Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الوحيدة وهذه معصية من أفحش المعاصي ووقاحة محرمة.
وعن أسماء بنت يزيد أنها كَانَت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده، فقال: «لعل رجلاً يقول مَا فعل بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها» . فأزم القوم - أي سكتوا وجلين - فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن قال: «فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون» . رواه أحمد.
شِعْرًا:
إِنَّ الْكَرِيمَ الَّذِي تَبْقَى مَوَدتُه ... وَيَحْفَظُ السِّرَ إِنْ صَافَا وَإِنْ صَرَمَا
لَيْسَ الْكَرِيمُ الَّذِي إِنْ زَلَّ صَاحِبُه ... بَثَّ الذي كَانَ مِن أَسْرَارِهِ عَلْمَا
روى عن بعض الورعين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: مَا الذي يريبك مِنْهَا. فقال: العاقل لا يهتك سترَا. فلما طلقها قيل له: الآن طلقتها. فقال: مَا لي ولا مرأة غيري (المعنى عليَّ وعليها ستر الله) . وهكذا الرجال الذي يعرفون قدر الأمانة والغالب أن إخبار الناس بالأسرار يترتب عليه أضرار فلذلك قيل حول هذا الكلام:
احْفَظْ لِسَانَكَ لا تَبُحْ بثلاثةٍ ... سِنٍّ ومالٍ إِنْ سُئِلْتَ ومَذْهَب
فَعَلَي الثلاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلاثةٍ ... بِمَُكَفِّرٍ وبِحَاسِدٍ ومُكَذِّبِ
ومن الأمانة الوضوء فإن أداه كاملاً بدون مجاوزة للحد فقد حفظ هذه الأمانة وإن أداها وإن فرط فيها وأهمل بعض الأعضاء أو بعض الجسم فِي الغسل أو تعدى إِلَى الوسواس وفاتت لمولاه فقد خان أمانته.
وكذلك الكيل والوزن أمانة إن أداه على الوجه المطلوب بلا بخس ولا غش فقد حفظها وأداها، وإن بخس أو غش أو دلس فقد خان أمانته.
وكذلك أولادك أمانة عندك إن أحسنت فيهم وربيتهم تربية صالحة
стр. 1682
ووجهتهم توجيهًا حسنًا فقد أديت أمانتك وإن أهملهم ولَمْ يبال بهم فقد خان أمانته.
وكذلك الودائع التي تدفع إِلَى الإنسان ليحفظها حينًا ثم يردها إِلَى أصحابها حين يطلبونها أو إِلَى الحاكم إن فقدوا ومن يخلفهم وتعذر عليه إيصالها إليهم وأيس من مجيء صاحبها، فهذه من الأمانات التي يسأل عنها، وَقَدْ استخلف ﷺ عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ ليسلم المشركين الودائع التي استحفظها مع أن هؤلاء المشركين كانوا بعض الأمة التي استفزته من الأرض واضطرته إِلَى ترك وطنه فِي سبيل عقيدته، قال ميمون بن مهران: ثلاثة مؤدبين إِلَى البر والفاجر الأمانة والعهد وصلة الرحم.
وكذلك التلميذ أمانة يجب على الأستاذ أن يوجهه إِلَى العلوم النافعة والعقائد السليمة ويحذره من البدع وما يضره فِي دينه ويحذره من أهل البدع ويبين مَا يعرفه من الكتب المظل دراستها والعلماء المنحرفين عن الصراط المستقيم ليجتنبهم وكتبهم، ويذكر له العلماء المحققين المستقيمين وكتبهم ليقتنيها فيتأثر بها بإذن الله وتحل العقيدة السليمة فِي قلبه ويسعد فِي حياته وبعد مماته بإذن الله تعالى.
ويحذره من كتب الأشاعرة والشيعة والمعتزلة ومن علمائهم ومن أضر مَا على المسلمين اليوم الأشاعرة وكتبهم والرافضة وكتبهم عصمنا الله وجميع المسلمين مِنْهُمْ ومن كتبهم وبدعهم التي عمت وطمت وصرفت كثيرًا من الناس عن طريقة السلف الخالصة من شوائب البدع.
ويكون هذا المعلم المخلص هو السبب الوحيد لاستقامة هذا التلميذ وهدايته فيا لها من تجارة ويا له من ربح، ويا لها من نصيحة فنجد التلميذ إن كَانَ وافيًا شكورًا يدعوا لمواجهة دائمًا وإن لَمْ يكن كذلك فأجر المعلم والموجه
стр. 1683
المخلص لا يضيع عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ والناس يختلفون فيهم روض وسبح.
قال بعضهم:
لَعَمْرُكَ مَا المَعْرُوفُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... وفي أَهْلِهِ إِلاَّ كَبَعْضِ الوَدَائِعِ
فََمُسْتَودٌع ضَاعَ الذِي كَانَ عِنْدَهُ ... وَمُسْتَوْدَعٌ مَا عِنْدَهُ غَيْرُ ضَائِعِ
وَمَا النَّاسُ فِي كُفْرِ الأَيَادِي وَشُكْرِهَا ... إلى أَهْلِهَا إِلاَّ كَبَعْض المَزارِعِ
فَمَزْرَعَةُ أَجْدَتْ فَأَضْعَفْ زَرْعُهَا ... وَمَزْرَعَةٌ أَكْدَتْ على كُلِّ زَارِعِ
وكذلك العمل أمانة فِي عنق العالم يسأل عنه يوم القيامة إذا لَمْ سنشره بين الناس وينور به قلوبهم يكون خائنًا لأمانته وغاشًّا لإخوانه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ .
قال بعض المفسرين على هذه الآية: والتنديد بكتمان مَا أنزل الله من الكتاب المقصود به أولاً أهل الكتاب ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة يكتمون الحق الذي يعلمونه ويشترون به ثمنًا قليلاً إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان ويخشون عليها من البيان وإما هو الدنيا كلها وهي ثمن قليل حين تقاس على مَا يخسرونه من رضى الله ومن ثواب الآخرة. انتهى.
وقال آخر: وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة كَانَت أو مستنبطة وتدل على امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك إذ غير جائز استحقاق الأجر على مَا يجب فعله بلغ يا أخي الذين يأكلون بالكتب الدينية ويحتكرونها باسم تحقيق أو نشر نسأل الله العافية.
стр. 1684
وَقَدْ روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي ﷺ والله الموعد، وأيم لولا آية فِي كتاب الله مَا حدثت بشيء أبدًا، ثم تلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» . رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه والبيهقي ورواه الحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتم علمًا مما ينفع الله به الناس فِي أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» . رواه ابن ماجة ومن الأمانة فِي العلم إنك إذا أبديت رأيًا ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق فِي غير مَا أبديت أن تصدع بما استبان لك أنه الحق.
ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إِلَى سوء النظر فيما رأيته أولاً، والأمانة حملت كثيرًا من العلماء على أن يظهروا رجوعهم عن كثير من آراء علمية أو اجتهادية دينية تبين لهم أنهم غير مصيبين فيها.
