← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

اللَّهُمَّ يا سامِع كل صوت، ويا بارئ النفوس بعد الموت، يا مَن لا تشتبهُ عليه الأصوات، يا عظيم الشأن، ويا واضع البرهان، يا مَن هو كل يوم في شأن، اغفر لنا ذنوبنا إنكَ أنتَ الغفور الرحيم. اللَّهُمَّ امنَنْ علينا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوى زادنا وفي دينكَ اجتهادنا وعليك توكلنا واعتمادُنَا، واغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينِ. الفَصْلُ التَّاسِعُ في الإِخْلاصِ والنِّيَّةِ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشُوبَهُ غَيْرُه فَإِذَا صُفِّيَ عَنْ شَوبِهِ وَخَلَصَ عَنْهُ سُمِّيَ خَالِصًا، وَيُسَمَّى الفِعلُ الْمُصَفَّى الْمُخْلَصَ إخْلاصًا. قَالَ الله تعالى: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ فَإنَّما خُلُوصُ اللبَنِ أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ شَوْب من الدَّمِ والفَرْثِ وَمِنْ كُلِّ ما يُمْكنُ أَنْ يُمْتَزَجُ بِهِ وَالإِخْلاصُ يُضَادُّهُ الإِشْرَاكُ، الْمُخْلِصُ الصادقُ هُوَ الذِي لا يُبَالِي لَوْ خَرَجَ كلُّ قَدْرٍ له في قلوبِ الْخَلْقِ مِنْ أَجْلِ إِصْلاحِ قَلْبِهِ ولا يُحِبُّ إطْلاعَ الناسِ عَلى أعْمَالِهِ. وقَالَ حُذَيْفَةُ الْمَرْعَشِي ﵀: الإِخْلاصُ: أَنْ تَسْتَوِيَ أَفْعَالُ الْعبدِ فِي الظَّاهِر والباطِنِ. وقَالَ غَيْرُهُ: الإِخْلاصُ: إفْرَادُ الحقِّ بالطَّاعَةِ بالْقَصْدِ. وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِطاعتِهِ التقرُّبَ إلى اللهِ تَعَالى دونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ الناسِ أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنَ الْخَلْقِ أَوْ مَعْنَى مِن الْمَعانِي سِوىَ التقرُّبِ إلى اللهِ. وقَالَ آخر: نَظَرَ الأكياسُ في تفسيرِ الإخْلاصِ فَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذَا أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ وَسكونُهُ في سِرِّهِ وَعلانِيَّتِهِ للهِ تَعَالى لا يُمَازِجُهُ نَفْسٌ ولا هَوَىً ولا دُنْيَا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإخْلاصُ التَّوَقِّي عَنْ مَلاحَظَةِ الْخِلْقِ،

стр. 177

والصِّدْقُ التَّنَقِّي مِنْ مُطَاوَعَةِ النَّفْسِ فالمخلصُ لا رِياءَ لَهُ، والصَّادِقُ لا إِعْجَابَ لَهُ. وقَالَ آخر: ثَلاثٌ مِنْ علاماتِ الإخْلاص: اسْتواءُ الْمَدْحِ والذَّمِّ مِنَ العَامَة، ونِسْيَانُ رؤيةِ الأَعْمَالِ في الأعمالِ، واقتِضَاءُ ثوابِ العمل في الآخرة. وقد وَرَدَ في فَضْلِ الإخلاصِ آياتٌ وَأَحاديُث، قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، وقَالَ: ﴿أََلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ، وقَالَ تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ ، وقَالَ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ وقَالَ: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ . وَأَخْبَرَ تَعَالى عَمَّا قَالَهُ الْمُخْلِصُونَ مِنْ عِبَادِهِ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾ ، وقَالَ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ . وقَالَ تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «مَنْ خَرَجَ حَاجًا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْحَاجِّ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَمَاتَ كُتِبَ لَهُ أَجْر الْمُعْتَمِرِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ومَنْ خَرَجَ غَازِيًا في سَبِيلِ الله فماتَ كُتِبَ لَهُ أَجْرِ الْغَازِي إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَعَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ عن رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فارقها وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ» . رَوَاهُ ابنُ ماجة، والحاكمُ وقَالَ: على شَرْطِ الشيخين.

стр. 178

وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدَرِيّ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ في حَجَّةِ الوَدَاع: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ ليس بَفْقَيهٍ، ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امرئ مؤمن: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، والَمُنَاصَحَةُ للأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَّعْاءهم محِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» . رواه البزَّارُ بإسنادٍ حَسَنٍ، ورواهُ ابنُ حِبَّانِ في صحيحِهِ مِنْ حديثِ زَيْدِ بن ثابتٍ. وعن مُصْعَبِ بن سعدٍ عن أبيه ﵁ أنه ظَنَّ أنَّ لَهُ فَضْلاً على مَنْ دونَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهُ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِه الأمةَ بضَعِيفها بدعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإخلاصِهِمْ» . رَوَاهُ النسائي وغيرُه. وما وردَ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللهُ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. شِعْرًا: إِذَا شِئتَ أَنْ تُدْعَى كَرِيمًا مُهَذَّبًا ... تَقِيًّا سَرِيًّا مَاجِدًا فَطِنًا حُرًّا فَكُنْ مُخْلِصًا للهِ ﷻ ... وَكَنْ تَابِعًا لِلْمُصْطَفَى تُحْرِزِ الأَجْرَا وَإِنْ مَا بَدَا مِنْ صَاحِبٍ لَكَ زَلَّةٌ ... فَكُنْ أَنْتَ مُحْتَالاً لِزَلَّتِهِ عُذْرَا آخر: جُرُوحُ الْمَعَاصِي لِلْفُؤادِ تُذِيبُ ... وَلَيْسَ سِوَى تَقْوَى الإِلهِ طَبِيبُ وَحَسْبُكَ أَنْ تُخْلِصْ لَمْنَ خَلَقَ الوَرَى ... وَتَسْأَلَهُ دَوْمًا لَعَلَّ يُجِيبُ وَعَنْ جَابِرٍ بن عبد الله قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمْ الْمَرَضُ» . وفي رواية: «إِلا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وفي روايةٍ: «حَبَسَهُمْ الْعُذرُ» .

стр. 179

وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الأَرْضِ خُسِفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعن مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهُ ﷺ فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ» . رواه البخاري. وفي حديث سَعْدٍ بن أبي وقاص أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ له: «إِنَّكَ لَنْ تُخلفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً تبتغي به وجه الله إِلا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً» . الحَدِيثِ. وعن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري قَالَ: سُئِلَ رَسُولِ اللهُ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وقَالَ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: فلان جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.

стр. 180

وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُ به وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ فِي النَّارِ» . وفي الصحيحينِ مِنْ حَديث ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» ، وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْصارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالا وََهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ» . قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِيهِ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ مَالاً وَلَم يُؤْتِهِ عِلْمًا يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ» . قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» . وقَالَ عُمرُ: ﵁: أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللهُ تَعَالى، والوَرَعَ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى، وَصَدَقَ النَّيَةِ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: دُلُّوني على عَمَلٍ لا أَزَالُ بِهِ عَامِلاً لله تَعالى فَقِيلَ لَهُ: انو الخيرَ فإنكَ لا تَزَالُ عاملاً وَإنْ لَمْ تَعْمَلْ، فالنيةُ الصَّالِحَةُ بِعَمَلِ وإن عُدِمَ العَمَلُ لِعُذْرٍ

стр. 181

شَرْعِي، فإنَّ مَنْ نَوى أَنْ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَنَامَ كُتِبَ لَهُ ثَوَابَ مَا نَوى أَنْ يَفْعَلَهُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث: «ما مِنْ رجلِ يكونُ لهُ سَاعَةً من اللَّيلِ يَقُومُهَا فَيَنَامُ عَنْهَا إِلا كُتِبَ لَهُ أَجْرَ صَلاتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً تُصُدِّقَ بِهِ عَليهِ» فَالْمَرْءُ مَا دَامَ قَدْ أَسْلَم وَجْهَهُ للهِ وأخلصَ نِيَّتَهُ لله فإنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَنَوْمَاتِهِ وَيَقْظَاتِهِ تُحْسَبُ خَطَوَاتٍ إلى مَرْضَاةِ اللهِ. قَالَ بَعضُ السلفِ: إنِّي لأَسْتَحِبُ أَنْ يَكُونَ لِي فِي كُلِّ شَيْءٍ نيةُ حَتَّى في أكلي وَشُرْبِي وَنَوْمِي وَدُخُولِ الْخَلاءِ وفي كلِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أن يُقْصَد بِهِ التقربَ إلى اللهِ تَعَالى لأَنَّ كُلَّ مَا هُو سَبَبٌ لِبَقَاء البَدَنِ وَفََرَاغِ القلبِ مِنَ مُهِمَّاتِ الدينِ فَمْنْ قَصَدَ مِنْ الأَكْلِ التَّقَوِّي علَى العبَادَة ومن النكاح العَفَافَ وَتَحْصِينَ الدين وَتَطَييبَ قَلْبِ أهلِهِ والتَّوصُّل إلى وَلَدٍ يَعْبُدُ الله بَعْدَهُ أُثِيبَ على ذلك. وَلا تَحْتَقِرْ شَيْئًا مِنْ حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ فَصْلاح النِّيَّةِ وَإخْلاصُ القلبِ لِرَبِّ العالمينَ يَرْفَعَانِ مَنْزلَةَ العَمَلِ الدُّنْيَوي البَحْتِ فَيَجْعَلانِهِ عِبَادَةً مُتَقَبَّلَةً كَمَا أَنْ فَسَادَ النِّيَّةِ يَنْزلُ بالطَّاعَاتِ وَتَنْقَلِبُ مَعَه مَعَاصِي فلا يَنَالُ المرء بَعْدَ التَّعَب في أدَائِهَا إِلا الْفُشَلُ وَالْخَسَارَة. اللَّهُمَّ يَا مُصْلِحَ الصَّالِحِينَ أَصْلِحْ فَسَادَ قُلُوبِنَا واسْتُرْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ عُيُوبَنَا وَاغْفِرْ بِعَفْوكَ وَرَحْمَتِكَ ذُنُوبَنَا وَهَبْ لَنَا مُوبِقَاتِ الْجَرَائِر واسترْ عَلَيْنَا فَاضِحَاتِ السَّرَائِر ولا تُخلِنَا في مَوْقَفِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغُفْرانِكَ وَلا تَتْرُكْنَا مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَإحْسَانِكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : قَالَ ابن القيم ﵀: لا يَجْتَمِعُ الإخلاصُ في القلبِ وَمَحَبَّةُ الْمدحِ والثَّنَاءِ والطَّمَعِ فِيمَا عِنْدَ الناسِ إِلا كَمَا يَجْتَمِع الْمَاءُ والنارُ

стр. 182

والضبُ والحوتُ، فإذا حَدَثَتْكَ نَفْسُكَ بطلَبِ الإخلاصِ فَأقْبِلْ عَلى الطَّمَعِ أَولاً فَاذْبَحْهُ بِسِكينِ اليأسِ، واقبلْ على الْمدَحِ والثناءِ فازْهَدْ فِيهِمَا زُهْدَ عُشَّاقِ الدُّنْيَا فِي الآخرةِ، فإذا استقامَ لك ذَبحُ الطَّمعِ والزهدُ في الثناءِ والمدحِ سَهُلَ عَلَيْكَ الإخْلاصُ فإن قلتَ: وما الذي يُسَهِّلُ عَلَيَّ ذَبْحَ الطَّمَعِ والزُّهْدَ في الثناءِ والمدحِ قلتُ: أمَّا ذَبْحَ الطَّمعِ فَيُسَهّلُهُ عَلَيْكَ يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ يَطْمَعُ فِيهِ إِلا وَبيدِ اللهِ وَحدَهُ خِزَانَتُهُ لا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ وَلا يُؤْتَى الْعَبْدُ منها شَيْئًا سِوَاهُ، وأما الزُّهْدُ في الثناءِ والْمدحِ فَيُسَهّلهُ عَلَيْكَ عِلْمُكَ أنَّهُ ليسَ أَحَدٌ يَنْفَعُ مَدْحُهُ وَيَزِينُ، وَيَضُرُّ ذَمُهُ وَيَشِينُ إلا اللهُ وَحْدَهُ، قَالَ ذلك الأعرابيُ للنَبي ﷺ : إن مَدْحِي زَيْنٌ وَذَميِ شَيْنٌ، فَقَال النَبي ﷺ : «ذلكَ اللهٌ » . فازهَدْ في مَدْحِ مَن لا يَزينُك مَدْحُهُ وفي ذَمِّ مَن لا يَشِينُكَ ذَمُّهُ، وارْغَبْ في مَدْحِ مَن كُل الزَّينِ في مَدْحِهِ وَكلُّ الشَيْنِ في ذَمِّهِ، ولن يَقْدرْ عَلى ذَلكَ إلا بالصَّبر واليَقينِ فَمَتَى فَقَدْتَ الصَّبْرَ واليقينَ كُنْتَ كَمَنْ أَرادَ سَفرًا في البَحْرِ في غَيْرِ مَرْكَبٍ، قَالَ الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ، وقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . وقد يَعْجَزُ عن عمل الخيرِ الذي يَتَمَنَّى فِعْلَهُ لِضَعْفِ بَدَنِه أو قِلَّةَ مَالِهِ ولكن اللهُ المطلعُ على السَّرَائِر اللطيفُ الخبيرُ يُثِيبُ الحَرِيصَ على فِعْلِ الخَيرِ كما في الحَدِيثِ إذا مَرِضَ العَبْدُ أو سَافَرَ كُتِبَ له ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا. وفي غزوةِ العُسْرَةِ تَقَدَّمَ إلى رَسُولِ اللهُ ﷺ رجالٌ يُرِيدُون أنْ يُقَاتِلوا الكفارَ وأن يَجُودُوا بأنفُسِهم في سبيلِ اللهِ فقَالَ

стр. 183

لهم النبيُ ﷺ : «لا أَجِدُ مَا أحْمِلُكُمْ عليه فعادُوا وفي حُلُوقِهِمْ غُصَّةٌ لِتَخَلُّفِهم عن ميدَانِ القِتَالِ في سبِيل اللهِ وفيهم نَزَلَ: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ فَنَوَّهُ النبيُ ﷺ بإيمانِهِمْ وإخلاصِهِم وقَالَ لِلْجَيْشِ السّائِرِ مَعَه: «إن بالمدينةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُم مَسِيرًا ولا قَطعْتُمْ وادِيًا إلا كانُوا مَعَكُم» . الحديث. وَتَقدم قَرِيبًا. اللَّهُمَّ أعْطِنَا مِن الخيرِ فوقَ مَا نَرْجوه واصْرف عَنا مِن السوءِ فوقَ مَا نَحْذر فإنكَ تَمحُو مَا تَشَاء وَتَثْْبت وعندك أُم الكِتاب. اللَّهُمَّ واجعلنَا ممَّن يأخُذ الكِتاب باليمن، واجعلنَا يَوم الفزعِ الأَكْبَر آمِنين، وَأَوْصِلْنَا بِرَحْمَتِكَ وَكَرمِكَ إِلى جَنَّاتِ النَّعِيمْ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى نَهْجِ الاسْتِقَامَةِ وَأَعِذْنَا مِنْ مُوجبَاتِ الحَسْرةِ وَالنَّدَامَةِ يَوْمَ القِيَامِة وَخَفِّفْ عَنَّا ثُقْلَ الأوزار، وَارْزُقَنَا عِيشَةَ الأَبْرَارِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَميعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. الفَصْلٌ العاشر وقَالَ ابن القيم ﵀: يَعْرِضُ لِلْعَامِل في عَمَلِهِ ثلاثُ آفاتٍ: رؤيتُهُ، وملاحظتُه، وطلبُ العَوَضِ عليه ورضاهُ بهِ وَسكونُهُ إليه. ففي هذه الدرجةِ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ البَلِيَّةِ. فالذي يُخَلِّصُه مِن رُؤَْيِة عَمَلِهِ مُشَاهَدَتُهُ لِمنَّةَ الله لا مشيئته هو، كما قَالَ تَعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وأنَّهُ آلةٌ مَحْضَة وأنه لَو خُلي وَنَفْسَه لم يكنْ مِن فِعْلِهِ الصَّالِح شَيءٌ، فإنَّ النَّفْسَ جَاهِلةٌ ظالِمةٌ طَبْعُهَا الكَسَلُ وإيثارُ الشهواتِ والبطالةُ، وهي مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍ ومأوى كُلِّ سُوءٍ، وما كانَ هَكَذَا لم يَصْدُرْ

