين المفرطين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية.
وكيف تَثْبُتُ رجلاك عَنْدَ الوقوف بين يديه وكيف يقدر على الكلام لسانك عِنْدَمَا يسألك الحي القيوم إلا أن يثبتك جَلَّ وَعَلا ويقدرك على ذَلِكَ فإذا تبالغ فيك الجهد من الغم والحزن والحياء والخجل بدا لك منه أحد أمرين إما الْغَضَب أَوْ الرِّضَا عَنْكَ.
فإما أن يَقُولُ: يَا عبدي أَنَا سترتها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وأنَا اغفرها لَكَ الْيَوْم فقَدْ غفرت لَكَ كبير جرمك وكثير سيئاتك وتقبلت منك يسير إحسانك فَيَسْتَطِيرُ قلبك بالبهجة والفرح والسرور فيشرق ويستنير لِذَلِكَ وجهك.
فتصور نفسك حين ما يقَالَ لَكَ وتهدأ نفسك ويطمئن قلبك وينور وجهك بعد كآبته وتكسفه من الحياء من السؤال.
وتصور رضاه عَنْكَ حينما تسمعه منه فثار فِي قلبك فامتلأ سرورًا وكدت أن تموت من الفرح فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله .
اللَّهُمَّ اغفر لَنَا ما قطع قلوبنا عَنْ ذكرك واعف عَنْ تقصيرنا فِي طَاعَتكَ وشكرك وأدم لَنَا لزوم الطَرِيق إليك وهب لَنَا نورًا نهتدي به إليك، واسلك بنا سبيل أَهْل مرضاتك واقطع عنا كُلّ ما يبعدنا عَنْ سبيلك ويسر لَنَا ما يسرته لأَهْل محبتك وأيقظنا من غفلاتنا وألهمنا رشدنا وحقق بكرمك قصدنا واسترنا فِي دنيانَا وأخرتنا واحشرنا فِي زمرة المتقين وألحقنا بعبادك الصالحين، اللَّهُمَّ علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ولا تجعل علمنا وبالاً عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ قوى معرفتنا بك وبأسمائك وصفاتك ونور بصائرنا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا
стр. 1104
وقواتنا يَا رب العالمين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
" فَصْلٌ "
وتصور نفسك وقَدْ بدا لَكَ منه الرِّضَا والرحمة والمغفرة فتكاد روحك أن تطير من بدنك فرحًا فَكَيْفَ لو سمعت من الله الرِّضَا عَنْكَ والمغفرة لَكَ فأمن خوفك وسكن حذرك وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدًا لا يفنى ولا يبيد وطار قلبك فرحًا وأبيض وجهك وأشرق وأنار.
ثُمَّ خرجت إِلَى الخلائق مستنير الوجه قَدْ حل بك أكمل الجمال والحسن كتابك بيمينك وقَدْ شخصت أبصار الخلائق إليك غبطة لَكَ وتأسفًا على أن ينالوا من الله مثل ما نلت.
وتصور نفسك إن لم يعف عَنْكَ ربك وأيقنت بالهلاك وذهب بك إِلَى جهنم مسود الوجه تتخطى الخلائق بسواد وجهك وكتابك فِي شمالك أَوْ من وراء ظهرك تنادي بالويل ولثبور والملك آخذ بعضدك ينادي هَذَا فلان بن فلان قَدْ شقي شقاء لا يسعد بعدها أبدًا.
وتصور الصراط وَهُوَ الجسر المنصوب على متن جهنم قدامك وتصور ما يحل بك من الوجل والخوف الشديد حين رفعت طرفك فنظرت إليه بدقته ودحوضه وجهنم تضطرب وتتغيض وتخفق بأمواجها من تحته.
فيا لَهُ من منظر ما أفظعه وأهوله وسماعك شهيقها وتغيضها وقصف أمواجها وجلبة ثورانها من أسفلها وقَدْ اضطررت على المشي عَلَيْهِ وقَدْ مرت عَلَيْكَ صفته.
стр. 1105
ثُمَّ قِيْل لَكَ وأَنْتَ تنظر إِلَى الجسر بفظاظته وفظاعته وقِيْل للخلق معك اركبوا الجسر الَّذِي هُوَ الصراط فتصور حالتك وخفقان قلبك ورجفان جسمك مِمَّا عانيت من المزعجات والكروب والشدائد والأهوال وعظائم الأمور وقلة المأكل والمشرب والرَّاحَة.
ولما قِيْل: اركب طار عقلك رعبًا وخوفًا ثُمَّ إِذَا رفعت رجلك وأَنْتَ تنتفض لتركب الجسر فوقع قدمك على حدته ودقته فازداد فزعك وازداد رجفان قلبك ورفعت رجلك الأُخْرَى وأَنْتَ مضطرب تمروج من شدة الخوف العَظِيم وقَدْ أثقلتك الأوزار وأَنْتَ حاملها على ظهرك وأَنْتَ تنظر إِلَى النَّاس من يتهافتون من بين يديك ومن ورائك.
فتصور مرورك عَلَيْهِ بضعفك وثقلك وأوزارك وقلة حيلتك وأَنْتَ مندهش مِمَّا تحتك وأمامك ممن يئنون ويزلون وقَدْ تنكست هاماتهم وارتفعت أرجلهم وآخرون يتخطفون بالكلاليب وتسمَعَ العويل والبُكَاء والأصوات المزعجات المناديات بالويل والثبور.
فيا له من منظر فظيع ومر تقي ما أصعبه ومجاز ما أضيقه ومكَانَ ما أهوله وموقف ما أشقه وكأني بك مملوءًا من الذعر والرعب والقلق ملتفتًا يمينًا وشمالاً إِلَى من حولك من الخلق وهم يتهافتون قدامك فِي جهنم وأَنْتَ تخشى أن تتبعهم إِلَى قعر جهنم.
فتصور هَذَا بعقلك ما دمت فِي قيد الحياة قبل أن يحال بينك وبينه فلا يفيدك التفكير لعلك أن تتلافى تفريطك وتحاسب نفسك قبل أن يفوت الأوان فتبوأ بالفشل والخيبة والحرمان.
وتصور حالتك إن يؤت بالْخُسْرَانُ وزلت رجلك على الصراط ووقعت فيما كنت تحاذر وتخاف وطار عقلك ثُمَّ زلت رجلك الأُخْرَى فنكستَ على هامتك وعلت رجلاك فلم تشعر إلا والكلوب قَدْ دخل فِي جلدك ولحمك.
стр. 1106
فجذبت به وبادرت إليك النار ثائرة غضبانة لغضب مولاها وقد غلب على قلبك الندم والتأسف على ضيعتها فيما يسخط الله.
وتصور سماعك لنداء النار بقوله : ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ وسمعت أجابتها ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ وهي تلتهب فِي بدنك لها قصيف فِي جسدك ثُمَّ لم تلبث أن تفطر جسمك وتساقط لحمك وبقيت عظامك.
محترق تطلب مِنْهُمْ ماء أَوْ نحوه فأجابوك بالرد والخيبة فتقطع قلبك حَسْرَة وأسفًا.
قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فيا خيبة من هَذَا حاله وَهَذَا مآله.
لَقَدْ تقطع قلبك حزنًا إذ خيبوا أملك فيهم وبما رَأَيْت من غضبهم عَلَيْكَ لغضب رَبِّكَ ففزعت إِلَى الله بالنداء بطلب الْخُرُوج مَنْهَا فبعده مدة الله أعْلَمْ بها جَاءَ الجواب ﴿قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ .
فَلَمَّا سمعت النداء بالتخسئة لَكَ ولأمثالك بقى نفسك من شدة الضيق والألم والحَسْرَة مترددًا فِي جوفك لا مخَرَجَ لَهُ فضاقت نفسك ضَيِّقًا شَدِيدًا لا يعمل مداه ألا الله.
وبقيت قَلِقًا تَزْفر ولا تطيق ثُمَّ أتاك زيادة حَسْرَة وندامة حيث أطبق أبواب النار عَلَيْكَ وعلى أعدائه فيها فانقطع الأمل كليًا.
فيا إياسك ويا أياس سكَانَ جهنم حين يسمعوا وقع أبوابها تطبق عَلَيْهمْ، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ .
فعلموا عَنْدَ ذَلِكَ أن لا فرج أبدًا ولا مخَرَجَ ولا محيص لَهُمْ من عذاب الله خلود فلا موت وعذاب لا زَوَال لَهُ عَنْ ابدأنهم ودوام حرق قُلُوبهمْ.
стр. 1107
أحزان لا تنقضي وهموم وغموم لا تنفد وسقم لا يبرأ وقيود لا تحل وأغلال لا تفك، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ .
وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ .
ثُمَّ اطلعت النار على ما فِي جوفك فأكلت ما فيه وأَنْتَ تنادى وتستغيث فلا ترحم حَتَّى إِذَا طال فيها مكثك واشتد بك العطش.
فذكرت الشراب فِي الدُّنْيَا فزعت إِلَى الجحيم فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك فَلَمَّا تناولته تمزعت كفك من تحته واحترقت من حرارته ثُمَّ قربته إِلَى فمك والألم بالغ منك كُلّ مبلغ فشوى وجهك وتساقط لحمه.
ثُمَّ تجرعته فسلخ حلقك ثُمَّ وصل إِلَى جوفك فقطع أمعاءك، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ ، وقَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ .
ثُمَّ ذكرت شراب الدُّنْيَا وبرده ولذاته فبادرت إِلَى الحميم لتبرد به كبدك كما تعودت فِي الدُّنْيَا فسقيت فقطع أمعاءك والحميم شراب كالنحاس المذاب يقطع الأحشاء والأمعاء ثُمَّ بادرت إِلَى النار رجَاءَ أن تَكُون أَهْوَن منه ثُمَّ اشتد عَلَيْكَ حريق النار فرجعت إِلَى الحميم قَالَ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ، وقَالَ فِي الآية الأُخْرَى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ .
فقدر نفسك مَعَ الضائعين والخاسرين لعلك أن تلحق بالأَبْرَار
стр. 1108
والمقربين وتصور حالتك لما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك كُلّ مبلغ وذكرت الجنان وما فيها من النَّعِيم الْمُقِيم والعيش السَّلِيم.
وهاجت الأحزان وهاجت غصة فِي فؤادك إِلَى حلقك أسفًا على ما فات من رضي الله حزنًا على نعيم الْجَنَّة.
ثُمَّ ذكرت شرابها وبرد مائها وذكرت أن فيها بَعْض القرابة من أب أَوْ أم أَوْ ابن أَوْ أخ أَوْ غيرهم من القرابة أَوْ الأصدقاء فِي الدُّنْيَا فناديتهم بقلب محزون لا يرحم بكاؤهم ولا يجاب دعاؤهم ولا يغاثون عَنْدَ تضرعهم ولا تقبل توبتهم ولا تقَالَ عثرتهم غضب الله عَلَيْهمْ فلا يرضى عنهم أبدًا فمثل نفسك بهَذَا الوصف إن لم يعف عَنْكَ ربك لعلك أن تستيقظ فتستدرك.
فلو رَأَيْت المعذبين قَدْ أكلت النار لحومهم ومحت محاسن وجوههم واندرس تخطيطهم فبقيت العظام محترقة مسودة وقَدْ قلقوا من شدة تكرار الْعَذَاب الأَلِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ وهم ينادون بالويل والثبور ويصرخون بالبُكَاء والعويل، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ .
فلو رأيتهم لذاب قلبك فزعًا ورعبًا من سوء خلقهم ولخرجت روحك من نتن رائحتهم فَكَيْفَ لو نظرت نفسك وأَنْتَ لعلك فيهم وقَدْ زال من قلبك الأمل والرجَاءَ ولزمك القنوط والإياس فمثل نفسك لعلك أن تتأثر فتستعد للقاء الله.
ونظرت إِلَى النار وهي تشتعل فِي أجزاء بدنك فتدخل أذنيك وعينيك ولا تقدر على إبعادها عَنْكَ لملازمتها لَكَ، قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ فهناك يغلب على قلبك التأسف والحسرات
стр. 1109
والندامة، قَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ الآية.
فتصور تلك الأهوال والعظائم بعقل فارغ وعزيمة صادقة وراجع نفسك ما دمتُ فِي قيد الحياة وتب إِلَى الله توبة نصوحًا عَنْ ما يكره مولاك وتضرع إليه وابك من خشيته لعله يرحمك ويقِيْل عثرتك فَإِنَّ الخطر عَظِيم والبدن ضعيف والموت منك قريب، انتهى بتصريف من كلام المحاسبي ﵀.
شِعْرًا: ... مِثْلَ وُقُوفِكَ يَوْمَ الْحَشْرِ عُرْيَانًا ... مُسْتَعْطِفًا قَلَقَ الأَحْشَاء حَيْرَانا
النَّارُ تَزْفُرُ مِنْ غَيْظٍ وَمِنْ حَنَقٍ ... عَلَى الْعُصَاةِ وَتَلْقَ الرَّبَ غَضْبَانَا
اقْرَأْ كِتَابَكَ يَا عَبْدِي عَلَى مَهْلٍ ... وَانْظُرْ إِلَيْهِ تَرَى هَلْ كَانَ مَا كَانَ
لَمَّا قَرَأْتَ كَتِابًا لا يُغَادِرُ لِي ... حَرْفًا وَمَا كَانَ فِي سِرٍّ وَإِعْلانَا
قَالَ الْجَلِيلُ خُذُوهُ يَا مَلائِكَتِي ... مُرُوا بِعَبْدِي إِلَى النِّيرَانِ عَطْشَانَا
يَا رَبّ لا تُحْزِنَا يَوْمَ الْحِسَابِ وَلا ... تَجْعَلْ لِنَارِكَ فِينَا الْيَوْم سُلْطَانَا
اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا واكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن عَلَيْنَا يَا مولانَا بتوبة تمحو بها عنا كُلّ ذنب واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
" موعظة ": لله در أقوام تركوا الدُّنْيَا فأصابوا، وسمعوا منادي الله فأجابوا، وحضروا مشاهد التقى فما غابوا، واعتذروا مَعَ التحقيق ثُمَّ تابوا وأنابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا ولا خابوا.
