Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وقال: الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت فطاشت حلومهم وارتعدت فرائضهم وبطلت عن الحركة جوارحهم.
فقال الملك: قولوا له ليأخذ بدلاً مني وعوضًا عني فقال: ما آخذ إلا روحك ولا أتيت إلا لأجلك لأفرق بينك وبين النعم التي جمعتها والأموال التي حوتها وخزنتها.
فتنفس الصعداء وقال لعن الله هذا المال الذي غرني وأبعدني ومنعني من عبادة ربي وكنت أظن أنه ينفعني فاليوم صار حسرتي وبلائي وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي.
فأنطق الله تعالى المال حتى قال لأي سبب تلعني العن نفسك فإن الله تعالى خلقني وإياك من تراب وجعلني في يدك لتتزود بي إلى آخرتك وتتصدق بي على الفقراء وتزكي بي على الضعفاء.
ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر لأكون عونا لك في اليوم الآخر فجمعتني وخزنتني وفي هواك أنفقتني ولم تشكر الله في حقي بل كفرتني فالآن تركتني لأعدائك وأنت بحسرتك وبلائك.
فأي ذنب لي فتسبني وتلعنني ثم إن ملك الموت قبض روحه قبل أكل الطعام فسقط عن سريره صريع الحمام.
وقال يزيد الرقاشي: كان في بني إسرائيل جبار من الجبابرة وكان في بعض الأيام جالسًا على سرير مملكته فرأى رجلاً قد دخل من باب الدار ذا صورة منكرة وهيئة فاشتد خوفه من هجومه وهيئته وقدومه فوثب في وجهه وقال: من أنت أيها الرجل ومن أذن لك في الدخول إلى داري.
فقال أذن لي صاحب الدار وأنا الذي لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى إذن ولا أرهب سياسة السلطان ولا يفزعني جبارٌ ولا لأحدٍ من قبضتي فرار فلما سمع هذا الكلام خر على وجهه ووقعت الرعدة في جسده.
стр. 1332
وقال: أنت ملك الموت قال: نعم قال أقسم عليك بالله إلا أمهلتني يومًا واحدًا لأتوب من ذنبي وأطلب العذر من ربي وأورد الأموال التي أودعتها خزائني إلى أربابها ولا تحمل مشقة عذابها.
فقال: كيف أمهلك وأيام عمرك محسوبة وأوقاتها مكتوبة فقال أمهلني ساعة، فقال إن الساعات في الحساب وقد عبرت وأنت غافل وأنقصت وأنت ذاهل وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك نفس واحدٌ.
فقال من يكون عندي إذا نقلتني إلى لحدي فقال لا يكون عندك سوى عملك فقال ما لي عمل؟ فقال لا جرم يكون مقيلك في النار ومصيرك إلى غضب الجبار.
وقبض روحه فخر عن سريره وعلا الضجيج من أهل مملكته وارتفع ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكائهم عليه أكثر وعويلهم أوفر.
مَا لِنَفْسِي عَنْ مَعَادِي غَفَلَتْ ... أَتَرَاهَا نَسِيتَ مَا فَعَلَتْ
أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي لَهْوِ الْهَوَى ... كُلُّ نَفْسٍ سَتَرَى مَا عَمِلَتْ
أُفٍّ لِلدُّنْيَا فَكَمْ تَخْدَعْنَا ... كَمْ عَزِيزٍ فِي هَوَاهَا خَذَلَتْ
رُبَّ رِيحٍ بِأُنَاسٍ عَصَفَتْ ... ثُمَّ مَا إِنْ لَبَثَتْ أَنْ سَكَنَتْ
أَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ فِي غَفْلَتِهِ ... فِي سُرُورٍ وَمُرَادَاتِ خَلَّتْ
أَصْبَحَتْ آمَالُه قَدْ خَسِرَتْ ... وَدِيَارُ لَهْوِهِ قَدْ خَرِبَتْ
فَغَدَتْ أَمْوَالُهُ قَدْ فُرِّقَتْ ... وَكَانَ دَارَهُ مَا سَكَنَتْ
جُزْ عَلَى الدَّارِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ ... ثُمَّ قُلْ يَا دَارُ مَاذَا فَعَلَتْ
أَوْجهٌ كَانَتْ بُدُورًا طُلِّعَا ... وَشُمُوسًا طَالَمَا قَدْ أَشْرَقَتْ
قَالَتْ الدَّارُ تَفَانُوا فَمَضُوا ... وَكَذا كُلُّ مُقِيمٍ إِنْ ثَبَتْ
عَايَنُوا أَفْعَالَهُمْ فِي تُرْبِهِمْ ... فَاسْأَلِ الأَجْدَاثَ عَمَّا اسْتُودِعَتْ
اللهم أحي قلوبنا أماتها البعد عن بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالأفضال، اللهم أيقظنا من غفلتنا بلطفك
стр. 1333
وإحسانك، وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال بعض العلماء ليس في العالم منذ كان إلى يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم.
بحثث عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له فلم أجد إلا التوجه إلى الله بالعمل للآخرة.
وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم.
وإنما طلب الصيت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها.
وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل.
وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه.
وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب واكتنز من اكتنز وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من تودع.
ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها.
стр. 1334
وقال ﵀ وجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب خالصًا من كل كدرٍ موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة.
ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر.
إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون على ما يطلب وزائد في الغرض الذي إياه يقصد.
ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤآخذًا بذلك فهو غير مؤثر يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر.
وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصلٍ أبدًا وغيره بخلاف ذلك أبدًا.
وقال رحمه الله تعالى: ولو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسليط الجهال.
ومن الهم بمغيب الحقائق عنه ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره.
لزاد حمدًا وشكرًا وذكرًا لله وغبطة بما لديه من العلم ورغبة في المزيد منه.
أجل العلوم ما قربك إلى خالقك جل وعلا وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد القوية ويهلك الأجساد الضعيفة.
وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة وتصفيه من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف.
стр. 1335
العاقل في الدنيا متعب ومن جهة أخرى مستريح.
ووجه ذلك أنه متعبٌ ومتكدرٌ فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يخال بينه من إظهار الحق.
وأما وجه راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
إذا حققت أمر لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل بين زمانين فقط.
وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن.
فمن أضل ممن يبيت باقيًا خالدًا بمدة هي لأقل من كر الطرف.
من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كغارس الأثل والسدر في الأرض التي يجود ويزكوا فيها النخيل والتين والموز والعنب.
نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والسكر والتمر من به مرض السكر ومن به احتراق وحمى.
وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع الصفراء، أو به شقيقة وهو وجع نصف الرأس.
من أراد الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأعمال والأخلاق والآداب كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتدي بمحمد ﷺ وليستعمل أخلاقه وسيره.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
وقال ﵀ منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة وهو أن يعلم حسن الفضائل فيأتيها ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله والثناء الردى فينفر منه.
شِعْرًا: ... لا تَيْأَسَنَّ أَخَا الإِخْلاصِ فِي الْعَمَلِ ... عَلَى خُمُولِكَ أَنْ تَرْقَى عَلَى الْفَلَكَ
بَيْنَا تَرَى الذَّهَبَ الإِبْرِيزِ مُطَّرَّحًا ... فِي الأَرْضِ إِذْ صَارَ إِكْلِيلاً عَلَى الْمَلِكِ
стр. 1336
آخر: ... لا تَحْسَبَنْ حَسَبَ الآبَاءِ مكرمَةً ... لِمَنْ يُقْصِّرُ عَنْ أَعْلا الْمَقَامَاتِ
حُسْنُ الرِّجَالِ بِتَقْوَاهم وَطَاعَتِهِمْ ... للهِ لا بِجَمَالِ الْوَجْهِ وَالذَّاتِ
آخر: ... لا تَحْقِرِ الْمَرْءَ إِنْ رَأَيْتَ بِهِ ... دَمَامَةً أَوْ رَثَاثَةَ الْحُلَلِ
فَالنَّحْلُ لا شَيْءَ مِنْ ضُؤولَتِهِ ... يَشْتَارُ مِنْهُ الْفَتَى جَنَى الْعَسَلِ
آخر: ... دَعِ التَّكَاسُلَ فِي الْخَيْرَاتِ تَطْلُبُهَا ... فَلَيْسَ يَسْعَدُ فِي الْخَيْرَاتِ كَسْلانِ
آخر: ... الْعِلْمُ زَيْنٌ وَتَقْوَى اللهَ حَلْيتُهُ ... فَمَنْ خَلا مِنْهُمَا فَاعْدُدْهُ فِي البَقَرِ
آخر: ... وَمَا أَدْرَاكَ الْمَطْلُوبَ فِي كُلِّ وَجْهَةٍ ... مِنَ النَّاسِ إِلا مَنْ أَجَدَّ وَشَمَّرَا
فعلى هذه المقدمات وجب أن يكون للعلم حصة في كل فضيلة وللجهل حصة في كل رذيلة.
وقال وقد رأيت من غمار العامة من يجري من الاعتدال وحميد الأخلاق إلى مالا يتقدمه فيه حكيم عالم رائض لنفسه ولكنه قليلٌ جدًا.
ورأيت ممن طالع العلوم وعرف عهود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ووصايا الحكماء وهو لا يتقدمه في خبث السيرة.
وفساد العلانية والسيرة شرار الخلق وهذا كثير جدًا فعلمت أنهما مواهب وحرمان من الله تعالى.
وقال من جالس الناس لم يعدم إثمًا وهما يؤلم نفسه وغيظًا ينضج كبده وذلا ينكس همته.
فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم واندمج معهم.
وإنما يندم ويحزن ويتحسر على ذلك في معاده.
فالعز والسرور والأنس والراحة والسلامة في الانفراد عنهم.
ولكن اجعلهم كالنار تدفأ بها ولا تخالطها.
وقال آخر من مضار مجالسة الناس ومخالطتهم الانهماك في الغيبة.
ثانيًا: ضياع الوقت في الآثام.
стр. 1337
ثالثاً: فوات الأعمال النافعة في الآخرة أو الأعمال الدنيوية التي يعود نفعها في الآخرة ولا سبيل إلى السلامة من ذلك إلا بالانفراد عن مجالستهم جملة.
من جنب الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
وقال: لا تحقرن شيئًا من عمل غدٍ بأن تخففه وتعجله اليوم وإن قل فان من قليل الأعمال يجتمع كثيرها.
لا تحقرن من الأمور صغارها ... فالقصر منه تدفق الخلجان
وربما أن الأعمال إذا لم تخفف يعجز أمرها فيبطل الكل.
ولا تحقر شيئًا مما تثقل به ميزانك يوم البعث أن تعجله الآن وإن قل.
فإنه يحط عنك كثيرًا لو اجتمع لقذف بك في النار.
