Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
عنه قال: قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فواره» . رواه أبو داود.
شِعْرًا:
كَيْفَ احْتِيَالِي إِذَا جَاءَ الْحِسَابُ غَدًا ... وَقَدْ حُشِرْتُ بِأَثْقَالِي وَأَوْزَارِي
وَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى صُحْفِي مُسَوَّدَةٍ ... مِنْ شُؤْمِ ذَنْبٍ قَدِيمٍ الْعَهْدِ أَوْ طَارِي
وَقَدْ تَجَلَّى لِبَسْطِ الْعَدْلِ خَالِقُنَا ... يَوْمَ الْمَعَادِ وَيَوْمَ الذُّلِّ وَالْعَارِ
يَفُوزُ كُلُّ مُطِيعٍ لِلْعَزِيزِ غَدًا ... بِدَارِ عَدْنٍ وَأَشْجَارٍ وَأَنْهَارِ
لَهُمْ نَعِيمٌ خُلُودٌ لا نَفَادَ لَهُ ... يُخَلَّدُونَ بِدَارِ الْوَاحِدِ الْبَارِي
وَمَنْ عَصَى فِي قَرَارِ النَّارِ مَسْكَنُهُ ... لا يَسْتَرِيحُ مِنَ التَّعْذِيبِ فِي النَّارِ
فَابْكُوا كَثِيرًا فَقَدْ حَقَّ الْبُكَاءُ لَكُمْ ... خَوْفَ الْعَذَابِ بِدَمْع وَاكِفٍ جَارِي
آخر:
يَا عَجَبًا لِلنَّاسِ كَيْفَ اغْتَدَوْا ... فِي غَفْلَةٍ عَمَّا وَرَاءَ الْمَمَاتْ
لَوْ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ لَمْ يَكُنْ ... لَهُمْ عَلَى إِحْدَى الْمَعَاصِي ثِبَاتْ
مَنْ شَكَّ فِي اللهِ فَذَاكَ الَّذِي ... أُصِيبَ فِي تَمْيِيزِهِ بِالشَّتَاتْ
يُحْيِيهِمُ بَعْدَ الْبَلَى مِثْلَ مَا ... أَخْرَجَهُمْ مِنْ عَدَمٍ لِلْحَيَاةْ
اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا الاستقامة طوع أمرك وتفضل علينا بعافيتك وجزيل عفوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وتكفين الميت فرض كفاية لقوله ﷺ في المحرم الذي مات اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه والواجب ثوب يستر جميع الميت لقول أم عطية فلما فرغنا
стр. 1437
ألقى إلينا حقوه فقال: «أشعرنها» . ولم يزد على ذلك رواه البخاري.
ولا يستر رأس المحرم ولا وجه المحرمة لقوله ﷺ في المحرم الذي مات: «ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» . متفق عليه. والسنة تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض من قطن لحديث عائشة كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس بها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجًا متفق عليه.
والمسنون في حق الأنثى خمسة أثواب إزار وخمارٌ وقميصٌ ولفافتين لحديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة النبي ﷺ عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله ﷺ الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر. رواه أبو داود.
والصبي في ثوبٍ واحد لأنه دون رجل ويباح في ثلاثةٍ، ما لم يرثه غير مكلف، ولصغير قميص ولفافتان، ولخنثى كالأنثى في خمسة أثواب، وأما صفة تهيئة اللفائف ووضع الميت عليها فإنا تبسط بعضها فوق بعض وتجعل اللفافة الظاهرة وهي السفلى من الثلاث أحسنها وذلك بعد تبخيرها بعودٍ ونحوه بعد رشها بما ورد لتعلق رائحة البخور بها ما لم يكن محرما.
فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... سِوَى حَنُوطٍ غَدَاة الْبِين فِي خِرَقِ
وَغَيْرُ نَفْحَةُ أَعْوَادٍ تَشُبُّ لَهُ ... وَقَلَّ ذَلَكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
وَيَجْعل الحنوط وهو أخلاط من طيب فيما بين اللفائف وذلك بأن يذر بين اللفائف ثم يوضع الميت على اللفائف مستلقيًا ويجعل منه في قطن بين إليتيه ومثانته.
ويجعل الباقي من القطن المحنط على منافذ وجهه ومواضع سجوده جبهته ويديه وركبته وتحت إبطه وسرته لأن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقته بالمسك وإن طيب كله فحسن لأن أنسًا وطُلِيَ بالمسك وطَلَى ابن عمر ميتًا بالمسك.
стр. 1438
ثم يرد طرف اللفافة العليا من الجانب الأيسر على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الأيمن على الأيسر ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه ثم يعقدها وتحل في القبر، لقول ابن مسعود إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد. رواه الأثرم.
شِعْرًا:
إِنَّ الَّذِي كَانَ بَعْضُ الأَرْضِ يَمْلِكُهُ ... أَمْسَى مِنْ الأَرْضِ قَدْ يَحْوِيهِ مِتْرَانِ
وَغَابَ عَنْ مُلْكِهِ الْمِسْكِينُ وَاقْتَسَمُوا ... أَمْوَالَهُ فَاعْتَبِرُوا وَاقْتَدِ بِيَقْظَانِ
آخر:
وَعُري عَنْ ثِيَابٍ كَانَ فِيهَا ... وَأُلْبِسَ بَعْدَ أَثْوَابَ انْتِقَالِ
وَبَعْدَ رُكُوبِهِ الأَفْرَاسَ تِيهًا ... يُهَادَى بَيْنَ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ
إِلَى قَبْرٍ يُغَادَرُ فِيهِ فَرْدًا ... نَأَى مِنْهُ الأَقَارِبُ وَالْمَوَالِي
تَخَلَّى عَنْ مُوَرِّثِهِ وَوَلَّى ... وَلَمْ تَحْجُبه مَأْثَرَةُ الْمَعَالِي
موعظة: عباد الله ما هذا التكاسل عن الطاعات وزرع الأعمار قد دنا للحصاد وما هذا التباعد ومدد الأيام قد قاربت للنفاد، وما هذا التغافل والتكاسل عن إعداد الزاد ليوم الميعاد.
خَلَتِ الْقُلُوبِ مِنَ الْمَعَادِ وَذِكْرِهِ ... وَتَشَاغَلُوا بِالْحِرْصِ وَالأَطْمَاعِ
صَارَتْ مَجَالِسُ مَنْ تَرَى وَحَدِيثَهُمْ ... فِي الصُّحُفِ وَالتِّلْفَازِ وَالْمِذْيَاعِ
آخر: ... تَزَوَّدْ لِلَّذِي لا بُدَّ مِنْهُ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ مِيقَاتُ الْعِبَادِ
يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ ... لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ
عباد الله أين الحسرات على فوت أمس أين العبرات على مقاسات الرمس أين الاستعداد ليوم تدنو فيه منكم الشمس، ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
стр. 1439
يا من مشيبه أتى وشبابه أضمحل وخبي، متى تتضرع إلى مولاك وتقف بالباب، أما اعتبرت بالراحلين من الأقارب والجيران والزملاء والأحباب؛ أما قرع سمعك ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ الآية.
كيف حالك إذا بلغت الروح التراق وقطعت الحسرات والندم علائق الأكباد ووضعت في بيت الظلمة والدود والوحدة ولا ولي لك من الله ولا ناصر وضوعف العذاب وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون.