قَالَ عمرو بن ذر: لما رأى العابدون الليل قَدْ هجم عَلَيْهمْ، ونظروا إِلَى أَهْل الغَفْلَة قَدْ سكنوا إِلَى فرشهم ورجعوا إِلَى ملاذهم.
стр. 1110
قاموا إِلَى الله فرحين مستبشرين بما قَدْ وهب الله لَهُمْ من السهر وطول التهجد.
فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا مَلَّتْ أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقَدْ ولى الليل بربح وغبن.
فاعملوا فِي هَذَا الليل وسواده، فَإِنَّ المغبون من غبن الدُّنْيَا والآخِرَة، وكم من قائم لله تَعَالَى فِي هَذَا الليل قَدْ اغتبط بقيامه فِي ظلمة حفرته.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمَعَ كلامنا وتَرَى مكاننا لا يخفى عَلَيْكَ شَيْء من أمرنا نَحْنُ البؤساء الفقراء إليك المستغيثون المستجيرون بك نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات ويقيم على الجهاد ويقمَعَ أَهْل الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تغفر لَنَا ولوالدينا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله.
" فصل ": ويقابل دار الأشقياء التي تقدمت قريبًا دار أخرى دار قرار ونعيم وسرور وحبور وأمن وصحة وحياة أبدية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مِمَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
دار جعلها الكريم جَلَّ وَعَلا دار ضيافة يكرم فيها عباده الأخيار الَّذِينَ وفقهم لخدمته والْعَمَل بطاعته.
ولا تظن هَذِهِ الضيافة محدودة، ولا أن الكرامة فيها تنتهي بل كُلّ ما تحبه وتتمناه أمامك إن كنت من أَهْل العفو والتجاوز فتوهم إن تفضل الله عَلَيْكَ بالعفو والتجاوز (أي تصور ممرك على الصراط) .
ونورك يسعى بين يديك وعن يمينك، وكتابك بيمينك مبيض الوجه.
стр. 1111
قَالَ الله جَلَّ وَعَلا: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) ، وقَدْ أيقنت برضاه عَنْكَ وأَنْتَ على الصراط مَعَ زمرة العابدين ووفود المتقين.
والملائكة تنادى: سلم سلم، والوجل مَعَ ذَلِكَ لا يفارق قلبك ولا قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ، تنادي وينادون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، فتدبر حين رأوا المنافقين طفئ نورهم، وهاج الوجل فِي قُلُوبهمْ، فدعوا بتمام النور والمغفرة.
فتوهم أي تصور وتخيل وتمثل نفسك، وأَنْتَ تمر خفيفًا مَعَ الوجل وتصور ممرك عَلَى قَدْرِ خفة أوزارك وثقلها وقَدْ انتهيت إِلَى آخره. فغلب على قلبك النجاة، وقَدْ عاينت نعيم الجنان وأَنْتَ على الصراط، فحن قلبك على جوار الله ، واشتاق إِلَى رضا الله، حَتَّى إِذَا صرت إِلَى آخر خطوات بأحد رجليك إِلَى العرصة (أى عرصة القيامة) التي بين آخر الجسر وبين باب الْجَنَّة، فوضعتها على العرصة التي بعد الصراط، وبقيت القدم الأُخْرَى على الصراط، والخوف والرجَاءَ قَدْ اعتليا فِي قلبك وغلبا عَلَيْكَ.
ثُمَّ ثنيت بالأخرى، فجزت الصراط كله واستقرت قدماك على تلك العرصة، وزلت عَنْ الجسر ببدنك، وخلفته وراء ظهرك، وجهنم تضطرب من تحت من يمر عَلَيْهَا، وتثب على من زل عَنْهُ مغتاظة تزفر عَلَيْهِ وتشهق إليه.
ثُمَّ التفت إِلَى الجسر فنظرت إليه باضطرابه، ونظرت إِلَى الخلائق من فوقه، وإلى جهنم من تحته تثب وتزفر على الَّذِينَ زلزلوا عَنْ الصراط، لها فِي رؤوسهم وأنحائهم قصيف، فطار قلبك فرحًا إذ نجوت بضعفك من النار وخافت النار وجسرها من وراء ظهرك، متوجها إِلَى جوار ربك.
ثُمَّ خطوت أمنا إِلَى باب الْجَنَّة امتلأ قلبك سرورًا وفرحًا، فلا تزال فِي ممرك بالفرح والسرور حَتَّى توافي أبوابها، فإذا وافيت بابها استقبلك بحُسْنِهِ،
стр. 1112
فنظرت إِلَى حسنه ونوره وحسن صورة الْجَنَّة وجدرانها، وقلبك مستطير فرح مسرور متعلق بدخول الْجَنَّة حين وافيت بابها أَنْتَ وأَوْلِيَاء الرحمن.
فتوهم أي تخيل وتصور نفسك فِي ذَلِكَ الموكب، وهم أَهْل كرامة الله ورضوانه، مبيضة وجوههم، مشرقة برضا الله، مسرورون فرحون مستبشرون، وقَدْ وافيت باب الْجَنَّة بغبار قبرك، وحر المقام ووهج ما مر بك.
فنظرت إِلَى العين التي أعدها الله لأوليائه وإلى حسن مائها، فانغمست فيها مسرورًا، لما وجدت من برد مائها وطيبة، فوجدت لَهُ بردًا وطيبًا فذهب عَنْكَ بحزن المقام، وطهرك من كُلّ دنس وغبار، وأَنْتَ مسرور لما وجدت من طيب مائها لما باشرته، وقَدْ أفلتَّ من وهج الصراط وحره، لأنه قَدْ يوافي بابها من أحرقت النار بَعْض جسده بلفحها وقَدْ بلغت منه.
فما ظنك وقَدْ انفلت من حر المقام ووهج أنفاس الخلائق، ومن شدة توهج حر الصراط فوافيت باب الْجَنَّة بذَلِكَ، فَلَمَّا نظرت إِلَى العين قذفت بنفسك فيها، فتوهم (أي تصور وتخيل) فرحة فؤادك لما باشر برد مائها بدنك بعد حر الصراط، ووهج القيامة، وأَنْتَ فرح لمعرفتك إِنَّكَ إنما تغتسل لتتطهر لدخول الْجَنَّة والخلود فيها.
فأَنْتَ تغتسل مَنْهَا دائبًا، ولونك متغير حسنًا، وجسدك يزداد نضرة وبهجة ونعيمًا، ثُمَّ تخَرَجَ مَنْهَا فِي أحسن الصور وأتم النور.
