Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
أو عندك كفار خدام أو سواقين أو عندك ملاهي كالتلفاز والفيديو أو عنك صور أو تشرب الدخان أو حلق لحية أو إسبال أو تشبه بكفار أو سفر لبلادهم.
أو لك أولاد يدرسون عندهم برضا منك أو أكلك وشربك ولبسك من شركاتٍ تتعامل بالربا أو أن عملك لا تؤديه كاملاً مكملاً وتأخذ ما عليه كاملاً.
أو لا تتنسخ من الزكاة أو نحو ذلك مما لا يحصره العد.
فتيقظ وحاسب نفسك وفتش عليها بدقةٍ وأسأل الله الحي القيوم أن يتجاوز عنك.
فَإِنْ تَنْجَ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ... وَإِلا فَإِنِّي لا إِخَالُكَ نَاجِيا
قال ﵎ ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ قيل إن هذه الآية أعظم آية في المؤاخذة.
ولما نزلت بكى عبد الله بن عمر ﵄ فقال ابن عباس يرحم أبا عبد الرحمن وإن الله ﵎ يقول ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ .
وقال ابن القيم ﵀: فمن له بصيرة بنفسه وبصيرة بحقوق الله وهو صادق في طلبه لم يبق له نظره في سيئاته حسنًة البتة فلا يلقى الله إلا بالإفلاس المحض والفقر الصرف.
لأنه إذا فتش عن عيوب نفسه وعيوب عمله علم أنها لا تصلح لله وأن تلك البضاعة لا تشترى بها النجاة من عذاب الله فضلاً عن الفوز بعظيم ثوابه.
فإن خلص له عمل وحال مع الله وصفًا له معه وقت شاهد منة الله عليه ومجرد فضله وأنه ليس من نفسه ولا هي أهل لذاك.
стр. 1402
فهو دائمًا مشاهد لمنة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله لأنه متى تطلبها رآها وهذا من أجل أنواع المعارف وأنفعها للعبد.
ولذلك كان سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» .
فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والاعتراف بأنه خالقه العالم به إذ أنشأه نشأةً تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه والاعتراف بأنه عبده الذي ناصيته بيده وفي قبضته لا مهرب له منه ولا ولي له سواه.
ثم التزم الدخول تحت عهده وهو أمره ونهيه الذي عهده إليه على لسان رسوله ﷺ وإن ذلك بحسب استطاعتي لا بحسب أداء حقك فإنه غير مقدور للبشر إنما جهد المقل وقدر الطاقة.
ومع هذا فأنا مصدق بوعدك ثم انزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك فإنك إن لم تعذني من شره وإلا أحاطت بي الهلكة فإن إضاعة حقك سبب الهلاك وأنا أقر لك والتزم وأبخع بذنبي.
فمنك المنة والإحسان والفضل ومني الذنب والإساءة فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي وأن تعفيني من شره إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فلهذا كان هذا الدعاء سيد الاستغفار.
وهو متضمن لمحض العبودية فأي حسنة تبقى للبصير الصادق مع مشاهدته عيوب نفسه وعمله ومنة الله عليه فهذا هو الذي يعطيه نظره إلى نفسه ونقصه. أ. هـ.
قال بعض الزهاد: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه والشريكان يتحاسبان بعد العمل.
شِعْرًا: ... النَّاسُ كُلُّهمُ لِلْعِيدِ قَدْ فَرِحُوا ... وَقَدْ فَرِحْتُ أَنَا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ
стр. 1403
النَّاسُ كُلُّهُمْ لِلْعِيدِ قَدْ صَبَغُوا ... وَقَدْ صَبَغْتُ ثِيَابَ الذُّلِّ وَالْكَمَدِ
النَّاسُ كُلُّهُمُ لِلْعِيدِ قَدْ غَسَلُوا ... وَقَدْ غَسَلْتُ أَنَا الدَّمْعِ لِلْكَبَدِ
وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله تعالى وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
وفي الحديث أبي طلحة أنه لما شغله الطين في صلاته فتدبر شغله فجعل حائطه صدقة لله تعالى ندمًا ورجاءً لعوض مما فاته وتأديبًا لنفسه.
المهم أن يعلم العبد أن أعدى عدو له نفسه التي بين جنبيه وقد خلقت أمارة بالسوء أمارة بالشر فرارة من الخير.
والإنسان مأمور بتزكيتها وتقويمها وقودها بسلاسل العبر إلى عبادة ربها وخالقها ومنعها عن لذتها وشهواتها المهلكة.
فإن أهملها شردت وجمحت ولم يظفر بها ذلك وإن لازمها بالتوبيخ والتقريع والمعاتبة والعذل والملامة ولم عن تذكيرها وعتابها اعتدلت بإذن الله تعالى.
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى ... حُبِّ الرِّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
وَرَاعِهَا وَهِيَ فِي الأَعْمَالِ سَائِمَةً ... وَإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ الْمَرْعَى فَلا تُسِمِ
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً لِلْمَرْءِ قَاتِلَةً ... مِنْ حَيْثُ لَمْ يَدْرِي أَنَّ السُّمِ فِي الدَّسَمِ
فالعاقل اللبيب من يوبخ نفسه ويعاتبها ويوضح لها عيوبها كلها ويقرر عندها جهلها وحماقتها فإنها إذا أراد الله تعذر وترعوي وترجع.
فيقول لها: ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والفطنة وأنت من أجهل الناس وأحمقهم.
وأكبر برهان على ذلك إهمالك واستهانتك أما تعرفين ما بين يديك من الأهوال والعظائم والمزعجات والمخاوف.
أما تقرئين وتسمعين قول القائلين وأوفى الواعدين وأقدر القادرين: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ .
стр. 1404
.. يَوْم الْقِيَامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ ... لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانٍ
يَوْمَ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَوْلِهِ ... وَتَشِيبُ مِنْهُ مَفَارِق الْوِلْدَانِ
وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ . الآية.
وقوله عز من قائل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ . الآية وقوله جل وعلا: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ .
وقوله ﵎: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ .
وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ .
ونحو هذه الآيات المخوفة ثم يقول لنفسه: فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الأمر العظيم والخطب الجسيم وبين يديك إحدى منزلتين الجنة أو النار فكيف يهنؤك نوم أو يلذ لك مأكول أو مشروب وأنت لا تدرين في أي الفرقين تكونين ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾
وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهِيَ قَرِيرَةٌ ... وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَكَانَيْنِ تَنْزِلُ
وقل لها: أما تعلمن أن كل ما هو آت قريب وأن العيد ما ليس آت.
أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة وأنه لا يأتي في الشتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ولا يأتي في الصبا دون الكبر ولا في الكبر دون الصبا.
بل كل نفس يمكن أن يأتيها الموت بغتة فإن لم يأت الموت بغتة جاءه المرض لا محالة ثم المرض يفضي إلى الموت.
فمالك يا نفس لا تستعدين والموت أقرب إليك من حبل الوريد.
فهكذا معاملة الزهاد والعباد في توبيخ أنفسهم وعتابها فإن مطلبهم من المناجاة الاسترضاء ومقصودهم من المعاتبة التنبيه والاسترعاء.
стр. 1405
فمن أهمل معاتبة نفسه وتوبيخها وأهمل مناجاتها لم يكن لنفسه مراعيًا فنسأل الله العظيم الحي القيوم معرفة حقيقة بأحوال أنفسنا وغرورها.
وختامًا فالعاقل من بذل وسعه في التفكير التام وعلم أن دار الدنيا رحلة فجمع للسفر رحلة.
فمبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم الحشر ثم إلى دار الإقامة الأبدية.
هَوِّنْ عَلَيْكَ فَمَا الدُّنْيَا بِدَائِمَةٍ ... وَإِنَّمَا أَنْتَ مِثْلَ النَّاسِ مَغْرُورُ
وَلَوْ تَصَوَّرَ أَهْلُ الدَّهْرِ صُورَتَهُ ... لَمْ يُمْسِ مِنْهُمْ لَبِيب وَهُوَ مَسْرُورُ
فدار الإقامة للمؤمن هي دار السلام من جميع الآفات وهي دار الخلود والعدو سبانا منها إلى دار الدنيا.
فالواجب علينا الاجتهاد في فكاك أسرنا ثم في حث السير إلى الوصول إلى دارنا الأولى وفي مثل هذا قيل:
فَحَيَّ عَلَى عَدْنٍ فَإِنَّهَا ... مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوِّ فَهَلْ تَرَى ... نُرَدُّ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلَّمُ
آخر: ... تَرَكْتُ هَوَى لَيْلَى وَسُعْدَى بِمَعْزِل ... وَعُدْتُ إِلَى تَصْحِيحِ أَوْلَ مَنْزِلِ
وَنَادَتْ بِي الأَشْوَاقُ مَهْلاً فَهَذِهِ ... مَنَازِلُ مَنْ تَهْوَى رُوَيْدَكِ فَانْزِلِ
ثم اعلم أن مقدار السير في الدنيا ويقطع بالأنفاس كما قيل:
وَمَا نَفْسُ إِلا يُبَاعد مَوْلِدًا ... وَيُدْنِي الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ فَتَقْرَبُ
ويسير الإنسان في هذه الدنيا سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها كما قيل:
وَإِنَّا لِفِي الدُّنْيَا كَرَكْبِ سَفِينَةٍ ... تَظُنُّ وَقُوفًا وَالزَّمَانُ بِهَا يَجْرِي
ويقول آخر:
نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ
آخر: ... وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَرْكَبُ كَارِهًا ... عَلَى النَّعْشِ أَعْنَاقَ الْعِدَا وَالأَقَارِبَ
стр. 1406
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فَصْلٌ: اعلم أيها الأخ أن جميع مصيبات الدنيا وشرورها وأحزانها كأحلام نوم أو كظل زائل.
إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أو أيامًا ساءت أشهرًا أو أعوامًا وإن متعت قليلاً منعت طويلاً.
وما حصل للعبد فيها من سرور إلا أعقبه أحزان وشرور كما قيل: (من سره زمن ساءته أزمان) .
وقال بعض العلماء لبعض الملوك: إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط به فيها وأعطي حاجته منها.
لأنه يتوقع أفة تعدو على ماله فتجتاحه، أو على جمعه فتفرقه، أو تأتي سلطانه فتهدمه من قواعده.
أو تدب إلى جسمه فتسقمه، أو تفجعه بشيء هو ضنين به من أحبابه.
فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة لما أعطت، والراجعة لما وهبت.
بينما هي تضحك صاحبها إذا هي تضحك منه غيره.
وبينما هي تبكي له إذ بكت عليه.
وبينما هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد.
تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدًا.
سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفًا وترضى بكل بدلاً.