стр. 184

مِنهُ خَيْرٌ وَلا هُو مِن شَأْنِهِ فَالخَيرُ الذي يَصْدُرُ مِنها إِنَّمَا هُوَ مِن اللهِ وبِهِ، لا من العبد ولا بِهِ، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾ ، وقَالَ أهلُ الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ ، وقَالَ ﵎ لرسوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ ، وقَالَ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية. فكلُ خيرٍ في العبدِ فهو مُجَرَّدُ فضلِ اللهِ وَمنَّتِهِ وإحسانِهِ وَهُوَ المَحْمُودُ عليهِ فرؤيةُ العبدِ لأَعْمَالِهِ في الحقيقةِ كَرُؤْيتهِ لِصفاتِهِ الخَلْقِيَّةِ مِن سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وإدْرَاكِهِ وَقُوَّتِهِ، بَلْ مِن صِحّتِهِ وَسَلامَةِ أعضائِهِ ونحو ذلكَ، فالكلُ مُجَرَّدُ عَطَاءِ اللهِ وَنعمتِهِ وَفَضْلِهِ فالذي يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن هذِهِ الآفةِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ وَمَعْرِفَةُ نَفْسِهِ. والذي يُخَلِّصُهُ مِن طلبِ العِوَضِ على العملِ عِلْمُهُ بأنه عَبْدُ مَحْضٌ، والعَبْدُ لا يَسْتَحقُّ على خِدْمَتِهِ لِسَيّدَهِ عِوَضًا ولا أجْرَةَ، إذْ هُو يَخْدِمُهُ بِمُقْتَضي عُبُودِيَتِهِ، فَمَا يَنَالَه مِن سَيِّدِهِ مِن الأجر والثَوابِ تَفَضَّلٌ منه وإحسانٌ إليهِ وإنْعَامٌ عليهِ لا مُعَاوَضَةَ، إذِ الأُجْرَةُ إِنَما يَسْتَحِقُّهَا الحُرُّ أو عَبْدُ الغَيْرِ فأمَّا عَبْدُ نَفْسَهُ فلا. والذي يُخلِصُه مِنَ رِضَاهُ بِعَمَلِهِ وَسُكُونِهِ إِليهِ أَمْرَانِ. أَحدُهُمَا: مطالعةُ عُيُوبِهِ وآفاتِهِ وَتَقصيرِهِ فيه وما فيهِ مِن حَظِ النَّفْسِ والشيطانِ، فَقَلَّ عَمَلٌ مِن الأَعْمَالِ إلا ولِلشَّيْطَانِ فيه نَصِيب وإنْ قَلَّ وَلِلنَّفْسِ فيه حظ. الثاني: عِلْمُهُ بما يَسْتَحِقُّهُ الربُّ ﷻ مِن حُقُوقِ العُبوديةِ وآدابِهَا الظاهرةِ وَالباطنةِ وشروطِهَا وأَنَّ العَبْدَ أضعفُ وأَعجزُ مِن أنْ يُوَفِيها

стр. 185

حَقًا وأن يَرْضَى بِهِ لِربّهِ فالعَارِف لا يَرضَى بشيءٍ مِن عَمَلِه لِرَبِّه وَلا يَرْضَى نَفْسَهُ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَيَسْتَحِي مِن مُقَابَلَةِ اللهِ بِعَمَلِهِ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُصَلِّي فِي اليوم واللَّيْلَةِ أَرْبَعْمائَةِ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَقْبِضُ عَلى لِحَيَتِهِ وَيَهُزُهَا وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ وهل رَضِيتُكَ لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: آفَةُ الْعَبْدِ رِضَاهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنْ نَظَرَ إِلى نَفْسِهِ بَاسْتِحْسَانِ شيْءٍ مِنْها فَقَدْ أَهْلَكَهَا وَمَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ على دَوَامِ الأَوْقَاتِ فهو مَغْرُورٌ. انتهى. وَخِتَامًا فَعَلَى الْمُسْلِم الْمخلصِ أن يَحْذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ أَنْ يَمْتَزِجَ بإخلاصِ عَمَلهِ شَيْءٌ آخرُ مِن رياءٍ أَوْ غَيرهِ كَمَنْ يَصُومُ لِيَنْتَفِعَ بالْحُمِيةِ الْحَاصِلةِ بالصَّوْمِ وَمَعَ قَصدِ التَّقربِ، أو يُعْتقَ رَقيقَهُ ليَتَخَلَّصَ مِنْ مَؤنَتِهِ وَسُوءِ خُلُقِهِ، أَوْ يَحُجَّ لِيَصِحَّ بَدَنُه بِحَرَكَةِ السَّفَرِ أَوْ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ شَرٍّ يَعْرُضُ لَهُ بِبَلَدِهِ، أَوْ يَغْزُو لِيَتَمَرَّنُ عَلَى الْحَرْبِ وَيُمَارِسَها، أَوْ يَتَعَلم العِلْمَ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ طَلَبَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمال، أو لِيَكونَ عَزيزًا بَيْنَ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَعَشِرَتِهِ، أَوْ لِيَكُونَ مَالُهُ مَحْرُوسًا بِعِزِّ العِلْمِ عَن الأطمَاع، أَوْ عَادَ مَرِيضًا لِيُعَادَ إنْ مَرِضَ، أَوْ شَيَّعَ جَنَازةً لِيُشَيَّعَ جَنَائِزَ أَهْلِهِ، أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَالْخَيرِ وَيُذْكَرَ بِهِ وَيُنْظَرَ إِلَيْهِ بَعَيْنِ الصَّلاحِ والوَقَارِ، أَوْ تَصدقَ لِيُثْنَى عَلَيْهِ وَيقَالَ: أَنَّهُ كَرِيمٌ يَبْذُلُ الْمَالَ، أو قَامَ بِمَشَارِيعَ خَيْرِيَّةٍ لِيُثْنَى عَلَيْهِ فَكلُ هَذِهِ وَنَحْوَهَا مِن مُكَدِّرَاتِ صَفْوِ الإخلاصِ نَسْأَل اللهُ العصمةَ لَنَا ولإخْوَانِنَا مِنْهَا. وَكَمْ مِنْ أَعْمَالِ يَتْعَبُ الشخصُ فِيها وَيَظُنُّ أَنَّهَا خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ، ويكونُ فِيها مَغْرُورًا لأنه لا يَرَى وَجْهَ الآفةِ فِيها، فَدقائقُ الآفاتِ قَلَّمَا تَسْلَمُ الأعمالُ منها. قَالَ بعضُ السلفِ: لا يَزَالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ ما عَلِمَ مَا الذي يُفْسِدُ عليهِ

стр. 186

عَمَلهُ فلا غِنَى بالْعَبدِ عن مَعْرِفَةِ مَا أُمِرْنَا بَاتَّقَائِهِ مِن الرَّياءِ وَغَيْرِهِ وَلاسِيمَا الرَّيَاءُ إذْ وُصِفَ بالْخَفَاءِ فِي الْحَدِيثِ: أنه أخفَى مِن دَبِيبِ النَّملِ فَمَا خَفِيَ لا يُعْرَفُ إِلا بِشِدَّةِ التَّفَقُدِ وَنَفَاذِ البصيرةِ بِمَعْرِفَةٍ لَهُ حِينَ يَعْرُضُ وَإلا لَم يَنْفَعِ التفقدُ لِمَا لا يُعْرَفُ. فَبالْخَوْفِ والْحذرِ يَتَفَقَّدُ الْعَبْدُ الرِّيَاءَ، وَبِمَعْرِفَتِهِ بِبَصَرِهِ حِينَ يَعْرِضُ لَهُ. وَمِنْ فَوَائِد الإخلاصِ: أنه يَمُدُّ جَأْشَ صَاحِبه بِقُوَّةٍ فلا يَتَبَاطأَ أَنْ يَنْهَضَ لِلدّفاعِ عَن الْحَق. وَمِنْ فَوَائِدِهِ: أنه يَشْرَحُ صَدْرَ صَاحِبِهِ للأنْفاقِ في وُجُوهُ البِرِ فَتَجدُهُ يَؤثِرُهَا بِجَانِبٍ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ. وَمِنَ فوَائِدِهِ أَنه: يُعَلِّم صَاحِبَه الزُّهْدَ في عَرَضِ الدُّنْيَا، فَلا يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُنَاوِئَ الْحَقَّ أو يُلْبِسَه بِشَيْءٍ مِنْ البَاطِلِ، وَلَو أُعْطِيَ الشَّيْءَ الكثيرَ مِن الْمَال. وَمِنَ فوائِدِهِ: أَنه يَحْمِلُ القاضِي على تَحْقِيقِ النَّظَرِ في القَضَايَا فلا يَتَسَرَّع في القَضِيَّةِ وَيفْصِلُ فِيهَا إلا بَعْدَ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ. وَمِنَ فَوائِدِهِ: أنه يَحْمِلُ الْمُعَلِّمَ أنْ يَبْذِلَ جُهْدَهُ في إيضاحِ مَا خَفِيَ عَلَى التَّلْميذِ، وَأنْ لا يَبْخَلَ على الطلابِ بِمَا تَسَعُه أَفْهامُهُم مِن الْمَبَاحِثَ الْمُفِيدَةٍ. وَمِنَ فَوَائِدِهِ: أَنْ الأَسْتَاذَ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَسْلُك في طَرِيقَةِ التَّدرِيس ِالأَسَالِيبَ التي تُجَدِّدُ نَشَاطَهُمْ وَتَحْفِزُهُمْ إلى التَّعَمُقِ في الْمَسَائِل. وَمِنَ فوائِدِ الإخلاصِ: أنه يَمْنَعُ التاجِرَ مِنْ الْخِيانَةِ فلا يَخُونُ الذي يأتمنُه في صِنْفٍ مِن أَصْنَافِ البِضَاعَةِ، أَوْ قِيمَتِهَا. وَمِنَ فوائِدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى إِجَادَةِ الْعَمَلِ وَأَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا فِيهِ وَمِن فوائِدِهِ: أنه يَمْنَعُ الكاتبَ أَنْ يَقْلِبَ بَعْضَ الْحَقَائِقِ أَوْ يَكْسُوهَا لونًا غَيْرَ لَوْنِهَا. وَمِنَ فوائدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صَاحِبَه عَلَى تَجَنُّبِ الغِشِّ فَكُلُّ غَشاشِ فهو

стр. 187

ليسَ بِمُخْلِصٍ، وَتَقَدَمَ حَدِيثُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَمِنَ فَوَائِدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلَى الوَفَاءِ بَالْعَهْدِ وَالْوَعْدِ، وَمِنَ فَوَائِدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَمَلَهُ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ سَوَاء. وَمِنَ فَوَائِدِهِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلَى تَنْظِيمِ أعمَالِهِ. ومِنْ فوائِدِهِ: أَنَّ الْمُتَّصِفَ به يكونُ مُقَدَّرًا مَرْمُوقًا بَعْينِ الاحْتِرَامِ وَالإجْلالِ، وَمِنَ فَوَائِدِهِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ عَلَى الابْتِعَادِ عن الرِّشَوةِ، وَمِنَ فَوَائِدِهِ: أَنَّهُ يَحْمِلُ صاحِبَهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ والعَقدْ وَزِيرًا أَوْ رَئِيسًا أَوْ مُدِيرًا أَنْ يَتَحَرَّى للأعْمَالِ الأتقَى والأرضى، الذي تُوجَدَ فِيهِ الْمُؤهلاتُ حَقيقةً، وَهيَ القوةُ والأمانةُ والْحفظُ والعلمُ. عاملاً بقوله ﷺ : «مَن اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى عِصَابَةٍ وَفِيهم مَن هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ الله وَرَسُولَهُ والْمُؤْمِنين» . وَمِنَ فوائِدِهِ: أَن العَمَل الْخَالِصَ الَقَلِيل مِنْهُ يَجْزِي كَمَا في حَدِيثِ معاذٍ أنَّ النبي ﷺ قَالَ لَهُ: «أَخلِصْ العَمَلَ يُجْزِكَ مِنْهُ الْقَلِيلُ» . قَالَ بَعْضُهم: أَنا الزَّعِيمُ لِمَنْ يُخْلِصْ لِخَالِقِهِ ... وَيَعْمَلَ الصَّالِحَات أَنْْ يُحْرزَ الرَّشَدَا آخر: وَأحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُخْلِصٍ ... لِمَنْ خَلَقَ الأَشْيَاءَ رَبِّ البَرِيَّةِ وَأَيْمَنُ كَفِ في الوَرَى كَفُ مُحْسِنٍ ... يُرِيدُ رِضَى الْخَلاقِ نِعْمَ الإِرَادَة آخر: ... وَإِذَا افْتَقَرْتَ إلى الذَّخَائِرِ لَمْ تَجِدْ ... ذُخْرًا يَكُونَ كَصَالح الأَعْمَالِ آخر: ... وَاللهُ لا يَرْضَى بِكَثْرِةِ فِعْلِنَا ... لَكِنْ بَأَحْسَنِهِ مَعَ الإِيمَانِ فالعَارِفُونَ مُرَادُهُم إِحْسَانَهُ ... وَالْجَاهِلُونَ عَمُوا عَن الإِحْسَانِ وَمِنَ فَوَائِدِ الإِخْلاصِ: أَنَّ العَبْدَ لا يَتَخَلَّصُ مِن الشَّيْطَانِ إلا بالإِخْلاصِ، قَالَ اللهِ إِخْبَارًا عَمَّا قَالَه إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، وَمِنَ فَوَائِدِ الإخلاصِ: أَنَّهُ يُمِيِّزُ العَمَلَ مِن العُيُوبِ كَتَمْيِيزِ نَفْسَهُ وَيُجِمُّهَا لِلْعَمَلِ لِيَتَقَّوَى عَلَى العِبَادة يكونُ نَوْمُهُ عِبَادَةً.