اللهم ثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وقوها، اللَّهُمَّ ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا محبة أوليائك وبغض أعدائك وهجرانهم والابتعاد عنهم واغفر لَنَا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمَعَ كلامنا وتَرَى مكاننا لا يخفى عَلَيْكَ شَيْء من أمرنا نَحْنُ البؤساء إليك المستغيثون المستجيرون بك نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات وتقيم علم الجهاد وتقمَعَ أَهْل
стр. 1113
الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل) : فتوهم (أي تصور وتخيل) فرح قلبك حين خرجت مَنْهَا فنظرت إِلَى كمال جمالك، ونضارة وجهك وحسنه، وأَنْتَ عَالِم موقن بأنك تتنظف للدخول إِلَى جوار ربك، ثُمَّ تقصد إِلَى العين الأُخْرَى، فتتناول من بَعْض آنيتها، فتوهم نظرك إِلَى حسن الإناء وإلى حسن الشراب، وأَنْتَ مسرور بمعرفتك إِنَّكَ إنما تشرب هَذَا الشراب لتطهر جوفك من كُلّ غل وجسدك ناعم أبدًا.
حَتَّى إِذَا وضعت الإناء على فيك ثُمَّ شربته، وجدت طعم شراب لم تذق مثله ولم تعود شربه، فيسلس من فيك إِلَى جوفك، فطار قلبك سرورا لما وجدت من لذته، ثُمَّ نقى جوفك من كُلّ آفة، فوجدت لذة طهارة صدرك من كُلّ طبع كَانَ فيه ينازعه إِلَى الغموم والهموم والحرص والشدة والْغَضَب والغل فيا برد طهارة صدرك، ويا روح ذَلِكَ على فؤادك.
حَتَّى إِذَا استكملت طهارة الْقَلْب والبدن، واستكمل أحباء الله ذَلِكَ معك، والله مطلع يراك ويراهم، أمر مولاك الجواد المتحنن خزان الْجَنَّة من الملائكة الَّذِينَ لم يزالوا مطيعين خائفين منه مشفقين وجلين من عقابه إعظاما لَهُ وإجلالاً، وهيبة لَهُ، وحذرًا من نقمة، وأمرهم أن يفتحوا باب جنته لأوليائه، فانحدروا من دارها، وبادروا من ساحتها، وأتوا باب الْجَنَّة فمدوا أيديهم ليفتحوا أبوابها.
وأيقنت بذَلِكَ، فطار قلبك سرورًا، وامتلأت فرحًا، وسمعت حسن صرير أبوابها، فعلاك السرور، وغلب على فؤادك، فيا سرور قُلُوب المفتوح لَهُمْ باب جنة رب العالمين.
стр. 1114
فَلَمَّا فتح لَهُمْ بابها، هاج نسيم طيب الجنان، وطيب جرى مائها، فنفح وجهك، وَجَمِيع بدنك، وثارت أراييج الْجَنَّة العبقة الطيبة، وهاج ريح مسكنها الاذفر، وزعفرانها المونع، وكافورها الأصفر، وعنبرها الأشهب، وارياح طيب ثمارها وأشجارها، وما فيها من نسيمها.
فتدخلت تلك الارييح فِي مشامك حَتَّى وصلت إِلَى دماغك، وصار طيبها فِي قلبك، وفاض مِنْ جَمِيعِ جوارحك، ونظرت بعينيك إِلَى حسن قصورها، وتأسيس بنيانها من طرائق الجندل الأخضر من الزمرد والياقوت الأحمر، والدر الأَبْيَض، قَدْ سطع منه نوره وبهاؤه وصفاؤه.
فقَدْ أكمله الله فِي الصفاء والنور، ومازجة نور ما فِي الجنان، ونظرت إِلَى حجب الله، وفرح فؤادك لمعرفتك إِنَّكَ إِذَا دخلتها فَإِنَّ لَكَ فيها الزيادات، والنظر إِلَى وجه ربك، فاجتمَعَ طيب أراييح الْجَنَّة وحسن بهجة منظرها وطيب نسيمها، وبرد جوها.
فتصور نفسك أن تفضل الله عَلَيْكَ بهذه الهيئة، فلو مت فرحًا لكَانَ ذَلِكَ يحق لَكَ، حَتَّى إِذَا فتحوا بابها، أقبلوا عيك ضاحكين فِي وجهك ووجوه أولياء الله معك، ونادوَكَمْ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فتوهم حسن نغماتهم، وطيب كلامهم، وحسن تسليمهم، فِي كمال صورهم، وشدة نورهم.
ثُمَّ اتبعوا السَّلام بقولهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ، فاثنوا عَلَيْهمْ بالطيب والتهذيب من كُلّ دنس، ودرن وغل وغش، وكل آفة فِي دين أَوْ دنيا، ثُمَّ أذنوا لَهُمْ على الله بالدخول فِي جواره، ثُمَّ أخبروهم أنهم باقون فيها أبدًا، فَقَالُوا: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ ، فَلَمَّا سمعت الأذن وأَوْلِيَاء الله معك ن بادرتم الْبَاب بالدخول، فكضت الأبواب من الزحام.
فتصور نفسك أن الله عفا عَنْكَ فِي تلك الزحمة مبادرًا مَعَ مبادرين،
стр. 1115
مسرورا مَعَ مسرورين، بأبدان قَدْ طهرت، ووجوه قَدْ أشرقت وأنارت فهي كالبدر، قَدْ سطع من أعراضهم كشعاع الشمس.
فَلَمَّا جاوزت بابها، وضعت قدميك على تربتها، وهي مسك اذفره، ونبت الزعفران المونع، والمسك مصبوب على أرض من فضة، والزعفران نابت حولها، فَذَلِكَ أول خطوة خطوتها فِي أرض البقاء بالأمن من الْعَذَاب والموت، فأَنْتَ تتخطى فِي تراب المسك، ورياض الزعفران، وعيناك ترمقان حسن بهجة الدر، من حسن أشجارها، وزينة تصويرها.
فبينما أَنْتَ تتخطى فِي عرصات الجنان، فِي رياض الزعفران، وكثبان المسك، إذ نودي فِي أزواجك وولدانك وخدامك وغلمانك وقهارمتك، أن فلانَا قَدْ أقبل، فأجابوا، واستبشروا لقدومك، كما يبشر أَهْل الغائب فِي الدُّنْيَا بقدومه.
