← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

آخر: ... بِذَيَّالِكَ الْمَنْزِلْ أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ ... بِذَيَّالِكَ الْمَنْزِلْ وَذَيَّاكَ مِنْ زُهْدِ وَلَكِنْ إِذَا مَا حَبَّ شَيْء تَوَلَّعَتْ ... بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ سَقَى اللهُ نَجْدًا وَالْقَصِيمَ أَخُصُّهُ ... سِحَابُ غَوَادٍ خَالِيَاتٍ مِنَ الرَعْدِ آخر: ... بِلادٌ بِهَا كُنَّا وَنَحْنُ نُحِبُّهَا ... إِذَا النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلادُ بِلادُ آخر من يهوى التنقل تبع المصالح الدنيوية: نَقْلِ رِكَابَكَ فِي الْفَلا ... وَدَعِ الْغَوَانِي فِي الْقُصُورْ لَوْلا التَّغَرُّبُ مَا ارْتَقَى ... درَرُ الْبُحُورِ إِلَى النُّحُورْ فَمُحَا لِفُوا أَوْطَانِهِمْ ... أَمْثَالُ سُكَّانِ الْقُبُورْ آخر: ... كُلُّ الْمَنَازِلِ وَالْبِلادِ عَزِيزَةً ... عِنْدِي وَلا كَمَوَاطِنِي وَبِلادِي آخر: ... مَا مِنْ غَرِيبٍ وَلَنْ أَبْدَى ... تَجَلَّدَهُ إِلا تَذَكَّر عِنْدَ الْغُرْبَةِ الْوَطَنَا آخر: ... إِنَّ الْوَدَاع مِنَ الأَحْبَابُ نَافلة ... لِلظَّاعِنِينَ إِذَا مَا يَمَّمُوا بَلَدَا وَلَسْتُ أَدْرِي إِذَا شَطَّ الْمَزَارُ بِهِمْ ... هَلْ تَجْمَعُ الدَّارُ أَمْ لا نَلْتَقِي أَبَدَا دَارُ سَكَنَا بِهَا مُذْ كَانَ نَشَأَتُنَا ... فِيهَا الْقَرِيبُ وَأَصْحَابُ لَنَا سَنَدَا آخر: ... كَمْ مَنْزِلٍ فِي الأَرْضِ يَأْلَفُه الفْتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لأَوَّلِ مَنْزِلِ آخر: ... وَلا تَيْأَسَا أَنْ يَجْمَع اللهَ بَيْنَنَا ... كَأَحْسَنِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ تَصَافِيَا فَقَدْ يَجْمَعُ اللهَ الشَّتْيتينِ بَعْدَمَا ... يَظُنَّانِ كُلُّ الظَّنِّ أَنْ لا تَلاقِيَا قال ابن عبد البر: ثلاث إذا كن فِي الرجل لَمْ يشك فِي عقله وفضله إذا حمده جاره وقرابته ورفيقه وإليك طرف فِي الحث على الإحسان إِلَى الجار والبعد عن أذيته. وَقَدْ جاء فِي الحديث النبوية التحذير من إيذاء الجار، والترغيب فِي الإحسان إليه، فعن ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه» . متفق عليه.

стр. 1647

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» . متفق عليه. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» . رواه مسلم. وفي رواية له عن أبي ذر قال إن خليلي ﷺ أوصاني: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم مِنْهَا بمعروف» . وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «مَا تقولون فِي الزنا» ؟ قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فهو حرام إِلَى يوم القيامة. قال فقال رسول الله ﷺ : «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره» . قال «مَا تقولون فِي السرقة» ؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أيسر عليه من أن يسرق من جاره» . رواه أحمد واللفظ له، ورواته ثقات والطبراني فِي الكبير والأوسط. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه» . رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وإسناد أحمد جيد. لِلْجَارِ حَقُّ إِذَا أَدَّيْتَ وَاجِبَهُ ... جَازَاكَ رَبُّكَ بِالإِحْسَانِ إِحْسَانَا فَأَوَّلْ بِالْخَيْرِ خَيْرًا وَاثْنِينَّ بِهِ ... وَإِنْ أَتَى سَبَّهُ جَازَيْتَ غُفْرَانَا آخر: ... وَاغْضُضْ جُفُونَكَ عَنْ عَوْرَاتِ مَنْزِلِهِ ... وَأَوْلِهِ مِنْكَ لُطْفًا حَيْثُمَا كَانَا جَارِي أَرَى حِفْظَهُ حَقًّا وَنُصْرَتَهُ ... فَلَسْتُ أُسْلِمُ جَارِي عَزَّ أَوْهَانَا إِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَنَا نَزَحَتْ ... فَأَنْتُمُوا فِي سُوَيْدَا الْقَلْبِ سُكَّانُ وَاللهِ مَا غَيَّرَتْنِي سَلْوةً عَرَضَتْ ... وَلا انْطَوَى لِي على الْهجْرَان جُثْمَانُ وَكَيْفَ أَنْسَاكُمْ وَالْقَلْبُ عِنْدَكُمْ ... وَفِي الْحَشَا مِنْكُمْ وَجْدَ وَأَشْجَانُ لا تَهْجُروا وَافِيًا يَرْعَى ذِمَامَكُمْ ... فَيَبْلُغُ الْغَرضَ الْحُسَّادُ لا كَانَوا

стр. 1648

قال بعضهم على لسان من فارقه من يألفه ويحبه: كََيْفَ السَّبِيلُ وَقَدْ شَطَّتْ بِنَا الدَّارُ ... أَمْ كَيْفَ أَصْبرُ وَالأَحْبَابُ قَدْ سَارُوا وَمَنْزِلُ الأُنْسُ أَضْحَى بَعْدَ سَاكِنِهِ ... مُسْتَوْحِشًا حِينَ غَابَتْ عَنْهُ أَقْمَارُ مَا كَانَ أَحْسَنَنَا وَالدَّارُ تَجْمَعُنَا ... وَالْعَيْشُ مُتَّصِلٌّ وَالْوَصْلُ مِدْرَارُ يَا سَاكِنِينَ بِقَلْبِي أَيْنَمَا رَحَلُوا ... وَرَاحِلِينَ بِقَلْبِي أَيْنَمَا سَارُوا غِبْتُمْ فَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا لِغَيْبَتِكُمْ ... وَضَاقَ مِنْ بَعْدِكُمْ رَحْبٌ وَأَقْطَارُ لَيْتَ الْغَرَابُ الَّذِي نَادَى بِفْرِقَتِكُمْ ... عَارٍ مِن الرِّيشِ لا تَحْوِيهِ أَوْكَارُ بَعْدَ النَّعِيمِ بَعُدْنَا عَنْ مَنَازِلِنَا ... وَبَعْدَ أَحْبَابِنَا شَطَّتْ بِنَا الدَّارُ وقال آخر: دَعُونِي على الأَحْبَابَ أَبْكِي وَأَنْدُبُ ... فَفِي الْقَلْبِ مِنْ نَارِ الْفُرَاقِ تَلَهُّبُ وَلا تَعْتِبُونِي إِنْ جَرَتْ أَدْمُعِي دَمًا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ فَارَقَ الإِلْفَ مَعْتَبُ دَعُونِي على الأَحْبَابَ أَبْكِي وَأَنْدُبُ ... فَفِي الْقَلْبِ مِنْ نَارِ الْفُرَاقِ تَلَهُّبُ وَلا تَعْتِبُونِي إِنْ جَرَتْ أَدْمُعِي دَمًا ... فَلَيْسَ لِقَلْبٍ فَارَقَ الإِلْفَ مَعْتَبُ لَقَدْ جَرَحَ التَّفْرِيقُ قَلْبِي بِنَبْلِهِ ... فَمِنْ دَمِّهِ دَمْعِي على الْخَدِّ يَسْكُبُ أَأَحْبَابُنَا مَا بِاخْتِيَارِي فُرَاقُكُمْ ... وَلَكِنْ قَضَاءَ اللهِ مَا مِنْه مَهْرَبُ وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَنَا ... وَسُرْعَةَ هَذَا الْبَيْنِ مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَجُولِ بِطَرْفِي بَعْدَكُمْ فِي دِيَارِكُمْ ... فَارْجَعْ وَالنِّيرَانِ فِي الْقَلْبِ تَلْهَبُ آخر: ... بَكَيْتُ عَلَى الأَحِبَّةِ حِينَ سَارُوا ... وَأَزْعَجَنِي الرَّحِيلُ فَلا قَرَارُ أُنَادِيهِمْ بِصَوْتِي أَيْنَ حَلُّوا ... وَفِي قَلْبِي مِنَ الأَشْوَاقِ نَارُ يَقُولُ لِي الْعَذُولُ وَقَدْ رَآنِي ... وَفِي حَالِي لِمَنْ عَشَقَ اعْتِبَارُ أَتَجْهَرُ مَنْ تُحِبُّ وَأَنْتَ جَارُ ... وَتَطْلُبُهُ وَقَدْ شَطَّ الْمَزَارُ وَتَبْكِي عِنْدَ فُرْقَتِهِ اشْتِيَاقا ... وَتَسْأَلُ فِي الْمَنَازِلِ أَيْنَ سَارُوا

