Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له، ويسألون له أن يقيه السيئات، ويدخله الجنات، وتولى سبحانه الدفع عنه والدفاع عنه بنفسه.
وقال: هؤلاء حزبي وحزب الله المفلحون، وقال تعالى: ﴿ُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهؤلاء جندي وجند الله هم الغالبون.
وعلم سبحانه عباده كيف هذا الحرب والجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
ولا يتم أمر هذا الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة، فلا يتم له الصبر إلا بمصابرة العدو، وهي مقاومته، ومنازلته، فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمر آخر وهو المرابطة وهي لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل معه العدو ولزوم ثغر العين، والأذن واللسان، والبطن، واليد، والرجل.
فهذه الثغور منها يدخل العدو، فيجوس خلال الديار، ويفسد ما قدر عليه، فالمرابطة لزوم هذه الثغور، ولا يخلى مكانها فيصادف العدو الثغر خاليًا فيدخل منه.
فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم، خير الخلق بعد النبيين والمرسلين، وأعظمهم حماية، وحراسة من الشيطان، وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد، فدخل منه العدو فكان ما كان.
وجماع هذه الثلاثة الذي تقوم به هو تقوى الله تعالى فلا ينفع الصبر ولا المصابرة، ولا المرابطة، إلا بالتقوى ولا تقوم التقوى إلا
стр. 1297
على ساق الصبر، فانظر الآن فيك إلى التقاء الجيشين واصطدام العسكريين، وكيف تدال مرة. ويدال عليك مرة أخرى.
أقبل ملك الكفرة بجنوده وعساكره، فوجد القلب في حصنه جالسًا على كرسي مملكته، أمره نافذٌ في أعوانه، وجنده قد حفوا به يقاتلون عنه، ويدافعون عن حوزته، فلم يمكنه الهجوم عليه إلا بمخامرة بعض أمرائه وجنده عليه.
فسال عن أخص الجند به، وأقربهم منه منزلة، فقيل له هي النفس، فقال لأعوانه ادخلوا عليها من مرادها وانظروا مواقع محبتها، وما هو محبوبها، فعدوها به، ومنوها إياه، وانقشوا صورة المحبوب فيها في يقظتها ومنامها.
فإذا اطمأنت إليه وسكنت عنده فاطرحوا عليها كلاليب الشهوة وخطاطيفها، ثم جروها بها إليكم.
فإذا خامرت على القلب وصارت معكم عليه ملكتم ثغور العين، والأذن واللسان، والفم واليد، والرجل، فرابطوا على هذه الثغور وكل المرابطة فمتى دخلتم منها إلى القلب فهو قتيلٌ أو أسيرٌ أو جريحٌ مثخن الجراحات.
ولا تخلوا هذه الثغور، ولا تمكنوا سرية تدخل فيه إلى القلب فتخرجكم منها، وان غلبتم فاجتهدوا في أضعاف السرية ووهنا، حتى لا تصل إلى القلب وإن وصلت ضعيفة لا تغني عنه شيئًا.
فإذا استوليتم على هذه الثغور، فامنعوا ثغر العين أن يكون نظره
стр. 1298
اعتبارًا بل اجعلوا نظره تفرجًا، واستحسانًا، وتلهيًا، فان استرق نظره عبرة، فأفسدوها عليه بنظرة الغفلة، والاستحسان والشهوة، فإنه أقرب غليه، وأعلق بنفسه، وأخف عليه.
ودونكم ثغر العين فإن منه تنالون بغيتكم، فإني ما أفسدت بني آدم بشيء مثل النظر، فإني أبذر به القلب بذر الشهوة، ثم اسقيه بماء الأمنية، ثم لا أزال أعده وأمنيه حتى أقوي عزيمته وأقوده بزمام الشهوة، إلى الانخلاع من العصمة.
فلا تهملوا أمر هذا الثغر وأفسدوه بحسب استطاعتكم وهونوا عليه أمره وقولوا له مقدار نظرة تدعوك إلى تسبيح الخالق والتأمل لبديع صنعه وحسن هذه الصورة التي إنما خلقت ليستدل بها الناظر عليه وما خلق الله لك العينين سدى وما خلق هذه الصورة ليحجبها عن النظر.
ثم امنعوا ثغر الأذن أن يدخل منه ما يفسد عليكم الأمر فاجتهدوا أن لا تدخلوا منه إلا الباطل فإنه خفيف على النفس تستحليه وتستحسنه وتخيروا له أعذب الألفاظ وأسحرها للألباب وامزجوه بما تهوى النفس مزجًا وألقوا الكلمة فان رأيتم منه إصغاء إليها فزجوه بأخواتها وكلما صادفتم منه استحسان شيء فالهجوا له بذكره.
وإياكم أن يدخل هذا الثغر شيء من كلام رسوله ﷺ أو كلام النصحاء فإن غلبتم على ذلك ودخل من ذلك شيء فحولوا بينه وبين فهمه وتدبره والتفكر فيه والعظة به إما بإدخال ضده عليه وأما بتهويل ذلك وتعظيمه وان هذا الأمر قد حيل بين النفوس وبينه فلا سبيل لها أليه وهو حمل يثقل عليها لا تستقل به ونحو ذلك.
стр. 1299
وأما بأرخصه على النفوس وأن الاشتغال ينبغي أن يكون بما هو أعلى عند الناس وأعز عليهم واغرب عندهم والقابلون له أكثر وأما الحق فهو مهجور وقائله معرض نفسه للعداوة. والرائج بين الناس أولى بالإيثار ونحو ذلك فيدخلون الباطل عليه في كل قالب يقلبه ويخف عليه وتخرجون له في قالب يكرهه ويثقل عليه.
وإذا شئت أن تعرف ذلك انظر إلى إخوانهم من شياطين الأنس كيف يخرجون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في قالب كثرة الفضول وتتبع عثرات الناس والتعرض من البلا لما لا يطيق وإلقاء الفتن بين الناس ونحو ذلك.
والمقصود أن الشيطان لزم ثغر الأذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ولا ينفعه ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه وأن دخل بغير اختيار أفسده عليه.
ثم يقول: قوموا على ثغر اللسان، فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك، فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه، من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع، ويكون في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم.
أحدهما: التكلم بالباطل، فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم ومن اكبر جندكم وأعوانكم.
والثاني: السكوت عن الحلق، فإن الساكت عن الحق أخ لكم أخرس، كما أن الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم،
стр. 1300
أما سمعتم قول الناصح «المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس» .
فالرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق. واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر.
وأوصيكم بوصية فاحفظوها، لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع، فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها، وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريقٍ، وادخلوا عليهم من كل بابٍ، واقعدوا لهم كل مرصد.
أما سمعتم قسمي الذي أقسمت به لربهم حيث قلت ﴿١٦: ١٧ - فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أو ما تروني قد قعدت لابن آدم بطرقة كلها، فلا يفوتني من طريق إلا قعدت له بطريق غيره، حتى أصيب منه حاجتي أو بعضها.
وقد حذرهم ذلك رسولهم وقال لهم: «إن الشيطان قد قعد لابن آدم بطرقه كلها، وقعد له بطريق الإسلام. فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فخالفه وأسلم.
فقعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، فخالفه وهاجر، فقعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد فتقتل فيقسم المال وتنكح الزوجة.
стр. 1301
فهكذا فاقعدوا لهم بكل طرق الخير، فإذا أراد أحدهم أن يتصدق فاقعدوا له على طريق الصدقة، وقولوا له في نفسه: أتخرج المال فتبقى مثل هذا السائل، وتصير بمنزلته أنت وهو سواء.
أو ما سمعتم ما ألقيت على لسان رجل سأله آخر أن يتصدق عليه، فقال: هي أموالنا إن أعطيناكموها صرنا مثلكم.
واقعدوا له بطريق الحج، فقولوا: طريقة مخوفة مشقة، يتعرض سالكها لتلف النفس والمال، وهكذا فاقعدوا على سائر طرق الخير بالتنفير عنها وذكر صعوبتها وآفاتها.
ثم أقعدوا لهم على طرق المعاصي فحسنوها في أعين بني آدم، وزينوها في قلوبهم، واجعلوا أكثر أعوانكم على ذلك النساء، فمن أبوابهن فادخلوا عليهم فنعم العون هن لكم.
ثم الزموا ثغر اليدين والرجلين، فامنعوها أن تبطش بما يضركم وتمشي فيه. اللهم ألحقنا بعبادك الصالحين الأبرار، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ’ وقنا عذاب النار، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وقال ﵀ يحكيه في التحذير عن إبليس وجنوده:
واعملوا أن أعوانكم على لزوم الثغور مصالحة النفس الأمارة
стр. 1302
فأعينوها واستعينوا بها، وأمدها واستمدوا منها، وكونوا معها على حرب النفس المطمئنة فاجتهدوا في كسرها وابطال قواها ولا سبيل إلى ذلك ألا بقطع موادها عنها.
