Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
ج
آخر: ... مَا ضَرِنْي حَسَدُ اللِّئَامِ وَلم يَزَلْ ... ذُوْ الفَضْلِ يَحْسُدُهُ ذَوُوْ النُقْصَانِ
يَا بُؤْسَ قَوْمٍ لَيْسَ جُرْمُ عَدُوّهِمْ ... إلا تَتَابُعُ نَعْمَةِ الرَّحْمَنِ
موعظة: عِبَادَ اللهِ إن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوي، يحمل صاحبه عَلَى مركب صعب، ويبعده عن التقوي، ويركبه الأهواء فيظِلّ ويغوي، يضيق صدر الحسود وينفطر قَلْبهُ إِذَا رأي نعمة الله عَلَى أخيه المسلم فيعاني من البؤس واللأوي، ما لا يستطيع أن يبث معه ما يجده من الحزن والقلق، ولا يقدر عَلَى الشكوي، إلا إلي الشيطان ونفسه الأمارة بالسُّوء أو من هُوَ مثله فِي الحسد، فقاتل الله الحسود لا يفعل الْخَيْر ولا يحبه لإخوانه المسلمين، غاية أمنيته زَوَال نعمة الله عن عباده إنه بعمله سالك طَرِيق إبلَيْسَ لعنه الله، فما أوقع الشيطان فِي معصية الله إلا حسده لأبينا آدم وامتناعه من السجود بعد ما أمره الله، وما حمل قابيل عَلَى قتل هابيل إلا حسده لأخيه حيث تقبل الله منه قربانه الَّذِي أراد به وجه الله والدار الآخرة وما منع المشركين والمترفين من اتباع الرسل إلا الحسد والكبر، وما حمل أَهْل اْلكِتَاب عَلَى كراهة الدين الإسلامي وصرف المُسْلِمِيْنَ عن كتاب الله والإيمان بسيد الرسل وخاتمهم إلا ما ذكره الله عنهم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ الآية، وَقَالَ ?: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ". الحاسد لا يضمر إلا غدراً ولا يعمل إلا شراً ولا يدبر إلا مكراً. وجملة القول أن الحاسد ميسر للعسري لا تجدي معه المواعظ والنصائح وقَدْ قيل إن بضاعة إبلَيْسَ خمسة أصناف يبيعها من قوم معروفين، وهي الحسد وأهله العلماء، وأَهْل الحرفة الواحدة، أي كُلّ من يتفق عملهم مسلمين أو غَيْر مسلمين، والكبر وأهله الأنذال والسفلة والسفهاء والحمقاء ومن لا خَيْر فِيه من المحترفين المنحرفين.
شِعْراً: ... لِكُلِّ امْرِىءٍ شَكْلُ مِنْ النَّاسِ وَحْدَهُ ... فَأَرْجَحُهُمْ عَقْلاًً أَقَلُهُمْ شَكْلا
стр. 2347
وَكُلُ أُنَاسٍ يُعْرَفُوْنَ بِشَكْلِهِمْ ... فَأْكْثَرُهُمْ شَكْلاً أَقَلُهُمْ عَقْلا
وَإِنَّ كَبِيْرَ العَقْلِ لَيْسَ بِوَاجِدٍ ... لَهُ بَيْنَ أَلْفٍ حِيْنَ يَفْقِدُهُ مِثْلا
وَكُلُ سَفِيهٍ طَائِشٍ إِنْ فَقَدْتَهُ ... وَجَدْتَ لَهُ فِي كُلِّ زَاوْيَةٍ عِدْلا
آخر: ... فَشَرْطُ الفِلاحَةِ غَرْسُ النَّبَات ... وَشَرْطُ الرّيَاسَةِ غَرْسُ الرِجَّال
فَإِنْ لم تُعَاشِرْ سِوَى كَامِلٍ ... بَقِيْتَ وَحِيْداً لِعِزِّ الكَمَال
والجور والطغيان، وأهله الملوك والأمراء والوزراء والعظماء، وأعوأنهُمْ من الفسقة والمجرمين، والكيد وأهله النساء، والنمامين والدلالين، والمنسببين وبئست البضاعة بضاعة الشيطان، ويا حَسْرَة المشترين، ويا ندامتهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ قيل إنه كَانَ رجل يغشي أحد الملوك فيقوم بحذاء الملك فَيَقُولُ أحسن إلي المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل عَلَى ذَلِكَ المقام، والكلام فسعي به إلي الملك، فَقَالَ إن هَذَا الَّذِي يقوم بحذائك وَيَقُولُ وَيَقُولُ ما يَقُولُ يزعم أنك أبخر، فَقَالَ لَهُ الملك وكيف يصح ذَلِكَ عندِي، قال تدعوه إليك فإنه إِذَا دنا منك وضع يده عَلَى أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فَقَالَ لَهُ انصرف حتي أنظر وأتحقق ذَلِكَ، فخرج من عِنْدَ الملك، فدعا الحاسد ذَلِكَ الرجل إلي منزله فأطعمه طعاماً فِيه ثوم فخرج الرجل من عنده وذهب إلي الملك عَلَى عادته وقام بحذاء الملك فَقَالَ أحسن إلي المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فَقَالَ لَهُ الملك ادن مني، فدنا منه ووضع يده عَلَى فِيه، مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فَقَالَ الملك فِي نَفْسهِ ما أري فلانَا إلا صدَقَ، قال وكَانَ الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزةٍ أو صلةٍ فكتب له كتاباً بخطه إلي عاملهِ قال فيه إذا أتاك حاملُ كتابي هَذَا فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبناً وابعث به إلي، وأخذ اْلكِتَاب وخرج فلقيه الرجل الَّذِي سعي به إلي الملك وكذب عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: ما هَذَا اْلكِتَاب قال خط الملك لي به صلة فَقَالَ هبه لي فَقَالَ هُوَ لك
стр. 2348
فأخذه، الساعي ومضي به إلي عامل الملك، فَقَالَ لَهُ العامل: فِي كتابك أني أذبحك وأسلخك فَقَالَ إن اْلكِتَاب لَيْسَ لي، فالله الله، فِي أمري حتي تراجع الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشي جلده تبناً، وأرسله للملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، ثُمَّ عاد الرجل إلي الملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، وَقَالَ لَهُ ما فعل اْلكِتَاب، فَقَالَ لقيني رجل هُوَ فلان فاستوهبه مني فوهبته لَهُ، قال لَهُ الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قُلْتُ ذَلِكَ، قال فلم وضعت يدك عَلَى فيك قال لأنه أطعمني طعاماً فِيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلي مكانك، فقَدْ كفِي المسيء إساءته فَانْظُرْ يا أخي كيف دارت عَلَى الباغي الدوائر واسأل ربك أن يعافيك من هذه الأمراض الفتاكة التي ربما قضت عَلَى حَيَاته وأوصلته فِي الآخرة نار جهنم.
وختاماً فعَلَى اللبيب أن يتجنب الحسد فإنه من خلق الأدنياء وصفة الجهلاء فإن أبصرت بقائم فاعضده ويسر لَهُ السبيل حسب استطَاعَتكَ وإن رَأَيْت نعمة أسبغها الله عَلَى عبد من عباده فاسع إلي مثلها بقلب طاهر ووجدان نقي لعلك أن تبلغها بإذن الله.
فعزيزة النفس إن أبصر غيره فِي أمر يثني عَلَيْهِ به، أو رآه فِي منزلة يغبط عَلَيْهَا فلا يجول فِي وهمه أن يحسده عَلَى نعمته أو يحط من منزلته بل يسعي كُلّ السعي لينال مثل مناله ويرقي مثل رقيه فإن زادت فِيه عزة النفس والإباء فلا يرضي لنفسه إلا بما فوق ذَلِكَ المقام:
شِعْراً: ... أَسَأْتُ فَمَا عُذْرِيْ إِذَا انْكَشَفَ الغِطَا
وَأَظْهَرَ رَبُّ العَرْشِ مَا أَنَا أسْتُرُ ... >?
стр. 2349
.. إِذَا اللهُ نَادَانِي بِيَوْمِ قِيَامَةٍ
تَعَدَّيْتَ حَدَّ العِلْمِ هَلْ أَنْتَ تُوْجَزُ
أَسَأْتَ إِلى خَلْقِي وَحَقِّي تَرَكْتَهُ
فَأَيْنَ الحَيَا مِنِّي فَإِنِّي أَكْبَرُ
دَعَوْتَ إِلى عِلْمٍ وَأَظْهَرْتَ حِكْمَةً
وأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا عَكُوْفٌ مُشَمِّرُ
وَخَالَفْتَ مَا قَدْ قُلْتَ وَازْدَدْتَ غَفْلَةً
وَقَلْبُكَ لِلَّذَاتِ وَالغِشِّ يُضْمِرُ
ظَنَنْتَ بِأَنِّي مُهْمِلٌ لامْرِءٍ عَصَى
كَأَنَّكَ لم تَعْلم بِأَنَّكَ تُحْشَرُ
هُنَالِكَ يَمْتَازُ المُسِيْؤُنَ كُلُّهُمْ
فَوَا حَسْرَتَا إِنْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحَسَّرُ
فَيَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ يَا خَيْرَ رَاحِمٍ
وَمَنْ هُوَ لِلْزَّلاَتِ وَالذَّنْبِ يَغْفِرُ
عَصَيْتُكَ مِنْ لُؤْمِي وَنْفِسي ظَلمتُهَا
وَذَنْبِي فِي عُمْرِي يَزِيْدُ وَيَكْثُرُ
وَلَكِنَّنِي إِنْ جِئْتُ ذَنْباً وَزَلَّةً
أْرَجِيْكَ يَا رَحْمَنُ لِلْوَهْنِ تَجْبُرُ
وَتَغْفِرُ لِي ذَنْبِيْ وَتُصْلِحُ عِيْشَتِيْ
وَتَرْحَمُ آبَائِي فَإِنَّكَ تَقْدِرُ
стр. 2350
.. وَأَرْجُوْكَ يَا رَحْمَنُ إِذْ مَا سَتَرْتَنِي
بِدُنْيِايَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَسْتُرُ ... >?
اللَّهُمَّ حبب إلينا الإيمان وزينه فِي قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
" موعظة "
إخواني إن فِي مواعظ الأيَّام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثُمَّ تحمل إلي مضائق القبور، فكم قَدْ شاهدتم من شخصيات فِي الأرض، قَدْ وضعت، وَكم قَدْ عاينتم من أبدان ناعمة فِي الأكفان قَدْ لفت وإلي مضيق الإلحاد قَدْ زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا لَهُ من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا لَهُ من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر فِي موقف مهيل موقف فِيه تنقطع الإنساب وتخضع فِيه الرقاب وتنسكب فِيه العبرات وتتصاعد فِيه الزفرات ذَلِكَ موقف تنشر فِيه الدواوين، وتنصب فِيه الموازين، ويمد فِيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس فِي النار.
دخل عمر بن عَبْد الْعَزِيز ﵀ عَلَى سابق البربري وَهُوَ يتمثل بالأبيات المشهورة من قصيدة الأعشي.
... أَجِدَّكَ لم تَذْكُرْ وِصَاةَ مُحَمَّدٍ
نَبِّي الإلَهِ حِيْنَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إِذَا أَنْتَ لم تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى
وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا ... >?
