Полный текст (3 875 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الأَخْرَى وهِيَ مُشْتَمِلةٌ على أَهْوَالٍ وَمَشَاقٍ وَمَتَاعِبَ وأَمَامَ العبدِ دُونَهَا خَمْسُ عَقَبَاتٍ: الأولَى: الدُّنيا وشرُورُهَا وآفَاتُهَا ومَحْذُورَاتُها وَشَوَاغلُها وَعَلائِقُهَا القاطِعَةُ عن مَزيدِ السَّعَادَةِ. الثانيةُ: الموتُ وما يُخْشَى مِن فِتْنَتِهِ وشِدَّةِ سَكَرَاتِهِ وما يُشَاهَدُ عندَهُ مِن الأُموِر العِظَامِ والآلامِ الجسَامِ. الثالثة: الْقَبْرُ وضَيْقَتُهُ وَوَحْشَتُهُ وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِير، وذَلك صَعْبٌ خَطِيرٌ. الرابعةُ: المَحْشِرُ: وَهو لَهُ وَما فِيهِ مِن الخَوفِ الشَّدِيدِ والْفَزَعِ الأكِيدِ. الخامسةُ: الحِسَابُ وما يُخْشَى فيه بَعْدَ العِتابِ من وُقُوعِ العِقابِ فكان فِعْلُ الصَّلوَاتِ الخَمْسِ مُسَهِّلاً لِهَذِهِ العَقباتِ مُحَّصِّلاً لِنَيلِ المَسَرَّاتِ في دَارِ الكَرَامَاتَ وَهِيَ أَجلُّ مَبَانِي الإِسْلامِ بَعْدَ الشَّهَادتَيْنِ وَمَحَلُّهَا مِن الدِين مَحَلُ الرأسِ مِن الجَسَدِ فَكَمَا أَنَّهُ لا حَيَاةَ لِمَنْ لا رَأَسَ لَهُ، فَكَذَلِكَ لا دِينَ لِمَنْ لا صَلاة لَهُ.
وَهِيَ خَاتِمَةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ آخِرِ عَهْدِهِ مِن الدُّنيا فَعَن أنسٍ ﵁ قال: كانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةٌ وَهُوَ يُغَرْغِرَ بِنَفْسِهِ: «الصلاةَ وما مَلَكَتْ أَيمانُكُم» . رواه أحمد، وأبو داود.
وهيَ أوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الحديثُ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سَمعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» . الحديث أخرجه الترمذي.
وهِيَ أَكْبَرُ عَوْنٍ لِلْعَبْدِ على مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
стр. 212
فَبِمُدَاوَمَةِ العَبْدِ عَلى الصَّلاةِ تَقْوَى رَغْبَتُهُ في الخَيْرِ وَتَسهُلُ عليهِ الطاعاتُ وَتَهُونُ عَليهِ المشَاقُ وَتَسْهُلُ عليهِ المصائِبُ وَيُيَسِّرُ اللهُ لَهُ أُمُورَهُ وَيُبَارِكُ لَهُ في مَالِهِ وأَعْمَالِهِ وَتَنْهَاهُ عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ كَمَا قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ الآية. وفي الصحيح المتفق عليه مِن رواية أبي هريرة ﵁ قال سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ» ؟ قَالُوا: لا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» . وَوَرَدَ مِن حَديثِ ثوبانَ ﵁ قالَ: قَال رسولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمَالِكُم الصَّلاةُ ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مُؤمِنُ» ، وعن عثمانَ بن عَفَّان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا من امْرئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةَ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وخُشُوعَهَا ورُكُوعَهَا إلا كانَتْ كَفَارَةً لِما قَبْلَهَا مِنَ الذُنُوبِ مَا لَم تَؤْتَ كَبِيرَةٌ وذلكَ الدّهْرَ كُلَّهُ» .
وفي البخاري، ومسلم عن ابن مَسْعُودٍ ﵁ قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تعالى؟ فَقَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» . قَلَتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . قَلَتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. وأَخْرَجَ الإمامُ أحمدُ عن رجلٍ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
أيُّ العَمَل أفْضَلُ؟ قال: سَمِعْتُهُ قال: «أَفْضَلَ العَمَلِ الصلاةُ لِوَقْتِهَا وبِرُّ الوالِدَين والجهَاد» . ورواته محتج بهم في الصحيح.
стр. 213
اللَّهُمَّ ثبّتْ مَحَبَّتِكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْقِيامَ بِطَاعَتِكَ وَجَنِّبْنَا مَا يُسْخِطُكَ وَأَصْلِحْ نِيَّاتِنَا وَذُرِّيَاتِنَا وَأَعِذْنَا مِنْ شَرِّ نُفُوسَنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا وَأعِذْنَا مِنْ عَدُوِّك وَاجْعَلْ هَوَانَا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فصل)
قال ابنُ القَيمِ ﵀: إذَا وَقَفَ في الصَّلاةِ صَاحِبُ القَلْبِ العَامِرِ بِمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ والرَّغْبةِ فِيه وإجْلالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَقَفَ بِقَلْبٍ مُخْبِتٍ خَاشِعٍ لَه قَرِيب مِنْهُ سَلِيمٍ مِن مُعَارَضَاتِ السُوءِ قَدْ امْتَلأتْ أرْجَاؤه بالهَيْبَةِ وَسَطَعَ فَيهِ نُورُ الإِيمانِ وَكُشِفَ عَنْهُ حِجَابُ النَّفْسِ وَدُخَانُ الشَّهواتِ فَيَرْتَعُ في رِياضِ مَعَانِي القُرْآنِ وخَالَطَ قَلْبَهُ بَشَاشَةُ الإِيمانِ بِحَقَائِقِ الأسْمَاءِ والصِّفَاتِ وَعُلُّوِهَا وَجَلالِهَا الأَعْظَمِ وَتَفَرُّدِ الربِ سُبحَانه بِنُعُوتِ جَلالِهِ وصفاتِ كَمَالِهِ.
فاجْتَمَعَ هَمُّهُ على اللهِ وَقرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ وأَحَسَّ بقُرْبِهِ مِن اللهِ قُرْبًا لا نَظِيرَ لَهُ فَفَرَّغَ قَلْبَهُ لَهُ وأَقْبَلَ عَليهِ بِكُلِّيتِهِ وَهَذَا الإِقْبَالُ مِنهُ بَيْنَ إقْبَالَينِ مِن رَبّهِ فإنه سبحانَهُ أَقْبَلَ عليهِ أَوَّلا فانْجَذَبَ قَلْبُهُ بإقْبَالِهِ فلمّا أَقْبَلَ على رَبِّهِ حُظِيَ مِنْهُ إِقْبَالاً آخَرَ أَتَمَّ مِن الأَوَّلِ.
وهَا هُنَا عَجِيبَةٌ مِن عَجَائِبِ الأسْمَاءِ والصفاتِ تَحْصُلُ لِمَنْ تَفَقَّهَ قَلْبُه في مَعَانِي القُرآنِ وَخَالَطَ بَشَاشَةَ الإِيمانِ بها قَلْبُهُ بحَيْثُ يَرَ لكمْ اسْمٍ وصفةٍ مَوْضِعًا مِن صَلاتِهِ وَمَحَلاً مِنها فإذَا انْتَصَبَ قائمًا بَيْنَ يَدَيْ الربِ ﵎ شاهَدَ بِقَلْبِهِ قَيومِيَّتَهُ وإذا قال: الله أكْبَرُ شاهَدَ كِبْرِياءَهُ.
وإذا قال: سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ وَتَبَاركَ اسْمُكَ وتَعَالَى جَدُّكَ
стр. 214
ولا إلهَ غَيْرَكَ شاَهد بِقَلْبِهِ رَبًا مُنَزَّهًا عَن كُلِّ عَيْبِ سَالِمًا مِن كُلِّ نَقْصٍ مَحْمًودًا بِكُلِ حَمْدٍ فَحَمْدُهُ يَتَضَمَّنُ وَصْفَهُ بِكلِ كَمَالٍ وَذلك يَسْتَلزِمُ بَرَاءَتَهُ مِن كُلِّ نَقْصٍ تَبَارَكَ اسْمُهُ فَلا يُذْكْرُ على قَلِيلِ إِلا كَثَّرَهُ ولا عَلى خَيْرٍ إِلا أَنْمَاه وَبارَكَ فيهِ ولا على آفةٍ إِلا أذْهَبَهَا ولا على الشيطانِ إِلا طَرَدَهُ خَاسِئًا دَاحِرًا وكمالُ الاسْمِ مِن كَمَال مُسَمَّاهُ فإذا كانَ هذا شأنُ اسْمِهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَهُ شيءٌ في الأَرضِ ولا في السماءِ فَشَأْنُ المُسَمَّي أَعْلا وأجَلُ وتعالى جَدَّهُ أَيْ ارْتَفَعَتْ عَظَمَتُه وَجَلَّتْ فَوقَ كُلِّ عَظَمَةٍ وَعَلا شَأْنُهُ عَلى كُل شأنٍ وَقَهَرَ سُلْطَانُه على كُلِّ سُلْطَانٍ فَتَعَالَى جَدُّهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَرِيكَ فِي مُلْكِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ أَوْ فِي إلهيَّتِهِ أَوْ فِي صِفَاتِهِ كَمَا قَالَ مؤمِنُوا الجِن وأَنَّهُ تعالى جد ربنا ما اتخذَ صَاحِبَةً ولا ولدًا فكَمْ في هَذِهِ الكلماتِ مِن تَجلّ لِحَقَائِقَ الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ على قَلْبِ العارِفِ بِها غَيْرِ المُعَطّلِ لِحَقَائِقِها وإذَا قَالَ: أعُوذُ باللهِ مِن الشيطانِ الرجيمِ فقد آوى إلى رُكْنِهِ الشَّدِيدِ واعتصَمَ بحَوْلِهِ وَقَوَّتِهِ من عَدُوّه الذي يُرِيدُ أَن يَقْطَعَهُ عن رَبِهِ وَيُبَاعِدَهُ عن قرْبِهِ لِيَكُونَ أَسْوَأَ حَالاً.
فإذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَفَ هُنَيْهَةً يَسِيرَةً يَنْتَظِرُ جَوَابَ رَبِّهِ لَهُ بِقولِهِ: حَمِدَنِي عَبْدِي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ، انتظرَ الجَوابَ بِقولِهِ: أثْنَى عَليَّ عَبْدِي فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، انتظرَ جَوَابَهُ بِقولِهِ مَجَّدَنِي عَبْدِي.
فَيَا لَذَّةَ قَلْبِهِ وَقُرَّةَ عَيْنِهِ وَسُرُورِ نَفْسِهِ بِقَولِ رَبِّهِ: عَبْدِي ثلاَث مرَّاتٍ فَواللهِ لَولا مَا عَلَى القُلُوبِ مِنْ دُخَانِ الشَّهَواتِ وغَيْمِ النُّفُوسِ لاسْتُطِيرتَ فَرَحًا وَسُرُورًا بقولِ رَبَها وَفَاطِرِهَا وَمَعْبُودِهَا حَمِدَنِي عَبْدِي وأَثْنَى عَليَّ عَبْدِي وَمَجَّدَنِي عَبْدِي ثُمَّ يَكُونُ لِقَلْبِهِ مَجَالٌ مِن شُهُودِ هَذِهِ الأسْمَاءِ الثلاثةِ
стр. 215
التي هِيَ أُصُولُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَهِيَ: اللهُ، والربُّ، والرحمنُ فَشَاهَدَ قَلْبُهُ من ذِكْرِ اسْمِ اللهِ ﵎ إِلهًا مَعْبُودًا مَوْجُودًا مَخْوفًا لا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ وَلا تَنْبَغِي إِلا لَهُ قَدْ عَنَتِ لَهُ الْوُجُوهُ وَخَضَعَتْ لَهُ المَوْجُودَاتُ وَخَشَعَتْ لَهُ الأَصْوَاتِ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِنْ مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ .
وكذالكَ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَخَلقَ الجِنَّ والإنْسَ والطيرَ والوحشَ والجنةَ والنارَ وكذلك أرسلَ وأَنْزَلَ الكتبَ وَشَرَعَ الشرائعَ وألْزَمَ العِبَادَ الأمرَ والنَّهْيَ.
وَشَاهَدَ مِن ذِكْرِ اسْمِهِ رَبَّ العالمين قَيُّومًا قَامَ بِنَفْسِهِ وقَامَ بِهِ كُلُ شَيءٍ فَهُوَ قَائِمٌ عَلى كُلِ نَفْسٍ بِخَيْرِهَا وَشَرِّهَا قَدْ اسْتَوى على عَرْشِهِ وَتَفَرَدَ بِتَدْبِيرِ مُلْكِهِ فالتَّدْبِيرُ كُلُّهُ بِيَدِهِ مَصِيرُ الأُمُورِ كُلِّهَا إِليهِ فَمَراسِيمُ التَّدْبِيرَاتِ نَازِلَةٌ مِن عِنْدِهِ عَلَى أَيْدِي مَلائِكَتِهِ بالعَطَاءِ والمَنْعِ والخَفْضِ والرَّفْعِ والإِحْياءِ والأَمَانَةِ والتَّوْبَةِ والْعَزْلِ والْقَبْضِ والْبَسْطِ وَكَشْفِ الْكُرُوبِ وإِغَاَثُةِ الْمَلْهُوفِ وإِجَابَةِ الْمُضْطَرَِينَ ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا رَادَّ لأمْرِهِ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِِهِ تَعْرُجُ الملائِكةُ والرُّوحُ إِلَيْهِ وَتُعْرَضُ الأَعْمَالِ أَوَّلَ النَّهَارِ وآخِرَهُ عليهِ فَيُقَدِّرُ الْمَقَادِيرِ وَيُوَقِّتُ الْمَوَاقِيتَ ثُمَّ يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إِلى مَوَاقِيتِهَا قَائِمًا بِتَدْبِيرْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَحِفْظِهِ وَمَصَالِحِهِ.