فإذا انقطعت موادها وقويت مواد النفس الأمارة، وانطاعت لكم أعوانها فاستنزلوا القلب من حصنه، واعزلوه عن مملكته، وولوا مكانه النفس المارة، فأنها لا تأمر إلا بما ترونه وتحبونه، ولا تجيئكم بما تكرهونه البتة، مع أنها لا تخالفكم في شيء تشيرون به عليها، بل إذا أشرتم عليها بشيء بادرت إلى فعله.
فان أحسنتم من القلب منازعة إلى مملكته، وأردتم الأمن من ذلك فاعقدوا بينه وبين النفس عقد النكاح، فزينوها وجملوها وأوروها إياه في أحسن صورة عروس توجد، وقولوا له: ذق طعم هذا الوصال وتمتع بهذه العروس، كما ذقت طعم الحرب وباشرت مرارة الطعن والضرب.
ثم وازن بين لذة هذه المسألة ومرارة تلك المحاربة، فدع الحرب تضع أوزارها، فليست بيوم وتنقضي، وإنما هو حرب متصل بالموت، وقواك تضعف عن حرب دائم.
واستعينوا يا بني بجندين عظيمين لن تغلبوا معهما:
أحدهما: جند الغفلة، فأغفلوا قلوب بني آدم عن الله تعالى والدار الآخرة بكل طريق، فليس لكم شيء أبلغ في تحصيل غرضكم من ذلك، فإن القلب إذا غفل عن الله تعالى تمكنتم منه ومن إغوائه.
стр. 1303
والثاني: جند الشهوات، فزينوها في قلوبهم، وحسنوها في أعينهم وصلوا عليهم بهذين العسكريين، فليس لكم من بني آدم ابلغ منهما، واستعينوا على الغفلة بالشهوات، وعلى الشهوات بالغفلة وأقرنوا بين الغافلين.
ثم استعينوا بهما على الذاكر، ولا يغلب واحد خمسة، فإن مع كل واحد من الغافلين شيطانين صاروا أربعة، وشيطان الذكر معهم، وإذا رأيتم جماعة مجتمعين على ما يضركم_ من ذكر الله أو مذاكرة أمره ونهيه ودينه، ولم تقدروا على تفريقهم- فاستعينوا عليهم ببني جنسهم من الأنس البطالين، فقربوهم منهم، وشوشوا عليهم بهم.
وبالجملة فأعدوا للأمور أقرانها، وادخلوا على كل واحد من بني آدم من باب إرادته وشهوته، فساعدوه عليها، وكونوا أعوانا له على تحصيلها، وإذا كان الله قد أمرهم أن يصيروا لكم ويصابروكم ويرابطوا عليكم الثغور فاصبروا وأنتم صابروا ورابطوا عليهم بالثغور، وانتهزوا فرصكم فيهم عند الشهوة والغضب، فلا تصطادون بني آدم في أعظم من هذين الموطنين.
واعلموا أن منهم من يكون سلطان الشهوة عليه أغلب وسلطان غضبه ضعيف مقهور، فخذوا عليه طريق الشهوة، ودعوا طريق الغضب، ومنهم من يكون سلطان الغضب عليه أغلب، فلا تخلوا طريق الشهوة قلبه، ولا تعطلوا ثغرها، فإن من لم يملك نفسه عند الغضب فإنه بالحري أن لا يملك نفسه عند الشهوة، فزوجوا بين غضبه وشهوته وامزجوا أحدهما بالآخر، وادعوه إلى الشهوة من باب الغضب، والى الغضب من طريق الشهوة.
стр. 1304
واعلموا أنه ليس لكم في بني آدم سلاح أبلغ من هذين السلاحين وإنما أخرجت أبويهم من الجنة بالشهوة وإنما ألقيت العداوة بين أولادهم بالغضب فبه قطعت أرحامهم وسفكت دمائهم وبه قتل أحد ابني آدم أخاه واعلموا أن الغضب جمرة في قلب ابن آدم والشهوة نار تثور من قلبه وإنما تطفأ النار بالماء والصلاة والذكر والتكبير.
فإياكم أن تمكنوا ابن آدم عند غضبه وشهوته من قربان الوضوء والصلاة فان ذلك عنهم نار الغضب والشهوة وقد أمرهم نبيهم بذلك فقال إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أودجه فمن أحس بذلك فليتوضأ وقال لهم إنما تطفأ النار بالماء وقد أوصاهم أن يستعينوا عليكم بالصبر والصلاة.
فحولوا بينهم وبين ذلك وأنسوهم إياه واستعينوا عليهم بالشهوة والغضب وأبلغ أسلحتكم فيهم وأنكاها الغفلة وأتباع الهوى وأعظم أسلحتهم فيكم وأمنع حصونهم ذكر الله ومخالفة الهوى فإذا رأيتم الرجل لهواه فاهربوا من ظله ولا تدنوا منه.
والمقصود أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه ويعينهم بها على نفسه فيقاتلونه بسلاحه ويكون معهم على نفسه وهذا غاية الجهل.
مَا يَبْلُغُ الأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ
مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ
انتهى كلامه ﵀ بتصرف يسير.
стр. 1305
وقال ﵀ يصف الدنيا:
لَكِنَّ ذَا الإِيمَانِ يَعْلَمُ أَنَّ هَا
ذَا كَالضَّلالِ وَكُلُّ هَذَا فَانِ
كَخَيَالِ طَيْفٍ مَا اسْتَتَمَّ زِيَارَةً
إِلا وَصُبْحُ رَحِيلِهِ بِأَذَانِ
وَسَحَابَةٍ طَلَعَتْ بِيَوْمٍ صَائِفٍ
فَالظِّلُّ مَنْسُوخٌ بِقُرْبِ زَمَانِ
وَكَزَهْرَةٍ وَافَى الرَّبِيعُ بِحُسْنِهَا
أَوْ لامِعًا فَكِلاهُمَا إِخْوَانِ
أَوْ كَالسَّرَابِ يَلُوحُ لِلظَّمْآنِ فِي
وَسَطَ الْهَجِيرِ بِمُسْتَوَى الْقِيعَانِ
أَوْ كَالأَمَانِي طَابَ مِنْهَا ذِكْرُهَا
بِالْقَوْلِ وَاسْتِحْضَارُهَا بِجَنَانِ
وَهِيَ الْغُرُورُ رُؤُوسُ أَمْوَالِ الْمَفَا
لِيسِ الأُولَى اتَّجَرُوا بِلا أَثْمَانِ
أَوْ كَالطَّعَامِ يَلَذُّ عِنْدَ مَسَاغِهِ
لَكِنَّ عُقْبَاهُ كَمَا تَجِدَانِ
هَذَا هُوَ الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَ الرَّسُو
لُ لَهَا وَذَا فِي غَايَةِ التِّبْيَانِ
وَإِذَا أَرَدْتَ تَرَى حَقِيقَتَهَا فَخُذْ
مِنْهُ مِثَالاً وَاحِدًا ذَا شَانِ
أَدْخِلْ بِجَهْدِكَ أَصْبُعًا فِي الْيَمِّ وَانْـ
стр. 1306
.. ـظُرْ مَا تَعَلَّقَهُ إِذَا بعَيَانِ
هَذَا هُوَ الدُّنْيَا كَذَا قَالَ الرَّسُو
لُ مُمَثِّلاً وَالْحَقُّ ذُو تِبْيَانِ
وَكَذَاكَ مَثَّلَهَا بِظِلِّ الدَّوْحِ فِي
وَقْتِ الْحَرُورِ لِقَائِلِ الرُّكْبَانِ
هَذَا وَلَوْ عَدَلَتْ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ
عِنْدَ الإِلَهِ الْحَقِّ فِي الْمِيزَانِ
لَمْ يَسْقِ مِنْهَا كَافِرًا مِنْ شَرْبَةٍ
مَاءً وَكَانَ الْحَقُّ بِالْحِرْمَانِ
تَاللهِ مَا عَقَلَ امْرُؤٌ قَدْ بَاعَ مَا
يَبْقَى بِمَا هُوَ مُضْمَحِلِّ فَانِ
هَذَا وَيُفْتِي ثُمَّ يَقْضِي حَاكِمًا
بِالْحِجْرِ مِنْ سَفَهٍ لِذَا الإِنْسَانِ
إِذْ بَاعَ شَيْئًا قَدْرُهُ فَوْقَ الَّذِي
يُعْتَاضُهُ مِنْ هَذِهِ الأَثْمَانِ
فَمَنِ السَّفِيهُ حَقِيقَةً إِنْ كُنْتَ ذَا
