← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

.. فَبَاتَ وَمَا يُرَوَّعُ مِنْ زَوَالٍ صَحِيْحَاً ثُمَّ أَصْبَحَ ذَا شِكَاتِ فَبَاكَرهُ الطَّبِيْبُ فَرِيْعَ لَمَّا رَآهُ لاَ يُجِيْبُ إَلى الدُّعَاةِ فَلَوْ أَنَّ المُفَرِّطَ وَهُوَ حَيٌ تَوْخَّى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ لَفَازَ بِغِبْطَةٍ وَأَصَابَ حَظَاً وَلم يَغْشَ الامُوْرَ المُوْبِقَاتِ فَيَالَكِ عِنَدَهَا عِظَةً لِحَيٍ وَيَا لَكِ مِنْ قُلُوبٍ قَاسِيَاتِ وَكُلُ أَخِي ثَرَاءٍ سَوْفَ يُمْسِي عَدِيمَاً والجَمِيْعُ إِلى شَتَاتِ كَأَنْ لم يُلْفَ شَيْءٌ مَا تَقَضَّى وَلَيْسَ بِفَائِتٍ مَا سَوْفَ يَأْتِي ... >? اللَّهُمَّ إنَا نعوذ بك من سوء الِقَضَاءِ وشماتة الأعداء، وعضال الداء، وخيبة الرجَاءَ وزَوَال النعمة وفجأة النقمة، ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ وللكبرعلاج قَدْ ذكره العلماء: أولاً أن يعرف الإنسان ربه ويعرف نَفْسهُ، فإنه إِذَا عرف ربه حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بِاللهِ، وإِذَا عرف نَفْسهُ علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ .

стр. 2312

وَقَالَ تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ ففِي الآيات الإشارة إلي خلق الإنسان وإلي آخر أمره وإلي وسطه، أما أوله فهو أنه لم يكن شيئاً مذكوراً وقَدْ كَانَ فِي حيز العدم دهوراً، ثُمَّ خلقه العزيز الحكيم من تراب ثُمَّ من نطفة ثُمَّ من علقة ثُمَّ من مضغة ثُمَّ جعله عظاماً ثُمَّ كسا العظام لحماً، فقَدْ كَانَ هَذَا بداية وجوده أولاً جماداً لا يسمَعَ ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم، كَذَا خلقه الله. ثُمَّ امتن عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ أي بينه وأوضحه وسهله، كما فِي قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ فالله جَلَّ وَعَلا هُوَ الَّذِي أحيا الإنسان بعد أن كَانَ جماداً ميتاً، تراباً أولاً ونطفة ثانياً، وأسمعه بعد أن كَانَ أصم وبصره بعد ما كَانَ فاقَدْ البصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، كما قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . فمن كَانَ هَذَا أوله، وهذه أحواله، فمن أين لَهُ البطر والأشر والكبرياء والخيلاء؟ وَهُوَ الضعيف الحقير بِالنِّسْبَةِ إلي قدرة البارئ جَلَّ وَعَلا كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ وَقَالَ: ﴿خلقناهم مِمَّا يعلمون﴾ وَقَالَ: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ﴾ فليتأمل العاقل هل يليق الكبر بمن هَذَا أوله، وآخره أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته وجماله وَجَمِيع أحواله، فيعود كما كَانَ أولاً جماداً، لا يبقي إلا شكل أعضائه وصورته فِيه ولا حركة، ثُمَّ يوضع فِيه ذَا التُّرَاب فيصير جيفة منتناً، كما كَانَ فِي الأول نطفة مذرة، تبلي أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه ويصير رميماً وفاتاً ويأكل الدود أجزاءه،

стр. 2313

ويكون جيفةً يهرب منه كُلّ حيوان ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كَانَ، ثُمَّ يحييه الَّذِي خلقه أول مرة فيقاسي البَلاء والشدائد وأهوال المعجزات، فيخرج من قبره كما أخبر تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ فينظر إلي قيامة قائمة، وسماء منفرجة مشققة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويري صحائف منشورة، فَيُقَالُ: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ فِيه جَمِيع عمله من أوله إلي آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . فما لمن هَذَا حاله ومآلهُ والتكبر والتعاظم والتجبر، بل مآله وللفرح فِي لحظة واحدة، فضلاً عن الأشر والبطر، قال ?: " لَوْ تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء عَلَى الفرش ". فهَذَا من أحسن الطرق لتذليل النفس وحملها عَلَى الخضوع التواضع لله الَّذِي لَهُ الكبرياء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم. وأما العلاج الثاني فهو: التواضع لله بالْفِعْل ولسائر الخلق بالمواظبة عَلَى أَخْلاق المتواضعين المتبعين لطريقة سيد المرسلين ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود " إنما أَنَا عبد آكل كما يأكل العبد" وقَدْ ذكرنا نموذجاً من تواضعه ? فِي فضل التواضع من أحب الزيادة فيرجع إليه قال بعض من رضي بالكفاف وقنعه