стр. 188

اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ القَبُولِ والإِجَابَةِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (موعظة) : عِبَادَ اللهِ أَخْلِصُوا في أَعْمَالِكُمْ كُلَّهَا لا فَرْقَ بَيْنَ عَمَلٍ وَعَمَلٍ سَوَاءٌ أَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لِلَّهِ أَمْ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لِخَلْقِ اللهِ، وَسَواءٌ أَكُنْتُم بَيْنَ الْخَلْقِ وأنتمُ تَعْمَلُونَ أَمْ كُنْتُمْ في مَحَلٍ خَفِي لا يَرَاكُم إلا اللهُ والكرامُ الكاتبونَ، وَسَواءٌ أَكنتُم في سَرَّاءَ وَقْتِ العَمَلِ أَمْ في ضَرَّاءَ. ذَلِكَ الإِخْلاصُ هو أَنْ تَعْمَلَ العَمَلِ الصَّالِحَ لا تُريدُ جَزَاءً عَليهِ إِلا مِن اللهِ يَكُونُ ذَلِكَ قَصْدُكَ قبلَ العَمَلِ وَحَينِ مُبَاشَرَتِهِ وَبَعدَ الفَرَاغِ مِنْهُ لا تَذْكُرُهُ بِلِسَانِكَ إلا مِن بَابِ التَّحَدُّثِ بِنَعَمِ اللهِ أَوْ لِيَقْتَدِي بِكَ غَافِلٌ مُتَّبعٌ لِهَوَاهُ، بِهَذَا يَكُونُ الْعَمَلُ عِبَادَةً حَقًّا وَتَكُونَ أَنْتَ مِن العَابِدينَ وَبِهَذَا يَثْمِرُ عَمَلُكَ القَبُولَ عندَ رَبِّكَ وَعِنْدَ الناسِ، وَبِهَذَا تَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ لأَنْ وَلِيَّكَ حِينَئِذٍ يَكُونَ مَوْلاكَ الَقَوِيُّ الْمَتِينُ وبهذا تكونُ مِنْ أَهْلِ الكَرَامَةِ في هَذه الدار وفي دَار الْجَزَاءِ. شعرًا: لِلهِ دَرُّ نُاسٍ أَخْلَصُوا العَمَلا ... عَلَى اليَقِين وَدَانُوا بالذي أُمِرُوا أَوْلا هُمُوا نِعَمًا فَازْدَادَ شُكْرهُمُوا ... ثُمَّ ابْتَلاهُم فَأرْضوْهُ بِمَا صَبَرُوا وَفَّوْا لَهُ ثُمَّ وَافَوْهُ بِمَا عَمِلُوا ... إِذًا سَيُوفِيهُموا إِذَا نُشِرُوا آخر: عَلَيْكَ بإخلاصِ العِبَادَةِ لِلَذِي ... لَهُ نِعَمُ لا تَنْحَصِي وَفَضَائِلُ آخر: إِذَا قِيلَ أَي النَّاس خَيْرٌ فَقُلْ لَهُمْ ... عِبَادٌ لِمَوْلاهُمْ أَنَابُوهُ وَأَخْلَصُوا أَمَّا إِذَا عَمِلْتَ العَمَلَ الصَّالِحَ لِيُقْبِلَ عَلَيْكَ النَّاسُ وَيَقُولُوا إِنَّكَ مِنْ الصَّالِحِينَ فأنتَ إِذًا تكونُ مُرَائِيًا لا تُخْلِص العَمَلَ بَلْ تَشْركْ مَعَه النَّاظِرينُ فتكونُ في دَعْوَى تَمْحِيصِِ العملِ للهِ تَعالى لَسْتَ بَصَادِقٍ بَلْ مِنْ الكاذبين. وَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونَ حَالُ مَنْ يَكْذِبُ عَلى مَنْ لا تَخْفَى عليهِ خَافيةٌ،

стр. 189

لا في الأرضِ ولا في السماءِ، إن الْمُرَائِيَ مَهْمَا أَخْفَى رِيَاءَهُ يُظْهِرُ اللهُ تعالى ما فِي قَلْبِهِ لِلْعَالِمِينَ، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلا منفذٌ لأَخَرَجَ الله عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» . وَلِذَلِكَ يَكُونُ لأعمالِ الْمُرَائِي مِن السَّمَاجَةِ في نُفُوسِ الناسِ مَالاً يَحْكِيهِ اللَّسَانُ وَلِهَذَا يَكُونُ مَرْذُولاً ثَقِيلاً عِنْدَ النَّاسِ، وَمِنْ هَذَا تَرَاهُ يَتَوَدَّدُ إلى النَّاسِ وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ وَنُفُورُهُمْ عنه عِبْرَةٌ عند العقلاء، ثم هو عندَ اللهِ أَسْوأُ حَالاً خصوصًا في اليومِ الذي يَشِيبُ فيه الأطفالُ فقد يُُؤْمَرُ بِهِ إِلى النَّارِ وَلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ لكنَّهَا لِمَّا لَمْ يُرْد بِهَا وَجْهَ اللهِ خَالِصَةً صَارَتْ وَبالاً عَلَيْهِ نَعوذُ باللهِ مِن الرِّيَاءِ. وَقَدِّم أَحاديثَ الرَسولِ وَنَصُّهُ ... عَلى كُلِّ قَولِ قَد أتى بِإِزّائِهِ فَإِن جاءَ رأيٌ لِلحَديثِ مَعارِضًا ... فَلِلرّأي فَاِطرَح وَاِستَرِح مِن عَنائِهِ فَهَل مَعَ وُجودِ البَحرِ يَكفي تَيِّمِمٌّ ... لِمَن لَيسَ مَعذورًا لدى فُقَهائِهِ وَهَل يوقِدُ الناسُ المَصابيحَ لِلضِيا ... إِذا ما أَتى ردأ الضُحى بِضِيائِهِ سَلامي عَلى أَهلِ الحَديثِ فَإِنَّهُم ... مَصابيحُ عِلمٍ بَل نُجومُ سَمائِهِ بِهِم يَهتَدي مَن يَقتَدي بَعُلومِهِم ... وَيَرقى بِهِم ذو الداءِ عِلَّةِ دائِهِ وَيَحيى بِهِم مَن ماتَ بِالجَهلِ قَلبَهُ ... فَهُم كَالحَيا تُحي البِقاعِ بِمائِهِ لَهُم حَللٌّ قَد زَيَّنَتْهُمْ مِنَ الهُدَى ... إِذا مَا تَرَدَّى ذُو الرَدَى بِرِدائِهِ وَمَن يَكُن الوَحيَ المَطَهَّرُ عَلَمَهُ ... فَلا رَيبَ في تَوفيقِهِ وَاِهتِدائِهِ وَما يَستَوي تالي الحَديثِ وَمَن تَلا ... زَخارِفَ مِن أَهوائِهِ وَهَذائِهِ وَكُن راغِباً في الوَحيَ لا عَنهُ راغِباً ... كَخابِطِ لَيلٍ تائِهٍ في ردُجائِهِ إِذا شامَ بَرقَ في سَحابٍ مَشى بِهِ ... وَإِلا بقي في شَكَّهِ وَاِمتِرائِهِ وَمَنْ قَالَ ذَا حِلٌّ وهَذَا مُحَرَّمٌ ... غير دَليلٍ. فهو مَحْضُ افترائِهِ

стр. 190

وَكُلُّ فَقيهٍ في الحَقيقَةِ مُدَّعٍ ... وَيَثِبُ بِالوَحيَينِ صِدقَ اِدِّعائِهِ هُما شاهَدا عَدلٍ وَلَكِن كِلاهُما ... لَدى الحُكمِ قاضٍ عادِلٍ في قَضائِهِ فَوا حَرَّ قَلبي مِن جَهولٍ مُسَوَّدٍ ... بِهِ يُقْتَدَى في جَهلِهِ لِشَقائِهِ يَرى أَنها دَعوى اِجتِهادٍ صَريحَةٍ ... فَواعَجَبًا مِن جَهلِهِ وَجَفائِهِ فَسَلهُ أَقول اللَهِ ماذا أَجَبتُمُ؟ ... لِمَن هُوَ يوم الحَشرِ عِندَ نَدائِهِ أَيَسأَلُهُم ماذا أَجَبتُم مُلوكَكُم؟ ... وَما عَظمُ الإِنسانِ مِن رُؤَسائِهِ أَمِ اللَهُ يَومَ الحَشرِ يَمتَحِنُ الوَرى ... بِماذا أَجابوا الرُسُلَ مِن أَنبِيائِهِ إِذا قُلت قَولَ المُصْطَفَى هُوَ مُذهَبِيٌّ ... مَتى صَحَّ عِندي لَم أَقُل بِسَوائِهِ وَهَل يَسألُ الإِنسانَ عَن غَيرِ أَحمَدٍ ... إِذا ما ثَوى في الرَمسِ تحتَ تُرابِهِ وَهَل قَولُهُ يا رَبِّ قَلَّدتَ غَيرَهُ ... لَدى اللَهِ عُذرٌ يَومِ فَصْلِ قَضائِهِ فَهَيهاتَ لا َغنى الفَتى يَومَ حَشرِهِ ... (سِوى حُبِّهِ رَبّ الوَرى وَاِتِّقَائِهِ) (وَحُبِّ رَسُولِ اللهِ بَل كلِّ رُسلِهِ ... وَمَنْ يَقْتِفَي آثارَهُمْ باهْتِدَائِهِ) اللَّهُمَّ نُوِّرْ قُلُوبَنَا وَاجْعَلِ الإِيمَانَ لَنَا سِرَاجًا وَلا تَجْعَلَه لَنَا اسْتِدْرَاجًا وَاجْعَلْهُ لَنَا سُلَّمًا إلى جَنَّتِكَ وَلا تَجْعَلَهُ لَنَا مَكْرًا مِنْ مَشِيئَتِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الْحَلِيمُ. اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفَعَهُ الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبَّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوِفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائِحِ والْمَعَائِبِ التي تَعْلَمُهَا مِنَّا، وامنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تمحو بها عنا كُلَّ ذَنْبٍ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. الفَصْلٌ الحادي عشر في محاسبة النفس اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أنه يَجِبُ على الإنسان أولاً:

стр. 191

أن يَعلمَ أنه عبدٌ مَرْبُوبٌ لا نَجَاةَ لَهُ إلا بِتقوى اللهِ وَلا هلاكَ عليه بَعْدَهَا، ثم يُفَكِّرُ (لأي شيءٍ خَلَقهُ ُاللهُ ولِمَا خَرَجَ فِي هَذِهِ الدَّارِ الفانية فَيَعْلَمَ أنه لم يُخْلَقْ عَبْثًا كما قَالَ الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ ، وقَالَ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ وإنِّما وُضِعَ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِلْبَلْوَى وَالاخْتَِبَارِ هَلْ يَطِيعُ رَبَّهُ فَيَنْتَقِلْ إلى دَارِ نَعِيمٍ أَبْدِي سَرمَدِي أَوْ يَعصِي رَبَّهُ فَينتقل إلى عذابِ الأبدِ إلى جَهَنَّمَ وَبئسَ الْمِهَاد. إِذَا فَهِمَ ذَلِكَ عَلمَ أنهُ لا نَجَاةَ لهُ إلا بطَاعَةِ رَبِّهِ وَأَن الدليلَ على طاعَةِ اللهِ الْعلمُ ثُم العملُ بأمرِهِ وَنَهْيهِ في مَوَاضِعه وَعِلَلِهِ وَأسْبَابِهِ وَلَنْ يَجدَ ذَلِكَ إلا في كتابِ الله وَسنةِ رَسُولِهِ ﷺ لأنَّ الطَّاعَةَ سَبِيل النجاةِ والعِلْمُ هُوَ الدَّلِيلُ على السبيلِ. قَالَ الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ . ثم يَتَأَمَّلُ مَا أَمَامَهُ من الشَّدَائِدِ والْكُرَبَ والعَقَبَاتِ وَالأَهْوَال التي أَوْضَحَها اللهُ في كِتابِهِ وَبَيْنَهَا رَسُوله صَلَّى اللَّهُ عَلَى وسلم، قَالَ تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ، وقَالَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ، وقَالَ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، وقَالَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ ، وقَالَ: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ . - فإذا عَلِمَ أَنَّهُ مُنَاقَشٌ في الْحِسَابِ عَنْ مثاقِيلِ الذَّرِّ فِي يَوْمٍ كان

стр. 192

مقدارُه خَمسينَ أَلْفَ سَنَةٍ أَحَوج ما يَكونُ إلى الْحَسَناتِ وَغُفْرانِ السَّيْئاتِ تَحقَّقَ أنّه لا يُنْجِيهِ مِنْ هَذِهِ الأخْطارِ إلا اعْتمَادُه على الله وَمَعُونَتِهِ عَلَى مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَمُرَاقَبَتِهَا وَمُطَالَبَتِهَا فِي الأنْفَاسِ والْحَرَكَاتِ وَمُحَاسَبَتِهَا في الْخَطَرَاتِ واللَّحَظَاتِ فَمَنْ حَاسَب قَبْل أَنْ يُحَاسَبَ خَفَّ في القيامةِ حِسَابُه وَحَضَر عِندَ السّؤال جوابُه وَحَسُن مُنْقَلبه وَمآبُه. قَالَ ابنُ القيِّم ﵀: هَلاكُ الْقَلْبِ مِنْ إِهْمَالِ مُحَاسَبتِهَا وَمنْ مَوَافَقِتَهَا وإتِّبَاع هَواهَا وفي الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولِ اللهُ ﷺ : «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأماني» . دَانَ نَفْسَهُ: أي حَاسَبَها. وذكر الإمامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزنُوهَا قبل أنْ تُوزَنوا، فَإِنَّه أَهونُ عَليكُم في الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسَبُوا أَنْفُسَكُمْ اليوم، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ يومئذٍ تُعرضونَ لا تَخْفَى مِنْكَمْ خَافِية عَلى اللهِ. وَذَكَر أَيْضًا عَن الْحَسَن لا تَلْقَى الْمُؤمِنَ إلا يُحَاسبُ نَفْسه ماذا أَردْتُ بكَلْمتي ماذا أردُت بِشرْبَتِي؟ والفَاجرُ يَمْضِي قُدُمًا لا يُحاسبُ نَفسُه. وقَالَ قَتادةُ في قَوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ ، أَضَاعَ نَفْسَهُ وَغُبِنَ مَعَ ذَلِكَ تَرَاهُ حَافِظًا لِمَا لَهُ مُضِيَّعًا لِدِينِهِ. وقَالَ الْحَسنُ: إنَّ العبْدَ لا يَزَالُ بَخير مَا كَانَ لَهُ وَاعظٌ مِنْ نَفْسِه وكانَتِ الْمُحاسبةُ مِنْ هِمَّتِهِ، وقَالَ مَيمُونُ بن مُهرانِ: لا يَكونُ الْعَبْدُ تَقَيًّا حَتَّى يَكُونُ لنْفسهِ أَشَدَّ مُحَاسَبةٍ مِنَ الشَّريكِ، وَلِهَذَا قِيلَ: النَّفْسُ كالشَّرِيكِ الْخَوَّانِ إِنْ لَمْ تُحَاسبُه ذَهَبَ بِمَالِكَ، وقَالَ مَيمُونُ أَيْضًا: إِنْ التَقيَّ أَشَدُّ مُحاسبةً لِنَفْسِهِ مِنْ سُلْطَانٍ قَاضٍ وَمِنْ شَرِيكٍ شَحِيحٍ.