اجتهد في أن تستعين في أمورك بمن يريد منها لنفسه مثل ما تريد منها لنفسك.
أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك.
وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك ولقد انتصر لك من نفسك بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة.
ولو علم الناقص نقصه لكان كاملاً إذا عدله.
من عيب حب الذكر أنه ربما يحبط الأعمال إذا أحب أن يذكر بها لأنه يعمل لغير الله .
وهو يطمس الفضائل لأن صاحبه لا يكاد يفعل الخير حبًا للخير لكن ليذكر به.
من أفضل نعم الله على العبد أن يجيب إليه العدل يوفقه للعمل به ويجيب إليه الحق وإيثاره والعمل به.
ومن قلة توفيق العبد وخذلانه أن يطبع على الجور واستسهاله وعلى الظلم واستخفافه.
ومن كان كذلك فلييئس من أن يصلح نفسه أو يقوم طباعه أبد إلا أن يشأ الله.
стр. 1338
إذا حضرت مجلس علم فلا يكون حضورك إلا حضور مستزيدٍ علمًا وأجرًا لا طالبًا لعثرةٍ أو زلةٍ تشيعها أو غربيةٍ تشيعها.
فإن تتبع العثرات والزلات أفعال الأراذل والسفل الذين لا يفلحون في العلم فإذا حضرتها على طلب الاسترشاد فقد حصلت خيرًا.
إن لم تحضرها على نية صالحة فجلوسك في منزلك أحسن وأروح لبدنك واكرم لخلقك وأسلم لدينك.
فإذا حضرتها فالتزم أحد ثلاثة أوجه أحدها إما أن تسكت فتحصل على أجر النية بالمشاهدة وعلى الثناء عليك بقلة فضول الكلام وعلى كرم المجالسة ومودة من تجالس.
وإذا سألت فاسأل سؤال المتعلم عما لا تدري فإن السؤال عما تدري سخف وقلة عقل ولا تخلو من العجب.
وفيه شغل عما هو أولى وفيه قطع لزمانك بما لا فائدة لا لك ولا لغيرك وربما ترتب عليه مفسدةٌ أو مفاسد.
وإذا أردت أن ترجع فراجع مراجعة العالم.
وصفة ذلك أن تعارض جوابه بما ينقضه نقضًا بينًا فإن لم يكن عندك إلا تكرار قولك أو لمعارضة بما لا يراه خصمك معارضة فأمسك.
لأنك لا تحصل بتكرار ذلك على أجرٍ زائدٍ ولا على تعليم بل ربما حصلت على ما يسؤك من الغيظ والعداوة.
واحذر سؤال التعنت ومراجعة المكابر الذي يطلب الغلبة بغير علم فهما خلقًا سوء دليلان على قلة الدين وضعف العقل وقوة السخف وكثرة الفضول. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
صلاح القلب بتقوى الله وطاعته والتوكل عليه وتوحيده وإخلاص العمل لوجهه الكريم.
стр. 1339
وفساد القلب بعدم التقوى والتوكل والطاعة والتوحيد والإخلاص.
ومما يورث فساد القلب وانتكاسه وفساد الأخلاق مجالسة أموات القلوب وأهل الآراء الفاسدة وأهل البدع كالأشاعرة والمعتزلة والرافضة والفسقة كأهل الملاهي والمنكرات.
عليك بمجالسة أهل الدين والصلاح فإنهم هم الناس لأن أعقل خلق الله من امتثل أمره واجتنب نهيه.
وأجهل خلق الله من عصى الله.
العلماء العاملون المخلصون هم السالكون طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
الذين لا يطلبون من الناس أجرًا على أعمالهم بل يريدون وجهه قال الله جل وعلا لنبيه ﷺ ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ وقال جل وعلا ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ .
قلوب صافية طاهرة معرضة عن الخلق مقبلة على الخالق ذاكرة له ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة.
الجلوس مع الذين يطيعون الله نعمة من الله على عبده والجلوس مع المنافقين والمكذبين نقمة على العبد نعوذ بالله من مجالسة أهل الضلال والبدع والأخلاق المنحرفة وأهل الملاهي والمنكرات.
فالواجب هجرانهم والابتعاد عنهم والتحذير عنهم.
واهجر أيضًا أقران السوء واقطع المودة والصلة بينك وبينهم وواصلها بينك وبين الصالحين.
قال بعضهم لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة فلقي فيها آدم ما لقي ولا تغتر بكثرة العباد فإن إبليس لعنه الله بعد طول تعبده لقي ما لقي.
стр. 1340
ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن الاسم الأعظم فانظر ماذا لقي.
ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر من المصطفى ﷺ ولم ينتفع بلقائه أعداؤه وبعض أقاربه.
وقال: إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب.
ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
آخر: ... أَلا بلغن عَنِّي لِحَيٍّ رِسَالَةً ... تَعِيهَا رِجَالٌ أَوْ نِسَاء صَوَالِحُ
لِعَالِمِهِمْ أَوْ طَالِبِ الْعِلْمِ رَائِمٍ ... لإِظْهَارِ دِينِ اللهِ فِيهِ يُنَاصِحُ
أَقُولُ لَهُ قُمْ وَادْعُ لِلدِّينِ دَعْوَةً ... تُجِبْهَا عَوَامٌ أَوْ خَوَاصٌ جَحَاجِحُ
وَلا تَخْشَ تَكْذِيبًا وَإِنْكَارَ جَاحِدٍ ... وَهُزْءِ جَهُولٍ ضَلَّ وَالْحَقُّ صَابِحُ
وَغِيبَةً هَمَّازٍ وَضَغْنِ مُشَاحِن ... يُسَاعِدُهُ مَن لِلْعَوَائِدِ رَاكِحُ
وَلَيْسَ لِمَا تَبْنِي يَدُ اللهِ هَادِمٌ ... وَلَيْسَ لأَمْرِ اللهِ إِنْ جَاءَ ضَارِحُ
وَبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّ الْعَوَائِدَ بَهْرَجَتْ ... وَسُنَّتُنَا لاحَتْ عَلَيْهَا لَوَائِحُ
وَلَهْوُ الشَّبَابِ الْيَوْمَ قَدْ بَارَ سُوقُهُ ... وَقَامَتْ عَلَى سُوقِ الصَّلاحٍ الْمَدَائِحُ
وَأَهْلُ الدُّنَا الْيَوْمَ انْزَوَى ظَلَّ جَاهِهِ ... وَسُنَّتُنَا قَدْ ظَلَلَتْهَا الدَّوَائِحُ
وَمُنْكِرُ هَذَا الدِّينِ قَدْ خَفَّ وَزْنُهُ ... وَمَظْهَرُهُ مِيزَانُهُ الْيَوْمَ رَاجِحُ
وَنَاصُرُهُ قَدْ صَارَ فِي النَّاسِ عَالِيًا ... وَمُنْكِرُهُ لِلْخَاصِ وَالْعَامِ دَانِحُ
وَإِنَّ إِلَهَ الْعَرْشِ قَدْ مَنَّ مِنَّةً ... عَلَيْنَا وَمَنْ يَشْكُرْ فَذَلِكَ رَابِحُ
стр. 1341
وَمَنْ كَفَرَ الأَنْعَامَ وَاتَّبَعَ الْهَوَى ... فَفِي بِدْئِهِ بَلْهَ الْقِيَامَةِ طَائِحُ
وَذَاكَ بِأَنْ قَدْ بين الدِّين فِي امْرِئ ... لَنَا نَسُبًا نَعْلُو بِهِ وَنُطَامِحُ
فَإِنْ نَحْنُ آوَيْنَاهُ نَنْصُرُ قَوْلَهُ ... نَفُزْ وَنَحْزُ نَعْمَاهُ وَالْكُلُّ فََالِحُ
وَأَنْ قَدْ أَضَعْنَاهُ أَفَادَ بِغَيْرِنَا ... مَصَائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ مَصَالِحُ
وَلَوْ نَفَعَتْ قرُبَى فَقَطْ فِيهِ مَا رَدَى ... أَبُو طَالِبٍ عَمُّ النَّبِي وَتَارِحُ
وَمَا ضَرَّ شَمْسًا أَنْ نَفَى الْعَيْنَ ضَوءَهَا ... وَمَا ضَرَّ حَوْضًا أَنْ أَبتهُ الْقَوَامِحُ
أَطَايِبُ أَرْضٍ تُخْرِجُ النَّبْتَ رَئِعًا ... بِإِذْنِ الإِلِهِ إِنْ أَفَاضَتْ دَوَائِحُ
وَلَوْ هَمَعْتْ دِيمًا لَمَا أَنْبَتَتْ وَلَوْ ... بَسَابِسَ نَبْتٍ في الأرْاضِي المَوَالِحُ
فَلا يَمْنَعُ الإِرْشَادَ عُدْمُ قُبُولِهِمْ ... فَمَدْخَلُهُمْ مَوْلاهُمْ أَنْتَ فَاتِحُ
فَإِنَّكَ إِنْ بَلَّغْتَهمُ ضَاعَ عُذْرُهُمْ ... فَسَاقِيهِمُ الْمَولَى فَإِنَّكَ جَادِحُ
مُطِيعُ لِمَا قَدْ قَالَهُ سَيِّدُ الْوَرَى ... بِهِ بَلِّغُوا عَنِّي أَتَتْهُ صَحَائِحُ
وَأَمْرُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌّ لِمُنْكَرٍ ... عَلَى شَرْطِه لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ قَارِحُ
وَفَهمهُمُوا مَا يَلْزِمُ الْمَرْءَ عَقْدُهُ ... مِن الدِّينِ مِمَّا سَهَّلَتْهُ الْقَرَائِحُ
وَغُسْلاً وَضُوءًا أَوْ صَلاةً زَكَاتُهُمْ ... وَصَوْمًا وَبَيْعًا ثُمَّ كَيْفَ يُنَاكِحُ
وَوَاجِبُهَا مَسْنُونُهَا مُسْتَحَبّهَا ... وَمَنْهِيُّهَا فَالْكُلُّ فِي الْكُتْبِ وَاضِحُ
وَكَيْفَ تُرَاعَى نِيَّةٌ فِي جَمِيعِهَا ... لِيَرْعَاهُ ذُو فَهْمٍ يُطِيعُكَ لائِحُ
وَكَيْفَ التَّخَلِّي عَنْ صِفَاتٍ ذَمِيمَةٍ ... وَكَيْفَ التَّحَلِّي بِالْحَمِيدَةِ نَاصِحُ
بِنَفْسِكَ فَابْدَأْ حَائِدًا عَنْ هَوَى الْهَوَى ... لَدَى سَوْمِهَا تَرْعَى وَإِنَّكَ كَابِحُ
أَضَرَّ عَدُوٍّ مَنْ بِدَارِكَ سَاكِنٌ ... مُطِيعٌ لِشَيْطَانِ وَلِلدِّينِ قَابِحُ
سَلامَةُ عَيْبِ النَّفْسِ عَزَّتُ لِمَالِهَا ... يَكُونُ خِلالُ الْمُنْكَرَاتِ الْمَسَارِحُ
فَلا تَسْتَطِيعُ التَّرْكَ عَنْ شَهَوَاتِهَا ... وَلَمْ تَحْتَمِلْ ذُلاً كَذَاكَ السَّبَادِحُ
стр. 1342
.. لِجَاؤُكَ بِالْمَوْلَى وَتَقْلِيلَ مَطْعَمٍ ... دَوَاءٌ لأَدْوَاءِ النُّفُوسِ مَطَحْطِحُ
وَبِالأَصْغَرَيْنِ احْفَظْ وَبِالأَجْوَفَيْنِ والْ ... جَوَاسِيسَ صُنْ دَوْمًا تُطِعْكَ الْجَوَارِحُ
تِبَاعٌ لِقُرْآنِ النَّبِيِّ وَصَحْبِهِ ... وَتَابِعِهِمْ تِرْيَاقُ مَنْ هُوَ صَالِحُ
عَلَيْهِ صَلاةُ اللهِ ثُمَّ عَلَيْهِمْ ... كَذَاكَ سَلامٌ بِالرَّيَاحِينِ فَائِحُ
اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة لأيقظنا من نوم الغفلة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة ووفقنًا لمصالحنًا واعصمنًا من قبائحنًا وذنوبنًا ولا تؤاخذنًا بما انطوت عليه ضمائرونًا واكنته سرائرونًا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
كتب أبو حامد الغزالي إلى أبي الفتح بن سلامة فقال: قرع سمعي بأنك تلتمس مني كلامًا وجيزًا في معرض النصح والوعظ وإني لست أرى نفسي أهلاً له.