стр. 1649

.. لِنَفْسِكَ لَمْ وَلا تَلم الْمَطَايَا ... وَمُتْ كَمَدًا فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذَارُ موعظة: عباد الله لقد تباعدت القلوب فِي هذا الزمان تباعدًا ينبغي أن يبكي له أشد البكاء، وأصبحنا بهذا التباعد لا أخاء بيننا، والسبب الوحيد فِي ذلك أن عشقنا الدنيا قضى نهائيًا على كل محبوب، وأصبح الهدف الوحيد هو الحصول عليها من أي طريق كَانَ، فالقلب واللسان والجوارح مشغولة ليلاً ونهارًا فِي طلب الدنيا، فهي المنتهى والمشتهى على حد قول الشاعر فيها وهي تلقب أم دفر والدفر النتن: أَبَى الْقَلْبُ إِلا أُمَّ دَفْرٍ كَمَا أَبَى ... سِوَى أُمَّ عَمْروٍ مُوجَعُ الْقَلْبِ هَائِمُ هِيَ الْمُنْتَهَى وَالْمَشْتَهَى وَمَعَ السُّهَى ... أَمَانِي مِنْهَا دُونُهُنَّ الْعَظَائِمُ وَلَمْ تَلْقَنَا إِلا وَفِينَا تَحَاسُدٌ ... عَلَيْهَا وَإِلا فِي الصُّدُورِ سَخَائِمُ آخر: ... نَعَمْ إِنَّهَا الدُّنْيَا إِلَى الْغَدْرِ دَعْوَةً ... أَجَابَ إِلَيْهَا عَالِمٌ وَجَهُولُ فَفَارَقَ عَمْرُو بن الزُّبَيْرِ شَقِيقَهُ ... وَخَلَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَقِيلُ آخر: ... عَجِبْتُ مِنَ الدُّنْيَا وَذَمِّي نَعِيمَهَا ... وَحُبِّي لَهَا فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ بَاطِنُ وَقَوْلِي أَعِذْنِي رَبِّ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ... وَأُكْلَفُ مِنْهَا بِالَّذِي هُوَ فَاتِنُ آخر: ... أَرَى أَشْقِيَاءَ النَّاسِ لا يَسْأَمُونَهَا ... عَلَى أَنَّهُمْ فِيهَا عُرَاةٌ وَجُوَّعُ أَرَاهَا وَإِنْ كَانَت تُحَبّ كَأَنَّهَا ... سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَرِيب تَقَشَّعُ آخر: ... لِسَانُكَ لِلدُّنْيَا عَدُوٌ مُشَاحِنٌ ... وَقَلْبُكَ فِيهَا لِلسَانِ مُبَايِنُ وَمَا ضَرَّهَا مَا كَانَ مِنْكَ وَقَدْ صَفَا ... لَهَا مِنْكَ وَدٌ فِي فَؤُادِكَ كَامِنُ فللدنيا يعق الولد أباه ويقاطع أخاه، وهو يعرف تمامًا أنه شقيقه وللدنيا المشاغبات بين الجيران والمتعاملين فللدنيا مكانة اليوم أنست الخلق خالقهم ورازقهم فإن حضروا للصلاة فالأبدان حاضرة والقلوب مع الدنيا، فعلت الدنيا بالناس اليوم أفاعيل كنت تخطر على البال، ومن أجل الدنيا ترى الخلق فِي قلاقل وأهوال. زر المحاكم وانظر ترى العجب العجاب، كل ذلك وأعظم مِنْه

стр. 1650

سببه حب الدنيا والانهماك فيها فأين نحن من سلفنا الصالح الذين قال الله تعالى فِي وصفهم: ﴿أَشِدَّاء على الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ فانظر شهادة الله لهم أنهم رحماء بينهم وهل تقتضي الرحمة إلا عطفًا مِنْهُمْ على إخوانهم وإحسانًا، وانظر إِلَى قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ هكذا يكون المؤمنين، لذلك كَانَت هيبتهم فِي نفوس أعدائهم ترتعد مِنْهَا فرائض الشجعان وكانوا سادة الدنيا يشهد بذلك العدو قبل الصديق، فإن كنت فِي شك مما ذكرنا لك فانظر إلى مَا ذكره المحققون من المؤرخين. اللهم اجمع قلوب المؤمنين على محبتك وطاعتك، وأزل عنهم مَا حدث من المنكرات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» . قلت: يا رسول الله وما بوائقه؟ قال: «غشمه وظلمه ولا يكسب مالا ًمن حرام فينفق مِنْه فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيقبل مِنْه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كَانَ زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ

стр. 1651

ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبث لا يمحو الخبيث» . رواه أحمد. وعن أبي جحيفة ﵁ قال: جاء رجل إِلَى رسول الله ﷺ يشكو جاره قال: «أطرح متاعك على الطريق» . فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إِلَى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقيت من الناس، قال: «وما لقيت مِنْهُمْ» ؟ قال: يلعنوني. قال: «قَدْ لعنك الله قبل الناس» . فقال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إِلَى النبي ﷺ فقال: «ارفع متاعك فقد كفيت» . رواه الطبراني، والبزار بإسناد حسن بنحوه إلا أنه قال: «ضع متاعك على الطريق» . فوضعه فكان كل من مر به قال: مَا شأنك قال: جاري يؤذيني، قال: فيدعون عليه، فجاء جاره فقال: رد متاعك فإني لا أؤذيك أبدَا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إِلَى رسول الله ﷺ يشكو جاره فقال: «اذهب فاصبر» . فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: «اذهب فاطرح متاعك فِي الطريق» . ففعل فجعل الناس يمرونه ويسألونه فيخبرهم خبر جاره، فجعلوا يلعنونه، فعل الله به وفعل، وبعضهم يدعو عليه، فجاء إليه جاره، فقال: ارجع فإنك لن ترى مني شيئًا تكرهه. رواه أبو داود واللفظ له وابن حبان فِي صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وعن مطرف بن عبد الله قال: كَانَ يبلغني عنك حديث وكنت أشتهي لقائك قال: لله أبوك قَدْ لقيتني فهات. قلت: حديث بلغني أن رسول الله ﷺ حدثك، قال: «إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة» . قال فلا أخالني أكذب على رسول الله ﷺ .

стр. 1652

قال: فقلت فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله قال: رجل غزَا فِي سبيل الله صابرًا محتسبًا فقاتل حتى قتل وأنتم تجدونه عندكم فِي كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ . قلت: ومن؟ قال: (ورجل كَانَ له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت) . فذكر الحديث رواه أحمد والطبراني واللفظ له وإسناده واحد إسنادي أحمد رجالهما محتج بهم فِي الصحيح ورواه الحاكم وغيره بنحوه وقال: صحيح على شرط مسلم. وعن نافع بن الحارث ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سعادة المرء الجار الصالح والمركب الهني والمسكن الواسع» . رواه أحمد ورواته رواة الصحيح. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهني. وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق» . رواه ابن حبان فِي صحيحه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله أن فلانة تكثر من وصلاتها وصدقتها وصيامها غير إنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: «هي فِي النار» . قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي فِي الجنة» . رواه أحمد والبزار وابن حبان فِي صحيحه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح أيضًا ولفظه وهو لفظ

стр. 1653

بعضهم قالوا: يا رسول الله فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل وتؤذي جيرانها، قال: «هي فِي النار» . قالوا: يا رسول الله فلانة تصلي المكتوبات وتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال: «هي فِي الجنة» . وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من الفواقر، إمام إن أحسنت لَمْ يشكر وإن أسأت لَمْ يغفر، وجار سوء إن رأى خيرًا دفنه، وإن رأى شرًّا أذاعه، وامرأة إن حضرت آذتك وإن غبت عنها خانتك» . رواه الطبراني بإسناد لا بأس به. وفي حديث أنس: «اثنان لا ينظر الله إليهما يوم القيامة قاطع رحم وجار سوء» . وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (موعظة) عباد الله لقد كَانَ سلفنا فِي محبة بعضهم بعضًا آية من الآبيات وكان التراحم بينهم بالغًا مبلغًا يعده أهل الإنصاف غاية الغايات لذلك كَانَوا فِي محبة الخير لبعضهم على أرقى مَا يتصور فِي الدرجات. وهل يتصور أن يكون فِي أشد الجوع ويؤثر أخاه بماله من طعام عاملين بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ على حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ وبقوله ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مَا يحب لنفسه» . وإن الخجل ونحن إذا فتشنا ثم فتشنا لا نجد قلبين مع بعضهما معية الإخاء التام يكون الجار فِي نهاية الفقر ولا يلتفت إليه جاره المثري وينزل

стр. 1654

بالأخ الشقيق أو العم الشقيق أو نحوهما مَا ينزل من الكوارث ولا أثر لنزولها عند أخيه ولا كَأنَه يرى تلك المصائب الفادحة ولعلك منتظر الجواب مَا هو السبب فِي ذلك فألق سمعك وأحضر قلبك. فأقول: لكل الناس اليوم شغل واحد هو المال شغلهم عما عداه وأنساهم كل مَا سواه ملأ القلوب حب هذا المال حتى لَمْ يبق فِي القلوب متسع لسواه فمن أجله تستباح الأعراض ومن أجله تراق الدماء ومن أجله يكون الصفا والمعاداة هو القطب الذي تدور حوله أفعال العباد فِي هذا الزمان. فالقلوب فِي سرور مَا دام المال سالمًا وإن انهار بناء الشرف والدين والنفوس فِي هدوء وطمأنينة مَا ابتعد عن المال فإذا قرب حوله هاجوا هيجان الجمال وهم فِي تواصل مَا لَمْ يتعرض للمال فإذا تعرض له انقطعت الصلات حتى بين الأقربين من آباء وأمهات وأولاد وإخوان. وهذا من ثمرات البخل قال بعضهم: البخيل يستعجل الفقر الذي هرب مِنْه ويفوته الغنى الذي يطلبه فيعيش فِي الدنيا عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء فالبخيل هو الوحيد الذي يستبشر ورثته بمرضه وموته وتجده ليله ونهاره مستغرق فِي جمع المال لا يفتر خوفًا من الفقر وهذا هو الفقر كما قيل: وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ ... مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ آخر: ... يُفْنِي الْبَخِيلُ بِجَمْعِ الْمَالِ مُدَّتَهُ ... وَلِلْحَوَادِثِ وَالْوُرَّاثِ مَا يَدَعُ كَدُودَةِ الْقِزِّ مَا تَبْنِييهِ يَهْدِمُهَا ... وَغَيْرِهَا بِالَّذِي تَبْنِيهِ يَنْتَفِعُ آخر: وَذِي حِرْصٍ تَرَاهُ يُلِمُّ وَفْرًا ... لِوَارِثِهِ وَيَدْفَعُ عَنْ حِمَاهُ كَكَلْبِ الصَّيْدِ يَمْسِكَ وَهُوَ طَاوٍ ... فَرِيسَتَهُ لِيَأْكُلَهَا سِوَاهُ

стр. 1655

أما علم هؤلاء أن المال الذي كَانَ بأيدينا كَانَ قبلنا بيد إخواننا فِي الإنسانية الذين سبقونا إِلَى الدنيا ثم انتقل على من بعدهم من جيل إِلَى جيل إِلَى أن وصل سعد به صرفه مراضي الله وشقي به من صرفه فِي مَا يغضب الله. ولعلك يا أخي تتكدر إذا علمت أنه سينتقل عنك فِي أسرع وقت فلا تفزع ولا تتكدر ووطن نفسك وأعلم أنك والله ميت وموروث عنك مَا جمعت ومنعت رغم أنفك يتمتع به ذلك الوارث العاق أو البار وأنت تسأل عنه هللة وقرشًا قرشًا. وتكون النتيجة إن كنت جموعًا منوعًا شقاءً تستغيث فلا تغاث وتتمنى لو كَانَت الدنيا بيدك وافتديت نفسك بها تكون النتيجة ذلك إن كنت من المغرورين الغافلين الذين ظنوا أن السعادة كلها تيسير جمع المال وتكديسه عندك آلافًا وملايين وعمائر وفلل وأراضي وبيوت كدأب أهل هذا العصر الغافل المظلم بالمعاصي والبدع والمنكرات. الذي اعتاض أهله عن كتاب الله وسنة رسوله العكوف على الجرائد حمالة الكذب والمجلات الخليعات والكتب الهدامات والجلوس حول الملاهي والمنكرات فسوف تندم وتتحسر حينما ينكشف عنك الغطا ويتبين لك ذلك الخطأ وتتمنى أنك أمضيت أوقاتك فِي طاعة مولاك وهيهات أن يحصل لك مناك ذهب الأوان وبقي الندم والحرمان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ﴾ . لقد أنسى حب هذا المال مَا لهم من شرف ومروءة ودين