ولا يكترثون بما قال فيهم من الاعتراضات التي فِي غير محلها لعلمهم أن الناس مَا مِنْهُمْ سلامة أبدَا مهما استقاموا ولهذا الرسل لَمْ يسلموا مِنْهُمْ قولاً وفعلاً، بل الله جل وعلا الذي أوجدهم ورباهم ورزقهم وفضلهم على كثير ممن خلق جعلوا له ولدا وقالوا: لا يعيدنا، فلا مطمع فِي السلامة مِنْهُمْ، وهم كما قال الشاعر معربًا عن صفاتهم:
وَإِنْ تُبْدِي يَوْمًا بالنَّصِيحَةِ لامْرئٍ
بِتُهْمَتِهِ إِيَّاكَ كَانَ مُجَازِيَا
стр. 1685
ج
وَإِنْ تَتَحَلَّى بِالسَّمَاحَةِ وَالسَّخَاء
يُقَالُ سَفِيهٌ أَخْرَقٌ لَيْسَ وَاِعِيَا
وَإِنْ أَمْسَكْت كفَّاكَ حَالَ ضَرُورَةٍ
يُقَالُ شَحِيحٌ مُمْسِكٌ لا مُسَاوِيَا
وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْ فِيكَ يَنْبُوعُ حِكْمَةٍ
يَقُولُونَ مِهْذَارًا بَذِيًّا مُبَاهِيَا
وَعَنْ كُلِّ مَا لاَ يَعْنِ أَنْ كُنْتَ تَارِكًا
يَقُولُونَ عَنْ عِيٍ مِن العَجْزِ صاَغِيَا
وَإِنْ كُنْتَ مِقْدَامًا لِكُلِّ مُلِمَّةٍ
يُقَالُ عَجُولٌ طَائِشُ العًقْلَ وَاهِيَا
وَإِنْ تَتَغَاضَى عَنْ جَهَالَةِ نَاقِصٍ
يَعُدُّوكَ خَوَارًا جَبَانًا وَلاهِيا
وَإِنْ تَتَقَاصَى بِاعْتِزالِكَ عَنْهُمُو
يَخَالُوكَ مِنْ كِبْرٍ وَتِيهٍ مُجَافِيَا
وَإِنْ تَتَدَانَى مِنْهُمْ الِتَأَلُّفٍ
يَظُنُّوكَ خَدَّاعًا كَذُوبًا مُرَائِيَا
تَرى الظُّلْمَ مِنْهُمْ كَامِنًا فِي نُفُوسِهم
كذَا غَدْرُهُم فِي طَبْعِهِمْ مُتَوَارْيَا
فَفِي قُوَّةِ الإِنْسَانِ يَظْهَرُ ظُلْمُهُ
وَفِي عَجْزِهِ يَبْقَى كَمَا كَانَ خَافِيَا
وَهَيْهَاتَ تَنْجُو مِنْ غَوَائِلِ فِعْلِهم
وَأَقْوَالِهِمْ مَهْمَا تَكُنْ مُتَحَاشِيَا
стр. 1686
فَمَنْ رَامَ إِرْضَاءَ الأَنامِ بِقَوْلِهِ
وَفِعْلٍ غَدَا لِلْمُسْتَحِيلِ مُعَانِيَا
وَمَنْ ذَا الذِي أَرْضَى الخَلاَئِقِ كُلَّهُم
رَسُولاً نَبِيَّا أَمْ وَلِيًّا وَقَاضِيَا
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَا خَالِقُ الخَلْقُ هَلْ تَرَى
جَمِيعَ الوَرَى فِي قِسْمَةٍ مِنْه رَاضِيَا
إِذَا كَانَ رَبُّ الخَلْقِ لمْ يُرْضِ خَلْقَهُ
فَكيْفَ بِمَخْلُوقٍ رِضَاهُمْ مُرَاجِيا
فَلازِمْ رِضَى رَبِّ العِبَادِ إِذاً وَلاَ
تُبَالِ بِمَخْلُوقِ إذَا كُنْتَ زَاكِيَا
وَسَدِّدْ وَقَارِبْ مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّمَا
يُكَلَّفُ عَبْدٌ فِعْلَ مَا كَانَ قَاوِيَا
اللهم إنا نعوذ بك من شر أنفسنا وشر الدنيا ونعوذ بك من الشيطان الرجيم ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ومن الأمانة فِي العلم أنك إذا سئلت عن مسألة خافيًا عليك حكمها أن تقول: لا أدري غير مستنكف ولا مبال بما يكون لها من أثر عند السائلين والمستمعين ولأن يقال سئل فقال: لا أدري خير من أن يقال سئل فأجاب خطأ أو روى مَا لَمْ يكن واقعًا.
стр. 1687
وسأل رجل بن عمر عن مسألة فقال: لا علم لي بها. ثم قال السائل بعد أن ولى: نِعْمَ مَا قال بن عمر قال: لما لا يعلم لا أعلم.
وقال سفيان بن عيينة: كنت فِي حلقة رجل من ولد عبد الله بن عمر فسئل عن شيء فقال: لا أدري. فقال له يحي بن سعد: العجب منك كل العجب تقول: لا أدري وأنت ابن إمام هُدَى؟ فقال: أولا أخبرك منى عند الله وعند من عقل عن الله من قال بغير علم أو حدث عن غير ثقة.
وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس عن ثمان وأربعين مسألة، فقال فِي اثنين وثلاثين مِنْه: لا أردي.
وعن أبي سليمان بن بلال: قال شهدت بن محمد بن أبي بكر الصديق والناس يسألونه، فقال: يا هؤلاء بعض مسائلكم فإنا لا نعلم كل شيء.
وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلاً مِنْه فِي أيديهم إذا سئل أحدهم عما لا يعلم قال: لا أدري.
عَلَيْكَ بِلاَ أَدْريْ إِذََا كُنْتَ جَاهِلاً ... لِتَسْلَمَ مِن شَرِّ الخَطَا فِي الإِجَابَةِ
آخر: ... وَمَنْ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا ... وَيَكْرَهُ لا أَدْرِي أَصِيْبَتْ مَقَالِتُهْ
آخر: ... يَمُدُوْنَ فِي الإِفْتَاءِ بَاعًا قَصِيرَةً ... وَأَكْثَرُهُمْ عِنْدَ الْجَوَابِ يُكَذْلِكُ
آخر: ... حِذَارَكَ أَنْ تَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... كَفَى بِالشَّكِ عِنْدَ النَّاسِ جَهْلاً
آخر: ... وَبِالصِّدْقِ فَاسْتَقْبِلْ حَدِيْثَكَ إِنَّهُ ... أَصَحُّ وَأَدْنَى لِلسَّدَادِ وَأَمْثَلُ
стр. 1688
آخر: ... تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُوْلَدُ عَالِمًا ... وَلَيْسَ أَخُوْ عِلْمٍ هُوَ جَاهِلُ
وَإِنْ كَبِيرَ الْقَوْمِ لا عِلْمَ عِنْدَهُ ... صَغِيرٌ إِذَا التَّقَتْ عَلَيْهِ الْمَحَافِلُ
ومن الأمانة فِي العلم أن لا يفتي بما يراه باطلاً. إلا إن سأله عن مَا يراه فلان بأن قال: مَا رأي الشافعي أو أحمد فيها، أو مَا هو اختيار شيخ الإسلام فيها، إن كنت عالمًا بالحكم تقول له: يرى كذا وكذا ولا بأس.
وبالتالي فما من إنسان منا إلا وعلمه أمانة لله فِي عنقه، فالشعب أمانة فِي يد الولاة للأمور، والدين أمانة فِي يد العلماء وطلبة العلم والعدل أمانة فِي يد القضاة والحق أمانة فِي يد المجاهدين، والصدق أمانة فِي يد الشهود، والمرضى أمانة فِي يد الأطباء، والمصالح أمانة فِي يد المستخدمين، والتلميذ أمانة فِي يد الأستاذ، والولد أمانة فِي يد أبيه، والوطن أمانة فِي يد الجميع، وهكذا باقي الأمانات.
وَقَدْ ورددت آيات وأحاديث فِي عظم شأن الأمانة والأمر بحفظها وأدائها والتحذير من الخيانة فيها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: القتل فِي سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة. قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل فِي سبيل الله فيقال: أد أمانتك فيقول: أي رب كيف وَقَدْ ذهبت الدنيا، فيقال: انطلقوا به إِلَى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوي فِي أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبه حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبيه فهو يهوي فِي أثرها أبد الآبدين.
ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والكيل أمانة وأشياء عددها وأشد
стр. 1689
ذلك الودائع، قال: راوي الحديث فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إِلَى مَا قال ابن مسعود قال: كذا وكذا قال: البراء صدق أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ .
وفي حديث حذيفة فِي وصفه لتسرب الأمانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين، قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا: «أن الأمانة نزلت فِي جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة» .
وحدثنا عن رفعها قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا، وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة فيقال: إن فِي بني فلان رجلاً أمينًا ويقال للرجل: مَا أعقله وما أظرفه وما أجلده وما فِي قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» . الحديث رواه البخاري.
وللأمير الصنعاني فِي الحث على تدبر كتاب الله والتفكر فِي آياته والثناء على الله قصيدة بليغة.