стр. 2351
.. نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لاَ تَكُوْنَ كَمِثْلِهِ
وَأَنَّكَ لم تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا ... >?
فغشي عَلَى عمر ﵀ فَلَمَّا أفاق قال زدنا فَقَالَ القصيدة التي تلي:
... بِسْمِ الَّذِي أُنِْزلَتْ مِنْ عِنْدِهِ السُّوَرُ
الحَمْدُ للهِ أَمَّا بَعْدُ يَا عُمَرُ
إِنْ ُكْنَت تَعْلَمُ مَا تُبْقِي وَمَا تَذَرُ
فَكُنْ عَلَى حَذَرٍ قَدْ يَنْفَعُ الحَذَرُ
وَاصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَقْدُوْرِ وَارْضَ بِهِ
وَإِنْ أَتَاكَ بِمَا لاَ تَشْتَهِي القَدَرُ
فَمَا صَفَى لامْرِىءٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ
إلا وَأَعْقِبَ يَوْماً صَفْوُهُ كَدَرُ
قَدْ يَرْعَوِي المَرْءُ يَوْماً بَعْدَ هَفْوَتِهِ
وَتُحْكِمُ الجَاهِلَ الأيَّامُ وَالعِبَرُ
إِنَّ التُّقَى خَيْرُ زَادٍ أَنْتَ حَامِلُهُ
وَالبِّرُ أَفْضَلُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
مَنْ يَطْلُبِ الجَوْرَ لاَ يَظْفُرْ بِحَاجَتِهِ
وَطَالِبُ العَدْلِ قَدْ يُهْدَى لَهُ الظَّفَرُ
وفِي الهُدَى عِبَرٌ تُشْفَى القُلُوْبُ بِهَا
كَالغَيْثِ يَحْيَى بِهِ مِنْ مَوْتِهِ الشَّجَرُ
ولَيْسَ ذُوْ العِلْمِ بِالتَّقْوَى كَجَاهِلِهَا
وَلاَ البَصِيْرُ كَأَعْمَى مَالَهُ بَصَرُ ... >?
стр. 2352
.. والذِّكْرُ فِيه حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ كَمَا
تَحْيَا الْبِلاَدُ إِذَا مَا جَاءَهَا المَطَرُ
والعِلْمُ يَجْلَو العَمَى عن قَلْبِ صَاحِبِهِ
كَمَا يُجَلَّى سَوادَ الظُّلْمَةِِ القَمَرُ
لاَ يَنْفَعُ الذِّكْرُ قَلْباً قَاسِياً أَبَدَاً
وَهَلْ يَلِيْنُ لِقَوْلِ الوَاعِظِ الحَجَرُ
مَا يَلْبَثُ المَرْءُ أَنْ يَبْلَى إِذَا اخْتَلَفَتُ
يَوْماً عَلَى نَفْسِهِِ الرَّوْحَاتُ وَالبِكَرُ
والمَرْءُّ يَصْعَدُ رَيْعَانُ الشَّبَابِ بِهِ
وَكُلُّ مُصْعِدَةٍ يَوْماً سَتَنْحَدِرُ
وَكُلُّ بَيْتٍ سَيَبْلَى بَعْدَ جِدَّتِهِ
وَمِنْ وَرَاءِ الشَّبَابِ المَوْتُ وَالكِبَرُ
والمَوْتُ جَسْرٌ لِمَنْ يَمْشِيْ عَلَى قَدَمٍ
إِلى الأمُورِ الَّتِي تُخْشَى وتُنْتَظَرُ
فَهُمْ يَمُرُّونَ أَفْوَاجاً وَتَجْمَعُهُمْ
دَارٌ يَصِيْرُ إِلَيْهَا البَدْو والحَظَرُ
كم جَمْعُ قَوْمٍ أشَتَّ الدّهْرُ شَمْلَهُمْ
وَكُلُّ شَمْلٍ جَمِيْعٍ سَوْفَ يَنْتَثِرُ
وَرُبَّ أَصْيَدَ سَامَ الطَّرْفِ مُقْتَضِباً
بِالتّاجِ نِيْرَانُهُ لِلْحَرْبِ تُسْتَعِرُ
стр. 2353
.. يَظَلُّ مُفْتَرِشَ الدِّيْبَاجِ مُحْتَجِباً
عَلَيْهِ تُبْنِى قِبَابُ المُلْكِ والحُجَرُ
إِلى الفَنَاءْ وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُمْ
مَصِيْرُ كُلِّ بَنِي أنثَى وَإِنْ كَبُرُوا
إِذَا قَضَتْ زُمَرٌ آجَالهَا نَزَلَتْ
عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ بَعْدِهَا زُمَرُ
أَصْبَحْتُمْ جُزُراً لِلْمَوْتِ يَأْخُذُكُمْ
كَمَا البَهَائِمُ فِي الدُّنْيَا لَكُمْ جُزُرُ
أَبَعْدَ آدَمَ تَرْجُونَ الخُلُودَ وَهَلْ
تَبْقَى الفُرُوْعُ إِذَا مَا الأصْلُ يَنْعَقِرُ
ولَيْسَ يَزْجُرُكُمْ مَا تُوعَظُونَ بِهِ
والبَهْمُ يَزْجُرُهَا الرَّاعِي فَتَنْزَجِرُ
لاَ تَبْطُرُوْا وَاهْجُرُوا الدُّنْيَا فَإِنَّ لَهَا
غِباً وَخِيْماً وَكُفْرُ النِّعْمَةِ البَطَرُ
ثُمَّ اقْتَدُوا بِالأوْلَى كَانُوا لَكُمْ غُرَراً
ولَيْسَ مِنْ أُمَّةٍ إلا لَهَا غُرَرُ
مَتَى تَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِكُمْ
وَتَصْبِرُوا عن هَوَى الدُّنْيَا كَمَا صَبَرُوْا
مَا لِي أَرَى النَّاسَ والدُّنْيَا مُوَليِّةٌ
وَكُلُّ حَبْلِ عَلَيْهَا سَوْفَ يَنْبَتِرُ
لاَ يَشْعُرُونَ إِذَا مَا دِيْنَهُمْ نُقِصُوا
стр. 2354
.. يَوْماً وَإِنْ نُقِصَتْ دُنْيَاهُمْ شَعِرُوا
حَتَى مَتَى أَكُ فِي الدُّنْيَا أَخَا كَلَفٍ
فِي الخَدَّ مِنّي إِلى لَذّاتِهَا صَعَرُ
وَلاَ أَرَى أَثَراً لِلذِّكْرِ فِي جَسَدِي
وَالحَبْلُ فِي الحَجَرِ القَاسِي لَهُ أَثَرُ
لَوْ كَانَ يُسْهِرُ لَيْلِي ذِكْرُ آخِرَتِي
كَمَا يُؤَرِّقُنِي لِلْعَاجِلْ السَّفَرُ
إِذَاً لَدَاوَيْتُ قَلْباً قَدْ أَضَرَّ بِهِ
طُوْلُ السَّقَامِ وَكَسْرُ العَظْمِ يَنْجَبِرُ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى المَعْصُوْمِ سَيِّدِنَا
مَا هَبَتْ الرِّيْحُ وَاهْتَزَّتْ بِهَا الشَّجَرُ ... >?
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا ثبوت الجبال الراسيات واشرح صدورنا للإسلام وثبتنا عَلَيْهِ وَاجْعَلْنَا مِنْ حزبك المفلحين وعبادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال ابن القيم ﵀:
أركَانَ الكفر أربعة: الكبر والحسد والْغَضَب والشهوة فالكبر يمنعه الانقياد والحسد يمنعه قبول النَّصِيحَة وبذلها والْغَضَب يمنعه العدل والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة فإن انهدم ركن الكبر سهل عَلَيْهِ الانقياد وإِذَا انهدم ركن الحسد سهل عَلَيْهِ قبول النصح وبذله وإِذَا انهدم ركن الْغَضَب سهل عَلَيْهِ العدل والتواضع وإِذَا انهدم ركن الشهوة سهل عَلَيْهِ الصبر والعفاف والعبادة.
وزَوَال الجبال عن أماكنها أيسر من زَوَال هذه الأربعة عمن بُلِيَ بِهَا ولا
стр. 2355
سيما إِذَا صَارَت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابتة فإنه لا يستقيم لَهُ معها عمل البتة. ولا تزكو نَفْسهُ مَعَ قيامها بِهَا، وكُلَّما اجتهد فِي الْعَمَل أفسدته عَلَيْهِ هذه الأربعة وكل الآفات متولدة منها وإِذَا استحكمت فِي الْقَلْب أرته الْبَاطِل فِي صورة الحق والحق فِي صورة الْبَاطِل والمعروف فِي صورة الْمُنْكَر والْمُنْكَر فِي صورة المعروف وقربت منه الدُّنْيَا وبعدت منه الآخرة.
وإِذَا تأملت كفر الأمم رأيته ناشيئاً منها وعَلَيْهَا يقع الْعَذَاب وتَكُون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها فمن فتحها عَلَى نَفْسه فتح عَلَيْهِ أبواب الشرور كُلّهَا عاجلاً وآجلاً، ومن أغلقها عن نَفْسه أغلق عنهُ أبواب الشرور، فإنها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المُسْلِمِيْنَ والتواضع لله ولخلقه.
(ومنشأ هذه الأربعة) : من جهله بربه وجهله بنفسه فإنه لَوْ عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال. وعرف نَفْسهُ بالنقائص والآفات، لم يتكبر ولم يغضب لها، ولم يحسد أَحَداً عَلَى ما آتاه الله، فإن الحسد فِي الحَقِيقَة نوع من معاداة الله، فإنه يكره نعمة الله عَلَى عبده، وقَدْ أحبهَا الله ويحب زوالها عنهُ، والله يكره ذَلِكَ، فهو مضاد لله فِي قضائه وقدره ومحبته وكراهته، ولذَلِكَ كَانَ إبلَيْس عدوه حَقِيقَة، لأن ذنبه كَانَ عن كبر وحسد. فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده، والرِّضَا به وعنه، والإنابة إليه وقلع الْغَضَب بمعرفة النفس، وأنها لا تستحق أن يغضب لها، وينتقم لها فإن ذَلِكَ إيثار لها بالرِّضَا والْغَضَب عَلَى خالقها وفاطرها وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب لَهُ سُبْحَانَهُ وترضي لَهُ فكُلَّما دخلها شَيْء من الْغَضَب والرِّضَا لَهُ خرج منها مقابله من الْغَضَب والرِّضَا لها وَكَذَا بالعكس.