عَقْلٍ وَأَيْنَ الْعَقْلَ لِسَّكْرَانِ
وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْقُلُوبَ شَهِدْنَ مِنْ مِـ
نَا كَانَ شَأْنٌ غَيْرَ هَذَا الشَّانِ
نَفْسٌ مِنْ الأَنْفَاسِ هَذَا الْعَيْش إِنْ
قِسْنَاهُ بِالْعَيْشَ الطَّوِيل الثَّانِي
يَا خِسَّةَ الشُّرَكَاءِ مَعْ عَدَمِ الْوَفَا
стр. 1307
.. ءِ وَطُولَ جَفْوَتِهَا مِنْ الْهِجْرَانِ
هَلْ فِيكَ مُعْتَبَرٌ فَيَسْأَلُوا عَاشِقٌ
بِمَصَارِعِ الْعُشَّاقِ كُلَّ زَمَانِ
لَكِنْ عَلَى تِلْكَ الْعُيُونِ غِشَاوَةٌ
وَعَلَى الْقُلُوبِ أَكِنَّةُ النِّسْيَانِ
وَأَخُو الْبَصَائِرِ حَاضِرٌ مُتَيَقِّظُ
مُتَفَرِّدٌ عَنْ زُمْرَةِ الْعُمْيَانِ
يَسْمُوا إِلَى ذَلِكَ الرَّفِيقِ الأَرْفَعِ اَلأَ
عْلَى وَخَلَّى اللِّعْبَ لِلصِّبْيَانِ
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فَصِبْيَانٌ وَإِنْ
بَلَغُوا سِوَى الأَفْرَادِ وَالْوِحْدَانِ
وَإِذَا رَأَى مَا يَشْتَهِيهُ يَقُولُ مَوْ
عِدُكِ الْجِنَانُ وَجَدَّ فِي الأَثْمَانِ
وَإِذَا أَبَتْ إِلا الْجِمَاحَ أَعَاضَهَا
بِالْعِلْمِ بَعْدَ حَقَائِقِ الإِيمَانِ
وَيَرَى مِن الْخُسْرَانِ بَيْعَ الدَّائِمِ الْـ
بَاقِي بِهِ يَا ذِلَّةَ الْخُسْرَانِ
وَيَرَى مَصَارِعَ أَهْلِهَا مِنْ حَوْلِهِ
وَقُلُوبُهُمْ كَمَرَاجِلِ النِّيرَانِ
حَسَرَاتُهَا هُنَّ الْوُقُودُ فَإِنْ خَبَتْ
زَادَتْ سَعِيرًا بِالْوُقُودِ الثَّانِي
جَاؤُا فُرَادَى مِثْلَ مَا خُلِّقُوا بِلا
стр. 1308
.. مَالٍ وَلا أَهْلٍ وَلا إِخْوَانِ
مَا مَعَهُمُوا شَيْءٌ سِوَى الأَعْمَالِ فَهِـ
ـيَ مَتَاجِرٌ لِلنَّارِ أَوْ لِجِنَانِ
تَسْعَى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ شَوْقًا إِلَى الدَّ
ارِينِ سَوْقَ الْخَيْلِ بِالرُّكْبَانِ
صَبَرُوا قَلِيلاً فَاسْتَرَاحُوا دَائِمًا
يَا عِزَّةَ التَّوْفِيقِ للإِنْسَانِ
حَمَدُوا التُّقَى عِنْدَ الْمَمَاتِ كَذَا السُّرَى
عِنْدَ الصَّبَاحِ فَحَبَّذَا الْحَمْدَانِ
وَخَدَتْ بِهِمْ عَزَمَاتُهُمْ نَحْوَ الْعُلَى
وَسَرَوْا فَمَا نَزَلُوا إِلَى نُعْمَانِ
بَاعُوا الَّذِي يَفْنَى مِنْ الْخَزَفِ الْخَسِيـ
سِ بِدَائِمٍ مِنْ خَالِصِ الْعِقْيَانِ
رُفِعَتْ لَهُمْ فِي السَّيْرِ أَعْلامُ السَّعَا
دَةِ وَالْهُدَى يَا زَلَّةَ الْحَيْرَانِ
تَتَسَابَقَ الأَقْوَامُ وَابْتَدَرُوا لَهَا
كَتَسَابُقِ الْفُرْسَانِ يَوْمَ رِهَانِ
وَأَخُو الْهَوِينَا فِي الدِّيَارِ مُخَلَّفٌ
مَعْ شَكْلِهِ يَا خَيْبَةِ الْكَسْلانِ
(موعظة)
وعن الحسن البصري ﵁ انه قال: الدنيا دار عمل، فمن صحبها بالبغض لها، والزهاده فيها، والهضم لها، سعد بها، ونفعته صحبتها.
стр. 1309
ومن صحبها بالرغبة فيها، والمحبة لها، شقي بها، وأجحفت بحظه من الله تعالى، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه من عذاب الله وسخطه.
فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها يتحولون إلى منازل لا تبلى، ولا يغيرها طول الزمن، ولا العمر فيها يفنى فيموتون، ولا إن طال الثواء فيها يخرجون – ولا حول ولا قوة إلا بالله – ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك القلب.
نظرا ابن مطيع إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى، ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورًا، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا، ثم بكى حتى ارتفع صوته.
قال أبو زيد الرقي: قال أبو محمد الفضيل بن عياض ﵁ يا أبا زيد اشتريت دارًا؟ قلت: نعم. قال: وأشهدت شهودًا؟ قلت: نعم. قال: فإنه والله يأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسأل عن بيتك، فيخرجها منها عريانًا مجردًا.
فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالك، ووزنت فيها مالاً من غير حلة، فإذا أنت قد خسرت الدنيا والآخرة.
شِعْرًا: ... خُلِقْنَا لِلْحَيَاةِ وَلِلْمَمَاتِ
وَفِي هَذَيْنِ كُلُّ الْحَادِثَاتِ
وَمَنْ يُولَدْ يَعِشْ وَيَمُتْ كَأَنْ لَمْ
يَمُرَّ خَيَالُهُ بِالْكَائِنَاتِ
وَمَهْدُ الْمَرْءِ فِي أَيْدِي الرَّوَاقِي
كَنَعْشِ الْمَرْءِ بَيْنَ النَّائِحَاتِ
وَمَا سَلِمَ الْوَلِيدُ مِنْ اشْتِكَاءٍ
فَهَلْ يَخل الْمُعَمَّرُ مِنْ أَذَاتِ
стр. 1310
هِيَ الدُّنْيَا قِتَالٌ نَحْنُ فِيهَا
مَقَاصِدُ لِلْحِسَانِ وَلِلْقَنَاتِ
آخر: ... لَعَمْرُكَ مَا حَيُّ وَإِنْ طَالَ سَيْرُهُ
يُعَدُّ طَلِيقًا وَالْمَنُونُ لَهُ أَسْرُ
وَلا تَحْسَبَنَّ الْمَرْءَ فِيهَا بِخَالِدٍ
وَلَكِنَّهُ يَسْعَى وَغَايَتُهُ الْقَبْرُ
آخر: ... قِفْ بِالْقُبُور وَنَادِ الْمُسْتَقِرَّ بِهَا
مِنْ أَعْظُمٍ بَلَيْتَ فِيهَا وَأَجْسَادِ
قَوْمٌ تَقَطَّعَتِ الأَسْبَابُ بَيْنَهُوا
بَعْدَ الْوِصَالِ فَصَارُوا تَحْتَ أَلْحَادِ
وَاللهُ لَوْ بُعْثَرُوا يَوْمًا وَلَوْ نُشِرُوا
قَالُوا بِأَنَّ التُّقَى مِنْ أَعْظِمِ الزَّادِ
آخر: ... نُراعُ لِذِكْرِ الْمَوْتِ سَاعَةَ ذِكْرِهِ
وَتَعْتَرِضُ الدُّنْيَا فَنَلهُوا وَنَلْعَبُ
يَقِينٌ كَأَنَّ الشَّكَّ غَالِبُ أَمْرِهِ
عَلَيْهِ وَعِرْفَانُ إِلَى الْجَهْلِ يُنْسَبُ
آخر: ... وَدُنْيَاكَ الَّتِي غَرَّتْكَ مِنْهَا ... زَخَارِفُهَا تَصِيرُ إِلَى انْجِذَاذِ
تَزَحْزَحْ عَنْ مَهَالِكِهَا بِجُهْدٍ ... فَمَا أَصْغَى إِلَيْهَا ذُو نَفَاذِ
стр. 1311
لَقَدْ مُزِجَتْ حَلاوَتُهَا بِسُمٍّ ... فَمَا كَالْحِذْرِ مِنْهَا مِنْ مَلاذِ
عَجِبْتُ لِمُعْجِبٍ بِنَعِيمِ دُنْيَا ... وَمَغْبُونِ بِأَيَّامٍ لِذَاذِ
وَمُؤْثِرٍ الْمَقَامَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ ... عَلَى بَلَدٍ خَصِيبِ ذِي رَذَاذِ
اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وصلى آله على محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين.