стр. 2314

الله بما آتاه ومن عَلَيْهِ بالتواضع. ... أَيَا لاَئِمِي مَالِي سِوَى البَيْتِ مَوْضِعٌ أَرَى فِيه عِزاً إِنَّهُ لِي أَنْفَعُ فِرِاشِي وَنَطْعِي فَرْوَتِي فَرَجِيْتِي لِحَافِي وَأَكْلِيْ مَا يَسُدُ وَيُشْبِعُ وَمَرْكُوْبِيَ الآنَ الأتَانُ وَنَجْلُهَا لأَخَلاَقِ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالعِلْمِ أَتْبَعُ وَقَدْ يَسَرَ اللهُ الكَرِيْمُ بِفَضْلِهِ غِنَى النَّفْسِ مَعَ شَيْءٍ بِهِ أَتَقَنَّعُ أوْفِرُهُ لِلأَهْلِ خَوْفاً يَرَاهُمْ عَدُوٌ بِعَيْشٍ ضَيِّقٌ فَيُشَنَّعُ وَأصْبِرُ فِي نَفْسِي عَلَى مَا يَنُوْبُنِي وَأَطْلُبُ عَفْوَ اللهِ فَالعَفْوُ أَوْسَعُ وَمَا دُمْتُ أَرْضَى بِاليَسِيْرِ فَإِنَّنِي غَنِيٌ لِغَيْرِ اللهِ مَا كُنْتُ أَخْضَعُ وَرَبِّيَ قَدْ آتَانِي الصَّبْرَ وَالغِنَى عن النَّاسِ فِي هَذَا لِيَ العِزُ أَجْمَعُ وَقَدْ مَرَّ مِنْ عُمْرِي ثَلاَثٌ أَعُدُّهَا وَسِتُونَ فِي رَوْضٍ مِنَ اللُّطْفِ أَرْتَعُ وَوَجْهِيَ مِنْ ذُلِّ التَّبَذُلِ مُقْفِرٌ مُقِلٌ وَمِنْ عِزِّ القَنَاعَةِ مُوْسَعُ ... >?

стр. 2315

.. وَمِنْ حُسْنِ ظَنِّي أَنَّ ذَا يَسْتَمِرُ لِي ... إِلى المَوْتِ إِنَّ اللهَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَإِنَّيَ لاَ أَلْجَأُ إِلى غَيْرِ بَابِهِ ... فَأَبْقَى كَمَا قَدْ قِيْلَ وَالقَوْلُ يُسْمَعُ نُوقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيْقِ دِيْنِنَا ... فَلاَ دِيْنُنَا يَبْقَى وَلاَ مَا نُرَقِعُ فَطُوْبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللهَ رَبَّهُ ... وَجَادَ بِدُنْيَاهُ لِمَا يُتَوْقَّعُ اللَّهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللَّهُمَّ إن كنا مقصرين فِي حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأَنْتَ تعلم صدقنا فِي رجَاءَ رفدك، وخالص ودك، اللَّهُمَّ أَنْتَ أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، الأحياء مِنْهُمْ والميتين، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فصل: ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالْعَمَل، ولذَلِكَ أمر الْعَرَب الَّذِينَ تكبروا عَلَى الله ورسوله بالإيمان وبالصَّلاة جميعاً، وقيل الصَّلاة عماد الدين، وفِي الصَّلاة أسرار لأجلها كانت عماد الدين، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود، قال حكيم بن حزام: بايعت النَّبِيّ ? عَلَى أن لا آخر قائماً، فبايعه ? ثُمَّ فقه وكمل إيمانه بعد ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ السجود عندهم هُوَ منتهي الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذَلِكَ خيلاؤهم، ويزول كبرهم، ويستقر التواضع فِي قُلُوبهمْ، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائما هُوَ الَّذِي يقتضيه التواضع فكَذَلِكَ من عرف نَفْسهُ، فينظر كُلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال فليواظب عَلَى نقيضه، حتي يصير التواضع لَهُ خلقاً، فإن القُلُوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل. شِعْراً: ... إِذَا المَرْءُ لم يَحْفَظْ ثَلاَثاً فَخَلّهِ ... وَرَى الظَّهْرِ وَاصْحَبْ طَالِباً لِلسَّلاَمَةِ فَأْوَّلُهَا الإخْلاَصُ للهِ وَحْدَهُ ... وَثَانِيْهَا تَابِعْ مَنْ أَتَى بِالرِّسَالَةِ

