← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

.. لَعُمْرُكَ مَا الدُّنْيَا بِدَارِ أَخِي حِجَا ... فَيَلْهُو بِهَا عَنْ دَارِ فَوْزٍ وَجَنَّةِ عَنِ الْمَوْطِنَ الأَسْنَى عَنِ الْقُرْبِ وَاللِّقَا ... عَنِ الْعَيْشِ كُلِّ الْعَيْشِ عِنْدَ الأَحِبَّةِ فَوَاللهِ لَوْلا ظُلْمَةُ لَمْ يَطِبْ ... لَكَ الْعَيْشُ حَتَّى تَلْتَحِقْ بِالأَحِبَّةِ اللهم انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين، وخصنا منك بالتوفيق المبين، ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه، وكن لنا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر علينا يدا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً، وفهمًا ذكيًا صفيًا وشفًا من كل داء، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) : ومن أخلاقهم توصية بعضهم بعضًا بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الصالحة: ودع ابن عون رجلاً فقال له: عليك بتقوى الله فإن المتقي ليست عليه وحشة. وقال زيد بن أسلم: كان يقال من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا. وقال الثوري لابن أبي ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا. وكانت أعمالهم بعيدة عن الرياء عملاً بقوله تعالى في الصدقات ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ، كان الربيع بن خيثٍم لا يطلع على عمله إلا أهل بيته ودخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف فغطاه بكمه. شِعْرًا: ... إِذَا وَاتَاكَ مِنْ مَوْلاكَ خَمْسٌ ... فَلا تَأْسَفْ عَلَى شَيْءٍ يَفُوتُ حِجىً وَسَلامَةٌ وَلِبَاسُ تَقْوَى ... وَدِينٌ غَيْرَ مَدْخُولٍ وَقُوتُ آخر: ... جَمَالُ أَخِي النُّهَى كَرَمٌ وَتَقْوَى ... وَلَيْسَ جَمَالهُ عَرْضًا وَطُولا وكان ميمون بن مهران يقول لأصحابه قولوا ما أكره في وجهي فإن

стр. 1227

الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره وكان يقول يا أهل القرآن لا تتخذوا القرآن بضاعة تلتمسون به الربح في الدنيا اطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة. وبالتالي فإن الانهماك في الدنيا قد شمل أصناف الخلق لقلة معرفتهم بالله تعالى إذ لا يحب الله إلا من عرفه فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازداد حبه له، وكلما فكر في نعم الله عليه قوى حبه لربه، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها. ولهذا قال الله تعالى ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله ورسوله ومن المجاهدة لأعلاء كلمة الله فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله. ولهذا قال حتى يأتي الله بأمره وهذا وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ شنيعٌ للمنهمكين في طلب الدنيا المؤثرين لها ولأهلهم وقرابتهم وعشيرتهم على الله ورسوله والجهاد في سبيله أفلا يعتبر اللبيب وينظر كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون وكم غيرت الأرض ببلائها وكم غيبت في ترابها ممن عاشرت من صنوف المخلوقين. وما أكثر من أخذت الدنيا بقلبه وقالبه وصار عبدًا لها في ليله ونهاره ضاعت أوقاته النفيسة في الركض خلفها يجمعها لمن يخلفه عليها وصار هو بالحقيقة حارسًا خادمًا محاميًا بجازته وكسوته وسكناه فقط ولا شكر ولا ثناء ولا مروءة وتأمله وصفًا مطابقًا لأغنياء أهل هذا الزمن تكون بذلك مصدقًا متعجبًا وان كنت موفقًا قلت الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم، اللهم عافهم

стр. 1228

ولا تبتلينا واستعملت ما عندك فيما يقرب إلى الله والدار الآخرة وسألت الله أن يثبتك على الإيمان وأن يزيغ قلبك بعد إذ هداك وأن يهب لك من لدنه رحمة وأن يهيئ لك من أمرك رشدًا. شِعْرًا: ... وَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ يَكُنْ لَهُ ... مِن اللهِ فِي دَارِ الْمُقَامِ نَصِيبُ فَإِنْ تُعْجِبُ الدُّنْيَا رِجَالاً فَإِنَّهَا ... مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَالزَّوَال قَرِيبُ آخر: ... يُحْصِي الْفَتَى مَا كَانَ مِنْ نَفَقَاتِهِ ... وَيُضِيعُ مِنْ أَنْفَاسِهِ مَا أَنْفَقَا وَكَأَنَّمَا دُنْيَا ابْنِ آدَمَ عِرْسُهُ ... أَخَذَتْ جَمِيعَ تُرَاثِهِ إِذْ طَلَّقَا اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا يا مولانا ذكرك وشكرك وآمنا من عذابك يوم تبعث عبادك، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. «موعظة» : عباد الله نحن في زمن لا نسيء إذا عددنا أهله من ضعفاء المتدينين الذي غلبت عليهم المداهنة، والتملق، والكذب، راجع حال السلف المؤمن حقًا وانظر حالنا اليوم، تعجب من الفرق المبين. كان هذا المال بأيديهم بكثرةٍ، ومع ذلك لا يدور عليه الحول، لأنهم نصب أعينهم قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . مطمئنين على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ كانوا إذا وصل إليهم المال يصيبهم قلق حتى يتصدقوا به على حد. شِعْرًا: ... لأَشْكُرَنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِهِ ... إِنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوف وَلا أَذُمُّكَ إِنْ لَمْ يُمْضِهِ قَدَرٌ ... فَالرَّزْقُ بِالْقَدَرِ الْمَحْتُوم مَصْرُوفُ

стр. 1229

آخر: ... لا تَيْأَسَنَّ إِذَا مَا ضِقْتَ مِنْ فَرَجٍ ... يَأْتِي بِهِ اللهُ فِي الرَّوْحَاتِ وَالدُّلَجِ وَإِنْ تَضَايَقَ بَابٌ عَنْكَ مُرْتَتِجٌ ... فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ بَابًا غَيْرَ مُرْتَتِجِ فَمَا تَجَرَّعَ كَأْسَ الصَّبْرِ مُعْتَصِمٌ ... بِاللهِ إِلا أَتَاهُ اللهُ بِالْفَرَجِ آخر: ... قَالَتْ طُرَيْفَةُ لا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا ... وَمَا بِنَا صَلَفٌ فِيهَا وَلا خَرَقُ لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا ... ظَلَّتْ إِلَى طُرُقِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ لا يَأْلَفُ الدِّرْهَمْ الْمَضْرُوبُ صُرَّتَنَا ... لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهُوَ مُنْطَلِقُ آخر: ... أَلَمْ تَرَى أَنَّ الْمَالَ يُهْلِكُ أَهْلَهُ ... إِذْ جَمَّ آتِيهِ وَسُدَّتْ طَرِيقُهُ وَمَنْ جَاوَزَ الْمَاءَ الْغَزِيرَ مَسِيلُهُ ... وَسُدَّتْ مَجَارِي الْمَاءِ فَهُوَ غَرِيقُهُ وجاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش، ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي إني اشتريت بها دارًا بالجنة أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله، تأمل سيرة الرجال الذين عرفوا الدنيا حقيقة لعلك تقتدي بهم فتربح الدنيا والآخرة. وكانوا إذا عرض لهم أحد وأبدى لهم احتياجه يرون غفلتهم عنه من النقائض والعيوب الفاحشات على حد قول الشاعر: وَتَرْكِي مُوَاسَاة الأَخِلاءِ بِالَّذِي ... تَنَالُ يَدِي ظُلْمٌ لَهُمْ وَعُقُوقُ وَإِنِّي لأَسْتَحِيي مِن اللهِ أَنْ أُرَى ... بِحَالِ اتِّسَاعٍ وَالصَّدِيقُ مُضَيَّقُ آخر: ... خَلِيلٌ أَتَانِي نَفْعُهُ وَقْتَ حَاجَتِي ... إِلَيْهِ وَمَا كُلُّ الأَخِلاءِ يَنْفَعُ آخر: ... يَرَى الْمَرْءُ أَحْيَانًا إِذَا قَلَّ مَالُهُ ... مِنَ الْخَيْرِ أَبْوَابًا فَلا يَسْتَطِيعُهَا وَمَا إِنْ بِهِ بُخْلٌ وَلَكِنَّ مَالَهُ ... يُقَصِّرُ عَنْهَا وَالْبَخِيلُ يُضِيعُهَا أين هذا وأين حالنا اليوم وقد بخلنا بحق المال الزكاة وهي حق الفقراء والمساكين..... الخ.

стр. 1230

وكانوا إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام مع الأمام ربما غشي عليهم من ألم هذا المصاب العظيم وكانوا يعزون من فاتته تكبيرة الإحرام ومن باب أولى وأحرى من فاتته الجماعة أو الجمعة. أين هذا من حالب مجتمعنا اليوم الذي ترى الكثير منهم يجافي عليه الباب ويشرب الشاي والدخان أبا الخبائث والناس يصلون. وكثير من الذين يصلون مع الجماعة تجدهم يحرصون على الإتيان إذا ظنوا أنها أقيمت الصلاة ويقصدون النقارين الذين لا يتركون في الصلاة ولا يطمئنون فيها ولا يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة التي لا صلاة لمن لم يقرأ بِهَا ولا يتمكن من الإتيان بالتشهد كاملاً. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أنهم لا يفهمون الصلاة ولا المقصود منها ولو فهموها تماما لصارت قرة أعينهم ولا استراحوا بها واستعانوا بها على الدين والدنيا. وكانوا أي السلف ممن يحن إلى بيت الله يتمتعون به في كل عام، ولذلك تعد لأحدهم أربعين حجة، وأزيد، أين هذا ممن يسافرون على بلاد الكفرة بلاد الحرية محكمة القوانين أعداء الإسلام وأهله، ويوالونهم بل ويدرسون عليهم والنبي ﷺ قد تبرأ من المقيم بين أظهر المشركين إذا كان يقدر على الخروج من بين أظهرهم ولكن نسال اله العافية ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . ومع ذلك يبعثرون الفلوس العظيمة، التي سيناقشون عنها داخلة وخارجة ضد ما عليه آباؤهم من هجران من جاء من بلاد الكفر غير مهاجرٍ قال ﷺ : «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين» . وقال: «من جامع المشركين وسكن معهم فإنه مثلهم» . بلغ يا أخي من يدرسون على الكفار والعياذ بالله.