ثناء على الله وتضرع إليه ﷻ
إِلَهِي وَخلاقي وَحِرْزِي وَمَوْئِلِي ... إِلَيْكَ لِدَى الإِعْسَارِ وَالْيُسْرِ أَفْرَعُ
إِلَهْيِ لَئِنْ ابْعَدْتَنِي أَوْ طَرَدْتَنِي ... فَمَنْ ذَا الَّذِي أَرْجُوا وَمَنْ أَتَشَفَّعُ
إِلَهِي لَئِنْ جَلَتَ وَجَمَعْتَ خَطِيئَتِي ... فَعَفْوُكَ عَنْ ذَنْبِي أَجَلُّ وَأَوْسَعُ
إِلَهِي لَئِنْ أَعْطيتَ نَفْسِي سُؤَالَهَا ... فَهَا أَنَا فِي رَوْضَ النَّدَامَةِ ارْتَعُ
إِلَهِي فَلا تَقْطَعْ رَجَائِي وَلا تَزْغ ... فُؤَادِي فإني خَائٍفٌ مُتَضَرِّعُ
إِلَهِي فَأَنِسْنِي بِتَلْقِينِ حُجْتَي ... إِذَا كَانَ لي فِي الْقَبْرِ مَثْوَى وَمَضْجَعُ
إِلَهْيِ أَذِقْنِى بَرْدَ عَفْوِكَ يَوْمَََ لا ... بَنُونَ وَلا مَالَ هُنَالِكَ خضعُ
وَلا تَحْرِمْنِي مِنْ شَفَاعَةِ أَحْمَدٍ ... وَصَحْبة أَخْيَارِ هُنَالِكَ خُضَّعُ
وَصَلِّ عَلَيْهِ مَا دَعَاكَ مُوَحَّدٍ ... وَنَاجَاكَ أَقْوَامٌ بِبِاكٍ خُشْعُ
стр. 1116
" فَصْلٌ "
فبينما أَنْتَ تنظر إِلَى قصورك، إذ سمعت جلبتهم وتبشيشهم فاستطرت لِذَلِكَ فرحًا، فينما أَنْتَ فرح ومسرور بغبطتهم لقدومك لما سمعت إجلابهم فرحًا بك، إذ ابتدرت القهارمة إليك، وقامت الولدان صفوفًا لقدومك، فينما أتت القهارمة مقبلة إليك، ذا استخف أزواجك للعجلة، فبعثت كُلّ واحدة منهن بَعْض خدامها لينظر إليك مقبلاً، ويسرع بالرجوع إليها يخبرها بقدومك، لتطمئن إليه فرحًا، وتسكن إِلَى ذَلِكَ سرورًا، فنظر إليك الخدم قبل أن تلقاك قهارمتك.
ثُمَّ بادر رسول كُلّ واحدة منهن إليها فَلَمَّا أخبرها بقدومك، قَالَتْ: كُلّ واحدة لرسولها: أَنْتَ رأيته. من شدة فرحها بذَلِكَ، ثُمَّ أرسلت كُلّ واحدة منهن رسولاً آخر، فَلَمَّا جاءت البشارات بقدومك إليهن، لم يتمالكن فرحًا، فأردن الْخُرُوج إليك مبادرات إِلَى لقائِك لولا أن الله كتب القصر لهن فِي الخيام، إِلَى قدومك، كما قَالَ مليكك: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ .
فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن، وأذرعهن برؤوسهن، ينظرون متى تبدو لهن صفحة وجهك، فيسكن طول حنينهن، وشدة شوقهن إليك، وينظرون إِلَى قرير أعينهن، ومعدن راحتهن، وأنسهن إِلَى ولي ربهن وحبيب مولاهن.
فتوهم ما عاينت، حين فتحت أبواب قصورك، ورفعت ستوره، من حسن بهجة مقاصيره، وزينة أشجاره، وحسن رياضه، وتلألؤ صحنه، ونور ساحاته.
فبينما أَنْتَ تنظر إِلَى ذَلِكَ، إذ بادرت البشرى من خدامك ينادون أزواجك هَذَا فلان بن فلان قَدْ دخل من باب قصره، فَلَمَّا سمعن نداء البُشْرَاء بقدومك ودخولك، توثبن من الفرش على الأسرة فِي الحجال.
стр. 1117
وعينك ناظرة إليهن فِي جوف الخيام والقباب، فنظرت إِلَى وثوبهن مستعجلات، وقَدْ استخفهن الفرح، والشوق إِلَى رؤيتك.
فتخيل تلك الأبدان الرخيمة الرعبوبة الخريدة الناعمة، يتوثبن بالتهادي والتبختر.
فتصور كُلّ واحدة منهن حين وثَبَتْ فِي حسن حللها وحليتها بصحابة وجهها، وتثنِّي بدنها بنعمته.
فتوهم انحدارها مسرعة بكمال بدنها، نازلة عَنْ سريرها إِلَى صحن قبتها وقرار خيمتها، فوثبن حَتَّى أتين أبواب خيامهن وقبابهن.
ثُمَّ أخذن بأيديهن عضائد أبواب خيامهن للقصر، الَّذِي ضرب عليهن إِلَى قدومك، فقمن آخذات بَعْضائد أبوابهن.
ثُمَّ خرجن برؤوسهن ووجوههن، ينحدرن من أبواب قبابهن، متطلعات، ينظرن إليك، مقبلات قَدْ ملئن منك فرحًا وَسُرُورًا.
وتخيل نفسك بسرور قلبك وفرحه، وقَدْ رمقتهن على حسن وجوههن، وغنج أعينهن.
فَلَمَّا قابلت وجوههن حار طرفك، وهاج قلبك بالسرور، فبقيت كالمبهوت الذاهل من عظيم ما هاج فِي قلبك من سرور ما رأت عيناك وسكنت إليه نفسك.
فينما أَنْتَ ترفل إليهن إذ دنوت من أبواب الخيام، فأسرعن مبادرات قَدْ استخفهن العشق، مسرعات يتثنين من نعيم الأبدان، ويتهادين من كمال الأجسام.
ثُمَّ نادتك كُلّ واحدة منهن: يَا حبيبي ما أبطأك عَلَيْنَا؟ فأجبتها بأن قُلْتُ:
стр. 1118
يا حبيبة ما زال الله يوقفني على ذنب كَذَا وَكَذَا حَتَّى خشيت أن لا أصل إليكن، فمشين نحوك فِي السندس والحرير، يثرن المسك، وشوقًا وعشقًا لَكَ.
فأول من تقدمت منهن مدت إليك بنانها ومعصمها وخاتمها وضمتك إِلَى نحرها فانثنيت عَلَيْهَا بكفك وساعدك حَتَّى وضعته على قلائدها من حلقها ثُمَّ ضممتها إليك وضمتك إليها.
فتوهم نعيم بدنها لما ضمتك إليها كاد أن يداخل بدنك بدنها من لينه ونعيمه.
فتوهم ما باشر صدرك من حسن نهودها، ولذة معانقتها، ثُمَّ شممت طيب عوارضها، فذهب قلبك من كُلّ شَيْء سواها حَتَّى غرق فِي السرور، وامتلأ فرحًا، لما وصل إِلَى روحك من طيب مسيسها، ولذة روائح عوارضها.
فَلَمَّا استمكنت خفة السرور من قلبك، وعمت لذة الفرح جميع بدنك، وموعد الله فِي سرورك، فناديت بالحمد لله الَّذِي صدقك الوعد، وأنجز لَكَ الموعد، ثُمَّ ذكرت طلبك إِلَى ربك إياهن بالدؤوب والتشمير.