فوائد ومواعظ ونصائح
قال أحد العلماء: اعلم أنه لا يسلم إنسان من النقص إلا من عصمه الله كالرسل قال الله جل وعلا عن الإنسان ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ وقال ﷺ : «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» . فمن خفيت عليه عيوبه فقط سقط.
وصار من السخف والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقله الفهم بحيث لا يختلف عن متخلف من الرذائل.
وعليه أن يتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والسؤال عنها بدقه وأكثر من يفهم عيوب الإنسان أعداؤه لأنهم دائمًا ينقبون عنها ٠
وكذلك الأصدقاء الناصحين الصادقين المنصفين يفهمونها غالبًا.
فالعاقل يشتغل بالبحث عنها والسعي في إزالتها ولا يتعرض لعيوب الناس التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من باب النصيحة.
كما لو رأى إنسانا معجبًا بنفسه فيبدى له النصح وجها لوحه لا خلف ظهره.
стр. 1312
واحذر أن تقارن بينك وبين من هو أكثر منك عيوبًا فتستسهل الرذائل وتهاون بعيوبك.
لكن قارن بين نفسك ومن هو أفضل منك لتسلم من عجبك بنفسك وتفيق من داء الكبر والعجب الذي يولد عليك الاستحقار والاستخفاف بالناس مع العلم بأن فيهم من هو خير منك.
فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله جل وعلا وتقدس يقول ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ .
فتسبب على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك مع ما تجنيه من الذنوب وطمس ما فيك من فضليه.
فإن كنت معجبًا بعقلك ففكر وتأمل في كل فكرة سوء تحل بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ ٠
وإن أعجبت بآرائك فتأمل وفكر في غلطاتك وسقطاتك واحفظها وتذكرها ولاتنسها٠
وفى رأي كنت تراه صوابًا فتبين لك خطؤك وصواب غيرك والغالب أن خطاك أكثر من الصواب.
وهكذا ترى الناس غير الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك هل بيتك خال من الملاهي والمنكرات مثل الصور والتلفاز والمذياع وأغانيه والمجلات والجرائد التي فيها صور ذوات الأرواح ٠
وهل هو خال من الأولاد الذي لا يشهدون الجماعة وهل أنت سالم من الغيبة وإخلاف الوعد والكذب والحسد والكبر والرياء.
والعقوق وقطيعه الرحم والظلم والربا والدخان وحلق اللحية٠
стр. 1313
والغش وقول الزور وسوء الظن بالمسلمين والتجسس والاحتقار لهم ونحو ذالك.
فأنت إذا تفقدت نفسك وبيتك وأولادك وجدت عندك من الشرور والآثام ما بعضه يغلب على ما أعجبت به من عملك لا تدرى هل هو مقبول أو مردود.
وإن أعجبت بعلمك أو عملك فأعلم أنه موهوبة من العزيز العليم وهبك إياها فلا تقابلها بما يسخطه عليك ٠قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ .
قال الله جل وعلا ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وقال ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
وأسأل الله أن يزيد منه، وأن يجعله حجة لك لا عليك، قال ﵎ ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ .
وتفكر فيما تحمله من العلم هل أنت عامل به أم لا واجعل مكان عجبك بنفسك واستنقاصًا لها واستقصارًا فهو أولى بك.
وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، ثم اعلم أن العلم الذي تفتخر فيه ربما يكون وبالاً عليك.
فيكون الجاهل أحسن حالاً ومالاً وأعذر منك فبذلك التفكير يزول العجب والكبر عنك وتهون نفسك عندك حينئذٍ.
وإن أعجبت بشجاعتك وقوتك فتفكر فيمن هو أشجع وأقوى منك ثم أنظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها.
فإن كنت صرفتها في معصية الله فأنت آثم لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمنا لها٠
стр. 1314
وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بإعجابك بعملك.
ثم تفكر في زوالها عنك وقت الكبر عندما تنحل قوتك ويضعف جسمك وتدفع الأرض عند قيامك وقعودك ومردك إليها ٠
تَسَاقَطُ أَسْنَانٌ وَيَضْعُفُ نَاضِرٌ ... وَتَقْصُرُ خُطْوَاتٌ وَيَثْقُل مَسْمَعُ
قال الله جل وعلا وتقدس ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ٠
وقال وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره٠
بل غرضه تتبع مرضاه الله تعالى أينما كانت فمدار تعبده عليها فلا يزال متنقلاً في منازل العبودية كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها ٠
حتى تلوح له منزله أخرى فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره ٠
فإن رأيت العلماء رأيته معهم ٠
وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم ٠
وإن رأيت العباد رأيته معهم ٠
وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم ٠
وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم ٠
وإن رأيت أرباب الجمعية وعكوف القلب على الله رأيته معهم ٠
فهذا هو العبد المطلق الذي لم تملكه الرسوم ولم تقيده القيود ٠
ولم يكن عمله على مراد نفسه وما فيه لذتها وراحتها من العبادات.
بل هو على مراد ربه ولو كانت لذة نفسه وراحتها في سواه.
стр. 1315
فهذا هو المتحقق ب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حقا القائم بهما صدقا.
ملبسة ما تهيا، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليا.
لا تملكه إشارة ولا يتعبده قيد ولا يستولي عليه رسم حر مجرد دائر مع الأمر حيثما دار.
يدين بدين الآمر أنى توجهت ركائبه ويدور معه حيث استقلت مضاربه.
يأنس به كل محق ويستوحش منه كل مبطل كالغيث حيث وقع نفع وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله والغضب إذا انتهكت محارمه فهو لله وبالله ومع الله.
فواها له ما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم وما أعظم أنسه بالله وفرخه به وطمأنينته وسكونه إليه والله المستعان وعليه التكلان.
والله أعلم وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(فوائد ومواعظ)
من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الطاعات وترك الندم على ما فعلته من الذنوب والزلات.
وقد جاء في الخبر من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن.
فإذا لم يكن بهذا الوصف فهو ميت القلب.
وإنما كان ذلك من قبل أن أعمال العبد الحسنة علامة على وجود ﵁.
стр. 1316
وإن أعماله السيئة علامة على وجدود سخط الله عليه.
فإذا وفق الله عبده للأعمال الصالحة سره ذلك لأنه علامة على رضاه عنه وغلب حينئذ رجاؤه.
وإذا خذله ولم يعصمه فعمل بالمعاصي ساءه ذلك وأحزنه لأنه علامة على سخط عليه وغلب عليه حينئذ خوفه.
والرجاء يبعث على الجد والاجتهاد في الطاعات غالبا.
والخوف يبعث على المبالغة في اجتناب المعاصي والسيئات.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أتاه آت
فلما حاذانا ورأى جماعتنا أناخ راحلته ثم مشي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول أوضعت راحلتي من مسيرة تسع فسيرتها إليك ستًا.
وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وانضيت راحلتي لأسألك عن اثنتين أسهرتاني.
فقال له النبي ﷺ : «من أنت» . قال: زيد الخيل قال: «بل أنت زيد الخير» .
سل فرب معضلة قد سألت عنها.
قال: جئت أسألك عن علامة الله فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد.
فقال النبي ﷺ : «بخ بخ كيف أصبحت يا زيد.
قال: أصبحت أحب الخير وأهله وأحب أن يعمل به.
وإذا فأتني حنيت وإذا عملت عملاً أيقنت بثوابه.
قال: «هي بعينها يا زيد» .
ولو أرادك الله للأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت.
стр. 1317
قال زيد: حسبي حسبي ثم ارتحل فلم يلبث.
من علامات التوفيق دخول أعمال البر عليك من غير قصدٍ لها.
وصرف المعاصي عنك مع السعي إليها.
وفتح اللجاء والافتقار إلى الله تعالى في كل الأحوال.
وإتباع السيئة بالحسنة.
وعظم الذنب في قلبك وإن كان من صغائر الذنوب.
والإكثار من ذكر الله وحمده وشكره وتنزيهه والثناء عليه.
والاستغفار وشهود التقصير في الإخلاص والغفلة في الأذكار والنقصان في الصدق والفتور في المجاهدة وقلة المراعات في الفقر.
فتكون جميع أحواله عنده ناقصة على الدوام ويزداد فقرا والتجاء إلى الله في قصده وسيره.
ومن علا مات الخذلان تعسر الطاعات عليك مع السعي فيها ودخول المعاصي عليك مع هربك منها.