стр. 2356
وَقَالَ ﵀: أساس كُلّ خَيْر أن تعلَمَ أن ما شَاءَ الله كَانَ وما لم يشأ لم يكن، فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عَلَيْهَا، وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنكَ، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك فِي فعل الحسنات وترك السيئات إلي نفسك وقَدْ أجمَعَ العارفون عَلَى أن كُلّ خَيْر أصله بتوفيق الله للعبد وكل شر أصله خذلانه لعبده وأجمعوا عَلَى أن التَّوْفِيق أن لا يكلك الله إلي نفسك وأن الخذلان هُوَ أن يخلي بينك وبين نفسك فإِذَا كَانَ كُلّ خَيْر فأصله التَّوْفِيق وَهُوَ بيد الله لا بيد الْعَبْد فمفتاحه الدُّعَاء والرغبة والرهبة إليه فمتي أعطي الْعَبْد هَذَا المفتاح فقَدْ أراد أن يفتح لَهُ ومتي أضله عن المفتاح بقي باب الْخَيْر مرتجاً دونه، وَقَالَ أمير الْمُؤْمِنِين عُمَر بن الْخَطَّاب إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدُّعَاء فإِذَا أُلهِمتُ الدُّعَاء فإن الإجابة معه وعَلَى قدر نية الْعَبْد وهمته ومراده ورغبته فِي ذَلِكَ يكون توفيقه سُبْحَانَهُ وإعانته فالمعونة من الله تنزل عَلَى العباد عَلَى قدر همهم ونياتهم ورغبتهم ورهبتهم والخذلان ينزل عَلَيْهمْ عَلَى حسب ذَلِكَ فالله سُبْحَانَهُ أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين يضع التَّوْفِيق فِي مواضعه اللائقة به والخذلان فِي مواضعه اللائقة به، وَهُوَ العليم الحكيم وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدُّعَاء ولا ظفر بمشئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدُّعَاء وملاك ذَلِكَ الصبر فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإِذَا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.
... عَلَيْكَ بِتَقْوى اللهِ يِا نَفْسُ سَرْمَدَا
وَلاَ تُلْحِقِي بِالخَلْقِ ضُرّاً تَعَمُّدَا ... >?
стр. 2357
.. وَلاَ تَحْسِدِي حَيّاً وَلَوْ جَارَ واعْتَدَى
عَلَيْكَ فَمَا يَحْيَى البُغَاةُ مُخَلَّدَا
تَدُوْرُ عَلَى البَاغِي الدَّوَائِرُ عنوةً
وَيَحْيَى سَعِيْدَ ذُوْ الفَضِيْلَةِ أَمْجَدَا
وَكُلُّ حَسُودٍ يَنْخَرُ الحِقْدُ قَلْبَهُ
يَذُوْبُ كَشَمْعٍ فِي سَعِيْرٍ تَوَقَّدَا
يَعِيْشُ وَنَارُ الغَيْضِ تُحْرِقُ كَبِدَهُ
وَإِنْ مَاتَ أَضْحَى الجَمْرُ فِيه مُجَدَّدَا
فَجَازِ أَخَا فَضْلٍ وَرَاعِ ذِمَامَهُ
وَسَامِحْ عَدُواً إِنْ قَلاَكَ وَنَدَّدَا
فَإِنّي رَأَيْتُ الفَضْلَ خَيْرَ ذَخِيْرَةٍ
لِمَنْ رَامَ قَبْلَ المَوْتِ أَنْ يَتَزَوَّدَا ... >?
موعظة
ج
إخواني إن الغَفْلَة عن الله مصيبة عظيمة قال تعالى: (ولا تكونوا كالَّذِينَ نسوا الله فأنساهم أنفسهم) فمن غفل عن ذكر الله وألهته الدُّنْيَا عن الْعَمَل للدار الآخرة أنساه الْعَمَل لمصالح نَفْسه فلا يسعي لها بما فِيه نفعها ولا يأخذ فِي أسباب سعادتها وإصلاحها وما يكملها وينسي كَذَلِكَ أمراض نَفْسه وقَلْبه وآلامَه فلا يخطر بباله معالجتها ولا السعي فِي إِزَالَة عللها وأمراضها التي تؤل إلي الهلاك والدمار وهَذَا من أعظم العقوبات فأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نَفْسهُ وضيعها ونسي مصالحها وداءها ودواءها وأسباب سعادتها وفلاحها وحياتها الأبدية فِي النَّعِيم الْمُقِيم ومن تأمل هَذَا الموضع تبين لَهُ أن كثيراً من الخلق قَدْ نسوا أنفسهم وضيعوها وأضاعوا
стр. 2358
حظها وباعوها بثمن بخس بيع المغبون ويظهر ذَلِكَ عِنْدَ الموت ويتجلي ذَلِكَ كله يوم التغابن ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ الآية.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك ثبوت الجبال الراسيات ونور قلوبنا بنور الإيمان وَاجْعَلْنَا هداة مهتدين وأصلح أولاًدنا واغفر لآبائنا وأمهاتنا واجمعنا وإياهم مَعَ عبادك الصالحين فِي جنات النَّعِيم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وأصحابه أجمعين.
(قال فِي منهاج القاصدين)
[فصل] اعْلم أن الْقَلْب بأصل فطرته قابل للهدي، وبما وضع فِيه من الشهوة والهَوَى، مائل عن ذَلِكَ، والتطارد فِيه بين جند الملائكة والشياطين دائم، إلي أن ينفتح الْقَلْب لأحدهما فيتمكن ويستوطن، ويكون اختيار الثاني اختلاساً، كما قال تعالى ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ وَهُوَ الَّذِي إِذَا ذكر الله خنس وإِذَا وقعت الغَفْلَة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من الْقَلْب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار لَهُ مَعَ الذكر. واعْلم أن مثل الْقَلْب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن ويملكه ويستولي عَلَيْهِ، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر عَلَى حراسة أبوابه من لا يعرفها ولا يتوصل إلي دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه. . صفات الْعَبْد، وهي كثيرةإلا أَنَا نشير إلي الأبواب العظيمة الجارية مجري الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان.
فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص. فمتي كَانَ الْعَبْد حريصاً عَلَى شَيْء، أعماه حرصه، وأصمه، وغطي نور بصيرته التي يعرف بِهَا مداخل الشيطان. وكَذَلِكَ إِذَا كَانَ حسوداً فيجد الشيطان حينئذٍ الفرصة،
стр. 2359
فيحسن عِنْدَ الحريص كُلّ ما يوصله إلي شهوته، وإِذَا كَانَ منكراً أو فاحشاً، ومن أبوابه العظيمة.
الْغَضَب، والشهوة، والحدة فإن الْغَضَب غول العقل، وإِذَا ضعف جند العقل هجم حينئذ الشيطان فلعب بالإنسان. وقَدْ روي أن إبلَيْسَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْعَبْد حديداً، قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة.
ومن أبوابه: حب التزين فِي المنزل، والأثاث فلا يزال يدعو إلي عمارة الدار، وتزيين سقوفها وحيطانها، والتزين بالثياب، والأثاث، فيخسر الإنسان طول عمره فِي ذلك. ومن أبوابه: الشبع فإنه يقوي الشهوة، ويشغل عن الطاعة. ومنها الطمَعَ فِي النَّاس، فإن من طمَعَ فِي شخص، بالغ بالثناء عَلَيْهِ بما لَيْسَ فِيه، وداهنه ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر. ومن أبوابه: العجلة، وترك التثَبِّتْ وقَدْ قال النَّبِيّ ?: " العجلة من الشيطان، والتأني من الله تعالى ". ومن أبوابه: حب الْمَال، ومتي تمكن من الْقَلْب أفسده وحمله عَلَى طلب الْمَال من غَيْر وجهه، وأخرجه إلي البخل وخوفه الفقر فمنع الحقوق اللازمة. ومن أبوابه: حمل العوام عَلَى التعصب فِي المذاهب، دون الْعَمَل بمقتضاها ومن أبوابه أيضاً حمل العوام عَلَى التفكر فِي ذات الله تعالى وصفاته، وفِي أمور لا تبلغها عقولهم حتي يشككهم فِي أصل الدين. ومن أبوابه: سوء الظن بالمُسْلِمِيْنَ فإن من حكم عَلَى مسلم بسوء ظنه، احتقره وأطلق فِيه لِسَانه، ورأي نَفْسهُ خيراً منه. وإنما يترشح سوء الظن بخبث الظان، لأن المُؤْمِن يطلب المعاذير للمؤمنين والمنافق يبحث عن عيوبهم.
وينبغي للإنسان أن يحترز عن مواقفهم التهم، لئلا يساء به الظن،
стр. 2360
فهَذَا طرف من مداخل الشيطان وعلاج هذه الأفات سد المداخل بتطهير الْقَلْب من الصفات المذمومة، وسيأتي الكلام عَلَى هذه الصفات إن شَاءَ الله تعالى مفصلاً.
وإِذَا قلعت عن الْقَلْب أصول هذه الصفات، بقي للشيطان بالْقَلْب خطرات واجتيازات من غَيْر استقرار فيمنعه من ذَلِكَ ذكر الله تعالى، وعمارة الْقَلْب بالتقوي. ومثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك، فإن لم يكن بين يديك لحم وخبز، فإنه ينزجر بأن تَقُول لَهُ: اخسأ، وإن كَانَ بين يديك شَيْء من ذَلِكَ وَهُوَ جائع، لم يندفع عنكَ بمجرد الكلام، فكَذَلِكَ الْقَلْب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنهُ بمجرد الذكر. فأما الْقَلْب الَّذِي غلب عَلَيْهِ الهَوَى فإنه يرفع الذكر إلي حواشيه فلا يتمكن الذكر من سويدائه، فيستقر الشيطان فِي السويداء. وإِذَا أردت مصداق ذَلِكَ، فتأمل فِي صلاتك، وانظر إلي الشيطان كيف يحدث قلبك فِي مثل ذَلِكَ الموطن، بذكر السوق، وحساب العالمين، وتدبير أمر الدُّنْيَا واعْلم أنه قَدْ عفِي عن حديث النفس ويدخل فِي ذَلِكَ ما هممت به، ومن ترك ذَلِكَ خوفاً من الله تعالى كتبت لَهُ حسنة، وإن تركه لعائق رجونا لَهُ المسامحة، إلا أن يكون عزماً، فإن العزم عَلَى الخطيئة خطيئة بدَلِيل قوله ?: " إِذَا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النار، قيل: ما بال المقتول؟ قال: إنه كَانَ حريصاً عَلَى قتل صاحبه ".
وكيف لا تقع المؤاخذة بالعزم، والأعمال بالنِّيْة، وهل الكبر والرياء إلا أمور باطنة؟ ولَوْ أن إنسانَاً رأي عَلَى فراشه أجنبية ظنها زوجته لم يأثم بوطئها، ولَوْ رأي زوجته وظنها أجنبية أثم بوطئها، وكل هذ معلق بعقَدْ القلب.
стр. 2361
وقَدْ ورد فِي الْحَدِيث أن النَّبِيّ ? كَانَ يَقُولُ "يا مثَبِّتْ القُلُوب ثَبِّتْ قلوبنا عَلَى دينك، يا مصرف القُلُوب اصرف قلوبنا إلي طاعتك". وفِي حديث آخر: "مثل الْقَلْب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبِهَا الرياح" واعْلم أن القُلُوب فِي الثبات عَلَى الْخَيْر والشر والتردد بينهما ثلاثة: الأول قلب عمر بالتقوي، وزكي بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق، فتنفرج فِيه خواطر الْخَيْر من خزائن الغيب، فيمده الملك بالهُدَى.
الْقَلْب الثاني: قلب مخذول، مشحون بالهَوَى، ودنيس بالخبائث ملوث بالأخلاق الذميمة فيقوي فِيه سلطان الشيطان لاتساع مكانه، فيضعف سلطان الإيمان، ويمتلئ الْقَلْب بدخان الهَوَى، فيعدم النور، ويصير كالعين الممتلئة بالدخان لا يمكنها النظر؛ ولا يؤثر عنده زجر ولا وعظ.
