Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
.. ظُلْمُ الضَّعِيفِ يَا بَنِي لؤمْ ... وَصُحْبَةُ الْجَاهِلِ أَيْضًا شُؤْمُ
وَقِيلَ إِنَّ صُحْبَةَ الأَشْرَارِ ... تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالأَخْيَارِ
يَجْنِي الرَّدَى مَنْ يَغْرِسَ الْعُدْوَانَا ... وَصَارَ كُلُّ رِبْحِهِ خُسْرَانَا
أَقْرَبُ شَيْءٍ صَرْعَةُ الظَّلُومِ ... وَأَنْقَذُ النَّبْلِ دُعَا الْمَظْلُومِ
نِعْمَ شَفِيعُ الْمُذْنِبِ اعْتِذَارُهُ ... وَبِئْسَ مَا عَوَّضَهُ إِصْرَارُهُ
خُذْ الأُمُورَ كُلِّهَا بِالْجَدِّ ... فَالأَمْرُ جَدٌّ لا هَوَاكَ الْمُرْدِي
خَيْرُ دَلِيلِ الْمَرْءِ الأَمَانَةْ ... بَيْنَ الْوَرَى وَتَرْكُهُ الْخِيَانَةْ
مَنْ امْتَطَى أَمْرًا بِلا تَدْبِير ... صَيَّرَهُ الْجَهْلُ إِلَى تَذْمِيرِ
مَنْ صَانَ أُخْرَاهُ بِدُنْيَاهُ سَلِمْ ... وَمَنْ وَقَى دُنْيَاهُ بِالدِّينِ نَدِمْ
مَنْ أَخَّرَ الطَّعَامَ وَالْمَنَامَا ... لَذَّ وَطَابَ سَالِمَا مَا دَامَا
مَنْ أَكْثَرَ الْمِزَاحَ قَلَّتْ هِيبَتُهْ ... وَمَنْ جَنَى الْوَقَارَ عَزَّتْ قِيمَتُهْ
مَنْ سَالَمَ النَّاسَ جَنَى السَّلامَةْ ... وَمَنْ تَعَدَّى أَحْرَزَ النَّدَامَةْ
مَنْ نَامَ عَنْ نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهْ ... نَبَّهَهُ الْعُدْوَانُ مِنْ أَعْدَائِهْ
مَنْ اهْتَدَى بِالْحَقِّ حَيْثُمَا ذَهَبْ ... مَالَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ طُرًّا وَغَلَبْ
مَنْ رَفَضَ الدُّنْيَا أَتَتْهُ الآخِرَةْ ... فِي حُلَّةٍ مِنَ الأَمَانِ فَاخِرَةْ
وَقِيلَ مَنْ قَلَّتْ لَهُ فَضَائِلُهْ ... فَقَدْ ضَعُفَتْ بَيْنَ الْوَرَى وَسَائِلُهْ
وَمَنْ تَرَاهُ أَحْكَمَ التَّجَارُبَا ... فَازَ بِهَا وَحَمِدَ الْعَوَاقِبَا
مَنْ عَاشَرَ النَّاسَ بِنَوْعِ الْمَكْرِ ... كَافَاهُ كُلُّ مِنْهُمْ بِالْغَدْرِ
مَنْ لا تَطِيقُ حَرْبَهُ فَسَالِمِ ... تَعِشْ قَرِيرَ الْعَيْنِ غَيْرَ نَادِمِ
مَنْ لَمْ يُبَالِ كَانَتْ الدُّنْيَا لِمَنْ ... فَهُوَ عَظِيمُ الْقَدْرِ سِرًّا وَعَلَنْ
مَنْ بَانَ عَنْهُ فَرْعُهُ وَأَصْلُهُ ... أَوْشَكَ أَنْ يَنْعَاهُ حَقًّا أَهْلُهُ
مَنْ غَلَبَ الشَّهْوَةَ فَهُوَ عَاقِلٌ ... وَمَنْ دَعَتْهُ فَأَجَابَ جَاهِلُ
стр. 1192
.. مَنْ ظَلَّ يَوْمًا كَاتِمًا لِسِرَّهِ ... أَصْبَحَ مِنْهُ حَامِدًا لأَمْرِهِ
خَيْرُ زَمَانِكَ الَّذِي سَلِمْتَا ... مِنْ شَرِّهِ لُطْفًا وَمَا اقْتَرَفْتَا
خَيْرُ النَّدَى وَأَفْضَلُ الْمَعْرُوفِ ... فِيمَا يُرَى إِغَاثُهُ الْمَلْهُوفِ
لا تَثْبُتُ النَّعْمَاءُ بِالْجُحُودِ ... وَالشُّكْرِ حَقًّا ثَمَنُ الْمَزِيدِ
مَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَةً الطَّعَامِ ... سُلَّ عَلَيْهِ صَارِمُ الأَسْقَامِ
تَعْصِي الإِلَهَ وَتُطِيعُ الشَّهْوَةَ ... هَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ بِالْقَسْوَةْ
مِنْ هَمُّهُ أَمْعَاؤُهُ وَفَرْجُهْ ... وَتَاهَ فِي شَهْوَتِهِ لا تَرْجُهْ
أَجْمَلُ شَيْءٍ بِالْغِنَى الْقَنَاعَةْ ... فَعُدَّهَا مِنْ أَشْرَفِ الْبِضَاعَةْ
وَهِيَ تَسُوقُ قَاصِدِيهَا لِلْوَرَعْ ... فَاعْمَلْ بِمَا عَلِمْتَهُ وَلا تَدَعْ
وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي يَدِي الأَنَامِ ... مَنْزِلَةُ الأَخْيَارِ وَالْكِرَامِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ عَمَلَ الأَبْطَالِ ... كَسْبُ الْحَلالِ لِذَوِي الْعِيَالِ
فَإِنَّكَ الْمَسُولُ عَنْهُمْ فَاجْتَهِدْ ... وَلَيْسَ يُغْنِي عَنْكَ مِنْهُمْ أَحَدْ
مَنْ عَادَةِ الْكِرَامِ بَذْلُ الْجُودِ ... وَسُنَّةُ اللِّئَامِ فِي الْجُحُودِ
لا تَدْنُ مِمَّنْ يَدْنُ بِالْخَلابَةْ ... وَلا تَبِنْ كِبْرًا وَسُدَّ بَابَهْ
لا رَأْيَ لِلْمُعْجَبِ تِيهًا فَاعْلَمِ ... وَلا لِذِي كِبْرٍ صَدِيقٌ فَافْهَمِ
الْمَطْلُ بُخْلٌ أَقْبَحُ الْمُطْلَيْنِ ... وَالْيَأْسُ مِنْهُ أَحَدُ النُّجْحَيْنِ
وَالْبُخْلُ دَاءٍ وَدَاؤُهُ السَّخَا ... فَافْهَمْ فَفِيهِ الْعِزُّ حَقًّا وَالْعُلا
وَالْحِرْصُ دَاعِي الْخَلْقَ لِلْحُرْمَانِ ... ثُمَّ يَؤُولُ بِجَنَى الْخُسْرَانِ
مَا رُثِّ الأَنْبَاءُ خَيْرًا مِنْ أَدَبْ ... فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى أَسْنَى الرُّتَبْ
لاسِيَّمَا إِنْ كَانَ بَانَ فِي الصِّغر ... كَمَا رَوَيْنَاهُ كَنَقْشٍ فِي الْحَجَرِ
مَنْ امْتَطَى جَوَادَ رَيْعَانِ الْعَجَلْ ... أَدْرَكَهُ كَمِينُ آفَاتِ الزَّلَلْ
مَنْ كَانَ ذَا عَجْزٍ عَنْ الإِحْسَانِ ... أَثْقَلُ مَا كَانَ عَلَى الإِنْسَانِ
стр. 1193
.. مَنْ رَكِبَ الْجَهْلَ كَتَبْ مَطِيَّتُهْ ... وَضَلَّ أَيْضًا ثُمَّ دَامَتْ حَسْرَتُهْ
وَصَارَ أَيْضًا عِبْرَةً لِلْعَاقِلِ ... لأَنَّهُ مِنْ أَقْبَحِ الرَّذَائِلِ
إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَرْتَجِي الْجِنَانَا ... لا تُطْلَقَنَّ الطَّرْفَ وَاللَّسَانَا
أَوْ رُمْتَ تَجْنِي زَهْرَ خَيْرَيْ أَمْرَكَا ... لا تَأْتِ مَا تَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِكَا
أَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَرْتَجِي السَّلامَةْ ... فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَفِي الْقِيَامَةْ
فَلا تَقُلْ هُجْرًا وَإِنْ غَضِبْتَا ... وَالْكِبْرَ وَالشُّحَّ فَبُثَّ بَتَّا
إِنْ فَوَّقَتْ مَصَائِبُ نِبَالِهَا ... فَاشْكُرْ مُثَابًا مَنْ كَفَى أَمْثَالَهَا
وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَصُونَ عِرْضَا ... فَلا تَقُلْ سُوءًا يَعُودُ قَرْضَا
إِنْ كُنْتَ تَخْتَارُ الْجِنَانَ دَارًا ... لا تَنْظَرُنَّ لِلْوَرَى اسْتِصْغَارَا
وَكُنْ أَخَا لِلْكَهْلِ مِنْهُمْ وَأَبَا ... لِذَوِيهِ فِي السِّنِّ شَاءَ أَوْ أَبَى
وَابْنًا لِشَيْخٍ قَدْ تَغَشَّاه الْكِبَرَا ... وَفَاقَ بِالنُّفُوسِ عَنْ قَوْسِ الْعِدَا
آوِي الْيَتِمَ وَارْحَمِ الضَّعِيفَا ... وَارْفُقْ بِمَمْلُوكِنَ أَنْ تَحِيفَا
وَالنِّاءِ هُنَّ كَالْغَوَانِي ... فَاجْنَحْ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرَ وَانِي
وَاعْمَلْ بِمَا فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ ... مِنَ الْوَصَايَا الْغُرِّ بِحَمْدِ رَاءِ
وَصِلْ ذَوَاتِ الرَّحِمِ السَّائِلَةْ ... عَنْ قَطْعِهَا يَوْمَ الْقُلُوبِ ذَاهِلَةْ
وَالْجَارَ أَكْرِمْهُ فَقَدْ وَصَّانَا ... بِهِ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى مَوْلانَا
وَاحْذَرْ بُنَيَّ غَيْبَةَ الأَنَامِ ... لَفْضًا وَتَعْرِيضًا مَدَى الأَيَّامِ
وَالْهَمْزَ وَاللَّمْزَ مَعَ النَّمِيمَةْ ... فَإِنَّهَا ذَخَائِرُ ذَمِيمَةْ
شَرُّ الأُمُورِ الْعُجْبُ فَاجْتَنِبْهُ ... وَالْبُخْلَ مَا حَيِيتُ صَدَّ عَنْهُ
فَالْكِبْرُ دَاءٌ قَاتِلُ الرِّجَالِ ... دَوَاؤُهُ تَوَاضُعِ الأَبْطَالِ
لا دَاءَ أَدْوَى مَرَضًا مِنَ الْحُمُقْ ... وَلا دَوَاءَ مِثْلَ تَحْسِينِ الْخَلُقْ
وَالْحِقْدُ دَاءٌ لِلْقُلُوبِ وَالْحَسَدْ ... رَأْسُ الْعُيُوبِ فَاجْتَنِبْهُ وَاقْتَصِدْ
стр. 1194
.. وَالْبَغْيُ صَاحٍ يَصْرَعُ الرِّجَالا ... وَيُقْصِرُ الأَعْمَارَ وَالآجَالا
وَالْمَنُّ أَيْضًا يَهْدِمُ الصَّنِيعَةْ ... مَطِيُّةُ الطُّغَامِ وَالرَّعَاعِ
رَبَّ غَرَامِ جَلَبْتهُ لَحْظَةْ ... وَرُبَّ حَرْبٍ أَجَّجَتّهُ لَفْظَهْ
وَرُبَّ مَأْمُولٍ تَرَى مُنْهُ الضَّرَرْ ... وَرُبَّ مَحْذُورٍ يَسُرُّ مِنْ حَذَرْ
وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ ... فِي أَكْثَرِ الأَمْثَالِ خُلْبقُ الْوَغْدِ
لا حَذَرَ مِنْ قَدَرٍ بِدَافِعِ ... وَلا أَسَىً مِنْ فَائِتٍ بِنَافِعِ
وَقِيلَ مَا أَضْمَرْتَ بِالْجِنَانِ ... يَظْهَرُ فِي الْوَجْهِ وَفِي اللِّسَانِ
لا تُطِلِ الشَّكْوَى فَفِيهِ التَّلَفُ ... وَالشُّكْرُ للهِ الْغَنِيِّ شَرَفُ
لا يُفْسِدُ دِينَ الْوَرَى إِلا الطَّمَعْ ... حَقًّا وَلا يُصْلِحُهُ إِلا الْوَرَعْ
لا تَحْمِلَنْكَ كَثْرَةُ الإِنْعَامِ ... عَلَى ارْتِكَابِ سَيِّءِ الآثَامِ
وَلا تَقُلْ سُوءًا تَزِلُ الْقَدَمَا ... وَتُورِثُ الطَّعْنَ وَتُبْدِي النَّدَمَا