وغلق باب الالتجاء إلى الله وترك التضرع له وترك الدعاء وإتباع الحسنة السيئات واحتقارك لذنوبك وعدم الاهتمام بها وإهمال التوبة والاستغفار ونسيانك لربك.
وقتل الوقت عند الملاهي والمنكرات ونسيان القرآن والاستبدال بقراءته قراءة الكتب الضارة والجرائد والمجلات والجلوس عند التلفاز والسينما والمذياع ويخشى على أهل هذه المنكرات من سوء الخاتمة وأن يكون آخر كلامهم من الدنيا التحدث بها نسأل الله العافية.
فينبغي لمن من الله عليه وعافاه من هذه البلايا والمنكرات والشرور أن
стр. 1318
يحمد الله دائمًا ويشكره ويكثر من ذكره ويسأله الثبات حتى الممات، وإذا رأيت من ابتلي بشيء من هذه المحدثات التي عمت وطمت وأفسدت الأخلاق فابذل له النصح جهدك فيما بينك وبينه واحذر من نصحه علنا بين الناس قال بعضهم:
تَعَمَّدَنِي بِنُصْحٍ فِي انْفِرَادِ ... وَجَنِّبْنِي النَّصِيحَةَ فِي الْجَمَاعَةْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ ضَرْبٌ ... مِنَ التَّوْبِيخِ لا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ
فَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْتَ أَمْرِي ... فَلا تَغْضَبْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَةْ
آخر:
فَيَا وَيْحَ أَهْلِ الظُّلْمِ وَاللَّهْوِ وَالْغِنَا ... إِذَا أَقْبَلَتْ يَوْمَ الْحِسَابِ جَهَنَّمُ
وَرَاعَهُمُ مِنْهَا تَغَيُّظُ مُحْنَقٍ ... لِخَوْفْ عَذَابٍ فِي لَظَاهَا يُحَطِّمُ
إِذَا مَا رَآهَا الْمُجْرِمُونَ وَأَيْقَنُوا ... بِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا شَرَابٌ وَمَطْعَمُ
ضَرِيعٌ وَزَقُّومٌ وَيَتْلُوه مَشْرَبٌ ... حَمِيمٌ لأَمْعَاءِ الشَّقِّيينَ يَهْذِمُ
وَمِنْ قَطْرَانٍ كِسْوَة قَدْ تَسَرْبَلُوا ... وَسِيقُوا لِمَا فِيهِ الْعَذَابُ الْمُخَيِّمُ
آخر:
قُلْ لِلْمُؤَمِّلِ إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكْ ... وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الْمَوْتُ فِي نَظَرِكْ
فِيمَنْ مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ ... وَمَنْ يَمُتْ كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ مِنْ نَذُرُكْ
دَارٌ تُسَافِرُ عَنْهَا فِي غَدٍ سَفَرًا ... وَلا تَؤُبُ إِذَا سَافَرْتَ مِنْ سَفَرِكْ
تُضْحِي غَدًا سَمَرًا لِلذَّكِرِينَ كَمَا ... كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا بِالأَمْسِ مِنْ سَمَرِكْ
اللهم أمنن علينا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1319
(فَصْلٌ)
ثم أعلم أيها الأخ أنه ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها إلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذلك ينبغي للعاقل أن يجعل معه شيئًا يذكره لذكر الله كلما غفل عته.
ويقال إن العبد تعرض عليه ساعات عمره في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أرع وعشرين خزانة فيرى في كل خزائنه أمضاها في طاعة الله ما يسره. فإذا مرت به الساعات التي غفل فيها عن ذكر الله رآها فارغة ساءه ذلك وتندم حين لا يفيده الندم.
وأما الساعات التي كان يذكر الله فيها فلا تسأل عن سروره فيها وفرحه بها حتى يكاد أن يقتله الفرح والسرور. قال بعضهم أوقات الإنسان أربعة لا خامس لها النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية.
فمن كان وقته الطاعة لله فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه ووفقه للقيام بها.
ومن كان وقته المعصية فعليه بالتوبة والندم والاستغفار.
ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر والحمد لله والثناء عليه.
ومن كلن وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء والصبر والرضا رضى النفس عن الله، والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. أ. هـ.
العمر إذا مضى لا عوض وما حصل لك منه لا قيمة له. فعمر الإنسان هو ميدانه للأعمال الصالحة المقربة من الله تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الآخرة. ولكن ما يعرف قدر العمر إلا الذي نوادر العلماء.
قال الله جلا وعلا وتقدس ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال ﵎ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ وقال ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ الآيات.
стр. 1320
وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من اجلها وليس له منها إلا ما سعى كما قال جلا وعلا وتقدس ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .
فكل جزء يفوته من العمر خاليًا من عمل صالح.
يفوته من السعادة بقدره ولا عوض لها منه.
فالوقت لا يستدرك وليس شيء أعز منه وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من العمل الصالح يتوصل به إلى ملك كبير لا يفني ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك لأنه في غاية الشرف والنفاسة.
وللأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح ﵃ لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ولم يقنعوا لأنفسهم إلا بالجد والتشمير فلله درهم ما أبصرهم بتصرف أوقاتهم.
تَبْغِي الْوُصُولَ بِسَيْرٍ فِيهِ تَقْصِيرُ ... لا شَكَّ أَنَّكَ فِيمَا رُمْتَ مَغْرُورُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُوا ... هَذَا وَفِي سَيْرِهِمْ جَدٌّ وَتَشْمِيرُ
قال بعضهم: أدركت أقوامًا كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم فكما لا يخرج أحدكم دينارًا ولا درهمًا إلا فيما يعود نفعه عليه فكذالك السلف لا يحبون أن تخرج ساعة بل دقيقة من أعمارهم إلا فيما يعود نفعه عليهم ضد ما عليه أهل هذا الزمان من قتل الوقت عند المنكرات.
بَقِيَّةُ الْعُمْرِ عِنْدِي مَا لَهُ ثَمَنٌ ... وَإِنْ غَدَا غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الزَّمَنِ
يَسْتَدْرِكُ الْمَرْءُ فِيهَا كُلَّ فَائِتَةٍ ... مِنَ الزَّمَانِ وَيَمْحُو السُّوءَ بِالْحَسَنِ
آخر:
لا يَحْقِر الرَّجُلُ الرَّفِيعُ دَقِيقَةً ... فِي السَّهْوِ فِيهَا لِلْوَضِيعِ مَعَاذِرُ
فَكَبَائِرُ الرَّجُلِ الصَّغِيرُ صَغِيرَةٌ ... وَصَغَائِرُ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ كَبَائِرُ
رأى أحد الزهاد إنسان يأكل فطوره وهو يحتاج إلى مضغ فقال هذا
стр. 1321
يستغرق وقتًا طويلاً فلما اخرج فطوره وإذا هو ما سيستغرق إلا وقتًا يسيرًا.
فقال له: ما حملك على هذا فقال: إني حسبت ما بين المضغ والسف سبعين تسبيحة.
لله دره على هذه الملاحظة ولقد بلغنا أن أحد علماء السلف كان يأكل باليمنى والكراس باليسرى.
وإذا دخل الخلا أمر القارئ أن يرفع صوته كل هذا محافظة على الوقت.
بلغ يا أخي قتالة الأوقات عند الملاهي والمنكرات من تلفاز ومذياع وكورات وجرائد ومجلات وقيل وقال ونحو ذلك.
ويا أخي أن كنت ممن عصمهم الله من هذه الشرور والبلايا والمنكرات فكثر من حمد الله وشكره وذكره وأسأله الثبات حتى الممات.
وانصح إخوانك المسلمين واجتذبهم عم ضياع الأوقات فلعلك أن تكون سببًا لهدايتهم.
وَلا يَذْهَبَنَّ الْعُمُرُ مِنْكَ سَبَهْللا ... وَلا تُغْبَنَنْ بِالنَّعْمَتَيْنِ بَلْ اجْهِدِ
فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَاتَ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ ... أَكَبَّ عَلَى اللَّذَاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ
فََفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ اعْتِزَازُهَا ... وَفِي نَيْلِهَا مَا تَشْتَهِي ذِلُ سَرْمَدِ
ثم أعلم أيها الأخ إن الوقت ليس من ذهب كما يقول الناس فإنه أغلى من الذهب والفضة مهما بلغا كثرة إنه الحياة من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة فتنبه لذلك وحافظ عليه واقتد بالسلف الصالح الذين عرفوا قيمة الوقت.
قال ابن مسعود ﵁: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه من عمري ولم يزد فيه عملي.
وقال آخر كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علما يقربني من الله فلا بورك لي في طلوع شمسه.