فإن الوعظ زكاة نصابه الاتعاض فمن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة وفاقد النور كيف يستنير به غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج.
وقد أوصى الله جل وعلا عيسى بن مريم ﵉ يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني.
وقال نبينا ﷺ تركت فيكم ناطقًا وصامتًا فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت وفيهما كفاية لكل متعظ فمن لم يتعظ بهما كيف يعظ غيره.
стр. 1343
ولقد وعظت بهما وقبلت وصدقت قولاً وعلمًا وأبت وتمت تحقيقًا وفعلاً.
فقلت لنفسي أما أنت مصدقة بأن القرآن هو الواعظ وأنه كلام الله المنزل الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فقالت بلى فقلت لها قد قال الله تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
فقد وعد الله جل وعلا بالنار على إرادة الدنيا وكل ما لا يصحب بعد الموت فهو من الدنيا فهل تنزهت عن حب الدنيا وإرادتها.
ولو أن طبيبًا نصرانيًا وعدك بالموت أو بالمرض على تناول ألذ الشهوات لتحاميتها وأنفت منها وجنبتها أفكان النصراني عندك أصدق من الله جل وعلا.
فإن كان كذلك فما أكفرك أم كان المرض أشد عليك من النار فإن كان كذلك فما أجهلك فصدقت ثم ما انتهت بل أصرت على الميل إلى العاجلة واستمرت.
ثم أقبلت عليها فوعظتها بالواعظ فقلت لها قد قال الله جل وعلا ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وقلت لها هبي أنك ملت إلى العاجلة أفلست مصدقة بأن الموت لا محالة يأتيك قاطعًا عليك ما أنت متمسكة به وسالبًا منك كل ما أنت راغبة فيه.
وأن كل ما هو آت قريب وقد قال ﷻ ﴿فَرَأَيْتَ إِن
стр. 1344
مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
وقال مخبرًا عن نفسه عندما وعظها ولم تجتهد في التزود للآخرة كاجتهادها في تدبير العاجلة ولم تجتهد في رضا الله كاجتهادها في طلب رضاها وطلب رضا الحق.
ولم تستحي من الله تعالى كما تستحي من واحد من الخلق ولم تشمر للاستعداد للآخرة كتشميرها في الصيف لأجل الشتاء وفي الشتاء لأجل الصيف فإنها لا تطمئن في أوائل الشتاء ما لم تتفرغ عن جميع ما تحتاج إليه فيه مع أن الموت ربما يخيطفها والشتاء لا يدركها.
فقلت لها ألست تستعدين للصيف بقدر طوله وتصنعين له آلة الصيف بقدر صبرك على الحر قالت نعم.
ثم استمرت على سجيتها ولما رأيتها متمادية في الطغيان غير منتفعة بموعظة الموت والقرآن رأيت أهم الأمور التفتيش عن سبب تماديها مع اعترافها وتصديقها فإن ذلك من العجائب العظيمة.
فطال تفتيشي عنه حتى وقفت على سببه وها أنا ذا موص نفسي وإياك بالحذر منه فهو الداء العظيم وهو سبب الداعي إلى الغرور والإهمال.
وهو اعتقاد تراخي الموت واستبعاد هجومه على القرب فإنه لو أخبر صادق في بياض نهاره أنه يموت في ليلته أو يموت بعد أسبوعٍ أو شهرٍ لاستقام واستوى على الصراط المستقيم.
فانكشف لي تحقيقًا أن من أصبح وهو يؤمل أنه يمسي أو أمسى وهو يؤمل أن يصبح لم يخل من الفتور والتسويف.
فأوصيك ونفسي بما أوصى به رسول الله ﷺ حيث قال: «صل صلاة
стр. 1345
مودعٍ» . ولقد أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب ولا ينتفع بوعظ إلا به.
ومن غلب على ظنه في كل صلاة أنها آخر صلاة حضر معه خوفه من الله تعالى وخشيته منه.
بخلاف من لم يخطر بخاطره قصر عمره وقرب أجله وغفل قلبه عن صلاته وسئمت نفسه فلا يزال في غفلة دائمة وفتورٍ مستمر وتسويفٍ متتابعٍ إلى أن يدركه الموت ويهلكه حسرة الفوت.
فعلى الإنسان العاقل أن يحذر مواقع الغرور ويحترز من خداع النفس فإن خداعها لا يقف عليه إلا الأكياس وقليل ما هم.
والوصايا وإن كانت كثيرة والمذكورات وإن كانت كبيرة فوصية الله أكملها وأنفعها واجمعها وقد قال الله جل وعلا وتقدس ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ فما أسعد من قبل وصية الله وعمل بها وادخرها ليجدها يوم مردها ومنقلبها.
? اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لما وفقت له الصالحين من خلقك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
روى عن الحسن أنه قيل له إن فلانًا مات بغتًة قال: ما يعجبكم من ذلك لو لم يمت بغتة مرض ثم مات.
وقال غيره عليك باجتناب طول الأمل فإنه إذا طال هاج أربعة أشياء.
الأول ترك الطاعة والكسل فيها يقول سوف أفعل والأيام بين يدي.
стр. 1346
والثاني ترك التوبة وتسويفها يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة وأنا شاب والتوبة بين يدي وأنا قادرٌ عليها متى أردتها وربما اغتاله الموت وهو مصرٌ واختطفه الأجل قبل التوبة وإصلاح العمل.
والثالث الحرص على جمع المال والاشتغال بالدنيا عن الآخرة يقول أخاف الفقر في الكبر وربما ضعفت عن الاكتساب ولا بد لي من شيءٍ فاضل أدخره لمرضٍ أو هرمٍ أو فقرٍ هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها.
والرابع القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر في الغالب.
وعن علي ﵁ قال: أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل وإتباع الهوى لأن طول الأمل ينسي الآخرة وإتباع الهوى يصدك عن الحق.
فإذا يصير فكرك في حديث الدنيا وأسباب العيش في صحبة الخلق فيقسو القلب.
ويغلب عليه الحرص. كما قيل:
وَالْمَرْءُ يُدْرِكُ أَنَّ الْمَرْءَ مُخْتَلَسٌ ... مِنَ الْحَيَاة وَلَكِنْ يَغْلِبُ الطَّمَعُ
وبسبب طول الأمل تقل الطاعة وتتأخر التوبة وتكثر المعصية ويشتد الحرص وتعظم الغفلة فتذهب الآخرة إن لم يرحم الله.
فأي حال أسوء من هذه وأي آفة أعظم من هذه وإنما رقة القلب وصفوته بذكر الموت ومفاجأته والقبر وظلمته والثواب والعقاب وأحوال الآخرة.
وقال ﵀: اعلم أن تقصير الأمل مع حب الدنيا متعذر وانتظار الموت مع الاكباب عليها غير متيسر.
стр. 1347
فالإناء إذا كان مملوءًا بشيءٍ لا يكونٌ لشيء آخر محلٌ فيه ولأن الدنيا والآخرة كضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.
وكالمشرق والمغرب بقدر ما تقرب من أحداهما تبعد عن الآخر قال الله جل وعلا وتقدس ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾ .
شِعْرًا: ... رَجِوْتَ خُلُودًا بَعْدَ مَاتَ آدَمٌ ... وَنُوحٌ وَمَنْ بَعْدِ النَّبِيِّينَ مِنْ قَرَنِ
وَسَوَّفَتْ بِالأَعْمَالِ حَتَّى تَصَرَّمَتْ ... سُنُوكَ فَلا مَالٌ وَلا وَلَدٌ يُغْنِي
فَشَمِّرْ لِدَارِ الْخُلْدِ فَازَ مُشَمِّرٌ ... إِلَيْهَا وَنَالَ الأَمْنَ فِي مَنْزِلِ الأَمْنِ
لَقَدْ شَغَلَتْنَا أُمُّ دفْرٍ بِزُخْرُفٍ ... شُغِلْنَا بِهِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ ذِي الْمِنِّ
عَجِبْتُ لِدُنْيًا لا تَسُرُّ وَإِنَّمَا ... تَشُوبُ عَلَى تِلْكَ الْمَسَرَّةِ بِالْحُزْنِ
قال ابن الجوزي: عجبت من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرابة وجيرانه كيف يطيب عيشه خصوصًا إذا علت سنة.
وأعجبًا لمن يرى الأفاعي تدب إليه وهو لا ينزعج أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه ثم في كل يوم يزيد الناقص.
ففي نظر العاقل على نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق الإخوان وإن كان ذلك مزعجًا.
ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران.
قلت: ومثله من في بيته لص يلهيه عن اللصوص التي في بيوت الجيران.
وإنه لِمَمَّا يسلي عن الدنيا ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تكره فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون وفقراء كانوا يصبرون ومحاسبين لأنفسهم يتورعون.
فاستبدل السفهاء عن العقلاء والبخلاء عن الكراماء فيا سهولة الرحيل لعل النفس تلقى من فقدت فتلحق بمن أحبت.