والْقَلْب الثالث: قلب يبتدئ فِيه خاطر الهَوَى، فيدعوه إلي الشر، فيلحقه خاطر الإيمان، فيدعوه إلي الخير. مثاله، أن يحمل الشيطان حملة عَلَى العقل، ويقوي داعي الهَوَى، وَيَقُولُ: أما تري فلانَاً وفلانَاً كيف يطلقون أنفسهم فِي هواها حتي يعد جماعة من العلماء، فتميل النفس إلي الشيطان، فيحمل الملك حملة عَلَى الشيطان، وَيَقُولُ: هل هلك إلا من نسي العاقبة، فلا تغتر بغَفْلَة النَّاس عن أنفسهم، أرَأَيْت لَوْ وقفوا فِي الصيف فِي الشمس ولك بيت بارد، أكنت توافقهم أم تطلب المصلحة؟ أفتخالفهم فِي حر الشمس، ولا تخالفهم فيما يؤول إلي النار فتميل النفس إلي قول الملك، ويقع التردد بين الجندين، إلي أن يغلب عَلَى الْقَلْب ما هُوَ أولي به، فمن خلق للخَيْر يسر لَهُ ومن خلق للشر يسر لَهُ قال تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ اللَّهُمَّ وفقنا لما تحبه وترضاه.
стр. 2362
شِعْراً: ... إِلى كم إِذَا مَا غِبْتُ تُرْجَى سَلاَمتي ... وقَدْ قَعَدْتْ بِي الحَادِثَاتُ وَقَامَتِ
وَعُمّمْتُ مِنْ نَسْجِ القَتِيْرِ عِمَامَةً ... رُقُومُ البِلَى مَرْقُومَةٌ بِعِمَامَتِي
وَكُنْتَ أَرَى لِي فِي الشَّبَابِ عَلاَمَةً ... فَصِرْتُ وَإِنّي مُنْكِرٌ لِعَلاَمَتَي
ومَا هِيَ إلا أَوْبَةٌ بَعْدَ غَيْبَةٍ ... إِلى الغَيْبَةِ القُصْوَى فَثَمَّ قِيَامَتِي
كَأَنِيْ بِنَفْسِي حَسْرَةً وَنَدَامَةً ... تُقَطَّعُ إِذْ لم تُغْنِ عني نَدَامَتِي
مُنَى النَّفْسِ مِمَّا يُوْطِيءُ المَرْءَ عَشْوَةً
إِذَا النَّفْسُ جَالَتْ حَوْلَهُنَّ وَحَامَتِ
وَمَنْ أَوْطَأَتْهُ نَفْسُهُ حَاجَةً فَقَدْ
أَسَاءَتْ إِليْهِ نَفْسُهُ وَألامَتِ
أَمَا والَّذِي نَفْسِيْ لَهُ لَوْ صَدَقْتُهَا
لَرَدَّدْتُ تَوْبِيْخِي لَهَا وَمَلاَمَتِي
فَلِلَّهِ نَفْسٌ أَوْطَأَتْنِي مِنَ العَشَا
حُزُوْناً وَلَوْ قَوَّمْتُهَا لاَسْتَقَامَتِ
وللهِ يَوْمُ أَيَّ يَومٍ فَظَاعَةً
وَأَفْظَعُ مِنْهُ بَعْدَ يَوْمُ قِيَامَتِي
وللهِ أَهْلِي إِذْ حَبَوْنِيْ بِحُفْرَةٍ
وَهُمْ بِهَوانِي يَطْلُبُونَ كَرَامَتِي
وللهِ دُنْيَا لاَ تَزَالُ تَرَدُّنِي
إِبَاطِيْلُهَا فِي الجَهْلِ بَعْدَ اسْتِقَامَتِي ... >?
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك ومحبتك فِي قلوبنا ثبوت الجبال الراسيات واعصمنا يا مولانَا مِنْ جَمِيعِ الموبقات ووفقنا للعمل بالباقيات الصالحات
стр. 2363
وارفع منازلنا فِي فسيح الجنات وارزقنا النظر إلي وجهك الكريم يا حكيم يا عليم يا حي يا قيوم وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. .
(فَصْلٌ)
تكلم أحد العلماء فِي بيان مداخل الشيطان إلي القلوب
فَقَالَ ﵀ اعْلم أن الْقَلْب مثاله مثال حصن رفيع والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن ويملكه ويستولي عليه.
ولا يقدر عَلَى حفظ الحصن إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواقع ثلمه، ولا يقدر عَلَى حراسة أبوابه من لا يعرف أبوابه.
وحماية الْقَلْب عن فساد الشيطان فرض عين واجب عَلَى كُلّ عبد مكلف، وما لا يتوصل إلي الواجب إلا به فهو واجب.
ولا يتوصل إلي دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، فصَارَت معرفة مداخل الشيطان واجبة.
ومداخل الشيطان وأبوابه صفات الْعَبْد نحو الشهوة والْغَضَب والحدة والطمَعَ وغيرها وهي كثيرة، ولكنا نشير إلي معظم وسائله فِي إغواء الخلق وتسلطه عَلَيْهمْ بِهَا إن شَاءَ الله.
وجملتها وسائل عشرة نذكرها ونذكر كيفية علاجها والتخلص منها، فهذان تقريران.
التقرير الأول: فِي ذكرنا الوسيلة الأولي الحسد والحرص، فمن حصل عَلَى هاتين الخصلتين عمي وصم، وهما من أعظم مداخل الشيطان وأكبر وسائله.
وقَدْ روي أن نوحاً ﵇ لما ركب البحر وحل فِي السَّفِينَة من كُلّ زوجين اثنين كما أمر فرأي فِي السَّفِينَة شيخاً لم يعرفه.
стр. 2364
فَقَالَ لَهُ نوح: من أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قُلُوب أصحابك فتَكُون قُلُوبهمْ معي وأبدأنهُمْ معك.
فَقَالَ نوح: أخرج يا عدو الله فإنك رجيم، فَقَالَ إبلَيْسُ: خمس أهلك بهن النَّاس وسأحدثك مِنْهُمْ بثلاث، ولا أحدثك باثنين.
فأوحي إلي نوح إنه لا حَاجَة لك إلي الثلاث، مره يحدثك بالاثنين.
فَقَالَ: ما الاثنتان؟ فَقَالَ: هما اللتان لا تكذباني، هما اللتان لا تخلفاني بهما أهلك النَّاس الحرص والحسد.
فبالحسد لعنت وجعلت شيطانَاً رجيماً، والحرص أصبت حاجتي من آدم، أبيح لآدم الْجَنَّة كُلّهَا إلا الشجرة التي عرف بِهَا فوسوست لَهُ حتي أكلها.
الوسيلة الثَّانِيَة: الشهوة والْغَضَب فإنهما من أعظم المكايد للشيطان، فمهما غضب الإنسان لعب لَهُ الشيطان، وعن بعض الأنبياء أنه قال لإبلَيْسَ: بأي شَيْء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عِنْدَ الْغَضَب وعِنْدَ الهوي.
وظهر إبلَيْسُ لراهب، فَقَالَ: أي أَخْلاق بني آدم أعون لك عليهم؟ فَقَالَ: الحدة، إن الْعَبْد إِذَا كَانَ حديداً قلبناه كما تقلب الصبيان الكرة.
وقيل لإبلَيْسَ: كيف تقلب ابن آدم؟ فَقَالَ: إِذَا رضي جئت حتي أكون فِي قَلْبهِ، وإِذَا غضب جئت حتي أكون عَلَى رأسه.
الوسيلة الثالثة: حب الشهوات والزينة فِي الدُّنْيَا فِي الثياب والأثاث والدور والمراكب، فإن الشيطان إِذَا رأي ذَلِكَ غالباً عَلَى قلب إنسان باض فِيه وفرخ.
فلا يزال يدعوه إلي عمارة الدُّنْيَا وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع الأبنية، ويدعوه إلي التزين بالأثواب النفيسة ويستسخره طول عمره.
стр. 2365
فإِذَا أوقعه فيها فقَدْ استغني عن معاودته فإن بعض ذَلِكَ يجر إلي بعض، فلا يزال يؤديه من شَيْء إلي شَيْء إلي أن يستاق إليه أجله فيموت وَهُوَ فِي بحر الأماني يعوم، وفِي سبيل الضلال يخوض، ومن ذَلِكَ يخشي سوء الخاتمة نعوذ بِاللهِ منها.
الوسيلة الرابعة: الطمَع، فإِذَا كَانَ الطمَع غالباً عَلَى الْقَلْب لم يزل الشيطان يحسن لَهُ التصنع لمن طمَعَ فِيه حتي يصير المطموع فِيه كأنه معبوده.
وقَدْ قال الرَّسُول ? "إياكم واستشعار الطمَع فإنه يشرب الْقَلْب شدة الحرص ويختم عَلَى القُلُوب بطابع حب الدُّنْيَا، وَهُوَ مفتاح كُلّ سيئة، وسبب إحباط كُلّ حسنة".
هَذَا هُوَ الغاية فِي الْخُسْرَانُ والهلاك.
الوسيلة الخامسة: العجلة فِي الأمور وكثرة الطيش والفشل، وروي عن رسول الله ? أنه قال "الأناة من الله والعجلة من الشيطان".
وروي أنه لما ولد عيسي ﵇ أتت الشياطين إبلَيْسَ فَقَالُوا: أصبحت الأصنام قَدْ نكست رؤوسها فَقَالَ: هَذَا حادث قَدْ حدث مكانكم فطار حتي جَاءَ خافقي الأرض.
فلم يجد شيئاً فوَجَدَ عيسي ﵇ قَدْ ولد وإِذَا الملائكة قَدْ حفت حوله.
فَقَالَ لهُمْ إن نبياً قَدْ ولد البارحة، ما حملت أنثي قط ولا وضعت إلا وأنَا بحضرتها إلا هَذَا فاستيأسوا من عبادة الأصنام بعد هذه اللَّيْلَة ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة.
عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح الْعَمَل وهدانَا بفضله
стр. 2366
سبيل الرشاد وطَرِيق السداد إنه جل شأنه نعم المولي ونعم النصير وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
الوسيلة السادسة: الفتنة بالدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال والعروض والدواب والعقارات وكل ما يكون فضله عَلَى قدر الحاجة والقوت فهو مستقر الشيطان.
وروي أن الرَّسُول ? لما بعث، قال إبلَيْس لشياطينه: لَقَدْ حدث أمر فانظروا ما هُوَ، فانطلقوا ثُمَّ جاءوا وقَالُوا: ما ندري قال إبلَيْس: أَنَا آتيكم بالخبر.
فذهب وجَاءَ، قال: قَدْ بعث مُحَمَّد ?، قال: فجعل يرسل شياطينه إلي أصحاب الرَّسُول ? فينصرفون خائبين، فيقولون: ما صحبنا قوماً قط مثل هؤلاء، نصيب مِنْهُمْ ثُمَّ يقومون للصلاة فيمحون ذلك.
فَقَالَ إبلَيْس: رويداً بِهُمْ عسي الله أن يفتح لهُمْ الدُّنْيَا فهناك تصيبون حاجتكم منهم.