стр. 1656

وجعلهم حول حطام الدنيا كما وصفهم الشافعي ﵀: وَمَا هِيَ إِلا جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجْتِذَابُهَا فَإِنْ تَجْتَنِبْهَا كُنْتُ سِلْمًا لأَهْلِهَا ... وَإِنْ تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلابُهَا أما علموا أن المال من خدم الدين فإذا تجاوز ذلك كَانَ نكبة على أصحابه وكذاك الأولاد إن كَانَوا غير صالحين فهم ضرر على أبيهم وعَلَى أنفسهم وكذلك الزوجة ولذلك ورد عن داود ﵇ أنه كَانَ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء ومن مال يكون عليَّ عذابًا ومن ولد يكون وبالاً ومن زوجة تشيبني قبل المشيب ومن خليل ماكر عينه ترعاني وقلبه يشناني إن رأى خيرًا أخفاه وان رأى شرًا أفشاه) . وقيل إنه سئل عيسى ﵇ عن المال فقال: لا خير فيه. قيل: ولم يا نبي الله؟ قال: لأنه يجمع من غير حل. قيل: فإن جمع من حل؟ قال: لا يؤدى حقه. قيل: فإن أدى حقه؟ قال: لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء. قيل: فإن سلم؟ قال: يشغله عن ذكر الله. قيل: فإن لَمْ يشغله. قال: يطيل عليه حسابه يوم القيامة. فتأمل هذه العقبات الخمس وقليل من يتجاوزها سالمًا وورد عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال: كَانَ بين عمار بن ياسر وبين رجل كلام فِي المسجد فقال عمار: أسأل الله تعالى إن كنت كاذبًا أن لا يميتك حتى يكثر مالك وولدك ويوطئ عقبك. وورد عن حذيفة قال رسول الله ﷺ : «خياركم فِي المائتين كل خفيف الحاذ» . قالوا: يا رسول الله وما الخفيف الحاذ؟ قال: «الذي لا أهل له ولا ولد» . شِعْرًا: ... يَقُولُ الَّذِي يَرْجُو مِنَ اللهِ عَفْوَُه وَيَرْجُوهُ نَصْرًا عَاجِلاً غَيْرَ آجِلِ لِمَنْ يَتَّقِي الْمَوْلَى وَيَرْجُو لِقَاءَهُ وَعَمَّا يَقُولُ النَّاسُ لَيْسَ بِسَائِلِ

стр. 1657

أَقُولُ بِحَمْدِ اللهِ قَوْلاً مُنَقَّحًا وَلَوْ أَنَّ فَهْمِي قَاصِر فِي الْمَسَائِلِ عَلَيْهِ مِنْ النَّصِّ الصَّرِيحِ شَوَاهِدٌ إِذَا قُلْتُهُ يَهْوِي لَهُ كُلَّ عَاقِلِ أَسِرُّ بِمَا بِي وَالْعُيُونُ عَوَابِرٌ بِدَمْعٍ على الْخَدَّيْنِ ثَجًّا بِوَابِلِ وَفِي مُدَّعِي الإِسْلامِ قَلْبِي كََأَنَّهُ عَلَى الْمُهْلِ مِنْهُمْ لَيْسَ عَنْهُمْ بِذَاهِلِ فَمَا بَيْنَ دَهْرِي وَمَا بَيْنَ مُشْرِكٍ وَلَمْ يَعْرِفِ الإِسْلامَ غَيْرُ الْقَلائِلِ وَلَوْ بَذَلُوا الأَمْوَالَ نَفْلاً لِرَبِّنَا إِذَا الْفَرْضُ ضَاعَ لا غِنَى بِالنَّوَافِلِ تَرَكْنَا الْكِتَابَ وَالْحَدِيثَ وَرَاءَنَا لأَجْلِ مَجَلاتٍ أَتَتْ بِالتَّهَازُلِ لَقَدْ حَصَّلَ الْمَقْصُودَ مِنَّا عَدُوَّنَا وَمَقْصُودُنَا مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِحَاصِلِ مَشَيْنَا جَمِيعًا فِي فَسَادِ صَلاحِنَا وَرُمْنَا مَرَامًا خَاسِرًا غَيْرَ طَائِلِ وَتَسْتَعْجِبُ الأَعْدَاءُ مِنَّا لأَنَّنَا كَمِثْلِ الْقَطَا تَصْطَادُنَا بِالْحَبَائِلِ أَحَاطَتْ بِنَا الأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَأَنَّا طَعَامٌ قَدَّمُوهُ لآكِلِ ج

стр. 1658

وَصَارُوا بِحَارًا يُغْرِقُ الْفُلْكَ مَوْجُهَا وَنَحْنُ لَهُمْ صِرْنَا كَمِثْلِ الْجَدَاوِلِ وَنَخْتَرِعُ الأَعْدَاءِ لِلْحَرْبِ قُوَّةً وَقَدْ هَدَّدَتْ مَنْ لَمْ يُطِعُ بِالْقَنَابِلِ وَلَيْسَ لَنَا مِنَّا زَعِيمٌ مُصَادِمٌ أَتَتْ تَتَمَطَّى مَا لَهَا مِنْ مُقَابِلِ وَنَحْنَ هَبَطْنَا لِلتُّرَابِ تَوَاضُعًا نُرِيدُ نَجَاحًا مِنْ خَفِيفِ الْقَسَاطِلِ (فَتَبًّا لِعَبْدٍ الدَّنَانِيرِ كُلُّهُمْ وَتَبًّا لِخَبٍّ جَاهِلٍ مُتَعَاقِلِ) وَتَبًّا لِقَوْمٍ عَزَّ فِيهِمْ سَفِيهُهُمْ وَصَارَ ذَلِيلاً عِنْدَهُمْ كُلُ فَاضِلِ وَمِنْ أَعْظَمِ الْخُسْرَانِ عِزُّ عَدُوِّهِمْ وَذُلِّهُمْ مِنْ بَعْدَ عِزِّ الأَوَائِلِ فَيَا لَيْتَ لِلإِسْلامِ فِي الْحَالِ شَوْكَةً ذُووا نَجْدَةٍ يَخْشَاهُمُ كُلَّ جَاهِلِ رِجَالٌ يَرَوْنَ الْمَوْتَ مَجْدًا وَجَنَّةً عَنِ الذُّلِّ مِنْ فِعْلِ الصُّقُورِ الْحِلاحِلِ تَذُودُ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ بِسَيْفِهَا وَمِنْ أَرْضِهَا تَنْفِي جَمِيعَ الأَرَاذِلِ اللهم اختم بالسعادة آجالنا وحقق بالزيادة أعمالنا واقرن بالعافية غدونا

стр. 1659

وآصالنا واجعل إِلَى رحمتك مصيرنا ومآلنا واصبب سجال عفوك على ذنوبنا ومن بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينك اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادنا إلهنا ثبتنا على نهج الاستقامة وأعذنا من موجبات الندامة يوم القيامة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ومما حث الشارع عليه وهو من سنن المرسلين إكرام الضيف قال الله تعالى عن الخليل ﵇: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ . ويذكر أنه كَانَ لا يأكل طعامه إلا مع ضيف وإن لَمْ يأته أحد خرج يلتمس ضيفَا وقال ﷺ : «من كَانَ يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» . ورغب فيها ﷺ وقال: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان وقرى الضيف دخل الجنة» . وقال ﷺ لعبد بن عمرو ﵄: «فإن لجسدك عليك حقَّا وإن لعينك عليك حقَّا وإن لزورك عليك حقَّا» . والحديث رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إِلَى النبي ﷺ فقال: إني مجهود فأرسل إِلَى بعض نسائه فقالت: لا والذي بعثك بالحق مَا عندي إلا ماء ثم أرسل إِلَى الأخرى فقالت: مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق مَا عندي إلا ماء.

стр. 1660

فقال: «من يضيف هذا الليلة ﵀» . فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إِلَى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني قال: فعلليهم بشيء فإذا أرادوا العشاء فنوميهم فإذا دخل ضيفا فأطفئي السراج ورأيه أنا نأكل. وفي رواية فإذا أهوى ليأكل فقومي إِلَى السراج حتى تطفئيه قال: فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين فلما أصبح غدا على رسول الله ﷺ فقال: «قَدْ عجب الله من صنيعكما بضيفكما» . زاد فِي رواية فنزلت هذه الآية ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . وعن أبي شريح خويلد بن عمرو ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كَانَ يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كَانَ بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» . رواه مالك والبخاري ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه» . رواه أحمد ورواته ثقات والحاكم. وعن شهاب بن عباد أنه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله ﷺ فاشتد فرحهم فلما انتهينا إِلَى القوم أوسعوا لنا فرحب بنا رسول الله ﷺ ودعا لنا. ثم نظر إلينا فقال: «من سيدكم وزعيمكم» . فأشرنا جميع إِلَى المنذر بن عائد فقال النبي ﷺ : «أهذا الأشج فكان أول يوم وضع عليه الاسم لضربة كَانَت فِي وجهه بحافر حمار» . قلنا: نعم يا رسول الله فتخلف بعد القوم فعقل رواحلهم وضم متاعهم.