стр. 1231

وكان السلف يشتاقون إلى الصيام، وبعضهم يصومون ستة أيام من شوال، وثلاثة من كل شهر، ويوم الاثنين والخميس، وبعضهم يصوم كصيام داود ﵇، يوم يصوم ويوم يفطر. أما نحن فيا ليته يسلم لنا رمضان من المفسدات والمنقصات وهيهات، وكانت المساكن لا تهمهم يسكنون فيما تيسر. عن مالك بن دينار أنه رجلاً يبني دارًا وهو يعطي العمال الأجرة فمد يده فأعطاه درهمًا فطرح الدرهم في الطين فتعجب الرجل وقال: كيف تطرح الدرهم في الطين. فقال: أعجب مني أنت طرحت كل دراهمك في الطين يعني ضيعتها في البناء، ومر علي بن أبي طالب ﵁ بالعلا بن زياد فرأى سعة داره فقال له ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج. وكان نوح ﵇ في بيت من شعر ألف سنة فقيل له: يا رسول الله لو اتخذت بيتًا من طين تأوي إليه قال: أنا ميت فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا. وقيل: إنه قال: بيت العنكبوت كثير من يموت. شِعْرًا: ... أَرَى الزُّهَّادَ فِي رَوْحٍ وَرَاحَةْ ... قُلُوبُهُمُ عَنْ الدُّنْيَا مُزَاحَةْ إِذَا أَبْصَرْتُهُمْ أَبْصَرْتَ قَوْمًا ... مُلُوكُ الأَرْضِ سِيمَتُهُمْ سَمَاحَةْ وقال أبو هريرة: بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس يذكر الدنيا وينسى الآخرة، وكان لشقيق البلخي خص يكون هو ودابته فيه فإذا غزا هدمه وغزا رجع بناه. بلغ يا أخي أهل الفلل والعمائر وقل عن قريب ستسكنون في مسكن ثلاث أذرع فقط ويسد عليكم فيه. شِعْرًا: ... تَبْنِي الْمَنَازِلَ أَعْمَارٌ مُهَدَّمَةٌ ... مِنَ الزَّمَانِ بِأَنْفَاسٍ وَسَاعَاتِي

стр. 1232

آخر: ... أَمَّا بُيُوتُكَ فِي الدُّنْيَا فَوَاسِعَةٌ ... فَلَيْتَ قَبْرَكَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَتَّسِعُ السلف كانوا إذا سمعوا الموعظة، أو مروا بحدادٍ يوقد نارًا، صعقوا وربما مكثوا بلا وعي، أيامًا، أو أشهرًا متتالياتٍ، وقد سمعت بأناس قتلتهم المواعظ أما نحن فتتلى علينا الآيات من كتاب الله ولا كأنها مرت قلوبنا من الانهماك بالدنيا والغفلة أصبحت لا تؤثر فيها العظات. كانوا يتعاونون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويلتفتون كتلة واحدة ويأخذون على يد السفيه أما نحن فنثبط ونقول لمن يريد المساعدة ما أنت بملزم اتركهم. السلف كانوا ينصحون أهل المعاصي، ويهجرونهم، إذا أصروا على المعاصي واو كانوا ممن لهم منزلة ومكانة في قلوب كثير من أهل الدنيا وكانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم وهممهم عالية وأنفسهم رفيعة لا يخشون إلا لله لا يتملقون ولا يداهنون ولا يخضعون غلا لله، قال بعضهم شِعْرًا: ... يَا مَنْ خَلا بِمَعَاصِي اللهِ فِي الظُّلَمِ ... فِي اللَّوْحِ يُكْتَبُ فِعْلَ السُّوءِ بِالْقَلَمِ بِهَا خَلَوْتَ وَعَيْنُ اللهِ نَاظِرَةُ ... وَأَنْتَ بِالإِثْمِ مِنْهُ غَيْرًُ مُكَتَتِمِ فَهَلْ أَمِنْتَ مِنَ الْمَوَلَى عُقُوبَتَهُ ... يَا مَنْ عَصَى اللهَ بَعْدَ الشَّيْبِ وَالْهَرَمِ آخر: ... قَالُوا نَرَى نَقَرًا عِنْدَ الْمُلُوكِ سَمَوْا ... وَمَا لَهُمْ هِمَّةٌ تَسْمُوا وَلا وَرَعُ وَأَنْتَ ذُو هِمَّةٍ فِي الْفَضْلِ عَالِيَةٍ ... فَلَمْ ظَمِئْتَ وَهُمَ فِي الْجَاهِ قَدْ كَرَعُوا فَقُلْتُ بَاعُوا نُفُوسًا وَاشْتَروا ثَمَنًا ... وَصُنْتُ نَفْسِي فَلَمْ أَخْضَعْ كَمَا خَضَعُوا قَدْ يُكْرَمُ الْقِرْدُ إِعْجَابًا بِخِسَّتِهِ ... وَقَدْ يُهَانُ لِفَرْطِ النَّخْوَةِ السَّبُعُ هذا الذي كان من سلفنا الكرام نحو أهل المعاصي والمنكرات. أما نحن فنتركهم ونقول ذنوبهم على جنوبهم، وربما جالسناهم،

стр. 1233

وواكلناهم، وعظمناهم، كما يسمع الكثير يقولون للمهاجر بالمعاصي كشارب الدخان، وحالق اللحية، ومستعمل آلات اللهو، يا معلم يا أستاذ يا سيد والواجب هجرة ليرتدع فإنا لله وإنا إليه راجعون. شِعْرًا: ... عُرَى الأَعْمَارِ يَعْلُوهَا انْفِصَامُ ... وَأَمْرُ اللهِ مَا مِنْهُ اعْتِصَامُ سَوَاءٌ فِي الثَّرَى مَلِكٌ وَعَبْدٌ ... ثِوَى النَّعْمَانُ حَيْثُ ثَوَى عِصَامُ أَعِدَّ لِمَوْقِفِ الْعَرْضِ احْتِجَاجًا ... لَعَلَّكَ لَيْسَ يَقْطَعُكَ الْخِصَامُ وَلا يَعْظُمْ سِوَى التَّفْرِيطِ خَطْبٌ ... عَلَيْكَ فَإِنَّهُ الْخَطْبُ الْعِظَامُ ابِنْ لِي هَلْ تُبَارِزْ أَمْ تُوَلِّي ... إِذَا شَرَكْتَ بِكَ الْحَرْبُ الْعُقَامُ وَلَمْ تَعْرَفْ وَقَدْ فَجِئَ انْتِقَالٌ ... أَغَفْرٌ لِلذُّنُوبِ أَمْ انْتِقَامُ تَوَقَّ مِن السِّفَار عَلَى اغْتِرَارِ ... فَلَيْسَ لِسَاكِنِي الدُّنْيَا مَقَامُ وَإِنَّ الْمَوْتَ لِلأَتْقَى شِفَاءٌ ... كَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَهُ سَقَامُ حَذارِ حَذَارِ إِنَّكَ فِي بِحَارٍ ... مِنَ الدُّنْيَا طَمَتْ فَلَهَا التِّطَامُ وَتَعْلَمُ أَنَّهَا تُرْدِي يَقِينًا ... وَمِنَّا فِي غَوَارِبِهَا اقْتِحَامُ وَإِنَّ مِنَ الْعَجَائِبِ أَنْ أَمَرَّتْ ... مَوَارِدُهَا وَإِنْ كَثُرَ الزِّحَامُ آخر: ... هُوَ الزَّمَانُ فَلا عَيْشٌ يَطِيبُ بِهِ ... وَلا سُرُورٌ وَلا صَفْوٌ بِلا كَدَرِ يَجْنِي الْفَتَى فَإِذَا لِيمَتْ جَنَايَتُهُ ... أَحَال مِنْ ذَنْبِهِ ظُلْمًا عَلَى الْقَدَرِ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ يُعْجِبُنَا ... فَإِنَّمَا هُوَ نُقْصَانٌ مِنَ الْعُمُرِ والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. (فَصْلٌ) : ومن الناس من يغلب على قلبه عند الموت حب شهوة من شهوات الدنيا فيكون استغراق قلبه صارفًا وجهه إلى الدنيا. فإن اتفق قبض الروح حالة غلبة الدنيا فالأمر خطير لأن المرء يموت على ما عاش عليه كما انه يبعث على ما عاش عليه ولا يمكن اكتساب صفة أخرى للقلب تضاد الصفة التي غلبت عليه لأن ذلك بالأعمال الصالحات وقد انقطع

стр. 1234

بالموت ولا أمل بالرجوع إلى الدنيا ليتدارك ذلك وعند ذلك تعظم الحسرة. ويشد الندم وكم غرت الدنيا من مخلد إليها وصرعت من مكب عليها فلم تنعشه من عثرته ولم تنقذه من صرعته ولم تشفه من ألمه ولم تبرئه من سقمه. شِعْرًا: ... بَلَى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ ... مَوَارِدَ سُوءٍ مَا لَهُنَّ مَصَادِرُ فَلَمَّا رَأَى أَنْ لا نَجَاةَ وَأَنَّهُ ... هُوَ الْمَوْتُ لا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحَاذُرُ تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدَامَةٌ ... عَلَيْهِ وَأَبْكَتْهُ الذُّنُوبُ الْكَبَائِرُ آخر: في التحذير عن الدنيا: أَمُّ دَفْرٍ فِي غُرُورٍ تَتْجَلي ... كَعَرُوسٍ زَيَّنَتْهَا مُسْرِفَاتْ تَخْدَعِ الْغِرَّ وَعَنْهَا يَرْعَوِي ... عَارِفٌ يَسْمُو بِإِشْرَاقِ الصِّفَاتْ ابْتَعدْ مَا عِشْتَ عَنْ زِينَاتِهَا ... وَالْزَمِ التَّقْوَى إِلَى يَوْمِ الْوَفَاةْ آخر: ... يسَرَّ الْفَتَى بِالْعَيْشِ وَهُوَ مُبِيدُهُ ... وَيَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا وَمَا هِيَ دَارُهُ وَفِي عِبرِ الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ وَاعِظٌ ... إِذَا صَحَّ فِيهَا فِكْرهُ وَاعْتِبَارُهُ فَلا تَحْسَبنْ يَا غَافِلُ الدَّهْرِ صَامِتًا ... فَأَفْصَحُ شَيْءٍ لَيْلُه وَنَهَارُهُ أَصِخْ لِمُنَاجَاةِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ ... سَيُغْنِيكَ عَنْ جَهْرِ الْمَقَالِ سِرَارُهُ أَدَارَ عَلَى الْمَاضِينَ كَأْسًا فَكُلُّهُمْ ... أُبِيحَتْ مَغَانِيهِ وَأَقْوَتْ دِيَارُهُ وَلَمْ يَحْمِهم مِنْ أَنْ يُسَقَّوْا بِكَأْسِهِمْ ... تَنَاوُشُ أَطْرَافِ الْقَنَا وَاشْتِجَارُهُ آخر: ... أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمُومُهُ ... وَأَبَلَسَ لَمَّا أَعْجَزَتْهُ الْمَقَادِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ ... وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا يُحَاذِرُ نَاصِرُ وَقَدْ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ ... تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللَّهَا وَالْحَنَاجِرُ ولهذا سببان أحدهما كثرة المعاصي والآخر ضعف الإيمان وذلك أن مقارفة المعاصي من غلبة الشهوات ورسوخها في اللب بكثرة الإلف والعادة، وكل ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه غالبا عند الموت.