стр. 193

وَذَكَرَ الإِمْامُ أَحْمدُ عنْ وَهْبٍ قَالَ: مكْتُوبٌ في حِكْمَةِ دَاوُود. حَقَّ عَلَى العَاقِل أَنْ لا يَغْفلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعْ إِخْوَانِهِ الذينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيوبِهِ وَيَصَدُّونَه عَنْ نَفْسُهُ، وَسَاعةٍ يُخَليَّ فيهَا بَيْنَ نَفسه وَبَيْنَ لذّتِهَا فِيمَا يَحُلّ وَيَجْمُلُ، فَإِنَّ في هَذِهِ السَّاعةِ عَوْنًا عَلَى تِلكَ السَّاعَاتِ وَإجْمَامًا للقُلوبِ. وقَالَ الْحَسَنُ: الْمؤمِنُ قوَّامٌ عَلى نَفْسه للهِ وإنّما يَخُفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ في الدُّنْيَا، وَإِنَمَّا شَقَّ الحِسَابُ يَوْمَ القِيَامِةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيرِ مُحاسبةٍ. إِنَّ الْمُؤمنَ يَفْجَؤهُ الشَّيْءَ يُعْجبُه فيقولُ: واللهِ إنّي لأَشْتَهِيكَ وإنَّكَ لمَنْ حَاجتِي وَلَكنْ واللهِ مَا مِنْ صِلَةٍ إِليْكَ هَيْهَاتَ حِيلَ بَيْنِي وَبِينِكَ وَيَفْرطُ مِنْهُ الشَّيءُ فَيرِجعُ إلى نَفْسِه فَيقُولُ: مَا أَردْتَ إِلى هَذا، مَا لِي وَلِهَذَا، وَاللهِ لا أعودُ إلى هَذَا أَبَدًا إِنَّ الْمُؤمِنينَ قَوْمٌ وَفَقَهُم القُرآنُ وَحَالَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ هَلَكتهِمْ إنّ المؤمنَ أسيرٌ في الدُّنْيَا يَسْعَى في فَكَاك رَقَبته لا يَأْمِنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللهَ لِيَعْلَم أَنَّه مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَفي بَصَرِهِ وفي لِسَانِهِ وفي جَوارِحِهِ. اللَّهُمَّ أَيْقِظْ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبَّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْمَعْرِفَةِ بِكَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَوَفَّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَامْتِثَالِ أَمْرِكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : قَالَ ابنُ القيّمِ: ﵀ عَلى قَوْلِ صَاحِبِ الْمَنَازِل: المحَاسَبةُ لَهَا ثَلاثَةُ أرْكَانٍ، أحدُهَا: أَنْ تُقايِسَ بَيْنَ نِعمتهِ وَجِنَايَتكَ يَعْنِي تُقَايسَ بَيْنَ مَا مِن اللهِ وَمَا مِنْكَ فَحِينَئذٍ يَظْهرُ لَكَ التَّفاؤتُ وَتَعَلمُ أَنَّهُ لَيْسَ إلا عَفوهُ وَرَحْمَتُه أَوْ الْهَلاكُ والعَطَبُ وَبِهَذِهِ الْمقَايسةِ تَعْلمُ أنَّ الربَّ رَبُّ وَالْعَبْدَ عَبْدٌ

стр. 194

وَيتبيّنَ لكَ حَقِيقَةُ النَّفسِ وَصِفَاتُهَا وَعَظمةُ جَلالِ الرُّبُوبيَّةِ وتفرد الرَّبُ بَالكمَالِ والأَفْضَالِ وأنّ كلّ نِعمةٍ فَضْلٌ، وَكُلَّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَأَنْتَ قَبْلَ هَذِهِ الْمقَايَسةِ جَاهلٌ بِحقيقةِ وَبِرُبُوبيّةِ فَاطِرِهَا وَخَالِقهَا. فإذَا قَايَستَ ظَهرَ لك أنّها مَنْبَعُ كلِّ شَرٍ وأسَاسُ كلِّ نَقْصٍ وأنْ حَدَّهَا الْجَاهلَةُ الظَّالِمَةُ وأنَّهُ لَوْلا فَضْلُ الله ورَحْمَتُه بَتَزْكِيَتِهِ لها مَا زَكَتْ أَبدًا وَلَوْلا هُداهُ مَا اهْتَدَتْ وَلولا إرشَادهُ وَتَوْفِيقُهُ لما كانَ لَها وُصُولٌ إلى خَيرٍ البتَّةَ وَإنّ حُصول ذَلِكَ لَها مِنْ بَارِئها وَفَاطِرَها، ثُمَّ تُقايس بينَ الْحَسناتِ والسَّيئاتِ فَتعلمُ بِهذهِ الْمُقَايسة أيُّهما أكثرُ وأرجَحُ قَدْرًا وَصِفَة. قَالَ: وهذه الْمُقَايَسةُ تَشُقّ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ ثَلاثَةُ أَشْيَاءٍ: نُورُ الْحِكْمةِ، وَسُوءُ الظَّنِّ بالنَّفسِ، وَتَمييزُ النَّعمةِ مِنْ الفِتْنةِ، يَعْني أنّ هَذِهِ الْمُقايسة والْمُحَاسَبة تَتَوقَفُ عَلى نُورِ الْحِكْمَةِ وَهُو النور الذي نَوَّرَ اللهُ بِهِ قلوبَ أتْبَاعِ الرُّسُلِ فبقدْرِهِ تَرَى التَّفاوتَ وَتَتَمَكَّنَ مِن الْمُحاسبةِ، نُورُ الْحِكْمةِ هَا هُنَا هُوَ العِلْمُ الذي يُميّزُ بهِ العْبدُ بينَ الْحقَّ والباطِلِ، والْهُدى والضَّلالِ، والضَّارِّ والنَّافعِ، والكاملِ والنَّاقِص، والْخَيرِ والشَّرِ وَيُبْصِرُ بهِ مَرَاتَبَ الأَعْمالَ رَاجِحِهَا وَمَرْجُوحِهَا وَمَقْبُولَهَا وَمَرْدُودِهَا كلّما كان حَظهُ مِن هَذَا النُّورِ أَقْوَى كَانَ حَظَهُ مِنْ الْمُحَاسبةِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ. أَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بالنَّفس فإنّما احتَاجَ إليْه لأَنّ حُسنَ الظَّنِ بالنَّفسِ يَمْنعُ مِنْ كَمالِ التَّفتيشِ وَيُلبِّسُ عَلَيْهِ فَيَرَى الْمَسَاوئ محاسنَ والعُيوبَ كَمَالاً وَلا يُسيُء الظَّنَ بِنَفْسِهِ إلا مَنْ عَرفهَا، وَمَنْ أَحْسنَ ظَنَّه بِنَفْسِهِ فَهُو مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا تَمْييزُ النَّعْمَةِ مِنْ الفتْنةِ فَلْيَفْرِقْ بين النَّعْمةِ الَّتِي يَرى بِهَا الإِحْسَانَ واللُّطفَ وَيُعَانَ بِهَا عَلى تَحْصِيل سَعادتِهِ الأَبْديِّةِ وَبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يَرَى بِها الاسْتدراجَ فَكْم مِنْ مُسْتَدَرَجٍ بالنِّعم وهو لا يَدْري

стр. 195

مَفْتونٌ بِثَنَاءِ الْجُهّالِ عَلَيْهِ مَغْرُورٌ بِقَضاءِ اللهِ حَوَائِجَه وَسَترِهِ عَلَيْهِ، وأكْثَرُ النَّاسِ عنْدهُم أَنَّ هَذِهِ الثَّلاثةَ عَلامةُ السَّعَادَةِ والنَّجَاحِ، ذلك مَبلغُهم مِنْ العلمِ وَقَدْ مُثلتِّ النَّفسُ معَ صَاحِبهَا في الْمَالِ، وَكَمَا أنَّهُ لا يَتِمُّ مقْصُودُ الشّرِكَةِ من الرّبْحِ إلا بالْمُشَارَطَةِ عَلى مَا يَفْعلُ الشَّريكُ أَولاً ثُُمّ بِمطالعَةِ مَا يَعمَلُ والإِشْرَافُ عَلَيْهِ وَمُراقَبتِهِ ثَانيًا، ثُمَّ بِمحَاسَبتهِ ثَالثًا، ثُمّ بِمنْعِهِ مِنَ الْخِيانَةِ أنْ اطّلعَ عَلَيْهَا رَابعًا، فَكذلكَ النّفسُ يُشارِطُها أَوَّلاً على حِفظِ الْجَوارِحِ السَّبعَةِ الَّتِي حِفظُهَا هوَ رأسُ الْمَال والرِّبْحُ بَعدَ ذَلِكَ فَمَنْ لَيْسَ لَهُ رَأسُ مَالٍ كَيْفَ يَطْمَعُ في الرِّبْحِ؟ وَهَذِهِ الْجَوارِحُ السَّبْعةُ هِيَ: الَعْينُ، والأُذُنُ، والفَمْ، واللِّسَانُ، والفَرْجُ، واليَدُ، والرِّجْلُ هِيَ مَرْكَبُ العَطَبِ والنَّجَاةِ، فَمِنْهَا عَطِبَ مَنْ عَطِبَ بإهْمَالِهَا وَعَدَمِ حِفْظَها، وَنَجَا مَنْ نَجَا بِحِفْظِهَا وَمُرَاعَاتِهَا فَحَفِظُهَا أَسَاسُ كلِّ خَيرٍ، وَإهْمَالُها أَسَاسُ كَلِّ شَرٍ، قَالَ الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ . وقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ فإذا شارطَهَا على حِفظِ هَذِهِ الْجَوارِحِ وانتَقَل مِنْهَا إِلى مُطَالَعتها والإِشْرَافِ عَلَيْهَا وَمُراقبَتِهَا فَلا يُهُملها فإنّه إنْ أَهْمَلهَا لَحْظَةً وَقَعتْ في الْخِيَانةُ ولا بُدّ فَإنْ تَمادَى على الإِهْمَالِ تَمَادَتْ فِي الْخِيانَةِ حَتَّى يَذْهَبَ رَأسُ الْمَالِ كُلِّهِ فَمَتى أَحَسَّ بالْخُسْرَانِ وَتَيَقّنهُ اسْتَدْرَكَ مِنْهَا مَا يَسْتَدْرُكُه الشَّرِيكُ مِنْ شَريكِهِ مِن الرُّجُوع عَلَيْهِ بِمَا مَضَى والقِيَام بالْحِفْظ والْمُرَاقَبةِ في الْمُسْتَقْبَلِ وَلا مَطْمَع لَهُ فِي فَسْخِ هذِهِ الشِّرِكَةِ مَعَ هذا الْخَائِنِ فَليَجْتهدْ في مُراقَبتهِ وَمُحَاسَبَتهِ وَلِيَحْذَرْ مِنْ إهْمَالِهِ، وَيُعينُهُ عَلَى هَذِهِ الْمُرَاقَبةِ والْمحَاسَبةِ مَعرفتُهُ أَنَّهُ كُلّما اجْتهَدَ فِيهَا اليَومَ استَراحَ منْهَا غَدًا إذا صَارَ الْحِسَابُ إلى غَيْرِهِ وَكُلّما أَهَمَلهَا اليَوْمَ اشْتَدّ عليهِ الْحِسَابُ غَدًا،

стр. 196

وَيعُينهُ عَليهَا أيضًا مَعْرفتُهُ أَنَّ ربْحَ هذه التِّجَارَةِ سُكْنَى الفِرْدَوسِ والنَّظَر إلى وَجْهِ الرَّبِّ وَخَسَارتِها دَخولُ النَّار والْحِجَابِ عَنْ الرَّبِّ فَإِذَا تَيَقَنَ هَذَا هَانَ عَليْهِ الْحِسَابُ اليَومَ. فَحَقُّ على الحازِم الْمُؤمِنِ بالله واليَومِ الآخِر أَنْ لا يَغْفُلَ عنْ مُحَاسَبَةِ نفسِهِ والتّضِييقِ عليهَا في حَركَاتهَا وَسَكناتِهَا وَخَطَواتِهَا فَكلُّ نَفسٍ مِنْ أنْفَاس العُمْرِ جَوهَرةٌ نَفِيسةٌ لا خَطَر لَهَا يُمكنُ أن يَشتَرِي بِهَا كنْزًا مِن الكنوز لا يَتَنَاهَى نَعيمُهُ أبدُ الآبادِ. فإضاعةُ هذه الأنفاسُ أو مُشتَرى صَاحِبهَا بِها ما يَجلبُ هلاكَهُ خُسرانٌ عَظيمٌ لا يَسْمَحُ بِمْثِلِهِ إِلا أجْهلُ النَّاسِ وَأحْمَقهُم وأقلُّهم عَقْلاً وَإنَّما يَظْهَرُ لَهمْ حَقيقةَ هَذَا الْخُسرانِ يومَ التغابُن ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ ، ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ ، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ ، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ . عَلَيْكَ بِمَنْعِ نَفْسِكْ عَنْ هَوَاهَا ... فَمَا شَيْءٌ أَلَذَّ مِنَ الصَّلاحَ تَأهَّبْ لِلْمَنِيَّةِ حَيْنَ تَغْدُو ... كَأَنَّكَ لا تَعِيشُ إلى الرَّوَاحَ فَكَمْ مِنْ رَائحٍ فِينَا صَحِيحٍ ... نَعَتْهُ نُعَاتُهُ قَبْلَ الصَّباحَ وَبَادِرْ بالإِنَابَة قَبْلَ مَوْتٍ ... عَلَى مَا فِيكَ مِنْ عِظَمِ الْجُنَاحَ وَلَيْسَ أَخُو الرَّزَانَةِ مَنْ تَجَافَى ... وَلَكنْ مَنْ تَشَمَّرَ لِلْفَلاحَ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائنا بَابَ الْقُبُولِ والإِجَابَةِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (٣) (موعظة) أيُّهَا الْمُسْلمونَ لَقد تَراكَمَتْ عَلَيْكُم الذَّنوبُ وأنتمْ في غَيِّكمْ ولهوَكِمْ