لا تَقَرَّبَنَ مِنْ وَدَائِعِ الْبَرِيَّهْ ... وَلا الْوَكَالاتِ وَلا الْوَصِيَّهْ
فَإِنَّهُنَّ سَبَبُ الْبَلايَا ... وَمَعْدِنُ الآفَاتِ وَالرَّزَايَا
لا تَشْتَغِلْ إِذَا حُبِيتَ النِّعَمَا ... بِسُكْرِهَا عَنْ شُكْرِهَا فَتَنْدَمَا
لا تَتَّبِعْ مَسَاوِئَ الإِخْوَانِ ... رَعْيَ الذُّبَابِ فَاسِدَ الأَبْدَانِ
لا خَيْرَ فِيمَنْ يَحْقِرُ الضَّعِيفَا ... كِبْرًا وَلا مَنْ يَحْسُدُ الشَّرِيفَا
لا تَسْتَقِلَّ الْخَيْرَ فَالْحِرْمَانُ ... أَقَلُّ مِنْهُ أَيُّهَا الإِنْسَانُ
لا تَجْزِعَنْ فَقَدْ حَىَ الْمَقْدُورُ ... بِكُلِّ مَا جَاءَتْ بِهِ الدُّهُورُ
لا تَتَخَطَّى فُرَصَ الزَّمَانِ ... إِنَّ التَّوَانِي سَبَبُ الْحِرْمَانِ
أَنْفَاسُكُمْ خُطَاكُمُ إِلَى الأَجَلْ ... وَخَادِعُ الأَعْمَالِ تَقْدِيمُ الأَمَلْ
أَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ أَعْلَى الرُّتَبِ ... وَنَهْيُكَ الْمُنْكَرَ مِنْ أَقْوَى السَّبَبِ
الْوَلَدُ الْبَرُّ يَزِيدُ فِي الشَّرَفِ ... وَالْوَلَدُ السُّوءُ يَشِينُ بِالسَّلَفِ
стр. 1195
.. الرِّفْقُ يُدْنِى الْمَرْءَ لِلصَّلاحِ ... وَهُوَ لِقَاحُ سُرْعَةِ النَّجَاحِ
إِسَاءَةُ الْمُحْسِنِ مَنْعُ الْبِرِّ ... وَتُحْفَغُة الْمُسِيءُ كَفُّل الشَّرِّ
تَنَاسَى مِنْ إِخْوَانِكَ الْمَسَاوِيَا ... يَدُمْ لَكَ الْوِدَادُ مِنْهُمْ صَافِيَا
وَأَوْلِهِمْ مِنْ فِعْلِكَ الْجَمِيلا ... وَدَعْ مُثَابًا قِيلَهُمْ وَالْقِيلا
وَكُلُّ مَنْ أَبْدَى إِلَيْكَ الْفَاقَهْ ... صُنْ عَنْ مُحَيَّاهُ الَّذِي أَرَاقَهْ
بَسْذُ الْوُجُوهِ أَحَدُ الْبَذْلَيْنِ ... وَأَعْظَمُ الْهَمَّيْنِ هَمُّ الدَّيْنِ
وَإِنْ خَفَضتَ الصَّوْتَ مَا اسْتَطَعْتَا ... ثُمَّ غُضَتْتَ الطَّرْفَ أَنْتَ أَنْتَا
للهِ فِي كُلِّ بَلاءٍ نِعْمَهْ ... لا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَذُمَّهْ
تَمْحِيصُ ذَنْبٍ وَثَوَابٌ إِنْ صَبَرْ ... وَيَقَظَةٌ مِنْ غَفْلَةٍ لِمَنْ نَظَرْ
وَتَوْبَةٌ يُحْدِثُهَا وَصَدَقَةْ ... وَوَعْظُهُ هَدِيَّةٌ مُوَفَّقَةْ
وَفِي قَضَاءِ اللهِ ثُمَّ فِي الْقَدَرِ ... مِنْ بَعْدِ هَذَا عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ
أَعْمَارُكُمْ صَحَائِفُ الآجَالِ ... فَجَلِّدُوهَا أَنْفَسَ الأَعْمَالِ
عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ وَلَوْ أَضَرَّكَا ... وَلا تُعيِّرْ هَالِكًا فَتَهْلِكَا
صَبْرُ الْفَتَى عَلَى أَلِيمِ كَسْبِهِ ... أَسْهَلُ مِنْ حَاجَتِهِ لِصَحْبِهِ
فَالصَّبْرُ سَيْفٌ لا يَكَادُ يَنْبُو ... وَالْقَنْعُ نَجْمٌ لا تَرَاهُ يَخْبُو
جَرْحُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ أَهْلِ الْهِمَمِ ... أَهْوَنُ مِنْ جُرْحِ اللِّسَانِ فَافْهَمْ
خَيْرُ قَرِينِ الْمَرْءِ حُسْنُ الْخُلُقِ ... يُدْنِي الْفَتَى مِنْ كُلِّ أَمْرٍ صَائِبِ
الْحُرُّ عَبْدٌ مَا تَرَاهُ طَامِعَا ... وَالْعَبْدُ حُرُّ مَا تَرَاهُ قَانِعَا
أَغْنَى الْغِنَى لِلْمَرْءِ حُسْنُ الْعَقْلِ ... وَالْفَقْرُ كُلُّ ذُلُّ وَالْجَهْلِ
إِيَّاكَ أَنْ تَخْدَعَكَ الأَمَانِي ... فَإِنَّهَا قَاتِلَةُ الإِنْسَانِ
وَاحْذَرْ لُزُومَ سَوْفَ مَا اسْتَطَعْتَا ... فَإِنَّهُ سَيْفٌ عَسَى وَحَتَّى
سَارِعْ إِلَى الْخَيْرِ تُلاقِ رَشَدَا ... وَكُنْ مِن الشَّرِّ أَشَدَّ بُعْدَا
стр. 1196
.. وَإِنْ صَحِبْتَ الْمَلِكَ الْمُعَظَّمَا ... فَاحْذَرْ رُجُوعَ الشَّهْدِ مِنْهُ عَلْقَمَا
وَانْصَحْهُ وَالْوَرَى مَعًا بِالرِّفْقِ ... وَالْبَسْ لَهُمْ دُرْعَى تُقىً وَصِدْقِ
آخِ الَّذِي يَسُدُّ مِنْكَ الْخَلَّةْ ... وَيَسْتُرُ الزَّلَّةِ بَعْدَ الزَّلَةْ
وَمَنْ أَقَالَ عَثْرَةً وَمَنْ رَفَقْ ... وَكَظَمَ الْغَيْظَ إِذَا اشْتَدَّ الْخُنُقْ
فَهُوَ الَّذِي قَدْ تَمَّ عَقْلاً وَكَمُلْ ... وَمَنْ إِذَا قَالَ مَقَالاً قَدْ فَعَلْ
فَاشْدُدْ يَدَيْكَ يَا بُنَيَّ ... تُحْظَ بِعِزٍّ دَائِمٍ سَنِي
إِيَّاكَ أَنْ تُهْمِلَ طَرَفَ الطَّرْفِ ... فَإِنَّهُ يَسْمُو لِكُلِّ حَتْفِ
إِذَا تُسِيء إِلَى أَخِيكَ فَاعْتَذِرْ ... وَإِنْ أَسَاءَ يَا بُنَيَّ فَاغْتَفِرْ
فَالْعُذْرُ يَقْضِي بِكَمَالِ الْعَقْلِ ... وَالْعَفْوُ بُرْهَانٌ لِكُلِّ فَضْلِ
وَجَانِب الْخَلْقَ بِغَيْرِ مَقْتِ ... وَالْبَسْ لَهُمْ يَا صَاحِ دِرْعَ الصَّمْتِ
إِذَا التَّوْبَ مَكَارِهٌ فَنَمْ لَهَا ... وَقُلْ عَسَاهَا تَنْجَلِي وَعَلَّهَا
عَسَى الَّذِي أَصْبَحْتُ فِيهِ مِنْ حَرَجْ ... يُعْقِبُهُ اللهُ تَعَالى بِالْفَرَجْ
هَذَا الَّذِي جَادَتْ بِهِ الْقَرِيحَةُ ... فَاحْذُ عَلَيْهِ وَاقْبَلَ النَّصِيحَةْ
وَإِنْ رَأَتْ عَيْنَاكَ عَيْبًا صُنْهُ ... فَتَفَضُلاً مِنْكَ وَصُدَّ عَنْهُ
فَتَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى عَفْوًا ... يُتْبِعُهُ فِي كُلِّ عُسْرٍ يُسْرَا
وَصَلِّ يَا رَبِّ عَلَى خَيْرِ الْوَرَى ... مَا صَدَّحَتْ قَمْرِيَّةٌ عَلَى الذُّرَا
وَالآلُ وَالأَزْوَاجِ وَالأَصْحَابِ ... وَالتَّابِعِينَ مِنْ أُولِي الأَلْبَابِ
(انتهى)
آخر: ... عَلَيْكَ مِن الأُمُورِ بِمَا يُؤَدَى ... إِلَى سُنَنِ السَّلامَةِ وَالْخَلاصِ
وَمَا تَرْجُو النَّجَاةَ بِهِ وَشِيكًا ... وَفَوْزًا يَوْمَ يُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي
فَلَيْسَ تَنَالُ عَفْوَ اللهِ إِلا ... بِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِنَ الْمَعَاصِي
وَبِرِّ الْمُؤْمِنِينَ بِكُلِّ رِفْقٍ ... وَنُصْحٍ لِلأَدَانِي وَالأَقَاصِي
стр. 1197
.. وَإِنْ تَشْدُدْ يَدًا بِالْخَيْرِ تُفْلَحْ ... وَإِنْ تَعْدِلْ فَمَا لَكَ مِنْ مَنَاصِ
اللهم ثبت وقوي إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اللهم عاملنا بعفوك وغفرانك وامنن علينا بفضلك وإحسانك ونجنا من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بفضلك وكرمك وجودك الجنة دار القرار واجعلنا مع عبادك الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في دار رضوانك وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : أخرج أبو الشيخ بن حبان في كتاب الوصيا والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل وأبو نعيم كلاهما عم عطاء الخرساني.
قال: حدثتني ابنة ثابت بن قيس بن شماس إن ثابتًا قتل يوم اليمامة وعليه درع له نفيسة فمر رجل من المسلمين فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه فقال: أوصيك بوصية فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه.
إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرسن يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فأت خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ يعني أبا بكر الصديق ﵁ فقل له: إن علي من الدين كذا وفلان من رقيقي عتيق وفلان، فأتى الرجل خالدًا فأخبره فبعث إلى الدرع فأتي بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته، قال: ولا نعلم أحدًا أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس. انتهى.
شِعْرًا: ... تَبَارَكَ ذُو الْعُلا وَالْكِبْرِيَاءِ ... تَفَرَّدَ بِالْجَلالِ وَبِالْبَقَاءِ
وَسَوَّى الْمَوْتَ بَيْنَ الْخَلْقِ طُرًّا ... وَكُلُّهُمْ رَهَائِنُ لِلْفَناَءِ
وَدُنْيَانَا - وَإِنْ مِلْنَا إِلَيْهَا ... وَطَالَ بِهَا الْمَتَاعُ - إِلَى انْقِضَاءِ
أَلا إِنَّ الرُّكُونَ عَلَى غُرُورٍ ... إِلَى دَارِ الْفَنَاءِ مِنَ الْفَنَاءِ
وَقَاطِنُهَا سَرِيعُ الظَّعْنِ عَنْهَا ... وَإِنْ كَانَ الْحَرِيصَ عَلَى الثَّوَاءِ
اللهم ألهمنا ذكرك ووفقنا للقيام لامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1198
(وصية عظيمة نافعة لمن عمل بها)
وصية الإمام الغزالي لبعض إخوانه ، فقال: وإني أوصي هذا الأخ أن يصرف إلى الآخرة همته وأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب ويراقب سريرته وعلانيته وقصده، وهمته، وأفعاله، وأقواله، وإصداره، وإيراده، أهي مقصورة على ما يقربه إلى الله تعالى ويوصله إلى سعادة الأبد، أو منصرفة إلى ما يعمر دنياه ويصلحها له إصلاحًا منغصًا، مشوبًا بالكدورات، مشحونًا بالغموم والهموم، ثم يختمها بالشقاوة والعياذ بالله؟
فليفتح عين بصيرته ولتنظر نفس ما قدمت لغد، وليعلم أنه لا ناظر لنفسه ولا مشفق سواه.