ثم يَشْهَدُ عندَ ذِكْرَ اسْمِهِ الرَّحْمَن ﷻ رَبًّا مُحْسِنًا إِلى خَلْقِهِ بِأَنْوَاعِ الإِحْسَانِ مُتَحَبِبًّا إِليهم بصُنُوفِ النِّعَمِ وَسَعَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا وأَوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ نِعْمَةً وَفَضْلاً فَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ وَوَسِعَتْ نِعْمَتُهُ
стр. 216
كُلَّ حَيٍ فَبَلَغَتْ رَحْمَتُهُ حَيْثُ بَلَغَ عِلْمُهُ فاسْتَوَى على عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ وَخَلَقَ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ وأَنْزَلَ كُتُبَهُ بِرَحْمَتِهِ وأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِرَحْمَتِهِ وَشَرَعَ شَرَائِعَهُ بِرَحْمَتِهِ وَخَلَقَ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ والنارَ أيضًا بِرَحْمَتِهِ فإِنها سَوْطُهُ الذي يَسُوقُ بِهِ عِبَادَهُ المؤمنينَ إلى جَنَّتِهِ وَيُطَهِّرُ بِهَا أدْرَانَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ وَسِجْنُهُ الذي يَسْجِنُ فيهِ أَعدَاءَهُ مِنْ خَلِيقَتِهِ.
فَتَأَمَّلْ مَا في أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَصَايَاهُ وَمَوَاعِظِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ الْبَالِغَةِ والنِّعْمَةِ السَّابِغَةِ وَمَا فِي حَشْوِهَا مِنَ الرَّحْمَةِ والنَّعِمْةِ فَالرَّحْمَةُ هِيَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ مِنْهُ بِعِبَادِهِ كَمَا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ مِنْهُمْ بِهِ فَمِنْهُمْ إِليهِ الْعُبُودِيَّةُ وَمِنْهُ إِليهِم الرَّحْمَةُ.
وَمِنَ أَخَصَّ مَشَاهِدِ الاسْمِ شُهُودُ الْمُصَلِّي نَصِيبُهُ مِنَ الرَّحْمَةِ الذِّي أَقَامَهُ بِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ وَأَهَّلَهُ لِعُبُودِيَتِهِ وَمُنَاجَاتِهِ وَأَعْطَاهُ وَمَنَعَ غَيْرَهُ وَذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِ.
فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهُنَا شَهِدَ الْمَجْدَ الذي لا يَلِقُ بِسَوى الْمَلكِ الحَقِ الْمُبِينَ فَشَهِدَ مَلِكًا قَاهِرًا قَدْ دَانَتْ له الْخَلِيقَةُ وَعَنَتْ لَهُ الْوُجُوهُ وَذَلَّتْ لِعَظَمَتِهِ الْجَبَابِرَةُ وَخَضَع لِعِزَّتِهِ كُلُّ عَزِيزٍ فَيَشْهَدُ بِقَلْبِهِ مَلِكًا عَلى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنُا لِعِزَّتِهِ تَعْنُوا الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ وإِذَا لَمْ تُعَطَّلْ صِفَةٌ حَقِيقَيْةً صِفةَ الْمُلْكِ أَطْلَعَتْهُ عَلى شُهُودِ حَقَائِقِ الأَسْمَاءِ والصِّفَاتِ التي تَعْطِيلُهَا تَعْطِيلٌ لِمُلْكِهِ وَجَحْدٌ لَهُ فَإِنَّ الْمَلكَ الْحَقَّ التَّامَّ الْحَقَّ لا يَكُون إِلا حَيًّا قَيُّومًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُدَبِّرًا قَادِرًا مُتَكَلِّمًا آمِرًا نَاهِيًا مُسْتَوِيًا عَلى سَرِيرِ مَمْلَكَتِهِ يُرْسِلُ إِلى أَقَاصِي مَمْلَكَتِهِ بأوامِرِهِ فَيَرْضَى على مَنْ يَسْتَحِقَ الرِّضَا وَيُثِيبُهُ وَيُكْرِمُهُ وَيُدْنِيهِ، وَيَغْضَبُ عَلى مَنْ يَسْتَحِقُ الْغَضَبَ وَيُعَاقِبُهُ وَيُهِينُهُ وَيُقْصِيهِ وَيَقْصِي مَن يَشَاءُ، لَهُ دَارُ عَذَابِ وَهِيَ النَّارُ وَلَهُ دَارُ سَعَادَةٍ وَهِيَ
стр. 217
الْجَنَّةُ. فَيُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَيُعْطِي مَن يَشَاءُ وَيُقَرِّبُ مَن يَشَاء.
فَمَنْ أَبْطَلَ شَيْئًا مِن ذَلكَ أَوْ جَحَدَهُ وأَنْكَرَ حَقِيقَتَهُ فَقَدْ قَدَحَ فِي مُلْكِهِ وَنَفى عَنْهُ كَمَا لَهُ وَتَمَامَهُ.
وكذلكَ مَنْ أَنْكَرَ عُمُومَ قَضَائِه وَقَدَرِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ عُمُومَ مُلْكِهِ وَكَمَالِهِ فَيَشْهَدُ الْمُصَلِّي مَجْدَ الربِ تَعاَلَى فِي قَولِهِ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَفِيهَا سِرُّ الْخَلْقِ والأَمْرِ والدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةُ لأَجَلِّ الْغَايَاتِ وأفضلِ الْوَسَائِلِ.
فأَجَلُّ الْغَايَاتِ عُبُودِيتُهُ وَأَفْضَلُ الْوَسَائِلَ إِعَانَتُهُ فَلا مَعْبُودَ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلا هُوَ ولا مُعِينَ على عِبَادَتِهِ غَيرُهُ فَعِبَادَتُهُ أَعْلَى الْغَايَاتِ وإِعَانَتُهُ أَجَلُّ الْوَسَائِلِ وَقَدْ أَنْزَلَ مائة كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ جَمَعَ مَعَانِيهَا فِي أَرْبَعَةِ. وَهِيَ: التَّوْرَاةُ، والإِنْجِيلُ، والْقُرْآنُ، والزَّبُورُ. وَجَمَعَ مَعَانِيهَا فِي الْقُرْآنِ وَجَمَعَ مَعَانِيهِ فِي الْمُفَصَّلِ وَجَمَعَ مَعَانِيهِ فِي الْفَاتِحَةِ وَجَمَعَ مَعَانِيهَا فِي إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
وقد اشْتَمَلَتْ هذِهِ الْكَلِمَةُ على نَوْعَيْ التَّوْحِيد وَهُمَا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ وَتَضَمَّنَتْ التَّعَبُدَ باسْمِ الربِ واسمِ اللهِ فَهوَ يُعْبَدُ بالأُلُوهِيَّةِ وَيُسْتَعَانُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَيَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بِرَحْمَتِهِ فكانَ أوَّلُ السُّورَةِ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ والربِّ والرحمنِ تَطَابَقًا لأَجْلِ الْمَطَالِبِ مِن عِبَادِتِهِ وَإِعَانَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَهو الْمُنْفَرِدُ بإعْطَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ لا يُعِينُ عَلى عِبَادَتِهِ سِوَاهُ وَلا يَهْدِي، سِوَاهُ ثُمَّ يَشْهَدُ الدَّاعِي بَقَوْلِهِ: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ شِدّةَ فَاقَتِهِ وَضَرُورَتِهِ إِلى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التي لَيْسَ هُو إلى شيءٍ أَشَدَّ فاقةً وَحَاجَةً مَنْهُ إِليهَا الْبَتَةَ فإنَّه مُحْتَاجٌ إِليه في كُلِ نَفَسٍ وَطَرفَةِ عَيْنٍ وَهَذَا الْمَطْلُوبُ مِن
стр. 218
الدُّعَاءِ لا يَتِمُ إلا بالهِدَايَةِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلُ إِليْهِ سُبْحانَهُ والْهِدَايَةِ فيهِ أيْ هِدَايَةِ التَّفْصِيلِ وَخَلْقِ الْقُدْرَةِ على الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ وَتَكْوِينِهِ وَتِوْفِيقِهِ لإِيقَاعِهِ عَلى الْوَجْهِ الْمَرْضِي الْمَحْبُوبِ للرَّبِ وَحِفْظِهِ عَليهِ مِنْ مُفْسِدَاتِهِ حَالَ فِعْلِهِ وَبَعْدَ فِعْلِهِ.
وَلَمَّا كاَنَ الْعَبْدُ مُفْتَقِرًا فِي كُلّ حَالٍ إِلى هَذِهِ الْهِدَايَةِ فِي جَمِيعِ مَا يأْتِيهِ وَيَذَرُهُ مِنْ أُمُورٍ قَدْ أَتَاهَا عَلى غَيرِ الْهِدَايَةِ فَهو يَحْتَاجُ إِلى التَّوْبَةِ مِنْهَا.
وأُمُورٍ هُدى إِلى أَصْلِهَا دُونَ تَفْصِيلِهَا أَوْ هُدِيَ إِليهَا مِن وَجْهِ دُونَ وَجْهٍ فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلى تَمَامِ الْهِدَايَةِ فِيهَا لِيَزْدَادَ هُدَى.
وأُمُورٍ يَحْتَاجُ إِلى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِن الْهِدَايَةِ فِيهَا بالْمُسْتَقْبَلِ مِثلَ مَا حَصَلَ لَهُ فِي الْمَاضِي.
وَأُمُورٍ هُوَ خَالٍ عَنْ اعْتِقَادٍ فِيهَا فَهُوَ يَحْتَاجُ إلى الهِدَايَةِ فِيهَا.
وَأُمُورٍ لَمْ يَفْعَلْهَا فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلى فِعْلِهَا عَلَى وَجْهِ الْهِدَايَةِ.
وأُمُورٍ قَدْ هُدِي إِلى الاِعْتِقَادِ الْحَقِّ والْعَمَلِ والصَّوابِ فِيهَا فهو مُحْتَاجُ إِلى الثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلى غَيْرِ ذَلكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ.
فَرَضَ اللهُ سبحانَهُ عليه أنْ يَسْأَلَ هَذِهِ الْهِدَايَةِ في أَفْضَلِ أَحْوَالِهِ مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ ثم بَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْهِدَايَةِ هُمْ الْمُخْتَصُوَن بِنِعْمَتِهِ دُونَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ الذَّيْنَ عَرَفُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ وَدُونَ الظَّالِينَ وَهُمْ الذينَ عَبَدُوا اللهَ بِغَيرِ عِلْمٍ فَالطَّائِفَتَانِ اشْتَرَكَتَا فِي الْقَوْلِ فِي خَلْقِهِ وَأمْرِهِ وأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ بِغَيرِ عِلْمٍ فَسَبِيل ُالْمُنْعِمْ عَلَيْهِم مُغَايرَةُ لِسَبِيلِ أَهْلِ البَّاطلِ كُلِّهَا عِلْمًا وَعَمَلاً فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ هَذَا الثَّنَاءِ والدُّعَاءِ والتَّوحِيدِ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَطْبَعَ عَلَى ذَلكَ بِطَابع مِنْ التأمِينِ
стр. 219
يَكُونُ كالخَاتِمِ لَهُ وَافقَ فِيه مَلائِكَةَ السَّماءِ وهذا التأمِينُ مِن زِينَةِ الصلاةِ كَرَفْعِ اليدِيْنِ الذِي هُوَ زِينَةُ الصلاةِ وإتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَتَعْظِيمَ أَمْرِ اللهِ وَعُبُودِيَةُ الْيَدَيْنِ وَشِعَارُ الاِنْتِقَالِ مِن رُكْنٍ إِلى رُكْنٍ ثُمَّ يَأَخُذُ فِي مُنَاجاَةِ رَبِّهِ بِكلامِهِ واسْتِمَاعِهِ مِنْ الإِمَامْ بالإِنْصَاتِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَشُهُودِهِ.
وقال ﵀: والقول الجامع في تفسير الصراط المستقيم: أنه الطريق الذي نصبه الله لعباده على ألسنة رسله، وجعله موصلاً لعباده إليه، ولا طريق لهم سواه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسله بالطاعة، وهو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا تكون إرادة إلا متعلقة بمرضاته، وهذا هو الهدى وهو معرفة الحق والعمل به وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به فقل ما شئت من العبارات التي هذا أحسنها.