стр. 1235

فعليك بالإكثار من ذكر الله، وتلاوة كتابه، والاستغفار من الذنوب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم القوي العزيز. شِعْرًا: ... لَوْ يَعْلَمُ الْعَبْدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ ... أمِضَى الحَيَاةَ بَتَسْبِيْحٍ وَتَهْليْل آخر: ... وَمَنْ عَرَفَ الأَيَّامَ مَعْرِفِتْي بِهَا ... وَبِالنَّاسِ أَمْضَى وَقْتَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ قِيلَ وَقَالٍ وَجَلْسَةٍ ... مَعَ الْمُشْغِلِي أَوْقَاتِهِمْ فِي الْمَضرَّةِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الإِلَهِ وَحَمْدِهِ ... وَشُكْرٍ لَهُ وَقْتَ الْهَنَا وَالْمَسَاءَةِ فإن كان ميله إلى الطاعات أكثر كان أكثر ما يحضره غالبا ذكر الله وطاعته وإن كان إلى المعاصي أكثر غلب ذكرها على قلبه عند الموت فربما تفيض روحه عند غلبة معصية من المعاصي فيتقيد بها قلبه ويذهل عن الله وحسن الظن به لاشتغاله بما تقيد به نسال الله العافية. فالذي غلبت طاعته على معاصيه بعيد عن هذا الخطر بإذن الله، والذي غلبت عليه المعاصي وكان قلبه بها افرح من الطاعات يخشى عليه وخطره عظيم جدا. ومن أراد السلامة من ذلك فلا سبيل له إلا المجاهدة والصبر طول العمر في فطام نفسه عن الشهوات محافظة على القلب منها ويكون طول عمره مواظبًا على الأعمال الصالحة مكثرًا لذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضجعًا وماشيًا وان كان يحفظ القرآن وشيئًا منه فليداوم عليه بتدبرٍ وتفهمٍ ليستفيد حفظًا وفهمًا وأجرًا. وتخلية الفكر عن الشر عدة وذخيرة لحالة سكرات الموت وشدائده فإن المرء يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه. ويعرف ذلك أي أن ما ألفه طول عمره يعود ذكره عند الموت بمثالٍ، وهو أن الإنسان لا شك انه يري في منامه من الأحوال التي ألفها طول عمره

стр. 1236

فالذي قضي عمره في طلب العلم يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم والعلماء ورؤيته بعضهم وبعض كتب العلم والذي قضى عمره في النجارة يرى من الأحوال المتعلقة بها. والذي قضى عمره في الخياطة يرى من الأحوال المتعلقة بالخياطة والخياط والذي قضى حياته في الفلاحة يرى الأحوال المتعلقة بالفلاحة والفلاحين. والذي قضى عمره في الفساد والفجور يرى في منامه الأحوال المتعلقة بالفجور ويرى الفسقة مثله وأعمالهم من لواط أو زنا أو سرقة أو مسكر أو دخان أو نحو ذلك من المحرمات وقس على ذلك باقي الأعمال. ووجه ذلك انه إنما يظهر في حالة النوم ما حصل له مناسبة مع القلب بطول الإلف أو بسبب آخر من الأسباب والله اعلم والموت شبيه بالنوم ولكنه فوقه ولكن سكرات الموت وما يتقدمه من الغشية قريب من النوم فربما اقتضى ذلك تذكر مألوفة وعوده إلى القلب وأحد الأسباب المرجحة لذلك أي ذكره في القلب طول الألف لذلك. إذا فهمت ذلك فاحذر كل الحذر أن تكون ممن قتلوا أوقاتهم في مقابلة التلفزيون والسينما والمذياع والبكمات والصور ونحو المنكرات المحرمات واحذر تعاطيها بيعا أو شراء فتخسر وقتك ومالك، ونسأل الله السلامة منها ومن جميع المحرمات. ولذا نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة فيقول خمسة ستة أربعة فكان مشغولا بالحساب الذي طال إلفه له فغلب على لسانه ولم يوفق للشهادتين ويخشى على صاحب المعاصي والمنكرات ومتخذي آلات اللهو من شطرنج وأعواد وأوراق لعب وبكماتٍ واصطواناتٍ وكرةٍ

стр. 1237

ومذياعٍ وتلفزيون وسينما وصورٍ ونحو ذلك أن يكون مشغولاً بها في آخر لحظة من حياته فيكون ختام صحيفة ما نطق به لسانه مما يأتي فيها من أغاني وتمثيلياتٍ وصور وفديو ونحوه من المنكرات والمحرمات نعوذ بالله من سوء الخاتمة. اللهم وفقنا للاستعداد لما أمامنا، اللهم وقي أيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اللهم نور قلوبنا واشرح صدورنا ووفقنا لما تحبه وترضاه وألهمنا ذكرك وشكرك وأعذنا من عدوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شِعْرًا: ... قَدْ آنَ بَعْدَ ظَلامِ الْجَهْلِ إِبْصَارِي ... الشَّيْبُ صُبْحٌ يُنَاجِينِي بِإِسْفَارِ لَيْلُ الشَّبَابِ قَصِيرٌ فَاسْرِ مُبْتَدِرًا ... إِنَّ الصَّبَاح قُصَارَى الْمُدْلِجَ السَّارِي كَمْ اغْتِرَارِي بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ... أَبْنِي بِنَاهَا عَلَى جُرْفٍ لَهَا هَارِي وَوَعْدِ زُورٍ وَعَهْدٍ لا وَفَاءَ لَهُ ... تَعَلَّمَ الْغَدْرَ مِنْهَا كُلُّ غَدَّارِ دَارٌ مَآثِمُهَا تَبْقَى وَلَذَّتُهَا ... تَفْنَى أَلا قُبِّحَتْ هَاتِيكَ مِنْ دَارِ فَلَيْتَ إِذْ صَفِرَت مِمَّا كَسَبْتَ يَدِي ... لَمْ تَعْتَلِقْ مِنْ خَطَايَاهَا بِأَوْزَارِ لَيْسَ السَّعِيدُ الَّذِي دُنْيَاهُ تُسْعِدُهُ ... إِنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. «موعظة» : عباد الله كلن سلفنا يزور بعضهم بعضًا للمذاكرة للعلم وتذكر الملمات والمهمات يتساءلون عن ما خفي عليهم معناه من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وعن أورادهم ومقدارها في الصلاة والصيام والأذكار والصدقات وعن الكتب النافعة ليقتنوها والكتب الضارة ليجتنبوها. هذا مدار مجالسهم لا يخطؤنه ولا يدور لهم غيره على بال أين هذا من

стр. 1238

مجالسنا وهي موارد غضب ومقت وغيبة ونميمة وبهت ومداهنةٍ ومصانعةٍ وقذفٍ وتساؤلٍ كم مرتب فلان، وفي إي مرتبة زيد، وكم فلة وعمارة لعمر، وكم دكان لبكرٍ وبكم باع فلان بيته، وما الذي أذيع في الملاهي، وانكباب على المجلات والجرائد حملات الكذب قتلات الأوقات في اللهو وما لا فائدة فيه وأين قضيت العطلة في لبنان أو في أوربا أو في مصر. كانت أسفار السلف للقاء أحبار الأمة أوعية العلم مهما كانوا بعيدين يتلقون عنهم علم الكتاب والسنة ويتفقهون عليهم في الدين أليس من المؤسف أن يكون أولئك الناس سلفنا وبيننا وبينهم هذا الانفصال. كان حب بعضهم لبعضٍ وتواددهم وتراحمهم فوق ما يتصور كان يمر المار في بيوتهم فلا يسمع إلا دوي أصواتهم بذكر الله وتلاوة كتابه. والآن ما تسمع من بيوتنا إلا ما يحرض على الفسق والفجور والعصيان والنشوز والمخاصمات والطلاق والتفرق والقطيعة والعقوق من أغانٍ وألحانٍ من مذياعٍ وتلفزيون وفديو ونحوه من آلات اللهو التي عمت وطمت وابتلى بها الخلق وحطمت الأديان والأخلاق وقضت على الغيرة الدينية. تنبيه: أنتبه يا من زين له سوء عمله فأتى بكفار خدامين أو سائقين أو مربين أو خياطين أو طباخين وأمنهم على أهله وأولاده ومحارمه أما تعلم أنهم أعداء لله ورسوله والمؤمنين حذر يا أخي عن بثهم بين المسلمين وقل له عملك هذا والعياذ بالله ذنب عظيم نشر للفساد بين المسلمين وجناية عظيمة على من هم أمانة عندك ومصادمة لقول النبي ﷺ «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله» ، هذا ما نقدر عليه من النصح وانكار المنكر، نسأل الله العصمة وستظهر ثمرة مخالطة الأجانب واستخدامهم بعد ثمان أو عشر سنوات، الله اعلم فيما أظن وسيندم المستخدمون ونحوهم ندامة عظيمة عندما يتخلق أولادهم وأهليهم

стр. 1239

بأخلاق الكفرة والفسقة ويشبون عليها يألفونهم ولغتهم. ولكن لا ينفع الندم حينما يفوت الآوان ويتذكرون نصح الناصح وإهمالهم له. اللهم أنظمنا في سلك الفائزين برضوانك، واجعلنا من المتقين الذين أعددت لهم فسيح جنابك، وأدخلنا برحمتك في دار أمانك، وعافنا يا مولانا في الدنيا والآخرة من جميع البلايا، وأجزل لنا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا ارحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال ابن القيم ﵀: وَالِي أَوْلي الْعِرْفَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيـ ... ـثِ خُلاصَةُ الإِنْسَانِ وَالأَكْوَانِ قَوْمٌ أَقَامَهُمُوا الإِلَهِ لِحِفْظِ هَـ ... ـذَا الدِّينِ مِنْ ذِي بِدْعَةٍ شَيْطَانِ وَأَقَامَهُمْ حَرَسًا مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّـ ... ـحْرِيفِ وَالتَتْمِيمِ وَالنُّقْصَانِ يَزَكٌ عَلَى الإِسْلامِ بَلْ حِصْنٌ لَهُ ... يَأْوِي إِلَيْهِ عَسَاكِرُ الْفُرْقَانِ فَهُمْ الْمحكُّ فَمَنْ يَرَى مُنْتَقِصًا ... لَهُمُوا فَزِنْدِيقٌ خَبِيثُ جَنَانِ قَوْمٌ هُمُوا بِاللهِ ثُمَّ رَسُولِهِ ... أَوْلَى وَأَقْرَبُ مِنْكَ لِلإِيمَانِ شَتَّانَ بَيْنَ التَّارِكِينَ نُصُوصَهُ ... حَقًّا لأَجْلِ زُبَالَةِ الأَذْهَانِ وَالتَّارِكِينَ لأَجْلِهَا آرَاءَ مِنْ ... آرَاؤُهُمْ ضَرْبٌ مِنْ الْهَذَيَانِ لَمَّا فَسَا الشَّيْطَانُ فِي آذَانِهِمْ ... ثَقُلَتْ رُؤْسُهُمُوا عَنْ الْقُرْآنِ فَلِذَاكَ نَامُوا عَنْهُ حَتَّى أَصْبَحُوا ... يَتَلاعَبُونَ تَلاعُبَ الصِّبْيَانِ وَالرَّكْبُ قَدْ وَصَلُوا الْعُلا وَتَيَمَّمُوا ... مِنْ أَرْضِ طَيْبَةِ مَطْلَعِ الإِيمَانِ وَأَتَوْا إِلَى رَوْضَاتِهَا وَتَيَمَّمُوا ... مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ مَطْلَعِ الْقُرْآنِ قَوْمٌ إِذَا مَا نَاجِذُ النَّصِّ بَدَا ... طَارُوا لَهُ بِالْجَمْعِ وَالْوِجْدَانِ