стр. 2316

وَثَالِثُهَا جَنِّبْ هُدِيْتَ تَكَبُراً ... لِتَسْلَمَ مِنْ نَّارِ الجَحِيْمِ العَظِيْمَةِ ومن كَانَ يعتريه الكبر من جهة النسب، فليداو قَلْبهُ بأمرين أولاً: أن هَذَا جهل من حيث أنه تقوي وتعزز بكمال غيره وإنما يحصل لَهُ بكماله. قال الشاعر: لَعَمْرُكَ مَا الإنسان إلا ابْنُ يَوْمِهِ ... عَلَى مَا تَجَلَّى يَوْمَهُ لاَ ابْنُ أَمْسِهِ وَمَا الفَخْرُ بِالعَظْمِ الرَّمِيْمِ وَإِنَّمَا ... فِخَارُ الَّذِي يَبْغِي الفِخَارَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ آخر فيمن افتخر بآبائه ذوي الشرف مَعَ رداءته فِي نَفْسهُ: لَئِنْ فَخَرْتَ بِآبَاءٍ ذَوِي شَرَفٍ ... لَقَدْ صَدَقْتَ وَلَكِنْ بِئْسَ مَا وَلَدُوْا آخر: ... وَإِذَا افْتَخَرْتَ بِأَعْظَمٍ مَقْبُورَةٍ ... فَالنَّاسُ بَيْنَ مُكَذِبٍ وَمُصَدِقِ فَاقِمْ لِنَفْسِكَ بِانْتِسَابِكَ شَاهِداً ... بِحَدِيْثِ مَجْدٍ لِلْقَدِيْمِ مُحَقِّقِ آخر: ... إِذَا المَرْءُ لم تَسْتَأنِفْ المَجْدَ نَفْسُهُ ... فَلاَ خَيْرَ فِي مَا أَوْرَثَتْهُ جُدُوْدُهُ آخر: ... وَمَا يُجْدِي افْتِخَارُكَ بِالاوَالِي ... إِذَا لم تَفْتَخِرْ فَخْراً جَدِيْداً الثاني أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة، وجده الْبَعِيد تراب ذليل، وقَدْ عرفه الله تعالى نسبه فَقَالَ جل علا: (الَّذِي أحسن كُلّ شَيْء وبدأ خلق الإنسان من طين، ثُمَّ جعل نسله منن سلالة من ماء مهين) فمن أصله التُّرَاب المهين الَّذِي يداس بالأقدام ثُمَّ خمر طينه حتي صار حمأً مسنوناً كيف يتكبر؟ شِعْراً: ... عَجِبْتُ مِنُ مُعْجَبٍ بِصُوْرَتِهِ ... وَكَانَ بِالأمْسِ نُطْفَةٌ مَذِرَةْ وَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ طَلَعَتِهِ ... يَصْيِرُ فِي اللَّحْدِ جِيْفَةً قَذِرَةْ وَهُوَ عَلَى تِيْهِهِ وَنَخْوَتِهِ ... مَا بَيْنَ جَنْيْهِ يَحْمِلُ العَذِرَهْ آخر: ... إِذَا كَبُرَتْ نَفْسُ الفَتَى قَلَّ عَقْلُهُ ... وَأَمْسَى وَأْضْحَى سَاخِطاً مُتَعَتِّبَا