стр. 1322
شِعْرًا:
لا تُعْطِ عَيْنَكَ إِلا غَفْوَةَ الْحَذَر ... وَاسْهَرْ لِنَيْلِ عُلُومِ الدِّينِ تَغْتَنِمِ
وَلا تَكُنْ فِي طِلابِ الْعِلْمِ مُعْتَمِدًا ... إِلا مُوجِدِ الأَشْيَاءِ مِنَ الْعَدَمِ
وقال آخر: من أمضى يومًا في عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمدٍ حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. ولا تسأل عن ندمه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه.
وإذا كان هذا حرص السلف على الوقت والمحافظة عليه وتقديره عندهم فإن مما يحزن المسلم ويجرحه ويدمي القلب ويمزق الكبد أسى وأسفًا ما نشاهده عند كثيرين من المؤمنين من إضاعة للوقت تعدت حد التبذير والإسراف والتبديد.
وبالحقيقة أن السفينة هو مضيع الوقت لأن المال له عوض أما الوقت فلا عوض له.
فالعاقل من حفظ وقته وتجنب ما يضيعه عليه كالجلوس عند الملاهي والمنكرات ومطالعة في الكتب الهدمات إن من أخسر الناس أعمارًا من شغلتهم شهواتهم عن أمور دينهم ومصالح أمورهم قال الله وتقدس ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ . وقال عز من قائل ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ .
شِعْرًا: ... مَا أَسْرَعَ الأَيَّامِ فِي طَيِّنَا ... تَمْضِي عَلَيْنَا ثُمَّ تَمْضِي بِنَا
فِي كُلِّ يَوْمٍ أَمَلٌ قَدْ نَأَى ... مَرَامُهُ عَنْ أَجَلِ قَدْ دَنَا
أَنْذَرْنَا اللهَ وَمَا نَرْعَوِي ... فَلَيْتَ إِنْذَارَهُ أَثَّرْ بِنَا
تَعَاشِيًا وَالْمَوْتُ فِي جَدِّهِ ... مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ وَمَا أَبْيَنَا
وَالنَّاسُ كَالأَجْمَالِ قَدْ قُرِبَتْ ... تَنْتَظِرُ الْحَيَّ لأَنْ يَظْعَنَا
تَدْنُو إِلَى الْعُشْبِ وَمِنْ خَلْفِهَا ... مُقَامِرٌ يَطْرُدُهَا بِالْقَنَا
стр. 1323
أَيْنَ الأُولَى شَادُوا مَبَانِيهِمْ ... تَهَدَّمُوا قَبْلَ انْهِدَامِ الْبِنَا
لا مُعْدِمٌ يَحْمِيهِ إِعْدَامُهُ ... وَلا يَقِي نَفْسَ الْغَنِيَّ الْغِنَى
كَيْفَ دِفَاعُ الْمَرْءِ أَحْدَاثَهَا ... فَرْدًا وَأَقْرَانُ اللَّيَالِي ثُنَى
حَطَّ رِجَالٌ وَرَكِبْنَا الذُّرَى ... وَعُقْبَةُ السَّيْرِ لِمَنْ بَعْدَنَا
وَالْحَازِمُ الرَّأْيَ الَّذِي يَغْتَدِي ... مُسْتَقْلِعًا يُنْذِرُ مُسْتَوْطِنَا
لا يَأْمَنُ الْمَوْتَ عَلَى غِرَّةٍ ... وَعَزَّ لَيْثُ الْغَابِ أَنْ يُؤْمِنَا
كَمْ غَارِسٍ أَمَّلَ فِي غَرْسِهِ ... فَأَعْجَلَ الْمِقْدَارُ أَنْ يَجْتَنَى
اللهم اسلك بنا سبل الأبرار، واجعلنا من عبادك المصطفين الأخيار، ومنن علينا بالعفو والعتق من النار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فَوائِدُ وَموَاعِظُ وَحِكِمٌ ونَصَائحُ وآدابٌ بَيْنَ السَّابقِ واللاَّحِقِ
ثلاثة يثبتن الود في قلب أخيك المسلم أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه.
صحبة الأشرار توجب سوء الظن بالأخيار.
البر شيء هين وجه طلق ولسان لين.
الصديق الكامل مفقود لذا قد يجد الإنسان في مجموع الأصدقاء الكمال المنشود قال ﷺ إن الله يحب السهل الطلق» .
لا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لا يترك بينك وبين حبيب صلحا. سوء الظن برهان على سوء أفعال صاحبه.
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
стр. 1324
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عُدَاتِهِ ... وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
قال أحدهم: صحبت المروزي في سفر فقال لي: لا بد في السفر من أمير أتحب أن تكون الأمير أو أنا فقلت بل أنت فأخذ مخلاة عباها وحملها على عاتقه.
فقلت: أنا أحملها قال لا أنا الأمير وعليك الطاعة وسرنا حتى المساء ولما أردنا النوم غطاني بكسائه وسهر يدفع عني المطر وكانت ليلة ماطرة.
فلما أصبحت قلت في نفسي ليتني للم أقل له أنت الأمير لأني كلما طلبت منه أن أحمل رفض وقال أنا الأمير وهكذا أما هو فقال لي إذا صحبت أحدًا في سفر فكن هكذا.
من أمثلة الإخلاص لله في الأعمال أن جيشًا مسلمًا حاصر مدينة ذات سور منيع يستدعي شهورًا طويلة.
وفي أحدى الليالي جاء إلى القائد أحد الجنود يقول له لقد نقبت في السور نقبًا يمكننا أن ندخل منه لداخل المدينة ونفتح باب السور فأرسل معي من يدخل النقب فإذا فتحنا الباب أدخل الجيش.
فأرسل معه رجالاً دخلوا مع النقب وفتحوا الباب فدخله القائد واستولوا على المدينة ليلاً.
وفي اليوم الثاني نادى المنادي صاحب النقب ليعطى جائزته على عمله وطلبه القائد فلم يأته أحد.
وفي الثاني والثالث نادى المنادى يطلب حضور صاحب النقب فلم يأته أحد.
وفي اليوم الرابع أتى الجندي صاحب النقب إلى القائد فقال له أنا أدلك على صاحب النقب.
стр. 1325
فقال أين هو قال بثلاثة شروط.
الشرط الأول أن لا تكافئه على عمله.
والشرط الثاني أن لا تدل أحدًا عليه.
والثالث أن لا تطلبه ثانية.
فقال وافقنا على ذلك فقال الجندي: أنا صاحب النقب نقبته ابتغاء رضوان الله.
ثم ذهب فتعجب القائد وكان إذا صلى ربما دعا الله أن يجعله مع صاحب النقب.
شِعْرًا:
يَا رَبِّ مَا لِي غَيْرَ لُطْفِكَ مَلْجًا ... وَلَعَلَّنِي عَنْ بَابِهِ لا أُطْرَدُ
يَا رَبِّ هَبْ لِي تَوْبَةً أَقْضِي بِهَا ... دِينًا عَليَّ بِهِ جَلالُكَ يَشْهَدُ
أَنْتَ الْخَبِيرُ بِحَالِ عَبْدِكَ إِنَّهُ ... بِسَلاسِلِ الْوِزْرِ الثَّقِيلِ مُقَيَّدُ
أَسَفًا عَلَى عُمْرِي الَّذِي ضَيَّعْتُهُ ... تَحْتَ الذُّنُوبِ وَأَنْتَ فَوْقِي تَرْصُدُ
يَا رَبِّ قَدْ ثَقَلُتْ عَليَّ كَبَائِرٌ ... بَإِزَاءِ عِينِي لَمْ تَزَلْ تَتَرَدَّدُ
يَا رَبِّ إِنْ أَبْعَدتُ عَنْكَ فَإِنَّ لِي ... طَمعًا بِرَحْمَتِكَ الَّتِي لا تُبْعِدُ
أَنْتَ الْمُجِيبُ لِكُلِّ دَاعٍ يَلْتَجِي ... أَنْتَ الْمُجِيرُ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَنْجِدُ
مِنْ أَيِّ بَحْرٍ غَيْرَ بَحْرِكَ نَسْتَقِي ... وَلأَيِّ بَابٍ غَيْرَ بَابِكَ نَقْصُدُ
جمع أحد العلماء بعض علامات حسن الخلق فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، وقورًا صدوق اللسان، قليل الكلام إلا في ذكر الله وما ولاه.
كثير العمل للآخرة أو ما هو وسيلة إليها، قليل الفضول، برًا، وصولاً صبورًا، رضيًا شكورًا، حليمًا، رفيقًا، لينًا، عفيفًا شفيقًا.
стр. 1326
لا لعان ولا سباب، ولا نمام، ولا مغتاب، ولا جاسوس، ولا عجول، ولا حقود، ولا حسود، ولا بخيل ولا غضوب.
هشاشًا بشاشًا، لطيفًا، ورؤوفًا، وعطوفًا على المؤمنين يحب في الله ويبغض في الله.