الوسيلة السابعة: البخل وخوف الفقر فإن البخل هُوَ أصل لكل خطيئة، وروي عن إبلَيْسَ لعنه الله أنه قال: ما غلبني ابن آدم فلن يغلبني فِي ثلاث، آمره أن يأخذ الْمَال من غَيْر حقه وينفقه فِي غَيْر حقه ويمنعه من مستحقه.
وَقَالَ سفيان الثوري: لَيْسَ للشيطان سلاح عَلَى الإنسان مثل خوف الفقر، فإِذَا قبل ذَلِكَ منه أخذ فِي الْبَاطِل ومنع من الحق وتكلم بالهَوَى وظن بربه السُّوء، وَهُوَ من أعظم الآفات عَلَى الدين.
الوسيلة الثامنة: سوء الظن بالمُسْلِمِيْنَ وقَدْ قال تعالى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ .
стр. 2367
ومن حكم بشَيْء عَلَى غيره بالظن فإن الشيطان يبعثه عَلَى أن يطول فِيه اللسان بالغيبة فيهلك، أو يقصر فِي القيام بحقوقه أو يتواني فِي إكرامه أو ينظره بعين الاحتقار أو يري نَفْسهُ خيراً منه.
وكل ذَلِكَ من المهلكات، فمهما رَأَيْت إنسانَاً يسيء الظن بِالنَّاسِ طالباً لعيوبهم فاعْلم أنه خبيث فِي الباطن، فإن المُؤْمِن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العيوب للخلق.
الوسيلة التاسعة: الشبع من الطعام والتأنق فِي المآكل الفاخرة، فإن الشبع يقوي الشهوات وهي أسلحة الشيطان التي بِهَا يصول.
وروي أن إبلَيْسَ ظهر يوماً ليحيي بن زكريا ﵇ فرأي عَلَيْهِ معاليق من كُلّ شَيْء، فَقَالَ لَهُ يحيي ﵇: ما هذه المعاليق.
فَقَالَ: هذه هِيَ الشهوات التي أصيب بِهَا بني آدم، فَقَالَ: هل لي منها شَيْء؟ فَقَالَ: ربما شبعت فتثاقلت عن الصَّلاة وعن الذكر.
فَقَالَ: هل غَيْرَ ذلك؟ قال: لا، فَقَالَ يحيي: لله عَلَىَّ أن لا أملأ بطني، فَقَالَ إبلَيْس: عَلَى لله لا أنصح مسلماً.
الوسيلة العاشرة: تعاطي العوام الَّذِينَ لم يمارسوا العلوم ولم يتبحروا فيها بالتفكير فِي ذات الله وصفاته وفِي الأمور التي لا تبلغها عقولهم حتي يؤدي ذَلِكَ إلي الاعتقادات الكفرية وهم لا يشعرون.
وهم فِي غاية ما يكونون من الفرح والسرور والاطمئنان إلي ما وقع فِي صدورهم.
وهم فِي غاية الخطأ ويظنون أن ما اعتقدوه هُوَ العلم والبصيرة، فما هَذَا حاله يكون من أعظم الأبواب للشيطان فِي اللعب بعقولهم وإيقاعهم فِي الأمور المكروهة.
стр. 2368
فهذه وسائل الشيطان ومداخله إلي الْقَلْب وهي كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه عَلَى ما ورائها.
وبالجملة فلَيْسَ فِي الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح للشيطان ومدخل من مداخله.
التقرير الثاني: فِي بيان العلاج فِي دفعها وإزالتها، اعْلم أن علاج هذه الأمور وإزالتها إنما يكون بالدُّعَاء إلي الله والالتجَاءَ إليه فِي دفعها وإزالتها، وبالاجتهاد فِي قلع هذه الصفات المذمومة عن الْقَلْب، والعناية فِي ذكر الله ، فهذه دوافع ثلاثة نذكرها.
الدافع الأول: يكون باللجَاء إلي الله بالدُّعَاء راجياً منه تحصيل الألطاف الخفية فِي إبعاد الشياطين وإزالتهم، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلي، قال: كَانَ الشيطان يأتي الرَّسُول ? وبيده شعلة نار فيقوم بين يديه وَهُوَ يصلي فيقَرَأَ ويتعوذ فلا يذهب.
فأتي جبريل ﵇ إلي النَّبِيّ ? فَقَالَ لَهُ ?: قل أعوذ بكلمَاتِ الله التامَاتِ التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج فِي الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.
ومن شر فتن الليل والنَّهَار وطوارق الليل والنَّهَار إلا طارقاً يطرق بخَيْر يا رحمن، فطفيت شعلته وخر وجهه.
وعن الحسن البصري أنه قال: نبئت أن جبريل أتي إلي رسول الله ?، فَقَالَ: إن عفريتاً من الجن يكيدك فإِذَا أويت إلي فراشك فاقَرَأَ آية الكرسي.
وعن الرَّسُول ? أنه قال: أتاني شيطان فنازعني ثُمَّ نازعَني فأخذت بحلقه والَّذِي بعثني بالحق ما أرسلته حتي وجدت برد لِسَانه عَلَى يدي، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح طريحاً حتي تنظروا إليه.
стр. 2369
الدافع الثاني: العناية فِي إِزَالَة هذه الصفات المذمومة من القُلُوب وقلعها منها فإن الشيطان مثل الكلب فِي التسلط عَلَى الإنسان.
فإِذَا كَانَ الإنسان متصفا بهذه الصفات الذميمة من الْغَضَب والحسد والحرص والطمَع وغيرها كَانَ بمنزلة من يكون بين يديه خبز ولحم فإن الكلب لا محالة يتهور عَلَيْهِ ويتوثب ولا يندفع غالباً إلا بمشقة شديدة، وإن لم يكن متصفاً بِهَا لم يطمَع فِيه لأنه لا داعي لَهُ هنالك ويكون دفعه بأسهل ما يكون وأيسره فإنه يندفع بالنهر والخسا والزجر، فتزال بنقائضها.
فيزال الْغَضَب بالرضاء والسكينة، ويزال الكبر بالتواضع، ويزال الحسد بمعرفة حق المحسود وأن الَّذِي اختص به فضل من الله فلا يمكن دفعه.
ويزال الطمَع بالورع والاكتفاء بما أعطاه الله ، ويزال الحرص بتحقيق حال الدُّنْيَا وانقطاعها بالموت.
وهكَذَا تفعل فِي كُل خصلة مذمومة بالاجتهاد فِي إزالتها.
الدافع الثالث: ذكر الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ منَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
والمعني أنَّهُمْ إِذَا ألمَّ بقُلُوبهمْ شيء من هذه الصفات الذميمة فزعوا إلي ذكر الله تعالى وتذكروه، فعِنْدَ ذَلِكَ يحصل التبصر لهُمْ فِي عواقب أمورهم.
نعم الذكر لا يكون طارداً للشيطان إلا إِذَا كانت القُلُوب معمورة بالخوف والتقوي.
فأما إِذَا كانت خالية عن ذَلِكَ فربما يكون الذكر غَيْرَ مُجْدٍ، ومثال هَذَا من يطمَعَ فِي شرب الدواء قبل الاحتمي والمعدة مشحونة بغليظ الطعام ويطمَع فِي أنه ينفعه كما ينفع الَّذِي يشربه بعد الاحتمي وتخلية المعدة عَن الأطعمة.
стр. 2370
فالذكر هُوَ الدواء والتقوي هُوَ الاحتمي، فإِذَا حصل الذكر فِي قلب فارغ عن غَيْر الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء فِي معدة خالية عَن الأطعمة كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ .
اللَّهُمَّ إنا نسألك حياة طيبة، ونفساً تقيةً، وعيشةً نقيةً، وميتةً سويةً، ومرداً غَيْر مخزٍ ولا فاضحٍ.
اللَّهُمَّ اجعلنا من أَهْل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
" اللَّهُمَّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الْخَيْر إنك عَلَى كُل شيء قدير ".
يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما تريد نسألك بنور وجهك الَّذِي ملأ أركَانَ عرشك وبقدرتك التي قدرت بِهَا عَلَى جَمِيع خلقك وبِرَحْمَتِكَ التي وسعت كُلّ شيء لا إله إلا أَنْتَ أن تغفر ذنوبنا وسيئاتنا وأن تبدلها لنا بحسنات إنك جواد كريم رؤوف رحيم.
اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال رجل للحسن يا أبا سعيد أينام الشيطان فتبسم وَقَالَ لَوْ نام لاسترحنا.
فإِذَاً لا خلاص للمُؤْمِن منه نعم سبيل إلي دفعه وتضعيف قوته قال
стр. 2371
النَّبِيّ ?: " إن المُؤْمِن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره فِي سفره ".
وَقَالَ ابن مسعود: شيطان المُؤْمِن مهزول
وَقَالَ قيس بن الحجاج قال لي شيطاني دخلت فيك وأنَا مثل الجزور وأنَا الآن مثل العصفور قُلْتُ ولم ذاك قال تذيبني بذكر الله تعالى.
وعن أبي بكر ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللهِ ? عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا مِنْهُمَا فإن إبلَيْسَ قال أهلكت بني آدم بالذُّنُوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار.
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنَّهُمْ مهتدون رواه الحافظ أبو يعَلَى الموصلي وَقَالَ مجاهد ما من شيء أكسر لظهر إبلَيْسَ من " لا إله إلا الله ".
وَقَالَ عباس الدوري سمعت يحيي بن معين يَقُولُ كنت إِذَا دخلت منزلي قرأت آية الكرسي مرة.
فبينما أَنَا ذات ليلة أقرؤها فإِذَا هاتف يَقُولُ كم تقَرَأَ هذه لَيْسَ أحد يحسن يقرؤها غيرك.
فقُلْتُ مجيباً لَهُ وأري هَذَا يسؤك وَاللهِ لأزيدنك فصرت أقرؤها فِي اللَّيْلَة خمسين مرة أو ستين مرة قال عباس فحدثت مُحَمَّد بن سهل فَقَالَ كَانَ جرياً عَلَى الإنس والجن أو كما قال.
وَقَالَ بشر بن منصور عن وهيب بن الورد خرج رجل إلي الجبانة بعد ساعة من الليل فسمَعَ حساً وأصواتاً شديدةً وجئ بسرير وجَاءَ شيء جلس عَلَيْهِ واجتمَعَ إليه جنود.
ثُمَّ صرخ من لي بعروة بن الزبير فلم يجبه أحد حتي تابع ما شَاءَ الله من الأصوات فَقَالَ واحد مِنْهُمْ أَنَا أكفيكه.
стр. 2372
قال: فتوجه نحو الْمَدِينَة وأنَا أنظر ثُمَّ أوشك الرجعة فَقَالَ لا سبيل إلي عروة قال ويلك لم يَقُولُ كلمَات إِذَا أصبح وإِذَا أمسي فلا يخلص إليه.
قال الرجل فَلَمَّا أصبحت قُلْتُ لأهلي جهزوني فأتيت الْمَدِينَة فسألت عنهُ حتي دللت عَلَيْهِ فإِذَا شيخ فقُلْتُ شيئاً تقوله إِذَا أصبحت وإِذَا أمسيت.
فأبي أن يخبرني فأخبرته بما رَأَيْت وبما سمعت فَقَالَ ما هُوَ غَيْر أني أَقُول إِذَا أصبحت.
آمنت بِاللهِ العَظِيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم.
إِذَا أصبحت قُلْتُ ثلاث مرات وإِذَا أمسيت قُلْتُ ثلاث مرات.