وقال: والطريق إلى الله واحد لا تعدد فيه، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه موصلاً لمن سلكه إلى الله فمن الناس من يكون سيد عمله وطريقه إلى ربه طريق العلم والتعليم قد وفر عليه زمانًا مبتغيًا به وجه الله فلا يزال عاكفًا على طريق العلم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له الفتح الخاص، أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه، ومنهم من يكون سيد عمله الذكر، ومنهم من يكون طريقه الإِحسان والنفع المتعدى، ومنهم من يكون طريقه الصوم، ومنهم من يكون كثرة تلاوة القرآن، ومنهم من يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنهم من يكون طريقه الحج والاعتمار، ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة، ومنهم الجامع الفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق،
стр. 220
فهو جعل وظائف عبودية قبلة قلبه ونصب عينيه وقد شارك أهل كل عمل وذلك فضل الله.
وقال ﵀ ولما كان طالبُ الصراط المستقيم طَالِبَ أَمْرٍ أَكْثَرُ النَّاسِ نَاكِبُونَ عَنْهُ، مرِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقٍ مُرَافِقُهُ فيها في غَايَةِ الْقِلَّةِ والْعِزَّةِ، والنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ علَى وحْشَةٍ التَّفَرُّدِ، وعلى الأنس بالرفيق.
نَبَّهَ اللهُ سُبْحَانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنَّهمُ هم الذين ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ .
فأَضَاف الصِّرَاطَ إلى الرفِيقِ السالِكينَ لَهُ، وهُم الذين أَنْعَم اللهُ عليهم، لِيزُولَ عَن الطالِبِ لِلْهِدَايَةِ وسُلُوكِ الصِّرَاطِ وحْشَةُ تَفَردُّهِ عن أهِل زَمَانِهِ وبَنِي جِنْسِهِ، وَلِيَعْلم أَنْ رَفِيقَهُ في هَذا الصراط هم الذين أَنْعم اللهُ عليهم.
فلا يَكْتَرِثْ بِمُخَالَفَةِ النَّاكِبينَ عنه لَهُ فإنهم هم الأقَلُونَ قَدْرًا وإن كانوا الأكْثَرِينَ عَدَدًا، كما قَالَ بعضُ السلفِ: عليكَ بطريق الحقِّ ولا تَسْتَوحِشْ لِقِلَّةِ السَّالِكِين، وَإيَّاكَ وَطَرِيقَ البَاطِلَ وَلا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهَالِكِينَ.
وَكُلَّمَا اسْتَوْحَشْتَ في تَفَرُّدِكَ فَانْظُرْ إلى الرَّفِيقِ السَّابِقِ وَاحْرِصْ عَلَى اللِّحَاقِ بِهِمْ، وَغُضِّ الطَّرْفَ عَنْ مَنْ سِوْاهُمْ فَإِنَّهُمُ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَإِذَا صَاحُوا بِكَ في طَرِيقِ سَيْرِكَ فَلا تَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ.
قَالَ وَلَمَّا كَانَ سُؤالُ اللهِ الْهِدَايةِ إِلى الصَّرَاطَ الْمُسْتَقِيمِ أَجَلَّ الْمَطَالِبِ، وَنَيْلُهُ أَشْرَفَ الْمَوَاهِبِ عَلَّمَ اللهُ عِبَادِهُ كَيْفِيَّةَ سُؤالِهِ، وأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَمْدَهُ والثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدَهُ.
ثم ذَكَرَ عُبُودِيَّتَهُمْ وَتَوْحِيدَهُمْ فَهَاتَانِ وسِيلَتَانِ إِلى مَطْلُوبهم تَوَسُّلٌ
стр. 221
إِليه بأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوسُّلٌ إِليه بِعُبُودِيَّتِهِ وَهَاتَان الْوَسِيلَتَان لا يَكَادُ يُرَدُّ مَعْهُمَا الدُّعَاءُ.
ويُؤيِّدْهُما الْوَسِيلَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي حَدِيثَيْ الاسْم الأعظم اللَّذَيْنِ رواهما ابن حبَّان في صَحِيحه، والإِمام أحمد، والترمذي.
أَحَدُهما: حَدِيثُ بُرَيْدَةَ عن أبيه قال سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو ويقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بأني أَشْهَدُ أَنَّكَ اللهُ الذي لا إِلهَ إلا أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ولم يكن له كُفْوًا أحَد.
فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَأَلَ الله باسْمِهِ الأَعْظَمْ الذي إذا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» . قال الترمذيُ: حَدِيثٌ صحيح.
فهذا تَوَسُّلٌ إلى الله بتَوحِيدِهِ، وشَهَادَةِ الدَّاعِيَ لَهُ بالْوَاحْدَانِيَّةِ وثبوتِ صِفاتِهِ المدلُولِ عليها باسمِ الصَّمَدِ.
وهو كما قال ابن عباس: العَالِمُ الذي كَمُلَ عِلْمُهُ القادِرُ الذي كَمُلَتْ قُدْرَتُهُ وفي رواية: (هو السيدُ الذي قَدْ كَمُلَ فيه جَمِيعُ أنواعِ السؤدَدِة) .
وقال سعيد بن جبير: هو الكاملُ في جَميعِ أَقوالِهِ وَصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
والثاني: حَدِيثُ أنس أن رسول الله ﷺ سَمِعَ رَجُلاً يَدْعُو:
اللَّهُمَّ إني أسألكَ بأن لك الحمد لا إله إلا أنْتَ المنان بَدِيعُ السماوات والأرض؛ ذا الجلال والإكرام، يا حَيُّ يا قَيُّوم.
فقال: «لقد سأل الله باسمه الأعظم» . فهذا توسل إليه بأسمائِهِ وصفاته.
وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما: التوسل بالحمد، والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده.
стр. 222
ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيقٌ بالإجابة.
ونظير هذا دعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل. رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس:
«اللَّهُمَّ لك الحمد أنتَ نور السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنتَ قيوم السماوات والأرض ومن فيهن.
ولك الحمد أنتَ الحق ووعدك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق، والنبيون حق والساعة حق ومحمد حق.
اللَّهُمَّ لكَ أسلمتُ، وبكَ آمَنْتُ، عليك تَوَكَّلْتُ، وإليك أَنَبْتُ، وبكَ خاصَمْتُ، وإليكَ حَاكَمْتُ.
فاغفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسررتُ وما أعلنت، أنْتَ إلهي لا إله إلا أنْتَ» ، فذكر التوسلَّ إليه بِحَمْدِهِ والثَّناء عليه، وبِعُبُودِيَّتِهِ ثم سأله المغفرة.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ خَلَقَ الإنسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم وَبِقُدْرَتِهِ التي لا يُعْجِزُها شيءٌ يُحْيي العِظَامَ وهي رَمِيمٌ، نسأَلك أَنْ تَهْدِينا إلى صِراطِك المستقيم، صِراط الذيْنَ أَنْعَمْتَ عَليهم من النَّبيينَ والصِّدِِيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحَينَ، وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل)
عِبَادَ اللهِ إِن الصلاةَ عِمادُ الدِّينِ وأَعْظَمُ أَرْكَانِ الإِسْلامِ بَعْدَ الشهادَتَين مَنْ حَافَظَ عَلَيهَا فَهُوَ السَّعِيدُ، وَمَنْ أَضَاعَهَا وأَهْمَلَهَا فهو الشَّقِيُ الْعَنِيدُ، وقد أَمَرَ اللهُ بالمحافظةِ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِإقَامَتِهَا فِي آياتً كَثِيرَةٍ قال
стр. 223
تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية. وَقَالَ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ ، الآية. وقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ ، وقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: يُقِيمونَ الصَّلاةَ بِفُروضِهَا. وقال الضَّحاكُ: عَن ابنِ عباسٍ: إقامةٌ الصَّلاةِ إتْمَامُ الرُّكُوعِ والسُّجود والتِّلاوةِ والْخُشُوعِ والإقبالِ عليهِ فيهَا. وقال قَتَادَةُ: إقامَةُ الصَّلاةِ الْمُحَافَظَةُ عَلى مَوَاقِيتِهَا وَوُضُوئِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِها.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إقامَتُها: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وإسْبَاغُ الطَّهُورِ فِيهَا وإتْمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا والتَّشَهّدُ والصَّلاةُ عَلى النبي ﷺ وَحَثَّ ﷺ عَلى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي أَحَادِيثَ كثيرةٍ مِنْهَا مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ مَنْ حَافَظَ على الصَّلَواتِ الْخَمْسِ عَلى وُضُوئِهِنَ وَرُكُوعِهِنَّ وَمَواقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وآتَى الزَّكَاة طَيَّبةً بِهَا نَفْسُهُ، وأدّى الأمانة» . قيل: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا أَدَاءُ الأمانَةِ؟ قَالَ: «الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمَنْ ابنَ آدَمَ على شيءٍ مِنْ دِينِهِ غَيْرَها» . رواه الطبراني.
وعن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ لا يَجْعَلُ اللهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ في الإِسْلام كَمَنْ لا سَهْمَ لَهُ وَأَسْهُمُ الإِسْلامِ ثلاثةٌ: الصَّلاةُ، والصَّومُ، والزَّكَاةُ. ولا يَتَولَّى اللهُ عَبْدًا
стр. 224
فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُحِبُّ رَجلٌ قَوْمًا إِلا جُعِلَ مَعَهُمْ» . الحديثَ رواهُ أحمدُ بإسنادٍ جيدٍ، ورواهُ الطَّبَراني في الْكَبِير مِنْ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ.
وَعَنْ عمر بن مُرَّة الجُهَنِي قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلى النبيّ ﷺ ، فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرأَيْتَ إِنْ شَهِدتُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهَ، وأَنكَ رَسُولُ اللهِ، وَصَليتُ الصَّلواتِ الْخَمْسِ، وأدَّيْتُ الزَّكاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ فَمِنْ مَنْ أَنَا؟ قَالَ: «من الصِّدِيقِينَ والشُّهَدَاءِ» . رواهُ البَزَّارُ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حِبَّان في صَحِيحَهُمَا، واللفظُ لابنِ حِبَّانَ. ومن الأَدِلَةِ الدَّالةِ عَلى وُجُوبِهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ قَولهُ تَعَالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ ، وأَمَّا السُّنَّةُ فَعَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شِهَادةِ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وإِقَام الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً» .
وأَجْمَعَتِ الأمةُ عَلى وُجُوبِ خَمْسِ صَلَواتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَفُرضَتْ الصَّلاةُ لَيْلةَ الإِسْرَاءِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ ﷺ بِنَحْو خَمْسِ سِنينَ وِقِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.
اللَّهُمَّ وَفِقْنَا للاسْتِعْدَادِ، واهْدِنَا إِلى سَبِيل الرَّشَادِ، وَوَفقْنَا للعَمَلِ الصَّالِحِ ليومِ الْمَعَاد، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
فصل: وَيَحْرمُ تَأْخِيرُ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا عَلَى الْقَادِر عَلى فِعْلِهَا
стр. 225
الذَّاكِرِ لَهَا إِلا لِنَاوِي الْجَمْعِ لِنَحْوِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ لأنه يَجبُ إيقاعُهَا في الوقتِ فإذا خَرَجَ وَقْتَهُا وَلم يأتِ بِهَا كَانَ تَارِكًا لِلواجِبِ مُخَالِفًا لِلأَمْرِ وَلِئَلا تفُوتَ فائدةُ التأقِيتِ.
وَأَمَّا الدَّليلُ عَلى جَوازِه للعُذْرِ وَتَحْرِيمه لِغيرِ الْعذْر فَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: «لِيْسَ في النَّوْم تَفْرِيطَ إنما التفريط في الْيَقَظِةَ أَنْ تُؤَخِر الصَّلاةَ إِلى أَنْ يَدْخَلَ وَقْتَ أَخْرَى» ، وَقَدْ وَرَدَ في تَفْسِير قولهِ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ تأخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَسَمَّاهُمْ مُصَلِّينَ لَكنَّهُمْ لِمَا تَهَاونُوا بِهَا وَأخَروهَا عَنْ وَقْتِهَا وَعَدهُم بِويل وَهُوَ شِدّةُ الْعَذَابِ وَقِيلَ هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّمْ لَوْ سُيّرتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لذَابَتْ مِنْ حَرِّهِ وَهُوَ مَسْكَنْ مَنْ يَتَهَاوَنُ بالصَّلاةِ ويُؤخِرُّهَا عَنْ وَقْتِهَا إِلا أَنْ يَتُوبَ وَيَنْدَمَ وَيَعْزَمَ أَنْ لا يَعُودَ وَيَتُوبَ اللهُ عَليهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اللهِ فِي هَذِهِ الآيةِ الصَّلواتُ الْخَمْسُ فَمَنْ اشْتُغِلَ بِمَالِهِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَمَعِيشَتِهِ وَضِيعَتِهِ وَأَوْلادِهِ عَنْ الصَّلاةِ فِي وَقْتِهَا كَانَ مَنْ الْخَاسِرينَ. وفي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتِ إِذَا كَانتْ عَليكَ أَمْرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ» ، أَوْ قَالَ: «يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ ، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمْ: أَخَّرُوهَا عَنْ وَقْتِهَا. وَقَالَ سَعِيدْ بِنْ الْمُسَيِّبْ: هُوَ أَنْ لا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتى يَأْتِي الْعَصْرُ وَلا الْعَصْرَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَجَاحِدُ الصَّلاةِ مَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا يَجْهَلُ وُجُوبَهَا كَمَنْ نَشَأَ بِدَارِ الإِسْلامِ فَهَذَا يَكْفُرُ بِجَحْدِهِ لأَنَّهُ مُكذبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وإجْمَاعِ الأمَّةِ وَيَصِيرُ مُرْتَدًا
стр. 226
وأمّا أَنْ يَكُونَ مِمَنْ يَجْهَلُ وُجوبَهَا كَمَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ، وَكَحَدِيثِ عَهْدِ بإسْلامٍ فَهَذَا يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا فإنْ أَصَرَّ عَلَى الْجَحْدِ كَفَرَ.
فإنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا وَكَسَلاً دَعَاهُ إِمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ إِلى فِعْلِهَا فِإنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ التي بَعْدَهَا وَجَبَ قَتْلُه وَمُدَّةُ اسْتِتَابةِ الْجَاحِدِ لِوُجُوبِهَا وَتَارِكِهَا تَهَاوُنًا وَكَسَلاً ثَلاثَةِ أَيْامٍ بِلَيَالِيهَا كَسَائِر الْمُرْتَدينَ، وَيُضِيقُ عَلَيْهِمَا وَيُدْعَيانِ كُلَّ وَقْتٍ صلاةٍ إِلَيْهَا فإنْ تَابَا بِفعْلِهَا مَعْ إِقْرَارِ الْجَاحِدِ لِوُجُوبِهَا خُلِّيَ سَبِيلُهُمَا وإِلا ضُرِبَتْ عُنُقُهُمَا.
وحيثُ كَفَر فإنَّه يُقْتَلُ بَعْدَ الاسْتِتَابَةِ وَلا يُغَسَّلُ وَلا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلا يُرقُّ وَلا يُسْبَى لَهُ وَلَدٌ وَلا أَهْلٌ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِينَ.
اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا عَنْ الْمَعَاصِي والزَّلات وَوفّقْنَا للعَمَلِ بالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فصل)
في الأَدِلَّةِ عَلَى كُفْرِ تَارِكِ الصَّلاةِ
والدَّلِيلُ عَلَى كُفْر تَارِكِ الصَّلاةِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ْ، وقَالَ: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ ، وقال تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الآية.
وعَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 227
وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ» . رواه الجماعة إلا البُخَارِيُّ، والنِّسَائي.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُول: «الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» . رواه الْخَمْسَةُ. وفي الحديث الآخَر: «مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» . رواه أَحْمَدُ بإسْنَادٍ عَنْ مَكْحُولٍ وَهو مرْسَلٌ جيدٌ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاةِ. رواهُ التِّرمِذِي.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بنِ الْعَاصِ أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَقَالَ: مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلا بُرْهَانًا وَلا نَجَاةً وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ. رَواهُ أَحْمَدُ. وقالَ عُمَرُ: لاحظَّ في الإسْلامِ لمنْ تَرَكَ الصَّلاةَ. وقَالَ عَليٌ: مَنْ لَمْ يُصَلّ فَهُو كَافِرٌ.
وقالَ ابنُ حَزْمِ: وقدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ، وعَبْدِ الرحمَن بِنْ عَوْفٍ، ومعاذِ بنِِ جَبَل، وأبي هُريرةَ وغيرهم مِنَ الصحابةِ: أن مَنْ تَرَكَ صَلاةَ فَرْضٍ واحدةٍ متعمِّدًا حَتَى يَخرجَ وَقتُها فَهُوَ كافِرٌ مُرْتَدٌ.
وَقَالَ الْحَافظُ عَبْدُ الْحَقّ الإِشْبيلي فِي كِتَابِهِ: ذَهَبَ جُمَْلةٌ مِنْ الصَّحَابِةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلى تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلاةِ مُتَعَمِدًا لِتَرْكِهَا حَتَّى يَخْرجَ وَقْتُها مِنْهُم عُمَرُ بنُ الْخَطَّاب، وَمعاذُ بنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَبو الدَّرْدَاءِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلي. وَمِنْ بَعْدِهِمْ: أَحْمَدُ بِنُ حَنْبَلٍ، وإسْحَاق، وعبدُ اللهِ ابنُ الْمُبَارَكِ، وَإبْرَاهِيمُ الْنَّخَعِي، والْحَكَمُ بِنُ
стр. 228
عيينةَ، وأَيُّوبُ السِّخْتِيانِي، كل هؤلاء ذَهَبوا إلى تَكْفِير تاركِ الصَّلاةِ حتى يخرجَ وَقْتُهَا.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ حَتَّى أَدْخَل وَقَتًا فِي وَقتٍ فَهُو كافرٌ.
اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لِعِبَادِكَ الأَخْيار وانْظُمْنَا في سِلْكِ الْمُقَرَّبينَ والأَبْرَارِ وآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخَرِةَ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّار، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(٨) موعظة
أيُّهَا النَّاس إِنَّ سُبُلَ الْعَافِيَةِ مُنْدَرِسَةٌ لِقلَّةِ سُلاكِهَا وإنَّ عللَ الْقُلوبِ الْقَاسِيةِ مؤذنةٌ بِهَلاكِهَا وإِنَّ رُسُلَ الْمَنُونِ قَانِصَةُ لا تُفْلِتُ أَحَدًا مِنْ شِبَاكِهَا فَمَا للعيونِ نَاظِرَةٌ وَلا تُبْصِرُ وَمَا للقلوب قاسيةٌ وَلا تُفَكِّرُ وَمَا للعقولِ طَائِشَةٌ لاهِيةٌ بِجَمْعِ الدُّنْيَا وَلا تَشْعُرُ، وَمَا لِلنِّفُوسِ قَاسِيَةٌ وَلا تَذكرُ أَغَرَّهَا إِنْظَارُهَا وإمْهَالُهَا أَمْ بَشّر بالنَّجَاةِ صَالحُ أَعْمَالِهَا أَمْ لَمْ يَتَحققْ عِنْدَهَا من الدُّنْيَا زَوَالِهَا.
شِعْرًا:
أَمَدُ الحَيَاةِ كَمَا عَلِمْتَ قَصِيرُ ... وَعَلَيْكَ نَقَّادٌ بِهَا وَبَصِيرُ
عَجَبًا لِمُغْتَرٌّ بِدَارِ فَنَائِهِ ... وَلَهُ إِلَى دَار البَقَاءِ مَصِيرُ
آخر: ... وَلَسْتَ أَرى السَّعَادَةَ جَمَعْ مَالٍ ... وَلكن التقيَّ هُو السَّعِيدُ
وَتَقْوَى الله خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا ... وَعِنْد الله للأتقى مَزِيدُ
وَمَا لا بُدَّ أَنْ يَأَتِي قَرِيبٌ ... وَلكِنَّ الذي يَمْضِي بَعِيدُ
آخر:
هَوِّنْ عَليكَ فَمَا الدُّنْيَا بِدَائِمَةٍ ... وَإِنَّمَا أَنْتَ مِثلُ النَّاسِ مَغْرُورُ
وَلَوْ تَصَوَّرَ أَهْلُ الدَّهْرَ صُورَتَهُ ... لَمْ يُمْسِ مِنْهُمْ لَبِيبٌ وَهُوَ مَسْرُورُ
تَاللهِ لَقَدْ شَمِلَتْ الْقُلُوبُ الْغَفْلَةِ فاسْتَحْكَمْ عَلَى الْقُلُوبِ أَقْفَالُهَا، فَكأنَ قَدْ كَشَفَ الْموتُ لأَهْلِ الْغَفْلَةِ قِنَاعَهُ وَأَطْلَقَ عَلَى صِحَاحِ الأَجْسَامِ
стр. 229
أَوْجَاعَهُ وَحَقَّقَ بِكلِ الأَنَامِ إِيَقاعَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ دِفَاعَهُ فَخَفَقَ مِن الْمَنُزِولِ به فُؤادُهُ وَرَحِمَهُ أَعْدَاؤُهُ وَحُسَّادُه وَقَرُبَ عَنْ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ بِعَادُهُ والْتَحَقَ بِذُلّ الْيُتْمِ أَوْلادُه فيالَهُ مِنْ وَاقِعٍ فِي كُرَبِ الْحَشَارِجِ إلى أَنْ أَدْرِجَ فِي تَلْكَ الْمَدَارِج وَقَدِمَ عَلَى الله ذِي الْمَعَارِج فِي مَنْزِلَ لا يَبْرَحُ مِنْهُ مَنْ نَزَلَهُ حَتَّى يَلْحَقَ آخِرُ الْخلقِ أَوَّلَهُ فَانْتَبِهُوا رَحَمَكُمْ اللهُ قَبلَ أَنْ يَصلَكُمْ الدُّورُ واسْتدْركوا مَا فَاتَكمْ ومَا قَصَّرْتَمْ بِهِ مِن الأََعْمَالِ الصَّالِحَةِ عَلى الْفَورِ. أَفَيَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيُهْمِلَهُ.
كَلا واللهِ لَيَبْعَثَنَّ الْخَلْقَ بَعْدَ مَا أَمَاتَهُ وَلَيَسْأَلَنَّ عَنْ الرَّسُولِ وَمَنْ أَرْسَلَه وَلَيُوَفِيَنَّ كُلَّ عَامِلٍ مَا عَمِلَهُ.
اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضرُّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفعُهُ الطَّاعةَ أيْقِظْنَا مِنْ نَومِ الْغفلةِ وَنَبِّهْنَا لاغْتِنَامْ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوَفِّقْنَا لِمَصَالِحِنَا واعْصِمْنَا من قَبِائِحِنَا ولا تُؤاخِذْنَا بما انْطَوَتْ عليهِ ضَمَائِرُنَا واكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْواعِ الْقَبَائِحِ والْمعائِبِ التي تَعْلَمُها مِنا، وامنُنْ علينا يا مولانا بتوبةٍ تَمْحُو بِهَا عَنَّا كُلِّ ذَنْبِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
تَبَيَّنَ ثَغْرُ الْفَجْرِ لَمَّا تَبَسَّمَا ... فَسُبْحَانَ مَنْ في الذِّكْرِ بَالْفَجْرِ أَقْسَمَا
فَصَلِّ عَلَى الْمَبْعُوثِ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً ... عَسَى شَمَلَتْنَا أَوْ لَعَلَّ وَرُبَّمَا
كَمَا شَمَلَتْ آل الرسُولِ وَصَحْبِهِ ... فَأكْرِمْ بِهِمْ آلاً وَصَحْبًا وَأَعظِمَا
أَتَى بَالْهُدَى نُوراً إِلَيْنَا وَنِعْمَةً ... وَقَدْ كَانَ وَجهُ الكَوْنِ بالشِّرْكِ مُظْلِمَا
فَجَلَّى بَأَنْوَارِ الهُدَى كُلَّ ظُلْمَةٍ ... وَأَطْلَعَ في الآفَاقِ لِلدِّينِ أَنْجَمَا
أَتَى بِكِتَابٍ أَعْجَزَ الْخَلْقَ لَفْظَهُ ... فَكُلُ بَلِيغ عُذْرُهُ صَارَ أَبْكَمَا
تَحَدَّى بِه أَهَلَ البَلاغَةِ كُلَّهُمْ ... فَلَمْ يَفْتَحُوا فِيمَا يُعَارِضُهُ فَمَا
حَوىَ كُلَّ بُرْهَانٍ عَلَى كُلِّ مَطْلَبٍ ... وَيَعْرِفُ هَذَا كُلُّ مَنْ كَان أَفْهَمَا
стр. 230
وَأَخْبَرَ فِيهِ عَنْ عَوَاقِبَ مَن عَصَى ... بَأنَّ لَهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ جَهَنَّمَا
وَعَنْ مَنْ أَطَاعَ اللهَ أَنَّ لَهُ غَدًا ... نَعِيمًا بِهِ مَا تَشْتَهِي النَّفْسُ كُلَّمَا
مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً ... فَصَلِّ عَليهِ مَا حَييْتَ مُسَلِّمَا
وَأَسْرَى به نَحْوَ السَّمَاوَاتِ رَبُّه ... وَأرْكَبَهُ ظَهْرَ البُرَاقِ وَأَكْرَمَا
وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوابُها لِصُعُودِهِ ... فَمَا زَالَ يَرْقَى مِنْ سَمَاءٍ إِلى سَمَا
وَلاقَى به قَوْمًا مِنْ الرُّسْلِ كُلُّهُمْ ... يَقُولُ لَهُ يَا مَرْحَبًا حِينَ سَلَّمَا
وَكَانَ بِهِ فَرْضُ الصَّلاةِ وَحَبَّذَا ... تَرَدُّدُهُ بَيْنَ الكَلِيمِ مُكَلِّمَا
وَصَيَّرَهَا مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ خَمْسَةً ... فُروضًا وَأَمْرُ اللهِ قَدْ كَانَ مُبْرَمَا
وَعَادَ إلى بَيْتِ أُمْ هَانئ مُخْبِرًا ... لَهَا بالذِي قَدْ كَانَ مِنْهُ وَمُعْلِمَا
فَخَافَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمَلا ... وَيَزْدَادُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ عَمَى
فَجَاءَ إِلى الْبَيْتِ الْعَتِيقَ فَأخْبَرَ الْـ ... ـعِبَادَ فَمِنْهُمْ مَنْ بِتَكْذِيبِهِ رَمَى
وَكَانَ بهِ الصَّدِّيقُ خَيْرَ مُصدِّقٍ ... فَصَدَّقَ خَيْرَ الرُّسْلِ فَي خَبَرِ السَّما
مُحَمَّدًا الْمَبْعُوثَ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً ... فَصَلِّ عَلَيهِ مَا حَيْيتَ مُسَلِّمَا
وَقُمْ حَامِدًا للهِ في كُلِّ حَالَةٍ ... تَجِدْ حَمْدَهُ في يَوْمِ حَشْرِكَ مَغْنَمَا
وَصَلّ عَلَى الْمَبْعُوثِ لِلْخَلْقِ رَحْمَةً ... مَحمَّدٍ الْمُخْتَارِ والآلِ كُلَّمَا
سَرَى البَرْقُ مِنْ أَرْجَاء مَكَّةَ أَوْ سََرَى ... نَسِيمٌ عَلَى زَهْرِ الرُّبَى مُتَبَسِّمَا
وَرَضِّيْ عَلَى الأَصْحَابِ أَصْحَابِ أَحْمَدٍ ... وَكُنْ لَهُمْ فِي كُلِّ حَينٍ مُعَظَّمَا
اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سَلْكِ عِبَادِكَ الْمُخْلِصِينَ وَوَفّقْنَا لِلْقِيامِ بَأْرْكَانِ دِينْكَ الْقَويمِ وَنَجِّنَا مِنْ لَفَحَاتِ الْجَحِيمِ وأَسْكِنَّا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمْ واغفرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَميع المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
(فَصْلٌ)
إذا فَهِمْتَ ما تَقَدَّمَ مِنْ مَحَاسِن الصلاةِ وحِكَمِهَا وَحُكْمُ تَأْخِيرِهَا
стр. 231
وَتَرْكِهَا فَاعْلمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الصَّلاةِ عَلَى مَرَاتِبَ خَمْسٍ ذكرها الإمام المحقق ابن القيم ﵀ فقال:
أَحَدُهَا: مَرْتَبةُ الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ الْمُفَرِّطِ وَهُوَ الذِّي انْتَقَصَ مِنْ وُضِوئِهَا وَمواقِيتُهَا وَحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا.