стр. 1661

ثم أخرج عيبته فألقى عنه ثياب السفر ولبس من صالح ثيابه ثم أقبل إِلَى النبي ﷺ وَقَدْ بسط النبي ﷺ رجله واتكأ فلما دنا مِنْه الأشج أوسع القوم له وقالوا: ها هنا يا أشج فقال النبي ﷺ واستوى قاعدًا وقبض رجله: «ها هنا يا أشج» . فقعد عن يمين رسول الله ﷺ فرحب به وألطفه وسأله عن بلادهم وسمى لهم قرية الصفا والمشقر وغير ذلك من قرى هجر. فقال: بأبي وأمي يا رسول الله لأنت أعلم بأسماء قرانا منا فقال: «إني وطئت بلادكم وفسح لي فيها» ثم أقبل على الأنصار فقال: «يا معشر الأنصار أكروما إخوانكم أشباهكم فِي الإسلام شيء بكم أشعارًا وأبشارًا أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين إذ أبى قوم أن يسلموا حتى قتلوا» . قال: فلما أصبحوا قال: «كيف رأيتم كرامة إخوانكم وضيافتهم إياكم» . قالوا: خير إخوان ألانوا فرشنا وأطابوا مطعمنا وباتوا وأصبحوا يعلمونا كتاب ربنا ﵎ وسنة نبينا محمد ﷺ فأعجب النبي ﷺ وفرح. رواه أحمد بإسناد صحيح. وإكرام الضيف يكون بحسن استقباله ويقابله بوجه ويهش به ويبش ويرحب به ويؤهل ويظهر له من السرور مَا تطيب به نفسه ويطمئن به قلبه من حسن حديث مما يناسب حاله ومقامه وابتسام ومداعبة فِي حشمه واحترام وقديمًا قيل: إِذَا الْمَرْءُ وَافَى مَنْزلاً لَكَ قَاصِدًا ... قَرَاكَ وَأَرْمَتْهُ لَدَيْكَ الْمَسَالِكُ فَكُنْ بَاسِمًا فِي وَجْهِهِ مُتَهَلِّلاً ... وَقُلْ مَرْحَبًا أَهْلاً وَيَوْمٌ مُبَارَكُ وَقَدِّمْ لَهُ مَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الْقِرَا ... عَجُولاً وَلا تَبْخَلْ بِمَا هُوَ هَالِكُ فَقَدْ قِيلَ بَيْتٌ سَالِفٌ مُتَقَدِّمٌ ... تَدَاوَلَهُ زَيْدٌ وَعَمْرُو وَمَالِكُ (بَشَاشَةُ وَجْهِ الْمَرْءِ خَيْرَ مِنْ الْقِرَا ... فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي بِهِ وَهُوَ ضَاحِكُ)

стр. 1662

ج آخر: ... أَمِتْ ذِكْرَ مَعْرُوفٍ تُرِيدُ حَيَاتُهُ ... فَإِحْيَاؤُهُ حَقًّا أَمَانَةُ ذِكْرِهِ وَصَغِّرْهُ يَعْظُمْ فِي النُّفُوسِ مَحَلُّهُ ... فَتَصْغِيرُهُ فِي النَّاسِ تَعْظِيمٌ قَدْرِهِ آخر: ... وَمَا لِي وَجْهٌ فِي اللِّئَامِ وَلا يَدٌ ... وَلَكِنَّ وَجْهِي لِلْكَرِيمِ عَرِيضُ أَحِنُّ إِذَا لاقَيْتُهُمْ وَكَأَنَّنِي ... إِذَا أَنَا لاقَيْتَ اللَّئِيمَ مَرِيضُ آخر: ... وَمَا اكْتَسَبَ الْمَحَامِدَ طَالِبُوهَا ... بِمِثْلِ الْبِشْرِ وَالْوَجْهِ الطَّلِيقِ آخر: ... وَمَا اكْتَسَبَ الْمَعَالِي طَالِبُوهَا ... بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ الْجَلِيلُ آخر: ... أَخُو الْبِشْرِ مَحْمُودٌ على حُسْنِ بِشْرِهِ ... وَلَنْ يَعْدِمِ الْبَغْضَاءَ مَنْ كَانَ عَابِسَا آخر: ... يَقُولُونَ لِي هَلْ لِلْمَكَارِمِ وَالْعُلَى ... قَوَامٌ فَفِيهِ لَوْ عَلِمَتَ دَوَامُهَا فَقُلْتُ لَهُمْ قَوْلاً صَحِيحًا مُحَقَّقًا ... نَعَمْ طَاعَةُ الرَّحْمَنِ فَهِي قَوَامُهَا آخر: ... لا يُدْرِكُ الْمَجْدُ مَنْ لَمْ يُخْلِصِ الْعَمَلا ... لِخَالِقِ ذِي الْفَضْل الَّذِي شَمَلا وَلا يَنَالُ الْعُلا إِلا الَّذِي شَرُفَتْ ... أَخْلاقُهُ وَلأَمْرِ اللهِ مُمْتَثِلا آخر: ... جِيء بِالسَّمَاحِ إِذَا مَا جِئْتَ فِي غَرَض ... فَفِي الْعُبُوسِ لَدَى الْحَاجَاتِ تَصْعِيبُ سَمَاحَةُ الْمَرْءِ تُنْبِي عَنْ فَضِيلَتِهِ ... فَلا يَكُنْ لَكَ مَهْمَا اسْتَطَعْتَ تَقْطِيبُ آخر: ... أُضَاحِكُ ضَيْفِي قَبْلَ إِنْزَالِ رَحْلِهِ ... وَيُخْصِبُ عِنْدِي وَالْمَحَلُّ جَدِيبُ وَمَا الْخَصْبِ لِلأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ الْقُرَى ... وَلَكِنَّمَا وَجْهُ الْكَرِيمِ خَصِيبُ ولا يريه من فقره وسوء حاله وقلة ذات اليد فإنه ربما ضاق بذلك ذرعًا ويتنكد عليه المقام ويتكدر لتلك الشكوى ثم إن كَانَ عاقلاً صاحب دين رَقَّ

стр. 1663

له ورحمة وقدم مَا عنده له وانعكست المسألة فأصبح ضيفًا عليه صاحب المنزل بعد أن كَانَ ضيفًا له. وإن كَانَ جاهلاً غير دين شتمك وذمك وخرج من عندك ساخطًا يقول: مَا لا ينبغي وينسب إليك أشياء ربما أنك بريء مِنْهَا ولا تحتقر مَا عندك بل قدم له مَا تيسر من الطعام والشراب كما هي طريقة السلف الصالح ﵃ فإنهم كَانَوا يقدمون للضيف ولو كَانَ شيئا يسيرًا ويقولون: هو أحسن من العدم. وَقَدْ دخل ضيف على عمر بن عبد العزيز ﵁ فقدم له نصف رغيف ونصف خيارة وقال له: كل فإن الحلال فِي هذا الزمان لا يحتمل السرف. وأخرج سلمان ﵁ إِلَى ضيف خبزًا وملحًا وقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف لتكلفت لك. وقال إبراهيم النخعي ﵁: إن الإنسان لا يبخل بما تيسر ظانًا أنه لا يليق بضيفه وأنها لا تتم الضيافة به وأنه لا يذكر معه بخير فخير له أن يقال: جاد بما لديه. من أن يقال فيه: أغلق بابه وغيب وجهه عن ضيف نزل به. وفي الحديث عن جابر بن عبد الله ﵁ دخل عليه نفر من أصحاب النبي ﷺ فقدم إليهم خبزًا وخلاً فقال: كلوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم الإدام الخل» . إنه هلاك بالرجل أن يدخل إليه النفر من إخوانه فيحتقر مَا فِي بيته أن يقدمه إليهم وهلاك بالقوم أن يحتقروا مَا قدم إليهم وفي رواية: كفى بالمرء شرًا أن يحتقر مَا قدم إليهم. وفي رواية: كفى بالمرء شرًا أن يحتقر مَا قدم إليه. ولا ينبغي أن يستأثر بخير مَا عنده من البر واللحم والسمن والعسل والفاكهة ونحو ذلك ويقدم لضيفه الرديء والجاف والناشف أو مَا يكرهه هو وأهله من رديء الطعام والشراب ولا يجب عليه إنزال الضيف فِي بيته لما فيه

стр. 1664

من الحرج والمشقة إلا أن لا يجد الضيف مسجدًا ولا رباطًا ولا محلا فيه ولا يخاف مِنْه ضررًا على نفسه أو ماله أو أهله فليلزم إنزاله فِي بيته للضرورة فإن خاف فلا يلزمه. ويجوز للضيف الشرب من كوز صاحب البيت والاتكاء على وسادة موضوعة وقضاء حاجته فِي الصهروج أو الكنيف من غير استئذان بالفظ لأنه مأذون فيه عرفَا كقرع الباب عليه هذا إذ كَانَ قريبًا من محل الضيف وإلا فلا بد من تنبيه. شِعْرًا: وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... يُلاقِي كَمَا لاقَى مُجِيرُ أُمُّ عَامِرِ سَقَاهَا وَرَوَّاهَا فَلَمَّا تَضَلَّعَتْ ... فَرَتْهُ بِأَنْيَابٍ لَهَا وَأَظَافِرِ فَقُلْ لِذَوِي الْمَعْرُوفِ هَذَا جَزَاءُ مَنْ ... يُوَصِّلُ مَعْرُوفًا إِلَى غَيْرِ شَاكِرِ والله أعلم وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) وينبغي أن يخرج مع الضيف إذا خرج ويدخل معه إذ دخل ويحفظ له دابته ومتاعه ويقضي له حاجته ويحمل معه مَا يشريه لنفسه ويسعى فِي تسهيل الطريق له مَا أمكن من مساعدته على رخصة أمتعته وجواز سفر ونحوه. وينبغي للضيف أن يكون خفيف النفس لطيفًا يفهم بالإشارة، يباشر أعماله بنفسه ولا يكلف مضيفه ويشغله عن شئونه ولا يكلفه فوق طاقته ولا يتأفف ويتكره من طعام قدم إليه ولا يترفع عن مكان أعد له وأنزل فيه ولا يعيب شيئًا مما يراه ويغض بصره ويكف سمعه ولا يتجسس أخبار أهل البيت ولا يتحكم بالحاشية ولأطفال والخدم. ولا يطيل الإقامة حتى يحرج صاحب المنزل كما يفعله الثقلاء ولا يقول

стр. 1665

إلا خيرًا ولا يفعل إلا فعل الكرام الذين يشكرون الصنيع ويكافئون على الإحسان وعَلَى المضيف أن يحتسب الأجر من الله على فعله المعروف ويغتنم مثل هذه الأعمال ولا يأل جهدًا فِي اصطناع المعروف مهما أمكنه ذلك فقد قال ﷺ : «صناع المعروف تقي مصارع السوء» . وقال علي ﵁: لا يزهدك فِي المعروف كفر من كفره فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر وقال الشاعر: مَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ لا يَعْدَمُ جَوَازِيَهُ ... لا يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسُ آخر: ... إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكَ إِحْسَانٌ تَجُودُ بِهِ ... فَجُدْ بِجَاهِكَ إِنَّ الْجَاهَ إِحْسَانُ آخر: ... وَمَا نِعْمَةٌ مَشْكُورَةٌ قَدْ صَنَعْتُهَا ... إِلَى غَيْرِ ذِي شُكْرٍ بِمَانَعَتِي أُخْرَى سَآتِي جَمِيلاً مَا حَيَيْتُ فَإِنَّنِي ... إِذَا لَمْ أُفِدْ شُكْرًا أَفَدْتُ بِهِ أَجْرَا قالوا: وينبغي لمن قدر إسدائه للمعروف أن يعجله حذرًا من فواته ويبادر به خيفة عجزه ويتحرى الأخيار الكرام كما يتحرى لزراعته الرياض الطيبة وليحذر من بذر المعروف باللئام الأنذال فإنهم كالأرض السبخة تمرر الماء العذب وتفسد البذر ولا تأمن مِنْهُمْ أن ينالك جزاء إحسانك إليهم سوء وقديمًا قيل: وَلا تَصْطَنِعْ إِلا الْكِرَامَ فَإِنَّهُمْ ... يُجَازُونَ بِالنَّعْمَاءِ مَنْ كَانَ منْعِمَا وَمَنْ يَتَّخِذْ عِنْدَ اللِّئَامِ صَنِيعَةً ... يَظَلُّ على آثَارِهَا مُتَنَدِّمَا آخر: ... إِذَا شِئْتَ أَنْ تُعْطِي الأُمُورَ حُقُوقِهَا ... وَتُوقِعَ حكْمَ الْعَدْلِ أَحَْسَن مَوْقِعِهِ فَلا تَصْنَعِ الْمَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... فَظُلْمُكَ وَضْعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ آخر: ... لَيْسَ الْكَرِيمُ الَّذِي يُعْطِي عَطِيَّتَهُ ... عَنِ الثَّنَاءِ وَإِنْ أَغْلَى بِهِ الثَّمَنَا إِنَّ الْكَرِيمُ الَّذِي يُعْطَى عَطِيَّتَهُ ... يَقْصُدْ رِضَى رَبِّهِ لا يَبْتَغِي ثَمَنَا وَلا يُرِيدُ بِبَذْلِ الْعُرْفِ مُحْمَدَةً ... وَلا يَمُنُّ إِذَا مَا قَلَّدَ الْمِنَنَا