كيف أنت إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وكل إنسان ألزم طائره في عنقه يوم النشور وحرر الحساب بين يدي سريع الحساب عالم السر والخفيات والجاليات ونصب الميزان ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ . وقال تعالى ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾
شِعْرًا:
وَلا بَأْسَ شَرْعًا أَنْ يَطَّبِكَ مُسْلِمٌ
وَشَكْوَى الَّذِي تَلْقَى وَبِالْحَمْدِ فَابْتَدِ
وَتَرْكُ الدَّوَا أَوْلَى وَفِعْلُكَ جَائِزٌ
بِمَا لَمْ تَيَقَّنْ فِيهِ حُرْمَةَ مُفْرَدِ
وَرَجِّحْ عَلَى الْخَوْفِ الرَّجَا عِنْدَ يَأْسِهِ
وَلاقِ بِحُسْنِ الظَّنِّ رَبَّكَ تَسْعَدِ
وَيُشْرَعُ لِلْمَرْضَى الْعِيَادَةُ فَأْتِهِمْ
تَخُضْ رَحْمَةً تَغْمُرْ مَجَالِسَ عُوَّدِ
стр. 1440
فَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ مَلائِكَةِ الرِّضَا
تُصَلِّي عَلَى مَنْ عَادَ مُمْسًى إِلَى الْغَدِ
وَإِنْ عَادَهُ فِي أَوَّلَ الْيَوْمِ وَاصَلَتْ
عَلَيْهِ إِلَى اللَّيْلِ الصَّلاةَ فَاسْنِدِ
فَمِنْهُمْ مُغِبًّا عُدْ وَخَفِّفْ وَمِنْهُمْ الَّذِي
لَذِي يُؤَثِّرُ التَّطْوِيلَ مِنْ مُتَوَدِّدِ
فَفَكِّرْ وَرَاعِ فِي الْعِيَادَةِ حَالَ مَنْ
تَعُودُ وَلا تُكْثِرْ سُؤَالاً تُنَكِّدِ
وَذَكِّرُ لِمَنْ تَأْتِي وَقَوِّ فُؤَادِهُ
وَمُرْهُ بِأَنْ يُوصِي إِذَا خِفْتَ وَارْشُدِ
وَنَدِّ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ لِسَانَهُ
وَلَقِّنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلَ الْمُوَحَّدِ
وَلا تُضْجِرَنْ بَلْ إِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَهُ
فَعَاوِدْ بِلَفْظٍ وَاسْأَلْ اللُّطْفَ وَاجْهَدِ
وَيَس إِنْ تُتْلَى يُخَفَّفُ مَوْتُهُ
وَيُرْفَعُ عَنْهُ الإِصْرَ عِنْدَ التَّلَحَّدِ
وَوَجِّهْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ تِلْقَاءَ قِبْلَةٍ
فَإِنْ مَاتَ غَمِّضْهُ وَلَحْيَيْهِ فَاشْدُدِ
وَمَلْبُوسَهُ فَاخْلَعْ وَلَيِّنْ مَفَاصِلاً
وَضَعْ فَوْقَ بَطْنِ الْمَيِّتِ مَانِعَ مُصْعِدِ
وَوَفِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ شَرْعًا وَفَرِّقَنْ
وَصِيَّةَ عَدْلٍ ثُمَّ تَجْهِيزَهُ أُقْصُدِ
стр. 1441
ج
إِذَا بِانْخِسَافِ الصُّدْغِ أَيْقَنْتَ مَوْتَهُ
وَمَيْلَ أَنْفِهِ مَعْ فَصْلِ رِجْلَيْهِ وَالْيَدِ
وَلا بَأْسَ فِي إِعْلامِ خِلٍّ وَصَاحِبٍ
وَأَنْسَابِهِ وَاكْرَهْ نِدَاءً وَشَدِّدِ
وَسَارِعْ إِلَى التَّجْهِيزِ فَرْضَ كِفَايَةٍ
فَقَدِّمْ وَصِيًّا بَعْدَهُ الأَبِ فَاعْدُدِ
فَجَدٌّ فَأَدْنَى ثُمَّ أَدْنَى مُنَاسِبٍ
فَمَوْلَى فَأَدْنَى أَقْرِبَيْهِ كَمَا ابْتَدِي
وَمُسْتَتِرًا لِلْغُسْلِ ضَعْهُ مُوَجِّهًا
وَمُنْحَدِرًا تِلْقَاءَ رِجْلَيْهِ فَاعْمِدِ
وَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَوْقَ قَمِيصِهِ
بِالأُخْرَى بِلا مَسِّ وَحَيْزٍ بِأَبْعَدِ
وَيَخْتَارُ مَجْدُ الدِّينَ لَفَّةَ غَاسِلٍ
عَلَى يَدِهِ ثَوْبًا لِغُسْلِ مُعَوُّدِ
وَيُشْرَعُ سَتْرُ الْمَيِّتِ عَنْ أَعْيُنِ الْوَرَى
وَغَسْلُكَ تَحْتَ السَّقْفِ أَوْ سِتْرًا اشْهَدِ
وَقَرِّبْهُ مِنْ حَالِ الْجُلُوسِ بِرَفْعِهِ
وَلِلْبَطْنِ فَأَعْصُرْ وَأرْفِقَنْ لا تُشَدِّدِ
وَكَثَّرْ لِصَبِّ الْمَاءِ لِيَذْهَبَ بِالأَذَى
وَفِي وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ غَسِّلْ بِأَبْعَدِ
وَلُفَّ لِتَنْضِيفِ النَّجَاسَةِ خِرْقَةٍ
بِكَفٍّ وَنَجِّيهِ وَعَنْ عَوْرَةٍ حُدِ
стр. 1442
وَتَعْمِيمُهُ بِالْمَا اشْتَرِطْ وَبِخَرَقَةٍ
بِيُمْنَ وَسَمِّ وَانْوِ شَرْطًا بِأَجْوَدِ
وَلا تُدْخِلَنَّ الْمَاءَ فَاهُ وَأَنْفَهُ
وَنَظِّفْهُمَا وَاتْمِمْ وُضُوءَ التَّعَبُّدِ
وَمِنْ رُغْوَةِ السِّدْرِ اغْسِلَنْهُ جَمِيعَهُ
وَبِالأَيْمَنِ ابْدَأْ ثُمَّ لِلأَيْسَرِ أُقْصدِ
ثَلاثًا فَإِنَّ لَمْ يُنْقِ أَوْ بَانَ جَمِيعِهُ
فَغَسِّلْ إِلَى الأَنْقَى وَبِالْوِتْرِ جَدِّدِ
إِلَى مُنْتَهَى سَبْعٍ وَفِي كُلِّ غَسْلَةٍ
فَقَلِّبْهُ وَأرْفِقْ وَامْسَحْ الْبَطْنَ بِالْيَدِ
وَفِي الآخِرِ الْكَافُورَ ضَعْهُ فَإِنْ بَدَا
إِذَا بَعْدَ سَبْعٍ مَخْرَجَ الْمَيِّتِ فَأسْدُدِ
بِقُطْنٍ فَإِنْ يَخْرُجِ فَطِينٍ وَقِيلَ لا
تُغَسِّلْ وَوَضِّ بَعْدَ غُسْلِ الأَذَى قَدِ
وَيُكْرَهُ تَسْرِيحُ الشُّعُورِ بَأَوْطَدٍ
وَشَارِبَهُ وَالظِّفْرُ وَالإِبْطَ فَأجْدُدِ
وَغَسِّلْ وَكَفِّنْ بَعْضَ مَيِّتٍ مُغَيَّبٍ
وَصَلِّ عَلَيْهِ مِثْلَ رِجْلٍ بِأَوْكَدِ
وَيُخْتَارُ لِلْغُسْلِ الأَمِينُ وَعَالِمٌ
بِأَحْكَامِ تَغْسِيلٍ وَلَوْ بِتَقَلُّدِ
وَلا تُفْشِ سِرًّا يُؤَثِّرُ الْمَيْتُ كَتْمَهُ
سِوَى ذِي فُجُورٍ وَابْتَدَاعٍ مُعَوَّدِ
стр. 1443
وَتَجْهِيزُ مَيِّتٍ خُذْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ
وَقَدِّمْ عَلَى كُلِّ الْحُقُوقِ وَأَكِّدِ
وَوَاجِبُهُ ثَوْبٌ يَلُفُّ جَمِيعَهُ
وَقِيلَ ثَلاثٌ بَلْ مَعَ الدِّينِ أَفْرِدِ
وَيُشْرَعَ فِي بَيْضٍ ثَلاثٍ بَسَطَّتَهَا
طِبَاقًا بِطَيْبٍ وَالدِّثَارَ فَجَوِّدِ
وَحَنِّطْهُ فِيمَا بَيْنَهَا وَاجْعَلَنْ عَلَى
مُلَفَّفِ قُطْنٍ بَيْنَ أَلْيَيْهِ وَاشْدُدِ
وَكَفِّنْهُ وَابْدَأْ بِالْيَسَارِ وَفَوْقَهَا الْـ
يَمِينُ كَذَا الأَطْرَافُ مِنْهَا فَعَقِّدِ
وَمَا عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَفِّرو حُلَّهَا
بِلَحْدٍ وَدَعَ أَكْفَانَهُ لا تُقَدِّدِ
وَيَكْفِي لِفَافٌ مَعَ قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ
وَالأُنْثَى خِمَارٌ مَعَ لِفَافَةٍ ازْدَدِ
اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا للقيام بأمرك وأعذنا من عدونا وعدوك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
والصلاة على الميت فرض كفاية لقوله ﷺ في الغال صلوا على صاحبكم وقوله ﷺ : «صلوا على
стр. 1444
أطفالكم فإنهم أفراطكم» . وقوله: «إن صاحبكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه» . وقوله صلوا على من قال لا إله إلا الله.
وتسقط الصلاة عليه بمكلف، لأنها صلاة ليس من شروطها الجماعة، فلم يشترط لها العدد، وشروط الصلاة على الميت ثمانية النية والتكليف واستقبال القبلة وستر العورة واجتناب النجاسة وإسلام المصلي والمصلي عليه وطهارتهما ولو بالتراب وحضور الميت إن كان في البلد.
وأركان الصلاة على الميت سبعة، القيام في فرضها والتكبيرات الأربع لأن النبي ﷺ كبر على النجاشي أربعًا. متفق عليه، وقراءة الفاتحة، لعموم حديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وصلى ابن عباس على جنازة فقرأ بأم القرآن وقال: لتعلموا أنها سنة، أو قال: من تمام السنة. رواه البخاري.
والصلاة على النبي ﷺ ، والدعاء للميت لقوله ﷺ : «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» . رواه أبو داود والترتيب، والسلام لعموم حديث تحليلها التسليم، وصفة الصلاة على الميت أن ينوي.
ثم يكبر أربعًا يرفع يديه مع كل تكبيرةٍ يحرم بالتكبيرة الأولى ويتعوذ ويسمي ويقرأ الفاتحة ولا يستفتح لأن مبناها على التخفيف، ويكبر التكبيرة الثانية، ويصلي على النبي ﷺ كما يصلي عليه في التشهد، ويكبر في الثالثة ويدعو للميت بأحسن ما يحضر.
стр. 1445
وسن بما ورد، ومنه: اللهم اغفر لحينًا وميتنًا وصغيرنًا وكبيرنًا وذكرنًا وأُنْاثنًا إنك تعلم منقلبنًا ومثوانًا وأنت على كل شيء قدير اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره وزوجًا خيرًا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب النار وعذاب القبر وأفسح له في قبره ونور له فيه.
وإن كان الميت المصلى عليه صغيرًا أو مجنونًا واستمر قال: اللهم اجعله ذخرًا لوالديه وفرطًا وشفيعًا مجابًا اللهم ثقل به موازينهما وأعظم بع أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفاية إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم وإن لم يعلم إسلام والديه دعا لمواليه.
ويؤنث الضمير على أنثى فيقول: اللهم اغفر لها إلى آخر الدعاة ويشير بما يصلح لهما على خنثى، وما جهل هل هو ذكر أم أنثى فيقول في دعائه اللهم اغفر لهذا الميت ونحوه كهذه الجنازة لأنه يصلح لهما.
ويكبر التكبيرة الرابعة ويقف بعدها قليلاً ولا يدعو ويسلم تسليمة واحدًة عن يمينه ويجوز أن يسلمها تلقاء وجهه ويجوز أن يسلم ثانية.