حكي عن بعض الزهاد في صفة المؤمن والمنافق وفيه تنبيه على حسن الخلق وسوء الخلق.
فقال المؤمن مشغول بالذكر والعمل، والمنافق مشغول بالحرص والأمل.
والمؤمن آيس من كل احدٍ إلا من الله، والمنافق خائف من كل أحدٍ إلا من الله.
والمؤمن يقدم ماله دون دينه والمنافق يقدم دينه دون ماله، والمؤمن يحسن عمله ويبكي والمنافق يسيء ويضحك.
والمؤمن يحب الوحدة إذا لم ترجح مصلحة الخلطة عليها والمنافق يحب الخلطة والملاء.
والمؤمن يزرع ويخشى الفساد والمنافق يقلع ويرجو الحصاد، والمؤمن يامر بالمعروف وينهى عن المنكر فيصلح والمنافق يأمر وينهى للرئاسة فيفسد.
وأحسن ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى احتمال الجفاء.
ولقد كان النبي ﷺ في غاية الاحتمال لكل أذى والصبر لله وقد شرح الله له صدره. وأساء بمن قبله من الأنبياء بقوله جل وعلا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال جل وعلا ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
شِعْرًا: ... فِعَالِي قَبِيحٌ وَظَنِّي حَسَنٌ ... وَرَبِّي غَفُورٌ كَثِيرُ الْمِنَنْ
تُبَارِزْ مَوْلاكَ يَا مَنْ عَصَى ... وَتَخْشَى مِنَ الْجَارِ لِمَا فَطِنْ
رَكِبْتُ الْمَعَاصِي وَشَيْبِي مَعِي ... فَوَاللهِ يَا نَفْسُ مَاذَا حَسَنْ
стр. 1327
فَقُومِي الدِّيَاجِي لَهُ وَارْغَبِي ... وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الْمِنَنْ
وَقُولِي لَهُ يَا عَظِيمَ الرَّجَا ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْفُ عَنِّي فَمَنْ
اللهم اسلك بنا مسلك الصادقين الأبرار، وألحقنا بعبادك المصطفين الأخيار، وأتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
(فَصْلٌ)
? جاء ثلاثة إلى الحسين بن علي واشتكى الأول قلة المطر والغيث فقال له: أكثر من الاستغفار.
واشتكى الثاني العقم فقال له: أكثر الاستغفار.
واشتكى الثالث جدب الأرض وقلة النبات فقال له: أكثر الاستغفار.
فقال له أحد جلسائه يا ابن رسول الله كل الثلاثة مختلف الشكاية وأنت وحدت الجواب بينهم.
فقال ﵁: أما قرأتم قول الله جل وعلا ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ .
خطب عبد الملك يومًا خطبة بليغة ثم قطعها وبكى ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة وإن قليل عفوك أعظم منها.
اللهم فاصفح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، فبلغ ذلك الحسن البصري فبكى. وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام.
قيل لخالد بن يزيد وكان رجل زاهد وصلاح فيما يظهر ما أقرب الأشياء قال: الأجل، قيل فما أبعد الأشياء؟ قال: الأمل. قيل: فما أوحش الأشياء؟ قال: الميت.
قال أحد العلماء: ازهد الناس في الدنيا وإن كان عليها حريصًا من لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب مع حفظ الأمانات.
стр. 1328
وأرغب الناس فيها وإن كان عنها معرضًا من لم يبال من أين ما كسبه منها حلالاً كان أو حرامًا.
وإن أجود الناس بالدنيا من جاد بحقوق الله وحقوق خلقه وإن رآه الناس بخيلاً فيما سوى ذلك.
وإن ابخل الناس من بخل بحقوق الله وما عليه من حقوق الخلق وإن رآه الناس كريمًا جوادًا فيما سوى ذلك.
وقال بعضهم إن امرئ أذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة.
وقال آخر إذا سألت رجلاً كريمًا حاجًة فأمهله يفكر فإنه في الغالب لا يفكر إلا بخير.
وإذا سألت لئيمًا حاجة فلا تمهله لأنه إلى الردى أقرب وطبعه إلى المنع أحرى.
من كثرت نعم الله عنده كثرت حوائج الناس إليه.
فإن قام بشكر الله وأدى ما يجب لله فيها عليه عرضها للبقاء وإن لم يقم بذلك عرضها للزوال وعرض نفسه للذم.
قال بعضهم موصيًا ابنه يا بني إذا مر بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك وجسمك ومالك فأكثر من الشكر لله تعالى.
فكم من مسلوب دينه ومنزوع ملكه ومهتوك ستره ومقصوم ظهره في ذلك اليوم وأنت في عافية.
قيل لبعضهم أي الكنوز أعظم قدرًا قال العلم الذي خف محمله فثقلت مفارقته وكثرت مفارقته وخفي مكانه وأمن عليه من السرقة.
فهو في الملاء جمال وفي الوحدة أنيس ويرأس به الخسيس ولا يقدر حاسدك نقله عنك.
قيل فالمال قال ليس كذلك محمله ثقيل والهم به طويل إن كنت في ملاء شغلك الفكر فيه وإن كنت في خلوة أتعبتك حراسته.
стр. 1329
قيل لبعضهم من أضعف الناس قال من ضعف عن كتمان سره، قيل فمن أقواهم، قال من قوي على غضبه، قيل فمن أصبرهم قال من ستر فاقته، قيل فمن أغناهم قال من قنع بما يسره الله له.
وقال آخر من توفيق الله للقاضي أن يكون فيه خمس خصال الحلم والنزاهة عن الطمع، وجودة العقل، والاقتداء بالعلماء المتبعين للكتاب والسنة، ومشاورة أهل الرأي من ذوى العقول الراجحة.
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
قال بعض العلماء: اعلم أن بني آدم طائفتان طائفة نظروا إلى شاهد خيال الدنيا وتمسكوا بتأميل العمر الطويل ولم يتفكروا في النفس الأخير.
وطائفة عقلاء جعلوا النفس الأخير نصب أعينهم لينظروا ماذا يكون مصيرهم وكيف يخرجون من الدنيا ويفارقونها سالم إيمانهم.
وما الذي ينزل معهم من الدنيا في قبورهم وما الذي يتركونه لأعدائهم ويبقى عليهم وباله ونكاله.
وهذه الفكرة واجبة على كافة الخلق وهي على الملوك وأهل الدنيا أوجب لأنهم كثيرًا ما أزعجوا قلوب الخلق وأدخلوا في قلوبهم الرعب.
فان لله ملكا يعرف بملك الموت لا مهرب لأحد من مطالبته.
وكل موكلي ملوك الدنيا يأخذون جعلهم ذهبًا وفضًة وطعامًا.
وملك الموت لا يأخذ سوى الروح.
وسائر موكلي السلاطين تنفع عندهم الشفاعة وهذا إذا جاء لقبض الروح لا تنفع عنده الشفاعة.
وكثير من الموكلين يمهلون من يوكلون به اليوم والساعة.
стр. 1330
وهذا الموكل لا يهمل ولا نفسًا واحدًا قال الله ﷻ وتقدست أسماؤه ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
ويروي أنه كان ملك كثير المال قد جمع مالاً عظيمًا وأحتشد من كل نوع خلقه الله تعالى من الدنيا ليرفه نفسه ويتفرغ لأكل ما جمعه، فجمع نعمًا طائلة وبني قصرًا عاليًا مرتفعًا ساميًا يصلح للملوك والأمراء والأكابر والعظماء وركب عليه بابين محكمين.
وأقام عليه الغلمان والحراسة والأجناد والبوابين كما أراد وأمر بعض الأنام أن يصطنع له من أطيب الطعام وجمع أهله وحشمه وأصحابه وخدمه ليأكلوا عنده وينالوا رفده.
وجلس على سرير مملكته واتكأ على وسادته وقال: يا نفس قد جمعت أنعم الدنيا بأسرها فالآن افرغي لذلك وكلي هذه النعم مهنأةً بالعمر الطويل، والحظ الجزيل.
فلم يفرغ مما حدث به نفسه حتى أتى رجل من ظاهر القصر عليه ثياب خلقة ومخلاته في عنقه معلقة على هيئة سائل يسأل الطعام فجاء وطرق حلقة الباب طرقة عظيمة هائلة بحيث تزلزل القصر وتزعزع السرير.
وخاف الغلمان ووثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا يا ضيف ما هذا الحرص وسوء الأدب اصبر إلى أن نأكل ونعطيك مما يفضل.
فقال لهم قولوا لصاحبكم ليخرج إلي فلي إليه شغل مهم وأمر ملم فقالوا له: تنح أيها الضيف من أنت حتى نأمر صاحبنا بالخروج إليك.
فقال: أنتم عرفوه ما ذكرت لكم فلما عرفوه قال: هلا نهرتموه وجردتم عليه وزجرتموه.