الْوَارِدَاتُ عَلَيْنَا كُلَّهَا مِنَنٌ
مِنْ رَبِّنَا فَلَهُ الإِحْسَانُ وَالْحَسَنُ
إِنَا لَنَا كُلَّ شَيْءٍ مِنْ مَوَاهِبِهِ
مَا لا تُحِيْطُ بِهِ عَيْنٌ وَلا أُذُنُ
стр. 1690
فَشُكْرُ بَعْضِ أَيَادِيهِ الَّتِي شَمَلَتْ
عَنْ شُكْرِهَا يَعْجَزُ الْعَلامَةُ اللَّسِنُ
يَا عَالِمَ الْغَيْبِ لا يَخْفَاهُ خَافِيَةٌ
وَعِلْمُهُ يَتَسَاوَى السِّرُّ وَالْعَلَنُ
أَهْلُ الْبَسِيْطَةِ طُرًّا تَحْتَ قَبْضَتِهِ
وَكُلُّهُمْ بِالذِّي يِأْتِيهِ مُرْتَهَنُ
بِحِكْمَةٍ وَبِعِلْمٍ كَانَ مُبْتَدِئًا
هَذَا الْوُجُودَ الذِّي حَارَتْ لَهُ الْفِطَنُ
دَحَى الْبَسِيطَةَ فَرْشًا لِلأنَامِ وَقَدْ
عَلَتْ عَلَيْهَا الْجِبَالُ الشُّمُّ وَالْقُنَنُ
كَيْلا تَمِيْدَ بِأَهْلِهَا وَأَوْدَعَهَا
لَهُمْ مَنَافِعَ إِنْ سَارُوا وَإِنْ قَطَنُوا
بَنَى السَّمَاءَ بَأَيْدٍ فَوْقَهَا وَحَوَتْ
عَجَائِبًا أَعْرَضُوا عَنْهَا وَمَا فَطَنُوا
فَفِي التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِهَا عِبَرٌ
لَوْ كَانَ يُطْلَقُ عَنْ أَفْكَارِنَا الرَّسَنُ
وَقَدْ حَكَى اللهُ إِعْرَاضَ الْعِبَادِ فَهَلْ
غَطَّى على الْعَيْنِ مِنْ أَفْكَارِنَا الْوَسَنُ
إِنَّ التَّفَكُّرَ فِي آيَاتِ خَالِقِنَا
عِبَادَةُ الْفِكْرِ فِيْهَا الْخَلْقُ قَدْ غُبِنُوا
تَزْدَادُ بِالْفِكْرِ إِيْمَانًا وَمَعْرِفَةً
فَلا يَفُوتُكَ شَيْءٌ مَا لَهُ ثَمَنُ
стр. 1691
.. مَنَّ الإِلَهُ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ فَقُلْ
يَا مِنَّةً قَصُرَتْ مِنْ دُونِهَا الْمِنَنُ
فَصَرِّفِ الْفِكْرَ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ تَجِدْ
فِيْهِ الْعُلُومَ الَّتِي لَمْ يَحْوِهَا الْفَطِنُ
آيَاتُهُ أَعْجَزَتْ كُلاٌّ بَلاغَتُهَا
وَأَبْلَغُ الْخَلْقِ قَدْ أَوْدَى بِهِ اللَّكَنُ
أَدِلَّةٌ وَأَقَاصِيصٌ وَأَمْثِلَةٌ
لَفْظٌ بَلِيغٌ وَمَعْنَى فَائِقٌ حَسَنُ
غُصْ بَحْرَهُ تَلْقَ فِيْهِ الدُّرَّ مُبْتَذَلاً
وَفُلْكُ فِكْرِكَ فِي أَمْوَاجِهِ السُّفُنُ
كَمْ قِصَّةٍ وَصَفَتْ أَخْبَارَ مَنْ دَرَجُوا
مِنْ صَالِحٍ وَشَقِيٍّ رَبُّهُ الْوَثَنُ
قِفْ بِالْمَثَانِي تَرَى آيَاتِهَا عَجَبًا
أَوْ بِالْمَئِينِ فَفِيهَا كُلِّهَا الْمِنَنُ
أَوْ الطَّوَالِ فَفِيْهَا الْعِلْمُ أَجْمَعُهُ
خَزَاِئٌن هِيَ لِلأَحْكَامِ تَخْتَزِنُ
وَفِي الْمُفَصَّلِ آيَاتٌ مُفَصَّلَةٌ
قَوَارِعٌ لِقُلُوبٍ مَا بِهَا دَرَنُ
إِنَّ الذُّنُوبَ لأَوْسَاخُ الْقُلُوبِ فَلاَ
يَكُنْ فُؤَادُكَ بَيْتًا حَشْوُهُ الدِّمَنُ
وَدَاوِ قَلْبَكَ مِنْ قَبْلِ الْمَمَاتِ فَمَا
يُجْدِي الدَّوَاءُ بِمَيْتٍ بَعْدَ مَا دَفَنُوا
стр. 1692
بِمَرْهَمِ التَّوْبَةِ الصِّدْقِ النَّصُوْحِ فَذَا
هُوَ الدَّوَاءُ لِذَاكَ الدَّاءِ لَوْ فَطِنُوا
وَنَارُ ذَنْبِكَ تُطْفِيهَا الدُّمُوعِ إِذَا
أَثَارَهَا الْخَوْفُ مِنْ مَوْلاكَ وَالْحَزَنُ
بَادِرْ بِهَذَا الدَّوَا مِنْ قَبْلِ مِيْتَتِهِ
فَمَا لِسَهْمٍ الْقَضَا مِنْ دُوْنِهِ جُنَنُ
وَرُبَّ شَخْصٍ تَوَفَى قَبْلَهُ وَثَوَى
فِي صَدْرِهِ فَهُوَ قَبْرٌ وَالْحَشَا كَفَنُ
تَرَاهُ فِي النَّاسِ يَمْشِي حَامِلاً جَدَثًا
فَهَلْ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا أَتَى الزَّمَنُ
فَأَسْأَلُ اللهَ تَوْفِيْقًا يَكُونُ بِهِ
حُسْنُ الْخِتَامِ فَفِيْهِ الْفَوْزُ مُرْتَهَنُ
فَفِي الصَّلاةِ على خَيْرِ الْوَرَى وَعَلَى ال
آلِ الْكِرَامِ مَعَ التَّسْلِيْمِ يَقْتَرِنُ
اللهم ثبت محبتك فِي قلوبنا وقوها ونور قلوبنا بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وآتنا فِي الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن توثيق عرى المودة بين المسلمين وتصفية القلوب من الغل والحقد والحسد، والحرص على مَا يجلب المودة والتآلف: والتناصر والتعاضد، وتجنب مَا يوغر الصدور
стр. 1693
ويورث العداوة واجب تقتضيه الأخوة الإيمانية، والإيمان لا يكون تامًا إلا بذلك.
والله نهى عن التفرق فقال: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ فأمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرق، وَقَدْ وردت أحاديث متعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف.
ولما كَانَ الصالح بين المسلمين أفرادًا أو جماعات يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة واستئصال داء النزاع قبل أن يستفحل وحقن الدماء التي تراق بين الطوائف المتنازعة.
وتوفير الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل وتوفير الرسوم والنفقات الأخرى وتجنب إنكار الحقائق التي تجر إليها الخصومات وترك شهادة الزور وتجنب المشاجرات والاعتداءات على الحقوق والنفوس وتفرغ النفوس للمصالح بدل جدالها وانهماكها فِي الكيد للخصوم إِلَى غير ذلك مما يثمره الصلح أمر الله به وحث عليه.
قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
وقال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .
стр. 1694
وحث ﷺ على الصلح وأصلح بين كثير من أصحابه وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ بلغه أن بني عمرو بن عوف كَانَ بينهم شر فخرج رسول الله ﷺ يصلح بينهم فِي أناس معه. الحديث متفق عليه.
ولقد بلغت العناية بالصلح بين المسلمين إِلَى انه رخص فيه بالكذب رغم قباحته وشناعته وشدة تحريمه، وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَمْ يكذب من نمى بين اثنين ليصلح بينهم» .
وفي رواية: «ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو نمى خيرًا» . رواه أبو داود، وفي رواية لمسلم قالت: ولم أسمعه يرخص فِي شيء مما يقوله الناس إلا فِي ثلاث يعني الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، أي قال خيرًا على وجه الإصلاح وليس المراد نفي ذات الكذب بل نفي أثمه فالكذب كذب وإن قيل للإصلاح أو غيره وإنما نفي عن المصلح كونه كذابًا باعتبار قصده.
وهذه أمور قد يضطر الإنسان فيها إِلَى الزيادة فِي القول ومجاوزة الصدق طلبًا للسلامة ودفعًا للضرر ورخص فِي اليسير فِي مثل هذا لما يؤمل فيه من الصلاح، والكذب بين اثنين فِي الإصلاح أن ينمي من أحدهما إِلَى صاحبه خيرًا ويبلغه جميلاً وإن لَمْ يكن سمعه بقصد الإصلاح، والكذب فِي الحرب أن يظهر فِي نفسه قوة ويتحدث بما يقوي به أصحابه ويكيد به عدوه ويوهنه ويشتت فكره. والكذب للزوجة أن يعدها ويمنيها ويظهر لها أكثر مما فِي نفسه ليستديم صحبتها ويصلح به خلقها.
стр. 1695
وبلغت العناية بالصلح بين الناس إِلَى أن المصلح بين الناس يعطى من الزكاة أو من بيت المال لأداء مَا تحمله من الديون فِي سبيل الإصلاح وإن كَانَ قادرًا على أدائها من ماله.
وأخبر ﷺ أن الإصلاح بين الناس تجارة وأنه مما يرضاه الله ورسوله، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي أيوب: «ألا أدلك على تجارة» ؟ قال: بلى. قال: «صِلْ بين الناس إذا تفاسدوا وقرب بينهم إذا تباعدوا» . رواه البزار والطبراني، وعنده «ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله» ؟ قال: بلى. قال: «صل بين الناس إذا تفاسدوا وقرب بينهم إذا تباعدوا» .