стр. 197

في دُنْياكمْ مُشْتَغِلونَ أحاطَتْ بكم البَلايَا مِنْ كُلّ جَانِبٍ وَلَسْتمُ لإِصْلاحِ أَنْفسِكمْ تَجنحُونَ، كُلّما أوضَحَ لكمْ الواعظُ طَريقَ الْهَدَايةِ تعامَيْتمُ فَلا أَنتُم بالكُروبِ مُعتَبِرونَ، وَلا مِن البَلايَا مُنْزَجرِونَ أَمَا سَمِعْتُمْ قولَ اللهِ جَلَّ وعَلا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وقَالَ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ أَيُّهَا الْمُسْلِمْ انْظرْ في نَفْسِكَ هَلْ تَجِدُها عَامِلةً بمقْضَى الدّينِ؟ هلِ أَتيْتَ بالصَّلاة على الوْجَهٍ الأَكْملِ واجْتَنُبتَ الْمَعَاصِي الْمُنَافِية لِلدِّينِ هل أَدَّيت الزَّكَاةَ كامِلةً مُكَمَّلةً بِيَقِينٍ فَتّش هَلْ تَجِدُ فِيهَا حياءً مِن اللهِ بيَقينٍ؟ هَلْ أَنْتَ سالمٌ مِن الكذبِ والْخِيانَةِ والاحْتِيَالِ؟ هَلْ سَالِمٌ مِنَ الرِّياءِ في أَقْوَالِكَ وَأَعْمَالِكَ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الرِّبَا فِي مَعَامَلاتِكَ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الْمُدَاهَنَةِ والنِّفَاقِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والبَهْتِ واللَّعْنِ وسيءِ الْمَقَالاتِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الْغِشِّ في بَيْعِكَ وَشِرَائِكَ وَسَائِر تَصرُّفَاتِكَ؟ هَلْ أَنْتَ صَائِنٌ لِسَانَكَ عَنْ مَا يَضْركَ مِن الأقوال والأعَمِالَ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الكِبْرِ والإعْجَابِ وَقَطِيعَةِ الرَّحمِ والْعُقُوقِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ أذِيَّةِ الْجَارِ؟ هَلْ قَلبُكَ لَيِّنٌ رَحُوم تَرْحَمُ الْمِسْكِينَ وَتُكْرِمُ الْيَتِيمَ؟ هَلْ أَنْتَ تَقْضِي حُقُوقَ النَّاسِ بُدونِ مِطالٍ ولِجَاجٍ؟ هَلْ أَنْتَ تُحِبُّ في اللهِ وَتُبْغِضُ في اللهِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ حَلْقِ اللِّحْيَةِ أَوْ صَبْغِهَا أَوْ الدُّخانِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ الْخَنَافِسَ وَالتَّواليتِ ونحوِ ذَلِكَ مِنْ الأخْلاقِ السَّافِلاتِ؟ هَلْ بَيْتُكَ خَالٍ عَنْ صُوَرِ ذَواتِ الأَرْوَاحِ وَهْلُ هُوَ خَالٍ مِن الْمِذياعِ والتَّلِفْزيُونِ والسِّينَماتِ؟ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ بَيْعِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ؟ هَلْ قُمْتَ عَلَى أَوْلادِكَ لِلصَّلاةِ

стр. 198

والتَّوجِيهِ إلى الأعمالِ الصَّالحةِ والأَخْلاقِ الْحَمِيدةِ فَعَلَيْكَ أنْ تَتَفَقَّدَ لِنفْسِكَ بِدقَّةٍ كُلَّ يَومِ وتُعَالِجْ مَا بِكَ مِنْ هَذِهِ الأمْرَاض الْمُهْلِكَاتَ فَإنَّهَا أَشَدُّ ضَرَرًا وَفَتَكًا مِنْ أَمْرَاضِ البَدَنِ التِي لا نَصْبِرُ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ نَجِدْ لَهَا عِلاجًا ذَهَبْنَا إلى الْخَارِج رَجَاءَ بُرْئِهَا واللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) قَالَ: وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ نَوْعَانِ أَمَّا الأَولُ: فَيقِفْ عِنْدَ أَوَّلِ هِمَّتِهِ وَإرَادَتِهِ وَلا يُبَادِرُ بالْعملِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُجْحَانُهُ على تركِهِ، قَالَ الْحسنُ: رَحِمَ اللهُ عَبْدًا وَقفَ عندَ هَمِّهِ فَإِنْ كانَ للهِ مَضَى وَإِنْ كَانَ لَغَيْرِهِ تَأخَّرَ. النُّوع الثَّانِي: مُحَاسَبَةٌ بَعْدَ العَمَلِ، وهو ثلاثَةُ أَنْوَاعٍ: أحدُهَا مُحَاسَبَتُهَا عَلَى طَاعَةٍ قَصَّرَتْ فِيهَا مِنْ حَقَّ اللهِ فَلَمْ تُوقِعْهَا عَلَى الوَجْهِ الذي يَنْبَغِي. وَحَقُّ اللهِ في الطَّاعاتِ بِمُرَاعات سِتَّةِ أُمُورٍ وهِيَ: الإخْلاصُ في العمل والنصيحةُ للهِ فيه وَمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ وَشُهُودُهُ مَشْهَدَ الإحْسَانِ فيهِ، وَشُهُودُ مِنَّةِ اللهِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَشُهُودُ تَقْصِيرِهِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيُحَاسِبُ نَفْسَهُ هَلْ وَفّى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ حَقَّهَا، وَهَلْ أَتَى فِي هَذِهِ الطَّاعَاتِ، الثَّانِي: أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى عَمَلٍ كَانَ تَركَهُ خَيرًا لَهُ مِن فعله. الثَّالث: أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى أَمْرٍ مباحٍ أَوْ مُعْتَادٍ لَما فَعَلَهُ، وَهَلْ أَرَادَ بِهِ اللهِ والدَّارَ الآخِرةَ فَيَكُونُ رَابِحًا فِيهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا وَعَاجِلَتَهَا فَيَخْسَرُ ذَلِكَ الرِّبْحَ وَيَفُوتُهُ الظَّفَرُ بِهِ. قَالَ: وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَه أولاً عَلَى الْفَرَائِضِ فَإِذَا تَذَكَّرَ فِيهَا نَقْصًا تَدَارَكَهُ إِما بِقَصَاءٍ أَوْ إِصْلاحٍ ثُمَّ يُحَاسِبُ عَلَى الْمَنَاهِي فَإنْ عَرَفَ أَنَّهُ ارْتَكَبَ مِنْهَا شَيْئًا تَدَارَكَهُ بالتَّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ والْحسناتِ الْمَاحِيةِ ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَه على الْغَفْلَةِ فإن كَانَ قَدْ غَفَلَ عَمَّا خُلِقَ لَهُ تَدَارَكَهُ بالذِّكْرِ والإِقْبَالِ على الله.

стр. 199

ثُمَّ يُحَاسِبُهَا بِمَا تَكَلَّمَ به لِسَانُهُ أَوْ مَشَتْ بِهِ رِجْلاهُ أَوْ بَطَشَتْهُ يَدَاهُ أَوْ سَمِعَتْهُ أُذْنَاهُ مَاذَا أَرَدْتَ بِهَذَا، وَلِمَ فَعَلْتُ، وَعَلَى أَيْ وَجْهٍ فَعَلْتُهُ، وَيَعْلَمُ أنَّه لا بُدَّ أَنْ يُنْشَرَ لِكلَّ حَرَكةٍ وَكَلِمَةٍ مِنْه دِيوانٌ لِمَ فَعَلْتَهُ وَكَيْفَ فَعَلْتَهُ فَالأوَّلُ: سُؤالٌ عَنْ الإِخْلاصِ. والثَّانِي: سُؤالٌ عَنْ الْمُتَابَعَةِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقَالَ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ ، وقَالَ: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ فَإِذَا سُئِلَ الصَّادِقونَ وحُوسِبُوا عَلَى صِدْقِهِمْ فَمَا الظَّنُ بالكَاذِبينَ؟ وقَالَ قَتَادة: كَلِمَتَانِ يُسئلُ عَنْهُمَا الأوَّلَونَ والآخِرونَ: مَاذَا كُنْتمُ تَعْبُدونَ؟ وماذا أجبْتمُ الْمُرَسلينَ. فَيُسألونَ عن الْمَعْبُودِ، وعَنِ العِبَادَةِ. وقَالَ تَعَالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ . شِعْرًا: تَصَاوَنْ عَن الأَنْذَالِ مَا عِشْتَ واكْتَسِبْ ... لِنَفْسِكَ كَسْبًا مِن خِلالٍ تَصُونُهَا وَمَا لِلْفَتَى بِرٌّ كَمِثلِ عَفَافِهِ ... إِذَا نَفْسُهُ اخْتَارَتْ لَهَا مَا يَزِينُهَا إِذَا النَّفْسُ لَمْ تَقْنَعْ بِقَسْمِ مَلِيكِهَا ... عَلَى مَا أَتَى مِنْهُ فَمَا ثَمَّ دِينُهَا قَالَ مُحَمَّدُ بنُ جَريرٍ: يَقُولُ الله تَعَالى: (لِيَسْألنَّكُم اللهُ عن النَّعيمِ الذِي كُنْتمْ فِيهِ فِي الدُّنْيَا: مَاذَا عَمِلتمُ فيهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ وَصَلتُم إِليهِ؟ وَفِيمَ أصَبْتُمُوُه؟ وَمَاذَا عملتم بِهِ؟) ، وقَالَ قَتَادَةَ: إِنَّ اللهَ سَائِلٌٌ كُلَّ عَبْدٍٍ عَمَّا اسْتَوْدَعهُ مِنْ نِعمَتِهِ وَحَقِّهِ، والنَّعِيمُ الْمَسْئُولُ عَنه نَوعانِ: نَوْعٌ أُخِذَ مِنْ حِلِّهِ وصُرفَ في حَقِّهِ فُيسَأل عَنْ شُكْرِهِ، ونَوْعُ أُخَذَ بِغيرِ حِلِّه وَصُرِف فِي غَيْرَ حَقَّه فُيسأَلُ عَن مُستَخرَجه وعن مَصرَفِهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجوبِ الْمُحَاسَبِةِ قَولهُ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ الآية. (١) اعْلم أَيَّها الإِنسان أن النفسَ الأمارةَ بالسُّوء عَدُوّةٌ لَكَ مَعَ إِبْلِيسَ لَعَنهُ

стр. 200

الله، وإنما يَتَقَوَّى عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ بِهَوَى النَّفْسِ وَشَهَواتِهَا، فَهِيَ سِلاحُه الذِي يَصِيدُ بِهِ وَهَلْ أَوْقَعَ إِبْلِيسَ فِي كَبْرِهِ وَمَعْصِيَتِهِ إلا نَفْسُهُ، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا وَتَقَدَّسَ: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ . فلا تَغُرَنَّكَ نَفْسُكَ بالأَمَانِي والغُرُورِ لأنَّ مِنْ طَبْعِ النَّفْسِ الأَمْنُ والغَفْلَة والرَّاحَةُ والفَتْرةُ والكَسَلُ والعَجْزُ فَدَعْواهَا بَاطِلٌ وَكُلُ شَيْءٍ مِنْهَا غُرورٌ وَإِنْ رَضِيتَ عنها واتَّبَعْتَ أَمْرَهَا هَلَكْتَ، وَإِنْ غَفَلْتَ عَنْ مُحَاسَبَتِها غِرَقْتَ، وإنْ عَجَزْتَ عن مُخَالَفَتِهَا واتَّبعتَ هَواهَا قَادَتْكَ إلى النَّارِ. (فَصْلٌ) : وَفِي مُحَاسَبةِ النفسِ عِدة مصالحٍ، أَوَّلاً: الإِطلاعُ عَلى عُيوبها وَمَنْ لَمْ يطّلعْ عَلَى عَيْبِ نَفْسِهِ لَمْ يُمْكنهُ إزَالتهُ، ومِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْلا أَنَّ اللهَ وَفَّقَ العَبدَ لِمُحَاسَبَتِهَا لَشِقِيَ في القِيامَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لِلنَّفْسِ مِنْ الكَياسَةِ وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِرَاحَةُ الْمُحَاسِبِ مِن التَّعَبِ الطَّويل يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا يَتَحسّرُ الْمُحَاسِبُ فِي القِيَامَةِ كَالذينَ لَمْ يُحَاسِبُوا أَنْفُسَهم، ومِن ذَلِكَ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَى العِبَادَةِ والْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذِكرِ اللهِ لَيْلاً وَنَهَارًا. شِعْرًا: عَلَيْكَ بِذِكْر اللهِ فِي كُلِّ لَحْظِةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمنِ يَذكُرُ آخر: ثَلاثَةٌ يَجْهَلُ مِقْدَارُهَا ... الأَمْنُ والصِّحَّةُ والدِّينِ فَلا تَثِقْ إلا بِمَنْ أَمْرُهُ ... مَا بَيْنَ كَافٍ وَنُونٍ يَكُونْ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحَاسبة تُضْعفُ الأعْمالَ السَّيئةَ وَتُوقِّفُهَا، وَمِن ذَلك أنَّها تَحُضُّ الإِنْسَانَ عَلى أَعْمالِ الصَّالِحةِ، وَمِن ذَلك أنَّها تُخلِّصُ النَّفْسَ مِن العُجْب ورُؤْيَةِ العَملِ، ومن ذلك أنَّ الْمُحَاسبةَ تَفْتحُ للإِنْسَانِ بَابَ الذُّلِ والانْكِسَارِ والْخُضُوعِ للهِ، وَمِن ذلكَ أَنَّهَا تَدْعُو الإنسانَ إلى أَنْ يَنْظُرَ فِي حَقَّ الله عليه. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّها تُوجبُ للإنسانِ أَنْ يمقُتَ نَفْسَهُ وَيَعلَمَ أنَّ النَّجاةَ لا تَحْصُلُ إلا بِعَفوِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ.

стр. 201

وإذَا تَأملْتَ حَال أكْثَر النَّاسِ وَجَدتَهمُ بِضِدْ ذَلِكَ يَنْظُرونَ فِي حَقِّهم على الله ولا يَنْظرُونَ في حَقِّ اللهِ عَلَيْهم ومنْ هُنَا انقَطعُوا عِن اللهِ وَحُجبَتْ قُلوبُهم عَنْ مَعْرفِتهِ وَمَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلى لِقَائِهِ والتَّنْعِيمِ بذكْرهْ وهذا غَايةُ جَهْلِ الإِنسانِ بربّهِ وَبِنفسه فُمُحَاسَبْةُ النَّفسِ هَيَ نَظَرُ العَبْدِ في حقَّ الله عَلَيْهِ أَوّلاً ثُمَّ نَظَرَهُ هَلْ قَامَ به كما يَنْبَغِي ثَانِيًا. وَيَنْبَغِي للإنسان أنَّه إذَا حَاسَبَ نَفْسه فَرَآهَا قَدْ قَارفَتْ مَعْصيةً أَنْ يَتوبَ تَوْبَةً نَصُوحًا وَيُتْبعُ السَّيئةَ بالْحَسَناتِ التِي تَمْحُوهَا فقدْ وَرَدَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وأَتْبعْ السَّيئَةَ الْحَسَنةَ تَمْحُها» . وإنْ تَوَانى عَنْ بَعْضِ الفَضَائِلَ أَوْ فَاتَتهُ نِسْيانًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْرِكَ جَبْرَ مَا نَقَصَ بالنَّوافِل، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ فَاتَتْهُ صَلاةَ العصْرِ في جَمَاعةٍ أنَّه تَصَدَّق بأرْضَ كانتَ له قِيمتُهَا مَائِتَا ألفِ دِرْهَمٍ. وَرُوِيَ عنه: أنَّه شَغَلَهُ أمرٌ عَن المغْرب حتّى طَلعَ نَجمَانٍ فَلمَّا صَلاها أعْتَقَ رَقَبتينِ. وَفَاتَتْ ابنُ أبي رَبِيعَةَ رَكْعتَا الفجر فأعتَقَ رَقَبةً. وَوَرَدَ أَنَّ ابنَ عُمرَ كَانَ إِذَا فَاتَتهُ صَلاةٌ في جَمَاعِةٍ أَحيَا تِلكَ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَجْعِلُ عَلَى نَفْسِه صَوْمُ سنَةٍ، أَوْ الْحَجُّ مَاشِيًا، أَوْ التَّصدَقُ بالشيءِ الكَثير كلُّ ذَلك مؤاخَذَهٌ لهَا بما فِيهِ نَجَاتُها. والله أعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَىَ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (٤) موعظة رُوِيَ عَنْ عَلَيَّ بن أبي طَالب أنّه قَالَ: لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخرةَ بَغْيرِ عَمَلٍ ويَؤخرُّ التَّوْبةَ لِطُولِ الأَملِ وَيقَولُ في الدُّنيَا بِقوْلِ الزَّاهدِينَ، ويعَملُ فيها عَمَلَ الرَّاغِبينَ، إِنْ أُعْطِيَ مِنَ الدُّنيا لَمْ يَشْبَعْ، وإن مُنْعَ منهَا لَمْ يَقْنَعْ، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لا يَأْتِيهِ، يُحِبُّ الصَّالِحينَ وَلا يَعْملُ أَعمَالَهم، وَيَبْغَضُ الْمُسيئينَ وَهُوَ مِنْهُمْ، يَكرهُ الْموْتَ لِكَثرةِ ذُنوبه، ويُقيمُ على ما يَكَرهُ لَهُ الْمَوْتَ،