وليتدبر ما كان بصدده؛ فإن كان مشغولاً بعمارة ضيعة فلينظر: كم من قرية أهلكها الله تعالى وهى ظالمة، فهي خاوية على عروشها بعد إعمالها؟
وإن كان مقبلاً على استخراج ماء، وعمارة نهر؛ فلينظر: كم من بئر معطلة وقصر مشيد بعد عمارتها؟
وإن كان مهتمًا بتأسيس بناء؛ فليتأمل: كم من قصور مشيدة البنيان محكمة القواعد والأركان، أظلمت بعد سكانها؟
وإن كان مهتمًا بعمارة الحدائق والبساتين فليعتبر: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (٤٤ سورة الدخان، الآيات: ٢٥-٢٧) ، وليقرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢٦ سورة الشعراء، الآيات: ٢٠٥ - ٢٠٧) .
وإن كان مشغوفًا - والعياذ بالله - بخدمة سلطان، فليتذكر ما ورد في الخبر أنه ينادي مناد يوم القيامة: أين الظلمة وأعوانهم؟ فلا يبقى أحد مد لهم دواة أو برى لهم قلمًا فما فوق ذلك إلا حضر، فيجمعون في تابوت من نار، فيلقون في جهنم.
وعلى الجملة، فالناس كلهم إلا من عصم الله نسوا الله فنسيهم، وأعرضوا عن التزود للآخرة، وأقبلوا على طلب أمرين: الجاه والمال، فإن كان هو في طلب جاه ورياسة،
стр. 1199
فليتذكر ما ورد به الخبر: أن الأمراء والرؤساء يحشرون يوم القيامة في صورة الذر تحت أقدام الناس يطؤهم بأقدامهم، وليقرأ ما قال تعالى في كل متكبر جبار.
وقد قال ﷺ : «يكتب الرجل جبارًا وما يملك إلا أهل بيته» . أي: إذا طلب الرياسة بينهم، وتكبر عليهم، وقد قال ﵊: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادًا من حب الشرف في دين الرجل المسلم» .
وإن كان في طلب المال وجمعه فليتأمل قول عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، الغنى مسرة في الدنيا، مضرة في الآخرة، بحق أقول لكم: لا يدخل الجنة الأغنياء ملكوت السماء.
وقد قال نبينا ﷺ : «يحشر الأغنياء يوم القيامة أربع فرق: رجل جمع مالاً من حرام، وأنفقه في حرام، فيقال: أذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالاً من حرام، وأنفقه في حلال فيقال: أذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالاً من حلال، وأنفقه في حرام، فيقال: أذهبوا به إلى النار، ورجل جمع مالاً من حلال، وأنفقه في حلال، فيقال: قفوا هذا، واسألوه؛ لعله ضيع بسبب غناه فيما فرضنا عليه، أو قصر في الصلاة أو في وضوئها، أو ركوعها، أو سجودها، أو خشوعها، أو ضيع شيئًا من فروض الزكاة والحج.
فيقول: لعلك باهيت، واختلت في شيء من ثيابك؟
فيقول: يا رب! ما باهيت ولا اختلت في ثيابي.
فيقول: لعلك فرطت فيما أمرناك به من صلة الرحم، وحق الجيران والمساكين، وقصرت في التقديم والتأخير، والتفصيل والتعديل؟
ويحيط هؤلاء به فيقولون: ربنا أغنيته بين أظهرنا، وأحوجتنا إليه، فقصر في حقنا» .
شِعْرًا: ... فَإِنْ يَكَنِ الرَّحْمَنُ أَعْطَاكَ ثَرْوَةً ... فَأَصْبَحْتَ ذَا يُسْرٍ وَقَدْ كُنْتَ ذَا عُسْرِ
فَتَابِعْ لَهُ حَمْدًا وَشُكْرًا مَعَ الثَّنَا ... يَزِدْكَ وَتَأْمَنْ يَا أُخَيَّ مِنَ الْفَقْرِ
وَأَخْرِجْ لِحَقِّ اللهِ مِنْهَا مُبَادِرًا ... لِمَنْ كَانَ ذَا فَقْرٍ قَرِيبٍ وَذِي عُسْرِ
آخر: ... ذِهَابُ الْمَالِ فِي حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذَهَابٌ لا يُقَالُ لَهُ ذَهَابُ
стр. 1200
فإن ظهر تقصر ذهب به إلى النار، وإلا قيل له: قف! هات الآن شكر كل لقمة، وكل شربة، وكل أكلة، وكل لذة؛ فلا يزال يسأل.
فهذا حال الأغنياء الصالحين المصلحين القائمين بحقوق الله تعالى، أن يطول وقوفهم في العرصات، فكيف حال المفرطين المنهمكين في الحرام والشبهات، المتكاثرين به، المتنعمين بشهواتهم، الذين قيل فيهم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١٠٢ سورة التكاثر، الآية: ١) .
فهذه المطالب الفاسدة هي التي استولت على قلوب الخلق، فسخرتها للشيطان، وجعلتها ضحكة له، فعليه وعلى كل مستمر في عداوة نفسه أن يتعلم علاج هذا المرض الذي حل بالقلوب.
فعلاج مرض القلوب أهم من علاج مرض الأبدان، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. وله دواءان:
أحدهما: ملازمة ذكر الموت وطول التأمل فيه، مع الاعتبار بخاتمة الملوك وأرباب الدنيا، كيف أنهم جمعوا كثيرا، وبنوا قصورًا، وفرحوا بالدنيا بطرًا أو غرورًا فصارت قصورهم قبورًا، وأصبح جمعهم هباء منثورًا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ (٢٣ سورة الأحزاب، الآية: ٣٨) ، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ (٣٢ سورة السجدة، الآية: ٢٦) .
فقصورهم وأملاكهم ومساكنهم صوامت ناطقة، تسهد بلسان حالها على غرور عمالها، فانظر الآن في جمعيهم: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ (١٩ سورة مريم، الآية: ٩٨) .
شِعْرًا: ... إِنَّ الَّذِينَ بَنُو فَطَالَ بُنَاؤُهُمْ ... وَاسْتَمْتَعُوا بِالْمَالِ وَالأَوْلادِ
جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَحَل دِيَارِهِمْ ... فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِيعَادِ
стр. 1201
قال بعضهم:
حَتَّى مَتَى وَإِلَى مَتَى نَتَوَانَا ... وَأَظُنُّ هَذَا كُلَّهُ نِسْيَانَا
وَالْمَوْتُ يَطْلُبُنَا حَثِيثًا مُسْرِعًا ... إِنْ لَمْ يَزُرْنَا بُكْرَةً مَسَّانَا
إِنَّا لَنُوعَظُ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ... وَكَأَنَّمَا يُعْنِي بِذَاكَ سِوَانَا
غَلَبَ الْيَقِينُ عَلَى التَّشَكُكِ فِي الرَّدَى ... حَتَّى كَانَا قَدْ نَرَاهُ عِيَانَا
يَا مَنْ يَصِيرُ غَدًا إِلَى دَارِ الْبَلَى ... وَيُفَارَقُ الإِخْوَانَ وَالْخِلانَا
إِنَّ الأَمَاكِنَ فِي الْمَعَادِ عَزِيزَةٌ ... فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ إِنْ عَقَلْتَ مَكَانَا
الدواء الثاني: تدبر كتاب الله، ففيه شفاء ورحمة للمؤمنين.
وقد أوصى رسول الله ﷺ بملازمة هذين الواعظين بقوله: «فقد تركت فيكم واعظين: صامتًا وناطقًا؛ الصامت الموت، والناطق القرآن» .
وقد أصبح أكثر الناس أمواتًا عن كتاب الله تعالى، وأن كانوا أحياء في معايشهم، وبكمًا عن كتاب الله، وإن كانوا يتلونه بألسنتهم؛ وصمًا عن سماعه، وإن كانوا يسمعونه بآذانهم؛ وعميًا عن عجائبه، وإن كانوا ينظرون إليه في صحائفهم؛ وأميين في أسراره، ومعانيه، وإن كانوا يشرحونه في تفاسيرهم.
فاحذر أن تكون منهم، وتدبر أمرك، من لم يتدبر كيف بقوم ويحشر؟
وانظر في أمرك وأمر من لم ينظر في نفسه، كيف خاب عند الموت وخسر؟ واتعظ بآية واحدة من كتاب الله تعالى، ففيها مقنع وبلاغ لكل ذي بصيرة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦٣ سورة المنافقين، الآية: ٩) إلى آخرها. وإياك ثم إياك، أن تشتغل بجمع المال فإن فرحك به ينسيك عن ذكر الآخرة وينزع حلاوة الإيمان من قلبك.
شِعْرًا: ... أَتَطمَعُ أَنْ تُخَلَدَ لا أَبَالَكْ ... أَمِنْتَ مِنَ الْمَنِيَّةِ أَنْ تَنَالَكْ
стр. 1202
فَكُنْ مُتَوَقِّعًا لِهُجُومِ مَوْتٍ ... يُشَتَّتُ بَعْدَ جَمْعِهُمْ عِيَالَكْ
كَأَنِّي بِالتُّرَابِ عَلَيْكَ يُحْثَى ... وَبِالْبَاكِينَ يَقْتَسَمُونَ مَالَكْ
آخر: ... أَلا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ... فَاخْبِرْهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيبُ
قال عيسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه: لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بحلاوة إيمانكم وهذا ثمرته بمجرد النظر فكيف عاقبة الجمع والطغيان والبطر انتهت الوصية.
شِعْرًا: ... اذْكُرِي الْمَوْتَ لَدَى النَّوْمِ وَلا ... تَغْفُلِي عَنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الْهُبُوبْ
وَاذْكُرِي الْوِحْشَةَ فِي الْقَبْرِ فَلا ... مُؤنِسٌ فِيهَا سِوَى تَقْوَى الْقُلُوبْ
قَدِّمِي الْخَيْرَ احْتِسَابًا فَكَفَى ... بَعْضُ مَا قَدَّمْتِ مِنْ تِلْكَ الذُّنُوبْ
رَاعَنِي فَقْدُ شَبَابِي وَأَنَا ... لا أَرَاعُ الْيَوْمَ مِنْ فُقْدِ الْمَشِيبْ
جَنَّ جَنْبَايَ إِلَى بُرْدِ الثَّرَى ... حَيْثُ أُنْسَى مِنْ عَدُوٍّ وَصَدِيقْ
آخر: ... وَكَمْ ذِي مَعَاصِي نَالَ مِنْهُنَّ لَذَّةً ... وَمَاتَ وَخَلاهَا وَذَاقَ الدَّوَاهِيَا
تَصَرَّمُ لَذَّاتُ الْمَعَاصِي وَتَنْقَضِي ... وَتَبْقَى تِبَاعَات الْمَعَاصِي كَمَا هِيَا
فَوَاسَأتَا وَالله رَاءٍ وَسَامِعٌ ... لِعَبْدٍ بِعَيْنِ اللهِ يَغِشى الْمَعَاصِيَا
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ) : ولما نزل الموت بالحسن بن علي ﵄ قال: أخرجوا فراشي إلى صحن الدار. فأخرج فقال: اللهم إني احتسب نفسي عندك فإني لم أصب بمثلها؛ ومن أخلاقهم قلة الضحك وعدم الفرح بشيء من الدنيا بل كانوا ينقبضون بكل شيء حصل لهم من ملابسهم ومراكبها ومناكحها ومناصبها عكس ما عليه أبناء الدنيا العاشقون لها كل ذلك خوفًا أن يكونوا ممن عجل لهم الطيبات في الحياة الدنيا وكيف يفرح بشيء سوى فضل الله ورحمته من هو في السجن محبوس عن لقاء الله .