стр. 1240

وَإِذَا هُمُوا سَمِعُوا بِمُبْتَدِعٍ هَذَى ... صَاحُوا بِهِ طُرًّا بِكُلِّ مَكَانِ وَرِثُوا رَسُولَ اللهِ لَكِنْ غَيْرُهُمْ ... قَدْ رَاحَ بِالنُّقْصَانِ وَالْحِرْمَانِ وَإِذَا اسْتَهَانَ سِوَاهُمُ بِالنَّصِّ لَمْ ... يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا مِنْ الْخُسْرَانِ عَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ رَغْبَةً ... فِيهِ وَلَيْسَ لَدَيْهِمُ بِمُهَانِ لَيْسُوا كَمَنْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَقِيقَةً ... وَتِلاوةً قَصْدًا لِتَرْكِ فُلانِ عَزَلُوهُ فِي الْمَعْنَى وَوَلَّوْا غَيْرَهُ ... كَأَبِي الرَّبِيعِ خَلِيفَةِ السُّلْطَانِ ذَكَرُوهُ فَوْقَ مَنَابِرٍ وَبِسِكَّةٍ ... رَقَمُوا اسْمَهُ فِي ظَاهِرِ الأَثْمَانِ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُّ الْمَطَاعُ لِغَيْرِهِ ... وَلِمُهْتَدٍ ضُرَبْتَ بِذَا مَثَلانِ يَا لِلْعُقُولِ أَيَسْتَوِي مَنْ قَالَ بِالْـ ... ـقُرْآنِ وَالآثَارُ وَالْبُرْهَانِ وَمُخَالِفٌ هَذَا وَفِطْرَةَ رَبِّهِ ... اللهُ أَكْبَرُ كَيْفَ يَسْتَوِيَانِ بَلْ فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فُطِرُوا عَلَى ... مَضْمُونِهَا وَالْعَقْلُ مَقْبُولانِ وَالْوَحْيُ جَاءَ مُصَدِّقًا لَهُمَا فَلا ... تَلْقَى الْعَدَاوَةَ مَا هُمَا سِلْمَانِ فَإِذَا تَعَارَضَ نَصُّ لَفْظٍ وَارِدٍ ... وَالْعَقْلُ حَتَّى لَيْسَ يَلْتَقِيَانِ فَالْعَقْلُ إِمَّا فَاسِدٌ وَيَظُنَّهُ الرَّ ... أْيُ صَحِيحًا وَهُوَ ذُو بُطْلانِ أَوْ أَنَّ ذَاكَ النَّصُّ لَيْسَ بِثَابِتٍ ... مَا قَالَهُ الْمَعْصُومُ بِالْبُرْهَانِ وَنُصُوصُهُ لَيْسَتْ يُعَارِضُ بَعْضُهَا ... بَعْضًا فَسَلْ عَنْهَا عَلِيمَ زَمَانِ وَإِذَا ظَنَنْتَ تَعَارُضًا فِيهَا فَذَا ... مِنْ آفَةِ الأَفْهَامِ وَالأَذْهَانِ أَوْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ لَيْسَ بِثَابِتٍ ... مَا قَالَهُ الْمَبْعُوثُ بِالْقُرْآنِ اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا حبك وحب من ينفعنا حبه عندك، اللهم وما رزقتنا مما نحب فاجعله قوة لنا فيما تحب، اللهم وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغًا لنا فيما تحب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. اللهم اقبل توبتنا واغسل حوبتنا واجب دعوتنا وثبت حجتنا واهد قلوبنا

стр. 1241

وسدد ألسنتنا واسلل سخيمة قلوبنا واجعلنا هداة مهتدين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (موعظة) : عباد الله طاعة الله صلاح في الأرض لهذا أمر الله بالطاعات وهذه الطاعات ترضيه لأنه شكور غفور وهذه الطاعات هي السبب الذي به يكون يسر العباد فيكونون في حياتهم هذه في سعادات وهي التي إذا بعثوا أدخلهم بها الله الجنات، فالناس إذا لزموا طاعة الله نالوا الخير والسعادة بعد الممات وخير ما تزوده المرء تقوى الله. عن أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل ﵄ عم رسول الله ﷺ قال: «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي. هذا حديث عظيم خاطب فيه رسول الله ﷺ الصحابي الجليل أبا ذر أحد السابقين في الإسلام وتلبية دعوة النبي ﷺ لما اسلم والنبي ﷺ بمكة ورأى من حرصه على المقام معه وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له هذه المقالة. واشتملت هذه المقالة على أمور ثلاثة جمع فيها رسول الله ﷺ بين حق الله وحقوق العباد فحق الله على عباده أن يتقوه حق تقاته والتقوى كلمة جامعة للفضائل والكمالات مانعة من النقائض والرذالات وبعبارة أخرى هي امتثال الأمر واجتناب النهى والوقوف عند الحد الشرعي الذي حده الله ورسوله. وهذه الوصية هي وصية الله للأولين والآخرين ووصية كل رسول لقومه أن يقولوا اعبدوا الله واتقوه ويجب أن تعلم وأن التقوى في الدارين باب واسع للمتقي الملازم للأدب ينفذ منه أن نزلت بالناس شدائد أو نزل شدة لا مفر

стр. 1242

منها وإن شئت فاقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ . إن ربنا الذي بيده أزمة الأمور: بيده الأمر كله في الدنيا والآخرة هو الذي يقول ذلك لا زيد ولا عمرو ولا خالدٌ ولا بكرٌ والتقوى جمال للمرء لا يماثله جمال في نظر الأفاضل المتقين ولقد أحسن من قال: فَعَلَيْكَ تَقْوَى للهِ فَالْزِمْهَا تَفُزْ ... إِنَّ التَّقِيَّ هُوَ الْْبَهِيُّ الأَهِيبُ وَاعْمَلْ بِطَاعَتِهِ تَنَلْ مِنْهُ الرِّضَا ... إِنَّ الْمُطِيعَ لَهُ لَدَيْهِ مُقَرَّبُ آخر: ... إِنَّ التَّقِيَّ إِذَا زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ ... يَهْوِي عَلَى فُرُشِ الدِّيبَاجِ وَالسُّرِرُ آخر: ... يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللهُ إِلا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى اللهِ أَعْظَمُ مَا اسْتَفَادَا آخر: ... أَطْيَبُ الطَّيِّبَاتِ فِعْلُ الْفَرَائِضْ ... وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ لِقَتْلِ الأَعَادِي وَرَسُولٌ يُهْدِي إِلَيْكَ نَصِيحَةً ... تَنْتَفِعْ فِيهَا أُخَيَّ فِي الْمَعَادَ آخر: ... أَطِعِ الإِلَهَ وَلا تُطِعْ لِهَوَاكَا ... إِنَّ الإِلَهَ إِذَا أَطِعْتَ هَدَاكَا وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لا تَسُودُ وَلَنْ تَرَى ... سُبل الرَّشَادِ إِذَا عَصَيْتَ الله آخر: ... وَلا عَيْشَ إِلا مَعْ رِجَالٍ قُلُوبُهُم ... تَحُنُّ إِلَى التَّقْوَى وَتَرْتَاحُ لِلذِّكْرِ وقوله ﷺ لأبي ذر اتق الله حيثما كنت أي بأي زمان وجدت وأي مكان أقمت فإن التقوى لا تتقيد بزمان ولا مكان وإنما هي عبادة وإخلاص للرحمن وكف عن محارمه ومكافحة لهوى النفس والشيطان. وموضعها القلب من كل إنسان على حد قوله ﷺ : «التقوى هاهنا ويشير إلى صدره» وتظهر آثارها على الجوارح بعمل الطاعات والانكفاف عن المحرمات. وقال ﷺ «أن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر

стр. 1243

إلى قلوبكم» ، فعلى الإنسان أن يبذل جده واجتهاده في تحسين موضع نظر الله منه ليكون نقيًا طاهرًا خاليًا من الغش والحسد والحقد والظنون السيئة بالمسلمين خاليا من جميع الأمراض النفسية والخلقية فلعل الله ينظر له نظرة قبولٍ ورحمةٍ وعطفٍ وإحسانٍ وامتنانٍ. يا أبا ذر أمرتك بالتقوى المشتملة على امتثال أمر الله والابتعاد عن محارمه. وكتب عمر ﵁ إلى أمير جيشه سعد ابن أبي وقاص يحضه فيه على تقوى الله ويحذره المعاصي فقال وبعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فان تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم فان ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله. ولولا ذاك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعادتهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم ولا تعلموا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله. ولا تقولوا أن عدونا شر منا فلن يسلط علينا فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بالمعاصي كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولاً. . .واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم أسأل الله تعالى ذلك لي ولكم. . .أهـ. فتأمل ما كتبه أمير المؤمنين إلى قائد جيشه يأمر بالتقوى ويحذره من المعاصي بأشد المواقف وأحرجها عند مقابلة المسلمين لجيش العدو من

стр. 1244

الكفرة المعاندين لعلمه أن تقوى الله أفضل العدة والذخيرة وأقوى عاملٍ لنصرة المسلمين على أعدائهم والغلبة عليهم والظفر بهم. فتمسك المسلمون بوصية عمر وكانوا كما وصف رجل من الروم المسلمين لرجل من الروم أمير فقال جئتك من عند رجالٍ دقاقٍ يركبون خيولاً عتاقًا أما الليل فرهبان وأما النهار ففرسان لو حدثت جليسك حديثًا ما فهمه عنك لما علا من أصولهم بالقرآن والذكر فالتفت إلى أصحابة وقال أتاكم منهم مالا طاقة لكم به. شِعْرًا: هُمُ الرِّجَالُ وَغَبْنٌ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ ... لَمْ يَتَّصِفْ بِمَعَالِي وَصْفِهِمْ رَجلُ وقوله ﷺ : «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» لما كان العبد لابد أن يحصل منه تقصير في التقوى ولوازمها أمره ﷺ بما يدفع ذلك ويمحوه فكأنه ﵊ قال: وحيث أن المرء لا يأمن على نفسه من الزلل والخطأ، فإذا ما وقعت منك زلة أو خطيئة فاتبعها بالحسنة فهي ماحية لها مخلصة لك من شرها وأثمها نظير قوله تعالى: ﴿ِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ومن أساء إليك فقابله بالإحسان على حد قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . شِعْرًا: أَصْدَقُ صَدِيقَكَ إِنْ صَدَقْتَ صَدَاقَةً ... وَادْفَعْ عَدُوَّكَ بِالَّتِي فَإِذَا الَّذِي وهذا من أكرم أخلاق المرء وأجل صفاته فإذا أساء إليك مسيء من الخلق خصوصًا من له حق عليك كالأقارب والأصحاب ونحوهم فقابل إساءته بالإحسان وسواء كانت إساءة قولية أو فعلية فإن قطعك فصله وإن ظلمك فاعف عنه وإن تكلم فيك غائبًا أو حاضرًا فلا تقابله بالإساءة بل اعف عنه وعامله بالقول اللين وإن هجرك وترك خطابك فطيب له الكلام وابذل له السلام كما قيل:

стр. 1245

شِعْرًا: ... وَأَنْ أَسَاهُ مُسِيٌ فَلْيَكُنْ لَكَ فِي ... عُرُوضُ زَلَّتِهِ عَفْوٌ غُفْرَانُ آخر: ... فَإِنْ جَارَيْتَ ذَا جُرْمِِ بِجُرْمٍ ... فَمَا فَضْلُ الْمَصُونِ عَلَى الْمُذَالِ آخر: ... إِذَا سَفَهَ السَّفِيهُ عَلَيْكَ فَاجْعَلْ ... سُكُوتَكَ عِنْدَ مِنْ شَرَفَ الْخِصَالِ فإذا قابلت الإساءة بالإحسان حصل فائدة عظيمة ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ، كأنه قريب شقيق وهذا فيما إذا كان المتعدي من غير قصدٍ وأهلاً للعفو والمسامحة والمقابلة بالتي هي أحسن والحذر من الكبر والعجب. شِعْرًا: ... كَمْ جَاهِلٍ مُتَوَاضِعٍ ... سَتَرَ التَّوَاضُعُ جَهْلَهْ وَمُمَيِّزٍ فِي عِلْمِهِ ... هَدَمَ التَّكَبُّرُ فَضْلَهْ فَدَعْ التَّكَبُّرَ مَا حَيِـ ... ـيتَ وَلا تُصَاحِبْ أَهْلَهُ فَالْكِبْرُ عَيْبٌ لِلْفَتَى ... أَبَدًا يُقَبِّحُ فِعْلَهْ وأما أن كان من المتغطر سين المتكبرين الذين يزيدهم العفو عتوًا وطغيانًا وتماديًا في ظلمهم وشرهم وبغيهم فاستعمال الشدة والحزم والقسوة أولى ليرتدعوا لأن اللئيم إذا كرمته تمرد وإذا أهنته ربما تأدب واعتدال. وقديما قيل: إِنَّ الصَّنِيعَةَ لِلأَنْذَالِ تُفْسِدُهُمْ ... كَمَا تُضِرُّ رِيَاحُ الْوَرْدَ بِالْجَعَل آخر: ... إِنَّ الْعَبِيدَ إِذَا أَذْلَلْتَهُمْ صَلَحُوا ... عَلَى الْهَوَانِ وَإِنْ أَكْرَمْتَهُمْ فَسَدُوا آخر: ... إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ... وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا فَوَضعُ النَّدَا فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالْعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النِّدَا إِنَّ الْحَدِيدَ تُلِينُ النَّارُ قَسْوَتَهُ ... وَلَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْبَحْرَ مَا لانَا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ ، مدهم جل وعلا لانتصارهم لأنفسهم ممن بغى عليهم وأردف جل وعلا ذلك بما يدل على أن الانتصار مقيد بالمثل لأن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل الذي قامت به السموات والأرض فقال: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ .

стр. 1246

ونعود إلى الكلام على آخر جملة في الحديث وهي قوله ﷺ : «وخالق الناس بخلق حسن» أي من غير تكلف، والخلق صورة الإنسان الباطنة. والخلق الحسن في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم هو أس الفضائل وينبوع المكارم وعين الكمال. وفي حديث مسلم عنه ﵇ قال: «البر حسن الخلق» المعنى أن خير خصال البر وأعظمها حسن الخلق نظير قوله ﵇ «الحج عرفه» وناهيك أن الله سبحانه امتدح محمدًا ﷺ به لبيان فضله وعلو منزلته وشرفه فقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . والنبي ﷺ يذكر مهمته التي لأجلها بعث وبها جاء من عند الله تعالى فيقول إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ إلى آخر ما جاء في هذه الآيات وما شاكلها من الآيات ولنا الأسوة الحسنة في قوله وفعله وقد ذكرنا نماذج من حلمه ﷺ . وقد ورد في الحدث على حسن الخلق أحاديث كثيرة ومن حسن الخلق لين الجانب والتواضع وعدم الغضب وكف الأذى عنهم والعفو عن مساويهم وأذيتهم ومعاملتهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي وبشاشة الوجه ولطف الكلام والقول الجميل المؤنس للجليس المدخل عليه السرور المزيل عنه الوحشة. ومن الخلق الحسن أن تعامل كل أحد بما يليق به ويناسب حاله ومما يثمره حسن الخلق تيسير الأمور وحب الخلق له ومعونتهم والابتعاد عن أذاه وقلة مشاكله في الحياة مع الناس والمجالسين له واطمئنان نفسه وطيب عيشه ورضاؤه به. ومن محاسن الأخلاق الصدق والوفاء والشهامة والنجدة وعزة النفس

стр. 1247

والتواضع وعلو الهمة والتثبيت والعفو والبشر والرحمة والشجاعة والوقار والورع والصيانة والصبر والحياء والسخاء والنزاهة والقناعة وحفظ السر والعفة والإيثار. اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحها ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن علينا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله علي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شِعْرًا: ... أَسْعَدُنَا مَنْ وَفَقَ الله ... لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْهُ يَرْضَاهُ وَمَنْ رَضِي مِنْ رِزْقِهِ بِالَّذِي ... قَدَّرَهُ اللهُ وَأَعْطَاهُ وَاطَّرَحَ الْحِرْصَ وَأَطْمَاعَهُ ... فِي نَيْلِ مَا لَمْ يُعْطِهِ مَوْلاهُ طُوبَى لِمَنْ فَكَّرَ فِي بَعْثِهِ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْعُو بِهِ اللهُ وَاسْتَدْرَكَ الْفَارِطَ فِيمَا مَضَى ... وَمَا نَسِي فَاللهُ أَحْصَاهُ فَالْمَوْتُ حَتْمٌ فِي جَمِيعِ الْوَرَى ... طُوبَى لِمَنْ تُحْمِدُ عُقْبَاهُ وَكُلُّ مَنْ عَاشَ إِلَى غَايَةٍ ... فِي الْعُمْرِ فَالْمَوْتُ قُصَارَاهُ يَعْلَمُهُ حَقًّا يَقِينًا بِلا ... شَكٍّ وَلَكِنْ يَتَنَاسَاهُ كَأَنَّمَا خُصَّ بِهِ غَيْرَنَا ... أَوْ هُوَ خَطْبٌ نَتَوَقَّاهُ وَإِنْ جَرَى ذِكْرٌ لَهُ بَيْنَنَا ... قُلْنَا جَمِيعًا قَدْ عَلِمْنَاهُ وَلَيْسَ فِينَا وَاحِدٌ عَامِلٌ ... لِغَيْرِ مَا يُصْلِحُ دُنْيَاهُ كَمْ آمِنٍ فِي سِرْبِهِ غَافِلٍ ... فِي أَعْظَمِ الْعِزِّ وَأَوْفَاهُ أَمْوَالُهُ لا تُنْحَصِي كَثِيرَةً ... وَالْخَلْقُ تَرْجُوهُ وَتَخْشَاهُ وَمِنْ عَظِيمِ الذِّكْرِ فِي نِعْمَةٍ ... يُرْجَى وَيُخْشَى وَلَهُ جَاهُ

стр. 1248

قَدْ بَاتَ فِي خَفْضٍ وَفِي غِبْطَةٍ ... فِي أَطْيَبِ الْعَيْشِ وَأَهْنَاهُ أَصْبَحَ قَدْ فَارَقَ ذَا كُلَّهُ ... قَهْرًا وَصَارَ الْقَبْرُ مَثْوَاهُ فَزَالَتِ النِّعْمَةُ فِي لَحْظَةٍ ... وَاسْتُرْجِعَتْ مِنْهُ عَطَايَاهُ سِيقَ إِلَى دَارِ الْبَلَى مُكْرِهًا ... لَمْ يُغْنِ عَنْهُ الْمَالُ وَالْجَاهُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ وَدُودًا لَهُ ... تَحْتَ تُرَابِ الأَرْضِ وَارَاهُ حَتَّى إِذَا مَا غَابَ عَنْ عَيْنِيهِ ... عَادَ إِلَى الدُّنْيَا وَخَلاهُ مُقَاطَعًا مُطََّرَحًا مُهْمَلاً ... مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ يَتَجَافَاهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ سَاعَةً ... وَلَمْ يَكُنْ فِي الدَّهْرِ لاقَاهُ لِي أَجَلٌ قَدَّرَهُ خَالِقِي ... نِعَمٌ وَرِزْقٌ أَتَوَفَّاهُ اللهم أنظمنا في سلك الفائزين برضوانك، واجعلنا من المتقين الذين أعددت لهم فسيح جنانك، وأدخلنا برحمتك في دار أمانك، وعافنا يا مولانا في الدنيا والآخرة من جميع البلايا، وأجزل لنا من مواهب فضلك وهباتك ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) قال ابن القيم ﵀: الدين كله يرجع إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. وهذه الثلاث هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ. فأمره بالمعروف: يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر.

стр. 1249

أما من حيث إطلاق اللفظ، فتدخل نفسه وغيره فيه، وأما من حيث اللزوم الشرعي، فإن الآمر لا يستقيم له أمره ونهيه، حتى يكون أول مأمور ومنهي. وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف، فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم ونهيه الذي عهده إليهم، بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه. ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه. شِعْرًا: ... إِذَا أَنْتَ تُصْلِحْ لِنَفْسِكَ لَمْ تَجِدْ ... لَهَا أَحَدًا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ يُصْلِحُ آخر: ... نِعَمُ الإِلَهِ عَلَى الْعَبْدِ كَثِيرَةٌ ... وَأَجَلُهُنَّ فَنِعْمَةُ الإِيمَانِ آخر: ... مَا أَنْعَمُ اللهَ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ نِعْمَةٍ ... أَوْفَى عَلَى الْعَبْدِ مِنْ طَاعَتِهْ وَكُلَّ مَنْ عُوفِي فِي دِينِهِ ... فَإِنَّهُ فِي عَيْشَهٍ رَاضِيَهْ ثم وصفاهم بأنهم يعلمون ما أمر الله به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه، وحق الله، وحق خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته. والإنابة إليه والتوكل عليه، وحبه وخوفه ورجائه، والتوبة والاستكانة له، والخضوع والذلة له، والاعتراف له بنعمته، وشكره عليها، والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها.

стр. 1250

فهذه هي الصلة بين الرب والعبد، وقد أمر الله بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل، وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله ﷺ بالإيمان به وتصديقه وتحكيمه في كل شيء والرضا لحكمه، والتسليم له. وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين صلوات الله وسلامه عليه، فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله. وأمر أن نصل ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فإنه أمر ببر الوالدين وصلة الأرحام وذلك مما أمر به أن يوصل وأمر أن نصل ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف. وأمر أن نصل ما بيننا وبين الأقارب بأن نطعمهم مما نأكل، ونكسوهم مما نكتسي، ولا نكلفهم فوق طاقتهم، وأن نصل ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه، وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا وأن نصل ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر. وأن نصل ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمهم ونستحي منهم كما يستحي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه فهذا كله مما أمر الله به أن يوصل. ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة، هو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب ولا يمكن احد قط أن يصل ما أمر الله بوصله إلا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوصل. ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد وهو آخيه ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ فلم يكتف منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصا لوجه. ثم ذكر لهم ما يعينهم على الصبر وهو الصلاة فقال: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ .

стр. 1251

وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق سرًا وعلانية فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة، وإلى غيرهم بالأنفاق عليهم. ثم ذكر حالهم إذا جهل عليهم وأوذو أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأ ون بالحسنة السيئة، فيحسنون إلى من يسيء إليهم فقال: ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ . وقد فسر هذا الدرء بأنهم يدفعون بالذنب الحسنة بعده كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ، وقال ﷺ : «اتبع السيئة الحسنة بعدها تمحها» . والتحقق: أن الآية تعم النوعين والمقصود: أن هذه الآيات، تناولت مقامات الإسلام والإيمان كلها، واشتملت على فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ﴾ ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فكل موضع قرن فيه التقوى بالصبر، اشتمل على الأمور الثلاثة، فإن حقيقة التقوى: فعل المأمور، وترك المحظور. شِعْرًا: اكْدَحْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي مَهَلٍ ... وَلا تَكُنْ جَاهِلاً فِي الْحَقِّ مُرْتَابَا إِنَّ الْمَنِيَّةَ مَورُودٌ مَنَاهِلُهَا ... لا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عُمِّرتَ أَحْقَابَا