وعن ابن عباس أنه قال إن الشياطين قَالُوا لإبلَيْسَ يا سيدنا إنا لنفرح بموت العَالم ما لا نفرح بموت العابد والعَالم لا نصيب منه.
قال انطلقوا فانطلقوا إلي عابد وأتوه فِي عبادته فَقَالُوا نريد أن نسألك فَقَالَ سل.
فَقَالَ إبلَيْسُ هل يقدر ربك أن يجعل الدُّنْيَا فِي جوف بيضة قال لا أدري قال أترونه كفر فِي سماعه.
ثُمَّ جَاءَ إلي رجل عَالم فِي حلقة يضاحك أصحابه فَقَالُوا إنا نريد أن نسألك فَقَالَ سل.
فَقَالَ هل يقدر ربك أن يجعل الدُّنْيَا فِي جوف بيضة قال نعم قال كيف.
قال يَقُولُ كن فيكون، قال أترون ذَلِكَ لا يعدو نَفْسهُ هَذَا يفسد عَلَىَّ عالَمَاً كثيراً.
стр. 2373
.. حَيَاتُكَ فِي الدُّنْيَا قَلِيْلُ بَقاؤُهَا ... وَدُنْيَاكَ يَا هَذَا شَدِيْدُ عناؤُهَا
وَلاَ خَيْرَ فِيه غَيْرَ زَادٍ مِنَ التَّقَي ... يُنَالُ بِهِ جَنَّاتُ عَدْنٍ وَمَاؤُهَا
بَلَى إِنّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ مَطِيّةً ... عَلَيْهَا بُلُوغُ الْخَيْرِ وَالشَرُّ دَاؤُهَا
وَمَنْ يَزْرَعِ التَقْوى بِهَا سَوْفَ يَجْتَنِي ... ثِمَاراً مِنَ الفِرْدَوْسِ طَابَ جَنَاؤُهَا
نُؤَمّلُ أَنْ نَبْقَى بِهَا غَيْرَ أَنَّنَا ... عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ الْمَمَاتَ انْتِهَاؤُهَا
فَكُنْ أَيُهَا الإنسان فِي الْخَيْرِ رَاغِباً ... يَلُوحُ مِنَ الطَّاعَاتِ فِيكَ بَهَاؤُهَا
وَجَانِبْ سَبِيْلَ الغَيِّ وَاتْرُكْ مَعَاصِياً ... يُذِيبُكَ مِنْ نَّارِ الجَحِيْمِ لَظَاؤُهَا
فَلاَبُدَّ يَوْماً أَنْ تَمُوْتَ بِمَشْهَدٍ ... يُسَاعِدُ مَنْ نَاحَتْ عَلَيْكَ بُكَاؤُهَا
وَتَنْزِل قَبْراً – لاَ أَبَالَكَ – مُوْحِشاً ... تَكُونُ ثَرَى أَمْ عَلَيْكَ ثَرَاؤُهَا
وَتَبْقَى بِهِ ثَاوٍ إِلى الحَشْرِ وَالجَزَا ... وَنَفْسُكَ يَبْدُو فِي الحِسَابِ جَزَاؤُهَا
فَإِمَّا تَكُونُ النَّفْسُ ثَمَّ سَعِيدَةً ... فَطُوْبَى وَإلا فَالضَّرِيْعُ غِذاؤُهَا
يُسَاقُ جَمِيْعُ النَّاسِ فِي مَوْقِفِ القَضَا ... وَتُنْشَرُ أَعْمَالٌ يَبِيْنُ وَبَاؤُهَا
هُنَالِكَ تَبْدُو لِلْعِبَادِ صَحَائِفٌ ... فَتُوضَعُ فِي المِيْزَانِ وَالذَنْبُ دَاؤُهَا
وَكم مِنْ ذَلِيْلٍ آخِذٍ بِشِمَالِهِ ... صَحِيفَتَهُ السَّوْدَا الشَّدِيدُ بَلاَؤُهَا
وَآخَرُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ آخِذٌ ... صَحِيفَتَهُ البَيْضَاءَ طَابَ لِقَاؤُهَا
فَيَأْتِي نَبِيُّ اللهِ لِلرَّبِ سَاجِداً ... فَيُثْنِي بِنَعْمَاءِ يَجْلُّ ثَنَاؤُهَا
فَيْدْعُوْهُ رَبُّ العَرْشِ: سَلْنِي فَإِنَّنِي ... لِنَفْسِكَ بِالمَحْبُوْبِ عِنْدِي رِضَاؤُهَا
فَقَالَ: إِلَهِي أُمَّتِي مِنْكَ تَرْتَجْيِ ... لأَشْفَعَ بَعْدَ الإذْنِ فَهْوَ مُنَاؤُهَا
فَيُعْطِيهِ مَوْلاَهُ الكَرِيْمُ شَفَاعَةً ... لأُمَّتِهِ الغَرَّاءِ طَابَ هَنَاؤُهَا
стр. 2374
فَيَرْجِعُ طَهَ مُسْتَقِيْمٌ سُرُورُهُ ... تَخَالُ بِهِ البُشْرَى جَلِياً ضِيَاؤُهَا
فَيَحْمَدُ مَوْلاَهُ الجَلِيْلَ ثَنَاؤُهُ ... عَلَى نِعَمٍ لاَ يُسْتَطَاعُ انْحِصَاؤُهَا
هُنَالِكَ أَمِّ المُصْطَفَى جَنَّةَ العَلاَ ... وَأُمَّتُهُ تَقْفُوْا كَذَا شُهَدَاؤُهَا
وَيَسْقِي رَسُولُ اللهِ مَنْ شَاءَ كَوْثَراً ... بَآنِيَةٍ عَدَّ النَّجُومِ اقْتِفَاؤُهَا
فَيَارِبُّ أَوْرِدْنَا جَمِيْعاً لِحَوْضِهِ ... لِتُرْوَى نُفُوْسٌ مِنْهُ طَالَ ظَمَاؤُهَا
وَأتْمِمْ لَنَا حُسْنَ الخِتَامِ إِذَا دَنَتْ ... وَفَاةٌ وَحَانَتْ لِلْحَيَاةِ انْمِحَاؤُهَا
وَهَوِّنْ عَلَى الرُّوْحِ الْمَمَاتَ فَإِنَّهَا ... تُحِبُّ البَقَا لَكِنْ لِقَاكَ هَواؤُهَا
وفِي القَبْرِ ثَبْتْهَا عَلَى قُوْلِكَ الهُدَى ... إِذَا سُئٍلَتْ كَيْ يَسْتَقِيْمَ بَقَاؤُهَا
وَإِنْ نُفِخَتْ فِي الصُّوْرِ نَفْخَةُ بَعْثِنَا ... فَقُلْ أَنْتُمُ أَهْلُ اليَمْيِنِ أولاَؤُهَا
فنَحْنُ اعْتَمَدنَا الفَضْلَ مِنْكَ مَعَ الرَّجَا ... فَحَقَّقْ رَجَا نَفْسٍ لَدَيْكَ رَجَاؤُهَا
وَصَلِّ عَلَى المُخْتَارِ طَهَ مُحَمَّدٍ ... شَفِيعِ البَرَايَا يَوْمَ يَأْتِي نِدَاؤُهَا
وَآلِ وَأَصْحَابِ مَدَى الدَّهْرِ مَا بَدَا ... نَهَارٌ وَمَا جَنَّ اللَّيَالِي دُجَاؤُهَا
انتهى
اللَّهُمَّ إنك تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمَعَ كلامنا وتري مكاننا لا يخفِي عَلَيْكَ شيء من أمرنا نَحْنُ البؤساء الفقراء إليك المستغيثون المستجيرون بك نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات ويقيم علم الجهاد ويقمَع أَهْل الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
موعظة
إخواني أين أحبابكم الَّذِينَ سلفوا أين أترابكم الَّذِينَ رحلوا وانصرفوا، أين أصحاب الأموال وما خلفوا.
стр. 2375
ندموا والله عَلَى التفريط يا ليتهم عرفوا هول مقام يشيب منه الوليد، إِذَا ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .
فواعجباً لك كُلَّما دعيت إلي الله توانيت، وكُلَّما حركتك المواعظ إلي الخيرات أبيت، وعَلَى غيك وجهلك تماديت، وَكم حذرت من المنون فما التفت إلي قول الناصح وتركته وما باليت.
يا من جسده حي ولكن قَلْبهُ ميت، ستعاين عِنْدَ قدوم هادم اللذات ما لا تشتهي وتريد ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ .
كم أزعج الموت نفوساً من ديارها، وَكم أتلف البلي من أجساد منعمة لم يدارها، وَكم أذل فِي التُّرَاب وجوها ناعمة بعد رفعتها واستقرارها.
انتبه يا أخي فالدُّنْيَا أضغاث أحلام، ودار فناء لَيْسَتْ بدار مقام، ستعرف وتفهم نصحي لك بعد أيام.
وما غاب عنكَ ستراه عَلَى التمام إِذَا أكشف الغطاء عنكَ وصار بصرك حديد، وهناك تندم ولات ساعة ندم.
شِعْراً:
قُلْ لِلَّذِي أَلِفَ الذُّنُوبَ وأجْرَمَا ... وغَدَ عَلَى زَلاَّتِهِ مُتَنَدِمَا
لاَ تَيْأَسَنْ واطْلُبَ كَرِيماً دَائِمَاً ... يُوْلِي الجَمِيْل تَفَضُلاً وتَكَرُّمَا
يَا مَعْشَرَ العَاصِيْنَ جُوْدٌ وَاسِعٌ ... عِنْدَ الإلَه لِمَنْ يَتُوبُ ويَنْدَمَا
يَا أَيُّهَا الْعَبْدُ المُسِيء إِلى مَتَى ... تُفْني زَمَانَكَ فِي عَسَى ولَرُبَّمَا
بَادِرْ إِلى مَوْلاَكَ يَا مَنْ عُمْرُهُ ... قَدْ ضَاعَ فِي عِصْيَانِهِ وتَصَرَّمَا
واسْأَلَهُ تَوفِيقاً وعَفْواً ثُمَّ قُلْ ... يَا رَّبُ بَصِرْنِي وَزِلْ عني الْعَمَا
ثُمَّ الصَّلاَة عَلَى النَّبِيّ أَجَلُّ مَنْ ... قَدْ خُصَّ بِالتَّقْرِيْبِ مِنْ رَّبِ السَّمَا
стр. 2376
وعَلَى صَحَابَتِهِ الأفَاضَلِ كُلّهِمِ ... مَا سَبَّحَ الدّاعِي الإلَه وعَظَّمَا
اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك حزبك المفلحين، وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك المخلصين، وآمنا يوم الفزع الأكبر يوم الدين، واحشرنا مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قال أحد العلماء:
اعلم أن الْقَلْب كالحصن وعَلَى ذَلِكَ الحصن سور وللسور أبواب وفِيه ثُلَمٌ وساكنه العقل والملائكة تتردد إلي ذَلِكَ الحصن وإلي جانب الحصن ريض (وَهُوَ المكَانَ يؤوي إليه)
وفِيه الهَوَى والشياطين تختلف إلي ذَلِكَ الريض من غَيْر مانع والحرب قائم بين أَهْل الحصن وأَهْل الريض والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غَفْلَة الحارس والعبور من بعض الثلم وأن لا يفتر الحراسة لحظة فإن الْعَدُوّ لا يفتر.