стр. 1203
شِعْرًا: ... لَعَمْرِي مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ قَصْرٍ ... فَسِيحٍ مُنْيَةٍ لِلسَّاكِنِينَا
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ دِيِنٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ووالذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله » . وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: عجبت من ضاحك ومن ورائه النار ومن مسرور ومن ورائه الموت.
وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: أتى عبد الرحمن بن عوف بعشائه وهو صائم فقرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ فلم يزل يبكي حتى رفع طعامه وما تعشى وإنه لصائم خرجه الجوزجاني. وقال الحسن: ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشًا واحترقت أجوافهم جوعًا صرف بهم إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن جرها واشتد نضجها.
شِعْرًا: ... وَمَا عِظْم الْمُصَابِ فِرَاقُ أَهْلِ ... وَلا وَلَدٍ وَلا جَارٍ شَفِيقِ
وَلا مَوْتِ الْغَرِيبِ بَعِيدُ دَارٍ ... عَنِ الأَوْطَانِ فِي الْبَلَدِ السَّحِيقِ
وَلَكِنَّ الْمُصِيبَةَ فَقْدُ دِينٍ ... يَنَالُ بِفَقْدِهِ سُكْنَى الْحَرِيقِ
وروي أن الحسن أمسى صائمًا فأتي بعشاه فعرضت له هذه الآية ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ فقلصت يده وقال: ارفعوه فأصبح صائمًا.
فلما أمسى أتي بإفطاره عرضت له الآية. فقال: ارفعوه. فقلنا: يا أبا سعيد تهلك وتضعف فأصبح اليوم الثالث صائمًا فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت
стр. 1204
البناني ويزيد الضبي. فقال: أدركوا أبي فإنه هالك فلم يزالوا له حتى سقوه شربة ماء من سويق. وكان كثير من السلف مثل هؤلاء ينغص عليهم ذكر طعام أهل النار وشرابهم طعام الدنيا فيمتنعوا من تناوله أحيانًا لذلك.
وقال ابن أبي ذئب: حدثني من شَهِدَ عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ فبكى عمر حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه ودخل بيته وتفرق الناس.
وقال سرار أبو عبد الله: عاتبت عطاء السلمي في كثرة بكائه فقال لي: يا سرار كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه تمثلت لي نفسي بهم فكيف لنفس تغل يداها على عنقها وتسحب إلى النار أن لا تبكي ولا تصيح وكيف لنفس تعذب أن لا تبكي.
وقال العلاء بن زياد كان إخوان مطرف عنده فخاضوا في ذكر الجنة والنار فقال مطرف: لا أدري ما تقولون حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة وعوتب يزيد الرقاشي على كثرة بكائه وقيل له: لو كانت النار خلقت لك ما زادت على هذا، فقال: وهل خلقته إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن والإنس.
أما تقرأ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ ، أما تقرأ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ وجعل يجول في الدار ويبكي حتى غشي عليه.
شِعْرًا: ... يَا رَبِّ جُدْ لِي إِذَا مَا ضَمَّنِي جَدَثِي ... بِرَحْمَةٍ مِنْكَ تُنْجِيني مِنَ النَّارِ
стр. 1205
أَحْسِنْ جِوَارِي إِذَا أَمْسَيْتُ جَارَكَ فِي ... لَحْدٍ فَإِنَّكَ قَدْ أَوْصَيْتَ بِالْجَارِ
اللهم ثبت وقو محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : ومن أخلاقهم مقت أنفسهم ومحاسنها على الدقيق والجليل، قال مطرف بدعائه في عرفة: اللهم لا تردهم لأجلي. وقال بكر بن عبد الله المزني: لما نظرت إلى أهل عرفات ظننت أنهم قد غفر لهم لولا أني كنت فيهم. وقال أيوب السحيتاني: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل. وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي، فقال: يا هذه وجدتي اسمي الذي أضله أهل البصرة. وقال: لو قيل ليخرج شر من في المسجد ما سبقني على الباب أحد.
وكان سفيان الثوري ما ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعًا مرعوبًا ينادي النَّار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات ثم يتوضأ ويقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار.
ولما احتضر سفيان الثوري دخل عليه أبو الأشهب وحماد بن سلمة فقال له: يا أبا عبد الله أليس قد أمنت ممن كنت تخافه وتقدم على من ترجوه وهو أرحم الراحمين، فقال: يا أبا سلمة أيطمع لمثلي أن ينجو من النار، فقال: أي والله إني لأرجو ذلك.
وكان سفيان الثوري بهذه الأبيات كثيرًا ما يتمثل:
стр. 1206
أَظَرِيفُ إِنَّ الْعَيْشَ كَدَّرَ صَفْوَهُ ... ذِكْرُ الْمَنِيَّةِ وَالْقُبُورِ الْهُوَّلِ
دُنْيًا تَدَاوَلَهَا الْعِبَادُ ذَمِيمَةً ... شِيبَتْ بِأَكْرَهَ مِنْ نَقِيعِ الْحَنْظَلِ
وَبَنَاتُ دَهْرِ لا تَزَالُ مُلِمَّةً ... وَلَهَا فَجَائِعُ مِثْلُ وَقْعِ الْجَنْدَلِ
وجاع مرة جوعًا شديدًا فمر بدار فيها عرس فدعته نفسه على أن يدخل فلم يطوعها ومضى إلى بيته وقدمت له بنته قرصًا فأكله وشرب ماء فتجشى ثم قال:
سَيَكْفِيكَ مِمَّا أُغْلِقَ الْبَابُ دُونَهُ ... وَظَنَّ بِهِ الأَقْوَامُ مِلْحٌ بِجُرْدُقِ
وَتَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فُرَاتٍ وَتَغْتَذِي ... تُعَارِضُ أَصْحَابَ الثَّرِيدِ الْمَلَبَّقِ
تَجَتَّنِي إِذَا مَا هُمْ تَجشَوْا كَأَنَّمَا ... ظَلَلْتَ بِأَنْوَاعِ الْخَبِيصِ الْمُفَتَّقِ
آخر: ... إِذَا مَا أَصَبْنَا كُلَّ يَوْمٍ مُذَيْقَةً ... وَخَمْسَ تُمَيْرَاتٍ صِغَارِ كَوَانِزِ
فَنَحْنُ مُلُوكُ الأَرْضِ خَصْبًا وَنَعْمَةً ... وَنَحْنُ أُسُودُ الْغَابِ عِنْدَ الْهَزَائِزِ
وَكَمْ مُتَمَنَّ عَيْشَنَا لا يَنَالَهُ ... وَلَوْ نَالَهُ أَضْحَى بِهِ حَقَّ فَائِزِ
آخر: ... خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الطَّوَى وَأَعِفَّةٌ ... عَنْ شُبْهِةٍ لا يَعْرِفُونَ حَرَامَا
وقال يونس بن عبيد: إني لأجد مائة خصلة من خصال الخير ما أعلم أن في نفسي منها واحدة. وقال محمد بن واسع: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس إلي.
وذكر داود الطائي عند بعض الأمراء فاثنوا عليه فقال: لو يعلم الناس ما نحن عليه ما ذل لنا لسان بذكر خير أبدًا.
وقال أبو حفص: من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته كان مغرورًا ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها.
ولما سئلت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
стр. 1207
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قالت: يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة والرزق وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحاب رسول الله ﷺ حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معهم ﵂.
شِعْرًا: ... قَوْمٌ مَضَوْا كَانَتْ الدُّنْيَا بِهِمْ نُزَهًا ... وَالدَّهْرُ كَالْعِيدِ وَالأَوْقَاتُ أَوْقَاتُ
عَدْلٌ وَأَمْنٌ وَإِحْسَانٌ وَبَذْلُ نَدَى ... وَخَفْضُ عَيْشٍ نُقضِّيهِ وَأَوْقَاتُ
مَاتُوا وَعِشْنَا فَهُمْ عَاشُوا بِمَوْتِهِمْ ... وَنَحْنُ فِي صُوَرِ الأَحْيَاءِ أَمْوَاتُ
للهِ دَرُّ زَمَانٍ نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ ... أَوْدَى بِنَا وَعَرَتْنَا فِيهِ نَكْبَاتُ
جُورٌ وَخَوْفٌ وَذُلٌّ مَا لَهُ أَمَدٌ ... وَعَيْشَةٌ كُلُّهَا هَمٌّ وَآفَاتُ
وَقَدْ بُلِينَا بِقَوْمٍ لا أَخْلاقَ لَهُمْ ... إِلَى مُدَارَاتِهِمْ تَدْعُو الضَّرُورَاتُ
مَا فِيهِمْ مِنْ كَرِيمٍ يُرْتَجَى لِنَدىً ... كَلا وَلا لَهُمْ ذِكْرٌ إِذَا مَاتُوا
لا الدِّينُ يُوجَدُ فِيهِمْ لا وَلا لَهُمُوا ... مِنَ الْمُرُوءَةِ مَا تَسْمُو بِهِ الذَّاتُ
واَلصَّبْرُ قَدْ عَزَّ وَالآمَالُ تُطْمِعُنَا ... وَالْعُمْرُ يَمْضِي فَتَارَاتٌ وَتَارَاتُ
وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَقَدْ ... زَالَتْ مِنْ النَّاسِ وَاللهِ الْمُرُوآتُ
اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعاتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا لجميع المسلمين. اللهم اشف قلوبنا من أمراض المعاصي والآثام واملأها من خشيتك وأقبل بها إلى طاعتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1208
(فَصْلٌ)
ومن أخلاقهم ﵃ كثرة الحزن والهم كلما تذكروا الموت وسكراته وخوف سوء الخاتمة الذي من أسبابه استيلاء حب الدنيا على القلب وضعف الإيمان والانهماك في المعاصي.
لأنه متى ضعف الإيمان ضعف حب الله تعالى وقوي حب الدنيا حتى لا يبقى في القلب موضع لحب الله إلا من حيث حديث النفس ولا أثر له في كفها عن السيئات.
وذلك يورث الإكثار من المعاصي والاستمرار فيها حتى يظلم القلب وتراكم عليه ظلمات الذنوب فلا تزال تطفئ ما فيه من نور الإيمان على ضعفه حتى تصير طبعًا ورينا.
فإذا جاءت سكرات الموت ازداد ضعف حبه لله لشعوره بفراق الدنيا إذ هي المحبوب الغالب على القلب فيتألم باستشعار فراقها ويرى ذلك من الله فيختلج ضميره بإنكار ما قدر عليه من الموت وكراهيته من حيث أنه من الله فيخشى أن يفرط من لسانه أو يثور من قلبه شيء يسخط الله عليه.
والذي يفضي إلى مثل هذه الخاتمة غلبة حب الدنيا والركون إليها والفرح بأسبابها مع ضعف الإيمان الموجب لضعف حب الله تعالى أما من كان حب الله تعالى أغلب على قلبه من حب المال والدنيا فهو أبعد عن هذا الخطر العظيم فحب الدنيا رأس كل خطيئة وهو الداء العضال.