شِعْرًا: ... بِأَمْرِ دُنْيَاكَ لا تَغْفَلْ وَكُنْ حَذِرًا ... فَقَدْ أَبَانَتْ لأَرْبَابِ النُّهَى عِبرا
فَأَيُّ عَيْشٍ بِهَا مَا شَابَهَ غَيْرٌ ... وَأَيُّ صَفْوٍ تَنَاهَى لَمْ يَصِرْ كَدَرا
كَمْ سَالَمٍ أَسْلَمْتَهُ لِلرَّدَى فَقَضَى ... حَتْفًا وَلَمْ يَقْضِ مِنْ لَذَّتِهَا وَطَرا
стр. 1407
وَمُتْرَف قَلَبْت ظَهْرا الْمَجَنِّ لَهُ ... فَعَادَ بَعْدَ عُلُو الْقَدْرِ مًحْتَقَرا
فَأَبَعْدَنْهَا وَلا تَحْفَلْ بِزُخْرُفْهَا ... وَغُضْ طَرْفَكَ عَنْهُ قَلَّ أَوْ كَثُرا
فَكُلُّ شَيْءٍ تَرَاهُ الْعَيْنُ مِنْ حَسَنٍ ... كَرُ الأَهِلَّةِ لا يُبْقِي لَهُ أَثَرَا
وَاصْحَبْ وَصِلّ وَوَاصِلْ كُلَّ أَونَةٍ ... عَلَى النَّبِيِّ سَلامًا طَيِّبًا عَطِرا
وَصَحْبِهِ وَمَنِ اسْتَهْدِي بِهَدْيِهُمُوا ... فَهُمْ أَئِمْة مِنْ صَلَى وَمَنْ ذَكَرا
ثم علم أيها الأخ أن من بورك له في عمره أدرك في يسير الزمن من منن الله ما لا يدخل تحت دوائر العبارة.
فبركة العمر أن يرزق الله العبد من الفطنة واليقظة ما يحمله على الجد والاجتهاد على اغتنام أوقات عمره وانتهاز فرصة إمكانه.
فيبادر إلى الأعمال القلبية والأعمال البدنية ويستفرغ في ذلك مجهوده بالكلية وكل ذلك في عمره قصير وزمن يسير.
والخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إلى الله جل وعلا.
ومن الخذلان أيضًا أن تصدق العوائق والشواغل عن التوجه إلى الله تعالى.
والواجب عليك أن تبادر إلى التوجه إلى الله بالأعمال الصالحة وأن ترمي بالعوائق والشواغل خلف ظهرك.
شِعْرًا:
مَضَى أَمْسُكَ الْمَاضِي عَلَيْكَ مُعَدِّلا ... وَأَصْبَحْتَ فِي يَوْمٍ عَلَيْكَ جَدِيدُ
فَإِنْ كُنْتَ بِالأَمْسِ اقْتَرَفْتَ جِنَايَةً ... فَثَنِّي بِإِحْسَانٍ وَأَنْتَ حَمِيدُ
وَلا تَرْجُ فَعْلَ الصَّالِحَاتِ إِلَى غَدٍ ... لَعَلَّ غَدًا يَأْتِي وَأَنْتَ فَقِيدُ
وقد قيل سيروا إلى الله عرجًا ومكاسير ولا تنتظروا الصحة فإن انتظار الصحة بطالة والعاقل من بادر إلى الأعمال الصالحة قال الشاعر حاثًا على اغتنام الوقت:
стр. 1408
وَخُذْ مِنْ قَرِيبٍ وَاسْتَجِبْ وَاجْتَنِبْ غَدًا ... وَشَمِّرْ عَنْ السَّاقِ اجْتِهَادًا بِنَهْضَةِ
وَكُنْ صَارِمًا كَالْوَقْتِ فَالْمَقْتُ فِي عَسَى ... وَإِيَّاكَ مَهْلاً فَهِيَ أَخْطَرُ عِلَّةِ
وَسِرْ زَمَنًا وَانْهَضْ كَسِيرًا فَحَظُّكَ الْ ... بَطَالَةُ مَا أَخَّرْتَ عَزْمًا لِصِحَّةِ
وَجُذَّ بِسَيْفِ الْعَزْمِ سَوْفَ فَإِنْ تَجُدْ ... تَجِدْ نَفْسًا فَالنَّفْسُ إِنْ جُدْتَ جَدَّتِ
ثم أعلم أيها الأخ الحريص على حفظ وقته عن الضياع أنه إن قلت أشغالك وقلت عوائقك ثم قعدت عن الجد والاجتهاد فيما يقربك إلى الله من أنواع الطاعات أن هذا هو الخذلان أعاذنا الله منه.
ففراغ القلب من الأشغال نعمة عظيمة لمن وفقه الله اغتنامها فصرفها في الباقيات الصالحات والويل لمن كفر هذه النعمة بان فتح على نفسه باب الهوى وانجر في قياد الشهوات.
قال ﷺ : «بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرون إلا فقرا منسيَا أو غني مضغيَا أو مرضًا مفسدا أو هرمًا مفندَا أو موتًا مجهزَا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» .
وقال بعضهم: الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا إضاءة له فالقلب الخالي من الفكرة خالي من النور مظلم بوجود الجهل والغرور.
ففكر الزاهدين في فناء الدنيا واضمحلالها وقلة وفائها لطلابها فيزدادون بالفكر زهدًا فيها.
وفكر العابدين في جميل الثواب فيزدادون نشاطًا عليه ورغبة فيه.
وفكر العارفين في الآلاء والنعماء فيزدادون نشاطًا في جميع أنواع العبادة ويذدادون محبة لله وشكرًا له وحمدًا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾
شِعْرًا: ... مَا لِي أَرَاكَ عَلَى الذُّنُوبِ مُوَاظِبَا ... أَأَخَذْتَ مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ أَمَانَا
لا تَغْفَلَنَّ كَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَى ... وَلَعَلَّ عُمْرُكَ قَدْ دَنَا أَوْ حَانَا
وَمَضَى الْحَبِيبُ لِحَفْرِ قَبْرِكَ مُسْرِعًا ... وَأَتَى الصَّدِيقُ فَأَنْذَرَ الْجِيرَانَا
стр. 1409
وَأَتوا بِغَسَّال وَجَاءُوا نَحْوَهُ ... وَبَدَا بِغَسْلِكَ مَيِّتًا عُرْيَانَا
فَغُسلْتَ ثُمَّ كُسِتْتَ ثَوْبًا لِلْبَلَى ... وَدَعُوا لِحَمْلِ سَرِيرَكِ الإِخْوَانَا
وَأَتَاكَ أَهْلَكَ لِلْوَدَاعِ فَوَدّعُوا ... وَجَتْ عَلَيْهِمَ دُمُوعَهُمْ غُدْرَانَا
فَخَفِ الإِلَهَ فَإِنَّهُ مَنْ خَافَهُ ... سَكَنَ الْجِنَانُ مُجَاوِرًا رِضْوَانَا
جَنَّاتِ عَدْنٍ لا يَبِيدُ نَعِيمُهَا ... أَبَدًا يُخَالَطُ رُوحَهُ رَيْحَانَا
وَلِمَنْ عَصَى نَارًا يُقَالُ لَهَا لَظَى ... تَشْوِي الْوُجُوهَ وَتُحْرِقُ الأَبْدَانَا
نَبْكِي وَحَقّ لَنَا الْبُكَى يَا قَوْمَنَا ... كَيْ لا يُؤَاخِذُنَا بِمَا قَدْ كَانَا
(فَصْلٌ)
ثم اعلم أنه ليس ذكر الموت النافع هو أن يقول الموت فقط فإن هذا قليل الفائدة بل لا بد مع ذلك من تفكر بقلب فارغ عن الشهوات واستحضار لحاله عند الموت وأهواله وشدائده وسكراته ويتفكر في شدة النزع والألم الذي يعانيه عند خروج الروح من البدن أعاننا الله على ذلك وجميع المسلمين.
حتى قالوا: إنه أشد من الضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض لأنه يهجم على الإنسان ويستغرق جميع أجزائه من كل عرق من العروق وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء ومفصل من المفاصل ومن أصل كل شعرة وبشرة من المفرق إلى القدم ليستل الروح منها.
فلا تسأل عن كربه وألمه ولذلك لا يقدر على الصياح مع شدة الألم لزيادة الكرب حيث قهر كل قوة وضعف كل جارحة فلم يبق له قوة الاستغاثة أما العقل فقد غشيه وشوشه.
وأما اللسان فقد حجزه وأبكمه والأطراف فقد ضعفها ووهنها وخدرها فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارًا وغرغرة من حلقه وصدره وقد تغير لونه واربد وجهه حتى كأنه ظهر من التراب الذي هو أصله.
وقد جذب منه كل عرق على حدته فالألم منتشر في داخله وخارجه حتى
стр. 1410
ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه. وتتقلص الشفتان ويتقلص اللسان وتخضر أنامله فلا تسأل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه.
ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجًا فتبرد أولاً قدماه ثم ساقاه ثم فخذاه ولكل عضو سكرة بعد سكرة وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها إلى الحلقوم فعند ذلك ينقطع عن الدنيا وأهلها وتعظم حسرة المفرط ويندم حيث لا ينفعه الندم.