الثاني: مَنْ يُحَافِظُ عَلى مَواقِيتُهَا وَحُدودِهَا وَأَرْكَانِهَا الظاهِرَةِ وَوُضوئِهَا لَكِنْ قَدْ ضَيعَ مُجاهَدَةَ نَفْسِهِ فِي الْوَسْوَسَةِ فَذَهَبَ مَعَ الْوسَاوِسِ والأَفْكَارِ.
الثالثُ: مَنْ حَافَظَ عَلى حُدُودِهَا وأَرْكَانِهَا وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي دَفْعٍ الْوَسَاوسِ والأَفْكَار فَهُوَ مَشْغولٌ بِمُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِ لِئلا يَسْرِقَ صَلاتَهَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ وَجِهَادٍ.
والرَّابعُ: مَنْ إِذَا قَامَ إلى الصَّلاةِ أَكْمَلَ حُقُوقَهَا وَأَرْكَانَهَا وَحُدُودَهَا واسْتَغرقَ قَلْبُه مُرَاعَاةَ حُدُودِهَا وَحُقوقِهَا لِئلا يَضِيعَ شَيءٌ مِنْهَا بَلْ هَمُّهُ كلّه مَصْرُوفٌ إِلى إِقَامَتِهَا كَمَا يَنْبَغِي إِكْمَالِهَا وِإِتْمَامُهَا، قَدْ اسْتَغْرقَ قَلْبُه شَأْنَ الصلاةِ عُبُودِيَّةُ ربِهِ ﵎ فِيهَا.
الخامِسُ: مَنْ إِذَا قَامَ إِلى الصَّلاةِ قَامَ إِلَيْهَا كَذَلِكَ وَلَكِنْ مَعَ هَذَا قَدْ أَخَذَ قَلْبَه وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ نَاظِرًا بِقَلْبِهِ إِلَيْهِ مُرَاقِبًا لَهُ مُمْتَلِئًا مِنْ مَحَبَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشَاهِدهُ، وَقَدْ اضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الْوَسَاوِسُ والْخَطَرَاتُ وارْتَفَعَتْ حُجُبُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ فَهَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الصَّلاةِ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ وَهَذَا فِي صَلاتِه مشغولٌ بِرَبِّهِ قَرِيرُ الْعَيْنِ.
فالقِسْمُ الأوَّلُ: مُعَاقَبٌ. والثاني: مُحَاسَبٌ. والثَّالثُ: مُكَفَّرٌ عَنْهُ. والرَّابعُ:
стр. 232
مُثَابٌ. والْخَامِسُ: مُقَرَّبٌ مِنْ رَبِّهِ لأَنَّ لَهُ نَصِيبًا مِمَّنْ جُعلَتْ قُرّةُ عينه في الصَّلاةِ فَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُه بِصَلاتِهِ فِي الدُّنْيَا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِقُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ فِي الآخِرَةِ وَقَرَّتْ عَيْنِهِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ قَرَّتْ عَيْنُه باللهِ قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ وَمَنْ لَمْ تَقَرَّ عَينُه باللهِ تَعالى تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَات.
وَقَدْ رُوِيَ أَنْ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ يُصَلِّي قَالَ اللهُ : (ارْفَعُوا الْحُجُبِ فَإِذَا الْتَفَتَ قَالَ: أَرْخُوهَا وَقَدْ فُسِّرَ هَذا الالْتِفَاتُ بالْتِفَاتِ الْقَلْبِ عَنْ الله إِلى غَيْرِهِ فَإِذَا الْتَفَتَ إِلى غَيْرِهِ أُرْخِيَ الْحِجَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ فَدَخَلَ الشَّيْطَانُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أُمُور الدُّنْيَا وَأَرَاهُ إيَّاهَا فِي صُورَةِ الْمِرْآةِ وَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى اللهِ وَلَمْ يَلْتَفِتِ لَمْ يَقْدِرْ الشَّيْطَان عَلى أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ ذَلِكَ الْقَلْبِ وَإِنَّمَا يَدْخلُ الشَّيْطَانُ إذَا وَقَعَ الْحِجَابُ فإن فَرَّ إلى اللهِ تَعَالَى وَأَحْضَرَ قَلْبَهُ فَرَّ الشَّيْطَانُ فَإِنْ الْتَفَت حَضَرَ الشَّيْطَانُ فَهُوَ هَكَذَا شَأْنُه وَشَأْنُ عَدُوّهِ فِي الصَّلاةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قُلوبِنَا نُورًا نَهْتَدي بِهِ إِلَيْكَ وَتَولَّنَا بِحُسْنِ رِعَايَتِكَ حَتَّى نَتَوَكَلَ عَلَيكَ وَارْزُقْنَا حَلاَوَةَ التَّذلُّلِ بَينَ يَدَيكَ فاَلعزِيزُ مَنْ لاَذَ بِعزِّك والسَّعِيدُ مَن الْتَجَأَ إلى حِمَاكَ وَجُودِكَ والذليلُ مَنْ لَمْ تَؤَيّدْهُ بعنايَتِكَ والشَّقِيُّ مَنْ رَضِيَ بالإِعْرَاضِ عنْ طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ نَزِّهُ قُلُوبِنَا عَنْ التَّعَلق بِمَنْ دُونَك واجْعَلْنَا مِنْ قوم تَحبُّهُمْ ويُحِبُونَكَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ اسْلك بِنَا مَسْلَكَ الصَّادِقِينَ الأَبْرَارْ، وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الْمُصْطَفينَ الأَخْيَارِ، وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارْ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى عَلى قَوْلِ النَّبِي ﷺ في الْحَدِيثِ: «وآمُرُكُمْ بالصَّلاةِ فَلا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللهُ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» .
стр. 233
الالْتِفَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الصَّلاة قِسْمَان:
أَحَدُهُمَا: الْتِفَاتُ الْقَلْبِ عن الله إِلى غَيْرِ اللهِ تَعَالَى.
والثَّانِي: الْتفاتُ الْبَصَرِ وَكِلاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً عَلَى عَبْدِهِ مَا دَامَ الْعَبْدُ مُقْبِلاً عَلى صَلاتِهِ فَإِذَا الْتَفَتَ بِقَلْبِهِ أَوْ بَصَرِهِ أَعْرَضَ اللهُ تَعَالى عَنْهُ وَقَدْ سُئْلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ التِفَاتِ الرَّجُلِ فِي صَلاتِهِ فَقَالَ: «اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاة ِالْعَبْدِ» .
وفي أَثَرِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِلى خَيْرٍ مِنِّي، ومِثَالُ مَنْ يَلْتَفتُ في صَلاتِهِ بِبَصَرِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ مَثَلُ رَجُلٍ قَدْ اسْتَدْعَاهُ السُّلْطَانُ فَأَوقَفَهُ بَيْنَ يَدَيهِ وأَقْبَلَ يُنَادِيهِ وَيُخَاطِبُهُ وَهُوَ فِي خِلالِ ذَلكَ يَلْتَفِتُ عَنْ السُّلْطَانِ يَمِينًا وَشِمَالاً وَقَدْ انْصَرَفَ قَلْبُهُ عَنْ السُّلطانِ فَلا يَفْهَمُ مَا يُخَاطِبُهُ بِهِ لأَنَّ قَلْبَهُ لَيْسَ حَاضِرًا مَعَهُ فَمَا ظَنُّ هَذَا الرَّجل ِأَنْ يَفْعَلَ بِهِ السُّلْطَانُ أَفَلَيْسَ أَقَلُّ الْمَرَاتِبِ فِي حَقّهِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَمْقُوتًا مُبْعِدًا قَدْ سَقَطَ مِنْ عَيْنَيْهِ.
فَهَذَا الْمُصَلِّي لا يَسْتَوِي وَالْحَاضِرُ الْقَلْبِ الْمُقْبِلُ عَلَى اللهِ تَعَالى في صَلاتِهِ الذي قَدْ أَشْعَرَ قَلْبَهُ عَظَمَةَ اللهِ الذي هُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيهِ فَامْتَلأَ قَلْبُهُ مِنْ هَيْبَتِهِ وَذَلَّتْ عُنُقُهُ لَهُ واسْتَحَى مِنْ رَبِّهِ تَعَالى أَنْ يُقْبلَ عَلى غَيرهِ أَوْ يَلْتَفِتَ عَنْهُ.
وَبَيْنَ صَلاتَيْهِمَا كَمَا قَالَ حَسَّانُ بنُ عَطِيَّةَ: إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَكُونَانِ في الصَّلاةِ الْوَاحِدَةِ وَإِنَّ مَا بَيْنَهُمَا في الْفَضْلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُقْبِلٌ بِقَلْبِهِ عَلى اللهِ والآخَرُ سَاهٍ غَافِلٌ فَإِذَا أَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ لَمْ يَكُنْ إِقْبالاً ولا تَقْرِيبًا فَمَا الظنُّ بالْخَالِق وإِذَا أَقْبَلَ عَلى الْخَالِقِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابُ الشَّهَوَاتِ والْوَسَاوِسِ، والنَّفْسُ مَشْغُوفَةٌ بِهَا مَلأَى مِنْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلكَ
стр. 234
إِقْبَالاً، وَقَدْ أَلْهَتْهُ الْوَسَاوِسُ والأَفْكَارُ وَذَهَبَتْ بِهِ كلَّ مَذْهَبٍ بِهَا.
قِصَّةٌ تُنَاسِبُ الْمَوْضُوعَ أَلْقِ لِهَا سَمْعَكَ وَحَضِّرْ قَلْبَكَ، قِيلَ إِنَّ السَّفْاحَ كَانَ يُحَدِّثُ أَبَا بَكْرٍ الْهُذَلِيْ يَوْمًا، فَعَصَفَتْ رِيحٌ فَأَسْقَطَتْ طِشْتًا مِنْ السَّطْحِ عَلَى الْمَجْلِسِ، فَارْتَاع الْحَاضِرُونَ وَلَمْ يَتَحَرّك الْهُذَلِيُّ، وَلَمْ تَزَلْ عَيْنُه مُطَابِقَةً لِعَيْنِ السَّفْاحِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَقَالَ السَّفْاحُ: مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ يَا هُذَلي، أَيْ: لَمْ تَرْتَاع وَلَمْ تَلْتَفِتْ. فَقَالَ: إِنَّ الله تَعَالى يقول: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وَأَنَا لِي قَلْبُ وَاحِدٌ فَلَمَّا شُغِلَ بِمُحَادَثَةِ أَمِير الْمُؤْمِنِين لَمْ يَكن فيه لِمُحَادَثَةِ غَيْرِهِ مَجَال فَلو انْقَلَبتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى الْغَبْراء مَا حَسَسْتُ بِهَا وَلا وَجّهْتُ لها قَلْبِي، فَقَالَ السَّفْاحُ: لِئنْ بَقِيتُ لأَرَفَعَنَّ مَكَانَكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ وصِلةً كَبِيرة، فَانْظُر بالله عَلَيْكَ وَاعْتَبِرْ فِي اسْتِغْرَاقِ قَلْبِ الْهُذَلِيْ وَانْغِمَارِهُ بِمُحَادَثةِ مَخْلُوقٍ مِثلِهِ، وَزِنْ حَالَهُ بِحَالِكَ فِي وِقُوفِكَ فِي الصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيْ الله ، وقَد أَقْبَلَ عَليكَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ورَفَعَ مِنْ بَيْنِكَ وَبَيْنَهِ الْحُجُب، فهل تجدُ قَلْبَكَ إِذَا دَخَلْتَ فِي الصَّلاة حَاضِرًا وَمُنْغَمِرًا وَمُسْتَغْرِقًا فِي تَعْظِيمِ الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع الْبَصِير.