فأين أَنْتَ فِي عاقبة ذَلِكَ الْعَمَل الَّذِي استقبلته وأَنْتَ تلتثمهن وتشم عوارضهن ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نسألك حياة طيبة، ونفسًا تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية ومرادًا غير مخزي ولا فاضح. اللَّهُمَّ اجعلنا من أَهْل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يَا رب العالمين. اللَّهُمَّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، وتنْزِع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الْخَيْر إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير. يَا ودود يَا ذا العرش المجيد يَا مبدئ يَا معيد يَا فعال لما تريد نسألك بنور وجهك الَّذِي ملأ أَرْكَانَ عرشك وبقدرتك التي
стр. 1119
قدرتَ بها على جميع خلقكَ وبِرَحْمَتِكَ التي وسعت كُلّ شَيْء لا إله إلا أَنْتَ أن تغفر ذنوبنا وسيئاتنا، وأن تبدلها لَنَا بحسنات إِنَّكَ جواد كريم رؤوف رحيم. اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
" فَصْلٌ ": فتوهم صعودها على السرير بعَظِيم بدنها ونعيمه، حَتَّى استوت عَلَيْهِ جالسةً، ثُمَّ ارتقيت على السرير، فاستويت عَلَيْهِ معها، فقابلتك وأَنْتَ مقابلها، فيا حسن منظرك إليها جالسةً فِي حالها وحليها بصباحة وجهها ونعيم جسمها! الأساور فِي معاصمها، والخواتم فِي أَكفها، والخلاخيل فِي أسواقها، والقلائد فِي عنقها، والأكاليل من الدر والياقوت على قصتها وجبينها، والتاج من فوق ذَلِكَ على رأسها، والذوائب من تحت التاج قَدْ حل من مناكبها، وبلغ أردافها، تَرَى وجهك فِي نحرها، وهي تنظر إِلَى وجهها فِي نحرك.
وقَدْ تدلت الأشجار بثمارها من جوانب حجلتك، واطردت الأنهار حول قصرك، واستعلى الجداول على خيمتك بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل.
وقَدْ كمل حسنك وحسنها، وأَنْتَ لابس الحرير والسندس، وأساور الذهب واللؤلؤ على كُلّ مفصل من مفاصلك، وتاج الدر والياقوت منتصف فوق رأسك، وأكاليل الدر مفصصة بالنور على جبينك.
وقَدْ أضاءت الْجَنَّة وَجَمِيع قصورك من إشراق بدنك ونور وجهك، وأَنْتَ تعاين من صفاء قصورك جميع أزواجك وَجَمِيع أبنية مقاصيرك.
وقَدْ تدلت عليك ثمار أشجارك واطردت أنهارك من الخمر واللبن من تحتك، والماء والعسل من فوقك، وأَنْتَ جالس مَعَ زوجتك على أريكتك، وقَدْ فتحت مصاريع أبوابك، وأرخيت عَلَيْكَ حجال خيميتك، وحفف الخدام والودان بقبتك، وسمعت زجلهم بالتقديس لربك .
стр. 1120
وأَنْتَ وزوجك بأكمل الهيئة وأتم النَّعِيم، وقَدْ حار فيها طرفك تنظر إليها متعجبًا من جمالها وكمالها، طرب قلبك بملاحتها، وأنس قلبك بها من حسنها، فهي منادمة لَكَ على أريكتك، تنازعك وتعاطيك الخمر والسلسبيل والتسنيم فِي كأسات الدر وأكاويب قوارير الفضة.
فتوهم الكأس من الياقوت والدر فِي بنانها، وقَدْ قربت إليك ضاحكة بحسن ثغرها، فسطع نور بنانها فِي الشراب، مَعَ نور وجهها ونحرها، ونور الجنان، ونور وجهك وأَنْتَ مقابلها، واجتمَعَ فِي الكأس الَّذِي فِي بنانها نور الكأس، ونور الشراب ونور وجهها ونور نحرها، ونور ثغرها. انتهى بتصرف.
وقَالَ ابن القيم:
فَاسْمَعْ صَفَاتِ عَرَائِسَ الْجَنَّاتِ ثُمَّ ... اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا أَخَا الْعِرْفَانِ
حُورٌ حِسَانٌ قَدْ كَمَلْنَ خَلائِقًا ... وَمَحَاسِنًا مِنْ أَجْمَلِ النِّسْوَانِ
حَتَّى يُحَارُ الطَّرْفُ فِي الْحُسْنِ الَّذِي ... قَدْ ألْبَسَتْ فَالطَّرْفُ كَالْحَيْرَانِ
وَيَقُولُ لَمَّا أَنْ يُشَاهِدَ حُسْنَهَا ... سُبْحَانَ مُعْطِي الْحُسْن وَالإِحْسَانِ
وَالطَّرْفُ يَشْرَبُ مِنْ كُؤوس جَمَالِهَا ... فَتَرَاهُ مِثْلَ الشَّارِبِ النّشْوَانِ
كَمُلَتْ خَلائِقُهَا وَأَكْمَلَ حُسْنُهَا ... كَالْبَدْرِ لَيلَ السَّتِ بَعْدَ ثَمَانِ
وَالشَّمْسُ تَجْرِي فِي مَحَاسِنِ وَجْهِهَا ... والليلُ تَحتَ ذَوائِبِ الأَغْصَانِ
فَتَرَاهُ يَعْجَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ ذَاكَ مِن ... لَيلِ وَشَمْسٍ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ
فَيَقُولُ سُبْحَانَ الَّذِي ذَا صُنْعَه ... سُبْحَانَ مُتْقِنِ صَنْعَةَ الإِنْسانِ
وَكلاهُمَا مِرْآةُ صَاحِبِه إِذَا ... مَا شَاءَ يُبْصِر وَجْهَهُ يَرَيَانِ
فَتَرَى مَحَاسِنَ وَجْهِهِ فِي وَجْهِهَا ... وَيَرَى مَحَاسِنِهَا بِهِ بَعَيْنَانِ
حُمْر الْخُدُودِ ثُغُورُهُنَّ لآلِئٌ ... سُودُ الْعُيُونِ فَوَاتِرُ الأَجْفَانِ
وَالْبَدْرُ يَبْدُو حِينَ يَبْسُمُ ثَغْرُهَا ... فَيُضِئُ سَقْفُ الْقَصْر بِالْجُدْرَانِ
وَلَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ بَرْقًا سَاطِعًا ... يَبْدُو فَيَسْألُ عَنْهُ مَن بِجِنَانِ
стр. 1121
فَيُقَالَ هَذَا ضَوْءُ ثَغْرٍ ضَاحِكٍ ... فِي الْجَنَّةِ الْعُلَيا كَمَا تَريَانِ
للهِ لاثِمْ ذَلِكَ الثَّغْرِ الَّذِي ... فِي لَثْمِةِ إِدْرَاك كُلّ أَمَانِ
رَيَّانَة الأَعْطَافِ مِنْ مَاءِ الشَّبَا ... ب فَغِصْنَهَا بِالْمَاءِ ذُو جَرَيَانِ
لَمَّا جَرَى مَاءُ الشَّبَابِ بِغِصْنِهَا ... حَمَلَ الثِّمَارَ كَثِيرَةَ الأَلْوَانِ
فَالْوَرْدُ وَالتُّفْاحُ وَالرُّمَّانُ فِي ... غِصْنِ تَعَالَى غَارِسِ الْبُسْتَانِ