هَوُ الْمَوْتُ لا مَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ وَالَّذِي ... نُحَاذِرُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَدْهَى وَأَفْظَعُ
آخر: ... دَعْ عَنْكَ مَا قَدْ كَانَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ... وَاذْكُرْ ذُنُوبَكَ وَابْكِهَا يَا مُذْنِبٌ
وَاذْكُرْ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ ... لا بُدَّ يُحْصِي مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِيْنَ نَسِيتَهُ ... بَلْ أَثْبَتْاهَ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ
وَالرُّوحُ فِيكَ وَدِيعَةٌ أَوْدَعْتَهَا ... سَتُرْدِهَا بِالْغُرْمِ مِنْكَ وَتُسْلَبُ
وَغَرُورُ دُنْيَاكَ الَّتِي تَسْعَى لَهَا ... دَارٌ حَقِيقَتُهَا مَتَاعٌ يَذْهَبُ
وَالليْلُ فَاعْلَمْ وَالنَّهَارُ كِلاهُمَا ... أَنْفَاسُنَا فِيهَا تُعَدُّ وَتُحْسَبُ
وَجَمِيعُ مَا خَلَّفْتُهُ وَجَمَعْتُهُ ... حَقَّا يَقِينًا بَعْدَ مَوْتِكَ يُنْهَبُ
تَبًا لِدَارٍ لا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... وَمُشَيِّدُهَا عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرُبُ
وَعَوَاقِبُ الأَيَّام فِي غُصَاتِهَا ... مَضَضٌ يذلُّ لَهَا الأَعَزُّ الأَنْجَبُ
فَعَلَيْكَ تَقْوَى اللهِ فَالْزَمْهَا تَفُزْ ... إِنَّ التَّقِيَّ هُوَ الْبَهِيُّ الأَهْيَبُ
وَاعْمَلْ بِطَاعَتِهِ تَنَلْ مِنْهُ الرِّضَا ... إِنَّ الْمُطِيعَ لَهُ لَدَيْهُ مُقَرَّبُ
وَاقْنَعْ فِفِي بَعْضِ الْقَنَاعَةِ رَاحَةٌ ... وَالْيَأْسُ مِمَّا فَاتَ فَهُوَ الْمَطْلَبُ
وَاخْتَرْ قَرِينَكَ وَاصْطَفيه تَفَاخُرًا ... إِنَّ الْقَرِينَ إِلَى الْمُقَارِنُ يُنْسَبُ
َدَعْ الْكَذُوبَ فَلا يَكُنْ لَكَ صَاحِبًا ... إِنَّ الْكَذُوبَ لَبِئْسَ خَلا يَصْحَبُ
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَرِزْ مِنْ لَفْظِهِ ... فَالْمَرْءُ يَسْلَمُ بِاللِّسَانُ وَيُعْطَبُ
وَزِنِ الْكَلامَ إِذَا نَطَقْتَ وَلا تَكُنْ ... ثِرْثَارَةً فِي كُلِّ نَادٍ تَخْطُبُ
стр. 1411
وَارْعَ الأَمَانَةَ وَالْخِيَانَةَ فَاجْتَنِبْ ... وَاعْدِلْ وَلا تَظْلِمْ يَطِيبُ الْمَكْسَبُ
وَاحْذَرْ مُصَاحَبَةِ اللَّئِيم فَإِنَّهُ ... يُعْدِي كَمَا يُعْدِي الصَّحِيحَ الأَجْرَبُ
وَاحْذَرْ مِنْ الْمَظْلُومِ سَهْمًا صَائِبًا ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ دُعَاءَهُ لا يُحْجَبُ
فَاحْفَظْ هُدِيتَ نَصِيحَةً أَوْلاكَهَا ... بَرٌّ نَصُوحٌ لِلأَنَامِ مُجَرَّبٌ
صَحِبَ الزَّمَان وَأَهْلهُ مُسْتَبْصِرًا ... وَرَأَى الأُمُورَ وَمَا تَؤُوبُ وَتَعْقَبُ
اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ومما يعين على الاستعداد للموت ذكر مرارته كما فهمته مما سبق ومما يأتي وقد سماه ﷺ هاذم اللذات وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة.
ولو قلت لهم: تمنوا وأنطقهم الله لقالوا: نرد إلى الدنيا لنعمل بطاعة الله لا يريدون ذهبًا ولا فضةً ولا بستانًا ولا فلةً ولا عمارة. ولتعجب منا ومن حالنا وتفريطنا وانهماكنا في الدنيا.
ومما يعين على الاستعداد للموت أيضًا ذكر الموت من فتنة القبر وعذابه أو نعيمه والبعث والحشر والحساب والصراط والميزان والحوض والشفاعة والجنة والنار وما أعد الله لأهلهما أجمالاً وتفصيلاً.
مر رجل على رجل جالسًا في المقابر فقال ما أجلسك هنا فقال:
يَشْتَاقُ كُلُّ غَرِيبٍ عَنْدَ غُرْبَتِهِ ... وَيَذْكُرُ الأَهْلَ وَالْجِيرَانَ وَالسَّكَنَا
وَلَيْسَ لِي وَطَنٌ أَمْسَيْتُ أَذْكُرُهُ ... إِلا الْمَقَابِرَ إِذْ كَانَتْ لَهُمْ وَطَنًا
شِعْرًا: ... مَا زِلْتُ أَفْجَعُ بِالأَحِبَّةِ كُلُّهُمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِي فِي الْحَقِيقَةِ أَفْجَعُ
فَوَدِّعْ خَلِيلَ النَّفْسِ قَبْلَ فُرَاقِهِ ... فَمَا النَّاسُ إِلا ظَاعِن وَمُوَدَّعُ
стр. 1412
آخر: ... أَبْقَيْتُ مَالَكَ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ ... فَلَيْتَ شِعْرِي مَا أُبْقِي لَكَ الْمَال
الْقَومُ بَعْدَكَ فِي حَالٍ تَسُرُّهُمْ ... فَكَيْفَ بَعْدَهُمْ حَالَتْ بِكَ الْحَالُ
مَالُوا لِبُكَاءٍ فَمَا يَبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ ... وَاسْتَحْكَمْ الْقِيلَ فِي الْمِيرَاثِ وَالْقَال
آخر: ... اشَتْاقُ أَهْلِي وَأَوْطَانِي وَقَدْ مَلَكْتُ ... دُونِي وَأَفْنَى الرَّدَى أَهْلِي وَأَحْبَابِي
فَاسْتَرِيحُ إِلَى رُؤْيَا الْقُبورِ فَفِي ... أَمْثَالِهَا حَلَّ إِخْوَانِي وَأَتْرَابِي
وَلَسْتُ أَحْيَا حَيَاةً أَسْتَلَذُّ بِهَا ... مِنْ بَعْدِهِمْ وَلِحَاقُ الْقَوْمِ أَوْلَى بِي
آخر: ... خَلَتْ دُورُهُمْ مَنْهُمْ وَأَقْوت عراصهم ... وَسَاقَهُمْ نَحْوَ الْمَنَايَا الْمَقَادِر
وَخَلُوا عَنِ الدُّنْيَا وَمَا جَمَعُوا لَهَا ... وَضَمَّهُمْ تَحْتَ التُّرَاب الْحَفَائِر
آخر: ... وَفِي ذَكْرِ هَوْلِ الْمَوْت وَالْقَبْرِ وَالْبَلَى ... عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّذَاتِ لِلْمَرِءِ زَاجِرُ
أَبَعْدَ اقْتِرَابُ الأَرْبَعِينَ تَرَبُّصُ ... وَشَيْبُ قَذَالٍ مُنْذِرٌ لِلأَكَابِرُ
كَأَنَّكَ مَعْنِيٌّ بِمَا هُوَ ضَائِرُ ... لِنَفْسِكَ عَمْدًا أَوْ عَنِ الرُّشْدِ حَائِرُ
آخر: ... إِنَّ اللَّيَالِي مِنْ أَخْلاقِهَا الْكَدَرُ ... وَإِنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا مَنْظَرُ نَظَر
فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مَمَّا تَغُر بِهِ ... إِنْ كَانَ يَنْفَعُ مِنْ غَرَّاتِهَا الْحَذَرُ
قَدْ أَسْمَعْتُكَ اللَّيَالِي مِنْ حَوَادِثِهَا ... مَا فِيهِ رُشْدُكَ لَكِنْ لَسْتَ تَعْتَبِرُ
يَا مَنْ يَغُرُّ بِدُنْيَاهُ وَزُخْرُفِهَا ... تالله يُوشِكُ أَنْ يُودِي بِكَ الْغَرَرُ
وَيَا مُدلا بِحُسْنِ رَاق مَنْظَرُهُ ... لِلْقَبْرِ وَيْحَكَ هَذَا الدَّالُ وَالْفَخَرُ
تَهْوَى الْحَيَاةَ وَلا تَرْضَى تُفَارِقُهَا ... كَمَنْ يُحَاوِلُ وردًا مَا لَهُ صَدَرُ
كُلُّ امْرِئٍ صَائِرٌ حَتْمًا إِلَى جَدَثٍ ... وَإِنْ أَطَالَ مَدَى آمَاله الْعُمُرُ
آخر:
قُلْ لِلَّذِي فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَانْثَنَى ... يَسْقِي دِيَارَهُمْ دُمُوعًا تَسْجُمُ
مَاذَا وُقُوفُكَ فِي الدِّيَارِ مُسَائِلاً ... عَنْ أَهْلِهَا وَمَتَى يُجِيبُ الأَبْكَمُ
стр. 1413
سَلْ عَنْهُمْ صَرْفَ الزَّمَان فَإِنَّهُ ... بِهِمْ مِنَ الدَّارِ الْمُحِيلَة أَعْلَمُ
أَفْنَاهُمْ رَيْبَ الزَّمَان وَهَذِهِ ... آثَارَهُمْ عِظَةٌ لَمَنْ يَتَوَسَّمُ
وَإِذَا رَأَيْتَ مُحَسَّدَيْنَ فَقَلَّمَا ... تَرْجِيهُمْ الأَحْدَاثُ حَتَّى يَرْحَمُوا
وَتَرَى تَقَلُّبُ هَذِهِ الدًّنْيَا بِنَا ... وَكَأَنَّنَا فِيهَا سُكَارَى نَوَّمُ
آخر: ... وَلَمَّا مَرَرْنَا بِالدِّيَارِ الَّتِي خَلَتْ ... فَهُنَّ لِفُقْدَانِ الأَنِيسِ نَوَاحِلُ
فَإِشْرَاقُهَا بَعْد الَّذِينَ تَحَمَّلُوا ... ظَلامَ وَضَحْوَاتُ النَّهَارِ أَصَائِلُ
أَثَارَ الْجَوَى عِرْفَانَهَا وَتَبَادَرَتْ ... عَلَى أَهْلِهَا مِنَّا الدُّمُوع الْهَوَامِلُ
أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة في المصنف وأحمد بن حنبل وهناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وصححه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» . مرتين أو ثلاثًا.
ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر.
ويجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض.
стр. 1414
فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله؟ فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ . فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد البصر.
قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة حتى لأرجع إلى أهلي ومالي.
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح.
ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان
стр. 1415
ابن فلان بأقبح أسمائه التي مكان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ .
فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.
فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة» .