стр. 2317

وَإِنْ جَاءَ يَسْتَقْضِي مِنَ النَّاسِ حَاجَةٌ ... يَرَى أَنَّهَا حَقٌ عَلَيْهمْ مُرَتَّبَا وَإِنْ طَالَبُوهُ أَوْ أَبَوْهُ بِحَقْهِمْ ... لَوَى وَجْهَهُ غَيْظَاً عَلَيْهِمْ وَقَطَّبَا يَرَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ قَدْ خُلِقُوا لَهُ ... عَبِيْداً وَفِي كُلِّ القُلُوبِ مُحَبَّبَا فَلاَ يَرْتَضِي إِنْ لم يَكُنْ تَحْتَ أَمْرِهِ ... مِنَ الكَوْنِ يَجْرِي مَا أَرَادَ وَمَا أَبَى وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) وإن كَانَ التكبر بالجمال فدواؤه أن ينظر إلي باطنه نظر العقلاء، ولا ينظر إلي الظاهر نظر البهائم، ومهما نظر إلي باطنه رأي من القبائح ما يكدر عَلَيْهِ تعززه بالجمال، فإن الأقذار فِي جَمِيع أجزائه، فالرجيع فِي أمعائه، والبول فِي مثانته والمخاط فِي أنفه، والبزاق فِي فمه، والوسخ فِي أذنيه، والدم فِي عروقه، والصديد تحت بشرته والصنان تحت إبطه، يغسل الغائط بيده كُلّ يوم مرتين أو ثلاثاً ليخرج من باطنه ما لَوْ عاينه لاستقذره، فضلاً عن أن يمسه أو يشمه، فهل يليق بمن هذه حآله الكبر والتعاظم. كلا ما يليق به إلا التواضع للذي أوجده. وفِي أول أمره خلق من النطفة وفِي بطن أمه يتغذي بدم الحيض، وأخرج من مجري البول مرتين، قال طاووس لعمر بن عَبْد الْعَزِيز – قبل توليه الخلافة وزهده فِي الدُّنْيَا –: ما هذه مشية من فِي بطنه خراء، إذ رآه يتبخر، فإِذَا نظر إلي أنه خلق من ماء مهين، وأسكن فِي أقذار، وسيموت فيصير جيفة لم يفتخر بجمآله الَّذِي هُوَ كخضراء الدمن، كيف ولَوْ كَانَ جمآله باقياً، وجسمه عن هذه الأشْيَاءِ خَالِيًا، لكَانَ يجب عَلَيْهِ أن لا يتكبر، ويعلم أن هَذَا عرضة للزَوَال بمرض أو حرق أو قرحة أو برص أو تشويه، فمعرفة هَذَا تماماً تنزع بإذن الله من الْقَلْب داء الكبر والعجب لمن أكثر تأملها. شِعْراً: ... لَيْسَ الكَرِيْمُ الَّذِي إِنْ نَالَ مَكْرُمَةً ... أَوْ نَالَ مَالاً عَلَى إِخْوَانِهِ تَاهَا

стр. 2318

الحُرُيَرْ دَادُ لِلإِخْوَانِ مَرْحَمَةً ... إِنْ نَالَ فَضْلاً مِنَ الرَحْمَنِ أوجَاهَا وإن كَانَ التكبر بالقوة فالعلاج أن يعلم أن القوة لله جميعاً ويعلم ما سلط عَلَيْهِ من العلل والأمراض، وأنه لَوْ أصابه عود يسير ودخل فِي لحمه لأقلق راحته، وأقض مضجعه ولَوْ وجع أصبع أو عرق من عروق بدنه لتألم وصار أعجز من كُلّ عاجز، وأذل من كُلّ ذليل، وأن البعوضة والجرثومة الدقيقة إِذَا سلطت عَلَيْهِ أهلكته وإن حمي ساعة تحلل من بدنه ما لا ينجبر بالمدة الكثيرة، قال الشاعر: وَلاَ تَمْشِيْ فَوْقَ الأرض إلا تَوَاضُعاً فَكم تَحْتَهَا قَوْمٌ هُمُو مِنْكَ أَرْفَعُ وَإِنْ كُنْتَ فِي عِزٍّ رَفِيع وَمِنْعَةٍ فَكم مَاتَ مِنْ قَوْمٍ هُمُوا مِنْكَ أَمْنَعُ ... >? فمن كَانَ هذه حاله فلا يليق به الكبر، ثُمَّ من البهائم ما هُوَ أقوي بكثير منه، وأي افتخار وتعاظم فِي صفة يسبقه فيها الحمار. والبغل والثور والفيل. وإن كَانَ التكبر بالْمَال فبأن يعرف ويعلم أنه عرض زائل، وفِي معناه التكبر بكثرة الأتباع والأنصار، ويُقَالُ لها كثرة الشعبية، وكَذَلِكَ التكبر بولاية السلاطين والأمراء، وكل ذَلِكَ تكبر بأمر خارجي أي خارج عن ذات الإنسان وهَذَا أقبح أنواع الكبر، فإن المتكبر بماله أو عقاره لَوْ ذهب ماله أو انهدم عقاره أو تلف لعاد فِي لحظة ذليلاً من أذل الخلق وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته من أجهل الخلق، كيف والمتكبر بالْمَال لَوْ تأمل لرأي فِي إليهود والنصاري وغيرهم من الكفرة من يزيد عَلَيْهِ فِي الْمَال والتجمل والثروة، فأف لشرف يسبقك به يهودي ونحوه، ويأخذه سارق أو نحوه فِي لحظة،