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين متأثرين بأخلاق النبي ﷺ لا تزن عندهم الدنيا شيئًا ولا يعبؤن بها وإذا حصل لهم شيء منها خرج فورًا ومن أخلاقهم القناعة وحسن الالتجاء إلى الله والثقة له والتوكل عليه في الدقيق والجليل قال بعضهم:
стр. 1209
يَا مَنْ لَهُ الْفَضْلُ مَحْضًا فِي بَرِيَّتِهِ ... وَهُوَ الْمُؤَمَّلُ فِي الضَّرَاءِ وَالْبَاسِ
عَوَّدَتْنِي عَادَةٌ أَنْتَ الْكَفِيلُ بِهَا ... فَلا تَكِلْنِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ النَّاسِ
وَلا تُذِلَّ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ عِزَّتِهِ ... وَجْهِي الْمَصُونُ وَلا تَخْفِضْ لَهُمْ رَاسِي
وَابْعَثْ عَلَى يَدِ مَنْ تَرْضَاهُ مِنْ بَشَرٍٍ ... رِزْقِي وَصُنْهُوَ عَمَّنْ قَلْبُهُ قَاسِي
فَإِنَّ حَبْلَ رَجَائِي فِيكَ مُتَّصِل ... بِحُسْنِ صُنْعِكَ مَقْطُوعًا عَنْ النَّاسِ
آخر: ... إِنَّ الْقَنَاعَةَ كَنْزٌ لَيْسَ بِالْفَانِي ... فَاغْنَمْ أَُخَيَّ هُدِيتَ عَيْشَهَا الْفَانِ
وَعِشْ قَنُوعًا بِلا حِرْصٍ وَلا طَمَعٍ ... تَعِشْ حَمِيدًا رَفِيعَ الْقَدْرِ وَالشَّانِ
لَيْسَ الْغَنِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ يَخْزُنَهُ ... لِحَادِثِ الدَّهْرِ أَوْ لِلْوَارِثِ الشَّانِي
يُجَمِّعُ الْمَالَ مِنْ حِلٍّ وَمِنْ شُبَهٍ ... وَلَيْسَ يُنْفِقُ فِي بِرٍّ وَإِحْسَانٍ
يَشْقَى بِأَمْوَالِهِ قَبْلَ الْمَمَاتِ كَمَا ... يَشْقَى بِهَا بَعْدَه فِي عُمْرِهِ الثَّانِي
إِنَّ الْغَنِيَّ غَنِيُّ النَّفْسِ قَانِعُهَا ... مُوَفَّرُ الْحَظِّ مِنْ زُهْدٍ وَإِيمَانِ
بَرٌّ كَرِيمٌ سَخِيُّ النَّفْسِ يُنْفِقُ مَا ... حَوَتْ بَدَاهُ مِنَ الدُّنْيَا بِإِيقَانِ
مُنَوَّرُ الْقَلْبِ يَخْشَى اللهَ يَعْبُدُهُ ... وَيَتَّقِيهِ بِإِسْرَارِ وَإِعْلانِ
مُوَفَّقٌ رَاسِخٌ فِي الْعِلْمِ مُتَّبِعٌ ... إِثَرَ الرَّسُولِ بِإِخْلاصِ وَإِحْسَانِ
آخر: ... إِنْ كُنْتَ تَرْجُو اللهَ فَاقْتَنِعْ بِهِ ... فَعِنْدَهُ الْفَضْلُ الْكَثِيرُ الْغَزِيرْ
مَنْ ذَا الَّذِي تَلْزَمُهُ فَاقَةٌ ... وَذُخْرُهُ اللهُ الْغَنِيُّ الْكَبِيرْ
(فَصْلٌ) : قال ابن القيم ﵀: من فوائد محاسبة النفس أنه يعرف بذلك حق الله تعالى، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدًا.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: بلغني أن نبي الله موسى ﵇ مر برجل يدعو ويتضرع فقال:
стр. 1210
يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: «لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه» .
فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العباد، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه.
وإن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه، علم علْم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي وأنه لا يسعه إلا العفو ومغفرة، وأن إن أحيل على عمله هلك.
فهذا محل أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق رجائهم كله بعفو الله ورحمته.
وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله ولا ينظرون في حق الله عليهم.
ومن هنا انقطعوا عن الله وحجبت قلوبهم عن معرفته والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
شِعْرًا:
شِعْرًا: ... مَا أَنْعَمَ الْعِيشَةُ لَوْ أَنَّ الْفَتَى ... يُلْهَمُ تَسْبِيحًا لِخَلاقِ الْوَرَى
وَقَدْ تَحَلَّى بِالسَّخَاءِ وَالتُّقَى ... لِيَقْتَدِي مِنْ قَصْدُهُ سُبْلَ الْهُدَى
فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله أولاً، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيًا.
وأفضل الفكر الفكرُ في ذلك، فإنه يسير القلب إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلاً خاضعًا منكسرًا كسرًا فيه جبره، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه، وذليلاً ذلاً فيه عزه،
стр. 1211
ولو عمل الأعمال ما عساه أن يعمل فإنه إذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : وقال رحمة الله تعالى: فائدة قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات.
فإذا كان القلب ممتلئًا بالباطل باعتقاده ومحبته لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضوع كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل.
وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها. فكذلك المشغول بمحبة غير الله وإرادته والشوق إليه والأنس به لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته وحبه والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه بغيره.
ولا حركة اللسان بذكره والجوارح بخدمته إلا إذا فرغها من ذكر غيره وخدمته. فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع لم يبق فيها موضوع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته، وأحكامه.
وسر ذلك في إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء وفهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله لم يبق فيه ميل إلى محبته. فإذا نطق القلب بغير ذكره لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان.
ولهذا في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا» . رواه مسلم وغيره.
فبين أن الجوف يمتلئ بالشعر، فكذلك يمتلئ بالشبه والشكوك والخيالات، والتقديرات التي لا وجود لها، والعلوم التي لا تنفع، والمفاكهات والمضحكات والحكايات ونحوها.
стр. 1212
وإذا امتلأ القلب بذلك جاءته حقائق القرآن والعلم الذي به كماله وسعادته فلم تجد فيه فراغًا لها ولا قبولاً وجاوزته إلى محل سواه.
كما إذا بذلت النصيحة لقلب ملآن من ضدها لا منفذ لها فيه فإنه لا يقبلها وتلج فيه لكن تمر مجتازة لا مستوطنة.
وقال بعضهم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، ولقي حكيم حكيمًا فقال له: لا رأك الله عندما نهاك ولا فقدك حيث أمرك. وقال بشر بن الحارث: بي داء ما لم أعالج نفسي لا أتفرغ لغيري فإذا عالجت نفسي تفرغت لغيري.
وقال: أنا أكره الموت ولا يكره إلا مريب وسأله بعضهم موعظة فقال: ما تقول فيمن القبر مسكنه والصراط جوازه والقيامة موقفه والله مسائله فلا يعلم إلى جنة يصير فينهى أو إلى نار فيعزى فوا طول حزناه وأعظم مصيبتاه زاد البكاء فلا عزاء واشتد الخوف فلا أمن.
شِعْرًا: ... تَعَافُ الْقَذَا فِي الْمَاءِ لا تَسْتَطِيعُهُ ... وَتَكْرَعُ فِي حَوْضِ الذُّنُوبِ فَتَشْرَبُ
وَتُؤْثِرُ فِي أَكْلِ الطَّعَامِ أَلَذَّهُ ... وَلا تَذْكُرُ الْمُخْتَارَ مِنْ أَيْنَ تَكْسَبُ
وَتَرْقُدُ يَا مِسْكِينَ فَوْقَ نَمَارِقٍ ... وَفِي حَشْوِهَا نَارٌ عَلَيْكَ تَلَهَّبُ
فَحَتَّى مَتَى لا تَسْتَفِيقُ جَهَالَةٍ ... وَأَنْتَ ابنُ سَبْعِينٍ بِدِينِكَ تَلْعَبُ
ولقد كان بعض الصحابة يؤدي ما عليه من العبادة ولم يكن يكثر من الاستغفار في حياة النبي ﷺ ثم لما لحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى أكثر الصحابي من الاستغفار، فسأله الصحابة في ذلك فقال: لقد كنت آمنًا من العذاب في حياة الرسول ﷺ فلما توفي لم يبق إلا الأمان الثاني وهو الاستغفار.
يقول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ .
وقال عامر بن عبد الله بن قيس: لو أن الدنيا كانت لي بحذافيرها ثم أمرني
стр. 1213
الله تعالى بإخراجها كلها لأخرجتها بطيب نفس، وكلن يقول: كم من شيء كنت أحسنه أود الآن إني لا أحسنه وما يغني ما أحسن من الخير إذا لم أعمل به.
وكان يقول: (من جهل العبد أن يخاف على الناس من ذنوبهم ويأمن هو على ذنوب نفسه) .
ويقول بعضهم: طوبى لمن كان صمته تفكرًا وكلامه ذكرًا ومشيه تدبرًا وكان سفيان الثوري يقول: إذا فسد العلماء فمن بقي في الدنيا يصلحهم ثم ينشد:
يَا مَعْشَرُ الْعُلَمَاءِ يَا مِلْحَ الْبَلَدْ ... مَا يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذَا الْمِلْحَ فَسَدْ
آخر: ... وَرَاعِ الشَّاةَ يَحْمِي الذِّئْبَ عَنْهَا ... فَكَيْفَ إِذْ الذِّئَابُ لَهَا رُعَاةُ
بِالْمِلْحِ يَصْلَحُ مَا يَخْشَى تَغَيُّرُهُ ... فَكَيْفَ بِالْمِلْحِ إِنْ حَلَّتْ بِهِ الْغِيَرُ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : وقال بعض العلماء: إخواني اعلموا أن صلاح الأمة وفسادها بصلاح العلماء وفسادهم وأن من العلماء رحمة على الناس يسعد من اقتدى بهم وأن من العلماء فتنة على الأمة يهلك من تأسى بهم.
فالعالم إذا كان عاملاً برضوان الله مؤثرًا للآخرة على الدنيا فأولئك خلفاء الرسل ﵈ والنصحاء للعباد والدعاة إلى الله فيسعد من أجابهم ويفوز من اقتدى بهم ولهم مثل أجر المتأسين بهم.
وتلا بعض أهل العلم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
فقال: هذا حبيب الله هذا ولي الله هذا صفوة الله هذا خيرة الله هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحًا في إجابته وقال: إنني من المسلمين إنه خليفة الله.
стр. 1214
يا قوم فبمثل هذا العالم اقتدوا به وتأسوا تسعدوا ألا أن صنفًا من العلماء رضوا بالدنيا عوضًا عن الآخرة فآثروها على جوار الله تعالى ورغبوا في الاستكثار منها وأحبوا العلو فيها.
فتأسى بهم عالم من الناس وافتتن بهم خلق كثير أولئك أسوء فتنة على الأمة، تركوا النصح للناس كيلا يفتضحوا عندهم، لقد خسروا وبئسما اتجروا واحتملوا أوزارهم مع أوزار المتأسين بهم فهلكوا وأهلكوا أولئك خلفاء الشيطان ودعاة إبليس أقل الله في البرية أمثالهم.
وقال بعض العلماء: من ازداد بالله علمًا فازداد للدنيا حبًا ازداد من الله بعدًا وقال: إذا كان العالم مفتونًا بالدنيا راغبًا فيها حريصًا عليها فإن في مجالسته لفتنة تزيد الجاهل جهلاً وبفتن العالم يزيد الفاجر فجورًا ويفسد قلب المؤمن.