شِعْرًا: ... وَلا تَغُرنكَ أَثْوَابٌ لَهُمْ حَسُنَتْ ... فَلَيْسَ مِنْ تَحْتِهَا فِي حُسْنِهَا حَمَدَا
فَالْقِرْدُ قِرْدٌ وَلَوْ حَلَّيْتَهُ ذَهَبًا ... وَالْكَلْبُ كَلْبٌ وَلَوْ سَمَّيْتَهُ أَسَدَا
стр. 1348
شِعْرًا: ... فَإِنْ تَكُنْ عَبِثَتْ أَيْدِي النُّذُولِ بِنَا ... وَنَالَنَا مِنْ تَمَادِي بِأْسِهِمْ ضَرَرُ
فَكَمْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ خَضْرَاءِ مُورقَةٌ ... وَلَيْسَ يُرْجَمُ إِلا مَالَهُ ثَمَرُ
آخر: ... عَرِفْتُ أُمُورَ الْوَقْتِ أَمَّا شُرُورُهُ ... فَنَقْدٌ وَأَمَّا خَيْرُهُ فَوُعُودُ
إِذَا كَانَتْ الدُّنْيَا كَذَاكَ فَخَلِّهَا ... وَلَوْ أَنَّ كُلَّ الطَّالِعَاتِ سُعُودُ
آخر: ... تَغَيَّرَ إِخْوَانُ هَذَا الزَّمَانِ ... وَكُلُّ صَدِيق عَرَاهُ خَلَلْ
قَضَيْتُ التَّعَجُّبَ مِنْ بَابِهِمْ ... فَصِرْتُ مُنْتَظِرً لِبَابِ الْبَدَلْ
آخر: ... مََضى الْجُودُ وَالإِحْسَانُ وَاجْتُثَّ أَصْلُهُ
وَأُخْمِدْنَ نِيرَانُ الْوَغَى وَالْمَكَارِمِ
وَصِرْتُ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ النَّاسِ آخَرٍ
يَرَوْنَ الْعُلا وَالْمَجْدَ جَمْعَ الدَّرَاهِمِ
كَأَنَّهُمُوا كَانُوا جَمِيعًا تَعَاقَدُوا
عَلَى الْبُخْلِ وَالإِمْسَاكِ فِي صُلْبِ آدَمِ
اللهم أيقظ قلوبنا ونورها بنور الإيمان وثبت محبتك في قلوبنا وقوها وارزقنا المعرفة بك عن بصيرة وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا لطاعتك وامتثال أمرك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
في ذِكْرِ المَوْتِ وَالاسْتِعْدَادِ لَهُ
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن مما يتأكد الاستعداد له واستشعار
قربه الموت فإنه أقرب غائب ينتظر وما يدري الإنسان لعله لم يبق من أجله إلا اليسير وهو مقبل على دنياه ومعرض عن آخرته.
ولو لمن يكن بين يديه كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت لكان جديرًا بأن يتنكد ويتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته.
стр. 1349
إِنَّ فِي الْمَوْتِ وَالْمَعَادِ لَشُغْلا ... وَادِّكَارًا لِذِي النُّهَى وَبَلاغَا
فَاغْتَنِمْ خَصْلَتَيْنِ قَبْلَ الْمَنَايَا ... صِحَّةَ الْجِسْمِ يَا أَخِي وَالْفَرَاغَا
وحقيق بأن يطول فيه فكره ويعظم له استعداده وهو محتمل أن يقع على الإنسان بغتة كما قيل سهم بيد سواك لا تدري متى يغشاك.
قال لقمان لابنه يا بني أمر لا تدرى متى يلقاك استعد له قبل أن يفجاك.
تُؤَمِّل فِي الدُّنْيَا طَوِيلاً وَلا تَدْرِي ... إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الْفَجْرِ
فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ... وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ عَاشَ دَهْرًا إِلَى دَهْرِ
وقال الآخر:
قَصَّر الآمَالَ فِي الدُّنْيَا تَفُزْ ... فَدَلِيلُ الْعَقْلِ تَقْصِيرُ الأَمَلِ
إِنَّ مَنْ يَطْلُبُهُ الْمَوْتُ عَلَى ... غِرَّةٍ مِنْهُ جَدِيرٌ بِالْوَجَلْ
والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات وأطيب المجالس التي تلذ له ويأنس بها مع الأولاد وأصدقائه وأقربائه وأخبر أن جنديًا أتى ليحضره ويدعوه إلى أمر الأمور لتنكد وتكدرت عليه لذته وفسد عليه عيشه.
وهو في كل لحظة بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه في سهو وغفلة وما لذلك سبب إلا الجهل والغرور واشتغال القلب بالدنيا.
وقيل في الاستعداد للموت هو أن يتوب الإنسان توبة طاهرة عن الذنوب والخطايا بأن لو قيل له إنك تموت الساعة ما وجد عنده ذنبا يحتاج إلى توبةٍ منه فيسأل النظرة من أجله.
فإن كان يجد ذنبًا يحتاج إلى توبةٍ منه فيسأل النظرة من أجله. كسرقةٍ وغصب مالٍ أو أرض أو غيبة أو معاملة لا تجوز أو يأكل من حرام أو مشتبه.
أو مصرًا على زكاة أو على بعضها أو كاتمًا لأمانة أو لا يشهد الجمعة
стр. 1350
والجماعة أو عنده من آلات اللهو شيء في بيته أو دكانه كتلفزيون أو سينما أو مذياع أو فيديو.
أو يبيع ويشتري بها أو له أسهم فيما يستمد منه أهل المعاصي تنويرًا أو لتصليح آلات اللهو أو نحو ذلك أو مصرًا على التشبه بالكفرة كحلق لحية أو جعل خنافس أو مصرًّا على شرب خمر أو دخان أو يصور أو يبيع ويشتري بها أو مجالس للفسقة أو الكفرة أو ساكنًا معهم أو في بلادهم أو عنده كفار كخدامين وسواقين ومربين وخياطين.
فإنه لم يستعد للقاء الله لأنه لا يستشار ولا يؤخذ رأيه في إخراج روحه والموت يأتيه فجأةً فإن جاءه الموت وذلك الذنب عنده لم يأمن من أن يغضب الله عليه.
وكيف يكون مستعدًا للقاء الله من هو مقيم على ما يغضب الله من المعاصي ولا يأمن أن يأتيه الموت أغفل ما كان والموت آتيه لا محالة صدق الله: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ .
شِعْرًا: ... يَا مَنْ تَمَتَّعَ فِي الدُّنْيَا وَلَذَّتَهَا ... وَلا تَنَامُ عَنِ اللَّذَاتِ عَيْنَاهُ
شَغَلْتَ نَفْسَكَ فِيمَا لَيْسَ تَدْرِكُهُ ... تَقُولُ للهِ مَاذَا حِينَ تَلْقَاهُ
آخر: ... النَّاسُ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ لا بَقَاءَ لَهُمْ ... لَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا مِقْدَارَ مَا عَلِمُوا
وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقال جل وعلا: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ إلا أنه ليس للموت وقت معلوم عند الناس فيخاف في ذلك الوقت ويؤمن منه في سائر الأوقات.
شِعْرًا: ... تَغَنَّمْ مِنَ الدُّنْيَا بِسَاعَتِكَ الَّتِي ... ظَفِرْتَ بِهَا مَا لَمْ تَعُقْكَ الْعَوَائِقُ
فَلا يَوْمُكَ الْمَاضِي عَلَيْكَ بِرَاجِعٍ ... وَلا يَوْمُكَ الآتِي بِهِ أَنْتَ وَاثِقُ
стр. 1351
شِعْرًا:
مَنْ كَانَ لا يَطَأ التُّرَابَ بِنَعْلِهِ ... وَطِيءَ التُّرَابُ بِصَفْحَةِ الْخَدِّ
مَنْ كَانَ بَيْنَكَ فِي التُّرَابِ وَبَيْنَهُ ... شِبْرَانِ فَهُوَ بِغَايَةِ الْبُعْدِ
لَوْ كُشِفَتْ لِلنَّاسِ أَغْطِيَةُ الثَّرَى ... لَمْ يُعْرَفِ الْمَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ
فليس يأتي في الشتاء دون الصيف فيخاف من الشتاء ويؤمن في الصيف ولا بالعكس ولا في النهار فيؤمن بالليل ولا بالعكس.
وليس وقت من العمر معلوم عند الناس فيأخذ أبناء الخمسين فيأمنه من دون ذلك وليس له علة دون علة كالحمى والسل فيأمنه من لم يصبه ذلك.
فحق على العالم بأمر الله وأنه الذي انفرد بعلم ذلك الوقت أن لا يأمنه في وقت من الأوقات وأن يكون مستعدًا له أتم الاستعداد.
فمن ذكر الموت بفراغ قلب من كل شيء مع ذكره عظيم ما يأتي البشر من العذاب أو بالرحمة مع الاعتبار بالذين مضوا قبله ممن فوقه ودونه وأشكاله وأمثاله من أقارب وأصدقاء وزملاء وأقران وجيران ومشايخ وملوك وأساتذة وإخوان.
ومن فوائد ذكر الموت أنه يورث الاستشعار بالانزعاج عن هذه الدار الفانية المملوءة بالأكدار والأنكاد والهموم والغموم.
ويحثك ذكر الموت عن حالتي ضيق وسعة ونعمة ومحنة.
فإن كان في حال ضيقه ومحنة فذكر الموت سهل عليه بعض ما هو فيه إذ لا مصيبة إلا الموت أعظم منها وهو ذائقة ولا بد.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وإن كان في حال سعة ونعمة.
شِعْرًا: ... عَجَبًا لِمَنْ يُبْقِي ذَخَائِرَ مَالِهِ ... وَيَظَلُّ يَحْفَظُهُنَّ وَهُوَ مُضَيّعُ
وَلِغَافِلٍ وَيَرَى بِكُلِ ثَنِيَّةٍ ... مُلْقَى لَهُ بَطْنُ الصَّفَائِحِ مُضَيّعُ
أَتَرَاهُ يَحْسَبُ أَنَّهُمْ مَا أَسَأَرُوا ... وَمِنْ كَأْسِهِ أَضْعَافْ مَا يَتَجَرَّعُ
стр. 1352
فذكر الموت يمنعه من الاغترار بالدنيا والركون إليها لتحقق عدم دوامها وتحقق ذهابها عنه وانصرامها.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ .
شِعْرًا: ... أيَا صَاحِ كنْ في شأنْ دُنْيَاكَ هَذِهِ ... غَرِيبًا كَئِيبًا عَابِرًا لِسَبِْيلِ
وعُدَّ مِن أهْلِ القَبْرِ نَفْسَكَ إِنَّمَا ... بَقَاؤُكَ فِيهَا مِنْ أَقَلِّ قَلِيْلِ
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهل بيته: أما بعد فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك ونهارك بغَّض إليك كل فان.