стр. 2319

فيعود صاحبه ذليلاً حقيراً مفلساً. وإن كَانَ الكبر بالعلم - وَهُوَ أعظم الآفات، وأغلب الأدواء وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة، ولذَلِكَ قال عمر ﵁: العَالم إِذَا زل بزلته عَالم فيعجز العَالم أن لا يستعظم نَفْسهُ بالإضافة إلي الجاهل، لكثرة ما نطق به الشرع من فضائل العلم وأهله – فَلابُدَّ للعَالم من معرفة أمرين: أحدهما أن يعلم أن حجة الله عَلَى أَهْل العلم آكد، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العَالم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فإن من عصي الله عَلَى علم ومعرفة أعظم جناية ممن عصي الله عَلَى جهل، لأن العَالم لم يقض حق نعمة الله عَلَيْهِ ولذَلِكَ قال النَّبِيّ ?: " يجَاءَ بالرجل يوم القيامة فيلقي فِي النار فتندلق أقتابه فيدور بِهَا كما يدور الحمار فِي الرحي فيجتمَعَ إليه أَهْل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن الْمُنْكَر فَيَقُولُ بلي كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهي عن الْمُنْكَر وآتيه" رواه البخاري ومسلم. فإِذَا تفكر فيما أمامه من الخطر العَظِيم وعلم ما كَانَ عَلَيْهِ السَّلَف الصالح الصحابة فمن بعدهم من التواضع والخوف مِمَّا أمامهم من الأهوال والكربات والشدائد، امتنع بإذن الله من الكبر، فقَدْ كَانَ بعض الصحابة يَقُولُ: ليتني لم تلدني أمي، وَيَقُولُ الآخر ليتني شجرة تعضد ويأخذ الاخر تبنة وَيَقُولُ: يا ليتني كنت هذه التبنة، وَيَقُولُ الآخر: ليتني كنت طيراً أوكل، وَيَقُولُ الآخر: ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً. شِعْراً: ... لاَ يُدْرِكُ العَلْيَا عَلَى التَّحْقِيْقِ ... إلا مَنِ اسْتَقَامَ فِي الطَّرِيْقِ وَجَنَّبَ الِّتلْفَازِ وَالمِذْيَاعَ ... وَكُورَةً وَسَائِرَ المَلاَهِي

стр. 2320

شِعْراً: وَأَحْسَنُ أَخْلاَقِ الفَتَى وَأَجَلُّهَا ... تَوَاضُعُهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ رَفِيعُ وَأْقْبَحُ شَيْءٍ أَنْ يَرَى المَرْءُ نَفْسَهُ ... رَفِي عاً وَعِنْدَ العَالَمِيْنَ وَضِيْعُ الثاني: أن العَالم يعرف أن الكبر لا يليق إلا بِاللهِ الَّذِي (إلَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السميع البصير) وأنه إِذَا تكبر صار ممقوتاً عِنْدَ الله بغيضاً، وقَدْ أحب الله منه أن يتواضع، وأن يفكر فِي خطر الخاتمة، فكم من إنسان مزدري محتقر لكفره أو فسقه فتح الله عَلَيْهِ باب التوبة والإنابة، فأقبل عَلَى الله فسعد بذَلِكَ وشهد لَهُ بالْجَنَّة كعمر ﵁، وبالعكس فكم من إنسان عمل بعمل أَهْل الْجَنَّة زمناً طويلاً وفِي آخر الأمر عمل بعمل أَهْل النار فيدخلها كثعلبة وبلعام ونحوهما ممن ارتد عن الإسلام وفِي حديث ابن مسعود قوله ?: "إن أحدكم ليعمل بعمل أَهْل الْجَنَّة حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عَلَيْهِ اْلكِتَاب فيعمل بعمل أَهْل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أَهْل النار حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عَلَيْهِ اْلكِتَاب فيعمل بعمل أَهْل الْجَنَّة فيدخلها" متفق عليه. فمهما بلغ المرء من العلم والتقي والورع والزهد فهو فِي خطر من سوء الخاتمة التي عَلَيْهَا المدار، فبملاحظتها يتلاشي الكبر بإذن الله. ومن أضر ما عَلَى كثير من عِلماء هَذَا الزمان الشهادات الحالية التي يسمونها دكتوراه وماجستير وعالمية وبكالوريوس ونحو ذَلِكَ لأن من حصل عَلَيْهَا رآي من لم يحصل عَلَيْهَا بعين الاحتقار والامتهان والازدراء ومَعَ ذَلِكَ فهي عِنْدَ بَعْضهمْ مضعفة للتوكل عَلَى الله من قبل الرزق يؤيد ذَلِكَ ما يجري عَلَى ألسنة كثير مِنْهُمْ بقولهم لمن لم يحصل عَلَيْهَا أمن حياتك أحصل عَلَى شهادة. ونسوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ وقوله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وقوله ﴿وَعَلَى اللهِ