وتسن الصلاة على الميت جماعة كفعله ﵊ وأصحابه واستمر عليه الناس وسن أن لا تنقص الصفوف عن ثلاثة صفوف ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليه ثلاثة صفوف من الناس فقد أوجب» . رواه الترمذي وحسنه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
стр. 1446
ويجوز أن يصلى على الميت من دفنه إلى شهر وشيء قليل كيوم ويومين يروى عن النبي ﷺ من ستة وجوه كلها حسان قاله أحمد. وقال: ومن يشك في الصلاة على القبر وقال أكثر ما سمعت أن النبي ﷺ على أم سعد بن عبادة بعد شهر.
ويصلى على الغائب بالنية لصلاته ﵊ على النجاشي والأولى بالصلاة على الميت وصية العدل فسيد برقيقه فالسلطان فنائبه الأمير فالحاكم فالأولى بغسل رجل فزوج بعد ذوي الأرحام.
ومع تساو يقرع بينهم ومن قدمه ولي لا وصي بمنزلته والسنة أن يقف الإمام والمنفرد عند رأس الرجل الميت المصلى عليه وعند وسط الأنثى لما ورد عن أنس أنه صلى على رجل فقام عند رأسه ثم صلى على امرأة فقام وسطها فقال العلاء بن زياد هكذا رأيت رسول الله ﷺ يقوم قال: نعم وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ على امرأة فقام وسطها متفق عليه.
ويسن أن يلي الإمام من كل نوع أفضلهم فأسن فأسبق ثم يقرع فإن كان رجلاً وصبيًا وامرأة وخنثي قدم إلى الإمام الرجل ثم الصبي ثم الخنثي ثم المرأة لما روي عن ابن عمر ﵁ أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة.
ويقضي المسبوق ما فاته من التكبيرات إذا سلم إمام على صفتها فإن خشي رفع الجنازة تابع التكبير رفعت أو لم ترفع وإذا سلم ولم
стр. 1447
يقض شيئًا صحت ويجوز دخوله بعد التكبيرة الرابعة ويقضي الثلاث التكبيرات استحبابًا لينال الأجر.
وإن وجد بعض ميت كرجل أو يدٍ فحكمه ككله فيغسل ويصلى عليه بعد ما يكفن وجوبًا لأن أبا أيوب صلى على رجل إنسان قاله احمد وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رؤوس رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده.
قال الشافعي ألقى طائر يدًا من وقعة الجمل عرفت بالخاتم وكانت يد عتاب بن أسيد وصلى عليها أهل مكة فإن كانت الميت قد صلى عليه غسل ذلك البعض وكفن وجوبًا وصلى عليه استحبابًا لأن الفرض سقط بالصلاة على أكثر الميت.
وكذا إن وجد الباقي من الميت فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن بجنبه ولا يصلى على ما بان وانفصل من حي كيد وسارق وقاطعٍ طريقٍ ما دام الإنسان حيًا.
ولا يصلى على من في أحد جانبي البلد وان كان البلد كبيرًا ولو لمشقة مطرٍ أو مرضٍ لأنه يمكن حضور الميت للصلاة عليه في البلد ويعتبر انفصاله عن البلد بما يعد الذهاب إليه نوع سفر.
قال الشيخ تقي الدين وأقرب الحدود ما تجب فيه الجمعة ولا يصلي على كل غائب قال الشيخ تقي الدين لأنه لم ينقل ومن صلى على ميتٍ كره له إعادة الصلاة كالعيد إلا من صلى عليه بالنية إذا حضر.
وكذا إذا وجد بعض ميتٍ صلى على جملته فتسن الصلاة على ذلك البعض.
стр. 1448
شِعْرًا:
يَا غَافِلِينَ أَفِيقُوا قَبْلَ مَوْتِكِمْ
وَقَبْلَ يُؤْخَذُ بِالأَقْدَامِ بالأقدام وَاللَّمَمِ
وَالنَّاسُ أَجْمَعُ طَرًّا شَاخِصُونَ غَدًا
لا يَنْطِقُونَ بِلا بُكْمٍ وَلا صَمَمِ
وَالْخَلْقُ قَدْ شُغِلُوا وَالْحَشْرُ جَامِعُهُمْ
وَاللهُ طَالِبُهُمِ بِالْحِلِّ وَالْحَرَمِ
وَقَدْ تَبَدَّى لأَهْلِ الْجَمْعِ كُلِّهِمْ
وَعْدَ الإِلَهِ مِنَ التَّعْذِيبِ وَالنِّقَمِ
وَكُلُّ نَفْسٍ لَدَى الْجَبَّار شَاخِصَة
لا يَنْطِقُونَ بِلا رُوحٍ مِنَ الزَّحَمِ
اللهم إنا نسألك أن ترفع ذكرنا وأن تضع وزرنا وتصلح أمرنا وتطهر قلوبنا وتنور قبورنا وتغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ولا يصلي الإمام على الغالٍ ولا على قاتل نفسه أما ألغال وهو من كتم شيئًا مما غنمه المسلمون من الكفار ليختص به فلأنه ﵊ امتنع عن الصلاة على رجل من جهينة غل يوم خيبر وقال: «صلوا على صاحبكم» . رواه الخمسة إلا الترمذي احتج به أحمد وأما قاتل نفسه فلحديث جابر بن سمرة أن النبي ﷺ جاؤه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصلى عليه. رواه مسلم وغيره.
стр. 1449
وللمصلي على الجنازة قيراط من الأجر وهو أمر معلوم عند الله تعالى وله بتمام دفنها قيراط آخر لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهد حتى تدفن فله قيراطان» . قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين» . متفق عليه.
ولمسلم حتى توضع في اللحد وللبخاري من حديث أبي هريرة من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقراطين كل قيراط مثل قيراط أحدٍ وحمل الميت لمحل دفنه فرض كفاية.
ويسن التربيع في حمل الجنازة لما ورد عن ابن مسعود قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع. رواه ماجه وصفته أن يضع قائمة السرير اليسرى المقدمة على كتفه اليمنى.
ثم ينتقل إلى المؤخرة ثم اليمنى المقدمة على كتفه اليسري ثم ينتقل إلى المؤخرة ولا يكره الحمل بين العموديين وهو ما بين القائمتين المقدمتين أو المؤخرتين أو يجعل كل عمودٍ على عاتقٍ.
لما روي أنه ﵊ حمل جنازة سعد بن معاذ بين العموديين ويسن الإسراع بالجنازة لما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتموها إلى خير وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» . رواه الجماعة.
شِعْرًا: ... إِنِّي أَبُثُّكَ مِنْ حَدِيثِي ... وَالْحَدِيثُ لَهُ شُجُونْ
غَيَّرْتُ مَوْضِعَ مَرْقَدِي ... لَيْلاً فَنَافَرَنِي السُّكُونْ
قُلْ لِي فَأَوَّلُ لَيْلَةٍ ... فِي الْقَبْرِ كَيْفَ تَرَى تَكُونْ
стр. 1450
شِعْرًا: ... نُرَاعِ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا ... وَنَسْكُنُ حِينَ تَخْفَى ذَاهِبَات
كَرَوْعَةِ ثُلَّة لِظُهُورِ ذِئْبٍ ... فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ
ولا يكره الحمل على دابة لغرض صحيح كبعد المقبرة ومثل البعير السيارة ونحوها ويستحب كون الماشي قدام الجنازة قال ابن المنذر: ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة. رواه أحمد. عن ابن عمر ولأنهم شفعاء والشفيع يتقدم المشفوع له.
وسن كون راكب خلف الجنازة لحديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها. رواه الترمذي. وقال: حسن صحيح لأنه إذا سار أمامها الراكب أذى المشاة والقرب من الجنازة أفضل كالإمام في الصلاة.
ويكره جلوس تابعها حتى توضع بالأرض لحديث أبي هريرة قال فيه حتى توضع بالأرض ورفع الصوت مع الجنازة مكروه لحديث لا تتبع الجنازة بصوتٍ ولا نارٍ رواه أبو داود وقول القائل مع الجنازة استغفروا بدعة وروى سعيد أن ابن عمر وسعيد بن جبير قالا لقائل ذلك لا غفر الله لك.
وكره أن تتبع الجنازة امرأة لحديث أم عطية: نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا وحرم أن يتبعها مع منكر يعجز عن إزالته ويلزم القادر على إزالته أن يزيله ولا يترك إتباعها.
ويستحب القيام للجنازة لما ورد عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع» . رواه الجماعة ولأحمد.
وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه وله أيضًا عنه أنه ربما
стр. 1451
تقدم الجنازة فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام حتى توضع واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وعن جابر قال مرت بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ وقمنا معه فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها» .
وعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما فقيل لهما إنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة فقال إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: «أليست نفسًا» . متفق عليهما.