اللَّهُمَّ اغْمُرْ قُلوبَنَا بِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، وَوَفِّقْنَا لامْتِثَالِ أَمْرِكَ وَأَمَّنَا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكَ واجْعَلْنَا مِنْ أَوْلِيَائِكَ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِكَ المفلحِينَ واغْفِرْ لَنَا وَمَتِّعْنَا بالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الكْريم في جَنَّاتِ النَّعِيمْ مَعَ الذين أنْعَمْت عليهم من النبيينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحين، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ) : وقَالَ ﵀: والعَبْدُ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ غَارَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ فَإنَّهُ قَدْ قَامَ فِي أَعْظَمِ مقَامٍ وَأَقْربِهِ وَأَغْيَظِهِ للشَّيْطَانِ وَأَشَدِّهِ عَلَيْهِ. فَهُو يَحْرَصُ وَيَجتَهِدُ كُلَّ الاجْتِهَادَاتِ أَنْ لا يُقِيْمَه فيه، بَلْ لا يَزَالُ بِهِ يَعِدُهُ
стр. 235
وَيُمَنِّيهِ وَيُنْسِيهِ وَيَجِلبْ عَلَيْهِ بَخَيْلِهِ وَرَجلِهِ حَتَّى يُهَوِّنَ عَلَيْهِ شَأَنَ الصَّلاةِ فَيَتَهَاوَنُ بِهَا فَيَتْرُكُهَا. فَإنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ مِنْهُ وَعَصَاهُ العَبْدُ وَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ أَقْبََل عَدُوُّ اللهِ حَتَّى يَخْطُر بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ وَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ فَيُذَكِّرَه فِي الصَّلاةِ مَا لَمْ يَذكُرْ قَبْلَ دُخُولِهِ فِيهَا حَتَّى رُبَّمَا كَانَ قَدْ نَسِي الشَّيْءَ والحَاجَةَ وأَيِسَ مِنْهَا، فَيُذْكِرَهُ إِيَّاهَا في الصَّلاةِ لِيَشْغَلَ قَلْبَهُ بِهَا، وَيَأْخُذَه عَن اللهِ ، فَيَقُومُ فِيهَا بلا قَلْب فلا يَنَالُ مِنَ إقْبالِ اللهِ تعالَى عَلَيْهِ وَكَرَامَتِهِ وَقُربِهِ مَا يَنَالُهُ الْمقبلُ عَلَى رَبِّهِ الحاضِرُ القَلْب في صَلاتِهِ فَيَنْصِرفُ مِنْ صَلاتِهِ مِثلَ مَا دَخَلَ فِيهَا بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ وأثْقَالِهِ لَمْ تَخُفَّ عَنْهُ بالصَّلاةِ.
فالصَّلاةُ إنَّمَا تُكَفِّرُ سَيئاتِ مَنْ أَدَّى حَقَّهَا وَأَكْمَلَ خُشوعَهَا، وَوَقَفَ بَيْنَ يَدي اللهِ تَعَالى بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ، فَهَذَا إِذَا انْصَرَفَ مِنْهَا وَجَدَ خِفَّةً فِي نَفْسِهِ، وَأَحَسَّ بأثقَالٍ وُضِعَتْ عَنْهُ، فَوَجَدَ نَشَاطًا وَرَاحَةً وَرَوحًا حتَّى أنَّهُ يَتَمنَّى أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا لأنَّها قُرَّةُ عَينهِ وَنَعِيمُ رُوحِهِ وَجَنَّةُ قَلْبِهِ وَمُسْتَرَاحُه في الدُّنْيَا فَلا يَزَالُ كَأنَّهُ في سِجْنٍ وَضِيْقٍ حَتَّى يَدْخلَ فِيهَا فَيَسْتَريحُ بِها لا مِنْهَا.
المُحِبُّونَ يَقولُونَ: نُصَلّي فَنَسْتَرِيحُ بِصَلاتِنَا كَمَا قَالَ إِمَامُهم وَقُدْوَتُهم وَنَبِيُّهُمْ ﷺ : «يَا بِلالُ أَرِحْنَا بالصَّلاةِ» . وَلَمْ يَقُلْ: أَرِحْنَا مِنْهَا.
وَقَالَ ﷺ : «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ» . فَمَنْ جُعَلْت قُرةُ عَيْنِهِ في الصَّلاةِ كَيْفَ تَقَرُّ عَيْنُه بِدُونِهَا وَكَيْفَ يَطِيقُ الصَّبْرُ عَنْهَا فَصَلاةُ هَذَا الحَاضِرِ بِقَلْبِهِ الذي قُرّةُ عَيْنِهِ في الصَّلاةِ هِيَ التِي تَصْعَدُ وَلَهَا نُورٌ وَبُرْهَانٌ حَتَّى يُسْتَقْبَلَ بِهَا الرَّحْمَنُ فَتَقُولُ: حَفِظَكَ اللهُ تَعَالى كَمَا حَفِظْتَنِي، وأمَّا صَلاةُ الْمُفَرِّطِ الْمُضَيّعِ لِحُقُوقِهَا وَحُدُودِهَا وَخُشُوعِهَا فَإنَّهَا
стр. 236
تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الخَلِقُ وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا وَتَقُولُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ عَنْ ابن عُمَرَ ﵄ يَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُتِمُّ الوُضُوءَ إلى أَمَاكِنِهِ ثُمَّ يَقُومُ إلى الصَّلاةِ فِي وَقْتِهَا فَيُؤَدِّيهَا للهِ لَمْ يَنْقُصْ مِنْ وَقْتِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَمَعَالِمَهَا شَيْئًا إِلا رُفِعَتْ لَهُ إلى اللهِ بَيْضَاءَ مُسْفِرةً يَسْتَضِيءُ بِنُورهَا مَا بَيْنَ الخَافِقين حَتَّى يَنْتَهِي بِهَا إلى الرَّحْمَن .
وَمَنْ قَامَ إلى الصَّلاةِ فَلَمْ يُكْمِلْ وَضُوءَهَا وَأَخَّرَهَا عَنْ وَقْتَهَا واسْتَرَقَ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَمَعَالِمَهَا رُفِعَتْ عَنْهُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً ثُمَّ لا تُجَاوِزُ شَعَرَ رَأْسِهِ تَقُولُ: ضَيَّعَكَ اللهُ كَمَا ضَيَّعْتَنِي» . وَللهُ دَرُّ إسْمَاعِيلَ الْمُقْرِي ﵀ حَيْثُ قَالَ:
تُصَلِّي بَلا قَلْبٍ صَلاةً بِمِثْلِهَا
يَكُونُ الفَتَى مُسْتَوْجِبًا لِلْعُقُوبَةِ
تَظَلُّ وَقَدْ أَتَمَّمَهَا غَيْر عَالِمِ
تَزِيُدُ احْتِيَاطًا رَكْعَةً بَعْدَ رَكْعَةِ
فَوَيْلَكَ تَدْرِي مَنْ تُنَاجِيهِ مُعْرِضًا
وَبَيْنَ يَدِي مَنْ تَنْحَى غَيرَ مُخْبِتِ
تَخَاطِبُهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ مُقْبِلاً
عَلَى غَيْرِهِ فِيهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةِ
وَلَوْ رَدَّ مَنْ نَاجَاكَ لِلْغَيرِ طَرْفَهُ
تَمَيَّزْت مِنْ غَيْظٍ عَلَيْهِ وَغَيرَةِ
أَمَا تَسْتَحِي مِنْ مَالِكِ الْمُلكِ أَنْ يَرَى
صُدُودَك عَنْه يَا قَلِيلَ الْمُرُؤَةِ
стр. 237
إلَهِي اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ وَخُذْ بِنَا
إلى الحَقِّ نَهْجًا في طَرِيقِ السَّوِيَّةِ
اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ واجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُخْلِصِينَ الذينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا. اللَّهُمَّ قَنِّعْنَا مِنْ الدُّنْيَا بَاليَسِير وَسَهِّلْ عَلَيْنَا كُلَّ أَمْرٍ عَسِيرٍ وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَأَسْكِنَّا دَار كَرَامَتِكَ يَا مَنْ هُو مَلْجَؤُنَا وَمَلاذُنَا وَإلَيْهِ الْمَصِيرُ واجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ هَمَّ فَرَجَا وَمِنْ كُلِّ ضَيْقٍ مَخَرَجًا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ إِخْوَانِنَا المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فصل)
فائدةٌ جَليلةٌ
قَالَ ابْنُ القَيّم ﵀ فِي حَادِي الأَرْوَاحِ: وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِكلّ مَطْلوبٍ مِفْتَاحًا يُفْتَحُ بِهِ فَجَعَلَ مِفْتَاحَ الصَّلاةِ: الطَّهورِ، وَمِفْتَاحَ: الحَجِّ الإِحْرَامُ، وَمفتاحَ البِّرِ: الصَّدَقَةُ، وَمِفْتَاحَ الجَنَّةِ: التَّوْحِيدُ، ومِفتاحَ العِلم: حُسْنُ السَّؤَالِ، وَحُسْنَ الإِصْغَاءِ، وَمفتاحَ النَّصْرِ والظَّفَرِ: الصَّبْرُ، وَمفتاحَ الْمَزيدِ: الشُّكْرُ، وَمِفْتَاحَ الوِلايَةِ:المَحَبَّةُ، وَمِفْتَاحَ الرَّغْبَةِ فِي الآخِرةِ: الزُّهْدَ في الدُّنْيَا.
وَمفتاحَ الإيمانِ: التَّفكرُ فِيمَا دَعَا اللهُ عِبَادَهُ إلى التَّفَكُر فيهِ، وَمَفْتَاحَ الدُّخُولِ عَلَى اللهِ: إسلامَ القَلْبِ وَسَلامَتَهُ لَهُ والإخْلاصَ لَهُ في الحبّ والبُغْضِ لَهُ والفعلَ والتَّرْكَ، ومفتاحَ حياةِ القَلْبِ: تَدبّرَ القَرْآنِ، والتَضَرُّعَ بالأسْحَارِ، وَتَرْكَ الذُّنوبِ، وَمَفْتَاحَ حُصُولِ الرَّحْمَةِ: الإِحسانُ في عِبَادَةِ الخَالِقِ والسَّعْي فِي نَفْعِ عَبِيدِهِ، وَمَفْتَاحَ الرِّزْقِ: السَّعْيُ مع الاسْتَغَفَارِ والتَّقْوَى، ومِفْتَاحَ العِزّ: طَاعَةُ اللهِ، وَمِفْتَاحَ الاسْتعدَادِ للآخِرَةِ: قَصْرُ الأمَلِ، وَمِفْتَاحَ كُلَّ
стр. 238
خَيْرُ: الرَّغْبَةُ فِي اللهِ والدَّارَ الآخِرَةَ، وَمُفْتَاحُ كُلِّ شَرٍ: حُبُّ الدُّنْيَا وَطُولُ الأمَلِ.
وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَنْفَعِ أَبْوابِ العِلْمِ وَهُو مَعْرِفَةُ مَفَاتِيحِ الخَيرِ والشَّرِ ولا يُوَفَّقُ لِمَعْرِفَتِهِ وَمُرَاعَاتِهِ إلا مَنْ عَظُمَ حَظَّهُ وَتَوْفِيقه فإنَّ اللهَ جَعَلَ لِكُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍ مِفْتاحًا وَبَابًا يَدْخَلُ مِنْهُ إِلَيْهِ كَمَا جَعَلَ الشَّرْكَ وَالْكِبْرَ والإِعْرَاضَ عَمَّا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ وَالغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ والقِيامِ بِحَقِّهِ مِفْتَاحًا لِلنَّارِ وَكَما جَعَلَ الخَمْرَ مِفْتَاحَ كُلِّ إثْمٍ، وَجَعَلَ الغِنَاءَ مُفْتَاحَ الزِّنَا، وَجَعَل إطْلاقَ النَّظَرِ فِي الصُّوَرِ مِفْتَاحَ الخَيْبَةِ والحِرْمَانِ، وَجَعَلَ الْمَعَاصِي مِفْتَاحَ الُكْفِر، وَجَعَلَ الكَذِبَ مِفْتَاحَ النِّفَاقِ، وَجَعَل الشُّحَ والحِرْصَ مِفْتَاحَ البُخْلِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِم وأَخْذَ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ حِلّهِ، وَجَعَلَ الإعْرَاضَ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِفْتَاحَ كُلِّ بِدْعَةٍ وَضَلالٍ، وَهَذِهِ أُمُورٌ لا يُصَدِّقُ بِهَا إِلا كُلُّ مَنْ لَهُ بَصِيرةٌ صَحِيحةٌ وَعَقْلٌ يَعْرِفُ بِهِ مَا فِي نَفْسِهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى: عَلامَةُ تَعْظِيمِ الأَوَامِر والنَّواهِي رِعَايَةُ أَوْقَاتِهَا وَحُدُودِهَا والتَّفْتيشُ عَلَى أَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَكَمَالِهَا والحِرْصُ على تَحَيُّنِها في أَوْقَاتِهَا والْمُسَارَعَةِ إلِيْهَا عَنْدَ وُجُوبِهَا والحُزْنُ والكآبَةُ والأسَفُ عِنْدَ فَوَاتِ حَقٍّ مِنْ حُقوقِهَا كَمَنْ يَحْزَنُ عَلَى فَوَاتِ الجَمَاعَةِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُ صلاتُهُ مُنْفَرِدًا فَإنَّهُ قَدْ فَاتَهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ضِعْفًا.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً يُعَانِي البَيْعَ والشِّرَاءَ يَفُوتُهُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي بَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ وَلا مَشَقَّةٍ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا لأَكلَ يَديهِ نَدَمًا وَأَسَفًا فَكَيْفَ وَكُلُّ ضِعْفٍ مِمَّا تُضَاعَفُ بِهِ صَلاةُ الجَماعَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ وَأَلْفِ أَلْفٍ وَمَا شَاءَ اللهُ تَعَالى.