شِعْرًا: ... أُوصِيكُمُ يَا مَعْشَرَ الإِخْوَانِ ... عَلَيْكِمْ بِطَاعَةِ الدَّيَّانِ
وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُهْمِلُوا أَوْقَاتَكُمْ ... فَتَنْدَمُوا يَوْمًا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَإِنَّمَا غَنِيمَةُ الإِنْسَانِ ... شَبَابُهُ وَالْخُسْرُ فِي التَّوَانِي
مَا أَحْسَنَ الطَّاعَةَ لِلشُّبَّانِ ... فَأَسْعَوْا لِتَقْوَى اللهِ يَا إِخْوَانِي
وَأَعْمِرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِالطَّاعَةَ ... وَالذِّكْر كُلَّ لَحْظَةٍ وَسَاعَةْ
وَمَنْ تَفُتْهُ سَاعَةْ فِي عُمْرِهِ ... تَكُنْ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ فِي قَبْرِهِ
وَمَنْ يَكُنْ فَرَّطَ فِي شَبَابِهِ ... حَتَّى مَضَى عَجِبْتُ مِنْ تَبَابِهِ
وَيَا سَعَادَةَ امْرِئٍ قَضَاهُ ... فِي عَمَلٍ يَرْضَى بِهِ مَوْلاهُ
أَحَبَّ رَبِّي طَاعَةِ الشَّبَابِ ... يَا فَوْزَهُمْ بِجَنَّةِ الرِّضْوَانِ
فَتُبْ إِلَى مَوْلاكَ يَا إِنْسَانُ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفُوتَكَ الأَوَانُ
وَمَنْ يَقُلْ إِنِّي صَغِيرٌ أَصْبِرُ ... ثُمَّ أُطِيعُ اللهَ حِينَ أَكْبُرَ
فَإِنْ ذَاكَ غَرَّهُ إِبْلِيسُ ... وَقَلْبُهُ مُغَلَّقٌ مَطْمُوسُ
لا خَيْرَ فِيمَنْ لَمْ يَتُبْ صَغِيرَا ... وَلَمْ يَكُنْ بِعَيْبِهِ بَصِيرَا
стр. 1215
مُجَانِبًا لِلإِثْمِ وَالْعِصْيَانِ ... مُخَالِفًا لِلنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
مُلازِمًا تِلاوَةَ الْقُرْآنِ ... مُسْتَعْصِمًا بِالذِّكْرِ مِنْ نِسْيَانِ
مُرَاقِبًا للهِ فِي الشُّؤُونِ ... مُحَاذِرًا مِنْ سَائِرِ الْفُتُونِ
مُجَانِبًا رَذَائِلَ الأَخْلاقِ ... مُجَافِيًا كُلا عَدَا الْخَلاقِ
مُحَارِبًا لِنُزْعَةِ الضَّلالِ ... وَصَوْلَةِ الأَهْوَاءِ وَسُوءِ الْحَالِ
فَإِنْ أَرَدْتَ الْفَوْزَ بِالنَّجَاةِ ... فَاسْلُكْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَالْهُدَاةِ
يَا مَنْ يَرُومُ الْفَوْزَ فِي الْجَنَّاتَ ... بِالْمُشْتَهَى وَسَائِرِ اللَّذَّاتِ
انْهَضْ إِلَى السَّجَدَاتِ فِي الأَسْحَارِ ... وَاحْرِصْ عَلَى الأَوْرَادِ وَالأَذْكَارِ
وَاحْذَرْ رِيَاءَ النَّاسِ فِي الطَّاعَاتِ ... فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ وَالأَوْقَاتِ
وَاخْتَرْ مِنَ الأَصْحَابِ كُلَّ مُرْشِدِ ... إِنَّ الْقَرِينَ بِالْقَرِينَ يَقْتَدِي
وَصُحْبَةُ الأَشْرَارِ دَاءٌ وَعَمَى ... تَزِيدُ فِي الْقَلْبِ السَّقِيمَ السَّقَمَا
فَإِنْ تَبِعْت سُنَّةَ النَّبِي ... فَاحْذَرْ قَرِينَ السُّوءِ وَالدَّنِي
وَاخْتَرْ مِنَ الزَّوْجَاتِ ذَاتِ الدِّينِ ... وَكُنْ شُجَاعًا فِي حِمَى الْعَرِينِ
وَزَوِّدْ الأَوْلادَ بِالآدَابِ ... تَحْفَظْ قُلُوبَهُم مِن الأَوْصَابِ
وَهَذِّبِ النُّفُوسَ بِالْقُرْآنِ ... وَلا تَدَعْهَا نُهْبَةَ الشَّيْطَانِ
وَاحْرِصْ عَلَى مَا سُنَّةُ الرَّسُولُ ... فَهُوَ الْهُدَى وَالْحَقُّ إِذَا أَقُولُ
دَعْ عَنْكَ مَا يَقُولُهُ الضُّلالُ ... فَفِيهِ كُلَّ الْخُسْرِ وَالْوَبَالُ
وَأَصْدَقُ الْحَدِيثِ قَوْلُ رَبِّنَا ... وَخَيْرُ هَدْيِ اللهِ عَنْ نَبِيِّنَا
يَا أَيُّهَا الْغَفْلانُ عَنْ مَوْلاهُ ... انْظُرْ بِأَيِّ سَيِّءٍ تَلْقَاهُ
أَمَا عَلِمْتَ الْمَوْتَ يَأْتِي مُسْرِعًا ... وَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى
وَلَيْسَ لِلإِنْسَانِ مِنْ بَعْدِ الأَجَلْ ... إِلا الَّذِي قَدَّمَهُ مِنَ الْعَمَلْ
فَبَادِرِ التَّوْبَةَ فِي إِمْكَانِهَا ... مِنْ قَبْل أَنْ تُصَدَّ عَنْ إِتْيَانِهَا
стр. 1216
.. يَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ مَا هَذَا الْعَمَلْ ... إِلَى مَتَى هَذَا التَّرَاخِي وَالْكَسَلْ
لَوْ يَعْلَمُ الإِنْسَانُ قَدْرَ مَوْتِهِ ... مَا ذَاقَ طُولَ الدَّهْرِ طَعْمَ قُوتِهِ
مَا لِي أَرَاكَ لَمْ تُفِدْ فِيكَ الْعِبَرْ ... وَيْحَكَ هَذَا الْقَلْبُ أَقْسَى مِنْ حَجَرْ
وَأَفْلَسُ النَّاسِ طَوِيلُ الأَمَلِ ... مُضَيِّعُ الْعُمْرِ كَثِيرِ الْخَطَلِ
نَهَارُهُ مُمْضِيهِ فِي الْبَطَالَةْ ... وَلَيْلَهُ فِي النَّوْمِ بِئْسَ الْحَالَةْ
ادْعُ لَنَا يَا سَامِعًا وَصِيَّتِي ... بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ مَعَ الْعَطِيَّةِ
وَلا تُؤَاخِذْنَا عَلَى النِّسْيَانِ ... وَلا عَلَى الأَخْطَاءِ وَلا الْعِصْيَانِ
يَا رَبِّ وَاحْفَظْنَا مِنَ الْفَتَّانِ ... وَلا تُذِقْنَا حُرْقَةَ النِّيرَانِ
يَا رَبِّ وَانْصُرْنَا عَلَى الأَعْدَاءِ ... وَاحْمِ الْحِمَى مِنْ هِيشَةِ الْغَوْغَائِي
وَدِينَكَ احْفَظْهُ مَعَ الأَمَانِ ... لِلأَهْلِ فِي الأَقْطَارِ وَالأَوْطَانِ
وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى الْخِتَامِ ... وَالشُّكْرُ للهِ عَلَى الإِنْعَامِ
مَا أَعْظَمُ الإِنْعَامَ مِنْ مَوْلانَا ... وَأَجْزَلَ الإِفْضَالُ إِذْ هَدَانَا
لِنِعْمَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ ... وَالاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِ الأَنَامِ
ثُمَّ صَلاةُ اللهِ وَالسَّلامُ ... مَا نَاحَ طَيْرُ الأيْكِ وَالْحَمَامِ
عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْبَشِيرِ ... الْهَاشِمِي الْمُجْتَبِي النَّذِيرِ
وَآلِهِ مَا انْبَلَجَ الصَّبَاحُ ... وَصَحْبَهِ مَا هَبَّتِ الرِّيَاحُ
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا يا مولانا ذكرك وشكرك وآمنا من عذابك يوم تبعث عبادك، اللهم يا عالم الخفيات ويا سامع الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يا خالق الأرض والسماوات أنت الله الأحد لصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد الوهاب الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد لأمرك ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1217
(فَصْلٌ)
وحسبك من آثار تربية النبي ﷺ لأصحابه على قوة الثقة بالله وحسن الظن به والتوكل عليه والزهد في الدنيا ما يتجلى بأكمل معانيه في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة. أما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتى دفعه إلى النبي ﷺ فقال له: «ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر» .
فقال: عدة الله وعدة رسوله فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر والله ما استبقنا إلى باب خير إلا كنت سابقًا، وجاء عمر بنصف ماله حتى دفعه إلى الرسول ﵊ فقال: «ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر» .
قال: خلفت نصف مالي لهم. رواه ابن أبي حاتم من حديث عامر الشعبي وعن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة.
فقال عثمان بن عفان: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله ﷺ وهو يقول: «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» . أخرجه الترمذي.
وعن عبد الله بن الصامت قال: كنت مع أبي ذر ﵁ فخرج عطاؤه ومعه جارية له قال: فجعلت تقضي حوائجه ففضل معها سبعة فأمرها أن تشتري بها فلوسًا قال: قلت لو أخرجته للحاجة تنوبك أو للضيف ينزل بك قال: إن خليلي عهد لي أن أيما ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله . رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
стр. 1218
وعن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «إني لألج هذه الغرفة ما ألجها إلا خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه» . رواه الطبراني في الكبير.
وروي أن عمر ﵁ أرسل إلى زينب بنت جحش بعطائها فقالت: ما هذا؟ قالوا: أرسل إليك عمر بن الخطاب قالت: غفر الله له ثم سلت سترًا لها فقطعته وجعلت العطاء صررًا وقسمته في أهل بيتها ورحمها وأيتامها ثم رفعت يديها وقالت: اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فكانت أول نساء رسول الله ﷺ لحوقًا به.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان للزبير بن العوام ﵁ ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فكان يقسمه كل ليلة ثم يقوم إلى منزله وليس معه شيء.
وأخرج الحاكم عن أم بكر بنت المسور أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ باع أرضًا له بأربعين ألف دينار فقسمها في بني زهرة وفقراء المسلمين والمهاجرين وأزواج النبي ﷺ فبعث إلى عائشة ﵂ بمال من ذلك فقالت: من بعث هذا المال قلت: عبد الرحمن بن عوف.
قال: وقص القصة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يحنو عليكن من بعدي إلا الصابرون سقى الله عوف من سلسبيل الجنة» . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وعن نافع أن معاوية ﵁ بعث إلى ابن عمر مائة ألف فما حال الحول وعنده منها شيء. وعن أيوب بن وائل الراسبي قال: قدمت المدينة فأخبرني رجل جار لابن عمر أنه أتى ابن عمر أربعة آلاف من قبل معاوية وأربعة آلاف من قبل إنسان آخر وألفان من قبل آخر وقطيفة.
стр. 1219
فجاء إلى السوق يريد علفًا لراحلته بدرهم نسيئة فقد عرفت الذي جاءه فأتيت سريته فقلت: إني أريد أن أسألك عن شيء أحب أن تصدقيني قلت: أليس قد أتي عبد الرحمن أربعة آلاف من قبل معاوية وأربعة آلاف من قبل إنسان آخر وألفان من آخر وقطيفة.
قالت: بلى قلت: رأيته يطلب علفًا بدرهم نسيئة قالت: ما بات حتى فرقها فأخذ القطيفة فألقاها على ظهره ثم ذهب فوجهها ثم جاء فقلت: يا معشر التجار ما تصنعون بالدنيا وابن عمر أتته البارحة عشرة آلاف درهم وضح فأصبح اليوم يطلب لراحلته علفًا نسيئة بدرهم.
وكانت زوجاتهم ﵃ زوجات صالحات تعينهم على تنفيذ المشاريع الخيرية فهذا أبو الدحداح لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ .
قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «نعم يا أبا الدحداح» . فقال: أرني يدك يا رسول الله فناوله ﷺ يده الكريمة فقال: اشهد يا رسول الله أني قد أقرضت ربي حائطي. أي البستان وكان له بستان فيه ستمائة نخلة وفي البستان زوجته أم الدحداح وأولاده يسكنونه.
ثم جاء إلى البستان فنادى زوجته يا أم الدحداح قالت: لبيك. قال: أخرجي أنت وأولادك فقد أقرضت ربي حائطي فشجعته ونشطته وقالت: ربح بيعك ثم نقلت متاعها وأولادها ﵄. فتأمل قوة اليقين فيما عند الله كيف تعمل وتأمل موقف زوجته من عمله هذا.
ولو كانت من نساء الزمان لقالت: أنت مجنون وأقلقت راحته وألبت عليه أولاده وأمه وأباه وقالت: خذوا على يديه. نسأل الله العافية.
وهذا عثمان بن عفان ترد عليه عير له من الشام في وقت نزل فيه البرح
стр. 1220
بالمسلمين من الجدب والقحط فإذا هي ألف بعير مسوقة تحمل برًا وزيتًا وزبيبًا.
فجاءه التجار وقالوا: بعنا من هذا الذي وصل إليك فإنك تعلم ضرورة الناس فيقول حبًّا وكرامة: كم تربحوني على شرائي فيجيبون قائلين الدرهم درهمين فيقول: أعطيت أكثر من هذا فيقولون: يا أبا عمر، وما بقى في المدينة تجار غيرنا وما سبقنا إليك أحد فمن الذي أعطاك.
فيجيب إن الله أعطاني بكل درهم عشرة أعندكم زيادة فيقولون: لا، فيشهد الله على أن هذه وما حملت صدقة لله على المساكين والفقراء من المسلمين، فيا ليت أغنياء هذا الزمن تنسخوا من الزكاة فقط ولكن هيهات أن يتغلبوا على النفس والشيطان والدنيا والهوى.
اللهم اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أصاب أرضًا بخيبر أتي النبي ﷺ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عني منه فما تأمرني قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» .
قال: فتصدق بها عمر غير أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل
стр. 1221
ولضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه. متفق عليه.
وهذا أبو بكر ﵁ كان له يوم أسلم أربعون ألف درهم مدخرة من ربح تجارته وقد ربح الكثير من التجارة بعد الإسلام فلما هاجر مع النبي ﷺ لم يكن قد بقي له من كل مدخره سوى خمسة آلاف درهم.