والَقَدْ مَنْهَا كَالْقَضِيبِ اللدِنْ فِي ... حُسْنِ الْقَوامِ كَأَوْسَط الْقُضْبَانِ
إِلَى أن قَالَ ﵀:
وَإِذَا بَدَتْ فِي حُلَّةٍ من لُبْسِهَا ... وَتَمَايَلَتْ كَتَمَايُلِ النَّشْوَانِ
تَهْتَزُ كَالْغِصْنِ الرَّطِيبِ وَحِمْلُه ... وَرْدٌ وَتُفْاحٌ عَلَى رُمَّانِ
وَتَبَخْتَرَتْ فِي مَشْيَهَا وَيَحِقُّ ذَا ... كَ لِمِثْلِهَا فِي جَنْةِ الْحَيَوَان
وَوَصَائِفٌ مِن خَلْفِها وَأَمَامِها ... وَعَلَى شَمَائِلِهَا وَعَنْ إِيمَانِ
كَالبَدْرِ لَيلَة تِمِّهِ قَدْ حُفَّ فِي ... غَسّقِ الدُّجَى بِكَوَاكِبِ الْمِيزَانِ
فَلِسَانُهُ وَفُؤَادُهُ وَالطَّرف فِي ... دَهْشٌ وَإِعْجَابٍ وَفِي سُبْحَانِ
فالْقَلْبُ قَبْلَ زَفَافِهَا فِي عُرْسِهِ ... وَالْعُرْسُ إِثْر العُرْسِ مُتَّصِلانِ
حَتَّى إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ تَقَابَلا ... أرأيْتَ إِذ يَتَقَابَل الْقَمَرَانِ
فَسَلِ الْمُتَيَّمَ أَيْنَ خَلَّفَ صَبْرَهُ ... فِي أَيِّ وَادٍ أَمْ بَأَي مَكَانَ
وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ حَالَتُهُ وَقَدْ ... مُلِئَتْ لَهُ الأُذُنَانِ وَالعَيْنَانِ
مِن مَنْطِقٍ رَقَّتْ حَوَاشِيهِ وَوَجْـ ... ـه كَمْ بِهِ لِلشمْس مِن جَرَيَانِ
وَسَلِ الْمُتَيَّمَ كَيَفَ عِيشَتُهُ إِذَا ... وَهُمَا عَلى فُرَشَيْهِمَا خَلَوَان
يَتَسَاقَطَانِ لَئِآلئا مَنْثُورة ... مِن بَيْنِ مَنْظُومٍ كَنَظْمِ جُمانِ
وَسَلِ الْمُتَيَّمَ كَيَفَ مَجْلِسُه مَعَ الْـ ... مَحْبُوبِ فِي رَوْحٍ وَفِي رَيْحَانِ
وَتَدُورُ كَاسَات الرَّحِيقِ عَلَيْهِمَا ... بِأَكُفٍ أقمارٍ من الْولْدَانِ
يَتَنَازَعَانِ الكَأْسَ هَذَا مَرَّة ... وَالْخُودُ أُخرَى ثُمَّ يَتَكِئَانِ
стр. 1122
فَيَضُمُّهَا وَتَضُمُّهُ أَرَأيْتَ مَعْـ ... ـشُوقَيْنِ بَعدَ البُعْدِ يَلْتقِيانِ
غَابَ الرَّقِيبُ وَغَابَ كُلُّ مُنَكَّدٍ ... وَهُمَا بثَوْبِ الوَصْلِ مُشْتَمِلانِ
أَتَرَاهُمَا ضَجِرَيْنِ مِنَ ذَا الْعَيْشِ لا ... وَحَياةِ رَبِّكَ مَا هُمَا ضَجِرَانِ
وَيَزِيدُ كُلّ مِنْهُمْ حُبًّا لِصَا ... حِبِهِ جَدِيدًا سَائِرَ الأَزْمَانِ
وَوِصَالُهُ يَكْسُوهُ حُبًا بَعْدَهُ ... مُتَسَلْسَلاً لا يَنْتَهِي بِزَمَانٍ
فَالْوَصُلُ مَحْفُوفٌ بِحُبٍ سَابِقٌ ... وَبِلاحِقِ وَكِلاهُمَا صِنْوَانِ
فَرْقٌ لَطِيفٌ بَيْنَ ذَاكَ وَبَيْنَ ذَا ... يَدْرِيْهِ ذُو شُغْلٍ بِهَذَا الشَّانِ
وَمَزِيدُهُم فِي كُلّ وَقْتٍ حَاصِلٌ ... سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ وَالسُّلْطَانِ
يَا غَافِلاً عَمَّا خُلِقْتَ لَهُ انْتَبِهْ ... جَدَّ الرَّحِيل وَلَسْتَ بِالْيَقْظَانِ
سَارَ الرِّفَاقُ وَخَلَّفُوكَ مَعَ الأولى ... قَنَعُوا بِذَا الْحَظِّ الْخَسِيسِ الْفَانِ
وَرَأَيْت أَكْثَرَ مَنْ تَرَى مُتَخَلِّفًا ... فَتَبَعْهُم فَرَضِيتَ بِالْحِرْمَانِ
لَكنْ أَتَيْتَ بِخُطَّتِي عَجْزٍ وَجَهْـ ... ـلٍ بَعْدَ ذَا وَصَحِبْتَ كُلَّ أَمَانِ
مَنَّتْكَ نَفْسُكَ بِالْحُوقِ مَعَ الْقُعُودِ ... عَنْ الْمَسِيرِ وَرَاحَةِ الأَبْدَانِ
وَلَسَوْفَ تَعْلَمُ حِينَ يَنْكَشِفُ الْغَطَا ... مَاذَا صَنَعْتَ وَكُنْتَ ذَا إمكَانِ
وقَالَ ابن القيم ﵀:
فَيَا سَاهِيًا فِي غَمْرَةِ الْجَهْلِ وَالْهَوَى ... صَرِيعَ الأَمَانِي عَنْ قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ
أَفِقْ قَدْ دَنَى الوَقْتُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ ... سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرَّ نَارٍ تَضَرَّمُ
وَبِالسُنَّةِ الْغَرَاءِ كُنْ مَتَمَسِّكًا ... هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَيْسَ تُفْصَمُ
تَمَسَّكَ بِهَا مَسْكَ الْبَخِيلِ بِمَالِهِ ... وَعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمُ
وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا ... فَمُرَتِّعُ هَاتِيكَ الْحَوَادِثِ أَوْخَمُ
وَهَيء جَوَابًا عِنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا ... مِنِ اللهِ يَوْمَ الْعَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ
بِهِ رُسُلِي لَمَّا أَتَوْكَمْ فَمَنْ يَكُن ... أَجَابَ سوَاهُمْ سَوْفَ يُجْزَى وَيَنْدَمُ
وَخُذْ مِنْ تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جُنَّةٍ ... لِيَوْمِ بِه تَبْدُو عِيَانًا جَهَنَّمُ
стр. 1123
وَيَنْصِبُ ذَاكَ الْجِسْرِ مِنْ فَوْقِ مَتْنِهَا ... فَهَاوٍ وَمَخْدُوشٌ وَنَاجٍ مُسْلِمُ
وَيَأْتِى اللهُ الْعَالَمِينَ لِوَعْدِهِ ... فَيَفْصِلُ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ وَيَحْكُمُ
وَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ رَبُّكَ حَقّهُ ... فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ لِلْخَلائِقِ يَظْلِمُ
وَيَنْشُر دَيوَانُ الْحِسَابِ وَتُوْضَعُ الْـ ... ـمَوَازِينُ بِالْقِسْطِ الَّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ
فَلا مُجْرِمٌ يَخْشَى ظَلامَةَ ذَرَّةٍ ... وَلا مُحْسِنٌ مِن أَجْرِهِ ذَاكَ يُهْضَمُ
وَيَشْهَدُ أَعْضَاءُ الْمُسِيئ بِمَا جَنَى ... كَذَاكَ عَلَى فِيهِ الْمُهيْمِنِ يَخْتِمُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُكَ عِنْدَمَا ... تَطَايَرُ كُتُبُ الْعَالَمِينَ وَتُقْسِمُ