اللهم وفقنا توفيقًا يقينًا عن معاصيك ووفقنا للعمل بما يرضيك وارزقنا محبتك ومحبة من يحبك وبغض من يعاديك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شِعْرًا:
سِهَامُ الْمَنَايَا فِي الْوَرَى لَيْسَ تُمْنَعُ
فَكُلٌّ لَهُ يَوْم وَإِنْ عَاشَ مَصْرَعٍ
وَكُلٌّ وَإِنْ طَالَ الْمَدَى سَوْفَ يَنْتَهِي
إِلَى قَعْرِ لَحْدٍ فِي ثَرَى مِنْهُ يُوَدّع
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ عَاشَ بَعْدَ قَرِينُهُ
إِلَى مِثْلِهَا عَمَّا قَلِيلٍ سَتَدْفَعُ
فَكُلُّ ابْن أُنْثَى سَوْفَ يُفْضِي إِلَى الرَّدَى
وَيَرْفَعُهُ بَعْدُ الأَرَائِكِ شرجعُ
стр. 1452
ج
وَيُدْرِكُهُ يَوْمًا وَإِنْ عَاشَ بُرْهَةً
قَضَاءً تُسَاوَى فِيهِ عَوْد وَمُرْضِعُ
فَلا يَفْرَحَنَّ يَوْمًا بِطُولِِ حَيَاتِهِ
لَبِيبٍ فَمَا فِي عَيْشِهِ الْمَرْءُ مَطْمَعُ
فَمَا الْعَيْشُ إِلا مِثْلُ لَمْحَةِ بَارِقٍ
وَمَا الْمَوتُ إِلا مِثْل مَا الْعَيْنُ تُهْجَعُ
وَمَا النَّاسُ إِلا كَالنَّبَاتِ فَيَابِسٌ
هَشِيمٌ وَغَضَّ إِثْر مَا بَادَ يَطْلَعُ
فَتَبَّا لِدَارٍ مَا تَزَالُ تُعُلُّنَا
أَفَاوِيقَ كَأْسٍ مَرَّةً لَيْسَ تَقْنَعُ
سِحَابُ أَمَانِيهَا جِهَامٌ وَبَرْقُهَا
إِذَا شِيمَ بَرْقٌ خَلْبٌ لَيْسَ يَهْمَعُ
تَغُرُّ بَنِيهَا بِالْمُنَى فَتَقُودُهُمْ
إِلَى قَعْرٍ مَهْوَاةٍ بِهَا بِالْمُنَى فَيُمْتَعُ
فَكَمْ أَهْلَكْتُ فِي حُبِّهَا مِنْ مُتَيِّمٌ
وَلَمْ يَحْظَ مِنْهَا بِالْمُنَى فَيُمْتِعُ
تُمَنِّيه بِالآمَالِ فِي نَيْلِ وَصْلِهَا
وَعَنْ غَيَّهِ فِي حُبِّهَا لَيْسَ يَنْزِعُ
أَضَاعَ بِهَا عُمْرًا لَهُ لَيْسَ رَاجِعًا
وَلَمْ يَنَلْ الأَمْرُ الَّذِي يُتَوَقَّعُ
فَصَارَ لَهَا عَبْدًا لِجَمْعِ حُطَامِهَا
وَلَمْ يَهِنْ فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَجْمَعُ
стр. 1453
وَلَوْ كَان ذَا عَقْلٍ لأَغْنَتْهُ بُلْغَةٌ
مِنَ الْعَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَكُ يَجْشَعُ
إِلَى أَنْ تُوَافِيهُ الْمَنِيَّة وَهُوَ بَالْ
قَنَاعَةِ فِيهَا آمِنًا لا يُرَوَّعُ
مَصَائِبُهَا عَمَّتْ فَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ
شُجَاعُ وَلا ذَوُ ذِلَّةٌ لَيْسَ يَدْفَعُ
وَلا سَابِحٍ فِي قَعْرِ بَحْرٍ وَطَائِرٌ
يَدُومُ فِي بَُوحِ الْفَضَاءِ وَيَنْزِعُ
وَلا ذُو امْتِنَاعٍ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
لَهَا فِي ذَرَى جَوِّ السَّمَاءِ تَرْفَعُ
أَصارته مِنْ بَعْدِ الْحَيَاةِ بِوَهْدَةٍ
لَهُ مِنْ ثَرَاهَا آخِرُ الدَّهْرِ مَضْجَعٍ
تَسَاوَى بِهَا مِنْ حِلٍّ تَحْتَ صَعِيدِهَا
عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالْمَمِاتِ وَتُبَّعُ
فَسِيَّانِ ذُو فَقْرٍ بِهَا وَذُووا الْغِنَى
وَذُو لَكِنْ عِنْدَ الْمَقَالِ وَمِصْقَعُ
وَمَنْ لَمْ يَخْفَ عِنْدَ النَّوَائِبِ حَتْفَهُ
وَذَو جُبْنٍ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ يَسْرَعُ
وَذُو جَشَعٍ يَسْطُو بِنَابٍ وَخَلَبٍ
وَكُلّ بُغَاثٍ ذَلَّةً لَيْسَ يَمْنَعُ
وَمَنْ مَلَكَ الآفَاقِ بَأْسًا وَشِدَّةً
وَمَنْ كَانَ مِنْهَا بالضَّرُورَةِ يَقْنَعُ
стр. 1454
وَلَوْ كَشَفَتْ الأَجْدَاثِ مُعْتَبِرًا لَهُمْ
لِيَنْظُرَ آثَار الْبَلَى كَيْفَ يَصْنَعُ
لَشَاهَدَ أَحْدَاقًا تَسِيلُ وَأَوْجُهًا
مُعَفَّرَة فِي التُّرْبِ شُوْهًا تَفْزِّعُ
غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً
عَبُوسًا وَقَدْ كَانَتْ مِنْ الْبِشْرِ تَلْمَعُ
فَلَمْ يَعْرَف الْمَوْلَى مِنَ الْعَبْدِ فِيهِمْ
وَلا خَامِلاً مَنْ نَابِهِ يَتَرَفَّعُ
وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا
تَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا لَهُ الْعَيْن تَدْمَعُ
رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْف مِنْهُمْ وَطَالَمَا
رَأَى مَا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ وَيَمْتِعُ
رَأَى أَعْظُمًا لا تَسْتَطِيعَ تَمَاسُكَا
تَهَافَتْ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ
مُجَرَّدَةً مِنْ لَحْمِهَا فَهِيَ عِبْرَةٌ
لِذِي فِكْرَةٍ فِيمَا لَهُ يَتَوَقَعُ
تَخُونُهَا مَرَّ اللَّيَالِي فَأَصْبَحَتْ
أَنَابِيبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيحُ تُسْمَعُ
إِلَى حَالَةٍ مُسَوَّدَةٌ وَجَمَاجِمٍ
مُطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلَّةٍ لَيْسَ تَرْفَعُ
أُزِيلَتْ عَنِ الأَعْنَاقِ فَهِيَ نَوَاكِسٌ
عَلَى التُّرَابِ مِنْ بَعْدِ الْوَسَائِدِ تُوضَعُ
جج
стр. 1455
.. عَلاهَا ظَلامٌ لِلْبَلَى وَلَطَالَمَا
غَدًا نُورُهَا فِي حِنْدسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ
كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلا مِفْرقًا لَهَا
نَفَائِسُ تِيجَانٍ وَدُرٍّ مُرَصَّعُ
تَبَاعَدَ عَنْهُمْ وَحْشَةً كُلُّ وَامِقٍ
وَعَافَهُمْ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أَجْمَعُ
وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ
بِوَصْلِهِمْ وِجْدًا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ
يَبْكِيهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ
وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًّا وَيَجْزَعُ
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ غَرَّهُ طُولُ عُمْرِهِ
وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفٍ تَخْدَعُ
أَفِقْ وَانْظُرُ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ
تَجِدُ كَلَّ مَا فِيهَا وَدَائِعُ تَرْجِعُ
فَأَيْنَ الْمُلُوكَ الصَّيْد قَدْمًا وَمَنْ حَوَى
مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتِ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ
حَوَاه ضَرِيحٌ مِنْ فَضَاءِ بَسِيطِهَا
يَقْصُرُ عَنْ جُثْمَانِهِ حِينَ يَذْرَعُ
فَكَمْ مَلِكْ أَضْحَى بِهَا ذَا مَذَلَّةٍ
وَقَدْ كَانَ حَيًّا لِلْمَهَابَةِ يُتْبَعُ
يَقُودُ عَلَى الْخَيْلِ الْعِتَاقِ فَوَارِسًا
يَسُدُّ بِهَا رَحْبَ الْفَيَافِي وَيُتْرَعُ
стр. 1456
فَأَصْبَحَ مِنْ بَعْدِ التَّنَعْمِ فِي ثَرَى
تُوَارِي عِظَامًا مِنْهُ بَهْمَاءُ بَلْقَعُ
بَعِيدًا عَلَى قُرْبِ الْمَزَارِ إِيَابُهُ
فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْقِيَامَةِ مَرْجِعُ
غَرِيبًا عَنِ الأَحْبَابِ وَالأَهْلِ ثَاوِيًا
بِأَقْصَى فَلاةٍ خِرْقَةٍ لَيْسَ يُرْقَعُ
تَلِحُّ عَلَيْهِ السَّافِيَاتِ بِمَنْزِلٍ
جَدِيبٍ وَقَدْ كَانَتْ بِهِ الأَرْضُ تُمْرِعُ
رَهِينًا بِهِ لا يَمْلِكُ الدَّهْرَ رَجْعَةً
وَلا يَسْتَطِيعَنَّ الْكَلامَ فَيَسْمَعُ
تَوَسَّدْ فِيهِ التُّرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا اغْتَدَى
زَمَانًا عَلَى فُرْشٍ مِنْ الْخِزِّ يَرْفَعُ
كَذَلِكَ حُكْمُ اللهِ فِي الْخَلْقِ لَنْ تَرَى
مِنَ النَّاسِ حَيًّا شَمْلَهُ لَيْسَ يُصْدَعُ
اللهم انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإيمان واليقين وخصنا منك بالتوفيق المبين ووفقنا لقول الحق وإتباعه وخلصنا من الباطل وابتداعه وكن لنا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر علينا يدًا واجعل لنا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا وارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفًا من كل داء واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1457
(فَصْلٌ)
ثم اعلم الأخ وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لحسن الخاتمة أنه إذا حل بالإنسان الأجل المحتوم ووافته المنية وفاضت روحه وخرجت من الجسد الذي تعمره في الدنيا.
فإن رأيت الناس عامة ومن يلوذون به خاصة كأقربائه وجيرانه وأنسابه وإخوانه وزملائه ومعامليه ما بين شاكٍ وباكٍ ومثنٍ عليه بخيرٍ وداعٍ له وسائلٍ له النجاة من المخاوف وسائلٍ الله له أن يدخله الجنة.
وقد أجمعوا يطلبون له المسامحة والمغفرة من الله لما كان يتجلى لهم من خلق ودينٍ ومعاملةٍ وإحسانٍ ومعروفٍ وسيرةٍ حسنةٍ وكان المثنون عليه من أهل الصلاح والعدالة والورع والتقى والصدق والفضل.