стр. 2321

فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} . وكثير من أولئك أهملوا التوكل عَلَى الله وتوكلوا عَلَى الشهادة المذكورة. شِعْراً: ... سَعَى رِجَالٌ لِنَيْلِ الرِزْقِ واجْتَهَدُوْا ... لاَبُدَّ مِنْ سَبَبٍ للّرِزْقِ فِي الطْلَبِ حُسْنُ الدُّعَاءِ مَفَاتِيْحُ الغِنَى وَعَلَى ... رَبِّ العِبَادِ إِجَابَاتُ المَطَالِيْبِ أَتَطْلُبُ رِزْقَ اللهِ مِنْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَتُصْبِحُ منْ خَوْفِ العَوَاقِبِ آمِنَا وَتَرْضَى بِصَرَّافٍ وَإِنْ كَانَ مُشّرِكاً ضَمِيْناً وَلاَ تَرْضَى بِرَبِكَ ضَامِنَا كَأَنَّكَ لم تقَرَأَ بِمَا فِي كِتَابِهِ فَأَصْبِحْتَ مَنْحُولَ اليَقِيْنِ مُبَايِنَا ... >? يشير إلي قول الله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ} . ومن أمعن نظره فِي النَّاس وسبرهم وَجَدَ ذَلِكَ بكثرة، ووَجَدَ عندهم من الطغيان والأبهة والكبر الشَيْء الكثير، يظهر ذَلِكَ عَلَى ألسنتهم وهيئاتهم نسأل الله العصمة لنا ولإخواننا المُسْلِمِيْنَ. ... بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الاجْبَالِ تَحْرِسُهُمْ غُلْبُ الرِّجَالِ فَلم تَنْفَعْهُمْ القُلَلُ واسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍ عن مَعَاقِلِهِمْ إِلى مَقَابِرِهِمْ يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوْا نَادَاهُمْ صَارِخٌ مِنْ بَعْدَمَا دُفِنُوا أَيْنَ الاسِرَّةُ وَالتِيْجَانُ وَالحُلَلُ أَيْنَ الوُجُوهُ الَّتِي كاَنَتْ مُحَجَّبَةً مِنْ دُوْنِهَا تُضْرَبُ الاسْتَارُ وَالكِلَلُ ... >?

стр. 2322

.. فَأَفْصَحَ القَبْرُ عنهُمْ حِيْنَ سَاءَلَهُمْ تِلْكَ الوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُوْدُ يَقْتَتِلُ قَدْ طَالَمَا أَكَلُوا فِيهٍا وَمَا شَرِبُوا فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُوْلِ الأكْلِ قَدْ أُكِلُوْا وَطَالَمَا كَنَزُوا الأموال وادَّخَرُوا فَخَلَّفُوهَا عَلَى الأعْدْاءِ وَارْتَحَلُوْا وَطَالَمَا شَيَّدُوا دُوْراً لِتُحْصِنَهُمْ فَفَارَقُوا الدُوْرَ والأهْلِيْنَ وانْتَقَلُوْا أَضْحَتْ مَسَاكِنُهُمْ وَحْشاً مُعَطَّلَةً وَسَاكِنُوهَا إِلى الأجْدَاثِ قَدْ رَحَلُوا سَلِ الْخَلِيفَةَ إِذْ وَافَتْ مَنِيَّتُهُ أَيْنَ الجُنُوْدُ وَأَيْنَ الخَيْلُ وَالخَوَلُ أَيْنَ الكُنُوزَ الَّتِي كَانَتْ مَفَاتِحُهَا تَنُوْءُ بِالعُصْبَةِ المُقْوِيْنَ لَوْ حَمَلُوْا أَيْنَ العَبِيْدُ الَّتِي أَرْصَدْتَهُمْ عُدَداً أَيْنَ الحَدِيْدُ وَأَيْنَ البِيْضُ وَالأسَلُ أَيْنَ الفَوَارِسُ وَالغِلْمَانُ مَا صَنَعُوا أَيْنَ الصَوَارِمُ وَالخِطِّيَةُ الذُبُلُ أَيْنَ الكُمَاةُ أَلم يَكْفُوا خَلِيْفَتَهُمْ لَمَّا رَأْوْهُ صَرِيْعاً وَهُوَ يَبْتَهِلُ