стр. 1252

وَفِي اللَّيَالِي وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ ... يَزْدَادُ فِيهَا أُوُلو الأَلْبَابِ أَلْبَابَا بَعْدَ الشَّبَابِ يَصِير الصُّلْبُ مُنْحَنِيًا ... وَالشَّعْرُ بَعْدَ سَوَادٍ كَانَ قَدْ شَابَا يُفْنِي النُّفُوسَ وَلا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ ... لَيْلٌ سَرِيعٌ وَشَمْسٌ كَرُّهَا دَابَا لِمُسْتَقَرٍّ وَمِيقَاتٍ مُقَدَّرَةٍ ... حَتَّى يَعُودَ شُهُودُ النَّاسِ غُيَّابَا وَمَنْ تُعَاقِرهُ الأَيَّامُ تَبْدِ لُهُ ... بِالْجَارِ جَارًا وَبِالأَصْحَابِ أَصْحَابَا خَلَّوا بُرُوجًا وَأَوْطَانًا مُشَدِّةً ... وَمُؤْنِسِينَ وَأَصْهَارًا وَأَنْسَابَا فَيَا لَهُ سَفَرًا بُعْدًا وَمُغْتَرَبًا ... كُسِيتَ مِنْهُ لِطُولِ النَّأْيِ أَثْوَابَا بِمُوحِشِ ضَيِّقٍ نَاءٍ مَحَلَّتُهُ ... وَلَيْسَ مِنْ حَلَّهُ مِنْ غَيْبَةٍ آبَا كَمْ مِنْ مَهِيبٍ عَظِيم الْمُلْكِ مُتَّخِذٍ ... دُونَ السُّرَادِقِ حُرَّاسًا وَحُجَّابَا أَضْحَى ذَلِيلاً صَغِيرَ الشَّأْنِ مُنْفَرِدًا ... وَمَا يُرَى عِنْدَهُ فِي الْقَبْرِ بَوَّابَا وَقَبْلَكَ النَّاسُ قَدْ عَاشُوا وَقَدْ هَلَكُوا ... فَأَضْرَبَ الْحيُّ عَنْ ذِي النَّأْيِ إِضْرَابَا يَا أَيُّهَا الرَّاحِلُ النَّاسِي لِمَصْرَعِهِ ... أَصْبَحْتَ مِمَّا سَتَلْقَى النَّفْسُ هَرَّابَا اكدحْ لِنَفْسِكَ مِنْ دَارِ تُزَايِلُهَا ... وَلا تَكُنْ لِلَّذِي يُؤْذِيكَ طَلابَا والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (فَصْل في ذَمِّ طُوْلِ الأَمَلِ وَالحَثِّ عَلَى تَقْصِيْرِهِ) اعلموا معشر الإخوان وفقنا الله وإياكم وأيقظ قلوبنا من الغفلة ورزقنا وإياكم الاستعداد للنقلة من الدار الفانية إلى الدار الباقية أن من أضر الأشياء على الإنسان طول الأمل ومعنى ذلك استشعار طول البقاء في الدنيا حتى يغلب على القلب فيأخذ في العمل بمقتضاه. شِعْرًا: ... تَأَهَّبْ لِلَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ مِيعَادُ الْعِبَادِ يَسُرَّكَ أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ آخر: ... فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُه ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ

стр. 1253

وَغَيْرَ نَفْخَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ وينسى أنه مهدد بالموت في كل لحظة ولابد من ذلك، كل ما هو آت قريب، فتأهب لساعة وداعك من الدنيا وخروجك منها. شِعْرًا: ... (أُؤَمِّلُ أَنْ أَحْيَا وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ ... تَمُرُّ بِيَ الْمَوْتَى تَهُزُّ نُعُوشُهَا) (وَهَلْ أَنَا إِلا مِثْلَهُمْ غَيْرَ أَنَّ لِي ... بَقَايَا لَيَالٍ فِي الزَّمَانِ أَعِيشُهَا) آخر: ... يَا أَيُّهَا الْبَانِي النَّاسِي مَنِيَّتَهُ ... لا تَأْمَمَنَّ فَإِنَّ الْمَوْتَ مَكْتُوبُ عَلَى الْخَلائِقِ إِنْ سُرُّورا وَإِنْ حَزَنُوا ... فَالْمَوْتُ حَتْفٌ لِذِي الآمَالِ مَنْصُوبُ لا تَبْنِيَنَّ دِيَارًا لَسْتَ تَسْكُنُهَا ... وَرَاجِعِ النُّسْكَ كَيْمَا يُغْفَر الْحُوبُ قال بعض السلف: من طال أمله ساء عمله وذلك أن طول الأمل يحمل الإنسان على الحرص على الدنيا والتشمير لها لعمارتها وطلبها حتى يقطع وقته ليله ونهاره في التفكير في جمعها وإصلاحها والسعي لها مرة بقلبه ومرة بالعمل فيصير قلبه وجسمه مستغرقين في طلبها. وحينئذ ينسى نفسه والسعي لها بما يعود إلى صلاحها وكان ينبغي له المبادرة والاجتهاد والتشمير في طلبه الآخرة التي هي دار الإقامة والبقاء وأما الدنيا فهي دار الزوال والانتقال وعن قريب يرتحل منها إلى الآخرة ويخلف الدنيا وراءه. فهل من العقل أن يعتني الإنسان بالمنزل الذي سينتقل منه قريبا ويهمل المنزل سيرتحل إليه قريبًا ويمكث فيه طويلاً. شِعْرًا: ... الْمَرْءُ بَعْدَ الْمَوْتِ أُحْدُوثَةٌ ... يَفْنَى وَيَبْقَى مِنْهُ آثَارُهُ فَأَحْسَنُ الْحَالاتِ حَالُ امْرِئٍ ... تَطِيبُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَخْبَارُهُ آخر: ... وَمَا الْعُمْرُ وَالأَيَّامُ وَسَائِطًا ... جُعِلْنَ لِمَا يُرْضِي الإِلَهَ وَسَائِلا آخر: ... وَتَأَكُلنَا أَيَّامُنَا فَكَأَنَّمَا ... تَمُرُّ بِنَا السَّاعَاتُ وَهِيَ أُسُودُ آخر: ... أَتَبْنِي بِنَاءَ الْخَالِدِينَ وَإِنَّمَا ... مَقَامُكَ فِيهَا لَوْ عَرَفْتَ قَلِيلُ

стр. 1254

لَقَدْ كَانَ فِي ظِلِّ الأَرَاكِ كِفَايَةٌ ... لِمَنْ كَانَ يَوْمًا يَقْتَفِيهِ رَحِيلُ اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا، وامنن علينا يا مولانا بتوبة تمحو بها عنا كل ذنب واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى لآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) :وقد ذكر العلماء أن طول الأمل له سببان أحدهما الجهل والآخر حب الدنيا، أما حب الدنيا فهو إنه إذا أنس بها وبشهواتها وعلائقها ثقل على قلبه ومفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه والإنسان مشغول بالأماني الباطلة التي توافق مراده. شِعْرًا: ... وَالْمَرْءُ يُبْلِيهِ فِي الدُّنْيَا وَيُخْلِقُهُ ... حِرْصٌ طَوِيلٌ وَعُمْرٌ فِيهِ تَقْصِيرُ يُطَوِّقُ النَّحْرَ بِالآمَالِ كَاذِبَةً ... وَلَهْذَمُ الْمَوْتِ دُونَ الطَّوْق مَطْرُورُ جَذْلانَ يَبْسِمُ فِي أَشْرَاكِ مِيتَتِهِ ... إِنْ أَفْلَتَ النَّابُ أَرْدَتْهُ الأَظَافِيرُ وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه ويقدر توابعه وما يحتاج إله من مالٍ وأهلٍ ودارٍ وأصدقاء ودواب ومركوب وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفًا على هذا الفكر فيلهوا عن ذكر هاذم اللذات الموت. شِعْرًا: ... إِذَا طَالَ عُمْرُ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ... لِخَالِقِهِ فَهُوَ الَّذِي مَا لَهُ عَقْلُ آخر: ... وَمَنْ عَرَفَ الأَيَّامَ مَعْرِفَتِي بِهَا ... وَبِالْوَقْتِ أَمْضَى وَقْتَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الإِلَهِ حَقِيقَةً ... وَشُكْرٍ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةْ آخر: ... إِنَّ الْعِبَادَةَ لِلإِلَهِ حَقِيقَةً ... تَكْسُوا الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَمَالا

стр. 1255

وَهِيَ السَّبِيلُ لِمَنْ أَرَادَ نَجَاتَهُ ... يَوْمَ الْحِسَابِ إِذْ رَأَى الأَهْوَلا آخر: ... كَيْفَ أَرْجُو مِن الْمَنَايَا خَلاصًا ... وَأَرَى كُلَّ مَنْ صَحبتُ دَفِينَا فَأَرَى النَّاسَ يُنْقِلُونَ سِرَاعًا ... كُلَّ يَوْمٍ إِلَيْهِمْ مَرَّدَ فِينَا قَدْ أَصَابَتْهُمْ سِهَامُ الْمَنَايَا ... وَسَتَرْمِي السِّهَامُ لا بُدَّ فِينَا آخر: ... سِتُّ بُلِيتُ بِهَا وَالْمُسْتَعَاذُ بِهِ ... مِنْ شَرِّهَا مِنْ إِلَيْهِ الْخَلْقُ تَبْتَهِلُ نَفْسِي وَإِبْلِيسُ وَالدُّنْيَا الَّتِي فَتَنَتْ ... مِنْ قَبْلَنَا وَالْهَوْى وَالْحِرْصُ وَالأَمَلُ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ يَا مَوْلايَ وَاقِيَةٌ ... مِنْ شَرِّهَا فَلَقَدْ أَعْيَتْ بِنَا الْحِيَلُ فإن خطر في بعض الأحوال ذكر الموت والضرورة إلى الاستعداد والتهيؤ له سوف ووعد نفسه وقال ما مضى إلا قليل إلى أن تكبر ثم تتوب وتقبل على الطاعة فلا يزال يمني ويسوف من الشباب إلى الكهولة إلى الشيخوخة أو إلى رجوعٍ من السفر أو إلى فراغه من تدبير شؤنه أو شئون أولاده أو بناته أو زواجهم أو انتهاء شغله في عماراته أو فلله أو دكاكينه أو بستانه أو تكميل دراسته أو نحو ذلك من الأماني الباطلة التي يتلذذ بذكرها ولا تجدي شيئا لكنه يرتاح لها. فلا يزال يمني نفسه بما يوافق هواها ولا يزال يغالط نفسه في الحقائق ويتوهم البقاء في الدنيا إلى أن يتقرر ذلك عنده ويظن أن الحياة قد صفت له وينسى قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ . شِعْرًا: ... أُفٍّ مِنَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا ... كَأَنَّهَا لِلْحُزْنِ مَخْلُوقَهْ هُمُومُهَا مَا تَنْقَضِي سَاعَةً ... عَنْ مَلِكٍ فِيهَا وَلا سُوقَهْ آخر: إِنَّمَا الدُّنْيَا بَلاءٌ ... لَيْسَ فِي الدُّنْيَا ثُبُوتْ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَبَيْتْ ... نَسَجَتْهُ الْعَنْكَبُوتْ