شِعْرًا: ... لا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى ... لَكِنَّمَا الْمَوْتُ هُوَ الْكُفْرُ بِاللهْ
كِلاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَعْظَمُ مِنْ ذَاكَ لِجَحْدِهِ اللهْ
آخر: ... وَإِنِّي وَأَهْلِي وَالَّذِي قَدَّمَتْ يَدِي ... كَدَاعٍ إِلَيْهِ صَحْبَهُ ثُمَّ قَائِلِ
لأَصْحَابِهِ إِذْ هُمْ ثَلاثَةُ إِخْوَةٍ ... أَعِينُوا عَلَى أَمْرٍ بِيَ الْيَوْمَ نَازِلِ
فِرَاقٌ طَوِيلٌ غَيْرَ ذِي مَثْنَوِيَّةٍ ... فَمَاذَا لَدَيْكُمْ بِالَّذِي هُوَ غَائِلِ
فَقَالَ امْرِئٌ مِنْهُمْ أَنَا الصَّاحِبُ الَّذِي ... أَطَعْتُكَ فِيمَا شِئْتَ قَبْلَ التَّزَايُلِ
فَأَمَّا إِذَا جَدَّ الْفِرَاقُ فَإِنَّنِي ... لِمَا بَيْنَنَا مِنْ خُلَّةٍ غَيْرُ وَاصِلِ
أَمُدُّكَ أَحْيَانًا فَلا تَسْتَطِيعُنِي ... كَذَلِكَ أَحْيَانَا صُرُوفُ التَّدَاوُلِ
فَخُذْ مَا أَرَدْتَ الآنَ مِنِّي فَإِنَّنِي ... سَيُسْلِكُ بِي مِنْ مَهِيلٍ مِنْ مَهَايِلِ
وَإِنْ تُبْقِنِي لا تَبْقَ فَافْهَمْ مَقَالَتِي ... وَعَجِّلْ صَلاحًا قَبْلَ حَتْفِ مُعَاجِلِ
стр. 1416
وَقَالَ امْرِؤٌ قَدْ كُنْتُ جِدًّا أُحِبُّهُ ... فَأُوثِرُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالتَّفَاضُلِ
غِنَائِيَ أَنِّي جَاهِدٌ لَكَ نَاصِحٌ ... إِذَا جَدَّ جِدُّ الْكَرْبِ غَيْرَ مُقَاتِلِ
وَلَكِنَّنِي بَاكٍ عَلَيْكَ وَمَعُولٌ ... وَمُثْنٍ بِخَيْرٍ عِنْدَ مَنْ هُوَ سَائِلِ
وَمُتَّبَعُ الْمَاشِينَ أَمْشِي مُشَيِّعًا ... أَعِينُ بِرِفْقٍ عُقْبَةً كُلَّ حَامِلِ
إِلَى بَيْتِ مَثْوَاكَ الَّذِي أَنْتَ مُدْخَلٌ ... وَحِينَئِذٍ أَرْجِعْ بِمَا هُوَ شَاغِلِ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ خُلَّةٌ ... وَلا حُسْنُ وُدٍّ مَرَّةً فِي التَّبَادُلِ
وَذَلِكَ أَهْلُ الْمَرْءِ ذَاكَ غِنَاؤُهُمْ ... وَلَيْسُوا وَإِنْ كَانُوا حِرَاصًا بِطَائِلِ
وَقَالَ امْرِؤٌ مِنْهُمْ أَنَا الأَخُّ لا تَرَى ... أَخًا لَكَ مِثْلِي عِنْدَ جَهْدِ الزَّلازِلِ
لَدَى الْقَبْرِ تَلْقَانِي هُنَالِكَ قَاعِدًا ... أُجَادِلُ عَنْكَ فِي رِجَاعِ التَّجَادُلِ
وَأَقْعُدُ يَوْمَ الْوَزْنِ فِي الْكَفَّةِ الَّتِي ... تَكُونُ عَلَيْهَا جَاهِدًا فِي التَّثَاقُلِ
فَلا تَنْسَنِي وَاعْلَمْ مَكَانِي فَإِنَّنِي ... عَلَيْكَ شَفِيقٌ نَاصِحٌ غَيْرَ خَاذِلِ
وَذَلِكَ مَا قَدَّمْتَ مِنْ صَالِحٍ غَدًا ... تُلاقِيهِ إِنْ أَحْسَنْتَ يَوْمَ التَّفَاضُلِ
اللهم اجعلنا بتذكيرك منتفعين ولكتابك ورسولك متبعين وعلى طاعتك مجتمعين وتوفنا ربنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
في صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمدًا ﷺ ، فهو قائل ما كان يقول.
стр. 1417
فإن كان مؤمنًا قال: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقولان له: كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه.
ويقال له: نم فيقول: أرجع إلى أهلي ومالي فأخبرهم. فيقولان له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقًا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فكنت أقوله. فيقولان له: كنا نعلم أنك تقول ذلك. ثم يقال للأرض التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» .
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا احتضر المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء، فيقولون: أخرجي أيتها الروح الطيبة راضية مرضيًا عنك إلى روح وريحان ورب غير غضبان.
فتخرج كأطيب من ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا حتى يأتون به السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض.
فيأتون به أرواح المؤمنين، فهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه ماذا فعل فلان قال: فيقولون دعوة يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال: أما أتاكم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية. وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: أخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة حتى يأتون بها باب الأرض فيقولون: فما أنتن هذه الريح حتى يأتون بها أرواح الكفار.
وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وقال: إن المؤمن إذا حضره الموت حظرته
стр. 1418
ملائكة الرحمة، فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء، فينطلق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا ريحًا أطيب من هذه. فيقال: ما فعل فلان ما فعلت فلانة، فيقال: دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا.
وأما الكافر إذا قبضت نفسه، ذهب بها إلى الأرض، فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتن من هذه. فيبلغ به إلى الأرض السفلى.
وروى النسائي في سننه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء وشهد له سبعون ألفًا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه» . قال النسائي: يعني سعد بن معاذ.
وقال هناد بن السري: حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة، قال: ما أجير أحد من ضغطة القبر، ولا سعد ابن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها.
قال: وحدثنا عبده بن عبيد الله بن عمر عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك، لم ينزلوا إلى الأرض قط، ولقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «لقد ضم صاحبكم في القبر ضمة» . وقيل فيه ﵁ شِعْرًا:
وَمَا اهْتَزَّ عَرْشُ اللهِ مِنْ أَجْلِ هَالِك ... سَمِعْنَا بِهِ إِلا لِسَعْد أَبِي عَمْرِو
وورد عن النبي ﷺ لما دفن ابنته جلس عند القبر فتربد وجهه.
ثم سري عنه فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفًا ثم سري فقال النبي ﷺ : «ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر فدعوت الله ففرج عنها ويم الله لقد ضمت ضمة سمعها من بين الخافقين» .
وروي عن إبراهيم الغني عن رجل قال: كنت عند عائشة رضي الله
стр. 1419
عنها فمرت جنازة صبي فبكت فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ فقالت: هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر.
شِعْرًا: ... وَتَقْبِضُ كَفَّ الطِّفْل عِنْدَ وِلادَةٍ ... دَلِيلٌ عَلَى الْحِرْصِ الْمُرَكَّب فِي الْحَيِّ
وَبَسْطُ يَدَا الإِنْسَانُ عِنْدَ مَمَاتِهِ ... دَلِيلٌ عَلَى أَنِّي خَرَجْتُ بِلا شَيْءِ
يَا بَاكِيَ الأَمْوَات إِنَّكَ مَيِّتٌ ... فَاجْعَلْ بُكَاءَكَ إِنْ بَكِيتَ عَلَيْكَا
لا تَبْكِ غَيْرَكَ وَابْكِ نَفْسَكَ إِنَّهَا ... أَوْلَى النُّفُوسِ بِذَاكَ مِنْ عَيْنَيْكَا
آخر: ... تَمُرُّ لَدَاتِي وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ... وَأَعْلَمُ أَنِّي بَعْدُهُمْ غَيْرَ خَالِدِ
وَأَحْمِلُ مَوْتَاهُمْ وَأَشْهَدُ دَفْنَهُمْ ... كَأَنِّي بَعِيدٌ مِنْهُمْ غَيْرَ شَاهِدِ
فَهَا أَنَا فِي عِلْمِي بِهِمْ وَجَهَالَتِي ... كَمُسْتَيْقِظُ يَرْنُو بِقلة رَاقِدِ!
آخر: ... طَوَى الْمَوْتُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ... وَلَيْسَ لَمَا تَطْوِي الْمَنِيَّةِ نَاشِرُ
لَئِنْ أَوْحَشْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ مَنَازِلُ ... لَقَدْ أنست ممن أحب الْمَقَابِرُ
وَكُنْتُ أَحْذَرُ الْمَوْتَ وَحْدَهُ ... فَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ عَلَيْهُ أُحَاذِرُ
آخر: ... أَيَا آمَن الأَقْدَارُ صَرْفَهَا ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الطَّالِبِينَ حَثاث
خُذْ مِنْ تُرَاثِكَ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّمَا ... شُرَكَاؤُكَ الأَيْام وَالْوَارِثُ
مَالِي إِلَى الدُّنْيَا الْغَرُورَة حَاجَة ... فَلْيخز سَاحِرُ كَيْدِهَا النَّفَاثُ
طَلَّقْتُهَا أَلْفًا لأَحْسِمَ دَاءَهَا ... وَطَلاق مِنْ عَزَمَ الطَّلاقَ ثَلاثُ
سَكَنَاتُهَا مَحْذُورَة وَعُهُودَهَا ... مَنْقُوضَة وَحِبَالُهَا أَنْكَاثُ
إِنِّي لأَعْجَبُ مِنْ رِجَالٍ امْسَكُوا ... بِحَبَائِل الدُّنْيَا وَهُنَّ رِثَاثُ
كَنَزُوا الْكُنُوزَ وَأَغْفَلُوا شَهَوَاتَهُمْ ... فَالأَرْضُ تَشْبَعُ وَالْبُطُونُ غِرَاثُ
أَتَرَاهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ التُّقَى ... أَزْوَادُنَا وَدِيَارُنَا الأَجْدَاثُ؟
اللهم سلمنا شرور أنفسنا التي هي أقرب أعدائنا وأعذنا من عدوك
стр. 1420
واعصمنا من الهوى ومن فتنة الدنيا ومكن محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وفرح قلوبنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النعيم واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(موعظة)
عباد الله اغتنموا الطاعات فأيام المواسم معدودة وانتهزوا فرض الأوقات فساعات الإسعاد محدودة وجدوا في طلب الخيرات فمناهل الرضوان مورودة وقوموا على قدم السداد واتقوا الله الذي إليه تحشرون.
وكونوا من الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقهم ينفقون قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لَّا يَسْتَوُونَ * َمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
فيا سعادة أولى الطاعات الذين اجتباهم مولاهم لدار السلام واصطفاهم لحظيرة قدسه وأوردهم مناهل الإنعام وأولاهم حلاوة الأنس ووالاهم بمواهب الإكرام وسقاهم من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ويا مسرة من شاهد معالم الرشد فسلك مسالكه وكان من المستبشرين الذين يوم القيامة وجوهم مسفرة ضاحكة لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
فتدبروا عباد الله الأمر وانظروا بعين الناقد البصير وتذكروا العرض يوم الفزع الأكبر بين يدي رب العالمين العليم الخبير واعلموا أن الظالمين ما لهم
стр. 1421
من ولي ولا نصير (يوم يقال) : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
أَلا يَا نَفْسُ هَلْ لَكَ فِي صِيَامٍ ... عَنِ الدُّنْيَا لَعَلَّكَ تَهْتَدِينَا
يَكُونُ الْفِطْرِ وَقْتُ الْمَوْتِ مِنْهَا ... لَعَلَّكِ عِنْدَهُ تَسْتَبْشِرِينَا
أَجِبِينِي هُدِيتَ وَأَسْعِفِينِي ... لَعَلَّكِ فِي الْجَنَانِ تُخَلَّدِينَا
شِعْرًا:
لا تَبْكِ لِلدُّنْيَا وَلا أَهْلِهَا ... وَابْكِ لِيَوْمٍ تَسْكُنِ الْحَافِرَةْ
وَابْكِ إِذَا صِيحَ بِأَهْلِ الثَّرَى ... فَاجْتَمِعُوا فِي سَاعَةِ السَّاهِرَةْ
وَيْلَكِ يَا دُنْيَا لَقَدْ قَصَّرَتْ ... آمَالُ مَنْ يَسْكُنُكِ الآخِرَةْ
آخر: ... وَاذْكُرْ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ فَإِنَّهُ ... لا بُدَّ يُحْصَى مَا جَنَيْتَ وَيُكْتَبُ
لَمْ يَنْسَهُ الْمَلَكَانِ حِينَ نَسِيتَهُ ... بَلْ أَثْبَتَاهُ وَأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدرنا ويسر أمورنا وألهمنا ذكرك وشكرك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
إذا فهمت ذلك فاعلم أنه ينبغي لمن آيس من حياته بل يستحب له بتأكد أن يكثر من قراءة القرآن والأذكار ويكره له الجزع وسوء الخلق والشتم والمخاصمة والمنازعة في غير الأمور الدينية في الدفاع عنها ويستحب أن يكون شاكرًا لله تعالى بقلبه ولسانه ويستحضر في ذهنه أن هذا آخر أو فاته من الدنيا فيجتهد على ختمها بخير ويكثر من قول لا إله إلا الله.