وقال بعض العلماء: الأيام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك بلياليه وأيامه حتى يستغرق ويستكمل جميع أجزائك فكيف تبقى سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك ولكن تدبير الله فوق كل تدبير.
قال بعضهم يرثي أخًا له:
يَا صَاحِبِيْ إِنَّ دَمْعِيْ اليَوْمَ مُنْهَمِلٌ ... عَلى الخُدُوْدِ حَكَاهُ العَارِضُ الهَطِلُ
وَفِي الْفُؤادِ وَفِي الأَحْشَاءِ نَارُ أَسىً ... إِذَا أَلَمَّ بِهَا التِّذْكَار تَشْتَعِلُ
عَلى الأَحِبَّةِ والإِخْوَانِ إِذْ رَحَلُوْا ... إِلَى المقَابِرِ والألْحَادِ وانْتَقَلُوْا
كُنَّا وَكَانُوْا وَكَانَ الشَّمْلُ مُجْتَمِعًا ... وَالدَّارُ آهِلَةٌ َوَالحَبْلُ مُتَّصِلُ
حَدَا بِهِمْ هَادِمُ اللَّذَّاتِ في عَجَلٍ ... فَلَمْ يُقِْيمُوا وَعَنْ أَحْبَابِهِمْ شُغِلُوا
وَلَمْ يَعُوْجُوا عَل أَهْلٍ وَلاَ وَلَدٍ ... كَأَنَّهمْ لَمْ يَكُوْنُوا بَيْنَهَمْ نَزَلُوْا
إِنِّي لأَعْجَبُ لِلدُّنْيَا وَطَالِبهَا ... وَلِلْحَرِيْصِ عَلَيْهَا عَقْلُهُ هَبَلُ
وَغَافِلِ لَيْسَ بالْمَغْفُولِ عَنْهُ وَإِنْ ... طَالَ المَدَى غَرَّهُ الإمْهَالُ وَالأَمَلُ
نَاسٍ لِرِحْلَتِهِ ناَسٍ لِنُقْلَتِهِ ... إِلَى القُبُور التيْ تَعْيَا بِهَا الحِيَلُ
стр. 1353
فِيْهَا السؤال وَكَمْ هَوْلٍ وَكَمْ فِتَنٍ ... لِلْمُجْرِمِينَ اَلأُلَى عَنْ رَبِّهِمْ غَفَلُوا
وَفِي القُبُوْرِ نَعِيْمٌ لِلتَّقيّ كَمَا ... فِيْهَا العَذَابُ لِمَنْ في دِينِهِ دَخَلُ
قُلْ لِلْحَزِيْنِ الذِيْ يَبْكِي أَحِبَّتَهُ ... ابْكِ لِنَفْسِكَ إِنَّ الأَمْرَ مُقْتَبِلُ
فَسَوْفَ تَشْرَبُ بالكَأْسِ الذِي شَرِبُوا ... بِهَا إِنْ يَكُنْ نَهلٌ مِنْهَا وَإِنْ عَلَلُ
فَاغْنَمْ بَقِيَّةَ عُمْرٍ مَرَّ أَكْثَرُهُ ... فِي غَيْرِ شَيءٍ فَمَهْلاً أَيُّهَا الرَّجُلُ
اللهم إنا نسألك نفسًا مطمئنة، تؤمن بلقائك وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك، يا أرأف الرائفين، وأرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك التوفيق لما تحبه من الأعمال، ونسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا من عبادك المخبتين، الغر المحجلين الوفد المتقبلين.
اللهم إنا نسألك حياة طيبة، ونفسًا تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية، ومردًا غير مخزي ولا فاضح.
اللهم اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فصل: ثم اعلم ألهمنا الله وإياك الرضا بقضائه وقدره ورزقنا وإياك وجميع المسلمين الاستعداد لما أمامنا أنه ما من مخلوقٍ مهما امتد أجله وطال عمره إلا والموت نازل به وخاضع لسلطانه.
ولو جعل الله الخلود لأحد من الخلق لكان الأولى بذلك الأنبياء والرسل المطهرين المقربين.
وكان أولاهم بذلك صفوة أصفيائه وخيرته من خلقه سيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
стр. 1354
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ .
فالموت حتم لا محيص ولا مفر منه يصل إلينا في أي مكان كنا قال الله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ .
ولو نجا أحد من الموت لبسطة في جسمه أو قوة في بدنه أو وفرةٍ في ماله أو سعةٍ في سلطانه وملكه لنجا من الموت كثير من الناس.
وإلا فأين عاد وثمود وفرعون ذو الأوتاد أين الأكاسرة وأين القياصرة والصناديد الأبطال ذهبوا في خبر كان.
شِعْرًا: ... سَلِ المَدائِن عَمَّنْ كَانَ يَمْلِكُهَا ... هَلْ أَنَسِتْ مِنْهُمْ مِن بَعْدِهمْ خَبَرا
فَلَوْ أَجَابَتْكَ قَالَتْ وهيَ عَالمةٌ ... بِسِيْرَة الذاهِبِ الماضِي ومَنْ غَبَرَا
أَرَتْهُمْ العِبَرَ الدُنِْيَا فما اعْتَبَرُوا ... فصَيَّرتْهُمْ لِقَوْمٍ بَعْدَهُمْ عِبَرَا
آخر: ... نَبْكِي عَلى الدُّنْيَا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَتَفَرَّقُوْا
أَيْنَ الأَكَاسِرَةُ الجَبَابِرَةُ الأُلَى ... كَنَزُوا الكُنُوزَ فمَا بَقَيْنَ وَلا بَقُوْا
مَنْ كُلِّ مَنْ ضَاقَ الفَضَاءُ بِجَيْشِهِ ... حَتَّى ثَوَى فَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
فَالمَوْتُ آتِ وَالنُّفُوسُ نَفَائِسٌ ... وَالمُسْتَغَرُّ بِمَا لَدَيْهِ الأَحْمَقُ
فالموت لا يخشى أحدًا من الخلق ولا يبقي على أحدٍ منهم ويهجم على الكبير والصغير والقوي والضعيف والمعالج والمعالَج والغني والفقير والرئيس والمرؤوس وكل عنده على السوى كما قيل:
هُوَ الموتُ مُثْرٍ عِنْدَهُ مِثْلُ مُعْدِمٍ ... وَقَاصِدُ نَهْجٍ مِثْلُ آخَرَ نَاكِبِ
وَدِرْعُ الفَتَى في حُكْمِهِ دِرْعُ غَادَةٍ ... وَأَبْيَاتُ كَسْرَى مِن بُيُوتِ العَنَاكِبِ
آخر: ... إِذَا نَزَلَ المَقْدُوْرُ لم تُلْفِ لِلْقَطَا ... نُهُوضًا ولا لِلْمُخْدِرَاتِ إِبَاءُ
стр. 1355
فمتى لزم ذلك وداوم عليه بتدبرٍ وتفكرٍ بقلبٍ حاضرٍ في كل وقت عظمت معرفته بالموت وفجأته وأنه نازل به كما نزل بمن مضى قلبه لا محالة فإذا عظمت معرفته قصر أمله فإذا قصر أمله حذر قلبه من الموت ارتقب فإذا كان مرتقبًا له سارع إلى الاستعداد والاستباق إلى الخيرات قبل الفوات.
لا شَيْءَ يَبْقَى سِوَى خَيْرٍ تُقَدِّمَهُ ... مَا دَامَ مَلْكٌ لإِنْسَان ولا خَلَدَا
فأَمْهِدْ لِنَفْسَكَ وَالأَقْلامُ جَاريةٌ ... وَالتَّوبُ مُقْتَبِلٌ فَاللهِ قَدْ وَعَدَا
ولا بأس بالتداوي إذا وقع به المرض أو وجع بما هو مباح فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء وفي الحديث عن ابن مسعود ﵁ «أن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاءٍ إلا الهرم فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل شجر» .
وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد «إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله إلا السام وهو الموت» . فإذا أراد الله الشفاء يسر ذلك للعبد ووفقه لاستعمال الدواء على وجهه وفي وقته فيبرأ بإذن الله.
قال القرطبي على قوله لم يضع له شفاء هذه الكلمة صادقة لأنها خبر عن الصادق المصدوق عن الخالق القدير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير فالداء والدواء خلقه والشفاء والهلاك فعله وربط الأسباب بالمسببات حكمته وحكمه فكل بقدرٍ لا معدل عنه.
شِعْرًا:
تَوقِي الدَّاءِ خَيْرٌ مِنْ تَصَدٍّ ... لأَيْسَره وَإنْ قرُبُ الطَّبِيبُ
وقال ابن حجرٍ على قوله جهله من جهله ومما يدخل فيها ما يقع لبعضهم أنه يداوي من داءٍ بدواءٍ فيبرأ ثم يعتريه ذلك الداء فلا ينجح وسببه الجهل بصفةٍ من صفات الدواء فرب مريضين تشابها ويكون أحدهما مركبًا لا ينجح
стр. 1356
فيه ما ينجح غير المركب فيقع الخطأ وقد يكون متحدًا لكن يريد الله أن ينجح وهنا تخضع رقاب الأطباء ولهذه قال بعضهم:
إِن الَّطبِيْبَ لَذُو عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ ... مَا دَامَ في أَجَلِ الإِنْسَانِ تَأْخِيرُ
حَتىَّ إِذَا مَا انْقَضَتْ أَيَّامُ مُدَّتِِهِ ... حَارَ الطَّبِيبُ وَخَانَتْهُ العَقَاقِيرُ
ومما ورد في الحث على الاستعداد للموت ما يلي:
يا رَاِقدَ الليل مَسْرُوْرًا بأَوْلِه ... إِنَّ الحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقنَ أَسْحَارَا
كَمْ قَدْ أَبَادَتْ صُرُوْفُ الدَّهْرِ مِن مَلِكٍ ... قَدْ كَانَ في الدهرِ نَفَّاعًا وَضَرَّارَا
يَا مَن يُعَانِقُ دُنْيَا لا بَقَاءَ لَهَا ... يُمْسِي وَيُصْبِحُ في دُنْيَاهُ سَفَّارَا
هَلا تَرَكْتَ مِن الدُنْيَا مُعَانَقَةَ ... حَتَّى تُعَانِقَ في الفِرْدَوْسِ أَبْكَارَا
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي جِنَانَ الخُلْدِ تَسْكُنُهَا ... فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ لا تَأْمَنِ الدَّارَا
قال أبو الحسين الأهوازي في كتاب الفرائد والقلائد الدنيا لا تصفو لشارب. ولا تبقي لصاحب. فخذ زادًا من يومك لغدك فلا يبقي يوم عليك ولا غد.