فاعلم أن ثناءهم دليل قوي وبرهان جلي على حسن حال الميت الراحل عن الدنيا إلى الآخرة وإن رأيتهم بالعكس خلاف ما ذكرنا فبدل الثناء والمدح قدح ومكان الترحم والدعاء له الطعن والسب والشتم والاستياء فتجد جيرانه من أهل الصلاح فرحين لانقطاع شره وكذلك من أساء إليهم بمعاملةٍ أو نميمةٍ أو كذبٍ أو أكل حقوقهم أو لما يعلمون عنه من الفسق والفجور والاعتداء والاستطالة على عباد الله بغير حق.
فهذا أيضًا برهان ساطع ودليل واضح على سوء حاله خبث أعماله وفي الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال: مروا بجنازةٍ فأثنوا عليها خيرًا فقال النبي ﷺ :
стр. 1458
«وجبت» . ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرًا. فقال: «وجبت» .
فقال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: «هذه أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة وهذه أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض» . وفي الحديث الآخر عند الحاكم: «أن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المؤمن من الخير والشر، قلت: ولا يبعد أن الشياطين تنطق على ألسنة الذين يكتبون للفسقة والمجرمين حسن سير وسلوك.
وفي الحديث الذي في المسند: «يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار» . قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن والثناء السيئ» .
وقال النووي على حديث أنس أنه مر على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليه خيرًا فقال النبي ﷺ وجبت ثم مر بأخرى فأثنوا عليه شرًا فقال وجبت الحديث قال الصحيح أنه على عمومه وأن من مات فألهم الله الناس الثناء عليه بخير كان دليلاً على أنه من أهل الجنة.
ومما يؤيد ما قاله النووي ﵀ حديث أنس عند أحمد وابن حبان والحاكم مرفوعًا: «ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلموا منه إلا خيرًا إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون» .
وفي حديث البخاري عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» . فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة؟ فقلنا: واثنان. قال: «واثنان» . ثم لم نسأله عن الواحد.
стр. 1459
وقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: ولا يشهد لأحدٍ بالجنة إلا من شهد له الرسول ﷺ أو اتفقت الأمة على الثناء عليه.
وقيل يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم.
وكان أبو ثورٍ يشهد لأخمد بن حنبل بالجنة وبالتالي فإذا شهد عامة المؤمنين ممن تقبل شهادتهم ويوثق بدينهم وأمانتهم وكلامهم من أهل الصدق والفضل والورع لرجل بالخير فهو برهان ودليل على حسن حاله والله أعلم ولا عبرة بثناء الفسقة والفجرة لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم ولا من كان بينه وبين الميت عداوة. لأن شهادة العدو لا تقبل على عدوه.
قال ابن القيم ﵀:
لما رأى المتيقظون سطوة الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان، وقيادة النفوس، رأوا الدولة للنفس الأمارة، لجئوا إلى حصن التضرع والإلجاء، كما يأوي العبد المذعور إلى حرم سيده.
شهوات الدنيا كلعب الخيال، ونظر الجاهل مقصور على الظاهر، فأما العقل فيرى ما وراء الستر. لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر، وصوبوا إلى الرحيل الثاني (يا ليت قومي يعلمون) .
تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل، فالناس مشتغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح.
«وقع ثعلبان في شبكة. فقال أحدهما للآخر: أين الملتقى بعد هذا؟ فقال: بعد يومين في الدباغة» . تالله ما كانت الأيام إلا منامًا فاستيقظوا.
стр. 1460
وقد حصلوا على الظفر. ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أماني، والوقت ضائع بينهما.
كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وجار لا يأمنه، وصاحب لا ينصحه، وشريك لا ينصفه، وعدو لا ينام عم معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا متزينة، وهوى مرد، وشهوة غالبة له، وغضب قاهر، وشيطان مزين، وضعف مستول عليه.
فإن تولاه الله وجذبه إليه، انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه، اجتمعت عليه فكانت الهلكة.
شِعْرًا:
أَلا أَخْبِرْ بِمُنْتَزِجِ النَّوَاحِي ... أَطَيرُ إِلَيْهِ مَنْشُورَ الْجِنَاحِ
فَأَسْأَلُهُ وَأَلْطفه عَسَاهُ ... سَيَأْسُو مَا بِدِينِي مِنْ جِرَاحِ
وَيَجْلُو مَا دَجَا مِنْ لَيْلِ جَهْلِي ... بِنُورِ هُدًى كَمُنْبَلِجَ الصَّبَاحِ
فَأَبْصَقَ فِي مُحَيَّا أُمّ دَفْرٍ ... وَأهْجُرُهَا وَأَدْفَعُهَا بِرَاحِي
وَأَصْحُو مِنْ حُمَيَّاهَا وَأَسْلُوا ... عَفَافًا عَنْ جَاذِرهَا الْمِلاحِ
وَاصْرِفْ هِمَّتِي بِالْكُّلِ عَنَهَا ... إِلَى دَارِ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ
أَفِي السِّتِين اهْجِعْ فِي مَقِيلِي ... وَحَادِي الْمَوْتِ يُوقِظُ لِلرَّوَاحِ
وَقَدْ نَشَرَ الزَّمَانُ لِوَاءَ شَيْبِي ... لَيَطْوِينِي وَيَسْلُبُنِي وِشَاحِي
وَقَدْ سَلّ الْحَمَامُ عَلَيَّ نَصْلاً ... سَيَقْتُلُنِي وَإِنْ شَاكَتْ سِلاحِي
وَيَحْمِلُنِي إِلَى الأَجْدَاثِ صَحْبِي ... إِلَى ضِيقٍ هُنَاكَ أَو انْفِسَاحٍ
فَأُجْزَى الْخَيْرَ إِنْ قََدَّمْت خَيْرًا ... وَشَرًّا إِنْ جُزِيتَ عَلَى اجْتِرَاحِي
وَهَا أَنَا ذَا عَلَى عِلْمِي بِهَذَا ... بِطِيءُ الشَّأْوِ فِي سُنَنِ الصَّلاحِ
فَلَوْ أَنِّي نَظَرْتُ بِعَيْنِ عَقْلِي ... إِذَنْ لَقَطَعْتُ دَهْرَي بِالنِّيَاحِ
وَلَمْ أَسْحَبْ ذُيُولِي فِي التَّصَابِي ... وَلَمْ أُطْرَبُ بِغَانِيَةٍ رَدَاحٍ
стр. 1461
وَكُنْتُ الْيَومَ أَوَّابًا مُنِيبًا ... لَعَلِّي أَنْ تَفُوزُ غَدًا قُدَاحِي
إِذَا مَا كُنْتُ مَكْبُول الْخَطَايَا ... وَعَانِيهَا فَمَنْ لِي بِالْبَرَاحِ
فَهَلْ مِنْ تَوْبَةٍ مِنْهَا نَصُوحٍ ... تُطَيِّرُنِي وَتَأْخُذْ لِي سَرَاحِي
فَيَا لَهْفِي إِذَا جَمَعَ الْبَرَايَا ... عَلَى حَرْبِي لَدَيْهُمْ وَافْتِضَاحِي
وَلَوْلا أَنِّي أَرْجُو إِلَهِي ... وَرَحْمَتُهُ يَئِسْتُ مِنَ الْفَلاحِ
اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وسن أن يعمق القبر بأن ينزل للأرض لقوله ﷺ في قتلى أحد: «احفروا وأوسعوا وأعمقوا» . رواه أبو داود والترمذي وصححه. وقوله للحافر: «أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين» . رواه احمد وأبو داود.
قال أحمد: يعمق إلى الصدر لأن الحسن وابن سيرين كانا يستحبان ذلك ويكفي ما يمنع السباع والرائحة لأنه يحصل به المقصود وسن أن يسجى قبر لأنثى وخنثي وكره لرجلٍ إلا لعذر.
وسن أن يدخله قبره من عند رجليه إن سهل عليهم لأنه ﷺ سل من قبل رأسه وعبد الله بن زيد أدخل الحارث من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة. رواه أحمد. ويسن قول مدخله القبر بسم الله وعلى ملة رسول الله.
ويجب أن يستقبل به القبلة إذا وضع في القبر لقوله ﷺ في الكعبة
стр. 1462
قبلتكم أحيًاء وأمواتًا ولأنه طريق المسلمين بنقل الخلف عن السلف.
ويحرم دفن غيره معه إلا لضرورة لأن النبي ﷺ كان يدفن كل ميت في قبرٍ واحدٍ. وأما عند الضرورة فيجوز لأن النبي ﷺ لما كثر القتلى يوم أحد كان يجمع بين الرجلين في القبر الواحد ثم يسأل أيهم أكثر للقرآن فيقدمه في اللحد حديث صحيح.
وسن حثو التراب عليه ثلاثًا ثم يهال عليه التراب لحديث أبي هريرة قال فيه: فحثي عليه من قبل رأسه ثلاثًا. رواه ابن ماجه ويستحب الدعاء للميت بعد الدفن لما ورد عن عثمان ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل» . رواه أبو داود.
وسن رفع القبر عن الأرض قدر شبر مسنمًا لقول جابر أن النبي إذا فرغ رفع قبره عن الأرض قدر شبر. رواه الشافعي ويكره رفعه أكثر لقوله لعلي: «لا تدع تمثالاً ألا طمسته ولا قبرًا مشرفًا ألا سويته» . رواه مسلم.
وسن رش القبر بماء لما ورد عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ماء ووضع الحصباء. رواه الشافعي.
قال بعض العلماء: ويستحب الدفن فيما كثر فيه أهل الخير والصلاح فيدفنه معهم وينزله بإزائهم ويسكنه بجوارهم وأن يجنبه قبور من يخاف التأذي بهم كما جاء في أثر أن امرأة دفنت في قبر فاتت أهلها ليلاً أي في النوم فجعلت تعتبهم وتقول ما وجدتم أن تدفنوا إلا إلى فرن الخبز.