لقد أنفق ماله المدخر في افتداء الضعفاء من الموالي المسلمين الذين كانوا يذوقون العذاب ألوانًا من ساداتهم الكفار كما أنفقه في بر الفقراء والمعوزين، فليعتبر بذلك معشر الحراس للأموال.
وقد حدث أن جاء عامل عمر بالبحرين أبو هريرة بمال كثير وروايته: قدمت من البحرين بخمسمائة ألف درهم فأتيت عمر بن الخطاب مساء فقلت: يا أمير المؤمنين اقبض هذا المال. قال: وكم هو؟ قلت: خمسمائة ألف درهم. قال: وتدري كم خمسمائة ألف درهم؟ قلت: نعم مائة ألف خمس مرات. قال: أنت ناعس أذهب الليلة فبت حتى تصبح.
فلما أصبحت أتيته فقلت: اقبض مني هذا المال؟ قال: وكم هو؟ قلت: خمسمائة ألف درهم. قال: أمن طيب هو؟ قلت: لا أعلم إلا ذاك. فقال عمر ﵁: أيها الناس إنه قد جاءنا مال كثير فإن شئتم أن نكيل لكم كلنا وإن شئتم أن نعد لكم عددنا وإن شئتم أن نزن لكم وزنا.
فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين دون الدواين يعطون عليها فاشتهى عمر ذلك ووزعها على المسلمين كلها.
وذكر بعض المفسرين أن سليمان ﵇ غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس فصلى الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه فعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت
стр. 1222
وفات وقت الصلاة ولم يخبروه بذلك هيبة له فاغتنم لذلك وقال: ردوها علي فاقبل عليها فضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقربًا إلى الله وطلبًا لمرضاته حيث اشتغل بها عن طاعة الله.
وكان ذلك مباحًا له وبقي منها مائة فرس فلما عقرها لله تعالى أبدله الله تعالى خيرًا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب تجري بأمره كيف شاء وإليه يشير قوله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ .
شِعْرًا: ... لا أَجْعَلُ الْمَالَ لِي رَبًا يُصرِفُنِي ... لا بَلْ أَكُونُ لَهُ مَوْلاً أُصَرّفُهُ
مَا لِي مِنَ الْمَالِ إِلا مَا تَقَدَّمَنِي ... فَذَاكَ لِي وَلِغَيْرِي مَا أُخَلِّفُهُ
آخر: ... وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَالِ لَوْلا امْتِهَانُهُ ... وَبَيْنَ الْحَصَى الْمَجْمُوع أَوْ كُثُبِ الرَّمْلِ
آخر: ... تَمَتَّعْ بِمَالِكَ قَبْلَ الْمَمَاتِ ... وَإِلا فَمَا النَّفْعُ إِنْ أَنْتَ مُتَّا
شَقِيتَ بِهِ ثُمَّ خَلَّفْتَهُ ... لِغَيْرِكَ بَعْدَكَ فَسُحْقًا وَمَقْتَا
آخر: ... فَإِنَّ مَسِيرِي فِي الْبِلادِ وَمَنْزِلِي ... هُوَ الْمَنْزِلُ الأَقْصَى إِذَا لَمْ أُقْرَّبِ
وَلَسْتُ وَإِنْ أُذْنِيتُ يَوْمًا بِبَائِعٍ ... خَلاقِي وَلا دِينِي ابْتِغَاءِ الرَّغَائِبِ
وروي أن عمر أرسل مع غلامه بأربعمائة دينار إلى أبي عبيدة بن الجراح وأمر الغلام بالتأني ليرى ما يصنع فيها فذهب بها الغلام إليه وأعطاها له وتأنى يسيرًا ففرقها أبو عبيدة كلها فرجع الغلام لعمر فخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فأرسلها معه إليه وأمره بالتأني كذلك ففعل ففرقها فاطلعت زوجته وقالت: نحن والله مساكين فأعطنا فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فأعطاهما إياها. فرجع الغلام لعمر وأخبره فسر بذلك. وقال: إخوة بعضهم من بعض.
стр. 1223
وروي أن زوجة طلحة بن عبيد الله رأت منه ثقلاً فقالت له: مالك لعله رابك منا شيء فنعتبك قال: لا ولنعم الحليلة للمسلم أنت ولكن اجتمع عندي مالي ولا أدري كيف أصنع قالت: وما يغمك منه أدع قومك فاقسمه بينهم فقال: يا غلام عليَّ بقومي. فكان جملة ما قسم أربعمائة ألف (٤٠٠٠٠٠) .
وباع أرضًا من عثمان بسبعمائة فحملها عليه فلما جاء بها قال: إن رجلاً يبيت عنده هذه في بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله فبات ورسله تختلف في السكك سكك المدينة حتى أسحروا ما عنده منها فرقوها على الفقراء والمساكين.
الصحابة ﵃ جمعوا كرمًا وشجاعة وخصالاً حميدة اقرأ آخر سورة الفتح وما ينطبق عليهم ﵃ ما يلي:
شِعْرًا: ... فَهُمْ جَمَعُوا الْعَلْيَاءَ عِلْمًا وَعِفَّةً ... وَزُهْدًا وَجُودًا لا يَضِيقُ فُوَاقَا
كَمَا جَمَعَ التُّفَّاحُ حُسْنًا وَنَظْرَةً ... وَرَائِحَةً مَحْبُوبَةً وَمَذَاقَا
آخر: ... لَهُمْ سَحَائِبُ جُودٍ فِي أَنَامِلِهِمْ ... أَمْطَارُهَا الْفِضَّةُ الْبَيْضَاءُ وَالذَّهَبُ
فِي الْعُسْرِ قَالُوا إِذَا أَيْسَرْنَ ثَانِيةِ ... قَصَّرْنَ عَنْ بَعْضِ مَا نُعْطِي وَمَا نَهَبُ
حَتَّى إِذَا عَادَ أَيَّامُ الْيَسَارَ لَهُمْ ... رَأَيْتَ أَمْوَالَهُمْ فِي النَّاسِ تُنْتَهَبُ
آخر: ... هُمُ الْقَوْمُ إِنْ قَالُوا أَصَابُوا وَإِنْ دُعُوا ... أَجَابُوا وَإِنْ أَعْطَوْا أَطَابُوا وَأَجْزَلُ
وَمَا يُدْرِكُونَ التَّابِعُونَ فِعَالَهُمْ ... وَإِنْ أَحْسَنُوا فِي النَّائِبَاتِ وَأَجْمَلُوا
آخر: ... وَلَيْسَ فِي الأُمَّةِ كَالصَّحَابَةْ ... بِالْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالإِصَابة
آخر: ... وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّ السُّيُوفَ لَدَيْهِمُ ... تَحِيضُ دِمَاءً وَالسُّيُوفُ ذُكُورُ
وَأَعْجَبُ مِنْهَا أَنَّهَا فِي أَكُفِّهِمْ ... تَأَجَّجُ نَارًا وَالأَكُفُّ بُحُورُ
وبعث عبد الله بن الزبير إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ بمال في غرارتين ثمانون ألف ومائة ألف درهم وهي صائمة فجعلت تقسم بين الناس فأمست وما
стр. 1224
عندها من ذلك درهم فقالت لجارتها: هلمي فطوري فجاءت بخبز وزيت فقالت لها الجارية: فما استطعت فيما قسمت في هذا اليوم أن تشتري لنا لحمًا بدرهم قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتني لفعلت. هكذا يؤثر الإيمان العميق بما أخبر الله به وبرسوله.
كان سهل بن عبد الله بن يونس التستري ينفق ماله في طاعة الله فجاءت أمه وإخواته إلى عبد الله بن المبارك ﵁ يشكونه فقالوا: هذا لا يمسك شيئًا ونخشى عليه الفقر فأراد عبد الله أن يعينهم عليه.
فقال له سهل: يا عبد الله أرأيت أن رجلاً من أهل المدينة اشترى ضيعة برستاق (أرض السواد) وهو يريد أن يتنقل إليها أكان يترك بالمدينة شيئًا وهو يسكن الرستاق.
فقال عبد الله بن المبارك: خصمكم يعني أنه أراد أن يتحول على الرستاق لا يترك بالمدينة شيئًا فالذي يريد أن يتحول على الآخرة كيف يترك في الدنيا شيئًا.
شِعْرًا: ... بِهَا لِيْلُ فِي الإِسْلامِ سَادُوا وَلَمْ يَكُنْ ... كَأَوَّلِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوَّلُ
هُمُ الْقَوْمِ إِنْ قَالُوا أَصَابُوا وَإِنْ دُعُوا ... أَجَابُوا وَإِنْ أَعْطُوا أَطَابُوا وَأجْزَلُوا
ومن الشعر الذي لا ينطبق إلا على الصحابة ﵃ ما يلي:
مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لاقِيتُ سَيِّدَهُمْ ... مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يَسْرِي بِهَا السَّارِي
لا يَنْطِقُونَ عَنِ الْفَحْشَاءِ إِنْ نَطَقُوا ... وَلا يُمَارُونَ إِنْ مَارَوْا بِإِكْثَارِ
إِنْ يُسْأَلُوا الْخَيْرَ يُعْطُوهُ وَإِنْ خُبِرُوا ... فِي الْجُهْدِ أَدْرَكَ مِنْهُمْ طِيبَ أَخْبَارِ
وَإِنْ تَوَدَّدْتَهُمْ لانُوا وَإِنْ شُهِمُوا ... كَشَفْتَ إِذْ مَارَ حَرْبٍ غَيْرَ إِغْمَارِ
هَيْنُونَ لَيْنُونَ أَيْسَارٌ ذُوو حَسَبٍ ... سُوَّاسُ مَكْرُمَةً أَبْنَاءُ أَيْسَارِ
آخر: ... بِهَا لِيلُ لَوْ عَايَنْتَ فَيْضَ أَكُفِّهَم ... لأَيْقَنْتَ أَنَّ الرِّزْقَ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ
فائدة سبب البخل ستة أشياء غلبة الشهوات (١) وطول الأمل (٢) ورحمة الولد (٣) وخوف الفقر (٤) وقلة الثقة بمجيء الرزق (٥) وعشق المال لذاته (٦) فالبخل يتعب نفسه ويحرمها وينفع غيره كما قيل:
стр. 1225
شِعْرًا: ... يُفْنِي الْبَخِيلُ بِجَمْعِ الْمَالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوَادِثِ وَالْوُرَّاثِ مَا يَدَعُ
كَدُودَةِ الْقِزِّ مَا تَبْنِيهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرُهَا بِالَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ
آخر: ... إِذَا كُنْتَ جماعًا لِمَالِكَ مُمْسِكًا ... فَأَنْتَ عَلَيْهِ خَازِنٌ وَأَمِينُ
تُؤَدِّيهِ مَذْمُومًا إِلَى غَيْرِ حَامِدٍ ... فَيَأْكُلُهُ عَفْوًا وَأَنْتَ دَفِينُ
آخر: ... وَذِي حِرْصٍ تَرَاهُ يَلِمُّ وَفْرًا ... لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَنْ حِمَاهُ
كَكَلْبِ الصَّيْدِ يُمْسِكُ وَهُوَ طَاوٍ ... فَرِيسَتَهُ لِيَأْكُلَهَا سِوَاهُ
آخر: ... يَا لَهْفَ قَلْبِي عَلَى مَالٍ أُفَرِّقُهُ ... عَلَى الْمُقِلِّينَ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوآتِ
إِنَّ اعْتِذَارِي إِلَى مَنْ جَاءَ يَطْلُبُنِي ... مَا لَيْسَ عِنْدِي لِمَنْ إِحْدَى الْمُصِيبَاتِ
آخر: ... قُلْ لِي بِرَبِّكَ مَاذَا يَنْفَعُ الْمَالُ ... إِنْ لَمْ يُزَيِّنْهُ إِحْسَانٌ وَإِفْضَالُ
الْمَالُ كَالْمَاءِ إِنْ تُحْبَسْ سَوَاقِيَهُ ... يَأْسَنْ وَإِنْ يَجْر يَعْذُبْ مِنْهُ سِلْسَالُ
تَحْيَا عَلَى الْمَاءِ أَغْرَاسُ الرِّيَاضِ كَمَا ... تَحْيَا عَلَى الْمَالِ أَرْوَاحٌ وَآمَالُ
إِنَّ الثَّرَاءَ إِذَا حِيلَتْ مَوَارِدُهُ ... دُونَ الْفَقِير فَخَيْرٌ مِنْهُ إِقْلالُ
اللهُ أَعْطَاكَ فَابْذُلْ مِنْ عَطِيَّتِهِ ... فَالْمَالُ عَارِيَةٌ وَالْعُمْرُ رَحَّالُ
آخر: ... لَقَدْ دَرَجَ الأَسْلافُ مِنْ قَبْلِ هَؤُلاءِ ... وَهِمَّتُهمِ نِيلُ الْمَكَارِمِ وَالْفَضْلِ
وَقَدْ رَفَضُوا الدُّنْيَا الْغُرُورَ وَمَا سَعَوْا ... لَهَا وَالَّذِي يَأْتِي يُبَادَرُ بِالْبَذْلِ
فَقِيرُهُمْ حُرٌّ وَذُو الْمَالِ مُنْفِقٌ ... رَجَاءَ ثَوَابِ اللهِ فِي صَالِحِ السُّبْلِ
لِبَاسُهُمْ التَّقْوَى وَسِيمَاهُمْ الْحَيَا ... وَقَصْدُهُمْ الرَّحْمَنُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ
مَقَالُهُمْ صِدْقٌ وَأَفْعَالُهُمْ هُدَىً ... وَأَسْرَارُهُمْ مَنْزُوعَةُ الْغِشِّ وَالْغِلِّ
خُضُوعٌ لِمَوْلاهُمْ مُثُولٌ لِوَجْهِهِ ... قُنُوتٌ لَهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ عَنْ مِثْلِ
آخر: ... أَيَا نَفْسُ لِلْمَعْنَى الأَجَلِّ تَطَلَّبِي ... وَكُفِي عَنِ الدَّارِ الَّتِي قَدْ تَقَضَّتِ
فَكَمْ أَبْعَدَتْ إِلْفًا وَكَمْ كَدَّرَتْ صَفًا ... وَكَمْ جَدَّدَتْ مِنْ تَرْحَةٍ بَعْدَ فَرْحَتِ
فَلَوْ جُعِلَتْ صَفْوًا شُغِلْتُ بِحُبِّهَا ... وَلَمْ يَكُ فَرْقٌ بَيْنَ دُنْيَا وَجَنَّةِ
стр. 1226
.. لَعُمْرُكَ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ أَخِي حِجَا ... فَيَلْهُو بِهَا عَنْ دَارِ فَوْزٍ وَجَنَّةِ
عَنِ الْمَوْطِنَ الأَسْنَى عَنِ الْقُرْبِ وَاللِّقَا ... عَنِ الْعَيْشِ كُلِّ الْعَيْشِ عِنْدَ الأَحِبَّةِ
فَوَاللهِ لَوْلا ظُلْمَةُ لَمْ يَطِبْ ... لَكَ الْعَيْشُ حَتَّى تَلْتَحِقْ بِالأَحِبَّةِ
اللهم انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين، وخصنا منك بالتوفيق المبين، ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه، وكن لنا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر علينا يدا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً، وفهمًا ذكيًا صفيًا وشفًا من كل داء، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ) : ومن أخلاقهم توصية بعضهم بعضًا بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الصالحة: ودع ابن عون رجلاً فقال له: عليك بتقوى الله فإن المتقي ليست عليه وحشة.