стр. 1422
ويبادر إلى أداء الحقوق إلى أهلها من رد المظالم والعواري والودائع والغصوب ويستحل أهله وزوجته ووالديه وأولاده وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وزملاءه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة في سفر أو غيره أو له تعلق بشيء.
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن عبادة بن محمد بن عبادة ابن الصامت قال: لما حضرت عبادة ﵁ الوفاة قال: أخرجوا إلي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي فجمعوا له فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا وأول ليلة من الآخرة.
وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء وهو والذي نفسي بيده القصاص يوم القيامة وأحرج إلى أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني من قبل أن تخرج نفسي فقالوا: بل كنت والدًا وكنت مؤدبًا. قال: وما قال لخادم سواء قط فقال: أعفوتم ما كان من ذلك. قالوا: نعم. قال: اللهم أشهد ... الخ.
وورد أن عبد الله بن عمرو لما حضرته الوفاة قال: انظروا فلانًا فإني كنت قلت له في ابنتي قولاً كشبه العدة فما أحب أن ألقى الله بثلث النفاق فأشهدكم أني قد زوجته.
وينبغي أن يوصي بأمور أولاده إن لم يكن جد يصلح للولاية ويوصي بما لا يتمكن من فعله في الحال من قضاء الديون ونحو ذلك وأن يكون حسن الظن بالله تعالى راجيًا عفوه ومغفرته ورحمته وإحسانه.
ويستحضر في ذهنه أنه حقير في مخلوقات الله تعالى وأن الله تعالى غني عن عذابه وعن طاعته وأنه عبده ولا يطلب العفو والإحسان والصفح والامتنان إلا منه جل وعلا وتقدس ويحث أولاده على الدعاء له والصدقة عنه.
شِعْرًا: ... وَإِذَا رَأَيْتَ بِنِيكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ ... قَطَعُوا إِلَيْكَ مَسَافَة الآجَال
وَصَلَ الْبَنُونَ إِلَى مَحَلِّ أَبِيهِمْ ... وَتَجَهَّزَ الآبَاءُ لِلترْحَال
стр. 1423
آخر:
لِي خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةْ ... فَإِذَا قُدْوَتُهَا كَانَتْ سَنَةْ
إِنَّ عُمْرَ الْمَرْءِ مَا قَدْ عَمَّرَهْ ... فِي التُّقَى وَالزُّهْدِ طُولَ الأَزْمِنَةْ
ويستحب أن يكون مُتَعَاهِدًا نفسه بقراءة آيات من القرآن العزيز في الرجاء وكذلك أحاديث الرجاء يقرؤها أو يجعل من يقرؤها عليه وأن يكون خيره متزايدًا ويحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها.
ويجتنب النجاسات ويحرص على التطهر ويصبر على مشقة ذلك وكذا باقي وظائف الدين يحرص على أدائها كاملة مكملة وليحذر من التساهل في ذلك فإنه أقبح القبائح أن يكون آخر عهده من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة التفريط فيما وجب عليه أو ندب إليه.
وليجتهد في ختم عمره بأكمل الأحوال ويستحب أن يوصي أهله وأصحابه بالصبر عليه في مرضه واحتمال عما يصدر منه ويوصيهم أيضًا بالصبر على مصيبتهم به ويوصيهم بالرفق بمن يخفه من طفل وغلام وجارية ويوصيهم بالإحسان إلى أصدقائه ويعلمهم أن النبي ﷺ قال: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهله ود أبيه» .
وقد صح أن رسول الله ﷺ كان يكرم صواحبات خديجة ﵂ بعد وفاتها.
ويوصيهم بتعاهده بالدعاء وفعل ما يقرب إلى الله وينوي الثواب له وذلك كالحج والصدقة والأضحية وطبع المصاحف والكتب الدينية المقوية للشريعة المحمدية والإعانة على بناء المساجد.
وكالعين الجارية ونحو ذلك ويوصيهم بأن لا ينسوه بل تعاهدوه بالدعاء له ولوالديه.
شِعْرًا: ... يَا مَنْ سَيَنْأَى عَنْ بَنِيهْ ... كَمَا نَأَى عَنْهُ أَبُوهْ
مَثِّلْ لِنَفْسِكَ قَوْلهُمْ ... جَاءَ الْيَقِينُ فَوَجِهُوهْ
وَتَحَلَّلُوا مِنْ ظُلْمِهِ ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَحَلِّلُوهْ
стр. 1424
آخر: ... إِنِّي لأَشْكُو خَطْوبًا لا أُعِيِّنُهَا ... لِيَبْرَأُ النَّاسُ مِنْ عُذْرِي وَمِنْ عَذْلِي
كَالشَّمْعِ يَبْكِي فَمَا يَدْرِيِ أَعِبْرَتُهُ ... مِنْ صُحْبَةِ النَّارِ أَمْ مِنْ فُرْقَةِ الْعَسَلِ
ويستحب أن يقول لهم في وقت بعد وقت: متى رأيتم مني تقصيرًا في شيء انهوني عنه برفق ولطف لأن النفس تضعف في ذلك الوقت وأدوا إِلَيَّ النصيحة في ذلك فإني معرض للغفلة والسهو والكسل والإهمال فإذا قصرت فنشطوني وعاونوني على التأهب لهذا السفر البعيد والتغرب المخيف.
شِعْرًا: ... وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلَّرِحِيلِ وَقَدْ دَنَا ... وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ وَشِيكٍ مُسَافِرُ
فَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتِي ... وَعُمْرِي فَانٍ وَالرَّدَى لِي نَاظِرُ
وَكُلُّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحُفِ مُثْبَتٌ ... يُجَازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الْحُكْمِ قَادِرُ
آخر: ... لَهْفِي عَلَى عُمْرِي الَّذِي ضَيَّعْتُهُ ... فِي كُلِّ مَا أَرْضَى وَيُسْخِطُ مَالِكِي
وَيْلِي إِذَا عَنَتِ الْوُجُوهُ لِرَبِّهَا ... وَدُعِيتُ مَغْلُولاً بِوَجْهٍ حَالِكَ
وَرَقِيبُ أَعْمَالِي يُنَادِي قَائِلاً ... يَا عَبْدَ سُوءٍ أَنْتَ أَوَلَ هَالِكَ
لَمْ يَبْقَ مِنْ بَعْدِ الْغِوَايَةَ مَنْزِلٌ ... إِلا الْجَحِيم وَسُوء صُحْبَةِ مَالِكِ
آخر: ... تُخَرِّبُ مَعْمُورًا وَتُعَمِّرُ فَانِيًا ... فَلا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلا ذَاكَ عَامِرُ
وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً ... وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لِدَى اللهِ عَاذِرُ
أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةَ وَتَنْقَضِي ... وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالُكَ وَافِرُ
آخر: ... كَمْ ضَاحِك وَالْمَنَايَا فَوْقَ هَامَتِهِ ... لَوْ كَانَ يَعْلَمُ غَيْبًا مَاتَ مِنْ كَمَدِ
مَنْ كَانَ لَمْ يُؤْت عِلْمًا فِي بَقَاءِ غَدٍ ... مَاذَا تفكره فِي رِزْقٍ بَعَدَ غَدِ
آخر: ... كَفَى حَزَنًا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِيَّةٍ ... وَلا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحٌ
فَامْهَدْ لِنَفْسِكَ وَالأَقْلامُ جَارِيَةٌ ... وَالتوب مُقْتَبَلٌ فَاللهُ قَدْ وَعَدَا
стр. 1425
لا تَفْخَرَنَّ بِدُنْيَا أَنْتَ تَارِكُهَا ... عَمَا قَلِيل تَزُورُ الْقَبْرَ واللَّحْدَا
وإذا حضره النزعة فليكثر من قول لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه فياله من ختام ويا له من طابع، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» .
ويستحضر أحاديث الرجال مثل حديث أبي ذر قال أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» . الحديث متفق عليه.
وحديث ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمد ﷺ فقالوا: إن الذي تدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ . الآيتين _ ونزل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ . الآية ونحو هذه الآية والأحاديث التي سبقت.
شِعْرًا:
إِذَا أَتَى اللهُ يَوْمَ الْحَشْرِ فِي ظُلَلٍ ... وَجِيءَ بِالأُمَمِ الْمَاضِينَ وَالرُّسُلِ
وَحَاسَبَ الْخَلْق مَنْ أَحْصَى بِقُدْرَتِهِ ... أَنْفَاسُهُمْ وَتَوَفَّاهُمْ إِلَى أَجَلِ
وَلَمْ أَجِدْ فِي كِتَابِي غَيْرَ سَيِّئَةٍ ... تَسُوءُنِي وَعَسَى الإِسْلام يَسْلَمُ لِي
رَجَوْتُ رَحْمَةَ رَبِّي وَهِيَ وَاسِعَة ... وَرَحْمَةُ اللهِ أَرْجَى لِي مِنَ الْعَمَلِ
اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي
стр. 1426
بالإعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل: اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن في الجنائز عبر للبصير، وفيها تنبيه، وتذكير لأهل الغفلة، وأكثرهم لا تزيده مشاهدتها إلا قسوة، لأنهم يظنون أنهم أبدًا إلى جنائزهم ينظرون ولا يحسبون أنهم لا محالة على الجنائز يحملون أو يحسبون ولكنهم على القرب لا يقدرون ولا يتفكرون أن المحمولين على الجنائز هكذا كانوا مثلهم يحسبون فبطل حسبانهم وانقرض على القرب زمانهم.
والبصير لا ينظر إلى الجنائز وإلا ويقدر نفسه محمولاً عليها فإنه محمول عليها على القرب.