стр. 1666

آخر: ... كَمْ طَامِعَ بِالثَّنَا مَنْ غَيْر بَذْلِ يَدٍ ... وَمُشْتَهٍ حَمْدَهُ لَكِنْ بِمَجَّانِ وَالنَّاسُ أَكْيَسُ مِنْ أَنْ يَحْمَدُوا رَجُلاً ... حَتَّى يَرَوْا عِنْدَهُ آثَارَ إِحْسَانِ آخر: ... إِذَا كُنْتُمُو لِلنَّاسِ فِي الأَرْضِ قَادَةً ... فَسُوسُوا كَرَامَ النَّاسِ بِالْحلم وَالْعَدْلِ وَسُوسُوا لِئَامُ النَّاسِ بِالذُّلِّ وَحْدَهُ ... صَرِيحًا فَإِنَّ الذُّلَّ أَصْلَحُ لِلنَّذْلِ آخر: ... أَمَرُّ وَأَمْضَى مِنْ سُمُومِ الأَرَاقَمَ ... وَأَوْجَعُ مِنْ ضَرْبِ السُّيُوفِ الصَّوَارِمِ وُقُوفُ فَتَىً حُرِّ تَقِيٍّ مُهَذَّبٍ ... عَلَى بَابِ نَذْلٍ لارْتِيَادِ الْمَطَاعِمِ أَلا إِنَّ قَصْدَ الْحُرِّ لِلنَّذْل هُجْنَةٌ ... عَلَيْهِ وَلَوْ أَعْطَاهُ مُلْكَ الأَعَاجِمِ آخر: ... مَتَى تَحْمَدْ صَدِيقَ السُّوءِ فَاعْلَمْ ... بِأَنَّكَ بَعْدَ ُمَحْمَدَةٍ تَذُمُّهْ كَطِفْلٍ رَاقَةُ تَرْقِيشُ صِلّ ... فَلَمَّا مَسَّهُ أَرَادَهُ سُمَّهْ آخر: ... مَتَى تُسْدِ مَعْرُوفًا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ ... رُزئْتَ وَلَمْ تَظْفُرْ بِحَمْدِ وَلا أَجْرِ آخر: ... مَدَحْتُكُمْ طَعَمًا فِيمَا أَؤمِّلُهُ ... فَلَمْ أَنَلْ غَيْرَ حَظَّ الإِثْمِ وَالتَّعَبِ إِنْ لَمْ تَكُنْ صِلَةٌ مِنْكُمْ لِذِي أَدَبٍ ... فَأُجْرَةُ الْخَطِّ أَوْ كَفَّارَةُ الْكَذِبِ آخر: ... وَاخْشَ الأَذَى عِنْدَ إِكْرَامِ اللَّئِيمِ كَمَا ... تَخْشَى الأَذَى إِنْ أَهَنْتَ الْحُرَّ ذَا النُّبلِ وقال آخر: وَمَنْ يَجْعَلِ الضِّرِغَامِ لِلصَّيْدِ بَازَهُ ... تَصَيَّدُه الضِّرْغَامُ فِيمَا تَصَيَّدَا وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ كَالْعَفْوُ عَنْهُمْ ... وَمَنْ لَكَ بِالْحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ الْيَدَا إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَّكْتَهُ ... وَإِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا فَوَضْعُ النِّدَا فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ باِلْعُلا ... مُضِر كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَا آخر: ... إِذَا افْتَقَرَ الْكَرِيمَ فَمِلْ إِلَيْهِ ... فَشَمُّ الْوَرْدِ بَعْدَ الْقَطْفِ عَادَهْ وَإِنْ أَثْرَى اللَّئِيمُ فَصُدَّ عَنْهُ ... فَبَيْتُ الْمَاءِ تُفْسِدُهُ الزِّيَادَهْ آخر: ... إِذَا مَا أَتَيْنَاهُ فِي حَاجَةٍ ... رَفَعْنَا الرِّقَاعَ لَهُ بالْقَصَبْ لَهُ حَاجِبٌ دُونَهُ حَاجِبُ ... وَحَاجِبُ حَاجِبِهِ يَحْتَجِبْ

стр. 1667

.. النَّاس بِالنَّاسِ مَا دَامَ الْحَيَاةُ بِهِمْ ... وَالسَّعْدُ لا شَكَّ تَارَاتٌ وَتَارَاتٌ وَأَفْضَلُ النَّاسِ مَا بَيْنَ الْوَرَى رَجُلٌ ... تُقْضَى على يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتُ لا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْرُوفِ عَنْ أَحَدٍ ... مَا دُمْتَ مُقْتَدِرًا فَالسَّعْدُ تَارَاتُ وَاشْكُرْ فَضَائِلَ صُنْعِ اللهِ إِذْ جُعِلَتْ ... إِلَيْكَ لا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجَاتُ قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ ... وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَاتُ ولا يهمله ثقة مِنْه بظن القدرة عليه فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندمًا وكم من معول على مكنة فأورثت خجلاً كما قيل: مَا زِلْتَ أَسْمَعُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ خَجَلٍ ... حَتَّى ابْتُلِيتُ فَكُنْتُ الْوَاثِقَ الْخَجِلا ولو فطن لنوائب دهره وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مدخورة ومغارمه محبورة فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه» . وروي عنه ﷺ أنه قال: «لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح» . أي التعجيل وقال بعضهم: من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. شِعْرًا: ... جُودُ الكريم إذا مَا كَانَ عَن عِدَةٍ ... وَقَدْ تَأَخَّرَ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْكَدَرِ إِنَّ السَّحَائِبَ لا تُجْدِي بِوَارِقُهَا ... نَفْعًا إِذَا هِيَ لَمْ تُمْطِحر على الأَثَرِ يَا دَوْحَةَ الْجُودِ لا عَتْبٌ على رَجُلٍ ... يَهُزُّهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الثَّمَرِ شِعْرًا: ... إِنَّ الْعَطِيَّةَ رُبَّمَا أَزى بِهَا ... عِنْدَ الَّذِي تُقْضَى لَهُ تَطْوِيلهَا فَإِذَا ضَمِنْتَ لِصَاحِبٍ لَكَ حَاجَةً ... فَاعْلَمْ بِأَنَّ تَمَامَهَا تَعْجِيلُهَا آخر: ... إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا ... فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ وَلا تَغْفَلْ عَنِ الإِحْسَانِ فِيهَا ... فَمَا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ آخر: ... أَحْسِنْ إِذَا كَانَ إِمْكَانٌ وَمَقْدِرَةٌ ... فَلَنْ يَدُومَ على الإِحْسَانِ إِمْكَانُ فعَلَى الإنسان العاقل أن يساعد أخاه المسلم على فعل معروف أو دفع ملمة بماله وجاهه ولا يقتدي بمن لا خير فيه لا فِي جاه ولا مال يهمه إلا نفسه

стр. 1668

فقط قال الشاعر: إِذَا كُنْتَ لا تُرْجَى لِدَفْعِ مُلِمَّةِ ... وَلَمْ يَكُ لِلْمَعْرُوفِ عِنْدَكَ مَوْضِعُ وَلا أَنْتَ ذُو جَاهٍ يُعَاشِ بِرَئْيِهِ ... وَلا أَنْتَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَشْفَعُ فَعَيْشُكَ فِي الدُّنْيَا وَمَوْتُكَ وَاحِدُ ... وَعُودُ خِلالٍ مِنْ حَيَاتِكَ أَنْفَعُ وليحرص فاعل المعروف على ضيف أو غيره على مجانبة الامتنان وترك الإعجاب بفعله لما فِي من إسقاط الشكر وإحباط الأجر فإنه قَدْ روي عن المصطفى ﷺ أنه قال: «إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر» . ثم تلا ﷺ آية البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ فالمان بالمعروف والإحسان غير محمود وفي ذلك يقول الشاعر: إِذَا الْجُودُ لَمْ يُرْزَقْ خَلاصًا مِن الأَذَى ... فَلا الْحَمْدُ مَكْسُوبًا وَلا الْمَال بَاقِيَا وقال العباس: لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال تعجيله وتصغيره وستره فإذا عجلته هنأته وإذا صغرته عظمته وإذا سترته تممته على أن ستر المعروف من أقوى أسباب ظهوره وأبلغ دواعي نشره لما جلبت عليه النفوس من إظهار مَا خفي وإعلان مَا كتم قال الشاعر: خَلٌّ إِذَا جِئْتَهُ يَوْمًا لِتَسْأَلُهُ ... أَعْطَاكَ مَا مَلَكَتْ كَفَّاهُ وَاعْتَذَرَا يُخْفِي صَنَائِعُهُ وَاللهُ يَعْلَمُهَا ... إِنَّ الْجَمِيلَ إِذَا أَخْفَيْتُهُ ظَهَرَا آخر: ... لا تَسْأَلِ النَّاسَ وَالأَيَّامُ عَنْ خَبَرٍ ... هَمَا يَبُثَّانِكَ الأَخْبَارُ تَطْفِيلا وَلا تُعَاتِبْ على نَقْصِ الطِّبَاعِ أَخَا ... فَإِنَّ بَدْرَ السَّمَا لَمْ يَعْطِ تَكْمِيلا شِعْرًا: ... إِذَا الْمَرْءُ أَبْدَى الْخَيْرَ مُكْتَتِمًا لَهُ ... فَلا بُدَّ أَنَّ الْخَيْرَ يَوْمًا سَيَظْهَرُ وَيكْسَى رِدَاءً بِالَّذِي هُوَ عَامِلٌ ... كَمَا يَلْبِسُ الثَّوْبَ التَّقِيُّ الْمُشَهَّرُ آخر: ... وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالََهَا تَخْفَى على النَّاسِ تُعْلَمِ