ويقال إنه كان على قبر يعقوب بن ليث مكتوبًا هذه الأبيات عملها قبل موته وأمر أن تكتب على قبره وهي هذه:
سَلامٌ على أَهِل القُبورِ الدَّوَارِس ... كَأَنَّهُمُ لَمْ يَجْلِسُوا فِي الْمَجَالِسِ
وَلَمْ يَشْرَبُوا مِن بَارد الْمَاءِ شربةً ... وَلَمْ يَأْكُلُوا مَا بَيْنَ رَطْبٍ وَيَابِسِ
فَقَدْ جَاءَنِي الْمَوْتُ الْمَهُولُ بِسَكْرَةٍ ... فَلَم تُغْنِ عَنِّيِ أَلْفُ آلافِ فارِسِ
فَيَا زَائِرَ الْقَبْرِ اتَّعِظْ وَاعْتَبِرْ بِنَا ... وَلا تَكُ فِي الدُّنْيَا هُدِيْتَ بآنِسِ
خراسَانُ نَحْوِيها وأطرافَ فارِسٍ ... وما كُنْتُ عن مُلْكِ العِرَاقِ بآيِسِ
سَلامٌ على الدُنْيَا وطِيْبِ نَعِيمِها ... كَأَنْ لم يَكُنْ يَعُقوبُ فِيها بِجَالِسِ
وأقبل رجل من المقبرة فقيل له من أين جئت فقال من القافلة النازلة قيل له ماذا قلت لهم وماذا قالوا لك.
стр. 1357
قال: قلت لهم: متى ترحلون؟ قالوا: حين ينتهي القادمون. وقال آخر: أجالس قومًا إن حضرت وعظوني ولم يؤذوني وإن غبت لم يغتابوني يريد الموتى.
وَكَيْفَ أَشِيد فِي يَوْمِي بِنَائِي ... وَأَعْلمُ أَنَّ فِي غَدٍ عَنْهُ ارْتِحَال
فَلا تَنْصِبْ خِيَامَكَ فِي مَحَلٍ ... فَإِنَّ الْقَاطِنِين عَلَى ارْتِحَال
آخر: ... زَيَّنْتْ بَيْتَكَ جَاهِدًا وعَمَرْتَهُ ... ولَعَلَّ غَيْرَكَ صَاحَبٌ لِلْبَيْتِ
وَالْمَرْءُ مُرْتَهَنٌ بِسَوفَ ولَيتَنِي ... وَهَلاكُهُ في سَوْفِهِ وَاللَّيْتِ
أَلا أَيُهَا المَغْرورُ في نَومِ غَفْلَةٍ ... تَيَقَّظْ فإنَّ الدَّهَر للناسِ ناصِحُ
فكَمْ نائِم في أوَّلِ الليلِ غَافِلٍ ... أَتَاهُ الرَّدَى في نَوْمِهِ وهو صَابِحُ
فَشْقَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ جَيْبَ صَبَاحِهِ ... وقَامَتْ عَلَيْهِ لِلطُّيُورِ نَوَائِحُ
اللهم يا مصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا واستر في الدنيا والآخرة عيوبنا واغفر بعفوك ورحمتك ذنوبنا وهب لنا موبقات الجرائر واستر علينا فاضحات السرائر ولا تخلنا في موقف القيامة من برد عفوك وغفرانك ولا تتركنا من جميل صفحك وإحسانك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ثم اعلم أن الإكثار من ذكر الموت مستحب مرغب فيه وله منافع وفوائد جليلة منها تقصير الأمل ٢- الزهد في الدنيا ٣- القناعة منها باليسير ٤- الرغبة في الآخرة ٥- التزود للآخرة بالأعمال الصالحة ٦- الإعتناء بالوصية والمبادرة فيها ٧- الابتعاد عن المعاصي.
وورد عنه ﷺ أنه قال: «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت» . وكان ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: «أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» .
стр. 1358
ولما سئل ﷺ عن الأكياس من الناس من هم؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم له استعداد أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا ونعيم الآخرة» . وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثروا ذكر هاذم اللذات» . يعني الموت فإنه ما كان في كثير إلا جزأه رواه الطبراني بإسناد حسن.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلس قوم وهم يضحكون فقال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» . أحسبه قال: «فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه ولا في سعةٍ إلا ضيقه» . رواه البزار بإسناد حسن والبيهقي باختصار.
وفي حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم ﵇ قال: «كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح عجبت لم أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يعمل» . رواه ابن حبان في صحيحه.
شِعْرًا: ... وجِيرَان صِدْقٍ لا تَزاوُرَ بَيْنَهُمْ ... على قُرْبِ بَعْضٍ التَّجاوُرِ مِنْ بَعْضِ
كَأنَّ خَوَاتِيمًا مِن الطِّينِ فوقهِمْ ... فَلَيْسَ لَهَا حَتَّى القِيَامةِ مِنْ فَضِّ
آخر: ... قِفْ بِالْقُبُورِ وَقُلْ عَلَى سَاحَاتِهَا ... مَنْ مِنْكُمْ الْمَغْمُورُ فِي ظُلُمَاتِهَا
وَمَنْ الْمُكَرَّمُ مِنْكُمْ فِي قَعْرِهَا ... قَدْ ذَاقَ بَرْدَ الأَمْنِ مِنْ رَوْعَاتِهَا
أَمَّا السُّكُونُ لِذِي الْعُيُونِ فَوَاحِدٌ ... لا يَسْتَبِيْن الْفَضْل فِي دَرَجَاتِهَا
لَوْ جَاوَبُوكَ لأَخْبَرُوْكَ بِأَلْسُنٍ ... تَصِفُ الْحَقَائِقُ بَعْدَ مِنْ حَالاتِهَا
أمَّا الْمُطِيعُ فَنَازِلٌ فِي رَوْضَةٍ ... يَفْضي إِلَى مَا شَاءَ مِنْ دَوْحَاتِهَا
وَالْمُجْرِمُ الطَّاغِي بِهَا مُتَقَلَّبٌ ... فِي حُفْرَةٍ يَأْوِي إِلَى حَيَاتِهَا
وَعَقَارِبٌ تَسْعَى إِلَيْهِ فَرُوحُهُ ... فِي شِدَّةِ التَّعْذِيبِ مِنْ لَدَغَاتِهَا
آخر: ... وَمَا زَالَتِ الدُّنْيَا طَرِيقًا لِهَالِكٍ ... تَبَايَنُ فِي أَحْوَالِهَا وَتُخَالِفُ
فَفِي جَانِبٍ مِنْهَا تَقُومُ مَآتِمٌ ... وَفِي جَانِبٍ مِنْهَا تَقُومُ مَعَازِفُ
стр. 1359
ج
فَمَنْ كَانَ فِيهَا قَانِطًا فَهُوَ طَاغِنٌ ... وَمَنْ كَانَ فِيهَا آمِنًا فَهُوَ خَائِفُ
ووجد مكتوب على جدار محلة قديمة بغربي بغداد:
هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدتهمُ ... فَي خَفْضِ عَيْشٍ وَعِزّ مَالِهِ خَطَرُ
صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتِ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا ... إِلَى الْقُبُورِ فَلا عَيْنٌ وَلا أََثَرُ
آخر:
تَرَى الَّذِي اتَّخَذَ الدُّنْيَا لَهُ وَطَنًا ... لَمْ يَدْرِي أَنَّ الْمَنَايَا عَنْهُ تُزْعِجُهُ
مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مَدْرَجُهُ ... وَالْقَبْرَ مَنْزِلُهُ وَالْبَعْثُ مَخْرَجُهُ
وَأَنَّهُ بَيْنَ جَنَّاتٍ سَتُبْهِجُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ نَارِ سَتُنْضِجُهُ
فَكُل شَيْءٍ سِوَى التَّقْوَى بِهِ سَمَجٌ ... وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَسْمَجُهُ
وعن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس إلى قبر منها فقال: «ما يأتي على هذا القبر يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلقٍ طلقٍ يا ابن آدم نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه» . ثم قال رسول الله ﷺ : «القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» . رواه الطبراني في الأوسط.
ثم إن الناس في هذا المقام على أقسام منهم المنهمك في الدنيا المحب لشهواتها فهذا يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت وإن ذكر به كرهه ونفر واشمأز منه وتناساه وربما كره الذي ذكر الموت وتباعد عنه، وقسم منهمك أيضًا وغارق في بحور الدنيا ولا يذكر الموت وإن ذكره فذكره له تأسفًا على دنياه ومفارقتها.
وأقرب علاج لهذا القسم أن يطيلوا التفكر ليلهم ونهارهم في أجل هذه الحياة وهم إذا فكروا في ذلك عرفوا قطعًا أنهم تاركوها ولا بد وليس ذلك بعد مائة سنة بل هم في كل لحظة مهددين بفراق الدنيا مرغمين لا مختارين ويتركون كل شيءٍ وحينئذ يستوي من يملك الملايين والعمارات والقناطير
стр. 1360
المقنطرة من الذهب والفضة والأراضي والملايين البلايين مما ذكر.
ومن لا يملك منها إلا ثوبه فقط يستويان في أن كلا منهما كأنه لم ير هذا الوجود ولكنهما يختلفان اختلافًا عظيمًا في برزخهما وفي آخرتهما، ومن الدواء النافع لمن أصيب بمرض حب الدنيا أن ينظر بعينه إلى من في المستشفيات من المرضى الذين تنوعت أمراضهم وبود أحدهم لو ملك الدنيا وبذله لمن يشفيه من مرضه أو يخففه عنه.
شِعْرًا: ... مَنْ عَاشَ لَمْ يَخْل مِنْ هَمٍّ وَمِنْ حَزَنٍ ... بَيْنَ الْمَصَائِبِ مِنْ دُنْيَاهُ وَالْمِحَنِ
وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي الدُّنْيَا عَلَى سَفَرٍ ... فَرَاحِلٌ خَلَّفَ الْبَاقِي عَلَى الظَّعَنِ
وَكُلُّنَا بِالرَّدَى وَالْمَوْت مُرْتَهَنٌ ... فَمَا نَرَى فِيهِمِا فَكًا لَمُرْتَهَنِ
آخر: ... وَقُلْ غنَاءٌ عَنْكَ مَالاً جَمَعْتَهُ ... إِذَا كَانَ مِيرَاثًا وَوَارَاكَ لاحِدُ
وكذلك ينظر إلى الموتى الذين يموتون كل يوم في المستشفيات وغيرها من مثله في السن وأقل وأكبر وينظر إلى الذين يموتون حوله من أبنائه وإخوانه وأحبابه وجيرانه ومن تقع عليهم عينه قائلاً لنفسه أي فرق بينك وبين هؤلاء فإذا أذعنت واعترفت أنه لا فرق بادرها بقوله إذا ستكونين مثلهم.