стр. 1256

كُلَّ مَنْ فِيهَا لَعَمْرِي ... عَنْ قَرِيبٍ سَيَمُوتْ إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْهَا ... أَيُّهَا الرَّاغِبُ قُوتْ آخر: ... لا تُعْطِ عَيْنَكَ إِلا غَفْوَةَ الْحَذَرِ ... وَاسْهَرْ لِنَيْلِ عُلُومِ الدِّينِ تَغْتَنِمِ وَلا تَكُنْ في طِلابِ الْعِلْمِ مُعْتَمِدًا ... إِلا عَلَى مُوجِدِ الأَشْيَاءَ مِنَ الْعَدَمِ آخر: ... تَصْفُو الْحَيَاةَ لِجَاهِلٍ أَوْ غَافِلٍ ... عَمَّا مَضَى مِنْهَا وَمَا يُتَوَقَّعُ وَلِمَنْ يُغَالِطُ فِي الْحَقَائِقِ نَفْسَهُ ... وَيَسُومُهَا طَلَبُ الْمُحَالِ فَتَطْمَعُ آخر: ... ضَيَّعْتَ وَقْتَكَ فَانْقَضَى فِي غَفْلَةٍ ... وَطَوَيْتَ فِي طَلَبِ الْخَوَادِعِ أَدْهُرَا أَفْهِمْتَ عَنِ الزَّمَانِ جَوَابَهُ ... فَلَقَدْ أَبَانَ لَكَ الْعِظَاتِ وَكَرَّرَا عَايَنْتَ مَا مَلأَ الصُّدُورَ مَخَافَةً ... وَكَفَاكَ مَا عَايَنْتَهُ مَنْ أَخْبَرَا وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن الآخرة الثاني الجهل حيث يستعبد الموت مع الصحة والشباب ولا يدري المسكين أن الشيوخ في البلدان أقل بكثير من الشباب وليس ذلك إلا كثرة الموت في الشبان والصبيان أكثر ولو سألت أحد الشيوخ الطاعنين في السن عن من مات من الشبان الذين يعرفهم لعد لك مئات. شِعْرًا: ... لَيْسَ بِالسِّنِّ تَسْتَحَقُّ الْمَنَايَا ... كَمْ نَجَا بَازَلٌ وَعُوجِلَ بَكْرُ وَعَوَانٌ حَازَتْ حُلِّيَّ كِعَاب ... فَاجَأَتْهَا مِن الْحَوَادِثِ بِكْرُ آخر: ... لا تَغْتَرَّ بِشَبَابٍ نَاعِمٍ خَطِلٍ ... فَكَمْ تَقَدَّمَ قَبْلَ الشِّيب شُبَّانُ آخر: ... وَلَقَدْ سَلَوْتَ عَن الشَّبَابِ كَمَا سَلا ... غَيْرِي وَلَكِنْ لِلْحَبِيبِ تَذَكُّرُ آخر: ... يُعَمَّرُ وَاحِدٌ فَيَغُرُّ أَلْفًا ... وَيُنْسَى مَنْ يَمُوتُ مِنَ الشَّبَابِ وأيضًا لا يدري أن الموت وإن لم يكن يأتي فجأة غالبا لكن المرض لا يستعبد إتيانه فجأة لأن الوهم لا يعرف إلا ما يألفه فالإنسان ألف موت غيره ولم يرى موت نفسه أصلاً فلذلك يستعبد إلا أن العاقل يعرف أن الأجل محدود قد فرغ منه والإنسان يسير إليه في كل لحظة كما قيل:

стр. 1257

شِعْرًا: ... نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ تَبْنِي الْمَنَازِلَ أَعْمَارٌ مُهَدَّمَة ... مِنَ الزَّمَانِ بِأَنْفَاسٍ وَسَاعَاتِ وَمَا نَفْسُ إِلا يُبَاعِدُ مَوْلِدًا ... وَيُدْنِي الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ فَتَقْرُبُ (فَصْلٌ) : إذا عرفت ذلك فعلاج الجهل الفكر الصافي من القلب الحاضر وسماع الحكمة البالغة من الكتاب والسنة والقلوب الطاهرة وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد في غاية الصعوبة والمشقة وهذا هو الداء العضال الذي اعجز الأولين والآخرين. ولهذا من مداخل الشيطان إلى قلب ابن آدم حب التزين من الأثاث والثياب والمسكن والمركوب فإن الشيطان إذا رأى ذلك الذي هو بالحقيقة حب الدنيا غاليًا على قلب الإنسان باض فيه وفرخ فلا يزال الخبيث يزين له ويدعوه إلى عمارة المسكن وتزويقه وتوسيعه وتنظيمه ويدعوه إلى التزين بالثياب والمركوب ويستسخره ويستعمره طول عمره فإذا أوقعه وورطه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه. ثانيًا: أن بعض ذلك يجره إلى بعض الآخر بالقوة فلا يزال يؤيده من شيء إلى آخر بالتدريج إلى أن يذهب عمره فرطا ويساق إلى أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان وإتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء ويخشى من سوء العاقبة بالكفر نعوذ بالله من ذلك. شِعْرًا: ... الْقَلْبُ مُحْتَرِقٌ وَالدَّمْعُ مُسْتَبِقٌ ... وَالْكَرْبُ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ كَيْفَ الْفِرَارُ عَلَى مَنْ لا فِرَارَ لَهُ ... مِمَّا جَنَاهُ الْهَوَى وَالشَّوْقُ وَالْقَلَقُ يَا رَبِّ إِنْ كَانَ شَيْءٌ لِي بِهِ فَرَحٌ ... فَامْنُنْ عَليَّ بِهِ مَا دَامَ بِي رَمَقُ آخر: ... يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... إِنَّ لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَلِيلُ مَا اقْتَلَ الدُّنْيَا لِخُطَّابِهَا ... تَقْتلُهمْ قِدْمًا قَتِيلاً قَتِيلُ

стр. 1258

تَسْتَنْكِحُ الْبَعْلَ وَقَدْ وَطِئَتْ ... فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ بَدِيلُ إِنِّي لَمُغْتَرُّ وَإِنَّ الْبَلا يَعْمَلُ ... فِي جِسْمِي قَلِيلاً قَلِيلُ تَزَوَّدُوا لِلْمَوْتِ زَادًا فَقَدْ ... نَادَى مُنَادِيهِ الرَّحِيلَ الرَّحِيلُ آخر: ... إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا ... إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي إِبلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى ... كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي إِبْلِيس يَسْلُكُ فِي طَرِيقِ مَهَالِكِي ... وَالنَّفْسُ تَأْمُرُنِي بِكُلِّ بَلائِي وَأَرَى الْهَوَى تَدْعُو إِلَيْهِ خَوَاطِرِي ... فِي ظُلْمَةَ الشُّبُهَاتِ وَالآرَائِي وَزَخَارِفُ الدُّنْيَا تَقُولُ أَمَا تَرَى ... حُسْنِي وَفَخْرَ مَلابِسِي وَبَهَائِي آخر: ... أَلا أَيُّهَا الَّلاهِي وَقَدْ شَابَ رَأْسُهُ ... أَلمَّا يَزِعْكَ الشَّيْبُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ أَتَصْبُ وَقَدْ نَاهَزْتَ خَمْسِينَ حِجَّةً ... كَأَنَّكَ غِرٌ أَوْ كَأَنَّكَ يَافِعُ حَذَارِ مِنَ الأَيَّامِ لا تَأْمَنَنَّهَا ... فَتَخْدَعُكَ الأَيَّامُ وَهِيَ خَوَادِعُ أَتَأْمَنُ خَيْلاً لا تَزَالُ مُغِيرَةً ... لَهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي أُنَاسٍ وَقَائِعُ وَتَأْمَلُ طُولُ الْعُمْرِ عِنْدَ نَفَاذِهِ ... وَبِالرَّأْسِ وَسْمٌ لِلْمَنِيَّةِ لامِعُ يُرْجي الْفَتَى وَالْمَوْتُ دُونَ رَجَائِهِ ... وَيَسْرِي لَهُ سَارِي الرَّدَى وَهُوَ هَاجِعُ تَرَحَّلْ مِنْ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِن التُّقَى ... فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِمَا أَنْتَ صَانِعُ ولا علاج لحب الدنيا إلا الإيمان بالله واليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فرأى حقارتها ونفاسة الآخرة ورأى أن الدنيا ليست بأهل أن يلتفت إليها أو ترمق بعين المحبة خلافًا للسواد الأعظم المنهمكين فيها. شِعْرًا: ... إِذَا مُوجِدُ الأَشْيَاءِ يَسَّرَ لِلْفَتَى ... ثَمَانَ خِصَالٍ قَلَّمَا تَتَيَسَّرُ كَفَافٌ يَصُونُ الْحُرَّ عَنْ بَذْلِ وَجْهِهِ ... فَيُضْحِي وَيُمْسِي وَهُوَ حُرٌّ مُوَقَّرُ وَمَكْتَبَةٌ تَحْوِي تَعْلِيمَ دِينَنَا ... وَمَسْجِدُ طِينٍ بِالْقَدِيمِ يُذَكِّرُ وَمَفْرُوشُهُ الْحَصْبَا كَمَا كَانَ أَوَّلاً ... أَوِ الرَّمْلِ وَلا فُرْشٌ بِهَا نَتَفَكَّرُ

стр. 1259

.. وَرَابِعُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... يُنَادِي لِخَمْسٍ فِي الْمَسَاجِدِ يَجْهَرُ وَخَامِسُهَا عَزَّتْ وَقَلَّ وُجُودُهَا ... صَدِيقٌ عَلَى الأَيَّامِ لا يَتَغَيَّرُ وَبَيْتٌ خَلِيٌ مِنْ شُرُورٍ تَنَوَّعَتْ ... لَهَا عِنْدَ أَصْحَابِ الرَّذِيلَةِ مَظْهَرُ وَجِيرَانُهُ أَصْحَابُ دِينِ وَغَيْرَةٍ ... إِذَا اسْتُنْصِرُوا لِلدِّينِ هَبُّوا وَشَمَّرُوا مَجَالِسُهُمْ فِيمَا يَحُثُّ عَلَى التُّقَى ... وَرُؤْيَتُهُمْ بِالتَّابِعِينَ تُذَكِّرُ وَثَامِنُهَا قَوَّامَةُ اللَّيْلِ دَأْبُهَا ... تُصَلِّي وَتَتْلُو لِلْكِتَابِ وَتَذْكُرُ تُسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا وَمَنْ وُلِّعُوا بِهَا ... وَتَخْدِمُهُ طُولَ النَّهَارِ وَتَشْكُرُ فَهَذَا الَّذِي قَدْ نَالَ ملْكًا بِلا أَذَى ... وَلَمْ يَعْدُهُ عِزٌّ وَمَجْدٌ وَمَفْخَرُ فعن الحارث بن مالك الأنصاري انه مر برسول الله ﷺ فقال له كيف أصبحت يا حارث قال أصبحت مؤمنًا حقًا، قال: «انظر ما تقول فأن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني انظر إلى عرش ربي بارزًا وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها كأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال «يا حارث عرفت فالزم» . ثلاثا. نسأل الله أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين، قال الشاعر: إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ ... لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ آخر: ... يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا إِلَى نَفْسِهِ ... تَنَحَّ عَنْ خِطْبَتِهَا تَسْلَمِ إِنَّ الَّتِي تَخْطِبُ غَدَّارَةٌ ... قَرِيبَةُ الْعِرْسِ مِنَ الْمَآتِمِ آخر: ... مَا أَحْسَنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالَهَا ... إِذَا أَطَاعَ اللهَ مَنْ نَالَهَا مَنْ لَمْ يُطِيعِ اللهِ فِي صَرْفِهَا ... عَرَّضَ لِلإِدْبَارِ إِقْبَالِهَا آخر: ... يُسِيءُ امْرُئٌ مِنَّا فَيُبْغَضُ دَائِمًا ... وَدُنْيَاكَ مَا زَالَتْ تُسِيءُ وَتُومَقُ أَسَرَّ هَوَاهَا الشَّيْخُ وَالْكَهْلُ وَالْفَتَى ... بِجَهْلٍ فَمِنْ كُلِّ النَّوَاظِرِ تُرْمُقُ وَمَا هِيَ أَهْلٌ أَنْ يُؤَهَّلَ مِثْلُهَا ... لِوُدٍّ وَلَكِنَّ ابْنَ آدَمَ أَحْمَقُ

стр. 1260

قال بعضهم العجب ممن يغتر بالدنيا وإنما هي عقوبة ذنب. قال الأصمعي سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول كنت أدور في ضيعت لي فسمعت من يقول: وَإِنَّ امْرأَ دُنْيَاهُ أَكْبَرُ هَمِّهِ ... لِمُسْتَمْسِكَ مِنْهَا بِحَبْلِ غُرُورِ فجعلته نقش خاتمي. وقال علي بن أبى طالب: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت عن الآخر. قيل لزاهد أي خلق الله أصغر قال الدنيا، لأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فقال السائل ومن عظم هذا الجناح كان أصغر منه. وقال بعضهم كان السلف يحرصون على حفظ أوقاتهم، أشد من حرص أهل الدنيا على دنياهم. قال بعضهم: الْوَقْتَ أَنْفَسُ مَا عُنِيتَ بِحِفْظِهِ ... وَأَرَاهُ أَسْهَلُ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ وقال علي بن الحسين السجاد الدنيا سبات والآخرة يقظة. قال آخر: ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم ولا عصي الله كريم. شِعْرًا: ... فَيَا رَبَّ ذَنْبِي قَدْ تَعَاظَمَ جُرْمِهِ ... وَأَنْتَ بِمَا أَشْكُوهُ يَا رَبِّ عَالِمُ وَأَنْتَ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ مُهَيْمِنٌ ... حَلِيمٌ كَرِيمٌ وَاسِعُ الْعَفْوِ رَاحِمُ وقال آخر: اتخذوا الدنيا مرضعًا والآخرة أما ألم تروا إلى الصبي إذا ترعرع وعقل رمى بنفسه على أمه. وقال آخر: أيامك ثلاثة: يومك الذي ولدت فيه، ويوم نزولك قبرك، ويوم خروجك إلى ربك، فيا له من يوم قصير خبئ له يومان طويلان.