стр. 1669

اللهم هب لنا ما وهبته لأوليائك وتوفنا وأنت راض عنا وَقَدْ قبلت اليسير منا واجعلنا يا مولانا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (موعظة) عباد الله إن الصلاة من أعظم الأمانات عندكم، مطلوب، منكم أن تؤدوها وتقيموها قال تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فالله سبحانه أمرنا بالمحافظة على الصلاة فِي أوقاتها والقيام فيها خاشعين خاضعين لجلالته وعظمته، وجعلها طريق الفوز والسعادة فِي العاجل والآجل قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ . ذلك أن الصلاة الكاملة تنير القلب وتهذب النفس وتعلم العبد آداب العبودية لله وواجبات الربوبية، بما تغرسه فِي قلب العبد المؤمن من إجلال الله وتعظيمه وتقديره، والتجلي بمكارم الأخلاق كالصديق والأمانة والقناعة والوفاء والحلم والحياء والتواضع والعدل والصبر والإحسان. وتوجهه إِلَى مولاه، فتكثر له مراقبته وخدمته حتى تعلو بذلك همته، وتقوى عزيمته وتزكو نفسه، فيبتعد عن الكذب والخيانة، والأيمان الكاذبة، والشر والغدر والغضب والكبر والرياء، ويترفع عن البغي والعدوان، ودناءة الفسوق والعصيان والفساد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ . فبالمحافظة على الصلاة تقوى النفس على احتمال الشدائد، وتثبت عند نزول البلايا والمحن، ويسهل عليه البذل حالة الغنى واليسار، قال الله

стр. 1670

تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ شِعْرًا: ... إِذَا أُلْهِمَ الإِنْسَانُ ذِكْرًا لِرَبِّهِ ... وَكَانَ بِمَا يَأْمُرْ بِهِ اللهُ آتِيَا فَهَذَا الْفَتَى لا مَنْ يَكُونُ مُضَيِّعًا ... لأَمْرِ الَّذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَالِيَا ثم انظروا عباد الله ماذا كَانَ من آثار ترك الصلاة، كَانَ من آثاره كثرة الشر ووسائل الشر، وانتشار الفواحش والمنكرات، من سفور وآلات لهو وحلق لحية علنًا وشرب دخان علنًا وصور مجسدة وغير مجسدة، وغش وتدليس وربا وعقوق والدين وقطيعة رحم وشهادة زور وقذف ولعن وغية ونميمة وأغاني من مذياع وفديو وتلفزيون ونحو ذلك من البدع المحرمة وتشبه بأعداء الإسلام بجعل خنافس وإسبال ثوب وجعل شنبات مع حلق لحية وتشبه بالنساء ومغازلة لهن وتسمية لأعداء الإسلام بسيد ومعلم وأستاذ ونحو ذلك مما يقشعر مِنْه جلد المسلم وتفتت له كبده فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن الأمانة من الأخلاق الفاضلة وأصل من أصول الديانات، وهي ضرورية للمجتمع الإنساني، لا فرق بين حاكم وموظف وصانع وتاجر وزارع ولا بين غني وكبير وصغير، فهي شرف الغني وفخر الفقير وواجب الموظف ورأس مال التاجر وسبب شهرة الصانع، وسر نجاح العامل والزارع، ومفتاح كل تقدم بإذن الله، ومصدر كل سعادة ونجاح بإذن الله. وليست الأمانة مقصورة على الودائع التي تؤمن عند الناس من غال

стр. 1671

وثمين كالنقدين وما ناب عنهما من أوراق، وكالجواهر والحلي والأموال بل الأمانة أوسع من هذا كله، فهي عمل لكل ما لله فيه طاعة، وامتثال واجتناب كل ما لله فيه مخالف وعصيان، سواء كَانَ ذلك فِي عبادة الله أو فِي معاملة عباده. فالصلاة أمانة عندك مطلوب منك أن تؤديها فِي وقتها إن لَمْ يكن عذر شرعي كاملة غير منقوصة مستوفية لفرائضها وشروطها وأدائها بقلب مملوءة من الخشوع والخضوع، وجسم مملوء من الطمأنينة والاتزان. والزكاة أمانة عندك مطلوب أن تصوم وأن تصون صيامك عن مَا يفسده، وأن تتحرى الحلال للسحور والفطور، وأن لا يفكر عقلك إلا فِي خير ولا ينطق لسانك إلا حسنًا، ولا تسمع أذنيك إلا طيبًا ولا تنظر عينك إلا مباحًا ولا تمد يدك إلا إِلَى إصلاح ولا يسعى قدمك إلا طاعة ومعروف. والحج أمانة لله فِي عنقك إن كنت ممن توفرت لديه الشروط وهي الإسلام والحرية والبلوغ والعقل والاستطاعة وتزيد المرأة شرطًا سادسًا وهو وجود محرم لها، وتؤدي مَا عليك من حقوق لله ولعباده. وتنتظر ذلك المال الذي ستحج به أهو حلال أم حرام، وهل جمعته مع عرق جبينك أو إرثًا أو من دماء الناس وسرقة مَا لهم بغش ونحوه، وهل تريد حج رياء وسمعة أو ابتغاء وجه الله، والمهم أن تفتش على نفسك قبل العمل لئلا تخسر الدنيا والآخرة. وبقدر مَا يكون الإنسان مقصرًا فِي عبادة من هذه العبادات يكون غير موف لأمانته تمامًا، فينبغي للإنسان أن يستحضر فِي كل ساعة وفي كل نظرة

стр. 1672

ولفتة وفي كل إشارة وفي كل حركة وسكون أنه مطالب بالأمانة فلسانك أمانة عندك إن حفظته من الكذب والغيبة والنميمة والسخرية بعباد الله والقذف والفحش ونحو ذلك مما نهى عنه الشرع واستعملته فِي تلاوة كلام الله والباقيات الصالحات، فقد حفظت هذه الأمانة. والأذن أمانة، إن جنبتها استماع المحرمات من الغيبة والملاهي والغناء وكلام من لا يرضون باستماعك ويكرهون ذلك واستعملتها في استماع ما يعود نفعه إليك فِي الدنيا والآخرة فقد حفظت هذه الأمانة. ورجلك أمانة عندك إن استعملتها بالمشي إِلَى مَا أمر الله به، وحجزتها عن السير إِلَى مَا نهى الله عنه فقد حفظتها. وكذلك الفرج إن جنبته الزنا واللواط والاستمناء باليد وكل مَا نهى الله عنه، واستعملته فيما أباحه لك الشرع فقد حفظته قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ . وكذلك العقل إن استعملته فيما يعود عليك بالسعادة دنيا وأخرى ولم تستعمله في المكر والدهاء وخداع المسلمين والكيد لهم ونحو ذلك فقد حفظته. ومن معاني الأمانة وضع كل شيء في مكانه اللائق به والجدير له فلا يسند منصب إلا لمن ترفعه كفايته له، أما من يعجز عن القيام به فلا يجوز له فلا إسناده إليه، فعن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» . والله أعلم وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (موعظة) عباد الله تمر الحياة بأحدنا وهو منهمك فِي ملذاته وشهواته

стр. 1673

ومطاعمه، لا يفكر فِي مآله ولا فِي يوم حسابه وكأنه خالد فِي الدنيا لا يموت أبدا، أو كَانَ عنده يقين أنه لا يحاسب على مَا جناه. ومن العجيب أنه لا يمر يوم بل ولا ساعة إلا وفي ذلك نذير لابن آدم بالرحيل عن هذه الدار، يشاهد الموت يتخطف الناس من حوله فلا يزدجر، وتقوم الحوادث الجسام من حروب تفني آلافًا من البشر وتهدد الأحياء بالالتحاق بمن مات، وبالمجاعات والخراب، فلا يتعظ ولا يعتبر. ويرى الحرائق مَا بين آونة وآونة تتلف النفوس والأموال والمساكين، وكيف تكون حالة الناس ومطافيهم، فلا يذكر جهنم وأهوالها وأنكالها وما فيها من أنواع العذاب الذي لا تصمد له الجبال الصم الصلاب، قست القلوب، وتحجرت الضمائر ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ﴿ِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . أيها الغافلون، دنياكم دار غرور وهموم وأحزان، وهي بلا شك فانية، وأخراكم دار قرار باقية، وأجهل الناس من باع آخرته بدنياه والتقوى مفتاح السعادتين الدنيوية والأخروية، ضمان ضمنه الله لعباده، ووعد لا يتخلف، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . أما المعاصي والغفلة والنسيان والطغيان، فليس من ورائها إلا ضنك المعيشة فِي الدنيا بالهموم المبرحة والأحزان المجرحة مع العذاب الأليم فِي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ الآيات. أيها العاقلون كلكم تعلمون أن الغفلة تنسي العبد ربه وآخرته، ومن نسي ربه أنساه الله نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ ، فلا تتعرضوا بذلك لسخطه وكونوا دائمًا ذاكرين للآخرة، فإن

стр. 1674

ذلك يبعث على الخوف من الله، ومن خاف ربه استقام بإذن الله، قال الله تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله. شِعْرًا: ... وَصِيَّتِي لَكَ يَا ذَا الْفَضْلِ وَالأَدَبِ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْكُنَ الْعَالِي مِنَ الرُّتَبِ وَتُدْرِكَ السَّبْقَ والْغَايَاتِ تَبْلُغُهَا مُهَنَّأًَ بِمَنَالِ الْقَصْدِ وَالأَدَبِ تَقْوَى الإِلَه الَّذِي تُرْجَى مَرَاحِمُهُ الْوَاحِدُ الأَحَدُ الْكَشَّافُ لِلْكُرَبِ أَلْزَمْ فَرَائِضَهُ وَاتْرُكْ مَحَارِمَهُ وَاقْطَعْ لَيَالِيكَ وَالأَيَّامِ فِي الْقَرْبِ وَأَشْعِرِ الْقَلْبَ خَوْفًا لا يُفَارِقُهُ مِنْ رَبِّهِ مَعَهُ مِثْلٌ مِنْ الرَغَبِ وَزَيِّنِ الْقَلْبَ بِالإِخْلاصِ مُجْتَهِدًا وَاعْلَمْ بِأَنَّ الرَّيَا يُلْقِيكَ فِي الْعِطَبِ وَنَقِّ جَيْبَك مِنْ كُلِّ الْعُيُوبِ وَلا تَدْخُلْ مَدَاخِلَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالرِّيبِ وَاحْفَظْ لِسَانَكَ مِنْ طَعْنٍ على أَحَدٍ مِن الْعِبَادِ وَمِنْ نَقْلٍ وَمِنْ كَذِبِ وَكُنْ وَقُورًا خَشُوعًا غَيْرَ مُنْهَمِكٍ فِي اللَّهْوِ وَالضِّحْكِ وَالأَفْرَاحِ وَاللَّعَبِ وَنَزِّهِ الصَّدْرَ مِنْ غِشٍّ وَمِنْ حَسَدٍ