وروي عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أصلح بين الناس أصلح الله أمره وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة ورجع مغفورًا له مَا تقدم من ذنبه» رواه الأصبهاني وهو حديث غريب جدًا.
اللهم يا من فتح بابه للطالبين وأظهر غناه للراغبين ألهمنا مَا ألهمت عبادك الصالحين وأيقظنا من رقدة الغافلين إنك أكرم منعم وأعز معين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
عباد الله لمن كَانَ الإنسان مكلفًا بالسعي والعمل لطلب الرزق من وجوهه المشروعة كَانَ حقًّا عليه أن يصون نفسه عن مسألة الناس.
وأن لا يمد يده لسؤالهم ولا يتقدم إليهم لطلب حطام الدنيا إلا عند
стр. 1696
الضرورة أو الحاجة الشديدة لأنه إذا قعد عن العمل ولزم البطالة والكسل ونظر لما فِي أيدي الناس من أوساخهم ساءت حاله، وضاعت آماله، وضعف توكله، وضاق عيشه، وانحطت نفسه، واعتاد السؤال الذي لا ينفك عن ثلاثة أمور محرمة:
الأول: إظهار الشكوى من الله تعالى، إذ السؤال إظهار للفقر وذكر لقصور نعمة الله عنه، وهو عين الشكوى، وكما أن العبد المملوك لو جعل يسأل وأنه مَا يجد شيئًا لكان سؤاله تشنيعًا على سيده ولا يرضى بذلك ولله المثل الأعَلَى.
ولاسيما إذا أتى إِلَى بيت الله يسأله من فضله، ثم قام من حين مَا يسلم الإمام وجعل يشرح حاله وفقره وأوقف الناس عن تهليلهم، وتسبيحهم، وتكبيرهم، والمساجد لَمْ تبن إلا لذكر الله، والصلاة فيها وقراءة القرآن. وهذا المنكر قل من ينتبه له.
الأمر الثاني: أن فِي سؤال الناس إذلال لنفس السائل، وليس للإنسان أن يذل نفسه ويخضعها إلا لله، الذي فِي إذلالها عزه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثاله فلا يذل لهم نفسه.
ثالثًا: أن فيه ظلم لنفسه إلا عند الضرورة أو الحاجة الشديدة وفيه أيضًا إيذاء للمسئول خصوصًا إذ كَانَ مع إلحاح، والإيذاء حرام، فأي عاقل يرضى لنفسه بهذه الحالة التعسة، بل كيف يرضى أن يكون عضوًا أشلاً فِي الهيئة الاجتماعية لا يقام له وزن ولا تقام له قيمة.
وَقَدْ أثنى الله على الذين لا يسألون الناس إلحافًا وقال ﷺ : «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة
стр. 1697
والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس.
ففي زماننا الذي اختلط فيه الحابل بالنابل وصار عندهم الحلال مَا وصل إِلَى اليد وذهب عنهم الورع والابتعاد عن الشبهات، على الإنسان أن يبذل جهده ويثبت ولا يبذل زكاته إِلَى كل من مد يده، بل يسأله بدقة، ويتحقق من الأوراق التي تعرض عليه، التي صارت تصور وتباع وتشتري وربما حصل المتسول على أضعاف مَا فيها ولو أن هؤلاء المتسولين الشحاذين استعملوا فِي طريق منتج من تجارة أو غيرها مَا يصل إلى أيديهم من الصدقات لما بقي فِي الأمة مِنْهُمْ متسول، ولكن هؤلاء قوم ألفوا هذا العيش وركنوا إليه لا يدفعهم إليه فقر ولا يردهم عنه غنى، وكم ممن اكتشف فصار عنده ثروة، وهذا سببه عدم التبيت وإجراء العادات بدون سؤال هل اغتنى أم لا.
وَقَدْ بين ﷺ من يحل له السؤال وذلك فيما ورد عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها» . ثم قال: «يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، أو رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال -: سداد من عيش.
ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه يقولون: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال -: سداد من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتَا» . رواه مسلم.
стр. 1698
وَقَدْ ذكرنا الأحاديث التي تتضمن التغليظ الشديد فِي السؤال من غير ضرورة وذلك فِي موضوع (من تحل له الصدقة) .
شِعْرًا:
غَفَلْتُ وَحَادِي الْمَوْتِ فِي أَثَرِي يَحْدُوْ
فَإِنْ لَمْ أَرُحْ يَوْمِي فَلا بُدْ أَنْ أَغْدُ
أُنَعِّمُ جِسْمِي بِاللَِبَاسِ وَلِيْنِهِ
وَلَيْسَ لِجِسْمِي مِنْ لِبَاسِ الْبِلَى بُدُّ
كَأَنِّي بِهِ قَدْ مَرَّ فِي بَرْزَخِ الْبِلَى
وَمِنْ فَوْقِهِ رَدْمٌ وَمِنْ تَحْتِهِ لَحْدُ
وَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الْمَحَاسِنُ وَانْمَحَتْ
وَلَمْ يَبْقَ فَوْقَ الْعَظْمِ لَحْمٌ وَلا جِلْدُ
أَرَى الْعُمْرَ قَدْ وَلَى وَلَمْ أُدْرِكْ الْمُنَى
وَلَيْسَ مَعِي زَادٌ وَفِي سَفَرِي بَعْدُ
وَقَدْ كُنْتُ َجَاهَرْتُ الْمُهَيْمِنَ عَاصِيًا
وَأَحْدَثْتُ أَحْدَاثًا وَلَيْسَ لَهَا رَدُّ
وَأَرْخَيْتُ خَوْفَ النَّاسِ سِتْرًا مِنْ الْحَيَا
وَمَا خِفْتُ مِنْ سِرِّي غَدًا عِنْدَهُ يَبْدُو
بَلَى خِفْتُهُ لَكِنْ وَثِقْتُ بِحِلْمِهِ
وَأَنْ لَيْسَ يَعْفُو غَيْرُهُ فَلَهُ الْحَمْدُ
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٍ سِوَى الْمَوْتِ وَالْبِلَى
عَنْ اللَّهْوِ لَكِنْ زَالَ عَنْ رَأْيِنِا الرُّشْدُ
стр. 1699
عَسَى غَافِرُ الزَّلاَّتِ يَغْفِرُ زَلَّتِِي
فَقَدْ يَغْفِرُ الْمَوْلَى إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ
أَنَا عَبْدُ سُوْءٍ خُنْتُ مَوْلايَ عَهْدَهُ
كَذَلِكَ عَبْدُ السُّوءِ لَيْسِ لَهُ عَهْدُ
فَكَيْفَ إِذَا أَحْرَقَتَ بِالنَّارِ جُثَّتِي
وَنَارُكَ لاَ يَقْوَى لَهَا الْحَجَرُ الصَّلْدُ
أَنَا الْفَرْدُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْفَرْدُ فِي الْبِلَى
وَأَبْعَثُ فَرْدًا فَارْحَمْ الْفَرْدَ يَا فَرْدُ
اللهم افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وارزقنا الإقبال على طاعتك والإنابة وبارك فِي أعمالنا وأجزل لنا الأجر والمثابة وآتنا فِي الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه وسلم.
(فَصْلٌ)
وأخبر ﷺ بأن درجة المصلح بين الناس أفضل من درجة الصائمين والمصلين والمتصدقين فعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة» ؟ قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة» . رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي: حديث صحيح قال: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» .
стр. 1700
ولا غرو إذا ارتفعت درجة المصلح الباذل جهده المضحي براحته وأمواله فِي رأب الصدع وجمع الشتات وإصلاح فساد القلوب، وإزالة مَا فِي النفوس من ضغينة وحقد والعمل على إحكام الروابط للألفة والإخاء وإطفاء نار العداوة والفتن.
كما هي وظيفة المرسلين لا يقوم بها إلا أولئك الذين أطاعوا ربهم وشرفت نفوسهم وصفت أرواحهم يقومون به لأنهم يحبون الخير والهدوء ويكرهون الشر حتى عند غيرهم من الناس ويمقتون الخلاف حتى عند غيرهم من الطوائف ويجدون فِي إحباط كيد الخائنين.
ولو أننا تبعتنا الحوادث وراجعنا الوقائع لوجدنا أن مَا بالمحاكم من قضايا وما بالمراكز والنيابات من خصومات وما بالمستشفيات من مرضى، وما بالسجون من بؤساء يرجع أكثره إِلَى إهمال الصلح بين الناس حتى عم الشر القريب والبعيد وأهلك النفوس والأموال وقضى على الأواصر وقطع مَا أمر الله به أن يوصل من وشائج الرحم والقرابة وذهب بريح الجماعات وبعث على الفساد فِي الأرض.