الغز بعضهم في النعش الذي يحمل عليه الميت إلى المقبرة:
أَتَعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّمَاءِ يَطِيرُ ... إِذَا طَارَ هَاجَ النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرُ
فَتَلَقَّاهُ مَرْكُوبَا وَتَلَقَّاهُ رَاكِبًا ... وَكُلُّ أَمِيرٍ يَعْتَرِيهِ أَسِيرُ
يَحُثُّ عَلَى التَّقْوَى وَيَكْرَهُ قُرْبُهُ ... وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهَوَ نَذِيرُ
وَلَمْ يَسْتَزْرِ عَنْ رَغْبَةٍ فِي زِيَارَةٍ ... وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ الْمَزُورِ يَزُورُ
شِعْرًا: ... (كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلامَتُهُ ... يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءِ مَحْمُولُ)
آخر: ... فَلِلْمَوْتِ تَغْدُو وَالْوَلِدَاتُ سِخَالهَا ... كَمَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ تَبْنِي الْمَسَاكِنُ
آخر: ... (أَلا وَكَمَا شَيَّعْتَ يَوْمًا جَنَازَةً ... فَأَنْتَ كَمَا شَيَّعْتَهُمْ سَتُشَيَّعُ
وكان بعضهم إذا رأى جنازة قال: اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول. والآخر لا عقل له. وقال آخر: ما شهدت جنازة فحدثتني نفسي بشيء سوى ما هو مفعول به وما هو صائر إليه.
стр. 1427
وقال الأعمش: كنا نشهد الجنائز فلا ندري من نعزي لحزن الجميع.
وقال ثابت البناني: كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا مقنعًا باكيًا.
هذا حال السلف والآن انظر إلى مشيعي الجنائز بعضهم يبحث بالعقار وبعضهم يتكلم ويضحك وبعضهم يعدد مخالفاته وينذر أن ترى المتفكر في جنازته إذا وصله الدور وحمل لقب المظلم بيت الوحدة بيت الدود والصديد والهوام.
يَا بَاكِيًا مِنْ خِيفَةِ الْمَوْتِ ... أَصَبْتَ فَارْفَعْ مِنْ مَدَى الصَّوْتِ
وَنَادِ يَا لَهْفِي عَلَى فُسْحَةٍ ... فِي الْعُمْرِ فَاتَتْ أَيّمَا فَوْتِ
ضَيَّعْتَهَا ظَالِمٌ نَفْسِي وَلَمْ ... أُصْغِ إِلَى مَوْتٍ وَلا مَيِّتِ
يَا لَيْتَهَا عَادَتْ وَهَيْهَاتَ أَنْ ... يَعُودُ مَا قَدْ فَاتَ يَا لَيْتِ
فَخَلِّ عَنْ هَذِي الأَمَانِي وَدَعْ ... خَوْضُكَ فِي هَاتٍ وَفِي هِيتِ
وَبَادِرْ الأَمْرَ فَمَا غَائِبٍ ... أَسْرَعُ إِتْيَانًا مِنَ الْمَوْتِ
كَمْ شَائِدٍ بَيْتًا لَيْغَنَى بِهِ ... مَاتَ وَلَمْ يَفْرُغْ مِنَ الْبَيْتِ
اللهم اسلك بنا سبيل الأبرار، واجعلنا من عبادك المصطفين الأخيار، وامنن علينا بالعفو والعتق من النار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: يا فلان لقد أرقت الليلة أتفكر في القبر وساكنه إنك لو رأيت الميت بعد ثلاثة في قبره لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك به لو رأيت بيتًا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الريح وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثياب ثم شهق شهقة خر مغشيًا عليه.
стр. 1428
وكان يزيد الرقاشي يقول: أيها المقبور في حفرته والمتخلي في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت، وبأي إخوانك اغتبطت، ثم بكي حتى يبل عمامته.
ثم يقول: استبشر والله بأعماله الصالحة، واغتبط بإخوانه المتعاونين على طاعة الله تعالى وكان الحسن بن صالح إذا أشرف على المقابر يقول: ما أحسن ظواهرك إنما الدواهي في بواطنك.
وكان عطاء السلمي إذا جن عليه الليل خرج إلى المقبرة ثم يقول: غدًا عطاء في القبور فلا يزال عطاء ذلك دأبه حتى يصبح ويروى أن فاطمة بنت الحسين نظرت إلى جنازة زوجها الحسن بن الحسين فغطت وجهها وقالت:
وَكَانُوا رَجَاءً ثَمَّ أَمْسُوا رَزِيَّةً ... لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرَّزَايَا وَجَلَّتٍ
وَقَالَ مَيمون بن مهران: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى ثم أقبل عليَّ فقال: يا ميمون هذه قبور أبائي بني أمية كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلاث واستحكم فيهم البلى وأصابتهم الهوام مقيلاً في أبدانهم ثم بكى وقال: والله ما أعلم أحدًا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله، ووجد مكتوب على قبر:
وَقِفْتُ عَلَى الأَحِبَّةِ حِينَ صَفَّتْ ... قُبُورُهُمْ كَأَفْرَاسِ الرِّهَانِ
فَلَمَّا أَنْ بَكِيتُ وَفَاضَ دَمْعِي ... رَأَتْ عَيْنَايَ بَيْنَهُمْ مَكَانِي
آخر: ... وَنَاءٍ عَنِ الدُّنْيَا وَعَنْ أَعْيُنِ الْوَرَى ... وَحِيد لأَصْحَابِ الْقُبُورِ مُجَاوِرُ
آخر: ... أَبَا غَانِمٍ أَمَا ذراك فَوَاسِعٌ ... وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوَانِبُ مُحْكَمُ
стр. 1429
وَمَا يَنْفَعُ الْمَقْبُورُ عُمْرَانُ قَبْرِهِ ... إِذَا كَانَ فِيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ
شِعْرًا: قصيدة زهدية وعظية سقط بعضها وعوضناها عنه ما بين الأقواس:
لا تَأْسَفَنَّ عَلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ... فَالْمَوْتُ لا شَكَّ يَفْنِينَا وَيَفْنِيهَا
وَمَنْ يَكُنْ هَمَّهُ الدُّنْيَا لِيَجْمَعُهَا ... فَسَوْفَ يَوْمًا عَلَى رَغْمٍ يُخَلِّيهَا
لا تَشْبَعُ النَّفْس مِنْ دُنْيَا تُجَمِّعُهَا ... وَبُلْغَهٌ مِنْ قَوَامِ الْعَيْشِ تَكْفِيهَا
اعْمَلْ لِدَارِ الْبَقَا رِضْوَانٌ خَازِنُهَا ... الْجَارُ أَحْمَدُ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا
أَرْضٌ لَهَا ذَهَبٌ وَالْمِسْكُ طِينَتُهَا ... وَالزَّعْفَرَان حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا
أَنْهَارُهَا لَبَنٍ مَحْضٍ وَمِنْ عَسَلٍ ... وَالْخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقًا فِي مَجَارِيهَا
وَالطَّيْرُ تُجْرِي عَلَى الأَغْصَانِ عَاكِفَةً ... تُسَبِّحُ اللهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيهَا
مَنْ يَشْتَرِي قُبَّةً فِي الْعَدْنِ عَالِيَةً ... فِي ظِلِّ طُوبَى رَفِيعَاتٌ مَبَانِيهَا
دَلالُهَا الْمُصْطَفَى وَاللهُ بَائِعُهَا ... وَجِبْرَئِيلُ يُنَادِي فِي نَوَاحِيهَا
مَنْ يَشْتَرِي الدَّارَ فَي الْفِرْدَوْسَ يَعْمُرُهَا ... بِرَكْعَةٍ فِي ظَلامِ اللَّيْلِ يُخْفِيهَا
أَوْ سَدَّ جَوْعَةِ مِسْكِينٍ بِشَبْعَتِهِ ... فِي يَوْمِ مَسْبَغَه عَمّ الغَلا فِيهَا
النَّفْسُ تَطْمَعُ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ ... أَنَّ السَّلامَةَ مِنْهَا تَرْكُ مَا فِيهَا
وَاللهِ لَوْ قَنَعَتْ نَفْسِي بِما رُزِقَتْ ... مِنَ الْمَعِيشَةِ إِلا كَانَ يَكْفِيهَا
واللهِ وَاللهِ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ ... ثَلاثَةٌ عَنْ يَمِينٍ بَعْدَ ثَانِيهَا
لَوْ أَنَّ فِي صَخْرَةٍ صَمَّا مُلَمْلَمَةٍ ... فِي الْبَحْرِ رَاسِيَةً مَلْسٌ نَوَاحِيهَا
رِزْقًا لِعَبْدٍ بَرَاهَا اللهُ لانْفَلَقَتْ ... حَتَّى تُؤَدَّى إِلَيْهِ كَلّ مَا فِيهَا
أَوْ كَانَ فَوْقُ طِبَاقِ السَّبْعِ مَسْلَكُهَا ... لَسَهَّلَ اللهُ فِي الْمَرْقَى مَرَاقِيهَا
حَتَّى يَنَالُ الَّذِي في اللَّوْحِ خَطّ لَهُ ... فَإِنَّ أَتَتْهُ وَإِلا سَوْفَ يَأْتِيهَا
أَمْوَالُنَا لِذَوِي الْمِيرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدَارَنَا لِخَرَابِ الْبُومِ نَبْنِيهَا
لا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُنُهَا ... إِلا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْت يَبْنِيهَا
стр. 1430
فَمَنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ ... وَمَنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا
وَالنَّاسُ كَالْحَبِّ وَالدُّنْيَا رَحَى نَصَبَتْ ... لِلْعَالَمِينَ وَكَفّ الْمَوْتِ يُلْهِيهَا
فَلا الإِقَامَةَ تُنْجِي النَّفْسَ مِنْ تَلَفٍ ... وَلا الْفِرَارُ مِنْ الأَحْدَاثِ يُنْجِيهَا
وَلِلنُّفُوسِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجَلٍ ... مِنَ الْمَنِيَّةِ آمَالٌ تُقَوِّيهَا
فَالْمَرْءُ يَبْسُطُهَا وَالدَّهْرُ يَقْبِضُهَا ... وَالْبِشْرُ يَنْشُرُهَا وَالْمَوْتُ يَطْوِيهَا
وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا زَوْرٌ يُصَبِّحُهَا ... مِنْ الْمَنِيَّةِ يَوْمًا أَوْ يُمَسِّيهَا
تِلْكَ الْمَنَازِلُ فِي الآفَاقِ خَاوِيَةٌ ... أَضْحَتْ خَرَابًا وَذَاقَ الْمَوْتُ بَانِيهَا
كَمْ مِنْ عَزِيزٍ سَيَلْقَى بَعْدَ عِزَّتِهِ ... ذُلاً وَضَاحِكَةٌ يَوْمًا سَيَبْكِيهَا
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ ... وَلِلْحِسَابِ بَرَى الأَرْوَاحَ بَارِيهَا
لا تَبْرَحُ النَّفْسُ تَنْعِي وَهِيَ سَالِمَةٌ ... حَتَّى يَقُومُ بِنَادِ الْقَوْمِ نَاعِيهَا
وَلَنْ تَزَالُ طِوَالَ الدَّهْرِ ظَاعِنَةٌ ... حَتَّى تُقِيمُ بِوَادٍ غَيْرَ وَادِيهَا