فلما أصبحوا لم يجدوا بقرب القبر فرن خبز لكن وجدوا رجلاً سافًا لابن عامر دفن بقربها ورأى بعضهم ولده بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟ قال: ما ضرني إلا أني دفنت بإزاء فلانٍ وكان فاسقًا فروعني ما يعذب به. أ. هـ.
стр. 1463
قصيدة تحتوي على الثناء والشكر والحمد والتضرع على الله .
يَا مُلَبِّسِي بِالنُّطْقِ ثَوْبَ كَرَامَةٍ ... وَمَكْمَلِي جُودًا بِهِ وَمُقَوِّمِي
خُذْنِي إِذَا أَجَلِي تَنَاهَى وَانْقَضَى ... عُمْرِي عَلَى خَطٍ إِلَيْكَ مُقَوِّمِي
وَاكْشِفْ بِلُطْفِكَ يَا إِلَهِي غُمَّتِي ... وَاجْل الصَّدَأَ عَنْ نَفْسِ عَبْدِكَ وَارْحَمْ
فَعَسَايَ مِنْ بَعْدِ الْمَهَانَةِ اكْتَسَى ... حُلَلِ الْمَهَابَةَ فِي الْمَحَلِّ الأَكْرَمِ
وَأَبُوءُ بِالْفِرْدَوْسِ بَعْدَ إِقَامَتِي ... فِي مَنْزِلٍ بَادِ السَّمَاحَةَ مُظْلِمٌ
فَقَدْ اجْتَوَيْتَ ثَواي فِيهِ وَمَنْ تَكُنْ ... دَارُ الْغُرُورِ لَهُ مَحَلاً يَسْأَمُ
دَارٌ يُغَادِرُ بُؤْسَهَا وَشَقَاءَهَا ... مِنْ حِلِّهَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَنْعَمْ
وَيَعُودُ صَافِي عَيْشَهُ وَحَيَاتُهُ ... كَدْرًا فَلا تَجْنَحْ إِلَيْهَا تَسْلَمُ
فَبِكَ الْمُعَاذُ إِلَهَنَا مِنْ شَرِّهَا ... وَبِكَ الْمَلاذُ مِنَ الْغِوَايَةِ فَاعْصِمِ
وَعَلَيْكَ مُتَّكِلِي وَعَفْوُكَ لَمْ يَزَلْ ... قَصْدِي فَوَاخُسْرَاهُ عَنْ لَمْ تَرْحَمِ
يَا نَفْسُ جِدِّي وَادْأَبِي وَتَمَسَّكِي ... بِعُرَى الْهُدَى وَعُرَى الْمَوَانِعِ فَافْصُم
لا تُهْمِلِي يَا نَفْسُ ذَاتِكِ إِنَّ فِي ... نِسْيَانِهَا نِسْيَانُ رَبِّكِ فَاعْلَمِي
وَعَلَيْكِ بِالتَّفْكِيرِ فِي آلائِهِ ... لِتَبُوئِي جَنَّاتِهِ وَتَنَعَّمِي
وَتَيّمَّمِي نَهْج الْهِدَايَةِ إِنَّهُ ... مُنْجٍّ وَعَنْ طُرُقِ الضَّلالَةِ أحْجُمِي
لا تَرْتَضِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّة مَوْطِنًا ... تُعْلَى عَلَى رُتَبِ السَّوَارِي الأَنْجُمِ
وَتَعَايَنِي مَا لا رَأَتْ عَيْنٌ وَلا ... أُذُن إِلَيْهِ وَعَتْ فَجُدِّي تَغْنَمِي
وَتُشَاهِدِي مَا لَيْسَ يُدْرِكُ كُنْهُهُ ... بِالْفِكْرِ أَوْ بِتَوَهُّم الْمًتَوَهِمِ
قُدْسٌ يَجُلُّ بِأَنْ يَحُلَّ جَنَابَهُ ... يَا نَفْسُ إِلا كُلُّ شَهْمٍ أَيْهَمِ
وَتَجَاوُرِي الأَبْرَار فِي مُسْتَوْطِن ... لا دَاثِرٍ أَبَدًا وَلا مُتَهَدِّمِ
يَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ شَبّتْ وَلَمْ تَعُدْ ... عَمَّا لَهِجْتَ بِهِ وَلَمْ تَتَنَدَّمِ
وَاعْكُفْ عَلَى تَمْجِيدِ مُوجِدُكَ الَّذِي ... عَمَرَ الْوُجُودِ الْجُودِ مِنْهُ وَعَظّمِ
стр. 1464
فَبِذِكْرِهِ تُشْفَى النُّفُوسُ مِنْ الْجَوَى ... فَعَلَيْهِ إِنْ آثَرْتَ بُرْؤُكَ صَمِّمِ
أَكْرِمْ بِنَفْسِ فَتَىً رَأَى سُبُلَ الْهُدَى ... تَهْوِي فَمَالَ إِلَى الصِّرَاطِ الأَقْوَمِ
ذَاكَ الَّذِي يَحْظَى بِيَوْمِ مَعَادُهُ ... ملكا سَجِيسَ الدَّهْرِ لَمْ يَتَصَرَّم
يَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ وَغَافِر الْـ ... جُرْمَ الْكَبِيرِ لِكُلِّ عَبْدٍ مُجْرِمِ
مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ وَذَرِيعَةٌ ... أَنْجُو بِهَا إِلا اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِ
فَاقْبَلْ بِمَنِّكَ تَوْبَتِي مِنْ حَوْبَتِي ... فَعَسَى سَعَادَةُ أَوْبَتِي لَمْ أُجْرَمِ
حَمْدًا لَكَ اللَّهُمَّ يُنْمَى مَا جَلا ... وَضْحُ الصَّبَاحُ سَوَادَ لَيْلٍ أَسْحَمِ
وَعَلَى نَبِيِّكَ ذِي الثَّنَاءِ وَآلِهِ ... السَّادَةِ الأُمَنَاءِ صَلَّ وَسَلِّمِ
وَعَلَى صَحَابَتِهِ الَّذِينَ بِنَصْرِهِ ... قَامُوا وَنَارَ الْكُفْرِ لَمْ تَتَضَرَّمِ
اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكي بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء يا أرحم الراحمين.
اللهم ارزقنا من فضلك، وأكفنا شر خلقك، وأحفظ علينا ديننا وصحة أبداننا.
اللهم يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ويحرم إسراج القبر واتخاذ مسجد عليه وتجصيصه وتزويقه والبناء عليه والاستشفاء بترابه وتخليقه وتبخيره وتقبيله والجلوس عليه والوطء عليه والكتابة
стр. 1465
عليه والتخلي عليه والطواف به والتمسح به والتخلي بين القبور والصلاة عنده لأجل الدعاء والاتكاء إليه.
ويكره المشي بالنعل إلا لخوف شوك ونحوه وإليك أدلة ما سبق منها حديث ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الخمسة إلا ابن ماجة وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . متفق عليه.
وعن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي ولفظه نهى أن تجصص القبور أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» . رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي وعن عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله ﷺ متكئًا على قبر فقال: «لا تؤذ صاحب القبر أو لا تؤذه» . رواه أحمد.
وعن بشير بن الخصاصية أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها» . رواه مسلم وعن عقبة بن عامر قال قال النبي ﷺ : «لأن أطأ على جمرةٍ أو سيفٍ أحب إليَّ من أن أطأ على قبر مسلم» . رواه الخلال وابن ماجة.
ويحرم دفن في ملك الغير وينبش ما لم يأذن له المالك للأرض.
ويحرم نبش ميت باق لميت آخر لما في النبش من هتك حرمة الميت ومتى علم أن الميت بلي وصار رميمًا جاز نبشه ودفن غيره فيه.
وإن شك في أنه بلي وصار رميمًا رجع إلى قول أهل الخبرة والمعرفة بذلك فإن حفر فوجد في الأرض عظامًا دفنها موضعها وأبقاها في مكانها وأعاد
стр. 1466
التراب عليها كما كان أولاً ولم يجز دفن ميت آخر عليه وحفر في مكان آخر.
شِعْرًا:
محمدُ مَا أَعْدَدْتَ لِلْقَبْرِ وَالْبَلَى ... وَلِلْمَلَكَيْنِ الْوَاقِفَينَ عَلَى الْقَبْرِ
وَأَنْتَ مُصِرٌّ لا تُرَاجِعُ تَوْبَةً ... وَلا تَرْعَوِي عَمَّا يُذَمُّ مِنَ الأَمْرِ
سَيَأْتِيكَ يَوْمٌ لا تُحَاوِلُ دَفْعَهُ ... فَقَدِّمْ لَهُ زَادًا إِلَى الْبَعْثِ وَالنَّشْرِ
آخر: ... أَبْقَيْتَ مَالَكَ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ ... فَلَيْتَ شِعْرِي مَا أَبْقَى لَكَ الْمَالُ
الْقَوْمُ بَعْدَكَ فِي حَالٍ تَسُرُّهُمْ ... فَكَيْفَ بَعْدَهُمْ دَارَتْ بِكَ الْحَالُ
مَلَّوُا الْبُكَاءَ فَمَا يَبْكِيكَ مِنْ أَحَدٍ ... وَاسْتَحْكَمَ الْقِيلَ فِي الْمِيرَاثِ وَالْقَالُ
مَالَتْ بِهِمْ عَنْكَ دُنْيَا أَقْبَلَتْ لَهُمْ ... وَأَدْبَرَتْ عَنْكَ وَالأَيَّامُ أَحْوَالُ
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
تسن زيارة قبر مسلم لرجل وأن يقف الزائر أمامه قريبًا منه لما ورد عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها» . رواه مسلم زاد الترمذي: «فإنها تذكر الآخرة» . زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود وتزهد في الدنيا.