стр. 1675

.. وَجَانِبْ الْكِبْرَ يَا مِسْكِينُ وَالْعُجُبِ وَارْضَ التَّوَاضُعَ خُلَقًا إِنَّهُ خُلُقُ الـ أَخْيَارِ فَاقْتَدْ بِهِمْ تَنْجُو مِنْ الْوَصَبِ وَخَالِفِ النَّفْسَ وَاسْتَشْعِرْ عَدَاوَتَهَا وَارْفُضْ هَوَاهَا وَمَا تَخْتَارُهُ تُصِبِ وَإِنْ دَعَتْكَ إِلَى حَظٍّ بِشَهْوَتِهَا فَاشْرَحْ لَهَا غِبَّ مَا فِيهِ مِنَ التَّعَبِ وَازْهَدْ بِقَلْبِكَ فِي الدَّارِ الَّتِي فَتَنَتْ طَوَائِفًا فَرَأَوْهَا غَايَةَ الطَّلَبِ تَنَافَسُوهَا وَأَعْطَوْهَا قَوَالِبَهُمْ مَعَ الْقُلُوبِ فَيَا للهِ مِنْ عَجَبِ وَهِيَ الَّتِي صَغُرَتْ قَدْرًا وَمَا وَزَنَتْ عِنْدَ الإِلَهِ جَنَاحًا فَالْحَرِيصُ غَبِي وَخُذْ بَلاغَكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَاسْعَ بِهِ سَعْيَ الْمَجْدِ إِلَى مَوْلاكَ وَاحْتَسِبِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ الَّذِي يَبْتَاعَ عَاجِلَهُ بِآجِلٍ مِنْ نَعِيمٍ دَائِمٍ يَخِبِ وَإِنْ وَجَدْتَ فَوَاسِ الْمَعْوِزِينَ تَفِضْ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الأَرْزَاقُ فَاحْتَسِبِ وَإِنْ بُلِيتَ بِفَقْرٍ فَارْضَ مُكْتَفِيًا باللهِ مِنْ رَبِّكَ الْفَضْلَ وَارْتَقَبِ وَاتْلُ الْقُرْآنَ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ وَجَلٍ

стр. 1676

.. عَلَى الدَّوَامِ وَلا تَذْهَلْ وَلا تَغِبِ وَاذْكُرْ إِلَهَكَ ذِكْرًا لا تُفَارِقُهُ وَادْعُ الإِلَهَ وَقُلْ يَا فَارِجِ الْكُرَبِ يَا رَبِّ إِنَّكَ مَقْصُودِي وَمُعْتَمَدِي وَمُرْتَجَايَ بِدُنْيَايَ وَمُنْقَلَبِي فَاغْفِرْ وَسَامِحْ عُبَيْدًا مَا لَهُ عَمَلٌ بِالصَّالِحَاتِ وَقَدْ أَوْعَى مِنَ الْحُوبِ اللهم قو إيماننا بك وبملائكتك وبكتبك وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وثبتنا على قولك الثابت فِي الحياة الدنيا وفي الآخرة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) فالولاية شروطها الحفظ والعلم والقوة والأمانة، فالواجب أن يختار للعمل أحن الناس قيامًا به، فإن عدل عنه إِلَى غيره لهوىً أو رشوة أو قرابة فهذه خيانة ممن ولاه أو تسبب فِي الولاية، قال ﷺ : «من استعمل رجلاً على عصابة وفيهم من هو أرضى لله مِنْه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» . رواه الحاكم. وعن أبي يعلي معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» . وفي رواية لمسلم: «مَا من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة» . وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «مَا من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله يوم القيامة مغلولة يده إِلَى عنقه ففكه بره أو أوبقة إثمه أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة» . وعن أبي هريرة مرفوعًا «ويل للأمناء ويل للعرفاء ليتمنين أقوام يوم

стр. 1677

القيامة أن ذوائبهم كَانَت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء» . وفي أفراد مسلم من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» . وفي لفظ آخر: «يا أبا ذر إني أحب لك مَا أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم» . وفي الحديث الآخر: «أيما رجل استعمل رجلاً على عشرة أنفس علم أن فِي العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله ورسوله وغش جماعة المسلمين» . قلت: وفي زماننا المظلم بالمنكرات والمعاصي كثير من الأعمال يتولاها أناس لا يصلون كفرة فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل. وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر الصديق ﵁ حين بعثني إِلَى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك مَا أخاف عليك بعد مَا قال رسول الله ﷺ : «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله مِنْه صرفًا ولا عدلاً حتى يدخله جهنم» . رواه الحاكم. والأمة التي لا أمانة لها هي التي تنتشر فيها الرشوة وتعمل على إهمال الأكفاء وإبعادهم وتقديم الذين ليسول أهلاً للمناصب، وهذا من علامات الساعة الذي وقع. فقد جاء عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله متى تقوم الساعة فقال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» . فقال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة» . رواه البخاري. ومن معاني الأمانة أن يحرص الإنسان على أداء واجبه كاملاً فِي العمل الذي يناط به وأن يستنفد جهده فِي تكميله وتحسينه وأن يفي بجميع مَا اتفقا عليه عملاً ووقتًا، والخيانة تتفاوت، فما أصاب الدين وجمهور

стр. 1678

المسلمين وتعرضت البلاد لأذاه أشد إثمًا ونكرًا وشناعة، وورد عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فقال: هذه غدرة فلان» . رواه البخاري. وفي رواية: «لكل غادر لواء عنه إسته يرفع له بقدر غدرته ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة» . ومن الأمانة أن لا يستغل الإنسان منصبه الذي عين فيه لجر منفعة له أو إِلَى قريبه فأخذ زيادة على مَا رتب له من بيت المال بطرق ملتوية. إما بتناول رشوة وإما بتناول رشوة باسم هدية أو تحفة يتناولها هذا الخائن بتأويلات باطلة أو بمحاباة أو مجاملة صديق أو رفيق أو جارٍ بما فيه ضرر على عموم المسلمين أو بأية ذريعة ووسيلة من وسائل الاستغلال النفوذي، فكل ذلك غش وخيانة، وما أخذ فهو سحت لأنه ثمرة خيانة وغدر وخداع ومكر، قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وعن عدي بن عميرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من استعملناه منكم على عمل فكتما مخيطًا فما فوقه كَانَ غلولاً يأتي به يوم القيامة» . فقام إليه رجل أسود من الأنصار كَأنَي انظر إليه فقال: يا رسول الله أقبل عني عملك قال: «ومالك» . قال: سمعتك تقول كذا وكذا قال: «وأنا أقول الآن من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره فما أوتي مِنْه أخذ وما نهي عنه» . انتهى رواه مسلم. شِعْرًا: ... يَغْدُ إِلَى كَسْبِ قِيرَاط أَخُو عَمَل ... لَوْ يُوزَنُ الإِثْمُ فِيهِ كَانَ قِنْطَارَا وعن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي ﷺ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتيبة على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي فخطب النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «أما بعد فإني استعمل رجالاً منكم على أمور ولاني الله فيأتي

стр. 1679

أحدكم فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي فهلا جلس فِي بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدي له أم لا والذي نفسي بيده لا يأخذ مِنْه شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كَانَ بعيرًا له رغا أو بقرًا له خوارٌ أو شاة تيعر» . ثم رفع يديه حتى رأينا عَفْرَتَيْ إبطيه ثم قال: «اللهم هل بلغت» . متفق عليه، قال الخطابي: وفي قوله: «هلا جلس فِي بيت أبيه أو أمه فينظر أيهدي إليه أم لا» . دليل على أن كل أمر يتذرع به إِلَى محظور فهو محظور. وكل داخل فِي العقود ينظر هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا. أما الذي يلتزم حدود الله فِي وظيفته ولا يخون الواجب الذي طوقه فهو من المجاهدين قال ﷺ : «العامل إذا استعمل فأخذه الحق وأعطى الحق لَمْ يزل كالمجاهد فِي سبيل الله حتى يرجع إِلَى بيته» . شِعْرًا: ... فَلِلَّهُ دَرُّ الْعَارِفِ النَّدْبِ إِنَّهُ تَسِحُّ لِفَرْطِ الْوَجْدِ أَجْفَانُهُ دَمَا يَقِيمُ إِذَا مَا اللَّيْلُ مَدَّ ظَلامَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ مَأْتَمَا فَصِيحًا بِمَا قَدْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَفِيمَا سِوَاهُ فِي الْوَرَى كَانَ أَعْجَمَا وَيَذْكُرُ أَيَّامًا مَضَتْ مِنْ شَبَابِهِ وَمَا كَانَ فِيهَا بِالْجَهَالَةِ أَجْرَمَا فَصَارَ قَرِينَ الْهَمِّ طُولَ نَهَارِهِ وَيَخْدِمُ مَوْلاهُ إِذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا يَقُولُ إِلَهِي أَنْتَ سُؤلِي وَبُغْيَتِي كَفَى بِكَ لِلرَّاجِينَ سُؤْلاً وَمَغْنَمَا

стр. 1680

عَسَى مَنْ لَهُ الإِحْسَانُ يَغْفِرُ زِلَّتِي وَيَسْتُرُ أَوْزَارِي وَمَا قَدْ تَقَدَّمَا اللهم أذقنا عفوك وأسلك بنا طريق مرضاتك. وعاملنا بلطفك وإحسانك واقطع عنا مَا يبعد عن طاعتك الله وثبت محبتك فِي قلوبنا وقوها ويسر لنا مَا يسرته لأوليائك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ومن معاني الأمانة حفظ الأسرار التي لا يرضى أهلها أن تذاع فكم من أضرار على الأبدان والأموال والأعراض حصلت بإفشاء الأسرار إلا إذا كَانَت الأسرار فيها على المسلمين فليس لها حرمة ولا يجوز كتمها وعَلَى كل مسلم شهد مجلسًا يمكر فيه المجرمون بغيرهم ليلحقوا به الأذى أن يسارع إِلَى الحيلولة دون الفساد جهد طاقته فإن ذلك خطر عظيم وفساد كبير، وَقَدْ قال ﷺ : «المجلس بالأمانة إلا مجلس سفك دم حرام أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق، ومما يتعين كتمه وستره مَا يجري بين الرجل وامرأته مما يفضي به أحدهما إِلَى الآخر فإن التحدث به خيانة لهذه الأمانة» . إِذَا الْمَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ ... وَلامَ عَلَيْهِ غَيْرَه فَهُوَ أَحْمَقُ إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ ... فَصَدْرُ الَّذِي يُسْتَوْدَعُ السِّرِّ أَضْيَقُ فقد قال ﷺ : «إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إِلَى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها» . والثرثارون من أحلى وألذ مَا يتسامرون به فِي مجالسهم منكر من أقبح المنكرات، ألا وهو مَا يقع بينهم وبين أزواجهم فِي الخلوات الخاصة من كلام وأفعال، وما يكون من الرجال قليل من مَا يكون من النساء فإن الكلام فِي هذا الموضوع عادتهن