أَيْنَ الْمُلُوكِ الَّتِي عَنْ حَظِّهَا غَفَلَتْ ... حَتَّى سَقَاهَا بِكَأْسِ الْمَوْتِ سَاقِيهَا
أَفْنَى الْقُرُون وَأَفْنَى كُلّ ذِي عُمْرٍ ... كَذَلِكَ الْمَوْتُ يُفْنِي كَلَّ مَا فِيهَا
فَالْمَوْتُ أَحْدَقُ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفُهَا ... وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَنْ كُلِّ مَا فِيهَا
لَوْ أَنَّهَا عَقِلَتْ مَاذَا يُرَادُ بِهَا ... مَا طَابَ عَيْشٌ لَهَا يَوْمًا وَيُلْهِيهَا
نَلْهُوا وَنَأْمَلُ آمَالاً نَسُرُّ بِهَا ... شَرِيعَةُ الْمَوْتِ تَطْوِينَا وَتَطْوِيهَا
فَاغْرِسْ أُصُولَ التُّقَى مَا دُمْتَ مُقْتَدِرًا ... وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْت لاقِيهَا
(تَجْنِي الثِّمَارَ غَدًا فِي دَارٍ مُكَرَّمَةٍ ... لا مَنْ فِيهَا وَلا التَّكْدِيرُ يَأْتِيهَا)
(فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ دَائِمًا أَبَدًا ... بِلا انْقِطَاعٍ وَلا مَنْ يُدَانِيهَا)
(الأُذُنُ وَالْعَيْنُ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تَرَهُ ... وَلَمْ يَدْرِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ مَا فِيهَا)
(فَيَا لَهَا مِنْ كَرَامَاتٍ إِذَا حَصَلَتْ ... وَيَا لَهَا مِنْ نُفُوسٍ سَوْفَ تَحْوِيهَا)
(وَهَذْهِ الدَّارُ لا تَغْرُرْكَ زَهْرَتُهَا ... فَعَنْ قَرِيبٍ تَرَى مُعْجِبُكَ ذَاوِيهَا)
стр. 1431
.. (فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ لا يَخْدَعَكَ لامِعُهَا ... مِنْ الزَّخَارِفِ وَاحْذَرْ مِنْ دَوَاهِيهَا)
(خَدَّاعَةٌ لَمْ تَدُمْ يَوْمًا عَلَى أَحَدٍ ... وَلا اسْتَقَرَّتْ عَلَى حَالٍ لَيَالِيهَا)
(فَانْظُرْ وَفَكَّرْ فَكَمْ غَرَّتْ ذَوِي طيشٍ ... وَكَمْ أَصَابَتْ بِسَهْمِ الْمَوتِ أَهْلِيهَا)
اعْتَزَّ قَارُونُ فِي دُنْيَاهُ مِنْ سَفَهٍ ... وَكَانَ مِنْ خَمْرِهَا يَا قَوْمَ ذَاتِيهَا
يَبِيتُ لَيْلَتَهُ سَهْرَانٌ مٌنْشَغِلاً ... فِي أَمْرِ أَمْوَالِهِ فِي الْهَمِّ يَفْدِيهَا
وَفِي النَّهَارِ لَقَدْ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ ... تَحُزُّ فِي قَلْبِهِ حَزًّا فَيُخْفِيهَا
فَمَا اسْتَقَامَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَلا قَبِلَتْ ... مِنْهُ الْوِدَادَ وَلَمْ تَرْحَمْ مُحِبِّيهَا
(ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمَعْصُومِ سَيِّدِنَا ... أَزَكَى الْبَرَيَّةَ دَانِيهَا وَقَاصِيهَا)
(موعظة)
قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء من غير جنسها، والأبصار: العقول والمعنى تدبروا.
إخواني: الدنيا دار عبرة ما وقعت فيها حبرة إلا وردفتها عبرة أين من عاشرناه كثيرًا وألفنا، أين من ملنا إليه بالوداد وانعطفنا، أين من ذكرناه بالمحاسن ووصفنا ما نعرفهم لو عنهم كشفنا، ما ينطقون لو سألناهم وألحفنا.
وسنصير كما صاروا فليتنا أنصفنا، كم أغمضنا من أحبابنا على كرههم جفنا، كم ذكرتنا مصارع من فنِيَ من يفنى، كم عزيز أحببنا دفنَّاه وانصرفنا، كم مؤنس أضجعناه في اللحد وما وقفنا، كم كريم علينا إذا مررنا عليه انحرفنا.
ما لنا نتحقق الحق فإذا أيقنا صدفنا، أما ضر أهله التسويف، وها نحن قد سوفنا، أما التراب فلماذا منه أنفنا، ألام ترغنا السلامة وكأن قد تلفنا.
أين حبيبنا الذي كان وانتقل، أما غمسه التلف في بحره وارتحل أما
стр. 1432
خلا في لحده بالعمل أين من جر ذيل الخيلاء غافلاً ورفل أما سافر عنا وإلى الآن ما قفل.
أين من تنعم في قصره وفي قبره قد نزل، فكأنه بالدار ما كان وفي اللحد لم يزل، أين الجبابرة الأكاسرة الأول الذين كنزوا العتاة الأول، ملك الأموال سواهم والدنيا دول.
شِعْرًا:
تَنَامُ وَقَدْ أَعَدَّ لَكَ السّهَادُ ... وَتُوقِنُ بِالرَّحِيلِ وَلَيْسَ زَادُ
وَتُصْبِحُ مِثْلِ مِا تُمْسِي مُضَيِّعًا ... كَأَنَّكَ لَسْتَ تَدْرِي مَا الْمُرَادُ
أَتَطْمَعُ أَنْ تَفُوزَ غَدًا هَنِيًا ... وَلَمْ يَكُ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا اجْتِهَادُ
إِذَا فَرَّطْتَ فِي تَقْدِيمِ زَرْعٍ ... فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ عَدَمٍ حَصَادُ
اللهم اجعل في قلوبنا نورًا نهتدي به إليك وتولنا بحسن رعايتك حتى نتوكل عليك وارزقنا حلاوة التذلل بين يديك فالعزيز من لاذ بعزك والسعيد من التجأ إلى حماك وجودك والذليل من لم تؤيده بعنايتك والشقي من رضي بالأعراض عن طاعتك اللهم نزه قلوبنا عن التعلق بمن دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ويسن توجيه الميت ومن في النزع إلى القبلة على جنبه الأيمن لأن حذيفة قال: (وجهوني إلى القبلة) . واستحبه مالك وأهل المدينة والأوزعي وأهل الشام وقال ﷺ عن البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا. روه أبو داود.
стр. 1433
وقول باسم الله وعلى وفاة رسول الله لما روى البيهقي عن بكر بن عبد الله المزني ولفظه وعلى ملة رسول الله ولا بأس بتقبيل الميت والنظر إليه لحديث عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبَّل النبي ﷺ بعد موته. رواه البخاري والنسائي.
وقالت عائشة قبَّل النبي ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه. رواه أحمد والترمذي وصححه.
وغسل الميت فرض كفاية لقوله ﷺ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه» . متفق عليه وشرط في الماء الذي يغسل فيه الميت الطهورية والإباحة كباقي الاغسال.
وشرط في المغسل للميت الإسلام والعقل والتمييز لأن هذه شروط لكل عبادة شرعية إلا التمييز في الحج والأكمل أن يكون الغاسل للميت ثقة يعرف أحكام الغسل ليحتاط فيه ولقول ابن عمر: لا يغسل موتاكم إلا المأمونون.
والأولى بغسل الميت وصية العدل لأن أبا بكر الصديق أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس فقدمت بذلك وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل.
وإذا شرع في غسله ستر عورته وجوبًا لحديث: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» . رواه أبو داود.
ويحرم مس عورة من بلغ سبع سنين ويستحب أن لا يمس سائره إلا بحائل، أدسوس يدين أو نحوها لما روى أن عليًا غسل النبي ﷺ وبيده خرقة يمسح بها تحت القميص. ذكره المروزي عن أحمد.
стр. 1434
وللرجل أن يغسل زوجته وأمته لقوله ﷺ لعائشة: «لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك» . رواه ابن ماجة. وغسل عليٌّ فاطمة ﵄ ولم ينكره منكر فكان إجماعًا.
وللمرأة تغسيل زوجها وابن دون سبع سنين قاله ابن المنذر إجماعًا لحديث أبي بكر السابق وقالت عائشة ﵂: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. رواه أحمد وأبو داود.
ولما مات إبراهيم بن النبي ﷺ غسله النساء. وحكم غسل الميت كغسل الجنابة لقوله ﷺ للنساء اللاتي غسلن ابنته: «ابدأن بميامينها ومواضع الوضوء منها» . ولا يدخل في فم الميت الماء ولا في أنفه بل يأخذ خرقة مبلولة فيمسح بها أسنانه ومنخريه ليقوم مقام المضمضة والاستنشاق قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .
وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . ويكره الاقتصار على غسله واحدة لقوله ﷺ حين توفيت ابنته: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر» .
فإن خرج من الميت المغسل شيء زيد في الغسلات وجوبًا إلى السبع فإن خرج بعد السبع حشي المحل بقطن فإن لم يستمسك فبطن حر ثم يغسل المحل ويوضأ وجوبًا.
وإن خرج بعد التكفين لم يعد الغسل ولا الوضوء لما فيه من الحرج والمشقة ولا يغسل شهيد المعركة ولا يكفن ولا يصلى عليه لحديث جابر أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصلوا عليهم رواه البخاري.
стр. 1435
شِعْرًا:
أَلا ذَكَّرَانِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْتُ ... وَيُبْنَى لِجُثْمَانِي بِدَارِ الْبِلَى بَيْتُ
وَعَلَّمَنِي رَبِّي طَرِيقَ سَلامَتِي ... وَبَصَّرَنِي لَكِنَّنِي قَدْ تَعَامَيْتُ
وَقَالُوا مَشِيبُ الرَّأْسِ يَحْدُوا إِلَى الْبَلَى ... فَقُلْتُ أَرَانِي قَدْ قَرُبْتُ فَأُدْنِيتُ
وكذا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى على المقتول ظلمًا لحديث سعيد بن زيد مرفوعًا من قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد رواه أبو داود والترمذي وصحح.
وقيل يغسل ويصلى عليه لأن ابن الزبير غسل وصلى عليه وهذا القول يترجح عندي لأنه أحوط والله سبحانه أعلم.
فأن قتل وعليه ما يوجب الغسل من نحو جنابة فهو كغيره يجب أن يغسل لأن النبي ﷺ قال يوم أحدٍ ما بال حنظلة بن الراهب إني رأيت الملائكة تغسله قالوا: إنه سمع الهائعة وهو جنب ولم يغتسل. رواه الطيالسي.