стр. 202

إنْ سَقِمُ ظَلَّ نَادمًا، وإنَ صَحّ أمِنَ لاهِيًا، يَعجبُ مِن نفسِه إذَا عُوفيَ، ويَقنَطُ إذَا تَغلِبهُ نفْسُهُ على ما يَظُنُّ ولا يَغلِبُهَا على ما يَسْتِقينُ، ولا يَثقُ منِ الرَّزقِ بما ضُمِنَ لهُ، ولا يَعْملُ مِن العَمَلِ بمَا فُرِضَ عَلَيْهِ إِنْ اسْتغَنى بَطِرَوان افتقرِ قَنِطَ وحَزنَ فهو منَ الذّنبِ في حَال النَّعمة والمِحْنة مُوقرٌ، يَطلبُ الزيادة ولا يشكرُ، ويتكلّفُ مِن الناس مالاً يُؤمرُ، ويضيّعُ الموتَ ولا يُبادرُ الفَوْتَ، يَستكبرُ مِن مَعصيةِ غيرِهِ ما يَسهُلُ أكثرُه مِن نفْسه. مَزاهرُ اللهّوِ مع الأغْنياءِ أحبُّ إليهِ مِن الذِّكرِ مع الفُقراءِ، يَحكمُ على غيرِهِ لِنفسِهِ ولا يَحكمُ عليها لِغَيرِهِ. اللَّهُمَّ يا حَيُّ يَا قَيُّومُ يا ذَا الجلال والإكرام أَسْأَلُكَ بأَسْمَائِكَ الحُسْنَى وصِفَاتِكَ العلْيَاءِ أَنْ تُعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ وَأَنْ تُذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينْ وَأَنْ تُدمِّرَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ. شِعْرًا: تَجَهَّزِي بِجِهَاز تَبْلِغِينَ بِهِ ... يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا وَسَابِقِي بَغْتَةً الآجَالِ وانْكَمِشِي ... قَبْلَ الْلِزَام فلا مَلْجَا ولا غَوثا وَلا تَكُدِّي لِمَنْ يَبْقَى وَتَفتَقِري ... إنَّ الرَّدَى وارِثُ البَاقِي وَمَا وَرَثَا وَاخْشِي حَودِثَ صَرْفِ الدَّهْر في مَهَلٍ ... وَاسْتَيْقِظِي لا تَكُونِي كالَّذِي بَحَثَا عَنْ مُدْيَةٍ كَانَ فِيهَا قَطْعُ مُدَّتِهِ ... فَوافَتْ الْحَرْثَ مَحَرُوثًا كَمَا حُرِثَا مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ ... أَوْ الغُبَارُ يَخَافُ الشَّينَ والشَّعَثا وَيَألَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بِشاَشَتُهُ ... فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثا فِي قَعْرِِ مُوحِشَةٍ غَبْرَاءَ مُقفِِْرَةٍ ... يُطِيلُ تَحْتَ الثَّرَا فِي جَوْفِهَا اللِّبَثَا آخر: ... وَنَفْسَكَ فَازْجُرْهَا عن الْغِيَ والْخَنَا ... وَلا تَتَّبعْهَا فَهِي أُسُّ الْمَفَاسِدِ وَحَاذِرْ هَواهَا مَا اسْتَطَعْتَ فَإنَّهُ ... يَصُدُّ عَنْ الطَّاعَاتِ غَيْرَ الْمُجَاهِدِ وَإِنَّ جِهَادَ النَّفسْ حَتْمٌ عَلى الفَتَى ... وَإِنَّ التُّقى حَقًا لَخَيْرُ الْمَقَاصِدِ فَإنْ رُمْتَ أَنْ تُحْظَى بِنَيْلِ سَعَادَةٍ ... وَتُعْطَى مَقَامَ السَّالِكينَ الأَمَاجِدِ فَبَادِرْ بَتَقوى اللهِ واسْلُكْ سَبِيلَها ... ولا تَتَّبعْ غَيَّ الرَّجِيمِ الْمُعَانِدِ

стр. 203

وَإِيَّاكَ دُنْيَا لا يَدُومُ نَعِيمُهَا ... وَإِنَّكَ صَاحِ لَسْتَ فِيهَا بِخَالِدِ تَمَسَّكَ بِشَرْعِ اللهِ وَالْزَمَ كِتَابَهُ ... وَبِالعِلْمِ فاعْمَلْ تَحْوِ كُلَّ الْمَحَامِدِ اللَّهُمَّ امنُنْ علينَا بإصْلاحِ عُيوبِِنَا واجعلْ التقّوى زادَنا وفي دِينِكَ اجتهادَنا وعليك توكّلنا واعتَمادُنَا، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارُزْقْنَا حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنَا حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ وَمَا رَزَقْتَنَا مِنْ مَا نُحِّبُ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لَنَا فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنَّا مِمَّا نُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لَنَا فَيمِا تُحِبُّ، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. الفصل الثالث عشر (٥) في مَوْعِظَةٍ جَلِيلْةٍ قال بعضُ العلماءِ على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . كَشفتْ لَنَا هَذِهِ الآيةُ الشريفةُ عن سُنةٍ من سُنن اللهِ تعالى وهي: أنَّ مَن غَفلَ عن تَذكُّرُّ الله فَنَسِيَهُ وأَلْهتهُ دُنياهُ عن العملِ للدّارِ الآخرةِ أنساهُ الله نفَسَه التي بينَ جنبيهِ فلا يَسعىَ لما فيه نَفُعها ولا يأخُذُ في أسْبابِ سَعَادِتِهَا وإصْلاحِهَا وما يكمّلُها ولا السّعيُ في إزالةِ عِللها وأمراضِها التي تَؤولُ بها إلى الفساد والدّمارِ والهلاكِ وهذا مِنْ أعظمِ العُقوبةِ لِلْعَامَةِ وَالخَاصَّةِ، فَأَيُّ عُقُوبةٍ أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ مَنْ أَهْمَلَ نَفْسَُهُ وَضَيَّعَهَا ونَسِيَ مَصَالِحَها ودَاءَها ودَوَاءَها وأسبابَ سَعادتِها وصَلاحِها وحَياتِها الأَبَدِيَّة في النَّعِيمِ المقيم. ومَن تأملَ هذا المَوضِعَ تَبيَّنَ لَهُ أنَّ أَكْثَرَ هَذَا الخَلْقَ قَدْ نَسُوا أنْفُسَهُمْ وضَيَّعُوهَا وأَضَاعُوا حَظَّهَا مِن اللهِ وباعُوها رَخيصَةً بثَمَن بَخْس بَيعَ المغْبُونِ

стр. 204

ويَظْهَرُ ذلكَ عندَ الموتِ ويَتَجَلَّى ذلكَ يَومَ التغابُن يَومَ لا يَنْفَعُ نفسًا إيمَانُها لمَ تَكُنْ آمنَتْ مِن قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمَانهِا خَيْرًا، إِنهَا لحَسْرةٌ على كلّ ذي غَفلةٍ دُونَها كلّ حَسْرَةٍ، هؤلاء هُمُ الذينَ اشتروا الضلالةَ بالهدى فما رَبِحتْ تجارتُهم وما كانوا مُهتدين. وأما الرَّابحُون فهمُ الذينَ أنارَ اللهُ قُلُوبَهُم للْحَقِّ فَعَرَفُوا الدُّنيَا وقِيْمتها وقالْوا: مَا مِقْدَارُ هَذِهِ الدُّنْيَا من أوَّلِهَا إلى آخِرِها حَتَّى نَبْيعَ حَظّنا مِن الله تَعالى والدّارِ الآخرة بها فكيفَ بِمَا يَنال العَبْدَ منها في هذا الزّمن القصير الذَي هُوَ في الحَقِيْقَةِ كَغَفْوَةِ حُلْمٍ لا نِسْبة له إلى دَارِ القَرارِ البتّةَ. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ هَؤُلاءِ هُمُ الكَيِّسونَ الذين عَلموا حقيقَةَ الدُّنْيَا كَمَا عَلِمُوا قِلّةَ لُبثِهم فيها وأنّ لهم دارًا غيرَ هذه الدارِ دَار الحَيوان وَدَار البقاءِ اتّجَرُوا تِجَارَة الأكْياسِ ولم يَغْتَرّوا بتجارة السُّفهاءِ مِن الناس فَظَهَر لهم يومَ التّغابنِ رَبْح تِجَارَتِهم وَمِقْدَار ما اشْتَرُوا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . وفي هذا المَعْنَى يَقُول عُمرُ ﵁: إنمَا الدُّنْيَا أَملٌ مُخْتَرمٌ. أي: مُنْتَقَض وبَلاغٌ إلى دارٍ غيرها وسَيرٌ إلى المَوْتِ لَيْسَ فيه تَعْرِيْجٌ، فَرحِمَ اللهُ امْرءًا أفكَرَ في أَمرِهِ ونَصَحَ لِنَفْسِهِ ورَاقبَ رَبّه واستقالَ ذَنْبَه وتابَ إلى رَبِّهِ. إلى أن قال: إيّاكم والبطْنَةَ فإنها مَكْسَلةٌ عن الصَّلاة، ومَفْسَدَةٌ لِلْجِسْمِ ومُؤَدّيَةٌ لِلسُّقمِ، وعَلِيكمُ بالقَصْدِ في قُوتِكمْ فهو أبعدُ عن السَّرفِ وأصَحُّ لِلْبَدَنَ وأقْوى على العِبَادَةِ إنَّ العَبْدَ لَنْ يَهْلَكَ حَتَّى يُؤْثرَ شَهْوَتَهُ على دِينِهِ.

стр. 205

ومِنَ العَجَبِ العُجَاب أنَّ العَبْدَ يَسْعَى بِنفسِهِ في هَوَانِ نَفْسِهِ وَهُوَ يَزعُمُ أَنَّهَا لَهَا مُكْرمٌ ويَجْتَهِدُ في حِرْمَانِهَا مِن حُظوظِها وشرفِها وهو يَزعمُ أنّه يَسْعَى في حِفظِهَا ويَبْذِلُ جُهدَهُ في تَحقِيرهَا وتَصْغِيرهَا وتَدْنِيسِهَا وهو يَزعِمُ أنّه يَسْعَى في صَلاحِها، وكََان بَعْضُ السَّلفِ يَقول في خُطبَتِهِ: ألا رُبَّ مُهِينٌ لِنَفْسِهِ وهو يَزْعمُ أنَّهُ مُكْرِمٌ لَهَا ومُذلٌ لِنَفْسِهِ وهو يَزْعُمُ أنه مُراعٍ لحقِّها وكفَى بالمرءِ جَهْلاً أن يَكُونَ مَعَ عَدوهِ لِنَفْسِِهِ يَبلغُ منها بفِعلِهِ ما لا يَبْلغُهُ مِنها عَدوُّه. شِعْرًا: لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مَالٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مَنْ مُعْدِمِينَا وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ دِينٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا آخر: مَا يَبْلُغُ الأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ ... مَا يَبْلُغُ الجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ فالعاقلُ هو الذي يعملُ مُجِدًا لآخِرَتِهِ ولا يُنسِيهُ نَصيبهُ مِن الدنيا حَظّه مِنَ الآخِرة عَاملاً بقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ولَو أنّه تَأَمَّلَ قَلِيلاً لَوجدَ أنّ لَذائِذَ الدُّنيا مُتولّدةٌ مِنْ آلامِهَا فَمثلاً لَذَّةُ الطّعامِ لا تَتحَقَّقُ إلا بِأَلمِ الجوَع ولذةُ الشّرابِ لا بدَّ أنْ يَسبِقَها حُرقَةُ العَطش ولذّةِ النَوّم لا يَجَدُ الإنْسانُ لها شَوقًا إِلا بَعْدَ أنَ يُضنِيهِ التَّعبُ الشَّديدُ وَهُنَاكَ نَوعٌ آخرُ مِنْ الحِكمةِ غَفلَ عنْهُ الكَثيرونَ مِنَ النّاسِ وهوَ أنّها بمثابةِ بَرَاطِيلَ تَحمْلُ الإِنْسانَ على قَوامِه وبَقاءِ حَيَاتهِ فَلذّةُ الطّعامِ تَدفعُه إلا ألا يَهمِلَ جسْمهُ من الغِذَاء ولوَلا ما جَعلَ اللهِ مِن لَذّةِ النّكاح لانقرضَ النّوع الإِنْسانيُّ مِنَ الوُجُودِ ولما وَجدنَا دَابةً تَدُبُّ علَى وَجْه الأَرْضِ ولا طَائِرًا يَطيرُ في السّماءِ وكذلكَ فَرْحَةُ الأُمِ بطِفْلِهَا تُنْسِيهَا آلامَ الحَمْلِ والوَحْمِ والوِلادةِ والتّعبِ والنَصَب والرَّضَاع والسّهرِ الطَويل في التّمريضَ ممَا يَقُضّ مَضْجعهَا ويُنسيَها نَفسَها فَسُبحانَ الحكيمِ العلَيمِ الذّي خَلَق كلَّ شَيءٍ فقدّرهُ تقْديرًا. انتهى