ومن تأمل مَا عليه الناس اليوم وجد أن كثيرًا مِنْهُمْ قَدْ فسدت قلوبهم وخبثت نياتهم لأنهم يحبون الشر يتركون ويميلون إليه ويعملون على نشره بين الناس، ومن أجل ذلك يتركون المتخاصمين فِي غضبهم وشتائمهم وكيد بعضهم لبعض حتى يستفحل الأمر.
ويشتد الشر ويستحكم الخصام بينهم فينقلبوا من الكلام إِلَى القذف والطعن ومن ذلك إِلَى اللطم ومن اللطم إِلَى العصي ومن العصي على السلاح ثم بعد ذلك إِلَى المراكز ثم إِلَى السجون والناس فِي أثناء ذلك كله
стр. 1701
يتفرجون ويتغامزون ويتتبعون الحوادث ويلتقطون الأخبار، بل قَدْ يلهبون نار الفتنة والعداوة ولا يزالون كذلك حتى يقهر القوي ولو كَانَ ذلك بالباطل والزور والبهتان بدون خوف من الله ولا حياء من الناس.
وتكون النتيجة بعد ذلك ضياع مَا يملكون من مال أو عقار وَقَدْ كَانَ يكفي لإزالة مَا فِي النفوس من الأضغان والأحقاد والكراهة، كلمة واحدة من عاقل لبيب ناصح مخلص تقضي على الخصومات فِي مهدها فيتغلب جانب الخير ويرتفع الشر وتسلم الجماعة من التصدع والانشقاق والتفرق.
فعن عائشة ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، إذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه فِي شيء وهو يقول: والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: «أين المتألي على الله لا يفعل المعروف» ؟ فقال: أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب. متفق عليه. فعندما رأى النبي ﷺ يستنكر عمله عدل عن رأيه واستجاب لفعل الخير وَقَدْ قامت فِي نفسه دوافعه إرضاء لله ولرسوله.
والشاهد من ذلك خروجه ﷺ للإصلاح بينهم فالدين الإسلامي الحنيف أوجب على العقلاء من الناس أن يتوسطوا بين المتخاصمين ويقوموا بإصلاح ذات بينهم ويلزموا المعتدي أن يقف عند حده درأ للمفاسد المترتبة على الخلاف والنزاع ومنعًا للفوضى والخصام، وأقوم الوسائل التي تصفو بها القلوب من أحقادها أن يجعل كل امرئٍ نفسه ميزانًا بينه وبين إخوانه المسلمين فما يحبه لنفسه يحبه لهم وما يكرهه لنفسه يكرهه لهم.
شِعْرًا:
كَمْ مِنْ أَخِ لَكَ لَمْ يَلِدْهُ أَبُوكَا ... وَأَخٌ أَبُوهُ أَبُوكَ قَدْ يَجْفُوكَا
كَمْ إِخْوَةٍ لَكَ لَمْ يَلِدْكَ أَبُوهُمَا ... وَكَأَنَّمَا آبَاؤُهُمْ وَلَدُوكَا
стр. 1702
وبذلك تستقم الأمور بإذن الله، قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مَا يحب لنفسه» . وهذه الطريقة هي التي كَانَ عليها السلف الصالح من المسلمين وكانوا بسبب ذلك مفلحين.
شِعْرًا:
إِنَّ الْمَكَارِمَ كُلَّهَا لَوْ حُصِّلَتْ ... رَجَّعْتُ جُمْلَتِهَا إِلَى شَيْئَيْنِ
تَعَظِيْمُ أَمْرِ اللهِ ﷻ ... وَالسَّعِي فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ
آخر:
(فَأَحْسِنْ إِذَا أُوْتِيْتَ جَاهًا فَإِنَّهُ ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَلِيْلٍ تَقْشَّعُ)
(وَكُنْ شَافِعًا مَا كُنْتَ فِي الدَّهْرِ قَادِرًا ... وَخَيْرُ زَمَانِ الْمَرْءِ مَا فِيْهِ يَشْفَعُ)
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(فَصْلٌ)
العدل: ضد الجور وهو الاعتدال والاستقامة والميل إِلَى الحق. وشرعًا: هو الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا وفي اصطلاح الفقهاء العدالة استواء أحواله فِي دينه واعتدال أقواله وأفعاله.
ويعتبر لها شيئان الصلاح فِي الدين واجتناب المحرم، والعدالة تارة يقال لها هي الفضائل كلها من حيث لا يخرج شيء من الفضائل عنها، وتارة يقال لها هي أجمل الفضائل من حيث أن صاحبها يقدر أن يستعملها فِي نفسه وفي غيره.
وقيل فِي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ أي العدل والإنصاف، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: العدل. وسمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية، وعبر عن العدالة بالميزان إذ كَانَ من أثرها، ومن أظهر أفعالها للحاسة.
стр. 1703
ومن مزية العدل أن الجور الذي هو ضد العدل لا يتسبب إلا به فلو أن لصوصًا أو نحوهم تشارطوا فيما بينهم شرطًا فلم يراعوا العدالة فيه لَمْ ينتظم أمرهم. ومن فضلها أن كل نفس تتلذذ بسماعها وتتألم من ضدها ولذلك حتى الجائر يستحسن عدل غيره إذ رآه أو سمعه.
والعدل يدعو إِلَى الألفة والمحبة ويبعث على الطاعة وتعمر به البلاد وتنمي به الأموال ويكثر معه النسل ويأمن به السلطان لحصول الأمن العادل وانبساط الآمال.
عَلَيْكَ بِالْعَدْلِ إِنْ وُلِّيتَ مَمْلَكَةً ... وَاحْذَرْ مِنْ الْجورِ فِيْهَا غَايَةَ الْحَذَرِ
فَالْمَالُكْ يَبْقَى على عَدْلٍ الْكَفُورِ وَلاَ ... يَبْقَى مَعْ الْجَوْرِ فِي بَدْوِ وَلاَ حَضَرِ
وَقَدْ قال المرزبان رئيس المجوس لعمر ﵁ لما رآه مبتذلاً لا حارس له: عدلت فأمنت فنمت.
وفي ذلك يقول الشاعر:
وَرَاعَ صَاحِبَ كِسْرَى أَنْ رَأَى عُمَرًا
بَيْنَ الرَّعِيَّةِ عُطْلاً وَهُوَ رَاعِيْهَا
وَعَهْدُهُ بِمُلُوْكِ الْفُرْسِ أَنَّ لَهَا
سُوْرًا مِنْ الْجُنْدِ وَالأَحْرَاسِ يَحْمِيهَا
رَآهُ مُسْتَرِقًا فِي نَوْمِهِ فَرَأَى
فِيْهِ الْجَلالَةَ فِي أَسْمَى مَعَانِيهَا
فَوْقَ الثَّرَى تَحْتَ ظِلِّ الدَّوْحِ مُشْتَمِلاً
بِبُرْدَةٍ كَادَ طُولُ الْعَهْدِ يُبْلِيهَا
стр. 1704
فَهَانَ فِي عَيْنِهِ مَا كَانَ يُكْبِرُهُ
مِنْ الأَكَاسِرِ وَالدَّنْيَا بِأَيْدِيهَا
وَقَالَ قَوْلَةَ حَقٍّ أَصْبَحَتْ مَثَلاً
وَأَصْبَحَ الْجِيلُ بَعْدَ الْجِيلِ يَحْكِيهَا
أَمِنْتَ لَمَّا أَقَمْتَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمُوا
فَنِمْتَ نَوْمَ قَرِيرِ الْعَيْنِ هَانِيهَا
وقال النبي ﷺ : «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فالعدل فِي حالة الغضب والرضا وخشية الله تعالى فِي السر والعلانية والقصد فِي الغنى والفقر.
وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه،» . والذي يجب أن يستعمل الإنسان العدل معه أولاً بينه وبين رب العزة جل ولعلا بمعرفة أحكامه وتطبيقها بالعمل بها.
فأعظم الحقوق على الإطلاق حق الله تعالى على عباده وذلك بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وفي حديث معاذ المتفق عليه «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» . فمن قام بهذا الحق فعبد الله وحده. وأدى هذا الحق وقام بحقوقه مخلصًا لله، فقد قام بأعظم العدل، ومن صرفه لغير الله فقد جار وظلم، وعدل عن العدل واستحق العقوبة.
الظُّلْمُ نَارٌ فَلا تَحْقِرْ صَغِيْرَتِهِ
لَعَلَّ جَذْوَةَ نَارٍ أَحْرَقَتْ بَلَدَا
стр. 1705
الثاني: أن يعدل مع نفسه وذلك بحملها على مَا فيه صلاحها وكفها عن القبائح ثم بالوقوف فِي أحوالها جور على أعدل الأمرين من تجاوز أو تقصير، فإن التجاوز فِي الأحوال جور على النفس والتقصير فيها ظلم لها لمنعها عن كمالها ومن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم ومن جار على نفسه فهو على غيره أجور، لأن من لَمْ يراع حقوق نفسه فعدم مراعاته حقوق غيره أولى وأحرى.