стр. 2323

.. أَيْنَ الكَمَاةُ الَّتِي مَاجُوا لِمَا غَضِبُوا أَيْنَ الحُمَاةُ الَّتِي تُحْمَى بِهَا الدُوَلُ أَيْنَ الرُمَاةُ أَلم تَمْنَعْ بِأّسْهُمِهِمْ لَمَّا أَتَتْكَ سِهَامُ المَوْتِ تَنْتَصِلُ هَيْهَاتَ مَا كَشَفُوا ضَيْماً وَلاَ دَفَعُوْا عنكَ المَنِيَّةَ إِذْ وَافَى بِكَ الأجَلُ وَلاَ الرُّشَى دَفَعَتْهَا عنكَ لَوْ بَذَلُوْا وَلاَ الرُّقَى نَفَعَتْ فِيها وَلاَ الحِيَلُ مَا سَاعَدُوّكَ وَلاَ وَاسَاكَ أَقْرَبُهُمْ بَلْ سَلَّمُوكَ لَهَا يَا قُبْحَ مَا فَعَلُوْا مَا بَالُ قَبْرِكَ لاَ يَأْتِي بِهِ أَحَدٌ وَلاَ يَدُوْرُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلُ مَا بَالُ ذِكْرِكَ مَنْسِياً وَمُطْرَحاً وَكُلُهُمُ بِاقْتِسَامِ الْمَالِ قَدْ شُغِلُوْا مَا بَالُ قَصْرِكَ وَحْشاً لاَ أَنِيْسَ بِهِ يَغْشَاكَ مِنْ كَنَفَيِهِ الرَوْعُ والوَهَلُ لاَ تُنْكِرَنَّ فَمَا دَامَتْ عَلَى مَلِكٍ إلا أَنَاخَ عَلَيْهِ المَوْتِ والوَجَلُ وَكَيْفَ يَرّجُو دَوَامَ العَيْشِ مُتَّصِلاً وَرُوْحُهُ بِجِبَالِ المَوْتِ مُتَّصِلُ وجِسْمُهُ لِبُنَيَّاتِ الرَّدَى غَرَضٌ

стр. 2324

.. وَمَالُهُ زَائِلٌ عنهُ ومُنْتَقِلُ ... >? اللَّهُمَّ امنن عَلَيْنَا بإصلاح عيوبنا واجعل التقوي زادنا وفِي دينك اجتهادنا وعَلَيْكَ توكلنا واعتمادنا اللَّهُمَّ ثبتنا عَلَى نهج الاستقامة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ فِي الْغَضَبِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْه اعْلم وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ وجنبنا وَإِيَّاكَ وإياهم كُلّ خلق رذيل: أن مِمَّا يتأكد اجتنابه فِي رمضان وفِي غيره الْغَضَب إلا أن تنتهك محارم الله فيغضب لما يغضب الله ويملك نَفْسهُ فيما عدا ذَلِكَ إلا أن يبغي عَلَيْهِ وتعريف الْغَضَب أنه قوة أودعها الله فِي الإنسان تثور من باطنه فتحمله عَلَى الدفاع عما يحبه من الأغراض وتدفعه إلي البطش بكل ما يؤذيه فإِذَا اعتدي عَلَيْهِ معتد أو حيل بينه وبين أغراضه تثور تلك القوة فيغلي دمه وينتشر فِي العروق ويرتفع إلي أعالي البدن فيظهر أثره عَلَى الوجه والعينين. والْغَضَب من مداخل الشيطان إلي قلب الإنسان فإن الْغَضَب غول العقل وإِذَا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبية بالكرة. وللغضب ثلاث درجات: أولاً درجة الاعتدال وَذَلِكَ بأن يغضب ليدفع عن دينه أو نَفْسهِ أو ماله أو يغضب ليدافع عن الحقوق العامة ونصرة المظلومين وتلك الحالة هِيَ التي من أجلها خلق الله الْغَضَب فهو مخلوق لحكمة ولولا أن الله جعل ذَلِكَ فِي الإنسان لفسدت الأرض بانتشار الفوضي وتقويض دعائم النظم الاجتماعية والدينية لأن من لا يغضب لعرضه لا يغار لنسائه فتختلط الإنساب وتعم الفوضي فِي ذَلِكَ الْبَاب ويصبح الإنسان

стр. 2325

كالحيوانات التي يسطو بعضها عَلَى بعض بدون غيرة ولا حمية ولا معرفة لما يترتب عَلَى ذَلِكَ من التناسل الَّذِي به حياة النوع الإنساني وبقاء العمران إلي الاجل الَّذِي قدره الله لَهُ فِي ذَلِكَ الوجود. ومن لا يغضب لنفسه فإنه يكون معرضاً للزَوَال من هَذَا الوجود أو معرضاً لأن يسخره غيره كما تسخر الدواب التي لا تغضب لنفسها. ومن لا يغضب لمآله فإنه لا يلبث أن يسلبه النَّاس منه ويصبح فقيراً معدماً وإِذَا فشي سلب الْمَال فإن نظام الْعَمَل يتعطل وتبطل الأعمال التجارية والصناعية والزراعية ويعتمد النَّاس عَلَى سلب بَعْضهمْ بعضا. ومن لا يغضب لدينه فإنه فِي الغالب لا يستقر عَلَى دين لأن اختلاف طبائع النَّاس واختلاف أنظارهم من أكبر البواعث عَلَى اختلاف معتقداتهم فمن لا يغار عَلَى دينه يكون عرضة لتقليد القوي فِي كُلّ ما يراه فينتقل من دين إلي دين. وهكَذَا فخلق الله الْغَضَب ليحمي النَّاس بَعْضهمْ بعضاً فيستقر النظام ويقف كُلّ واحد عِنْدَ الحد الَّذِي قدر الله لَهُ فِيه ذه الحياة قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ . وللغضب أسباب كثيرة تختلف باختلاف أحوال النَّاس وطبائعهم واستعدادهم للتأثر بالأشْيَاءِ فنذكر طرفاً منها ليجتنبِهَا الإنسان، فمنها الجدال والمزح والسخرية بِالنَّاسِ نعوذ بِاللهِ والاستهزاء بِهُمْ وإطلاق اللسان في