стр. 1261

شِعْرًا: ... حَيَاتُكَ رَأْسُ الْمَالِ وَالدِّينُ رِبْحُهُ ... وَأَخْلاقُ أَشْرَافٍ بِهِنَّ تَصَدَّرُ وَمَوْسِمُكَ الأَيَّام فَلْتَكُ حَازِمًا ... وَإِلا فَذُو التَّفْرِيطِ لا شَكَّ يَخْسَرُ وَمَنْ ضَيَّعَ التَّوْحِيدَ ضَاعَتْ حَيَاتُهُ ... وَعَاشَ بِجَهْل غَارِقٍ لَيْسَ يُعْذَرُ اللهم أرحم عربتنا في القبور وآمنا يوم البعث والنشور واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) أعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لطاعته...... أن الناس متفاوتون في طول الأمل تفاوتًا كثيرًا فمنهم من يأمل البقاء إلى زمان الهرم ومنهم من لا ينقطع أمله بحالٍ ومنهم من هو قصير الأمل وكلما قص الأمل جاد العمل لأنه يقدر قرب الموت فيستعد استعداد ميت فروي عن علي ﵁ أنه قال إنما يهلك اثنتان الهوى وطول الأمل فأما الهوى فيصد عن الحق. وإما طول الأمل فينسي الآخرة وروي عنه أيضًا أنه قال من ارتقب الموت سارع إلى الخيرت وصدق ﵀ فلو أن غائبين عنك تعتقد أن أحدهما لمجيئه احتمال قوي في ليلتك أو في يومك والآخر يتأخر بعده بشهر أو شهرين للذي تخشى أن يفاجئك قدومه سريعًا ولاسيما إن كان قد أوصاك بوصية نفذتها قبل أن يصل فيلحقك ملامة أو عقوبة وتهيئ له مع ذلك ما تقدر عليه من تحف وما ترى أنه يناسب ويهواه. شِعْرًا: ... تَأَهَّبْ لِلَّذِي وَلا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ مِيعَادُ الْعِبَادِ يَسُرُّكَ أَنْ تَكُون رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادُ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ (فَصْلٌ) : اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن تقصير الأمل دليل على كمال العقل فسبيل العاقل تقصير آماله في الدنيا والتقرب إلى الله جل وعلا بصالح الأعمال.

стр. 1262

قَصِّرْ الآمَالَ فِي الدُّنْيَا تَفُزْ ... فَدَلِيل الْعَقْلِ تَقْصِيرُ الأَمَلْ ومعنى تقصير الأمل استشعار قرب الموت ولهذا قال بعضهم قصر الأمل سبب للزهد لأن من قصر أمله زهد، ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة والتسويف بالتوبة والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والتساهل بتأخير قضاء الديون والقسوة في القلب. شِعْرًا: ... تُخَبِّرُنِي الآمَالَ أَنِّي مُعَمَّرٌ ... وَأَنَّ الَّذِي أَخْشَاهُ عَنِّي مُؤَخَّرُ فَكَيْفَ وَمَرُ الأَرْبَعِينَ قَضِيَّةَ ... عَليَّ بِحُكْمٍ قَاطِعٍ لا يُغَيَّرُ إِذَا الْمَرْءُ جَازَ الأَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ ... أَسِيرٌ لأَسْبَابِ الْمَنَايَا وَمَعْبِرُ وقيل من قصر أمله قل همه وتنور قلبه، لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة ورضي بالقليل وقال ابن الجوزي: الأمل مذمومٌ إلا للعلماء فلولا ما جعل الله فيهم من الأمل لما ألفوا ولا صنفوا. وفي الأمل سر لطيف جعله الله لولاه لما تهنأ أحد بعيش ولا طابت نفسه أن يشرع بعمل من أعمال الدنيا. قال ﷺ : «إنما الأمل رحمة من الله لأمتي ولولا الأمل ما أرضعت أم ولدها ولا غرس غارسٌ شجرًا» . رواه الخطيب. عن أنس ﵁ والمذموم من الأمل الاسترسال فيه وعدم الاستعداد لأمر الآخرة فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته. وورد في ذم الاسترسال في الأمل حديث أنس رفعه «أربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا» رواه البزار. وروى علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل وإتباع الهوى فإن طول الأمل ينسي الآخرة وإتباع الهوى يصد عن الحق» .

стр. 1263

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالبخل وطول الأمل» ، وقيل أن طول الأمل حجاب على القلب يمنعه من رؤية قرب الموت ومشاهدته ووقر في الأذن يمنع من سماع وجبته ودوي وقعته وبقدر ما يرفع لك من الحجاب ترى وبقدر ما تخفف عن أذنيك من الوقر تستمع. فانظر رحمك الله نظر من رفع الحجاب وفتح له الباب واستمع سماع من أزيل وقره وخوطب سره وبادر قبل أن يبادر بك وينزل عليك وينفذ حكم الله فيك فتطوى صحيفة عملك ويختم على ما في يديك. ويقال لك أجن ما غرست ولأحصد ما زرعت واقرأ كتابك الذي كتبت كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا وبربك ﵎ رقيبا، وعلم أن الأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقبه التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض ويميل إلى الهوى. وذا أمر قد شوهد بالعيان فلا يحتاج إلى بيان، ولا يطالب صاحبه ببرهان، كما أن قصر الأمل يبعث على الجد والاجتهاد في العمل، ويحمل على المبادرة، ويحث على المسابقة قال: سأضرب لك في ذلك مثلاً، مثل ملك من الملوك كتب إلى رجل يقول له: افعل كذا وكذا، وانظر كذا وكذا، وأصلح كذا وكذا، وانتظر رسولي فلانًا فإني سأبعثه إليك ليأتيني بك. وإياك ثم إياك أن يأتيك إلا وقد فرغت من أشغالك وتخلصت من أعمالك، ونظرت في زادك، وأخذت ما تحتاج إليه في سفرك. وإلا أحللت بك عقابي وأنزلت عليك سخطي، وأمرته يأتني بك مغلولة يداك مقيدة بجلاك، مشمتًا بك أعداك، مسحوبًا على وجهك إلى دار خزي وهوان وما أعددته لمن عصاني.

стр. 1264

وإن وجدك قد فرغت من أعمالك وقضيت جميع أشغالك أتى بك مكرمًا مرفعًا مرفهًا إلى دار رضواني وكرامتي وما أعددته لمن امتثل أمري وعمل بطاعتي. واحذر أن يخدعك فلان أو فلانة عن امتثال أمري والاشتغال بعملي وكتب إلى رجل آخر بمثل ذلك الكتاب. فأما الرجل الأول فقال هذا كتاب الملك يأمرني فيه بكذا وكذا، وذكر لي رسوله يأتيني ليحملني إليه وأنا لا أمضي إليه حتى يأتيني رسوله، ولعل رسوله لا يأتيني إلا إلى خمسين سنة فأنا على مهلة. وسأنظر فيما أمرني به، ولم يقع الكتاب منه بذلك الموقع، ولم ينزله من نفسه بتلك المنزلة، وقال: والله لقد أتى كتابه إلى خلق كثير بمثل ما أتاني، ولم يأتهم رسوله إلا بعد السنين الكثيرة، والمدد الطويلة، وأنا واحد منهم. ولعل رسوله يتأخر عني كما تأخر عنهم، وجعل الغالب على ظنه أن الرسول لا يأتيه إلا إلى خمسين سنة كما ظن، أو أكثر أو إلى المدة التي جعل لنفسه بزعمه. ثم أقبل على إشغال نفسه مما لا يحتاج إليه ومما كان غنيًا عنه وترك أوامر الملك والشغل الذي كلفه النظر. فيها والاشتغال به. فكلما دخلت عليه سنة قال: أنا مشغول في هذه السنة وسأنظر في السنة المقبلة والمسافة أمامي طويلة والمهل بعيد. وهكذا كلما دخلت عليه سنة قال: أنا مشغول، وسأنظر في الأخرى أو سأنظر في أمري فبينما هو على ذلك من تسويفه، واغتراره، إذ جاءه رسول الملك فكسر بابه وهتك حجابه وحصل معه في قعر بيته. وقال له: أجب الملك. فقال: والله لقد جاءني كتابه يأمرني فيه بأعمال

стр. 1265

أعملها وأشغال أنظر له فيها، وما قضيت منها شغلاً، ولا عملت فيها حتى الآن شيئًا. فقال الرسول له: ويلك وما الذي أبطأك عنها وما الذي حبسك عن الاشتغال بها والنظر فيها. فقال: لم أكن أظن أنك تأتيني في هذا الوقت. فقال له: ويلك ومن أين كان لك هذا الظن ومن أخبرك به ومن أعلمك بأني لا آتيك إلا في الوقت الذي تظن. قال: ظننت وطمعت وسولت لي نفسي وخدعني الشيطان وغرني. فقال له: ألم يحذرك الملك في كتابه منهما وأمرك ألا تسمع لهما، قال: بلى والله لقد فعل ولقد جاءني هذا في كتابه ولكنني خدعت فانخدعت وفتنت فافتتنت وارتبت في وقت مجيئك فتربصت. فقال له: ويلك غرك الغرور وخدعك المخادع أجب الملك لا أم لك، قال: أنشدك إلا تركتني حتى أنظر فيما أمرني به، أو في بعضه أو فيما تيسر منه حتى لا أقدم عليه في جملة المفرطين وعصابة المقصرين. وهذا مال قد كنت جمعته لنفسي، وأعددته لمؤونة زماني، فاتركني حتى آخذ منه زادًا أتزوده ودابة أركبها، فإن الطريق شاقة، والمفازة صعبة، والعقبة كؤود، والمنزل ليس فيه ماء. قال: أتركك حتى أكون عاصيًا مثلك ثم دفعه دفعةً ألقاه على وجهه ثم جمع يديه إلى عنقه وانطلق به يجره من خلفه خزيان ندمان جوعان عطشان، وهو ينشد بلسان الحال: لا كَحُزْنِي إِذَا لَقِيتُ حَزِينَا ... جَلَّ خَطْبِي فَدَيْتُكم أَنْ يَهُونَا ضَاقَ صَدْرِي عَنْ بَعْضِهِ وَاحْتِمَالِي ... فَاسْلُكُوا بِي حَيْثُ أَلْقَى الْمَنُونَا
следующие страницы →