الثالث: عدل الإنسان فيمن دونه كالسلطان فِي رعيته والرئيس مع صحابته، وذلك بأمور: الأول إتباع الميسور لهم وترك المعسور وحذفه عنهم وترك التسليط والقهر بالقوة وابتغاء الحق فِي الميسور ويقيم العدل فيهم قريبهم وبعيدهم غنيهم وفقيرهم وأن يكونوا عنده فِي هذا سواء.
ولا يقصر شيئًا من واجبه مع رعيته ولا يهمل شيئًا يرقي أدانهم وعقولهم وأخلاقهم ويحفظ عليهم أموالهم ودمائهم وأعراضهم ويكون لهم مثلاً أعلى فِي معاملة بعضهم بعضًا بالعدل والإنصاف، فالحاكم كالقلب من الجسد إذا صَلح صلح الجسد، فإذا صلح الراعي صلحت الرعية وإذا فسد فسدت، فلهذا مسؤولية ولاة الأمور عظيمة فِي نظر الشريعة الإسلامية.
وَقَدْ حذر مِنْهَا النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا روي عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» . رواه مسلم، وحقها فِي نظر الدين أن يقوم بكل شيء فيه مصلحة للمحكومين.
стр. 1706
قال عمر ﵁: والله لو عثرت بغلة فِي العراق لوجدتني مسئولاً عنها، فقيل: لماذا يا أمير المؤمنين، فقال: لأنني مكلف بإصلاح الطريق. هذا مثال الحاكم العدل، ولهذا جعل الله له فضلاً عظيمًا وميزة كما سيأتي فِي الأحاديث.
وروي أن يهوديًا شكا عليًا إِلَى عمر فِي خلافته ﵄، فقال عمر لعلي بن أبي طالب: قف بجوار خصمك يا أبا الحسن، فوقف وَقَدْ علا وجهه الغضب فبعد أن قضى الخليفة بينهما بالعدل قال: أغضبت يا علي أن قلت لك قف بجوار خصمك؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، لكن من كونك كنيتني بأبي الحسن فخشيت من تعظيمك إياي أمام اليهودي أن يقول ضاع العدل بين المسلمين.
وجاء رجل إِلَى عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ رزقه وكان جنديًا من جنود المسلمين ولكنه كَانَ فِي الجاهلية قَدْ قتل أخًا لعمر بن الخطاب فلما رآه عمر اربد وجهه، وقال له: يا هذا إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم، فقال الرجل لعمر: أو مانعي ذلك عندك حقًّا من حقوق الله فقال عمر: اللهم لا.
فقال الرجل مَا يضيرني بغضك إياي إنما يأسى على الحب النساء. فقد عرف الرجل من ورع عمر ودينه أن شدة غضبه وغيضه وحنقه عليه وكراهية له لا تخرج به عن العدل إِلَى الظلم فهو لما علم من عدله وثقته بدينه أمن من بطشه.
ومما يجب عليه أن يستنيب لكل عمل الأكفأ الأمين وليحذر أن يولي عليهم رجلاً وفي رعيته خير مِنْه.
فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 1707
وسلم: «من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله مِنْه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» . رواه الحاكم.
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر الصديق ﵁ حين بعثني إِلَى الشام: يا يزيد أن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر مَا أخاف عليك بعد مَا قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله مِنْه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم» . رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعَلَى الإمام أن يوصي من استنابه بإقامة العدل ويحذرهم من الجور وظلم العباد فِي الدماء والأموال والأعراض، ويذكرهم حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده» .
ويتفقدهم فِي ذلك الأمر الذي هو أساس الصلاح الديني والدنيوي فلا يصلح الدين إلا بالعدل ولا تصلح الدنيا وتستقيم الأمور إلا على العدل.
وقال الشيخ تقي الدين أمور الناس تستقم فِي الدنيا مع العدل الذي فيه اشتراك فِي أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم فِي الحقوق وإن لَمْ تشترك فِي إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كَانَت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كَانَت مسلمة ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام، وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لَمْ يكن لصاحبها فِي الآخرة من خلاق. أ. هـ.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 1708
وسلم: «يوم من إمام عادل أفضل نمن عبادة ستين سنة وحد يقام فِي الأرض بحقه أزكى فيها من مطر أربعين صباحًا» . رواه الطبراني فِي الكبير والأوسط وإسناد الكبير حسن.
وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، ويا أبا هريرة جور ساعة فِي حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة» . وفي رواية: «عدل يوم واحد أفضل من عبادة ستين سنة» . رواه الأصبهاني.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحب الناس إِلَى الله يوم القيامة وأدناهم مِنْه مجلسًا إمام عادل، وأبغض الناس إِلَى الله تعالى وأبعدهم مجلسًا إمام جائر» . رواه الترمذي والطبراني فِي الأوسط مختصرًا، وعد ﷺ من السبعة الذين يظلهم الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله «إمام عادل» .
اللهم ارزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً ورزقًا واسعًا نستعين به على طاعتك، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وإيمانًا خالصًا، وهب لنا لإنابة المخلصين، وخشوع المخبتين، وأعمال الصالحين، ويقين الصادقين، وسعادة المتقين، ودرجات الفائزين، يا أفضل من رجي وقصد، وأكرم من سئل، واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ويجب على القضاء والحاكم بين الناس أن يتحروا العدل ويحكموا به بين الناس.
стр. 1709
وهم أهم ركن تقوم عليه سعادة المجتمع وينبني عليه أمن الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فإذا جار القاضي ولم يقسط اختل الظلم وسادت الفوضى، ولهذا إذا عم العدل استغنت الأمة عن المحاكم وقضاتها ومحاميها والوكلاء والسماسرة، وانقطع دابر شهداء الزور أعدمهم الله عن الوجود أو أصلحهم، فأكثر الحكام وظيفتهم إقامة العدل، فإذا وجد العدل فلا حاجة إليهم، وبذلك يتوفر على الأمة عدد كبير يشتغل فِي مصالح أخرى، ويتوفر مقدار كثير من المال.
ولهذا السلف تمر المدة الكثيرة على القاضي لا يأتيه خصوم، وإليك حكاية حال تاريخية تنطبق تمامًا على المتصفين بالصفات الحميدة والأخلاق الكريمة. عيَّن أبو بكر ﵁ عمر بن الخطاب قاضيًا على المدينة، فمكث عمر سنة لَمْ يختصم إليه اثنان فطلب من أبو بكر إعفاءه من القضاء فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟
فقال له عمر: لا يا خليفة رسول الله ولكن لا حجة لي عند قوم مؤمنين عرف كل مِنْهُمْ مَا له من حق فلم يطلب أكثر مِنْه وما عليه من واجب فلم يقصر فِي أدائه، أحب كل مِنْهُمْ لأخيه ما يحب لنفسه وإذا غاب أحدهم تفقدوه وإذا مرض عادوه إذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيهم يختصمون إذًا.
وبالتالي فقد عنيت الشريعة بالعدل فِي القضاء عنايتها بكل مَا هو دعامة لسعادة الحياة فأتت بالعظات البالغات تبشر من أقامه بعلو المنزلة وحسن العاقبة، وتحذر من انحراف عنه بالعذاب الأليم.
стр. 1710
فمن الآيات المنبهة لما فِي العدل من فضل وكرامة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فأمر بالعدل ونبه على أن الحاكم المقسط ينال خيرًا عظيمًا، هو محبة الله للعبد، وما بعد محبة الله إلا الحياة الطيبة فِي الدنيا والعيشة الراضية فِي الآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ومن الأحاديث الدالة على مَا يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله تعالى مَا ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فِي حكمهم وأهليهم وما ولوا» رواه مسلم والنسائي.
ففيه دليل على العناية بهم لكونهم عن يمينه جل وعلا ودليل على شدة قربهم مِنْه جل وعلا وفوزهم برضوانه وفي ذكر الرحمن تربية لقوة الرجاء والثقة بأن الحاكم العادل يجد من النعيم مَا تشتهيه نفسه وتلذ عينه قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ فالمقربون يحصل لهم من النعيم ما لا يحصل لغيرهم.
وَقَدْ وردت آيات وأحاديث تحذر من الجور فِي القضاء من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ .
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَا من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور» . رواه البزار والطبراني فِي الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح.
стр. 1711
وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة واحد فِي الجنة واثنان فِي النار فأما الذي فِي الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار فِي الحكم فهو فِي النار ورجل قضى للناس على جهل فهو فِي النار» . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
فالقاضي الممدوح فِي نظر الدين هو الذي يعرف الحق ويقضي به فإما معرفة الحق فإنها تحتاج إلى مجهود عظيم وبحث فِي كل الظروف والأحوال المحيطة بالخصوم وأما الحكم بالحق فإنه يحتاج إِلَى مجاهدة عظيمة حتى يبعد القاضي عن الميل ويتنزه عن التحيز إِلَى أقربائه وأصدقائه وأصهاره وجيرانه أو من بينهم وبينه رابطة، أو تجمعهم معه جامعة أو يكون له فِي الميل غرض يناله من مال أو منصب أو شهوة.