стр. 239
فَإذَا فَوَّتَ العَبْدُ على نَفْسِهِ هَذا الربْحِ، وَكَثيرٌ مِن العُلَماءِ يَقُولُ: لا صَلاةَ لَهُ وَهُوَ بَارِدُ القَلْب فارغٌ مِن هَذِهِ الْمُصِيبةِ غَيرُ مُرْتَاعٍ لَهَا فَهَذَا مِنْ عَدَم تَعْظِيمِ أَمْرِ اللهِ تَعَالى فِي قَلْبِهِ وَكَذَلِكَ إذا فَاته أَوَّلُ الوَقْتِ الذي هو رضوانُ اللهِ تَعَالى، أوْ فَاتَه الصَّفُ الذي يُصَلِّي اللهُ وَمَلائِكَتُه عَلَى مَيَامِنِهِ وَلَوْ يَعلمُ العَبْدُ فَضِيْلَتَهُ لَجَالَدَ عَليهِ وَلَكَانَتْ قُرْعَةً.
وكذلكَ لو فَوَّتَ الجَمْعَ الكَثيرَ الذي تُضَاعَفُ الصَّلاةُ بِكَثْرَتِهِ وَكُلَّمَا كَثُرَ الجَمْعُ كانَ أَحَبَّ إلى اللهِ وَكُلَّمَا بَعُدَتْ الخُطَا كَانَ كُلَ خُطْوَةٍ تَحُطُّ خَطِيئةً وَأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً وَكَذَلِكَ لَوْ فَوَّتَ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ وَحُضَورَ القلبِ فِيمَا بَيْنَ يَدَي الرَّبِ وَتَعَالى الذي هُوَ رُوحُ الصَّلاة وَلُبُّهَا فَصَلاةٌ بِلا خُشُوعٍ ولا خُضُوعٍ كَبَدَنٍ مَيّتٍ لا رُوحَ فِيهِ أَفَلا يَسْتَحِي العبد أَنْ يُهْديَ إلى مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ عَبْدًا مَيِّتًا أَوْ جَارِيَةً مَيِّتَةً، فَمَا ظَنُ هَذَا العَبْدِ أَنْ تَقَعَ الهِديَّةُ مِمَّنْ قَصَدَهُ بِهَا مِنْ مَلِكٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ غَيرِهِ، فَهَكَذَا سُوء الصَّلاةِ الخَالِيَةِ مِنْ الخُشُوعِ والحُضُورِ وَجَمْعِ الهِمَّةِ عَلَى اللهِ تَعَالى فِيهَا بِمَنْزِلةِ هَذِهِ الأمَةِ أَوْ العَبْدِ الْمَيِّتِ الذي يُريدُ إهْدَاءَهُ إلى بَعْضِ الْمُلْوكِ.
وَلِهَذا لا يَقْبَلُهَا اللهُ تَعَالى مِنه وإنْ أسقَطتْ الفُرض في أحكام الدنيا ولا يُثِيبُه عَلَيْهَا فَإنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبِدِ مِن صَلاتِهِ إلا مَا عَقَلَ مِنْهَا، كَمَا في السُّنَنِ وَمَسندِ الإمَامِ أحمدَ وَغَيْرِهِ عَن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِن العَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلاةَ وَمَا كَتبَ لَهُ إلا نَصْفِهَا، إلا ثُلُثَهَا، إلا رُبُعَهَا، إلا خُمُسَهَا، حَتَّى بَلَغَ عُشْرَهَا» . وَيَنْبغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ سَائِرَ الأَعْمَالِ تَجْرِي هَذَا المَجْرَى فَتَفَاضُلُ الأعمالِ عندَ اللهِ تعالى بِتَفاضُلِ مَا في القُلُوبِ مِن الإِيمان والإِخلاصِ والمَحَبَّةِ وتوابِعِهَا.
стр. 240
وَتَفاضُلِ الأَعْمَالِ يَتْبَعُ مَا يَقُو
مُ بِقَلْبِ صَاحِبِهَا مِن الإِيمَانِ
حَتَّى يَكُونَ العَامِلانِ كِلاهُمَا
في رُتْبَةٍ تَبْدُو لَنَا بِعِيَانِ
هَذَا وَبَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَا
والأَرْضِ في فَضْلٍ وفي رُجْحَانِ
وَيَكُونُ بَيْنَ ثَوابِ ذَا وَثَوابِ ذَا
رُتب مُضَاعَفَةٌ بِلا حُسْبَانِ
هَذَا عَطَاءُ الرِّبِ ﷻ
وَبَذاكَ تُعْرَفُ حِكْمَةُ الرَّحْمنِ
فَالْمَدَارُ عَلَى أَعْمَالِ القُلُوبِ فَإذا كانَ القَلْبُ حَاضِرًا وَمُلْقٍ سَمْعَهُ لِمَا يَسْمَعْ وَلِمَا يَنْطِقُ هُوَ بِهِ مِنْ قَرَاءَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ وَقَوْلِ: رَبي اغفرْ لي، وَقول: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَمَعَانِي الفاتِحَةِ والتَّحياتِ وَنحو ذلكَ مِنْ صَلاتَهِ، وَأَمَّا الغَافِلُ الذي لا يَتَدَبَّرُ وَلا يَتَفَهَّّمُ وَيَعْبَثُ ولا يَهْتَمُ لَهَا فَهَذَا مَحْصُولُهُ ضَئِيلٌ جَدًا أَو معدوم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد خاتم الأنباء والمرسلين المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.
شِعْرًا:
لَكَ الحَمْدُ يَا ذَا الجُودِ والمَجْدِ والعُلا
تَبَارَكْتَ تُعْطِي مَنْ تَشَاءُ وَتَمْنَعُ
إِلهي وَخَلاقِي وَسُؤلِي وَمَوْئِلي
إِلَيْكَ لدَى الإعْسَارِ واليْسرِ أَفْزَعُ
стр. 241
إِلَهِي لَئِنْ خَيَّبْتَنِي أَوْ طَرَدْتَنِي
فَمَنْ ذَا الذي عَمَّا أُحَاذِرُ يَنْفَعُ
إِلَهي لَئِن جُلتُ وَجَمَّت خَطيئَتي
فَعَفوُكَ عَن ذَنبي أَجَلُّ وَأَوسَعُ
إِلَهي لَئِن أَعطَيتَ نَفسي سُؤلُها
فَها أَنا في رَوْضِ النَدامَةِ أَرتَعُ
إِلَهي تَرى حالي وَفَقري وَفاقَتي
وَأَنتَ مُناجاتي الخَفيَّةِ تَسمَعُ
إِلَهي فَلا تَقطَع رَجائي وَلا تُزِغ
فُؤادي فَلي في سَيبِ جُودِكَ مَطمَعُ
إِلَهي أَجِرني مِن عَذابِكَ إِنَّني
أَسيرٌ ذَليلٌ خائِفٌ لَكَ أَخضَعُ
إِلَهي فَآنِسني بِتَلقينِ حُجَّتي
إِذا كانَ لي في القَبرِ مَثوىً وَمضجَعُ
إِلَهي لَئِن عَذَّبتَني أَلفَ حَجَّةٍ
فَحَبلُ رَجائي مِنكَ لا يَتَقَطَّعُ
إِلَهي أَذِقني طَعمَ عَفوكَ يَومَ لا
بَنونٌ وَلا مالٌ هُنَالِكَ يَنفَعُ
إِلَهي لَئِنْ لَم تَرعَني كُنتُ ضائِعًا
وَإِن كُنتَ تَرعاني فَلَستُ أَضيعُ
إِلَهي إِذا لَم تَعفُ عَن غَيرِ مُحسِنٍ
فَمنَ لَمسيءٍ بِالهَوى يَتَمَتَّعُ
إِلَهي لَئِن قصَّرتُ في طَلبِ التُقى
стр. 242
فَلَسْتَ سِوَى أَبْوَابِ فَضْلِكَ أَقْرَعُ
إِلَهي أَقلْنِي عَثرَتِي وامَحُ زَلَّتِي
فَإِنِّي مُقِرٌ خَائِفٌ مُتَضَرِّعُ
إِلَهي لَئْن خَيَّبْتَنِي وَطَرَدتَنِي
فَمَا حِيلَتِي يَا رَبُّ أَمْ كَيْفَ أَصْنَعُ
إِلَهِي حَلِيفُ الْحُبِّ باللَّيلِ سَاهرٌ
يَنَاجِي وَيَبْكِي والْغَفُول يُهَجِّعُ
إِلَهي لَئِنْ تَعْفُوُ فَعَفْوكَ مُنْقِذِي
وَإنِّي يَا رَبِّ الْوَرَى لَكَ أَخْضَعُ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةَ ولا تنفعُهُ الطَّاعَة أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ وَنَبِّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوَفِّقْنَا لِمَصَالِحِنَا واعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحِنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتْ عَليهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتُهُ سَرائِرُنا مِنْ أَنْوَاعِ الْقَبَائِحِ والْمَعائِبِ الَّتِي تَعْلَمُهَا مِنَّا، وَامْنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا عَنَّا كلَ ذَنْبٍ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبَادًا غَرَّهُمْ طُولُ إِمْهَالِكَ وَأَطْمَعَهُمْ دَوَامُ إِفْضَالِكَ وَمَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلى كَرَمِ نَوَالِكَ وَتَيَقَّنُوا أَن لا غِنَى لَهُمْ عَنْ سُؤالِكَ وَجُدْ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ واغفر لِنَا وَلَهُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يا ربَّ العالَمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(٩) موعظة
عِبَادَ اللهِ تَغَيَّرَ النَّاسُ فِي أَحْوَالِهم الدِّيِنِيَّةِ تَغَيِّرًا يُدْهِشُ النَّاظِرِينَ في زَمَنٍ قَلِيلٍ، هَذِهِ الصَّلاةِ التي هِي آكَدُ أركَانِ الإِسْلامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَهِيَ عَمُودُ الإِسْلامِ قَدْ أَعْرَض عنها الكثيرُ مِنْ النَّاسِ غَيْرَ مُبَالِينَ بِذَلِكَ جَهِلُوا مَا هِيَ الصَّلاةَ وأيُّ قِيْمَةٍ قِيْمَتُهَا وَمَا مَنْزِلَتُهَا بَيْنَ الطَّاعَاتِ، وَمَا
стр. 243
علموا أَنَّهَا الصِّلَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَلِذَلِكَ هِيَ تُطَهِّرُ الْمُصَلِّي مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ كَالزِّنَا واللِّواطِ َوَأَكْلِ الرِّبَا.
وَيَزِيدُكَ مَعْرِفَةً بِهَا أَنْ تَعْرِفَ مَالَهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَأَ لَهَا ذَهَبَتْ ذُنُوبُ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ مَعَ ذِهَابِ الْمَاءِ فَإِذَا تَشَهَّدَ بَعد الْوُضُوءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ فَإِذَا مَشَى إِلَى الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ بِكُلِ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا تَحُطُّ عنه خَطِيئَةٌ وَرُفِعَ لَهُ دَرَجَةً فَإِذَا انْتَظَر الصَّلاةَ فَإِنَّهُ لا يَزَالُ في صلاةٍ.
وَأَمَّا الْمُؤَذِّنُونَ فَهُمْ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَشْهَدُ لَهُمْ كلُّ مَا يَسْمَعُهُم حتَّى الأَشْجَارَ والأَحْجَارَ.
وَمَنْ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ دَعَا عَقِبَهُ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا قَمُّ الْمَسْجدِ وَتَنْظِيفُهُ فَهُوَ مَهْرُ الْحُورِ الْعِينِ فِي الْجَنَّاتِ وَمَنْ بَنَي لَهُ مَسْجِدًا وَلَو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ.