стр. 206

بتصرف يسير. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (٦) مَوْعِظة كَتَبَ الحَسَنُ إلى عُمَر بنِ عبدِ العزيز في ذَمِّ الدُّنْيَا كِتابًا طَويلاً قال فيه: أمَّا بعدُ فَإنّ الدُّنيا دَارُ ظَعَنٍ ليْسَتْ بدارِ مُقَامِ وإنّما أُنزلَ إليهَا آدمُ عُقوبةً فاحْذرْهَا يا أَميرَ المؤمنين فإنَّ الزّادَ منهَا تَركُها والغِنَى فيها فَقرُهَا تُذلّ من أَعزّها وَتُفقرُ منْ جمعها كالسُّمِ يأَكلهُ مَن لا يَعْرفُهُ وَهُوَ حَتْفُه فاحْذرْ هَذِهِ الدّارَ الغرّارةَ الخَتّالةَ الخدّاعةَ وكُن أَسَرَّ ما تَكونُ فِيهَا أحذَرْ ما تكونُ لهَا، سُرورُهَا مشُوبٌ بالحُزنِ وَصفوها مشُوبٌ بالكَدِر فلوْ كان الخَالقُ لم يُخْبره عنْها خبرًا وَلم يَضْرِبْ لَهَا مَثَلاً لَكُنْتُ قَدْ أَيقظْتُ النَّائِمَ ونبَّهتُ الغَافلَ فَكيفَ وَقدْ جَاء مِن اللهِ عنها زَاجِرٌ وَفِيهَا واعِظٌ فما لَهَا عِنْدَ الله سبحانه قَدْرٌ ولا وَزْنٌ، ما نَظَرَ إليها مُنذُ خَلقَها وَلَقَدْ عُرِضَتْ على نبيّنا ﷺ مَفاتِيحُهَا وَخَزَائنُهَا لا يَنقصُ عند الله جَناحَ بَعوضةٍ فأَبى أنْ يَقبَلَهَا وَكَرِهَ أن يُحبَّ ما أبغَضَهُ خَالقهُ أو يَرفَعَ ما وَضَعه مليكُه، زَواها اللهُ عن الصّالحين اختيارًا، وَبَسَطَهَا لأعْدَائِه اغْتِرَارًا أَفَيَظُنُّ المغْرورُ بها أنّه أُكْرِمَ بِهَا وَنَسِيَ ما صَنَعَ اللهُ بمحمدٍ ﷺ حينَ شدَّ على بَطْنِهِ الحَجَرَ، واللهِ ما أحدٌ مِنَ النَّاسِ بُسِطَ لَهُ في الدُّنيا فَلمْ يَخَفْ أَنْ يَكُونَ مَكْرًا إلا كان قَدْ نقَص عقْلُه وَعَجَزَ رَأيهُُ وما أَمْسَكَ عن عَبدٍ فلم يَظُنّهُ خيرًا لهُ فيهَا إلا نَقَصَ عقْلُهُ وَعَجَزَ رأيهُ. شِعْرًا: إِلَى دُنْيَاكَ انْظُرْ بِاعْتِبَارٍ ... تَجِدْهَا دَارَ ذُلٍّ مَعَ فَنَاءِ إلَى كَمْ تَحْمِلُ الأوْزَارَ فِيهَا ... مَعَ الشَّهَواتِ تَسْرِي يا مُرَائِي أَمَا آنَ انْتِبَاهَكَ مِنْ غُرُورٍ ... بِهِ أَصْبَحْتَ بَيْنَ الأَغْبِيَاءِ تَيِقَّظْ وانْتَبِهْ واقْبِلْ بِقَلْبٍ ... عَلَى مَوْلاكَ تَظْفَرْ بِاهْتِدَاءِ

стр. 207

وَقِفْ بِالبابِ وَاطْلُبْ مِنْهُ عَفْوًا ... عَسَى تَحْظَى بِصُبِْحٍ أَوْ مَسَاءِ اللَّهُمَّ يَا حيُّ ويا قيُّوم فَرِّغْنَا لما خَلَقْتَنَا له، ولا تُشْغِلْنَا بما تَكَفَّلْتَ لنا بهِ واجعلنا مِمَّن يُؤمِنُ بلقَائِك ويَرْضَى بقَضَائِك، ويقنعُ بعطائِكُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : وقال الشّيخُ الواسِطيُّ في بعض رَسائِلهِ: إذا أرادَ الله بعبدٍ خيرًا أقامَ في قلبِهِ شَاهِدًا منْ ذكر الآخرة يُريدُ فَناءَ الدُّنيا وَزَوَالَها وبقاءَ الآخرةِ ودوامها فَيُزهّدهُ في الفَانِي وَيُرَغّبُهُ في الباقي، فَيبدأُ في السّير والسُلوكِ في طريقِ الآخرة وأوّلُ السيرِ فيهَا تَصحيحُ التَّوبةِ، والتّوبةُ لا تتمُّ إلا بالمُحاسبةِ ورعَايةِ الجَوارح السّبعةِ، العينُ والأُذنُ واللّسانُ والبَطْنُ والفَرْجُ واليَدُ والرِّجلُ وكفِّها عن جميع المحَارم والمكَارِهِ والفضُول هذا أحدُ شَطْرَي الدّين وَيَبْقَى الشّطرُ الآخرُ وهو القيامُ بالأوامِرِ فَتَحْقِيقُ الشّطرِ الأوّلِ وهو تَركُ المناهِي مِنْ قلبهِ وَقالبهِ. أَما القَالَب فلا يَعصِي اللهَ بجَارحةٍ مِن جَوارحِهِ ومتَى زلَّ أو أخْطأَ تابَ، وأما القلبُ فَتُنَقّي منه المُوبقاتُ المُهلِكاتُ مثلُ: الرّياءِ، والعجْب، والكِبْر، والحَسَد، والبُغْضِ لِغَيرِ اللهِ، وَحُبِّ الدّنيا، وردِّ الحقّ واستثقالِهِ، والازْدِرَاءِ بالخَلْقِ وَمَقْتُهم وَغَيرُ ذلك مِن الكَبائِر القَلبيّةِ التي هِي في مُقَابَلَةِ الكَبائرِ القَالَبيةِ مِن شُرْبِ الخَمْرِ، والزّنَا، والقَذْفِ وغيرِ ذلك فهذِِهِ كَبَائِرٌ ظاهِرَةُ وَتِلْكَ كَبَائرٌ بَاطِنةٌ. وكلاهما ضرر. قال: فَمَنْ انْطَوى على شَيءٍ مِن الكبائرِ البَاطنيّة ولم يَتُبْ حَبِطَ عَمَلُه بدليل لا يدخل الجَنّةَ مَن كان في قلبهِ مثقالُ ذرةٍ مِن كِبَر وجاء: إنّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ، وجاء بقول الله تعالى: " أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عن الشركِ مَنْ عمِلَ عملاً فأشركَ مَعِيَ فيه غَيري تَركْتُه وشركه ". وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .

стр. 208

شِعْرًا: وَإِنَّ أَحْسَن قَوْلٍ أَنْتَ قَائِلُهُ ... قَوْلٌ تَضَمَّنَ تَوْحِيدَ الذِّي خَلَقَا فمتَى تَنقَّى القلبُ مِن مثْلِ هذهِ الخَبائِثَ والرَّذَائِل طَهُرَ وَسَكَنتْ فيه الرّحمةُ في مكان البُغضِ، والتواضُع في مَقَابلةِ الكِبْر، والنّصيحةُ في مُقابلَةِ الغِشِّ، والإخلاصُ في مقابلةِ الرَّياءِ، ورؤية المنّةِ في مُقابَلةِ العُجْب، ورؤيةُ النفس فعند ذلكَ تَزْكوا الأَعمالُ وَتَصْعَدُ إلى اللهِ تعالى وَيَطْهُرُ القلبُ وَيَبْقَى مَحَلاً لِنَظَر الحَقِّ بِمَشيئَةِ اللهِ وَمَعُونَتِهِ فَهَذَا أحَدُ شَطْريْ الدِّين وهو رِعايَةُ الجَوارحِ السّبعةِ على المآثم والمحَارم وإنما تَصْلُح وَتَطْهُرُ بِرِعَايَةِ القلب وَطَهارَتِهِ مِن المُوبِقَاتِ والجَرائِمِ. وَمَعْنى المُوبقاتِ: المهلكات. أ. هـ. آخر: خِصَالٌ إِذَا لَم يَحْوِهَا المَرْءُ لم يَنَلْ ... منالاً مِنَ الدَّارِينَ يَكْسُبُ بِهِ حَمْدَا يَكُونُ تَقِيًا مُخْلِصًا وَمُتَابِعًا ... لِصَفْوَةِ خَلِقِ اللهِ أَعْنِي مُحَمَّدَا وقال ابنُ القيم ﵀: والقلوبُ ثلاثةٌ: قَلبٌ خالٍ مِن الإِيمانِ وجَمِيعِ الخَيرِ، فذلِكَ قَلبٌ مُظلمٌ قد اسْتَرَاحَ الشَّيطانُ مِن إلقاءِ الوَسَاوِسَ إِليه لأنه قد اتَّخذهُ بَيْتًا وَوَطَنًا، وَتَحَكَّمَ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ غَايَةَ التَّمَكُّنِ، القَلْبُ الثَّانِي: قَلبٌ قد استَنَارَ بِنُورِ الإيمان وأُوقَد فيه مِصبَاحُه لكن عليه ظُلْمَةُ الشَّهَوَاتِ وَعَوَاصِفُ الأَهْوِيةِ فلِلشَّيْطَانِ هُنَاكَ إقْبَالٌ وإِدْبارُ ومَجَالاتٌ وَمَطَالِعُ فالحَرْبُ دُوَلٌ وَسِجَال، وَتَخْتَلِفُ أَحْوالُ هذا الصّنفِ بالْقِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أوقاتُ غَلَبَتِهِ لِعَدُوّهِ أَكْثَرُ، وَمِنْهُم مَنْ أوقاتُ غَلَبَةِ عَدوّهِ أكْثرُ، ومِنهم مَنْ هو تَارةً وتَارة. القلبُ الثّالثُ: قَلبٌ مَحْشوٌ بالإِيمانِ قَد اسْتَنَارَ بِنُورِ الإِيمانِ وانْقَشَعَتْ عَنه حُجُبُ الشّهواتِ وأقْلَعَتْ عنه الظُّلُمَاتُ فَلِنُوِرِه في صَدْرِهِ إِشْرَاقٌ ولِذَلِكَ الإِشْراقُ إيقَادٌ لَوْ دَنَا منه الوسْوَاسُ احْترقَ بِهِ فَهُوَ كالسّماءِ

стр. 209

الّتي حُرسَتْ بالنّجوم فَلوْ دَنَا مِنْهَا الشّيطانُ يَتخطّاها رُجِمَ فَاحْترق. وَلَيْستِ السّماءُ بأَعظَمَ حُرْمةٍ من المؤْمن وحِراسَةُ الله تعالى لَهُ أَتمُّ منْ حراسَةِ السّماء، والسّماءُ مُتَعبّدُ الملائكةِ وَمُسْتَقَرُّ الوحي، وفيها أَنْوارُ الطَّاعاتِ وَقَلْبُ المؤْمنِ مُسْتَقر التّوحِيدِ والمحبّةِ والمعْرِفةِ والإِيمانِ، وفَيهِ أنْوارُهَا فهوَ حَقيقٌ أَنْ يُحرَسَ وَيُحفَظَ مِن كَيْدِ العدوِّ فَلا يَنَالُ مِنْهُ إِلا خَطْفةً تَحْصلُ له على غِرّةٍ وَغَفْلةٍ مِنْ العَبْدِ إذْ هُو بَشَرٌ وَأَحْكَامُ الْبَشَرِيّةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ مِن الغَفلةِ والسّهو والذّهُول وَغَلبةِ الطَبع. انتهى. هذه قصيدة لِبَعْضِهم فيها غُلُوٌ صَلّحْنَا مَا فِيهَا مِن الغَلَطِ الاعْتِقَادِيْ وَجَعَلْنَا على ما فيه تَصْلِيح أَقْوَاسًا: تَيَقَّضْ لِنَفْسٍ عَنْ هُدَاهَا تَوَّلْتِ ... وَبَادِرْ فَفِي التَّأْخِيرِ أَعْظَمُ خَشْيَةِ فَحَتَّامَ لا تَلْوى لِرُشْدٍ عِنَائَها ... وَقَدْ بَلَغَتْ مِنْ غَيِّهَا كُلَّ بُغَيَةِ وَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ لَوَّامَةُ لِمَنْ ... نَهَاهَا فَلَيْسَتْ لِلْهُدَى مُطْمَئِنَّةِ إِذَا أَزْمَعَتْ أَمْرًا فَلَيْسَ يَرُدُّهَا ... عَنِ الفِعْلِ إِخَوَانُ التُّقَى وَالْمَبَّرةِ وَإِنْ مَرَّ فَعْلَ الخَيْرِ في بَالِهَا أَنْثَنَى ... أَبُو مُرَّةٍ يَثْنِيهِ في كُلِّ مَرَّةِ وَلِي قَدَمٌ لَوْ قُدِّمَتْ لِظُلامَةٍ ... لَطَارَتْ وَلَوْ أَنِّي دُعِيتُ لِقُرْبَةِ لَكُنْتُ كِذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٌ صَحِيحَةُ ... وَرِجْلٌ رَمََى فِيهَا الزَّمَانُ فَشُلَّتِ وَقَائِلَةً لَمَّا رَأَتْ مَا أَصَابَنِي ... وَمَا أَنَا فِيهِ مِنْ لَهِيبٍ وَزَفْرَتِي رُوَيْدَكَ لا تَقْنَطْ وَإِنْ كَثُرَ الخَطَا ... وَلا تَيْأَسَنْ مِنْ نَيْلِ رَوْحٍ وَرَحْمَةِ مَعَ العُسْرِ يُسْرٌ وَالتَّصَبُّرُ نُصْرَةٌ ... ولا فَرَجٌ إلا بِشِدَّةِ أَزْمَةِ (وَكَمْ عَامِلِ أَعْمَالَ أَهْلَ جَهَنَّمٍ ... فَلَمَّا دَعَى المَوْلَى أُعِيدَ لِجَنَّةِ) فَقُلْتُ لَهَا جُوزِيتِ خَيْرًا عَلَى الذِّي ... مَنَحْتِ مِنَ البُشْرَى وَحُسْنِ النَّصِيحَةِ فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ لِلنَّجَاةِ مِنَ الرَّدَى ... وَمَا حِيلَتِي في أَنْ تُفَرَّجَ كُرْبَتِي (فَقَالَتْ فَطِبْ نَفْسًا وَقُمْ مُتَوَجِّهًا ... لِرَبَّكَ تَسْلَمْ مِنْ بَوَارٍ وخَيْبَةِ)

стр. 210

(فَكَمْ آيِسٍ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فَالْتَجَا ... إِليْهِ فَحُطَّتْ عَنْهُ كُلُّ خَطِيئَةِ) (فَدَيْتُكَ فَاَقْصِدْهُ بِذُلٍّ فَإِنَّهُ ... يُقِيلَ بَنِي الزَّلاتِ مِنْ كُلِّ عَثْرِةِ) (إِذَا مَا أَتَوهُ تَائِبِينَ مِن الذِّي ... جَنَوْهُ مِنَ الآثامِ تَوْبَةَ مُخْبِتِ) وَصِلِّ إِلهِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... عَلَى أَحْمَدِ المُخْتَارِ أَزْكَى البَرِيَّةِ اللَّهُمَّ اجْعَلنَا مِنْ حِزْبِكَ المفْلِحِينَ وَعِبادِكَ الصَّالِحينَ الذين أهّلتهم لِخِدْمَتِكَ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا، وارْزُقْنَا مَحَبَّةُ أَوْلِيائِكَ وَأَصْفِيائِكَ واجْمَعَنَا وَإِيَّاهُمْ في دَارِ كَرَامَتِكَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى محمدٍ وعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. كتاب الصلاة: الصّلاةُ لغةً: الدّعاءُ قَال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ ، والصّلاةُ في الشّرع: أَقْوالٌ وَأَعْمَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحةٌ بالتَّكْبِير مُخْتتمة بالتَّسْلِيم وَسُمّيتْ صَلاةٌ لاشْتِمالِها على الدُّعاءِ، وقِيلَ: لأنها ثانيةُ الشّهادتين، وقيل: لأنها صِلةٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِهِ. وقيل: لما تَتَضَمّنُ من الدّعاءِ والخُشُوع والخَشْيَةِ، وقيل: لأَنَّ المُصَلِّي يَتْبعُ مَن تَقَدَّمَهُ، والصّلاة عِمَادُ الدّين، قال في مَراصِد الصّلاة للقَسطلاني: الحِكْمةُ في فَرْض الصَّلاة وَتَخْصِيصِهَا بالخَمْس، أحَدُهَا: أنّ الأنْفُسَ البَشَريّةَ الْمُقْتَضِيةَ للشَّهْوةِ والغفلةِ والسَّهوِ والنسّيانِ والشّره في العَمَلِ والفْتَرةِ عَنْهُ فاقْتضتْ الحِكْمةُ أن تذكر نِسيَانَها وَتُوقظَ غَفَلَتَهَا وَتُقْمَعَ شَهْوتَهَا بقَطعِهَا عن عاداتِها ومَنُاجَاتِها الذي كَفَلها بنعَمِهِ وغَذّاها بجُوده وَكَرمِهِ ولعلْمِهِ بِضَعفِ قُواها لم يَجْعل هَذِهِ العِبَادَةَ إلا في أَوْقَاتٍ يَكْثُرُ الْفَرَاغُ فِيهَا مِن إشْغَالِ العَادَاتِ وهذا هُوَ الحكمةُ في تَنْقِيصِهَا مِن الخَمْسِين إلى الخمس. والوجه الثاني: أن العبدَ في هذِه الدارِ يَعْمَلُ لِنَجَاتِهِ في الدارِ