فالقاضي لا ينجو إلا إذا كَانَ كالميزان المنضبط فلا يميل مثقال ذرة إِلَى أحد الخصمين إلا بالحق ومن لَمْ يفعل ذلك فإنه يتحقق فيه قول النبي ﷺ : «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين» . على مَا فسره بعض العلماء من أن معناه أنه عرض نفسه للهلاك والعذاب الأليم وهذا أن لَمْ يقض بالحق.
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لَمْ يقض بين اثنين فِي تمرة قط» . رواه أحمد وابن حبان فِي صحيحه ولفظه قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدعى القاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب مَا يتمنى أنه لَمْ يقض بين اثنين فِي عمره قط» . والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 1712
(فَصْلٌ)
وكذلك العدل بين الأولاد والأقارب بالقيام بحقوقهم على اختلاف مراتبهم والقيام بصلتهم الواجبة والمستحبة به تتم الصلة وتقوى روابط المحبة والتعاطف، وبذلك يكسبون الشرف عند الله وعند خلقه وبه تنظر هذه البيوت التي قامت على ذلك بعين التقدير والتعظيم والإجلال.
وبذلك تحصل بإذن الله التكاتف والتساعد على مصالح الدنيا والدين وذلك راجع إِلَى العدل وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والمرأة راعية فِي بيت زوجها مسئولة عن رعيتها والخادم راع فِي مال سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته» . رواه البخاري ومسلم.
وأما المرأة فإنها مسئولة عن تدبير منزلها بما يوافق حال زوجها فلا ترهقه بالإنفاق ولا تطلب بطلب لا يقدر عليه ولا تخونه فِي عرضه ولا تفعل مَا يؤذيه وكذلك يجب عليها أن تعدل بين أبنائها فيما بين يديها من طعام وشراب فلا تفضل واحدًا على الآخر من غير حق بل تعطي كل واحد مَا يناسبه فلا تحرم من تبغض وتجزل العطاء لمن تحب فإن خانت زوجها فِي عرضها أو ماله أو آذته بعصيانها أو فضلت بعض أولادها على بعض كَانَت ظالمة تستحق العقاب.
وكذا الخادم والعامل مسئول عن العمل الذي وكل إليه وائتمن عليه فإذا أهمل العامل عملاً أو أداه ناقصًا فقد ظلم سيده واستحق العقاب وكذلك الخادم إذا خان سيده فِي ماله كَانَ كلفه بشرائه فزاد فِي ثمنه وأخذه لنفسه أو أهمل مساومة التاجر فغبه فِي السلعة أو رأى أحدًا يعتدي على مال سيده فلم يرده أو كلفه بالإنفاق على عمل فأسرف فيه بدون حق فانه يكون ظالمًا وآثمًا.
стр. 1713
ومن هؤلاء الصناع الذين يتعاقبون على عمل ثم لا يجيدون صنعه ويغشون الناس فإنهم ظالمون آثمون وكذلك النجارون والحدادون وسائر أهل الصنائع لأنهم مكلفون بالعدل فِي صنائعهم بان يجيدوها ولا يتركوا خللاً إلا أصلحوه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله سائل كل راع استرعاه حفظ أم ضيع» . رواه ابن حبان فِي صحيحه وجاء فِي ترك العدل بين الزوجات أحاديث تدل على خطورة ذلك مِنْهَا مَا ورد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كَانَت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط» . رواه الترمذي.
ورواه أبو داود ولفظه: «من كَانَت له امرأتان فمال إِلَى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» . ورواه النسائي ولفظه: «من كَانَت له امرأتان يميل إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل» . ورواه ابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه بنحو رواية النسائي هذه إلا أنهما قالا: «جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» . اللهم قو إيماننا بك وبكتبك وبملائكتك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. اللهم ثبتنا على قولك الثابت فِي الحياة الدنيا وفي الآخرة واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وإذا تتبعت سيرة الخلفاء الراشدين ومن اقتدى بهم وجدتهم يعدلون
стр. 1714
ويأمرون بالعدل بل مِنْهُمْ من يطلب بنفسه من الأمة أن تحاسبه على كل عمل وتصرف وتقومه فِي كل خطأ قَدْ يصدر مِنْه ما داموا مخلصين يبتغون وجه الله فِي حكمهم وسلطانهم.
فهذا أبو بكر ﵁ خليفة رسول الله ﷺ يأمر بالعدل يقول عندما استلم الحكم: فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني مَا أطعت الله ورسوله فيكم. ويقول أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁: من رأى منكم فِيَّ اعوجاجًا فليقومه.
وقال رجل لعمر: اتق الله يا عمر فأجابه أحد الحاضرين بقوله: أتقولون هذا لأمير المؤمنين ولكن عمر نهره بتلك الكلمة وقال: لا خير فيكم إن لَمْ تقولوها ولا خير فينا إن لَمْ نسمعها.
وفي مرة كَانَت جملة من غنائم المسلمين أبراد يمانية فقام عمر ﵁ يقسم هذه الغنائم بالعدل وَقَدْ أصابه مِنْهَا برد كما أصاب ابنه عبد الله مثل ذلك كأي رجل من المسلمين ولما كَانَ عمر بحاجة إِلَى ثوب طويل لأنه طويل الجسم تبرع له ابنه عبد الله ببرده ليصنع منهما ثوبًا يكفيه ثم وقف وعليه هذا الثوب الطويل يخطب فِي الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى على رسوله ﷺ : أيها الناس اسمعوا وأطيعوا. فوقف له سلمان الفارسي الصحابي المشهور الجليل فقال لعمر: لا سمع لك علينا ولا طاعة.
فقال عمر ﵁: ولم؟ قال سلمان: من أين لك هذا الثوب، وَقَدْ نالك برد واحد وأنت رجل طويل فقال: لا تعجل ونادى ابنه عبد الله فقال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ناشدتك الله البرد الذي اتزرت له اهو رداؤك؟ فقال: اللهم نعم. قال سلمان: الآن مر نسمع ونطيع.
стр. 1715
وخرج عمر بن الخطاب ﵁ من المسجد ومعه الجارود فإذا امرأة برزة على ظهر الطريق فسلم عليها فردت عليه أو سلمت عليه فرد عليها فقالت: هيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرًا فِي سوق عكاض تصارع الصبيان فلم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله فِي الرعية واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فبكى عمر ﵁.
فقال الجارود: هيه قَدْ اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه. فقال عمر: دعها أما تعرف هذه هي خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سمواته فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها.
وقام مرة خطيبًا فقال: إن رأيتم فِيَّ اعوجاجًا فقوموني. فقام رجل من الحاضرين وقال: والله لو وجدنا فيك اعوجاجًا لقومناه بسيوفنا فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فِي الرعية من يقوم اعوجاج عمر.
وكان ﵁ إذا التبست عليه بعض الأمور يشاور الصحابة وقال ﵁: مَا تشاور قوم قط إلا هدوا لرشدهم.
وقال لقمان لابنه يا بني شاور من جرب فإنه يعطيك من رأيه مَا أقام عليه بالغلاء وأنت تأخذه بالمجان.
وقال الحسن: الناس ثلاثة فرجل ورجل نصف رجل ورجل لا رجل، فأما الرجل فذو الرأي والمشورة وأما نصف الرجل فالذي له رأي ولا يشاور، وأما الرجل الذي ليس برجل فالذي لا رأي له ولا يشاور.
وقال ابن عيين كَانَ رسول الله ﷺ إذا أراد أمرًا شاور فيه الرجال وكيف يحتاج إِلَى مشاورة المخلوقين من الخالق مدبر أمره ولكنه تعليم مِنْه ليشاور الرجل الناس.
وقال لقمان لابنه يا بني إذا أردت أن تقطع أمرًا فلا تقطعه حتى تستشير مرشدًا.
شِعْرًا:
رُكُوبُكَ الأَمْرَ مَا لَمْ تَبْدُ مَصْلَحَةٌ ... جَهْلٌ وَرَأْيُكَ فِي الإِقْحَامَ تَغْرِيرُ
стр. 1716
.. فَاعْمَلِ صَوَبًا وَخُذْ بِالْحَزْمِ مَأْثَرَةً ... فَلَنْ يُذَمَّ لأَهْلِ الْحَزْمِ تَدْبِيرُ
وقال عمر ﵁: لا أمين إلا من يخشى الله فشاور فِي أمرك الذين يخشون الله.