والْخُلاصَةُ أَنْ الْمُؤْمِنَ بِصَلاتِهِ أَبَعَدَ النَّاسِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ والْفَوَاحِشِ والزِّنَا واللِّوَاطِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ والدخانِ والْمَيْسَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ والسِّرِقَةِ والْقَتْلِ والْقَذْفِ وحَضُورِ آلاتِ اللَّهْوِ: الْمَذْيَاعِ، والتِّلفزيونِ، والسِّينماءِ، والْبَكَمَاتِ، وأَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ الْغِشِّ والرِّبَا والْبَخْسِ والْمَكْرِ والْخِدَاعِ وَغَيْرَهِمَا مِمَّا يُخِلُّ بالدِّينِ أَوْ يُنَقِّصُ الْمُرؤَةَ والشَّرَفَ، إِذْ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُولِ أَنَّ مَنْ بَلَغَ بِهِ حُبُهُ فِي الاسْتقامَةِ أَنْ يَقِفَ أَمَامَ سَيِّدِه وَمَوْلاهُ الذي رَبَّاهُ وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِين بِنِعَمِهِ وَيَسْتَهْدِيهِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ وَقَدْ قَدَّرَ رَبَّهُ وَرَكَعَ لَهُ وَسَجَدَ وَحَمَدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَشَكَرَ لَهُ أَنْ يُرَى بَعْدَ ذَلِكَ جَوَّالاً فِي طُرُقِ الْغَوَايَةِ والْمَآثِمِ الَّتِي يَنْتَابُهَا الْفُسَّاقُ الذِّين مَرَدُوا عَلى الْفُجُورِ وَتَفَنَّنُوا فِيهِ.. صَدَقَ اللهُ العظيم.
стр. 244
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ هَذِهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الصَّلاةِ.
اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحلال مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَمُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: في ذِكْرِ بَعْضِ فَوَائِد صَلاةِ الْجَمَاعَةِ وَبَيانِ حُكْمِهَا وَأدلةِ وَجُوبِهَا وَذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ فَوَائِدِ صَلاةِ الرَّوَاتِبِ والنَّوافِل
اعلمْ وَفَّقْنَا اللهُ وإيَّاكَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ أَنَّهُ شُرِعَ لِهذِهِ الأَمَّةِ الاجْتِمَاعُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، فَمِنْهَا مَا هُو فِي الْيَوْمِ واللَّيْلَةِ لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَمِنْهَا مَا هُو فِي الأُسْبُوعِ وَهُوَ صَلاةُ الْجُمُعَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي السَّنَةِ مُتَكَّرِرٌ وَهُوَ صَلاةُ العِيدَيْنِ لِجَمَاعَةِ كُلِّ بَلَدٍ، وَمِنْهَا مَا هُو عَامٌ في السَّنَةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَذَلِكَ لأَجْلِ التَّوَاصُلِ والتَّوَادُد والتَّعَاوُنِ والتَّآخِي والتَّآلُفِ والتَّعَارُفِ والتَّعَاطُفِ والتَّرَاحُمِ، وَقُوَّةٌ لِلرَّابِطَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، ومُضَاعَفَةَ الأَجْرِ بالاجْتِمَاعِ، وَكَثْرَةِ الْخُطَى، وَلِتَعْلِيمْ الْجَاهِلِ لأِحْكَامِ الصَّلاةِ.
فَصَلاةُ الْجَمَاعَةِ هِيَ الْمُتَكَرِّرُ يَوْمَيًّا الاجْتِمَاعُ لَهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَينِ على الرِّجَالِ الْقَادِرِينَ حَضَرًا وَسَفَرًا حَتَّى فِي شِدَّةِ الْخُوْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ العِشَاءِ وصَلاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا
стр. 245
فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَصَلِّي بالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حِزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ في النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَنَّ رَجُلاً أَعْمَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والنسائي.
وروى أبو داود عَنْ عَمْرِو ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ وَلِي قَائِدٌ لا يُلائِمُنِي فَهَلْ تَجِدُ لِي رخصةً أن أصلي في بيتي فقال النبي ﷺ : «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاء» قَالَ: نعم. قَالَ: «فَأَجِبْ فَإِنِّي لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» . فَهَذَا رَجُلٌ ضَرِيرٌ شَكَا مَا يَجِدُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي مَجِيئِهِ إِلى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ لَهُ قَائِدٌ يَقُودُهُ إِلَيْهِ وَمَعْ هَذَا لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ النبيُ ﷺ في الصلاةِ في بَيْتِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ صَحِيحُ الْبَصَرِ مُتَوَفِّرةٌ الأَنْوَارُ فِي طَرِيقهِ وَهُوَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وأهلِهِ ومالِهِ.
ومَعَ ذَلكَ لا يُجِيبُ دَاعِيَ اللهِ الذي خَلَقَهُ وَرَزَقَهُ وَأَعْطَاهُ وَأَقْنَاهُ وَوَعَدَهُ إِنْ أَطَاعَهُ بِجَمِيعِ مَا تَطْلَبُهُ نَفْسُهُ وَتَمَنَّاهُ، وَهَدَّدَ وَتَوَعَدَ مَنْ عَصَاهُ واتَّبَعَ هَوَاه.
وعن ابن عباسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلمْ يَأتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إلا مِنْ عُذْرٍ» . وأخرجَ الحاكمُ في مُسْتَدْرَكَهِ عَنْ ابنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثلاثةُ لَعَنَهُم اللهُ، مَن تَقَدَّمَ قَوْمًا
стр. 246
وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وامْرأةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَرَجُلٌ سَمِعَ حَي عَلَى الصَّلاةِ حَيّ عَلى الْفَلاحِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ» . وَحَدِيثِ: «لا صَلاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلا بالْمَسْجدِ» . رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا.
عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمعَ النداء فلمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إتِّبَاعِهِ عُذْرٌ» . قالُوا: ومَا العُذْرُ؟ قال: «خوْفٌ أو مَرَضٌ لم تُقْبَلْ منه الصلاةُ التي صَلَّى» .
شِعْرًا:
وَأحسَنُ صَوْتٍ لَذَّ عِنْدِي سَمَاعُهُ ... سَمَاعُ أَذَانٍ مِنْ مَنَارَةِ مَسْجِدِ
يُنَادي بَتَوحِيدِ الذي جَلَّ شَأْنُهُ ... فَيَا نَفْسُ صَلَّيَ لِلْمُهَيمِنُ واعْبُدِي
آخر:
وَأَحْسَنُ صَوْتٍ في الوَرى صَوْتٍ دَاعِيًا ... إلى الله لِلْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ تُشْهَدُ
وعن معاذِ بن أنس عن رسولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَفاءُ كلُ الْجَفَاءِ والكفر والنِّفَاقُ مَنْ سَمِعَ مُنَادِيَ اللهِ يُنَادِي إِلى الصلاةِ فلا يُجِيبُهُ» . رواه أحمد، والطبراني.
وعن أبي الدرداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ما مِنْ ثَلاثَةٍ في قَرْيَةٍ ولا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهم الصَّلاةُ إلا قد اسْتَحَوَذَ عليهم الشيطانُ فَعَلَيْكَ بالْجَمَاعَةِ فإنما يَأكُلُ الذِّئْبُ الْقاصية» . رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
وعن أمير المؤمنينَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: (ما بالُ أقْوَامٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصلاةِ فَيَتَخَلَّفُ لِتَخَلُّفِهِم آخَرُونَ لأَنْ يَحْضُروا الصلاةَ أَوْ لأَبْعَثَنَّ عليهم مَن يُجَافِي رِقَابِهم) . وقال ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلى هؤلاءِ الصلواتِ
стр. 247
الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهنَّ فَإنَّ اللهَ تعالى شَرَعَ لِنَبِيكمُ سُنَنَ الْهُدَى وإِنَّهُنَّ مِن سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُم في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ في بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَظَلْلتمْ ولَقَدْ رَأَيْتَنَا وَما يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ) .
وقال أبو هريرةَ ﵁: (لأَنْ تَمْتَلِئ أُذُنُ ابن آدَمَ رَصَاصًا مُذَابًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ حَيَّ على الصلاةِ حَيَّ على الفلاحِ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ) . وسُئِلَ ابنُ عَبَّاس ﵄ عَنْ رَجُلٍ يَقُومُ اللَّيْلَ ويَصُومُ النَّهَارَ وَهُوَ لا يَشْهَدُ الْجُمْعَةَ والْجَمَاعَةَ فقال: هُو في النارِ. ولَمَّا كانَ عَتَّابُ بنُ أسيدٍ ﵁ وَالِيًا للنَّبِي ﷺ عَلَى أَهْلَ مَكَّة فَسَمِعَ بِرِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عن الصلاةِ في الْمَسَاجِدِ جَمَاعةً فقال: يا أهلَ مَكَّة واللهِ لا أَسْمَعُ بِرِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الصَّلاةِ في الْجَمَاعَةِ في الْمَسَاجِد إلا ضَرَبْتُ أَعْنَاقهم فَعَلم الصحابةُ ﵃ بِذَلِكَ فَزَادَهُ رِفْعَةً عِنْدَهُم وارْتَفَعَ قَدْرُهُ.
وصلاةُ الْعِشَاءِ والْفَجْرِ في جَمَاعَةٍ أَشَدُّ تَأْكِيدًا لِما وَرَدَ عَنْ عُثْمَانَ بِن عفانَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا صَلَّى الليلَ كُلَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي رواية الترمذي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ولَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وعنه
стр. 248
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ صَلاةٌ أَثْقَلُ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ صَلاةُ الْفَجْرِ والْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ» . رواه الطبراني في الكبير.
وَعَنْ جُنْدَبِ الْقَسْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فهذا نَهْيٌ مِنْهُ ﷺ عن التَّعَرُّضِ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ بِشيءٍ مِنْ السُّوءِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَجَاجَ مَعَ جُورِهِ وَظُلْمِهِ وَتَعْدِيهِ لِحُدُودِ اللهِ كَانَ يَسْأَلُ كُلَّ مَنْ يُؤْتَى بِهِ نَهَارًا صَلَّيْتَ الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَإنْ قَالَ: نَعَمْ خَلَّى سَبِيلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يطلبَهُ اللهُ بشيءٍ من ذِمتهِ.
وَعَنْ ابن عُمرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجلَ في الْفَجْرِ والْعِشَاءِ أسأنا بهِ الظنَّ. رواه الطبرانِي، وابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ.
اللَّهُمَّ أَنْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبادِكَ الْمُفْلِحِينَ واحْشُرْنَا مَعَ الذينَ أَنْعمتَ عَلَيْهم مِن النَّبيينَ والصِّدِيقينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرَنَا وَأَنْ تَضَعَ وِزْرَنَا وَتُصْلِحَ أَمْرَنَا وَتُطَهِّرَ قُلُوبَنَا وَتُنَوِّرَ قُبُورَنَا وَتَغْفِرَ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَميع المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيِنَ.
(فَصْلٌ) : وَصَلاةُ الْجَمَاعَةِ تفضلُ على صلاةِ الفذِّ بسبعٍ وعشرينَ درجةً
стр. 249
كمَا وردَ عَنْ ابنِ عمرَ عن النبي ﷺ قال: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تفضلُ صلاةَ الفذِ بسبعٍ وعشرينَ درجةً» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلاةُ الرَّجلِ فِي جَمَاعَةٍ تَضْعُفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِ خَمْسًا وَعَشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لا يُخْرِجُه إِلا الصَّلاةَ لَمْ يَخْطُو خَطْوَةً إِلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزلْ الْمَلائكةُ تُصلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ مَا لَمْ يَحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلا يَزَالُ في صلاةٍ ما انتظرَ الصَّلاةَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أنه قال: «مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ» . رَوَاهُ الترمِذي وَغَيْرُه مِنْ حَدِيث أنسٍ وَهُوَ حَدِيث حَسنٌ صَحَّحَهُ الْحَاكمُ وغيرهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّفِ الأَوّلِ وإتْمَامِ الصُّفوف ما يَلي فعن جَابر بن سَمُرَةَ ﵄ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «ألا تَصُفونَ كَمَا تَصُفُّ الْملائِكةُ عِنْدَ رَبِّهَا» فقُلنَا يَا رسولَ اللهِ وكيفَ تصفُّ الْمَلائكةُ عند رَبِّهَا؟ قَالَ يُتمُّونَ الصُّفُوفَ الأوّل وَيَتَرَاصُّون في الصّفِّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأولِ ثُم لمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتهِمُّوا عَليهِ لاسْتَهمُّوا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مناكِبنَا في الصَّلاةِ ويقولُ: «اسْتَووا ولا تَخْتَلِفُوا
стр. 250
فَتَخْتَلِفَ قُلوبُكم لَيَلِني مِنْكُمْ أُولُوا الأحْلام والنُّهَى ثُمّ الذين يَلُونَهم ثُمَّ الذين َلونَهُم» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَووا صُفوفَكُم فإنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: «لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِ الأُوَلِ» . رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسَنٍ.
وَعَنْ ابن عُمَر ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ ولا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» . رواهُ أبو دَاوَدَ.
اللَّهُمَّ رَغَبْنَا فيما يبقى، وزهدنا فيما يَفَنى، وهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يُعَوَّلُ في الدين إلا عليه، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : وَكَانَ ﷺ إِذَا كَبَّرَ للصلاةِ يَسْتَفْتِحُ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيَهَةً قَبْلَ الْقِرَاءَةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بَالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» . رواهُ الْجَمَاعَةُ إلا الترمِذي.
следующие страницы →