وينحصر الشيطان فِي ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتي ينال منه واحداً منها أو أكثر.
أحدها شر الكفر والشرك.
ثانياً البدعة.
ثالثا كبائر الذُّنُوب.
رابعاً الصغائر.
ثُمَّ الاشتغال بالمباحات عن الاستكثار من الطاعات
стр. 2377
ثُمَّ الاشتغال بالمفضول عن الفاضل.
والأسباب التي يعتصم بِهَا الْعَبْد من الشيطان عشرة.
أولها الاستعاذة بِاللهِ.
ثانياً قراءة المعوذتين.
ثالثا قراءة آية الكرسي.
رابعاً قراءة البقرة.
خامساً قراءة أول سورة حم المُؤْمِن إلي ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ .
سابعاً لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ له الملك والحمد وَهُوَ عَلَى كُلّ شيء قدير مائة مرة.
ثامناً كثرة ذكر الله.
تاسعاً الوضوء مَعَ الصَّلاة.
عاشراً إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة النَّاس. انتهي وختاماً فأَهْل التقوي لا يتعذرعَلَيْهمْ سد أبواب الشيطان وحفظها بالحراسة أي الأبواب الظاهرة والطرق الجلية التي تفضي إلي المعاصي الظاهرة.
وإنما يتعثرون فِي طرقه الغامضة فَأنَّهُمْ لا يهتدون إليها فيحرسونها لأن الأبواب المفتوحة إلي الْقَلْب للشيطان كثيرة.
وباب الملائكة باب واحد وقَدْ التبس ذَلِكَ الْبَاب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة، فالْعَبْد فيها كالمسافر الَّذِي يبقي فِي بادية كثيرة الطرق غامضة.
المسالك فِي ليلة مظلمة فلا يكاد يعلم الطَرِيق إلا بعين بصيرة وطلوع شمس مشرقة.
والعين البصيرة هاهنا هِيَ الْقَلْب المصفِي بالتقوي والشمس المشرقة هي
стр. 2378
العلم العزير المستفاد من كتاب الله وسنة رسوله ? فيما يهتدي به إلي غوامض طرقه وإلا فطرقة كثيرة وغامضة.
قال عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ خط لنا رسول الله ? يَوْماً خطاً وَقَالَ " هَذَا سبيل الله " ثُمَّ خط خطوطاً عن يمين الخط وعن شماله ثُمَّ قال " هذه سبل عَلَى كُلّ سبيل شيطان يدعو إليه ".
ثُمَّ تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عن سَبِيلِهِ﴾ .
وَقَالَ أحد العلماء يجب عَلَى المُؤْمِن أن يحب العلماء العاملين بعلمهم حَقِيقَة البعيدين عن الانهماك فِي الدُّنْيَا البعيدين عن الرياء وحب الشهرة والظهور والوقوع فِي أعراض النَّاس الغافلين.
السالمين من الحسد والكبر والعجب ويلازم مجالسهم ويسألهم عما أشكل عَلَيْهِ ويتعظ بنصحهم.
ويجتنب الأعمال القبيحة ويتخذ الشيطان عدواً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ .
أي فعادوه بطاعة الله تعالى ولا تطيعوه فِي معاصي الله تعالى وكونوا عَلَى حذر منه فِي جَمِيع أحوالكمْ وأفعالكمْ وعقائدكمْ.
وإِذَا فعلتم فعلاً فتفطنوا لَهُ فإنه ربما يدخل عليكم الرياء، ويزين لكم القبائح والفواحش واستعينوا عَلَيْهِ بربكم، وتعوذوا بِاللهِ منه.
المهم أنك إِذَا علمت أن الشيطان لعنه الله لا يغفل عنكَ أبداً فلا تغفل عمن ناصيتك بيده وَهُوَ الله ﷻ وتقدست أسماؤه وصفاته الزم ذكره وحمده وشكره.
فالشيطان عدو مسلط عَلَى الإنسان ومقتضي ذَلِكَ أن لا يوَجَدَ منه غَفْلَة ولا فترة عَن التزيين والإغواء والإضلال.
стр. 2379
قال تعالى إخباراً عما قاله إبلَيْسُ: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعن أَيْمَانهمْ وَعن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ .
اللَّهُمَّ اجعلنا من المتقين الأبْرَار وأسكنا معهم فِي دار القرار، اللَّهُمَّ وفقنا بحسن الإقبال عَلَيْكَ والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون فِي طَاعَتكَ والمبادرة إلي خدمتك وحسن الأدب فِي معاملتك والتسليم لأَمْرِكَ والرِّضَا بقضائك والصبر عَلَى بَلائِكَ وَالشُّكْر لنعمائك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله أجمعين.
(فَصْلٌ)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكم عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ الآية
إِذَا فهمت ذَلِكَ فعَلَيْكَ بتحقيق العبودية لله، والتوكل عَلَيْهِ، والافتقار فِي أحوالك إليه، واستعاذتك به من شر عَدُوّكَ وعدوه، فبذَلِكَ تنجو من سلطته، وتنجو من غائلته.
قال الله جَلَّ وَعَلا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
فمن تحقق بهذه الصفات العلية من الإيمان بِاللهِ تعالى، والعبودية به والتوكل عَلَيْهِ، واللجَاء والافتقار إليه، والاستعاذة، والاستجارة به، كيف يكون لعدو الله عَلَيْهِ سلطان، والله حبيبه وولي حفظه ونصره.
وفِي وصية رسول الله ? لابن عباس: " احفظ الله يحفظك احفظ الله
стр. 2380
تجده أمامك تعرف إلي الله فِي الرخاء يعرفك فِي الشدة ".
فالشأن فِي الْعَبْد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقَلْبه بحيث تجده قريباً منه يستأنس به فِي خلوته ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته.
ولا يجد ذَلِكَ إلا من أطاعه فِي سره وعلانيته ومتي وَجَدَ الْعَبْد هَذَا فقَدْ عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة.
فإِذَا سأله أعطاه وإِذَا دعاه أجابه والْعَبْد لا يزال فِي كرب وشدائد فِي الدُّنْيَا، وفِي البرزخ، وفِي الموقف، فإِذَا كَانَ بينه وبين ربه معرفة خاصة كفاه الله ذَلِكَ كله.
وهَذَا هُوَ المشار إليه فِي وصية رسول الله ? لابن عباس تعرف إلي الله فِي الرخاء يعرفك فِي الشدة.
فالعلم ما عرف الْعَبْد ربه، ودله عَلَيْهِ حتي عرفه، ووحده وأكثر من ذكره، وحمده وشكره وأنس به، واستحيا من قربه، وعبده كأنه يراه.
فالشأن كله فِي أن الْعَبْد يستدل بالعلم عَلَى ربه، فيعرفه فإِذَا عرف ربه فقَدْ وجده منه قريباً، ومتي وجده منه قريباً قربه إليه وأجاب دعاءه.
كما فِي الأثر الإسرائيلي ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كُلّ شيء.
فأصل العلم العلم بِاللهِ الَّذِي يوجب خشيته ومحبته والقرب منه والإنس به، ثُمَّ يتلوه العلم بأحكام الله، وما يحبه ويرضاه من الْعَبْد من قول أو عمل أو حال أو اعتقاد.
فمن تحقق بهذين العلمين كَانَ علمه عِلماً نافعاً، وحصل لَهُ العلم النافع والْقَلْب الخاشع والنفس القانعة والدُّعَاء المسموع.
стр. 2381
ومن فاته هَذَا العلم النافع وقع فِي الأربع التي استعاذ منه النَّبِيّ ?، وصار علمه وبإلا وحجةً عَلَيْهِ فلم يتنفع به.
لأنه لم يخشع قَلْبهُ لربه ولم تشبع نَفْسهُ من الدُّنْيَا، بل ازداد حرصاً عَلَيْهَا وطلباً لها، ولم يسمَع دعاؤه، لعدم امتثاله لأوامر ربه، وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه.
هَذَا إن كَانَ علمه عِلماً يمكن الانتفاع به وَهُوَ المتلقي عن اْلكِتَاب والسنة.
فإن كَانَ متلقي من غَيْر ذَلِكَ فهو غَيْر نافع فِي نَفْسه ولا يمكن الانتفاع به بل ضرره أكثر من نفعه.
وعلامة هَذَا العلم الَّذِي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء وطلب العلو والرفعة فِي الدُّنْيَا والمنافسة فيها وطلب مباهاة العلماء ومماراة السفهاء ويصرف به وجوه النَّاس
وقَدْ ورد عن النَّبِيّ ? أن من طلب العلم ليجاريَ به العلماء أو ليماريَ به السفهاء ويصرف به وجوه النَّاس أدخله الله النار.