وقال زيد بن أسلم: كان يقال من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا. وقال الثوري لابن أبي ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا.
وكانت أعمالهم بعيدة عن الرياء عملاً بقوله تعالى في الصدقات ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ، كان الربيع بن خيثٍم لا يطلع على عمله إلا أهل بيته ودخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف فغطاه بكمه.
شِعْرًا: ... إِذَا وَاتَاكَ مِنْ مَوْلاكَ خَمْسٌ ... فَلا تَأْسَفْ عَلَى شَيْءٍ يَفُوتُ
حِجىً وَسَلامَةٌ وَلِبَاسُ تَقْوَى ... وَدِينٌ غَيْرَ مَدْخُولٍ وَقُوتُ
آخر: ... جَمَالُ أَخِي النُّهَى كَرَمٌ وَتَقْوَى ... وَلَيْسَ جَمَالهُ عَرْضًا وَطُولا
وكان ميمون بن مهران يقول لأصحابه قولوا ما أكره في وجهي فإن
стр. 1227
الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره وكان يقول يا أهل القرآن لا تتخذوا القرآن بضاعة تلتمسون به الربح في الدنيا اطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة.
وبالتالي فإن الانهماك في الدنيا قد شمل أصناف الخلق لقلة معرفتهم بالله تعالى إذ لا يحب الله إلا من عرفه فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازداد حبه له، وكلما فكر في نعم الله عليه قوى حبه لربه، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
ولهذا قال الله تعالى ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله ورسوله ومن المجاهدة لأعلاء كلمة الله فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله.
ولهذا قال حتى يأتي الله بأمره وهذا وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ شنيعٌ للمنهمكين في طلب الدنيا المؤثرين لها ولأهلهم وقرابتهم وعشيرتهم على الله ورسوله والجهاد في سبيله أفلا يعتبر اللبيب وينظر كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون وكم غيرت الأرض ببلائها وكم غيبت في ترابها ممن عاشرت من صنوف المخلوقين.
وما أكثر من أخذت الدنيا بقلبه وقالبه وصار عبدًا لها في ليله ونهاره ضاعت أوقاته النفيسة في الركض خلفها يجمعها لمن يخلفه عليها وصار هو بالحقيقة حارسًا خادمًا محاميًا بجازته وكسوته وسكناه فقط ولا شكر ولا ثناء ولا مروءة وتأمله وصفًا مطابقًا لأغنياء أهل هذا الزمن تكون بذلك مصدقًا متعجبًا وان كنت موفقًا قلت الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم، اللهم عافهم
стр. 1228
ولا تبتلينا واستعملت ما عندك فيما يقرب إلى الله والدار الآخرة وسألت الله أن يثبتك على الإيمان وأن يزيغ قلبك بعد إذ هداك وأن يهب لك من لدنه رحمة وأن يهيئ لك من أمرك رشدًا.
شِعْرًا: ... وَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ يَكُنْ لَهُ ... مِن اللهِ فِي دَارِ الْمُقَامِ نَصِيبُ
فَإِنْ تُعْجِبُ الدُّنْيَا رِجَالاً فَإِنَّهَا ... مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَالزَّوَال قَرِيبُ
آخر: ... يُحْصِي الْفَتَى مَا كَانَ مِنْ نَفَقَاتِهِ ... وَيُضِيعُ مِنْ أَنْفَاسِهِ مَا أَنْفَقَا
وَكَأَنَّمَا دُنْيَا ابْنِ آدَمَ عِرْسُهُ ... أَخَذَتْ جَمِيعَ تُرَاثِهِ إِذْ طَلَّقَا
اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا يا مولانا ذكرك وشكرك وآمنا من عذابك يوم تبعث عبادك، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
«موعظة» : عباد الله نحن في زمن لا نسيء إذا عددنا أهله من ضعفاء المتدينين الذي غلبت عليهم المداهنة، والتملق، والكذب، راجع حال السلف المؤمن حقًا وانظر حالنا اليوم، تعجب من الفرق المبين.
كان هذا المال بأيديهم بكثرةٍ، ومع ذلك لا يدور عليه الحول، لأنهم نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
مطمئنين على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ كانوا إذا وصل إليهم المال يصيبهم قلق حتى يتصدقوا به على حد.
شِعْرًا: ... لأَشْكُرَنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِهِ ... إِنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوف
وَلا أَذُمُّكَ إِنْ لَمْ يُمْضِهِ قَدَرٌ ... فَالرَّزْقُ بِالْقَدَرِ الْمَحْتُوم مَصْرُوفُ
стр. 1229
آخر: ... لا تَيْأَسَنَّ إِذَا مَا ضِقْتَ مِنْ فَرَجٍ ... يَأْتِي بِهِ اللهُ فِي الرَّوْحَاتِ وَالدُّلَجِ
وَإِنْ تَضَايَقَ بَابٌ عَنْكَ مُرْتَتِجٌ ... فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ بَابًا غَيْرَ مُرْتَتِجِ
فَمَا تَجَرَّعَ كَأْسَ الصَّبْرِ مُعْتَصِمٌ ... بِاللهِ إِلا أَتَاهُ اللهُ بِالْفَرَجِ
آخر: ... قَالَتْ طُرَيْفَةُ لا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا ... وَمَا بِنَا صَلَفٌ فِيهَا وَلا خَرَقُ
لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا ... ظَلَّتْ إِلَى طُرُقِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ
لا يَأْلَفُ الدِّرْهَمْ الْمَضْرُوبُ صُرَّتَنَا ... لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ مُنْطَلِقُ
آخر: ... أَلَمْ تَرَى أَنَّ الْمَالَ يُهْلِكُ أَهْلَهُ ... إِذْ جَمَّ آتِيهِ وَسُدَّتْ طَرِيقُهُ
وَمَنْ جَاوَزَ الْمَاءَ الْغَزِيرَ مَسِيلُهُ ... وَسُدَّتْ مَجَارِي الْمَاءِ فَهُوَ غَرِيقُهُ
وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش، ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي إني اشتريت بها دارًا بالجنة أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله، تأمل سيرة الرجال الذين عرفوا الدنيا حقيقة لعلك تقتدي بهم فتربح الدنيا والآخرة.
وكانوا إذا عرض لهم أحد وأبدى لهم احتياجه يرون غفلتهم عنه من النقائض والعيوب الفاحشات على حد قول الشاعر:
وَتَرْكِي مُوَاسَاة الأَخِلاءِ بِالَّذِي ... تَنَالُ يَدِي ظُلْمٌ لَهُمْ وَعُقُوقُ
وَإِنِّي لأَسْتَحِيي مِن اللهِ أَنْ أُرَى ... بِحَالِ اتِّسَاعٍ وَالصَّدِيقُ مُضَيَّقُ
آخر: ... خَلِيلٌ أَتَانِي نَفْعُهُ وَقْتَ حَاجَتِي ... إِلَيْهِ وَمَا كُلُّ الأَخِلاءِ يَنْفَعُ
آخر: ... يَرَى الْمَرْءُ أَحْيَانًا إِذَا قَلَّ مَالُهُ ... مِنَ الْخَيْرِ أَبْوَابًا فَلا يَسْتَطِيعُهَا
وَمَا إِنْ بِهِ بُخْلٌ وَلَكِنَّ مَالَهُ ... يُقَصِّرُ عَنْهَا وَالْبَخِيلُ يُضِيعُهَا
أين هذا وأين حالنا اليوم وقد بخلنا بحق المال الزكاة وهي حق الفقراء والمساكين..... الخ.
стр. 1230
وكانوا إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام مع الأمام ربما غشي عليهم من ألم هذا المصاب العظيم وكانوا يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام ومن باب أولى وأحرى من فاتته الجماعة أو الجمعة.
أين هذا من حالب مجتمعنا اليوم الذي ترى الكثير منهم يجافي عليه الباب ويشرب الشاي والدخان أبا الخبائث والناس يصلون.
وكثير من الذين يصلون مع الجماعة تجدهم يحرصون على الإتيان إذا ظنوا أنها أقيمت الصلاة ويقصدون النقارين الذين لا يتركون في الصلاة ولا يطمئنون فيها ولا يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة التي لا صلاة لمن لم يقرأ بِهَا ولا يتمكن من الإتيان بالتشهد كاملاً.
فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنهم لا يفهمون الصلاة ولا المقصود منها ولو فهموها تماما لصارت قرة أعينهم ولا استراحوا بها واستعانوا بها على الدين والدنيا.
وكانوا أي السلف ممن يحن إلى بيت الله يتمتعون به في كل عام، ولذلك تعد لأحدهم أربعين حجة، وأزيد، أين هذا ممن يسافرون على بلاد الكفرة بلاد الحرية محكمة القوانين أعداء الإسلام وأهله، ويوالونهم بل ويدرسون عليهم والنبي ﷺ قد تبرأ من المقيم بين أظهر المشركين إذا كان يقدر على الخروج من بين أظهرهم ولكن نسال اله العافية ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
ومع ذلك يبعثرون الفلوس العظيمة، التي سيناقشون عنها داخلة وخارجة ضد ما عليه آباؤهم من هجران من جاء من بلاد الكفر غير مهاجرٍ قال ﷺ : «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين» . وقال: «من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم» . بلغ يا أخي من يدرسون على الكفار والعياذ بالله.
следующие страницы →