ثم طرق حلقة الباب أعظم من طرقته الأولى فنهضوا من أماكنهم بالعصى والسلاح وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة.
стр. 1331
وقال: الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت فطاشت حلومهم وارتعدت فرائضهم وبطلت عن الحركة جوارحهم.
فقال الملك: قولوا له ليأخذ بدلاً مني وعوضًا عني فقال: ما آخذ إلا روحك ولا أتيت إلا لأجلك لأفرق بينك وبين النعم التي جمعتها والأموال التي حوتها وخزنتها.
فتنفس الصعداء وقال لعن الله هذا المال الذي غرني وأبعدني ومنعني من عبادة ربي وكنت أظن أنه ينفعني فاليوم صار حسرتي وبلائي وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي.
فأنطق الله تعالى المال حتى قال لأي سبب تلعني العن نفسك فإن الله تعالى خلقني وإياك من تراب وجعلني في يدك لتتزود بي إلى آخرتك وتتصدق بي على الفقراء وتزكي بي على الضعفاء.
ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر لأكون عونا لك في اليوم الآخر فجمعتني وخزنتني وفي هواك أنفقتني ولم تشكر الله في حقي بل كفرتني فالآن تركتني لأعدائك وأنت بحسرتك وبلائك.
فأي ذنب لي فتسبني وتلعنني ثم إن ملك الموت قبض روحه قبل أكل الطعام فسقط عن سريره صريع الحمام.
وقال يزيد الرقاشي: كان في بني إسرائيل جبار من الجبابرة وكان في بعض الأيام جالسًا على سرير مملكته فرأى رجلاً قد دخل من باب الدار ذا صورة منكرة وهيئة فاشتد خوفه من هجومه وهيئته وقدومه فوثب في وجهه وقال: من أنت أيها الرجل ومن أذن لك في الدخول إلى داري.
فقال أذن لي صاحب الدار وأنا الذي لا يحجبني حاجب ولا أحتاج في دخولي على الملوك إلى إذن ولا أرهب سياسة السلطان ولا يفزعني جبارٌ ولا لأحدٍ من قبضتي فرار فلما سمع هذا الكلام خر على وجهه ووقعت الرعدة في جسده.
стр. 1332
وقال: أنت ملك الموت قال: نعم قال أقسم عليك بالله إلا أمهلتني يومًا واحدًا لأتوب من ذنبي وأطلب العذر من ربي وأورد الأموال التي أودعتها خزائني إلى أربابها ولا تحمل مشقة عذابها.
فقال: كيف أمهلك وأيام عمرك محسوبة وأوقاتها مكتوبة فقال أمهلني ساعة، فقال إن الساعات في الحساب وقد عبرت وأنت غافل وأنقصت وأنت ذاهل وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك نفس واحدٌ.
فقال من يكون عندي إذا نقلتني إلى لحدي فقال لا يكون عندك سوى عملك فقال ما لي عمل؟ فقال لا جرم يكون مقيلك في النار ومصيرك إلى غضب الجبار.
وقبض روحه فخر عن سريره وعلا الضجيج من أهل مملكته وارتفع ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربه لكان بكائهم عليه أكثر وعويلهم أوفر.
مَا لِنَفْسِي عَنْ مَعَادِي غَفَلَتْ ... أَتَرَاهَا نَسِيتَ مَا فَعَلَتْ
أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي لَهْوِ الْهَوَى ... كُلُّ نَفْسٍ سَتَرَى مَا عَمِلَتْ
أُفٍّ لِلدُّنْيَا فَكَمْ تَخْدَعْنَا ... كَمْ عَزِيزٍ فِي هَوَاهَا خَذَلَتْ
رُبَّ رِيحٍ بِأُنَاسٍ عَصَفَتْ ... ثُمَّ مَا إِنْ لَبَثَتْ أَنْ سَكَنَتْ
أَيْنَ مَنْ أَصْبَحَ فِي غَفْلَتِهِ ... فِي سُرُورٍ وَمُرَادَاتِ خَلَّتْ
أَصْبَحَتْ آمَالُه قَدْ خَسِرَتْ ... وَدِيَارُ لَهْوِهِ قَدْ خَرِبَتْ
فَغَدَتْ أَمْوَالُهُ قَدْ فُرِّقَتْ ... وَكَانَ دَارَهُ مَا سَكَنَتْ
جُزْ عَلَى الدَّارِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ ... ثُمَّ قُلْ يَا دَارُ مَاذَا فَعَلَتْ
أَوْجهٌ كَانَتْ بُدُورًا طُلِّعَا ... وَشُمُوسًا طَالَمَا قَدْ أَشْرَقَتْ
قَالَتْ الدَّارُ تَفَانُوا فَمَضُوا ... وَكَذا كُلُّ مُقِيمٍ إِنْ ثَبَتْ
عَايَنُوا أَفْعَالَهُمْ فِي تُرْبِهِمْ ... فَاسْأَلِ الأَجْدَاثَ عَمَّا اسْتُودِعَتْ
اللهم أحي قلوبنا أماتها البعد عن بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالأفضال، اللهم أيقظنا من غفلتنا بلطفك
стр. 1333
وإحسانك، وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال بعض العلماء ليس في العالم منذ كان إلى يتناهى أحد يستحسن الهم ولا يريد طرحه عن نفسه.
فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم.
بحثث عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الإنسان الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له فلم أجد إلا التوجه إلى الله بالعمل للآخرة.
وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم.
وإنما طلب الصيت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها.
وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل.
وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه.
وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ونكح من نكح ولبس من لبس ولعب من لعب واكتنز من اكتنز وركب من ركب ومشى من مشى وتودع من تودع.
ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم.
وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها.
стр. 1334
وقال ﵀ وجدت العمل للآخرة سالمًا من كل عيب خالصًا من كل كدرٍ موصلاً إلى طرد الهم على الحقيقة.
ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر.
إذ رجاؤه في عاقبة ما ينال به عون على ما يطلب وزائد في الغرض الذي إياه يقصد.
ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤآخذًا بذلك فهو غير مؤثر يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر.
وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصلٍ أبدًا وغيره بخلاف ذلك أبدًا.
وقال رحمه الله تعالى: ولو تدبر العالم في مرور ساعاته ماذا كفاه العلم من الذل بتسليط الجهال.
ومن الهم بمغيب الحقائق عنه ومن الغبطة بما قد بان له وجهه من الأمور الخفية عن غيره.
لزاد حمدًا وشكرًا وذكرًا لله وغبطة بما لديه من العلم ورغبة في المزيد منه.
أجل العلوم ما قربك إلى خالقك جل وعلا وما أعانك على الوصول إلى رضاه.
العلوم الغامضة كالدواء القوي يصلح الأجساد القوية ويهلك الأجساد الضعيفة.
وكذلك العلوم الغامضة تزيد العقل القوي جودة وتصفيه من كل آفة وتهلك ذا العقل الضعيف.
стр. 1335
العاقل في الدنيا متعب ومن جهة أخرى مستريح.
ووجه ذلك أنه متعبٌ ومتكدرٌ فيما يرى من انتشار الباطل وغلبة دولته وبما يخال بينه من إظهار الحق.
وأما وجه راحته فمن كل ما يهتم به سائر الناس من فضول الدنيا.
إذا حققت أمر لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل بين زمانين فقط.
وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن.
فمن أضل ممن يبيت باقيًا خالدًا بمدة هي لأقل من كر الطرف.
من شغل نفسه بأدنى العلوم وترك أعلاها وهو قادر عليه كان كغارس الأثل والسدر في الأرض التي يجود ويزكوا فيها النخيل والتين والموز والعنب.
نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم كإطعامك العسل والسكر والتمر من به مرض السكر ومن به احتراق وحمى.
وكتشميمك المسك والعنبر لمن به صداع الصفراء، أو به شقيقة وهو وجع نصف الرأس.
من أراد الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأعمال والأخلاق والآداب كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتدي بمحمد ﷺ وليستعمل أخلاقه وسيره.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
وقال ﵀ منفعة العلم في استعمال الفضائل عظيمة وهو أن يعلم حسن الفضائل فيأتيها ويعلم قبح الرذائل فيجتنبها ويستمع الثناء الحسن فيرغب في مثله والثناء الردى فينفر منه.
شِعْرًا: ... لا تَيْأَسَنَّ أَخَا الإِخْلاصِ فِي الْعَمَلِ ... عَلَى خُمُولِكَ أَنْ تَرْقَى عَلَى الْفَلَكَ
بَيْنَا تَرَى الذَّهَبَ الإِبْرِيزِ مُطَّرَّحًا ... فِي الأَرْضِ إِذْ صَارَ إِكْلِيلاً عَلَى الْمَلِكِ
следующие страницы →