فمع تكرار هذا تتبدل حاله بإذن الله وتهون عليه الدنيا ويسهل عليه إخراج الأعمال الخيرية مهما كثرت إن هذا المنظر تنصدع له القلوب انصداعًا لا تهون بها الدنيا فقط ولذلك كان بعض السلف إذا شيع جنازة رجع لا يعي وربما مكث أيامًا مريضًا من هذا الهول الذي نزل به وأذهله حتى عن نفسه قال الشاعر:
وَلَمْ أَرَى كَالأَمْوَاتِ أَفْجَعَ مَنْظَرًا ... وَلا وَاعِظِي جُلاسَهُمْ كَالْمَقَابِرِ
وكيف لا يكون وهو يرى أحد إخوانه جثة هامدة في منتهي
стр. 1361
الخضوع لمن يودعون في تلك الحفرة المظلمة لا ينازعهم عند إدخالهم له في أي تصرف يتصرفونه فيه وقد كان قبل ذلك تضيق عنه الدنيا على سعتها.
شِعْرًا: ... كُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَقَصْرُكَ الْمَوْت ... لا مَزْ حَلٌ عَنْهُ وَلا فَوْتُ
يَبْنَا غِنَى بَيْتٍ وَبَهْجَتُهُ ... زَالَ الْغِنَى وَتَقَوَّضَ الْبَيْتُ
آخر: ... وَقَبْلُكَ دَاوَى الْمَرِيضَ الطَّبِيبُ ... فَعَاشَ الْمَرِيضُ وَمَاتَ الطَّبِيبُ
فَكُنْ مُسْتَعِدًا لِدَار الْفَنَا ... فَإِنَّ الَّذِي هُوَ آتٍ قَرِيبُ
شِعْرًا: ... لَيْتَ شِعْرِي سَاكِن الْقَبْرِ الْمَشِيدْ ... هَلْ وَجَدْتَ الْيَوْمَ فِيهِ مِنْ مَزِيدْ
وَهَلِ الْبَاطِنُ فِيهِ مِثْل مَا ... هُوَ فِي الظَّاهِرِ تَزْوِيقًا وَشِيدْ
وَهَلِ الْمَضْجَع فِيْهِ لِيِّنٌ ... أَوْ سَعِيرٌ مَا لَهَا فِيهِ خُمُودْ
وَهَلِ الأَرْكَانُ فِيهِ بِالتُّقَى ... نَيِّرَاتٌ أَوْ بِأَعْمَالِكَ السُّودْ
لَيْتَ شِعْرِي سَاكِن الْقَبْرِ الْمَشِيدْ ... أَشْقِيٌّ أَنْتَ فِيهِ أَمْ سَعِيدْ
أَقَرِيب أَنْتَ مِنْ رَحْمَةِ مَنْ ... وَسِعَ الْعَالَمَ إِحْسَانًا وَجُودْ
أَمْ بَعِيدٌ أَنْتَ مِنْهَا فَلَقَدْ ... طُرِقَتْ دَارُكَ بِالْوَيْلِ الْبَعِيدْ
وَلَقَدْ حَلَّ بِأَرْجَائِكَ مَا ... ضَاقَ عَنْهُ كُلَّ مَا فِي ذَا الوُجُودْ
أَيُّهَا الْغَافِلُ مِثْلِي وَإِلَى ... كَمْ تَعَامَى وَتَلوِّي وَتَحِيدْ
أَُدْنُ فَاقْرَأْ فَوْقَ رَأْسِي أَحْرُفًا ... خَرَجَتْ وَيْحَكَ مِنْ قَلْبٍ عَمِيدْ
صَرَعَتْهُ فِكْرَةٌ صَادِقَةٌ ... وَهُمُومٌ كُلَّمَا تَمْضِي تَعُودْ
وَنَدَامَاتٌ لأَيَّامٍ مَضَتْ ... هُوَ مِنْهَا فِي قِيَامٍ وَقُعُودْ
وَغَدًا تَرْجِعُ مِثْلِي فَاتَّعِظْ ... بِي وَإِلا فَامْضِ وَاعْمَلْ مَا تُرِيدْ
قَدْ نَصَحْنَاكَ فَإِنْ لَمْ تَرَهُ ... سَيَرَاهُ بَصَرٌ مِنْكَ حَدِيدْ
стр. 1362
آخر: ... كَأَنِّي بِنَفْسِي وَهِيَ فِي السَّكَرَاتِي ... تُعَالَج أَنْ تَرْقَى إِلَى اللَّهَوَاتِي
وَقَدْ زُمَّ رَحْلِي وَاسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي ... وَقَدْ آذَنَتْنِي بِالرَّحِيلِ حَدَاتِي
إِلَى مَنْزِلٍ فِيهِ عَذَابٌ وَرَحْمَةٌ ... وَكَمْ فِيهِ مِنْ زَجْرٍ لَنَا وَعِظَاتِي
وَمِنْ أَعْيُنٍ سَالَتْ عَلَى وَجَنَاتِهَا ... وَمِنْ أَوْجُه فِي التُّرَابِ مُنْعَفِرَاتِي
وَمِنْ وَارِدٍ فِيهِ عَلَى مَا يَسُرُّهُ ... وَمِنْ وَارِدٍ فِيهِ عَلَى الْحَسَرَاتِي
وقال آخر:
لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْْفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْر
آخر: ... الْحَمْدُ للهِ ثُمَّ الْحَمْدُ للهِ ... مَاذَا عَلَى الْمَوْتِ مِنْ سَاهٍ وَمِنْ لاهِ
مَاذَا يَرَى الْمَرْءُ ذُو الْعَيْنَيْنِ مِنْ عَجَبٍ ... عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى اللهِ
آخر: ... إِذَا مَا صَارَ فَرْشِي مِنْ تُرَابٍ ... وَبِتُّ مُجَاوِرَ الرَّبّ الرَّحِيمِ
فَهَنُّونِي أَصيْحَابِي وَقُولُوا ... لَكَ الْبُشْرَى قَدِمْتَ عَلَى الْكَرِيمِ
وقسم تائب يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف فيفي بتمام التوبة وربما يكره الموت خشية أن يختطفه قبل تمام توبته وقبل إصلاح الزاد ولا يدخل هذا تحت قول النبي ﷺ من كره لقاء الله كره الله لقاءه لأن هذا لا يكره لقاء الله بل يكره فوت لقاءه.
فعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» . فقلت: يا نبي الله أكراهية للموت فكلنا يكره الموت. قال: «ليس كذلك ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه» .
وفي رواية شريح بن هانئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من
стр. 1363
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» . قال: فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا.
فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله ﷺ وما ذاك، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه وليس منا أحدًا إلا وهو يكره الموت» .
فقالت: قد قال رسول الله ﷺ وليس بالذي نذهب إليه ولكن إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد وتشنجت الأصابع فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه رواه مسلم.
أخرج ابن المبارك وأحمد والطبراني في الكبير عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال إن شئتم أنبأتكم ما أول ما يقول الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة وما أول ما يقولون له.
قلنا: نعم يا رسول الله، قال: «فإن الله يقول للمؤمنين هل أحببتم لقائي فيقولون نعم يا ربنا فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك فيقول قد وجبت لكم مغفرتي» .
وأخرج ابن المبارك عن عقبة بن مسلم قال ما من خصلة في العبد أحب إلى الله من أن يحب لقاءه.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: ما من مرض يمرضه العبد إلا ورسول ملك الموت عنده، حتى إذا كان آخر مرض يمرضه العبد، أتاه ملك الموت ﵇.
فقال أتاك رسول بعد رسول ونذير بعد نذير فلم تعبأبه، وقد أتاك رسول يقطع أثرك من الدنيا. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
شِعْرًا: ... أَيْنَ الَّذِينَ عَلَى عَهْدِ الثَّرَى وَطِئُوا ... وَحُكِّمُوا فِي لَذِيذِ الْعَيْشِ فَاحْتَكَمُوا
стр. 1364
وَمَلُكِّوا الأَرْضَ مِنْ سَهْلٍ وَمِنْ جَبَلٍ ... وَخَوَّلُوا نِعَمًا مَا مِثْلِهَا نِعَمُ
لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَلَى ظَنِّ الْقُلُوب بِهِمُ ... إِلا رُسُوم قَبُورٍ حَشْوُهَا رِمَم
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل: وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله» . قيل كيف يستعمله قال: «يوفقه بعمل صالح قبل الموت» .
وأخرج أحمد والحاكم عن عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحب عبدًا عسله» .
قالوا: وما عسله؟ قال: «يوفق له عملاً صالحًا بين يدي أجله حتى يرضى عنه جيرانه» .
(وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ يَوْمًا عَبْدَهُ ... أَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّةً فِي النَّاسِ)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ مرفوعا: «إذا أراد الله بعبد خيرًا بعث إليه قبل موته بعام ملكًا يسدده ويوفقه حتى يموت على خير أحايينه فيقول الناس مات فلان على خير أحايينه.
فإذا حضر ورأى ما أعد الله له جعل يتهوع نفسه من الحرص على أن تخرج فهناك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه» .
وإذا أراد الله بعبده شرا قيض له قبل موته بعامٍ شيطانًا يضله ويغويه حتى يموت على شر أحايينه فيقول الناس قد مات فلان على شر أحايينه.
فإذا حضر ورأى ما أعد الله جعل يتبلع نفسه كراهية أن تخرج فهناك كره لقاء الله وكره الله لقاءه.
وأخرج الطبراني في الكبير وأبو نعيم عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ " إن نفس المؤمن تخرج رشحًا وإن نفس الكافر تسيل كما تسيل نفس الحمار» .
وإن المؤمن ليعمل الخطيئة فيشدد بها عليه عند الموت ليكفر بها عنه.
وإن الكافر ليعمل الحسنة فيسهل عليه عند الموت ليجزى بها» .
стр. 1365
وأخرج ابن أبي الدنيا عن زيد بن أسلم قال: إذا بقى على المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه بعمله شدد عليه من الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة.
وإن الكافر إذا كان قد عمل معروفًا في الدنيا هون عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا ثم ليصير إلى النار.
وأخرج ابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في الكظ عند الموت» .
الكظ الهم الشديد الذي يملؤ الجوف وأخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول والحاكم عن سلمان الفارسي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أرقبوا الميت عند موته ثلاثًا» .
إن رشحت جبينه وذرفت عيناه وانتشرت منخراه فهي رحمة من الله قد نزلت به.
وإن غط غطيط البكر المخنوق وخمد لونه وأزبد شدقاه فهو عذاب من الله قد حل به.
وأخرج سعيد بن منصور في سننه والمروزى في الجنائز عن ابن مسعود قال إن المؤمن يبقى عليه خطايا يجازي بها عند الموت فيعرق لذلك جبينه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن علقمة بن قيس أنه حضر ابن عمٍ له وقد حضرته الوفاة فمسح جبينه فإذا هو يرشح.