стр. 211

الأَخْرَى وهِيَ مُشْتَمِلةٌ على أَهْوَالٍ وَمَشَاقٍ وَمَتَاعِبَ وأَمَامَ العبدِ دُونَهَا خَمْسُ عَقَبَاتٍ: الأولَى: الدُّنيا وشرُورُهَا وآفَاتُهَا ومَحْذُورَاتُها وَشَوَاغلُها وَعَلائِقُهَا القاطِعَةُ عن مَزيدِ السَّعَادَةِ. الثانيةُ: الموتُ وما يُخْشَى مِن فِتْنَتِهِ وشِدَّةِ سَكَرَاتِهِ وما يُشَاهَدُ عندَهُ مِن الأُموِر العِظَامِ والآلامِ الجسَامِ. الثالثة: الْقَبْرُ وضَيْقَتُهُ وَوَحْشَتُهُ وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِير، وذَلك صَعْبٌ خَطِيرٌ. الرابعةُ: المَحْشِرُ: وَهو لَهُ وَما فِيهِ مِن الخَوفِ الشَّدِيدِ والْفَزَعِ الأكِيدِ. الخامسةُ: الحِسَابُ وما يُخْشَى فيه بَعْدَ العِتابِ من وُقُوعِ العِقابِ فكان فِعْلُ الصَّلوَاتِ الخَمْسِ مُسَهِّلاً لِهَذِهِ العَقباتِ مُحَّصِّلاً لِنَيلِ المَسَرَّاتِ في دَارِ الكَرَامَاتَ وَهِيَ أَجلُّ مَبَانِي الإِسْلامِ بَعْدَ الشَّهَادتَيْنِ وَمَحَلُّهَا مِن الدِين مَحَلُ الرأسِ مِن الجَسَدِ فَكَمَا أَنَّهُ لا حَيَاةَ لِمَنْ لا رَأَسَ لَهُ، فَكَذَلِكَ لا دِينَ لِمَنْ لا صَلاة لَهُ. وَهِيَ خَاتِمَةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ مِن الدُّنيا فَعَن أنسٍ ﵁ قال: كانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةٌ وَهُوَ يُغَرْغِرَ بِنَفْسِهِ: «الصلاةَ وما مَلَكَتْ أَيمانُكُم» . رواه أحمد، وأبو داود. وهيَ أوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الحديثُ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سَمعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» . الحديث أخرجه الترمذي. وهِيَ أَكْبَرُ عَوْنٍ لِلْعَبْدِ على مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

стр. 212

فَبِمُدَاوَمَةِ العَبْدِ عَلى الصَّلاةِ تَقْوَى رَغْبَتُهُ في الخَيْرِ وَتَسهُلُ عليهِ الطاعاتُ وَتَهُونُ عَليهِ المشَاقُ وَتَسْهُلُ عليهِ المصائِبُ وَيُيَسِّرُ اللهُ لَهُ أُمُورَهُ وَيُبَارِكُ لَهُ في مَالِهِ وأَعْمَالِهِ وَتَنْهَاهُ عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ كَمَا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ الآية. وفي الصحيح المتفق عليه مِن رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ» ؟ قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» . وَوَرَدَ مِن حَديثِ ثوبانَ ﵁ قالَ: قَال رسولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمَالِكُم الصَّلاةُ ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مُؤمِنُ» ، وعن عثمانَ بن عَفَّان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا من امْرئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةَ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وخُشُوعَهَا ورُكُوعَهَا إلا كانَتْ كَفَارَةً لِما قَبْلَهَا مِنَ الذُنُوبِ مَا لَم تَؤْتَ كَبِيرَةٌ وذلكَ الدّهْرَ كُلَّهُ» . وفي البخاري، ومسلم عن ابن مَسْعُودٍ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تعالى؟ فَقَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» . قَلَتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . قَلَتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. وأَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ عن رجلٍ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أيُّ العَمَل أفْضَلُ؟ قال: سَمِعْتُهُ قال: «أَفْضَلَ العَمَلِ الصلاةُ لِوَقْتِهَا وبِرُّ الوالِدَين والجهَاد» . ورواته محتج بهم في الصحيح.

стр. 213

اللَّهُمَّ ثبّتْ مَحَبَّتِكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْقِيامَ بِطَاعَتِكَ وَجَنِّبْنَا مَا يُسْخِطُكَ وَأَصْلِحْ نِيَّاتِنَا وَذُرِّيَاتِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ نُفُوسَنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا وَأعِذْنَا مِنْ عَدُوِّك وَاجْعَلْ هَوَانَا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. (فصل) قال ابنُ القَيمِ ﵀: إذَا وَقَفَ في الصَّلاةِ صَاحِبُ القَلْبِ العَامِرِ بِمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ والرَّغْبةِ فِيه وإجْلالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَقَفَ بِقَلْبٍ مُخْبِتٍ خَاشِعٍ لَه قَرِيب مِنْهُ سَلِيمٍ مِن مُعَارَضَاتِ السُوءِ قَدْ امْتَلأتْ أرْجَاؤه بالهَيْبَةِ وَسَطَعَ فَيهِ نُورُ الإِيمانِ وَكُشِفَ عَنْهُ حِجَابُ النَّفْسِ وَدُخَانُ الشَّهواتِ فَيَرْتَعُ في رِياضِ مَعَانِي القُرْآنِ وخَالَطَ قَلْبَهُ بَشَاشَةُ الإِيمانِ بِحَقَائِقِ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ وَعُلُّوِهَا وَجَلالِهَا الأَعْظَمِ وَتَفَرُّدِ الربِ سُبحَانه بِنُعُوتِ جَلالِهِ وصفاتِ كَمَالِهِ. فاجْتَمَعَ هَمُّهُ على اللهِ وَقرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ وأَحَسَّ بقُرْبِهِ مِن اللهِ قُرْبًا لا نَظِيرَ لَهُ فَفَرَّغَ قَلْبَهُ لَهُ وأَقْبَلَ عَليهِ بِكُلِّيتِهِ وَهَذَا الإِقْبَالُ مِنهُ بَيْنَ إقْبَالَينِ مِن رَبّهِ فإنه سبحانَهُ أَقْبَلَ عليهِ أَوَّلا فانْجَذَبَ قَلْبُهُ بإقْبَالِهِ فلمّا أَقْبَلَ على رَبِّهِ حُظِيَ مِنْهُ إِقْبَالاً آخَرَ أَتَمَّ مِن الأَوَّلِ. وهَا هُنَا عَجِيبَةٌ مِن عَجَائِبِ الأسْمَاءِ والصفاتِ تَحْصُلُ لِمَنْ تَفَقَّهَ قَلْبُه في مَعَانِي القُرآنِ وَخَالَطَ بَشَاشَةَ الإِيمانِ بها قَلْبُهُ بحَيْثُ يَرَ لكمْ اسْمٍ وصفةٍ مَوْضِعًا مِن صَلاتِهِ وَمَحَلاً مِنها فإذَا انْتَصَبَ قائمًا بَيْنَ يَدَيْ الربِ ﵎ شاهَدَ بِقَلْبِهِ قَيومِيَّتَهُ وإذا قال: الله أكْبَرُ شاهَدَ كِبْرِياءَهُ. وإذا قال: سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وَتَبَاركَ اسْمُكَ وتَعَالَى جَدُّكَ

стр. 214

ولا إلهَ غَيْرَكَ شاَهد بِقَلْبِهِ رَبًا مُنَزَّهًا عَن كُلِّ عَيْبِ سَالِمًا مِن كُلِّ نَقْصٍ مَحْمًودًا بِكُلِ حَمْدٍ فَحَمْدُهُ يَتَضَمَّنُ وَصْفَهُ بِكلِ كَمَالٍ وَذلك يَسْتَلزِمُ بَرَاءَتَهُ مِن كُلِّ نَقْصٍ تَبَارَكَ اسْمُهُ فَلا يُذْكْرُ على قَلِيلِ إِلا كَثَّرَهُ ولا عَلى خَيْرٍ إِلا أَنْمَاه وَبارَكَ فيهِ ولا على آفةٍ إِلا أذْهَبَهَا ولا على الشيطانِ إِلا طَرَدَهُ خَاسِئًا دَاحِرًا وكمالُ الاسْمِ مِن كَمَال مُسَمَّاهُ فإذا كانَ هذا شأنُ اسْمِهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَهُ شيءٌ في الأَرضِ ولا في السماءِ فَشَأْنُ المُسَمَّي أَعْلا وأجَلُ وتعالى جَدَّهُ أَيْ ارْتَفَعَتْ عَظَمَتُه وَجَلَّتْ فَوقَ كُلِّ عَظَمَةٍ وَعَلا شَأْنُهُ عَلى كُل شأنٍ وَقَهَرَ سُلْطَانُه على كُلِّ سُلْطَانٍ فَتَعَالَى جَدُّهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَرِيكَ فِي مُلْكِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ أَوْ فِي إلهيَّتِهِ أَوْ فِي صِفَاتِهِ كَمَا قَالَ مؤمِنُوا الجِن وأَنَّهُ تعالى جد ربنا ما اتخذَ صَاحِبَةً ولا ولدًا فكَمْ في هَذِهِ الكلماتِ مِن تَجلّ لِحَقَائِقَ الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ على قَلْبِ العارِفِ بِها غَيْرِ المُعَطّلِ لِحَقَائِقِها وإذَا قَالَ: أعُوذُ باللهِ مِن الشيطانِ الرجيمِ فقد آوى إلى رُكْنِهِ الشَّدِيدِ واعتصَمَ بحَوْلِهِ وَقَوَّتِهِ من عَدُوّه الذي يُرِيدُ أَن يَقْطَعَهُ عن رَبِهِ وَيُبَاعِدَهُ عن قرْبِهِ لِيَكُونَ أَسْوَأَ حَالاً. فإذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَفَ هُنَيْهَةً يَسِيرَةً يَنْتَظِرُ جَوَابَ رَبِّهِ لَهُ بِقولِهِ: حَمِدَنِي عَبْدِي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، انتظرَ الجَوابَ بِقولِهِ: أثْنَى عَليَّ عَبْدِي فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، انتظرَ جَوَابَهُ بِقولِهِ مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَيَا لَذَّةَ قَلْبِهِ وَقُرَّةَ عَيْنِهِ وَسُرُورِ نَفْسِهِ بِقَولِ رَبِّهِ: عَبْدِي ثلاَث مرَّاتٍ فَواللهِ لَولا مَا عَلَى القُلُوبِ مِنْ دُخَانِ الشَّهَواتِ وغَيْمِ النُّفُوسِ لاسْتُطِيرتَ فَرَحًا وَسُرُورًا بقولِ رَبَها وَفَاطِرِهَا وَمَعْبُودِهَا حَمِدَنِي عَبْدِي وأَثْنَى عَليَّ عَبْدِي وَمَجَّدَنِي عَبْدِي ثُمَّ يَكُونُ لِقَلْبِهِ مَجَالٌ مِن شُهُودِ هَذِهِ الأسْمَاءِ الثلاثةِ

стр. 215

التي هِيَ أُصُولُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَهِيَ: اللهُ، والربُّ، والرحمنُ فَشَاهَدَ قَلْبُهُ من ذِكْرِ اسْمِ اللهِ ﵎ إِلهًا مَعْبُودًا مَوْجُودًا مَخْوفًا لا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ وَلا تَنْبَغِي إِلا لَهُ قَدْ عَنَتِ لَهُ الْوُجُوهُ وَخَضَعَتْ لَهُ المَوْجُودَاتُ وَخَشَعَتْ لَهُ الأَصْوَاتِ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ . وكذالكَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَخَلقَ الجِنَّ والإنْسَ والطيرَ والوحشَ والجنةَ والنارَ وكذلك أرسلَ وأَنْزَلَ الكتبَ وَشَرَعَ الشرائعَ وألْزَمَ العِبَادَ الأمرَ والنَّهْيَ. وَشَاهَدَ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ رَبَّ العالمين قَيُّومًا قَامَ بِنَفْسِهِ وقَامَ بِهِ كُلُ شَيءٍ فَهُوَ قَائِمٌ عَلى كُلِ نَفْسٍ بِخَيْرِهَا وَشَرِّهَا قَدْ اسْتَوى على عَرْشِهِ وَتَفَرَدَ بِتَدْبِيرِ مُلْكِهِ فالتَّدْبِيرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ مَصِيرُ الأُمُورِ كُلِّهَا إِليهِ فَمَراسِيمُ التَّدْبِيرَاتِ نَازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ عَلَى أَيْدِي مَلائِكَتِهِ بالعَطَاءِ والمَنْعِ والخَفْضِ والرَّفْعِ والإِحْياءِ والأَمَانَةِ والتَّوْبَةِ والْعَزْلِ والْقَبْضِ والْبَسْطِ وَكَشْفِ الْكُرُوبِ وإِغَاَثُةِ الْمَلْهُوفِ وإِجَابَةِ الْمُضْطَرَِينَ ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رَادَّ لأمْرِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِِهِ تَعْرُجُ الملائِكةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ وَتُعْرَضُ الأَعْمَالِ أَوَّلَ النَّهَارِ وآخِرَهُ عليهِ فَيُقَدِّرُ الْمَقَادِيرِ وَيُوَقِّتُ الْمَوَاقِيتَ ثُمَّ يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إِلى مَوَاقِيتِهَا قَائِمًا بِتَدْبِيرْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَحِفْظِهِ وَمَصَالِحِهِ. ثم يَشْهَدُ عندَ ذِكْرَ اسْمِهِ الرَّحْمَن ﷻ رَبًّا مُحْسِنًا إِلى خَلْقِهِ بِأَنْوَاعِ الإِحْسَانِ مُتَحَبِبًّا إِليهم بصُنُوفِ النِّعَمِ وَسَعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا وأَوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ نِعْمَةً وَفَضْلاً فَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ وَوَسِعَتْ نِعْمَتُهُ
следующие страницы →