стр. 1681

الوحيدة وهذه معصية من أفحش المعاصي ووقاحة محرمة. وعن أسماء بنت يزيد أنها كَانَت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده، فقال: «لعل رجلاً يقول مَا فعل بأهله ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها» . فأزم القوم - أي سكتوا وجلين - فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن قال: «فلا تفعلوا فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون» . رواه أحمد. شِعْرًا: إِنَّ الْكَرِيمَ الَّذِي تَبْقَى مَوَدتُه ... وَيَحْفَظُ السِّرَ إِنْ صَافَا وَإِنْ صَرَمَا لَيْسَ الْكَرِيمُ الَّذِي إِنْ زَلَّ صَاحِبُه ... بَثَّ الذي كَانَ مِن أَسْرَارِهِ عَلْمَا روى عن بعض الورعين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: مَا الذي يريبك مِنْهَا. فقال: العاقل لا يهتك سترَا. فلما طلقها قيل له: الآن طلقتها. فقال: مَا لي ولا مرأة غيري (المعنى عليَّ وعليها ستر الله) . وهكذا الرجال الذي يعرفون قدر الأمانة والغالب أن إخبار الناس بالأسرار يترتب عليه أضرار فلذلك قيل حول هذا الكلام: احْفَظْ لِسَانَكَ لا تَبُحْ بثلاثةٍ ... سِنٍّ ومالٍ إِنْ سُئِلْتَ ومَذْهَب فَعَلَي الثلاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلاثةٍ ... بِمَُكَفِّرٍ وبِحَاسِدٍ ومُكَذِّبِ ومن الأمانة الوضوء فإن أداه كاملاً بدون مجاوزة للحد فقد حفظ هذه الأمانة وإن أداها وإن فرط فيها وأهمل بعض الأعضاء أو بعض الجسم فِي الغسل أو تعدى إِلَى الوسواس وفاتت لمولاه فقد خان أمانته. وكذلك الكيل والوزن أمانة إن أداه على الوجه المطلوب بلا بخس ولا غش فقد حفظها وأداها، وإن بخس أو غش أو دلس فقد خان أمانته. وكذلك أولادك أمانة عندك إن أحسنت فيهم وربيتهم تربية صالحة

стр. 1682

ووجهتهم توجيهًا حسنًا فقد أديت أمانتك وإن أهملهم ولَمْ يبال بهم فقد خان أمانته. وكذلك الودائع التي تدفع إِلَى الإنسان ليحفظها حينًا ثم يردها إِلَى أصحابها حين يطلبونها أو إِلَى الحاكم إن فقدوا ومن يخلفهم وتعذر عليه إيصالها إليهم وأيس من مجيء صاحبها، فهذه من الأمانات التي يسأل عنها، وَقَدْ استخلف ﷺ عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ ليسلم المشركين الودائع التي استحفظها مع أن هؤلاء المشركين كانوا بعض الأمة التي استفزته من الأرض واضطرته إِلَى ترك وطنه فِي سبيل عقيدته، قال ميمون بن مهران: ثلاثة مؤدبين إِلَى البر والفاجر الأمانة والعهد وصلة الرحم. وكذلك التلميذ أمانة يجب على الأستاذ أن يوجهه إِلَى العلوم النافعة والعقائد السليمة ويحذره من البدع وما يضره فِي دينه ويحذره من أهل البدع ويبين مَا يعرفه من الكتب المظل دراستها والعلماء المنحرفين عن الصراط المستقيم ليجتنبهم وكتبهم، ويذكر له العلماء المحققين المستقيمين وكتبهم ليقتنيها فيتأثر بها بإذن الله وتحل العقيدة السليمة فِي قلبه ويسعد فِي حياته وبعد مماته بإذن الله تعالى. ويحذره من كتب الأشاعرة والشيعة والمعتزلة ومن علمائهم ومن أضر مَا على المسلمين اليوم الأشاعرة وكتبهم والرافضة وكتبهم عصمنا الله وجميع المسلمين مِنْهُمْ ومن كتبهم وبدعهم التي عمت وطمت وصرفت كثيرًا من الناس عن طريقة السلف الخالصة من شوائب البدع. ويكون هذا المعلم المخلص هو السبب الوحيد لاستقامة هذا التلميذ وهدايته فيا لها من تجارة ويا له من ربح، ويا لها من نصيحة فنجد التلميذ إن كَانَ وافيًا شكورًا يدعوا لمواجهة دائمًا وإن لَمْ يكن كذلك فأجر المعلم والموجه

стр. 1683

المخلص لا يضيع عند الله، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ والناس يختلفون فيهم روض وسبح. قال بعضهم: لَعَمْرُكَ مَا المَعْرُوفُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ ... وفي أَهْلِهِ إِلاَّ كَبَعْضِ الوَدَائِعِ فََمُسْتَودٌع ضَاعَ الذِي كَانَ عِنْدَهُ ... وَمُسْتَوْدَعٌ مَا عِنْدَهُ غَيْرُ ضَائِعِ وَمَا النَّاسُ فِي كُفْرِ الأَيَادِي وَشُكْرِهَا ... إلى أَهْلِهَا إِلاَّ كَبَعْض المَزارِعِ فَمَزْرَعَةُ أَجْدَتْ فَأَضْعَفْ زَرْعُهَا ... وَمَزْرَعَةٌ أَكْدَتْ على كُلِّ زَارِعِ وكذلك العمل أمانة فِي عنق العالم يسأل عنه يوم القيامة إذا لَمْ سنشره بين الناس وينور به قلوبهم يكون خائنًا لأمانته وغاشًّا لإخوانه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ . قال بعض المفسرين على هذه الآية: والتنديد بكتمان مَا أنزل الله من الكتاب المقصود به أولاً أهل الكتاب ولكن مدلول النص العام ينطبق على أهل كل ملة يكتمون الحق الذي يعلمونه ويشترون به ثمنًا قليلاً إما هو النفع الخاص الذي يحرصون عليه بكتمانهم للحق والمصالح الخاصة التي يتحرونها بهذا الكتمان ويخشون عليها من البيان وإما هو الدنيا كلها وهي ثمن قليل حين تقاس على مَا يخسرونه من رضى الله ومن ثواب الآخرة. انتهى. وقال آخر: وهذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة كَانَت أو مستنبطة وتدل على امتناع جواز أخذ الأجرة على ذلك إذ غير جائز استحقاق الأجر على مَا يجب فعله بلغ يا أخي الذين يأكلون بالكتب الدينية ويحتكرونها باسم تحقيق أو نشر نسأل الله العافية.

стр. 1684

وَقَدْ روى الأعرج عن أبي هريرة أنه قال: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي ﷺ والله الموعد، وأيم لولا آية فِي كتاب الله مَا حدثت بشيء أبدًا، ثم تلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» . رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان فِي صحيحه والبيهقي ورواه الحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتم علمًا مما ينفع الله به الناس فِي أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» . رواه ابن ماجة ومن الأمانة فِي العلم إنك إذا أبديت رأيًا ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق فِي غير مَا أبديت أن تصدع بما استبان لك أنه الحق. ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إِلَى سوء النظر فيما رأيته أولاً، والأمانة حملت كثيرًا من العلماء على أن يظهروا رجوعهم عن كثير من آراء علمية أو اجتهادية دينية تبين لهم أنهم غير مصيبين فيها. ولا يكترثون بما قال فيهم من الاعتراضات التي فِي غير محلها لعلمهم أن الناس مَا مِنْهُمْ سلامة أبدَا مهما استقاموا ولهذا الرسل لَمْ يسلموا مِنْهُمْ قولاً وفعلاً، بل الله جل وعلا الذي أوجدهم ورباهم ورزقهم وفضلهم على كثير ممن خلق جعلوا له ولدا وقالوا: لا يعيدنا، فلا مطمع فِي السلامة مِنْهُمْ، وهم كما قال الشاعر معربًا عن صفاتهم: وَإِنْ تُبْدِي يَوْمًا بالنَّصِيحَةِ لامْرئٍ بِتُهْمَتِهِ إِيَّاكَ كَانَ مُجَازِيَا

стр. 1685

ج وَإِنْ تَتَحَلَّى بِالسَّمَاحَةِ وَالسَّخَاء يُقَالُ سَفِيهٌ أَخْرَقٌ لَيْسَ وَاِعِيَا وَإِنْ أَمْسَكْت كفَّاكَ حَالَ ضَرُورَةٍ يُقَالُ شَحِيحٌ مُمْسِكٌ لا مُسَاوِيَا وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْ فِيكَ يَنْبُوعُ حِكْمَةٍ يَقُولُونَ مِهْذَارًا بَذِيًّا مُبَاهِيَا وَعَنْ كُلِّ مَا لاَ يَعْنِ أَنْ كُنْتَ تَارِكًا يَقُولُونَ عَنْ عِيٍ مِن العَجْزِ صاَغِيَا وَإِنْ كُنْتَ مِقْدَامًا لِكُلِّ مُلِمَّةٍ يُقَالُ عَجُولٌ طَائِشُ العًقْلَ وَاهِيَا وَإِنْ تَتَغَاضَى عَنْ جَهَالَةِ نَاقِصٍ يَعُدُّوكَ خَوَارًا جَبَانًا وَلاهِيا وَإِنْ تَتَقَاصَى بِاعْتِزالِكَ عَنْهُمُو يَخَالُوكَ مِنْ كِبْرٍ وَتِيهٍ مُجَافِيَا وَإِنْ تَتَدَانَى مِنْهُمْ الِتَأَلُّفٍ يَظُنُّوكَ خَدَّاعًا كَذُوبًا مُرَائِيَا تَرى الظُّلْمَ مِنْهُمْ كَامِنًا فِي نُفُوسِهم كذَا غَدْرُهُم فِي طَبْعِهِمْ مُتَوَارْيَا فَفِي قُوَّةِ الإِنْسَانِ يَظْهَرُ ظُلْمُهُ وَفِي عَجْزِهِ يَبْقَى كَمَا كَانَ خَافِيَا وَهَيْهَاتَ تَنْجُو مِنْ غَوَائِلِ فِعْلِهم وَأَقْوَالِهِمْ مَهْمَا تَكُنْ مُتَحَاشِيَا
следующие страницы →