فقال الله أكبر حدثني ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: «موت المؤمن يرشح الجبين وما من مؤمن إلا له ذنوب يكافأ بها في الدنيا ويبقى عليه بقية يشدد بها عليه عند الموت» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن علقمة أنه حضر ابن أخ له لما حضر (أي حضره الموت) فجعل يعرق جبينه فضحك فقيل له ما يضحكك.
стр. 1366
قال سمعت ابن مسعود يقول: إن نفس المؤمن تخرج رشحًا وإن نفس الكافر أو الفاجر تخرج من شدقة كما تخرج نفس الحمار.
وإن المؤمن ليكون قد عمل السيئة فيشدد عليه عند الموت ليكفر بها وإن الكافر أو الفاجر ليكون قد عمل الحسنة فيهون عليه عند الموت.
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن سفيان قال: كانوا يستحبون العرق للميت قال بعض العلماء إنما يعرق جبينه حياءً من ربه لما اقترف من مخالفته لأن ما سبق منه قد مات.
وإنما بقيت قوى الحياة وحركاتها فيما علا والحياء في العينين.
والكافر في عمى عن هذا كله.
والموحد المعذب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حل به.
وأخرج ابن أبي الدنيا إسحاق قال قيل لموسى كيف وجدت طعم الموت قال كسفودٍ أدخل في جزة صوف فامتلخ (أي جذب) قال يا موسى قد هون عليك.
وأخرج أحمد في الزهد والمروزي في الجنائز عن أبي مليكة أن إبراهيم لما لقي الله قيل له كيف وجدت الموت قال: وجدت نفسي كأنها تنزع بالسلاسل قيل له قد يسرنا عليك الموت.
وروي أن موسى لما صار روحه إلى الله تعالى قال له ربه يا موسى كيف وجدت ألم الموت قال وجدت نفسي كالعصفور الحي حين يقلى على المقلي لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير.
وأخرج الديملي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت وأفضل العبادة التفكر فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة» .
وقال علي ﵁ الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ونظم هذا المعنى بعضهم فقال:
وَإِنَّمَا النَّاسُ نِيَامٌ مَنْ يَمُتْ ... مِنْهُمْ أَزَالَ الْمَوْتَ عَنْهُ وَسَنَهُ
стр. 1367
آخر: ... يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلُ فَاسْمَعِي ... مَقَالَةً مِنْ مُرْشِدٍ نَاصِحِ
مَا صَحِبَ الإِنْسَانَ فِي قَبْرِهِ ... غَيْرُ التُّقَى وَالْعَمَلُ الصَّالِحِ
آخر: ... ثَنَاءُ الْفَتَى يَبْقَى وَيَفْنَى ثَرَاؤُهُ ... فَلا تَكْتَسِبْ بِالْمَالِ شَيْئًا سِوَى الذِّكْرِ
فَقَدْ مَاتَ أَهْلُ الدِّينِ وَالزُّهْدِ وَالتُّقَى ... وَذِكْرُهُمْ غَضُّ جَدِيدُ إِلَى الْحَشْرِ
آخر: ... إِنَّ التُّقَى أَحْلَى الْمَلابِسِ كُلِّهَا ... يَكْسُوا الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَلالا
وَيَحِلُّ صَاحِبَهُ بِأَحْسَنِ مَنْزِلٍ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالأَنَامُ ذُهَالا
آخر: ... وَمَا اغْبِطُ الإِنْسَانِ إِلا أَخَا التُّقَى ... وَمَنْ كَانَ أَتْقَى كَانَ بِالْمَجْدِ أَجْدَرَا
(فَصْلٌ)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت حتى يحسن ظنه بربه.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء بن حيوة قال: ما أكثر عبد ذكر الموت إلا ترك الفرح والحسد.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال من أكثر ذكر الموت قل حسده وقل فرحه.
وعن الربيع بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالموت مزهدًا في الدنيا ومرغبًا في الآخرة.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: من قرب الموت من قلبه استكثر ما في يديه.
وعن الحسن قال: ما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده وهان عليه جميع ما فيها وعن قتادة قال: كان يقال طوبى لمن ذكر ساعة الموت وقال حكيم كفى بذكر الموت للقلوب حياة للعمل.
وقال سميط: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها.
وعن كعب قال من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
стр. 1368
وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس قال: إذا رأيتم بالرجل الموت فبشروه ليلقى ربه وهو حسن الظن بالله وإذا كان حيًا فخوفوه.
وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : «زر القبور تذكر بها الآخرة واغسل الموتى فإن في معالجة جسدٍ خاوٍ موعظة بليغة» .
وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله يتعرض لكل خير
شِعْرًا: ... إِذَا اللهُ لَمْ يُفَرِّجْ لَكَ الشَّكُ لَمْ تَزَلْ ... جَنِيبًا كَمَا اسْتَتْلَى الْجَنِيبَة قَائِدُ
آخر: ... وَمُجرر خَطِيَّة يَوْم الْوَغَى ... مُنْسَابَة مِنْ خَلْفِهِ كَالأَرْقَمِ
تَتَضَاءَلُ الأَبْطَالُ سَاعَة ذِكْرِهِ ... وَتَبِيتُ مِنْهُ فِي إِبَاءَةِ ضَيْغَمِ
شَرِس الْمُقَادَاةِ لا يَزَالُ رَبِيئةً ... وَمَتَى يُحِسُّ بِنَارِ حَرْبٍ يَقدمِ
تَقَعُ الْفَرِيسَةُ مِنْهُ فِي فَوْهَاءِ إِنْ ... يَطْرَحُ بِهَا صُمُّ الْحِجَارَةِ يَحْطُمِ
ضَمَانَ الدَّمِ لا يَقُومُ بِرَيِّهِ ... إِلا الْمُرُوق فِي الْجُسُومِ مِنَ الدَّمِ
جَاءَتْهُ مِنْ قَبْلِ الْمَنُونِ إِشَارَةٌ ... فَهَوَى صَرِيعًا لِلْيَدِيْنِ وَلِلْفَمِ
وَرَمَى بِمُحْكَمِ دِرْعَهُ وَبِرُمْحِهِ ... وَامْتَدَّ مُلْقَىً كَالْبَعِيرِ الأَعْظَمِ
لا يُسْتَحَب لِصَارِخٍ إنْ يَدْعُهُ ... أَبَدًا وَلا يُرْجَى لِخَطْبٍ مُعَظَّمِ
ذَهَبت بَسَالَتُهُ وَمَرَّ غَرَامُهُ ... لَمَّا رَأَى خَيْلَ الْمَنِيَّةِ تَرْتَمِي
يَا وَيْحَهُ مِنْ فَارِسٍ مَا بَالَهُ ... ذَهَبَتْ فُرُوسَتُهُ وَلَمَّا يكلمِ
هَذِي يَدَاهُ وَهَذِهِ أَعْضَاؤُهُ ... مَا مِنْهُ مِنْ عُضْو غَدًا بِمِثْلمِ
هَيْهَاتَ مَا خَيْلُ الرَّدَى مُحْتَاجَةٌ ... لِلْمُشِرفِي وَلا السِّنَان اللهذمِ
هِيَ وَيْحَكُمْ أَمْرُ الإِلَهِ وَحُكْمُهُ ... وَاللهُ يَقْضِي بِالْقَضَاءِ الْمُحْكَمِ
يَا حَسْرَة لَوْ كَانَ يَقْدِرُ قَدْرُهَا ... وَمُصِيبَةٌ عَظُمَتْ وَلَمَّا تَعْظُمِ
خَبَرُ عِلْمِنَا كُلّنَا بِمَكَانِهِ ... وَكَأَنَّنَا فِي حَالِنَا لَمْ نَعْلَمِ
стр. 1369
اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل: أخرج ابن أبي الدنيا عن أنس عن النبي ﷺ : «أكثروا ذكر الموت فإنه يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغنى هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم» .
وأخرج أيضًا عن عطاءٍ الخرساني قال: مر رسول الله بمجلس قد استعلاه الضحك فقال: «شوبوا مجلسكم بمكدر اللذات» . قالوا: وما مكدر اللذات. قال: «الموت» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن زيد السلمي أن النبي ﷺ كان إذا آنس من أصحابه غفلة نادي فيهم بصوتٍ رفيع أتتكم المنية راتبه لازمة إما شقاوة وإما سعادة.
قال بعضهم: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء تعجيل التوبة وقناعة القلب ونشاط العبادة.
ومن نسى الموت عوقب بثلاث أشياء تسويف التوبة وترك الرضا بالكفاف والتكاسل في العبادة.
أخرج أبو نعيم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لي لا أحب الموت قال لك مال قال نعم.
قال قدمه فإن قلب المؤمن مع ماله إن قدمه أحب أن يلحق به.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي الدرداء قال موعظة بليغة وغفلة سريعة كفى بالموت واعظًا وكفى بالدهر مفرقًا اليوم في الدور وغدا في القبور.
وروى أن سعد بن أبي وقاص تمنى الموت ورسول الله ﷺ يسمع فقال رسول الله ﷺ لا تتمن الموت.
فإن كنت من أهل الجنة فالبقاء خير لك وإن كنت من أهل النار فما يعجلك إليها.
стр. 1370
وعن أم الفضل أن رسول الله ﷺ دخل عليهم وعمه العباس يشتكي فتمنى الموت فقال له يا عم لا تتمنى الموت.
فإن كنت محسنًا فإن تؤخر وتزداد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا، فإن تؤخر وتستعتب من إسائتك خير لك، فلا تتمنين الموت.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ لا يتمنين أحدكم الموت من قبل أن يأتيه ولا يدع به إلا أن يكون قد وثق بعمله.
وعن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال «ألا أنبأكم بخياركم» قالوا بلى يا رسول الله قال «أطولكم أعمارًا في الإسلام إذا سددوا» .
وأخرج أحمد وابن زنجوية في ترغيبه عن أبي هريرة قال كان رجلان من حي قضاعة أسلما مع رسول الله ﷺ فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة.
قال طلحة بن عبيد الله فرأيت الجنة ورأيت المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد فعجبت من ذلك.
فأصبحت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال «أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة وكذا وكذا ركعة صلاة سنةٍ» .
وأخرج أحمد والبراز عن طلحة أن النبي ﷺ قال «ليس أحد أفضل عند الله تعالى من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله» .
وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن جبير قال إن بقاء المسلم كل يوم غنيمة لأداء الفرائض والصلوات وما يرزقه الله من ذكره.
وأخرج بن أبي الدنيا عن إبراهيم بن أبي عبدة قال بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة إلى الدنيا ليس ذلك إلا ليكبر تكبيرة أو يهلل تهليلة أو يسبح تسبيحية.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرئ أمتك منى السلام.
وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها
следующие страницы →