ويقول الزائر للقبور والمار بها: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم.
لما ورد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية. رواه مسلم.
стр. 1467
شِعْرًا:
مَحَلَّةُ سَفَرٍ كَانَ آخِرُ زَادَهُمْ ... إِلَيْهِ مَتَاعٌ مِنْ حَنُوطٍ وَمِنْ خِرَقْ
إِلَى مَنْزِلٍ سُوَى الْبَلَى بَيْنَ أَهْلِهِ ... فَلَمْ تَسْتَبِينَ فِيهِ الْمُلُوكَ وَلا السُّوَقْ
آخر: ... أَتَيْتَ إِلَى خَالِقِي خَاضِعًا ... وَخَدِّي فِي الثَّرَى يُوضَعُ
وَإِنْ كُنْتَ وَافِيتَهُ مُجْرِمًا ... فَإِنِّي فِي عَفْوِهِ أَطْمَعُ
وَكَيْفَ أَخَافُ ذُنُوبًا مَضَتْ ... وَعَفْوُه عَمَّ الْوَرَى أَجْمَعُ
وعن بن عباس ﵄ قال: مر النبي ﷺ بقبور المدينة فاقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنت سلفنا ونحن بالأثر. رواه الترمذي.
شِعْرًا:
قِفْ بِِالْقُبُورِ بِأَكْبَادِ مُصَدَّعَة ... وَدَمْعَة مِنْ سُوَيْدا الْقَلْبِ تَنْبَعِثُ
وَسَلْ بِهَا عَنْ رِجَالٍ طَالَ مَا رَشَفُوا ... ثَغْرَ النَّعِيمِ وَمَا فِي ظِلِّهِ مَكَثُوا
مَاذَا لَقُوا فِي خَبَايَاهَا مَا قَدِمُوا ... عَلَيْهِ فِيهَا وَمَا مِنْ أَجْلِهِ ارْتَبَثُوا
وَعَنْ مَحَاسِنِهِمْ إِنْ كَانَ غَيْرِهَا ... طُولُ الْمُقَامُ بِبَطْنِ الأَرْضِ وَاللَّبْثُ
وَمَا لَهُمْ حَشَرَاتِ الأَرْضِ تَنْهِشُهُمْ ... نَهْشًا تَزُولُ بِهِ الأَعْضَاء وَالْجُثَثُ
وَإِنْ يُجِبْكَ بِمَا لاقَا مُجِيبُهُمْ ... وَلَنْ يُجِيبَ وَأَنَّي يَنْطِقُ الْجَدَثُ
فَانْظُرْ مَكَانَكَ فِي أَفْنَاءِ سَاحَتِهِمْ ... فَإِنَّهُ الْجَدُّ لا هَزِل وَلا عَبَثْ
وتحرم زيارة القبور للنساء لما ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور. رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه واحتج شيخ الإسلام ﵀ على تحريمه بلعن رسول الله ﷺ زورات القبور وصحح الحديث.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين إذا كان طريق على حد المقبرة هل يكره
стр. 1468
للنساء المرور معه فأجاب إذا كان للناس طريق على المقبرة ومرت معه امرأة وسلمت فلا بأس لأنها لا تسمى زائرة. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
شِعْرًا:
وَلَمَّا حَلَلْنَا مِنْ بِجَايَةَ جَانِبًا ... تُصَانُ بِهِ تِلْكَ الْجُسُوم وَتُكْرَمُ
وَجَدْتُ لَهَا طِيبًا وَرُوحًا وَرَاحَةً ... كَأَنِّي لأَنْفَاسِ الصِّبَا أَتَنَسَّمُ
فَقُلْتُ لَصْحِبِي مَا الَّذِي أَمْرَجْتُ لَهُ ... مَقَابِرُ مِنْهَا لا طِىءٌ وَمُسَنَّمُ
فَأَوْهَمْتُهُمْ أَنّي جَهِلْتُ وَأَنَّنِي ... لأَدْرِي بِذَاكَ الأَمْر مِنْهُم وَأَفْهَمُ
فَقَالُوا طَلَبْنَا عِلْمَ ذَاكَ فَلَمْ نَجِدْ ... سِوَى رِمَمٍ مِمَّنْ تُحِبُّ وَتُعْظِمُ
تَضَوَّعَ بَطْنُ الأَرْضِ مِنْهَا كَأَنَّمَا ... تَفَتَّقَ مِنْ دَارَيْنِ مِسْكٌ مُخَتَّمُ
فَفَاضَتْ دُمُوعِي عِنْدَك ذَاكَ وَرُبَّمَا ... تَشْهر بِالدَّمْعِ السّرَارِ الْمُكْتَمُِ
خَلِيلِي مَا بَالِي وَبَالَ مَصَائِبُ ... يراع لذاكرَاهَا فؤادِي وَيَكْلَمُ
وَمِمَّا شَجَانِي وَهُوَ أَعْظَمُ أَنَّنِي ... قَذَفْتُ بِهَا مُسْوَدَّةَ الْجَوْفِ تَلْطِمُ
وَلَمْ أَدْرِ مَا كَانَتْ تَحِيَّةَ خِصْمِهِ ... لَهُ هَلْ بِبُشْرَى أَمْ بِشَعْنَاءِ تَقْصِمُ
وَأَعْظَمُ مِنْهُ مَوْقِعًا وَأَشَدُّهُ ... وَمَا خَصَّنِي أَدْهَى عَلَيَّ وَأَعْظَمُ
بِأَنِّي فِي تِلْكَ الْمَسَالِكِ سَالِكٌ ... أُسَاقُ إِلَيْهَا إِنْ أَبَيْت وَأُرْغَمُ
وَمَا أَنَا أَدْرِي مَا أُلاقِي وَمَا الَّذِي ... عَلَيْهِ إِذَا مَا كَانَ ذَلِكَ أَقْدَمُ
فَهَلْ مِنْ دَمٍ ابْكِيهِ صرفنا فَإِنَّمَا ... يَبْكِي عَلَى هَذَا مِنْ الْمُقْلَةِ الدَّمُ
اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو واصرف عنا من السوء فوق ما نحذر. اللهم علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجتنا فاقضها كفى بك وليا وكفى بك نصيرًا يا رب العالمين اللهم وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1469
(فَصْلٌ)
تسن تعزية المسلم المصاب بالميت لما ورد عن الأسود عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من عزى مصابًا فله مثل أجره» . رواه ابن ماجة والترمذي وحديث عمرو بن حزم مرفوعًا: «ما من مؤمن يعزى أخًا بمصيبة إلا كساه الله من حلل الجنة» . رواه ابن ماجه
واعلم أن التعزية هي التصبير وذكر ما يسلي صاحب المصيبة ويخفف حزنه ويهون مصيبته.
وهي مستحبه لأنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي داخلة قوله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ .
وهذا من أحسن ما يستدل به في التعزية ثم التعزية التي هي الأمر بالصبر والرضا بما قدر الله مستحبة قبل دفن الميت وبعده وهو أفضل لأن أهل الميت مشغولون قبل دفنه بتجهيزه ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر هذا إذا لم يظهر منهم جزع فإن تبين له منهم جزع قدم التعزية ليسكنهم.
قال العلماء ويكره الجلوس للتعزية وذلك بان يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية لما في ذلك من استدامة الحزن وقد حدث في زمننا هذا أناس يقبلون المصاب بالميت مع تعزيتهم له ولا أدري ما مسندهم ولا اعلم أن أحدًا من الصحابة أو التابعين فعل ذلك ولا الذين بعدهم على منتصف هذا القرن الرابع عشر.
اللهم اعصمنا عن البدع وأحسن ما يعزى به ما روي في الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁، قال أرسلت إحدى بنات رسول الله ﷺ لرسول الله تدعوه وتخبره أن ابنًا لها في الموت فقال ﵊ للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب» . وذكر الحديث.
стр. 1470
ومعنى قوله ﷺ أن لله ما أخذ أن العالم كله ملك لله ولم يأخذ ما هو لكم بل هو آخذ ما هو له عندكم في معنى العارية وقوله وله ما أعطى أي ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه بل سبحانه يفعل فيه ما يشاء وكل شيءٍ بأجلٍ مسمى.
فلا تجزعوا فإن من قبضه فقد انقضى أجله المسمى فمحال تأخيره أو تقديمه قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فإذا علمتم ذلك فاصبروا واحتسبوا ما نزل بكم والله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ويقال للمصاب بمسلم أعظم الله أجرك وأحسن عزاؤك أو يقول غير ذلك قال الموفق لا أعلم في التعزية شيئًا محدودًا إلا أنه يروى إن النبي ﷺ عزى رجلاً فقال: «رحمك الله وأجرك» . رواه أحمد. ويقول المعزى: استجاب الله دعاك ورحمنا وإياك ويحرم تعزية الكافر سواء كان الميت مسلمًا أو كافر لأن فيها تعظيمًا للكافر.
وعزى بعضهم أخًا له في ابنه فقال: أحسن عزاهم فيه وأعظم لهم الأجور والهمهم التسليم للمقدور نقول جميعًا كما قال الصابرون ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ فالله الله أوصيك أخي إن تتدرع بِالرِّضا وتسلم للقضاء فالمصاب من حرم الثواب.
واذكر آية في كتاب الله تشرح للمؤمن صدره وتجلب له صبرة وتهون خطبة وتذكره ربه قال تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
وقال ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وفي الصحيح عن
стр. 1471
صهيب مرفوعًا: " عجبًا لأمر المؤمن إن أمره خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ".
وقال آخر يعزى بعض إخوانه: المأمول فيكم الصبر والاحتساب والتعزي بعزاء الله فقد قال بعض العلماء إنك لن تجد أهل العلم والإيمان إلا وهم أقل الناس انزعاجًا عند المصائب وأحسنهم طمأنينة واقلهم قلقًا عند النوازل وما ذاك إلا لما أتوا مما حرمه الجاهلون.