شِعْرًا: ... إِذَا بَلَغَ الرَّأُي الْمَشُورَةَ فَاسْتَعِنْ
بِرِأْيِ نَصِيح أَوْ نَصِيحَةٍ حَازِمِ
وَلا تَجْعَلِ الشُّورَى عَلَيْكَ غَضَاضَةً
فَإِنْ الْخَوَافِي قَوةٌ لِلْقُوَادِمِ
آخر: ... شَاوِرْ سِوَاكَ إِذَا نَالِتْكَ نَائِبَةٌ ... يَوْمًا وَإِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْمَشُورَاتِ
فَالْعَيْنُ تُبْصِرُ فِيْهَا مَا دَنَا وَنَأَى ... وَلا تَرَى نَفْسَهَا إِلا بِمِرْآتِ
آخر: ... إِذَا عَنَّ أَمْرٌ فَاسْتَشِرْ فِيهِ صَاحِبًا
وَإِنْ كُنْتَ ذَا رَأْيٍ تُشِيرُ على الصُّحَبِ
فَإِنِي رَأَيْتُ الْعَيْنَ تَجْهَلُ نَفْسَهَا
وَتدْرِك مَا قَدْ حَلَّ فِي مَوْضِعِ الشُّهْبِ
وقال سليمان بن داود: يا بني لا تقطع أمرًا حتى تأمر مرشدًا فإذا فعلت فلا تحزن.
وفي كتاب الإمام علي ﵁ للأشتر النخعي لما ولاه على مصر: ولا تدخل فِي مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانًا يضعفك عن الأمور ولا حريصًا يزين لك الشر بالجور فإن البخل والحرص والجبن غرائز وشتى يجمعن سوء الظن بالله.
وعنه من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها فِي عقولها.
شِعْرًا: ... إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمٍَة
فَإِنَ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَدًّا
وَإِنْ كُنْتَ ذَا عَزْمٍ فَأَنْفَذْهُ عَاجِلاً
فَإِنْ فَسَادَ الْعَزْمِ أَنْ تَتَقَيَّدَا
стр. 1717
ولما بويع بالخلافة فِي اليوم الذي مات فيه أبو بكر بوصية من أبي بكر إليه هابه الناس هيبة شديدة حتى إنهم تركوا الجلوس فِي الأفنية فلما بلغه ذلك جمع الناس ثم قام على المنبر حيث كَانَ يقوم أبو بكر يضع قدميه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم صلى على النبي ﷺ .
ثم قال: بلغني أن الناس هابوا شدتي وخافوا غلظتي وقالوا: قَدْ كَانَ عمر يشتد علينا ورسول الله ﷺ حي بين أظهرنا ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا فكيف الآن وَقَدْ صارت الأمور إليه.
ولعمري من قال ذلك فقد صدق كنت مع رسول الله ﷺ فكنت عنده وخادمه حتى قبضه الله تعالى وهو راض والحمد لله وأنا أسعد الناس بذلك ثم ولي أمر الناس أبو بكر ﵁ فكنت خادمه وعونه أخلط شدتي بلينه فأكون سيفًا مسلولاً حتى يغمدني أو يدعني فما زلت معه كذلك حتى قبضه الله تعالى وهو عليَّ راض والحمد لله وأنا أسعد الناس بذلك.
ثم إني وليت هذا الأمر فاعلموا أن تلك الشدة قَدْ تضاعفت ولكنها تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين.
وأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لبعضهم من بعض ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا ويتعدى عليه حتى يضع خده على الأرض وأضع قدمي على الآخر حتى يذعن للحق.
وإلى هذا أشار الشاعر فِي قوله:
فِي طِيِّ شِدَّتِهِ أَسْرَارُ رَحْمَتِهِ
لِلْعَالَمِينَ وَلِكْن لَيْسَ يُفْشِيهَا
стр. 1718
وَبَيْنَ جَنْبَيِهِ فِي أَوْفَى صَرَامَتِهِ
فُؤَادُ وَالِدٍَة تَرْعَى ذَرَارِيهَا
أَغْنَتْ عِنْ الصَّارِمِ الْمَصْقُوِلِ دُرَّتُهُ
فَكَمْ أَخَافَتْ غَوَي النَّفْسِ عَاتِيهَا
وقال: ولكم عليَّ أيها الناس أن لا اخبأ عنكم شيئًا من خراجكم وإذا وقع عندي أن لا يخرج إلا بحقه ولكم عليَّ أن لا ألقيكم فِي المهالك وإذا غبتم فِي البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
وأخرج بن سعد عن الحسن قال: كتب عمر إِلَى حذيفة ﵄ أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم فكتب إليه قَدْ فعلنا ويبقى شيء كثير.
فكتب إليه عمر: إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر أقسمه بينهم.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن الحسن قال: كتب عمر بن الخطاب إِلَى أبي موسى ﵄: أما بعد فاعلم يومًا من السنة لا يبقى فِي بيت المال درهم حتى يكتسح حتى يعلم الله إني قَدْ أديت إِلَى كل ذي حق حقه.
وعند ابن عساكر عن سلمة بن سعيد قال: أتى عمر بن الخطاب بمال فقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين لو حبست من هذا المال فِي بيت المال لنائبه تكون أو أمر يحدث.
فقال كلمة مَا عرض بها إلا شيطان لقاني الله حجتها ووقاني فتنتها
стр. 1719
أعصي العام مخافة قابل أعد لهم تقوى الله قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ولتكون فتنة من بعدي.
وقال سعيد بن المسيب: توفي والله عمر ﵁ وزاد فِي الشدة فِي موضعها واللين فِي مواضعه وكان أبا العيال حتى إنه يمشي على المغيبات اللاتي غاب عنهن أزواجهن ويقول: ألكن حاجة حتى اشتري لكن فإني أكره أن تخدعن فِي البيع والشراء فيرسلن معه جواريهن.
فيدخل ومعه جواري النساء وغلمانهم ما لا يحصي فيشتري لهن حوائجهن فمن كَانَت ليس عندها شيء اشترى لها من عنده وكان يحمل حراب الدقيق على ظهره للأرامل والأيتام فقال بعضهم له: دعني احمل عنك. فقال عمر: ومن يحمل عني ذنوبي يوم القيامة.
ويروى أنه مر بنوق قَدْ بدت عليها آثار النعمة تهف ذراها فسأل عن صاحبها فقالوا: عبد الله بن عمر فساقها إِلَى بيت مال المسلمين ظنًّا مِنْه أن ثروة ابنه لا تفي لها وأنه لولا جاهه بين الناس مَا قدر على إطعامها.
وفي ذلك يقول الشاعر:
وَمَا وَفَى ابْنُكَ عَبْدُ اللهِ أَيْنُقُهُ
لَمَّا اطَّلَعْتَ عَلَيْهَا فِي مَرَاعِيهَا
رَأَيْتَهَا فِي حِمَاهُ وَهِي سَارِحَةٌ
مِثْلَ الْقُصُورَ قَدْ اهْتَزَّتْ أَعَالِيهَا
فَقُلَت مَا كَانَ عَبْدُ اللهِ يُشْبِعَهَا
لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَدِي أَوْ كَانَ يَرْوِيهَا
стр. 1720
قَدْ اسْتَعَانَ بَجَاهِي فِي تِجَارَتِهِ
وَبَاتَ بِاسْمِ أَبِي حِفْصٍ يُنَمِّيْهَا
رُدُّوا النِّيَاقَ لِبَيْتِ الْمَالِ إِنَّ لَهُ
حَقَّ الزِّيَادَةِ فِيهَا قَبْلَ َشارِيهَا
وَهَذَهِ خُطَّةٌ للهِ وَاضِعُهَا
رَدَتَ حُقُوقًا فَأْغْنَتَ مُسْتَميحِيهَا
وروي أن طلحة ﵁ خرج فِي ليلة مظلمة فرأى عمر ﵁ قَدْ دخل بيتًا ثم خرج فلما أصبح طلحة ذهب إِلَى ذلك البيت فإذا فيه عجوز عمياء مقعدة لا تقدر على المشي فقال لها طلحة: مَا بال هذا الرجل يأتيك. فقالت: إنه يتعاهدني من مدة كذا وكذا بما يصلحني ويخرج عني الأذى يعني القذر والنجاسة فرضي الله عنه أرضاه.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم ثبتنا على قولك الثابت وأيدنا بنصرك وارزقنا من فضلك ونجنا من عذابك يوم تبعث عبادك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
ولما رجع ﵁ من الشام إِلَى المدينة انفرد عن الناس ليتعرف ويتفقد أحوال رعيته فمر بعجوز فِي خباء لها فقصدها فقالت: يا هذا مَا فعل عمر؟ قال: قَدْ أقبل من الشام سالمًا. فقالت: لا جزاه الله خيرًا.
قال: ولم قالت لأنه والله مَا نالني من عطائه منذ تولى أمر المسلمين دينار
следующие страницы →