أَتَأْخُذُ بِالْيُمْنَى كِتَابَكَ أَمْ تَكُنْ ... بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ مِنْكَ تَسَلَّمُ
وَتَقْرَأُ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْتَهُ ... فَيُشْرِقُ مِنْكَ الْوَجْهُ أَوْ هُوَ يُظْلِمُ
تَقُولُ كِتَابِي فَأْقَرُؤهُ فَإِنَّهُ ... يُبَشِّرُ بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَيُعْلِمُ
وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى فَإِنَّكَ قَائِلٌ ... أَلا لَيْتَنِي لَمْ أُوْتَهُ فَهُو مُغْرَمُ
فَبَادِرْ إِذَا مَادَامَ فِي الْعُمْرِ فُسْحَةً ... وَعَدْلُكَ مَقْبُولٌ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ
وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا ... فَفِي زَمَنِ الإِمْكَانِ تَسْعَى وَتَغْنَمُ
وَسِرْ مُسْرِعًا فَالْمَوْت خَلْفُكَ مُسْرِعًا ... وَهَيْهَاتَ مَا مِنْهُ مَفَرٌّ وَمَهْزَمُ
اللَّهُمَّ ألهمنا القيام بحقك، وبارك لَنَا فِي الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يَا خَيْر من دعاه داع وأفضل من رجاه راج، يَا قاضى الحاجات ومجيب الدعوات هب لَنَا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه وأمّلناه يَا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما فِي ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلى الله على مُحَمَّد وَعَلَى آلِه وصحبه أجمعين.
(خاتمة، وصية، نصيحة)
اعْلَمْ وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه الله ويرضاه أن مِمَّا يجب الاعتناء به حفظًا وعملاً كلام الله جَلَّ وَعَلا، وكلام رسوله ﷺ .
стр. 1124
وأنه ينبغي لمن وفقه الله تَعَالَى أن يحث أولاده على حفظ القران وما تيسر من أحاديث النَّبِيّ ﷺ المتفق على صحتها عَنْهُ كالْبُخَارِيّ ومسلم.
ومن الفقه مختصر المقنع ليتيسر لَهُ استخَرَجَ المسائل ويجعل لأولاده ما يحثهم على ذَلِكَ.
فمثلاً يجعل لمن حفظ القران على صدره حفظًا صحيحًا عشرة آلاف أَوْ أزيد أَوْ أقل حسب حاله فِي الغنى.
ومن الأحاديث عقود اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عَلَيْهِ الإمامان الْبُخَارِيّ ومسلم، يجعل لمن يحفظ ذَلِكَ ستة آلاف.
فإن عجزوا على حفظها، فالعمدة فِي الْحَدِيث يجعل لمن حفظها ثلاثة آلاف أَوْ الأربعين النووية ويجعل لمن يحفظها ألفًا.
ويجعل لمن يحفظ مختصر المقنع فِي الفقه ألفين من الريالات، فالغيب سبب لحفظ المسائل وسبب لسُرْعَةِ استخراج ما أُرِيدَ من ذَلِكَ، وما أشكل معناه أَوْ يدخلهم فِي مدارس تحفيظ القرآن فمدارس تعليم القرآن والسُنَّة هِيَ مدارس التعليم العالي الممتاز الباقي فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، أَوْ يدخلهم فِي حلقات تحفيظ القرآن الكريم الموجودة فِي المساجد.
وَلَمْ أَرَى لِلْخَلائِقِ مِنْ مُرَبٍ ... كَعِلْمِ الشَّرْعِ يُؤْخَذُ عَنْ ثِقَاتٍ
بِبَيْتِ اللهِ مَدْرَسَةِ الأََوَالِي ... لِمَنْ يَهْوَى الْعُلُومَ الرَّاقِيَاتِ
فمن وفقه الله لِذَلِكَ وَعَمِلَ أولاده بذَلِكَ كَانَ سبَبًا لِحُصُولِ الأَجْرِ مِنَ الله وَسَبَبًا لِبِرِّهِمْ بِهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ إذ ذكروا ذَلِكَ منه ولعله أن يكون سببَا مبَارَكًا يعمل به أولاده مَعَ أولادهم، فيزيد الأجر لَهُ ولهم نسأل الله أن يوفق الجميع لحسن النِّيْة إنه القادر على ذَلِكَ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
تَمَّ هَذَا الجزء الثاني بعون الله وتوفيقه ونسأل الله الحي القيوم العليّ
стр. 1125
العَظِيم ذا الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفوًا أحد أن يعز الإِسْلام والمسلمين وأن يخذل الكفرة والمشركين وأعوانهم وأن يصلح من فِي صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، ويهلك من فِي هلاكه عز وصلاح للإسلام والمسلمين، وأن يلم شعث الْمُسْلِمِين ويجمَعَ شملهم ويوحد كلمتهم وأن يحفظ بلادهم ويصلح أولادهم ويشف مرضاهم ويعافي مبتلاهم ويرحم موتاهم ويأخذ بأيدينا إِلَى كُلّ خَيْر ويعصمنا وإياهم من كُلّ شر، ويحفظنا وإياهم من كُلّ ضر، وأن يغفر لَنَا ولوالدينا وَجَمِيع الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِهِ إِنَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" موعظة "
فَيَا أَيُّهَا الْمُهْمِلُون الغافلون تيقظوا فإليكم يوجه الخطاب، ويا أيها النائمون انتبهوا قبل أن تناخ للرحيل الركاب قبل هجوم اللذات ومفرق الجماعات ومذل الرقاب، ومشيِّت الأحباب، فيا له من زائر لا يعوقه عائق، ولا يضرب دونه حجاب، ويا لَهُ من نازل لا يستأذن على الملوك ولا يلج من الأبواب، ولا يرحم صغيرًا ولا يوقر كبيرًا، ولا يخاف عظيمًا ولا يهاب، ألا وإن بعده ما هُوَ أعظم منه من السؤال والجواب، وراءه هول البعث والحشر وأحواله الصعاب من طول المقام والازدحام فِي الأجسام والميزان والصراط والحساب والْجَنَّة أَوْ النار.
اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة، أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منَّا، واغفر لَنَا ولوالدينا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ
следующие страницы →