قال الله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبة لأن العبد وأهله وماله ملك لله يتصرف فيه حيث جعله عند عبده عارية.
والمعير مالك قاهر قادر والعبد محفوف بعدمين عدم قبله وعدم بعده وملك العبد متعة معارة الثاني أن مصير العبد ومرجعه ومرده إلى مولاه الحق الذي له الحكم والأمر ولا بد أن يخلف ما خوله في هذه الدار وراء ظهره ويأتي فردًا بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عشيرةٍ ولكن بالحسنات والسيئات.
ومن هذا حاله لا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقودٍ وإذا علم المؤمن علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه هانت عليه المصيبة وأطمأن بأذن الله وقد قيل:
مَا قَدْ قضي يَا نَفْسُ فَاصْطَبِرِي لَهُ ... وَلَكَ الأَمَان مِنَ الَّذِي لَمْ يُقْدَرِ
وَتَعَلَّمِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ كَائِنٌ ... يَجْرِي عَلَيْكَ عَذِرْتَ أَمْ لَمْ تُعْذَرِ
ومن صفات المؤمن أنه عند الزلازل وقور وفي الرخاء شكور ومما يخفف المصائب برد التأسي فانظروا يمينًا وشمالاً وأمام وَوَراء فإنكم لا تجدون إلا من
стр. 1472
قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها ولم يبق إلا التفاوت في عوض الفائت أعوذ بالله من الخسران.
ولو أمعن البصير في هذا العالم جميعه لم يرى إلا مبتلي إما لفوت محبوبٍ أو حصول مكروهٍ وإن سرور الدنيا أحلام ليلٍ أو كظلٍ زائلٍ إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا وإن سرت يومًا أساءت دهرًا جمعها على انصداع ووصلها على انقطاع.
إقبالها خديعة وإدبارها فجيعة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها حالها انتقال وسكونها زوال غرارة خدوع معطية منوع نزوع ويكفي في هوانها على الله أن لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
مع أن المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن وزيادة في درجاته كما قال بعض السلف لو مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس والرب سبحانه لم يرسل البلاء إلى العبد ليهلكه ولا ليعذبه ولكن امتحانًا لصبره ورضاه عنه واختبارًا لإيمانه وليراه طريحًا ببابه لائذًا بجنابة منكسر القلب بين يديه فهذا من حيث المصائب الدنيوية وأما ما جرى عليكم فأنتم به بالتهنئة أجدر من التعزية.
ولعمر الله إن من سلم له دينه فالمحن في حقه منح والبلايا عطايا والمكرهات له محبوبات وأما المصيبة العظمى والخطب الأكبر والكسر الذي لا يجبر والعثار التي لا تقال فهي المصيبة في الدين كما قيل:
(وَكُلُّ كَسْرٍ فِإِنَّ اللهَ يَجْبِرَهُ ... وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّين جُبْرَانُ)
آخر:
الدِّينُ رَأْسُ الْمَالِ فَاسْتَمْسِكْ بِهِ ... فَضِيَاعُهُ هُوَ أَعْظَمُ الْخُسْرَانِ
آخر:
لَعَمْرِيَ مَا الرَّزِيَّة فَقْدُ قَصُرٍ ... فَسِيحٍ مُنْيَةٍ لِلسَّاكِينِنَا
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ دِين ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا
стр. 1473
آخر:
لَعَمَرْيَ مَا عُمْرٌ يُعَدُّ بِضَائِعِ ... إِذَا كَانَ بِالتَّهْلِيلِ وَالذِّكْرِ يُعْمَرُ
آخر:
إِذَا الْمَرْء لَمْ يُدْرِكْ رِضَى خَالِقُ الْوَرَى ... فَمَا حَظُّهُ فِي أَنَّ يَطُولَ بِهِ الْعُمْرُ
آخر:
لِمَنْ تَطْلُبُ الدُّنْيَا إِذَا لَمْ تَرِدْ بِهَا ... رِضَى الْمَلِكِ الْقُدُوس رَبِّ الْبَرِيّةِ
آخر:
(مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضَيَّعْتُهُ عِوَضٌ ... وَمَا مِنْ الله عَن ضَيْعَتِهِ عِوَضُ)
وقد مضت سنة احكم الحاكمين لمن أراد به خيرا أن يقدم الابتلاء بين يديه ومن أسباب السلو عن المصائب وأقوى الأدوية بإذن الله تعالى لفاقد الحبيب العلم بأن الدنيا فانية وزائلة وأنها مخلوقة للذهاب والأفول وأن ما فيها يتغير ويتحول ويضمحل ويفنى لأنها إلى الآخرة طريق وهي مزرعة للآخرة.
روي عن أبي الدرداء ﵁ قال كان لسليمان بن داود ﵉ ابن يجد به وجدًا شديدًا فمات الغلام فحزن عليه حزنًا شديدًا وروي ذلك في قضائه ومجلسه فبعث الله إليه ملكين في هيئة البشر فقال: ما أنتما؟ فقالا خصمان قال: اجلسا بمجلس الخصوم فقال أحدهما: إني زرعت زرعًا فأتى هذا فأفسده.
قال سليمان ﵇: ما يقول هذا؟ قال: أصلحك الله إنه زرع في الطريق وإني مررت به فنظرت يمينًا فإذا الزرع ونظرت شمالاً فإذا الزرع ونظرت قارعة الطريق فإذا الزرع فركبت قارعة الطريق فكان في ذلك فساد زرعه.
فقال سليمان ﵇: ما حملك على أن تزرع بالطريق أما علمت أن الطريق سبيل الناس ولابد للناس أن يسلكوا سبيلهم فقال له أحد الملكين أو ما علمت يا سليمان أن الموت سبيل الناس ولابد للناس من أن يسلكوا سبيلهم.
قال: فكأنما كشف عن سليمان الغطاء وهذا من لطيف التعزية لمن حلت به رزية.
стр. 1474
أَرَى الدَّهْرَ أَغْنَى خُطْبَة عَنْ خُطَّابُهُ ... بِوَعْظٍ شَفَى الْبَابَنَا بِلُبَابِهِ
لَهُ قَلْبٌ تَهْدِي الْقُلُوب صَوَادِيًا ... إِلَيْهَا وَتَعْمَى عَن وَشِيكِ انْقِلابِهِ
هُوَ اللَّيْثُ إِلا أَنَّهُ وَهُوَ خَادِرٌ ... سَطَا فَأَغَابَ اللَّيْثَ عَنْ أَنْسِ غَابِهِ
وَهَيْهَاتَ لَمْ تَسْلَمْ حَلاوَةَ شَهْدِهِ ... لِصَابٍ إِلَيْهِ مِنْ مَرَارَةِ صَابِهِ
مُبِيدٌ مَبَادِيهِ تَغُرُّ وَإِنَّمَا ... عَوَاقِبَهُ مَخْتُومَةٌ بِعِقَابِهِ
أَلَمْ تَرَ مَنْ سَاسَ الْمَمَالِكِ قَادِرًا ... وَسَارَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ تَحْتَ رِكَابِهِ
وَدَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَكَادَتْ تُحِلُّهُ ... عَلَى شُهْبِهَا لَوْلا خُمُودُ شِهَابِهِ
لَقَدْ أَسْلَمْتُهُ حَصْنَهُ وَحُصُونُهُ ... غَدَاة غَدا عَنْ كَسْبِهِ بِاكْتِسَابِهِ
فَلا فِضَّةٌ أَنْجَتْهُ عِنْدَ انْفِضَاضِهِ ... وَلا ذَهَبٌ أَغْنَاهُ عِنْدَ ذَهَابِهِ
سَلا شَخْصِه وَرَّاثُهُ بِتُرَاثِهِ ... وَأَفْرَدَهُ أَتْرَابَهُ بِتُرَابِهِ
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(فَصْلٌ)
قيل لرجل: إنك تموت؟ قال: وإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله. قال: ما أكره أن يذهب بي إلى من لم أرى الخير إلا منه ولو قال أنا افرح وأسر وأستبشر بذهاب إلى الله.
وعزى رجل آخر بابنٍ له فقال: كان لك من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
ولما احتضر المنصور قال: اللهم إن كنت تعلم أني قد ارتكبت الأمور العظام جرأة مني عليك فإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك شهادة أن لا إله إلا الله مَنًّا منك لا منًّا عليك.
ومات عبد الله بن مطرف فخرج مطرف في ثياب حسنة فأنكر عليه
стр. 1475
فقال: أفأستكين لها وقد وعدني عليها ربي ثلاثًا إحداها أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
قيل إنه دخل ملك الموت على داود عليه وعلى نبينا السلام، قال: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشى.
قال: فإذا أنت ملك الموت ولم استعد بعد قال: يا داود أين جارك فلان أين قريبك فلان، قال: مات. قال: أما كان لك في هؤلاء عبرة لتستعد للموت.
عن عائشة ﵂ لما مات عثمان بن مظعون كشف النبي ﷺ الثوب عن وجهه فقبل ما بين عينيه وبكى طويلاً: فلما رفع على السرير قال: «طوباك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها» .
ودخل على المأمون في مرضه وهو يجود بنفسه فإذا هو قد فرش له جل الدابة وبسط عليه الرماد وهو يتمرغ عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه.
وقال عمرو بن العاص لابنه حضره الموت من يأخذ هذا المال بما فيه قال: من جدع الله أنفه فقال: احملوه إلى بيت مال المسلمين.
ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن التوبة مبسوطة ما لم يغرغر ابن آدم بنفسه» . ثم استقبل القبلة فقال: اللهم إنك أمرتنا فعصينا ونهيتنا فارتكبنا هذا مقام العائذ بك فأهل العفو أنت.
وإن تعاقب فبما قدمت يداي «سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين» فمات وهو مغلول مقيد فبلغ الحسن بن علي فقال: استسلم الشيخ حين أيقن بالموت ولعلها تنفعه.
следующие страницы →