ولبعض العلماء:
يَقُولُونَ لِي هَلاَّ نَهَضَتَ إِلى العُلاَ ... فَمَا لَذَّ عَيْشُ الصَّابِرِ المُتَقَنِّعِ
وَهَلاَ شَدَدْتَ العِيْسَ حَتَى تَحُلَّها ... بِمِصْرٍ إِلى ظِلِ الجَنَابِ المُرَفِعِ
فَفِيها قُضَاةٌ لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهُمُوا ... تَعَيَّنُ كَوْنَ العِمْ ِغَيْرَ مُضَيَّعِ
وَفِيها شُيُوخُ الدِيْنِ وَالفَضْلِ وَالأوْلَى ... يُشِيْرُ إِليْهِمْ بَالعُلاَ كُلُّ أُصْبُعِ
وَفِيها وَفِيها وَالمَهَانَةُ ذِلَّةٌ ... فَقُمُ واسْعَ وَاقْصِدْ بَابَ رِزْقِكَ وَاقْرَعِ
فقُلْتُ نَعْمْ أَسْعَى إِذَا شِئْتُ أَنْ أُرِى ... ذَلِيْلاً مُهَاناً مُسْتَخَفاً بِمَوَضِعِي
وَأَسْعَى إِذَا مَا لَذَّ لي طُوْلُ مَوْقِفِي ... عَلَى بَابِ مَحْجُوْبِ اللِقَاءِ مُمَنَّعِ
وَأَسْعَى إِذَا كَانَ النِفَاقُ طَرِيْقَتِي ... أَرُوْحُ وَأَغْدُوْ فِي ثِيَابِ التَّصَنُّعِ
وَأَسْعَى إِذَا لم يَبْقَ فِي بَقِيَّةٌ ... أُرَاعِيْ بِهَا حَقَّ التُّقَى وَالتَّوَرُعِ
стр. 2382
.. فَكم بَيْنَ أَرْبَابِ الصُدُوْرِ مَجَالِساً ... تُشَبُّ بِهَا نَّارُ الغَضَى بَيْنَ أَضْلُعِيْ
وَكم بَيْنَ أَرْبَابِ العُلُوْمِ وَأَهْلِهَا ... إِذَا بَحَثُوْا فِي المُشْكِلاَتِ بِمَجْمَعِ
مُنَاظَرَةً تُحْمِي النُّفُوسَ فَتَنْتَهِي ... وَقَدْ شَرَعُوا فِيها إِلى شَرِّ مَشْرَعِ
إِلى السَّفَهِ المُزْرِيْ بِمَنْصِبِ أَهْلِهِ ... أَوْ الصَّمْتِ عن حَقٍ هُنَاكَ مُضَيَّعِ
فَإِمَّا تَوَقَّى مَسْلَكَ الدِيْنِ وَالتُقَى ... وَإِمَا تَلَقَّى عُصَّة المُتَجَرّعِ
آخر: ... أنِسْتُ بِلأَوَاءِ الزَمَانِ وَذِلِهِ ... فَيَا عِزَّةَ الدُّنْيَا عَلَيْكِ سَلاَمُ
إِلى كم أُعَانِي تِيْهَهَا وَدَلاَلَهَا ... أَلم يَأْنِ عنهَا سَلْوُة وَسَامُ
وقَدْ أَخْلَقَ الأيَّامُ جِلْبَابَ حُسْنِهَا ... وَأَضْحَتْ وَدِيْبَاجُ البَهَاءِ مَسَامُ
عَلَى حِيْنِ شَيْبٍّ قَدْ ألَمَّ بَمَفْرِقِي ... وَعَادَ رُهَامُ الشَّعْرِ وَهُوَ ثَغَامُ
طَلاَئِعُ ضَعْفٍ قَدْ أَغَارَتْ عَلَى القُوَى ... وَثَارَ بِمَيْدَانِ المِزَاجِ قَتَامُ
فَلاَ هِيَ فِي بُرْجِ الجَمَالِ مُقِيْمَةٌ ... وَلاَ أَنَا فِي عَهْدِ المُجُونِ مُدَامُ
تَقَطَّعَتْ الأسْبَابُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... ولم يَبْقَ فِينَا نِسْبَةٌ وَلِئَامُ
وَعَادَتْ قَلُوصُ العَزْمِ عَنِّي كَلِيْلَةً ... وقَدْ جُبَّ مِنْهَا غَارِبٌ وَسَنَامُ
كَأَنِّي بِهَا والْقَلْبُ زُمَّتْ رِكَابُهُ ... وَقِّوَض أَبْيَاتٌ لَهُ وَخِيَامُ
وَسِيْقَتْ إِلى دَارِ الخُمُولِ حُمُولُهُ ... يَحُنُّ إِلَيْهَا وَالدُمُوعُ رُهَامُ
حَنِيْنَ عَجُولٍ غَرَّهَا البَوُّ فَانْثَنَتْ ... إِلَيْهِ وَفِيها أَنَّةٌ وَضُغَامُ
تَوَلَّتْ لَيَالٍ لِلْمَسَرَّاتِ وَانْقَضَتْ ... لِكُلِّ زَمَانٍ غَايَةٌ وَتَمَامُ
فَسَرْعَانَ مَا مَرَّتْ وَوَلَّتْ وَلَيْتَهَا ... تَدُوْمُ وَلَكِنْ مَا لَهُنَّ دَوَامُ
دُهُورٌ تَقَضَّتْ بِالمَسَرَّاتِ سَاعَةً ... وَيَوْمُ تَوَلَّى بِالمَسَاءَةِ عَامُ
فَلِلَّهِ دَرُّ الغَمِ حَيْثُ أَمَدَّنِي ... بِطُولِ حَيَاةٍ والهُمُومُ سِهَامُ
стр. 2383
أَسِيْرُ بِتَيْمَاءِ التَّحَيُرِ مُفْرَداً ... وَلِي مَعَ صَحْبِي عِشْرَةٌ وَنَدَامُ
وَكم عِشْرَةٍ مَا أَوْرَثَتْ غَيْرَ عُسْرَةٍ ... وَرُبَّ كَلاَمِ فِي القُلُوبِ كُلاَمُ
فَمَا عِشْتُ لاَ أنْسَى حُقُوقَ صَنِيْعِهِ ... وَهَيْهَاتَ أَنْ يُنْسَى لَدَيَّ ذِمَامُ
كَمَا اعْتَادَ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ وَأَجْمَعَتْ ... عَلَيْهِ فِئَامٌ إِثْرَ ذَاكَ قِيَامُ
خَبَتْ نَارُ أعْلاَمِ المَعَارِفِ وَالهُدَى ... وَشُبَّ لِنِيْرَانِ الضَّلاَلِ ضُرَامُ
وكَانَ سَرِيْرُ العِلْمِ صَرْحاً مُمَرَّداً ... ... يُنَاغِي القِبَابَ السَّبْعَ وَهِي عِظَامُ
مَتِيْناً رَفِيعاً لاَ يُطَارُ غُرابُهُ ... عَزيْزاً مَنِيْعاً لاَ يَكَادُ يُرَامُ
يَلُوحُ سَنَا بَرْقِ الهُدَى مِنْ بُرُوْجِهِ ... كَبَرْقٍ بَدَا بَيْنَ السِّحَابِ يُشَامُ
فَجَرَّتْ عَلَيْهِ الرَاسِيَاتُ ذُيُولَهَا ... فَخَرَّتْ عُرُوشٌ مِنْهُ ثُمَّ دَعَامُ
وَسِيْقَ إِلى دَارِ المُهَانَةِ أهْلُهُ ... مَسَاقَ أَسَيْرٍ لاَ يَزَالُ يُضَامُ
كَذَا تَجْرِيَ الأيَّامُ بَيْنَ الوَرَى عَلَى ... طَرَائِقَ مِنْهَا جَائِرٌ وَقَوَامُ
فَمَا كُلُّ مَا قَدْ قِيْلَ عِلْمٌ وَحِكْمَةٌ ... وَمَا كُلُّ أَفْرَادِ الحَدِيْدِ حُسَامُ
وَلِلدَّهْرِ ثَارَاتٌ تَمْرُّ عَلَى الفَتَى ... نَعِيْمٌ وَبُؤْسٌ، صِحَّةٌ وَسَقَامُ
وَمَنْ يَكُ فِي الدُّنْيَا فَلاَ يَعْتِبَّنْهَا ... فلَيْسَ عَلَيْهَا مَعْتَبٌ وَمَلاَمُ
أَجِدَّكَ مَا الدُّنْيَا وَمَاذَا مَتَاعُهَا ... وَمَاذَا الَّذِي تَبْغِيْهِ فَهُوَ حُطَامُ
تَشَكَّلَ فِيها كُلُّ شَيِءٍ بِشَكْلِ مَا ... يُعَانِدُهُ وَالنَّاسُ عنهُ نِيَامُ
تَرَى النَّقْصَ فِي زِي الكَمَالِ كَأَنَّمَا ... عَلَى رَأْسِ رَبَّاتِ الحِجَالِ عِمَامُ
فَدَعْهَا وَنَعْمَاهَا هَنِيْئاً لأَهْلِهَا ... وَلاَ تَكُ فِيها رَاعِياً وَسَوَامُ
تَعَافُ العَرَانِيْنُ السِمَّاطَ عَلَى الخِوَى ... إِذَا مَا تَصَدَّى لِلطَّعَامِ طَغَامُ
عَلَى أَنَّهَا لاَ يُسْتَطَاعُ مَنَالُهَا ... لِمَا لَيْسَ فِيه عُرْوَةٌ وَعِصَامُ
ولَوْ أَنْتَ تَسْعَى إِثْرَهَا أَلْفُ حَجَّةٍ ... وَقَدْ جَاوَزَ الطِبْيَيْنِ مِنْكَ جِزَامُ
стр. 2384
.. رَجَعْتَ وقَدْ ضَلَّتْ مَسَاعِيْكَ كُلُّهَا ... بِخُفَيْ حُنَيْنٍ لاَ تَزَالُ تُلامُ
هَبِ إِنَّ مَقَالِيْدَ الأمُورِ مَلَكْتَهَا ... وَدَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ هُمَامُ
وَمُتِّعْتَ باللَّذْاتِ دَهْراً بِغِبْطَةٍ ... ألَيْسَ بِحَتْمً بَعْدَ ذَلِكَ حِمَامُ
فَبَيْنَ البَرايَا والخُلُودِ تَبَايُنٌ ... وبَيْنَ الْمَنَايَا والنُّفُوسِ لِزَامُ
قَضَيَّة أنْقادَ الأنَامُ لِحُكْمِهَا ... ومَا حَادَ عنهَا سَيِدٌ وغُلاَمُ
ضَرُورْيَةُ تَقِضْيْ العُقُولُ بِصِدْقِهَا ... سَلْ إِنْ كَانَ فِيها مِرْيَةٌ وخِصَامُ
سَلْ الأرض عن حَالِ المُلُوكِ الَّتِي خَلَتْ ... لَهُمْ فَوقَ، فَوقَ الفْرْقَدَيْنِ مَقَامُ
اِبوْابِهْمِ لِلوافِدْيْنَ تَرَاكُمُ ... بِأعْتَابِهِم لِلعَاكِفْيِنَ زِحَامُ
تُجْبكَ عن أَسْرارِ السُيُوفِ الَّتِي جَرَتْ ... عَلَيْهِمْ جَواباً لَيْسَ فِيه كَلاَمُ
بِأْنَّ الْمَنَايَا أَقَصْدَتْهمُ نِبَالُهَا ... ومَا طَاشَ عن مَرْمَى لَهُنَّ سِهَامُ ...
وَسيِقُوا مَسَاقَ الغَابِرينَ إَلى الرَدَي ... وَأْفْقَرَ مِنْهُمْ مَزَلٌ وَمَقَامُ
وَحُلوا مَحَلاً غَيْرَ مَا يَعْهَدُوْنَهُ ... فلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى القِيَامُ قِيَامُ
ألَمَّ بِهِمْ رَيبُ المَنُوْنِ فَعَالَهُمْ ... فَهُمْ بَيْنَ أَطْبَاقِ الرُغَامِ رُغَامُ
اللَّهُمَّ خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأبْرَار واصرف عنا شر الأشْرَار واعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يا عزيز يا غفار يا كريم يا ستار ويا حليم يا جبار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
فِي فضائل الاستغفار
يستحب الإكثار من الاستغفار فِي كُلّ وَقْت، ويتأكد فِي الزمان الفاضل، والمكَانَ الفاضل، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ﴾ وَقَالَ: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَقَالَ تعالى، مخبراً
стр. 2385
عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكم جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكم أَنْهَاراً﴾ الاية، وَقَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللهُ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلم نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
وعن شداد بن أوس – ﵁ – عن النَّبِيّ ? قال: " سيد الاستغفار أن يَقُولُ الْعَبْد: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إله إلا أَنْتَ، خلقتني وأنَا عبدك، وانَا عَلَى عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عَلَى، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذُّنُوب إلا أَنْتَ ".
وعن ابن عمر – ﵄ – قال: إنَا كنا لنعد لِرَسُولِ اللهِ صلي الله عَلَيْهِ وسلم فِي المجلس يَقُولُ: " رب إغفر لي، وتب عَلَى، إنك أَنْتَ التواب الغفور " مائة مرة.
وعن عَبْد اللهِ بن بسر – ﵁ – قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " طوبي لمن وَجَدَ فِي صحيفته: استغفاراً كثيراً ".
وعن أَبِي هُرَيْرَةِ – ﵁ – قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح فِي الْجَنَّة فَيَقُولُ: يا رب، أني لي هذه؟ فَيَقُولُ: باستغفار ولدك لك ".
وعن ابن عباس – ﵄ – قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " من لزم الاستغفار جعل الله لَهُ من كُلّ هم فرجاً ومن كُلّ ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ".
следующие страницы →