وإن سقط من دابته أو وجد ميتًا ولا أثر به أو تردى من محل رفيع أو حمل فأكل أو شرب أو طال بقاؤه عرفًا غسل وصلى عليه وكذا – لو تكلم أو بال أو عطس لأن النبي ﷺ غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدًا وصلى المسلمون على عمر وعلي وهما شهيدان والسقط لأربعة أشهر كالمولود حيًا يغسل ويصلى عليه لحديث المغيرة مرفوعًا، والسقط يصلى عليه رواه أبو داود والترمذي وصححه.
ولا يغسل مسلم كافرًا ولو ذميًا ولا يكفنه ولا يصلي عليه ولا يتبع جنازته لأن في ذلك تعظيمًا له وقد قال تعالى ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بل يدفن إن لم يدفنه الكفار كما فعل بأهل القليب يوم بدر. وعن علي رضي الله
стр. 1436
عنه قال: قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فواره» . رواه أبو داود.
شِعْرًا:
كَيْفَ احْتِيَالِي إِذَا جَاءَ الْحِسَابُ غَدًا ... وَقَدْ حُشِرْتُ بِأَثْقَالِي وَأَوْزَارِي
وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى صُحْفِي مُسَوَّدَةٍ ... مِنْ شُؤْمِ ذَنْبٍ قَدِيمٍ الْعَهْدِ أَوْ طَارِي
وَقَدْ تَجَلَّى لِبَسْطِ الْعَدْلِ خَالِقُنَا ... يَوْمَ الْمَعَادِ وَيَوْمَ الذُّلِّ وَالْعَارِ
يَفُوزُ كُلُّ مُطِيعٍ لِلْعَزِيزِ غَدًا ... بِدَارِ عَدْنٍ وَأَشْجَارٍ وَأَنْهَارِ
لَهُمْ نَعِيمٌ خُلُودٌ لا نَفَادَ لَهُ ... يُخَلَّدُونَ بِدَارِ الْوَاحِدِ الْبَارِي
وَمَنْ عَصَى فِي قَرَارِ النَّارِ مَسْكَنُهُ ... لا يَسْتَرِيحُ مِنَ التَّعْذِيبِ فِي النَّارِ
فَابْكُوا كَثِيرًا فَقَدْ حَقَّ الْبُكَاءُ لَكُمْ ... خَوْفَ الْعَذَابِ بِدَمْع وَاكِفٍ جَارِي
آخر:
يَا عَجَبًا لِلنَّاسِ كَيْفَ اغْتَدَوْا ... فِي غَفْلَةٍ عَمَّا وَرَاءَ الْمَمَاتْ
لَوْ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ لَمْ يَكُنْ ... لَهُمْ عَلَى إِحْدَى الْمَعَاصِي ثِبَاتْ
مَنْ شَكَّ فِي اللهِ فَذَاكَ الَّذِي ... أُصِيبَ فِي تَمْيِيزِهِ بِالشَّتَاتْ
يُحْيِيهِمُ بَعْدَ الْبَلَى مِثْلَ مَا ... أَخْرَجَهُمْ مِنْ عَدَمٍ لِلْحَيَاةْ
اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل علينا بعافيتك وجزيل عفوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وتكفين الميت فرض كفاية لقوله ﷺ في المحرم الذي مات اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه والواجب ثوب يستر جميع الميت لقول أم عطية فلما فرغنا
стр. 1437
ألقى إلينا حقوه فقال: «أشعرنها» . ولم يزد على ذلك رواه البخاري.
ولا يستر رأس المحرم ولا وجه المحرمة لقوله ﷺ في المحرم الذي مات: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» . متفق عليه. والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن لحديث عائشة كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس بها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجًا متفق عليه.
والمسنون في حق الأنثى خمسة أثواب إزار وخمارٌ وقميصٌ ولفافتين لحديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة النبي ﷺ عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر. رواه أبو داود.
والصبي في ثوبٍ واحد لأنه دون رجل ويباح في ثلاثةٍ، ما لم يرثه غير مكلف، ولصغير قميص ولفافتان، ولخنثى كالأنثى في خمسة أثواب، وأما صفة تهيئة اللفائف ووضع الميت عليها فإنا تبسط بعضها فوق بعض وتجعل اللفافة الظاهرة وهي السفلى من الثلاث أحسنها وذلك بعد تبخيرها بعودٍ ونحوه بعد رشها بما ورد لتعلق رائحة البخور بها ما لم يكن محرما.
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاة الْبِين فِي خِرَقِ
وَغَيْرُ نَفْحَةُ أَعْوَادٍ تَشُبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلَكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
وَيَجْعل الحنوط وهو أخلاط من طيب فيما بين اللفائف وذلك بأن يذر بين اللفائف ثم يوضع الميت على اللفائف مستلقيًا ويجعل منه في قطن بين إليتيه ومثانته.
ويجعل الباقي من القطن المحنط على منافذ وجهه ومواضع سجوده جبهته ويديه وركبته وتحت إبطه وسرته لأن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقته بالمسك وإن طيب كله فحسن لأن أنسًا وطُلِيَ بالمسك وطَلَى ابن عمر ميتًا بالمسك.
стр. 1438
ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الأيمن على الأيسر ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه ثم يعقدها وتحل في القبر، لقول ابن مسعود إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد. رواه الأثرم.
شِعْرًا:
إِنَّ الَّذِي كَانَ بَعْضُ الأَرْضِ يَمْلِكُهُ ... أَمْسَى مِنْ الأَرْضِ قَدْ يَحْوِيهِ مِتْرَانِ
وَغَابَ عَنْ مُلْكِهِ الْمِسْكِينُ وَاقْتَسَمُوا ... أَمْوَالَهُ فَاعْتَبِرُوا وَاقْتَدِ بِيَقْظَانِ
آخر:
وَعُري عَنْ ثِيَابٍ كَانَ فِيهَا ... وَأُلْبِسَ بَعْدَ أَثْوَابَ انْتِقَالِ
وَبَعْدَ رُكُوبِهِ الأَفْرَاسَ تِيهًا ... يُهَادَى بَيْنَ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ
إِلَى قَبْرٍ يُغَادَرُ فِيهِ فَرْدًا ... نَأَى مِنْهُ الأَقَارِبُ وَالْمَوَالِي
تَخَلَّى عَنْ مُوَرِّثِهِ وَوَلَّى ... وَلَمْ تَحْجُبه مَأْثَرَةُ الْمَعَالِي
موعظة: عباد الله ما هذا التكاسل عن الطاعات وزرع الأعمار قد دنا للحصاد وما هذا التباعد ومدد الأيام قد قاربت للنفاد، وما هذا التغافل والتكاسل عن إعداد الزاد ليوم الميعاد.
خَلَتِ الْقُلُوبِ مِنَ الْمَعَادِ وَذِكْرِهِ ... وَتَشَاغَلُوا بِالْحِرْصِ وَالأَطْمَاعِ
صَارَتْ مَجَالِسُ مَنْ تَرَى وَحَدِيثَهُمْ ... فِي الصُّحُفِ وَالتِّلْفَازِ وَالْمِذْيَاعِ
آخر: ... تَزَوَّدْ لِلَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ
يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
عباد الله أين الحسرات على فوت أمس أين العبرات على مقاسات الرمس أين الاستعداد ليوم تدنو فيه منكم الشمس، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 1439
يا من مشيبه أتى وشبابه أضمحل وخبي، متى تتضرع إلى مولاك وتقف بالباب، أما اعتبرت بالراحلين من الأقارب والجيران والزملاء والأحباب؛ أما قرع سمعك ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ الآية.
كيف حالك إذا بلغت الروح التراق وقطعت الحسرات والندم علائق الأكباد ووضعت في بيت الظلمة والدود والوحدة ولا ولي لك من الله ولا ناصر وضوعف العذاب وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون.
كيف أنت إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وكل إنسان ألزم طائره في عنقه يوم النشور وحرر الحساب بين يدي سريع الحساب عالم السر والخفيات والجاليات ونصب الميزان ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ . وقال تعالى ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾
شِعْرًا:
وَلا بَأْسَ شَرْعًا أَنْ يَطَّبِكَ مُسْلِمٌ
وَشَكْوَى الَّذِي تَلْقَى وَبِالْحَمْدِ فَابْتَدِ
وَتَرْكُ الدَّوَا أَوْلَى وَفِعْلُكَ جَائِزٌ
بِمَا لَمْ تَيَقَّنْ فِيهِ حُرْمَةَ مُفْرَدِ
وَرَجِّحْ عَلَى الْخَوْفِ الرَّجَا عِنْدَ يَأْسِهِ
وَلاقِ بِحُسْنِ الظَّنِّ رَبَّكَ تَسْعَدِ
وَيُشْرَعُ لِلْمَرْضَى الْعِيَادَةُ فَأْتِهِمْ
تَخُضْ رَحْمَةً تَغْمُرْ مَجَالِسَ عُوَّدِ
стр. 1440
فَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مَلائِكَةِ الرِّضَا
تُصَلِّي عَلَى مَنْ عَادَ مُمْسًى إِلَى الْغَدِ
وَإِنْ عَادَهُ فِي أَوَّلَ الْيَوْمِ وَاصَلَتْ
عَلَيْهِ إِلَى اللَّيْلِ الصَّلاةَ فَاسْنِدِ
فَمِنْهُمْ مُغِبًّا عُدْ وَخَفِّفْ وَمِنْهُمْ الَّذِي
لَذِي يُؤَثِّرُ التَّطْوِيلَ مِنْ مُتَوَدِّدِ
فَفَكِّرْ وَرَاعِ فِي الْعِيَادَةِ حَالَ مَنْ
تَعُودُ وَلا تُكْثِرْ سُؤَالاً تُنَكِّدِ
وَذَكِّرُ لِمَنْ تَأْتِي وَقَوِّ فُؤَادِهُ
وَمُرْهُ بِأَنْ يُوصِي إِذَا خِفْتَ وَارْشُدِ
وَنَدِّ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ لِسَانَهُ
وَلَقِّنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلَ الْمُوَحَّدِ
وَلا تُضْجِرَنْ بَلْ إِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ
فَعَاوِدْ بِلَفْظٍ وَاسْأَلْ اللُّطْفَ وَاجْهَدِ
وَيَس إِنْ تُتْلَى يُخَفَّفُ مَوْتُهُ
وَيُرْفَعُ عَنْهُ الإِصْرَ عِنْدَ التَّلَحَّدِ
وَوَجِّهْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ تِلْقَاءَ قِبْلَةٍ
فَإِنْ مَاتَ غَمِّضْهُ وَلَحْيَيْهِ فَاشْدُدِ
وَمَلْبُوسَهُ فَاخْلَعْ وَلَيِّنْ مَفَاصِلاً
وَضَعْ فَوْقَ بَطْنِ الْمَيِّتِ مَانِعَ مُصْعِدِ
وَوَفِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ شَرْعًا وَفَرِّقَنْ
وَصِيَّةَ عَدْلٍ ثُمَّ تَجْهِيزَهُ أُقْصُدِ
следующие страницы →