стр. 2326

السب واللعن والغيبة ومن ذَلِكَ الكبر والعجب لأن المتكبر المعجب بنفسه يتأثر كُلَّما فاته ما يعتقَدْ أنه ينافِي عظمته وخيلاءه فإِذَا طالبه أحد بحق اهتاج غضبه وهكَذَا إِذَا نهي عن رذيلة لأنه من سخافة عقله يعتقَدْ أنه كامل من كُلّ وجه فلا يصح لأحد عنده أن يأمره أو ينهاه أو يقف فِي سبيله أو يتقدم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الواقع ناقص من كُلّ وجه ويحاول أن يجبر نقصه بكبريائه وعظمته وَهُوَ مغرور. ... وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لاَ يَرَى ... >? ومن أسباب الْغَضَب مصاحبة الاشْرَار الَّذِينَ لا يفرقون بين الممدوح والمذموم من الْغَضَب فيحسبون التهور والطيش شجاعة ويعدون طغيان الْغَضَب الموجب للظلم رجولة ويتبجحون بذَلِكَ فَيَقُولُ الواحد مِنْهُمْ: أَنَا الَّذِي لا أصبر عَلَى مكروه، ولا عَلَى مكر ولا أحتمل من أحد أمراً، ومعناه حَقِيقَة: لا عقل فِي ولا حلم يذكر فِي معرض الفخر بالجهل فإِذَا سمعه الجاهل رسخ فِي ذهنه حسن الْغَضَب وحب التشبه بالقوم فيقوي به الْغَضَب، ومهما اشتدت نار الْغَضَب وقوي اضطرامها أعمت صاحبِهَا وأصمته عن كُلّ موعظة فإِذَا وعظ لم يسمَعَ بل زاده ذَلِكَ غضباً وإِذَا استنار بنور عقله وراجع نَفْسهُ لم يقدر إِذَا ينطفئ نور العقل وينمحي فِي الحال بدخان الْغَضَب والعياذ بالله. فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عِنْدَ شدة الْغَضَب من غليان دم الْقَلْب دخان مظلم إلي الدماغ يستولي عَلَى معادن الفكر وَرُبَّمَا يتعدي إلي معادن الحس فتظلم عينه وتسود عَلَيْهِ الدُّنْيَا ويكون دماغه عَلَى مثال كهف اضطرمت فِيه النار فاسود جوه وحمي مستقره وامتلأت بالدخان جوانبه وكان

стр. 2327

فِيه سراج فانمحي أو انطفأ فلا تثَبِّتْ فِيه قدم ولا يسمَعَ فِيه كلام ولا يري فِيه صورة ولا يقدر عَلَى إطفائه لا من داخل ولا من خارج بل ينبغي أن يصبر إلي أن يحترق جَمِيع ما يقبل الاحتراق فكَذَلِكَ يفعل الْغَضَب فِي الْقَلْب والدماغ، وَرُبَّمَا تقوي نار الْغَضَب فتفني الرطوبة التي فيها حياة الْقَلْب فيموت صاحبه غيظاً كما تقوي النار فِي الغار فيتفكك وتهدم أعإليه عَلَى أسفله وَذَلِكَ لأبطال النار ما فِي جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكَذَا حال الْقَلْب عِنْدَ الْغَضَب نسأل الله العافية والسلامة. وبالحَقِيقَة فالسَّفِي نَة فِي متلاطم الأمواج عِنْدَ اضطراب الرياح فِي لجة البحر أحسن حالاً وأرجي سلامة من النفس المضطربة غيظاً إذ فِي السَّفِي نَة من يحتال ويتسبب لتسكينها وتدبيرها وينظر لها ويسوسها بإذن الله وأما الْقَلْب فهو صَاحِب السَّفِي نَة وقَدْ سقطت حيلته إذ أعماه الْغَضَب وأصمه انتهي. ومن أسباب الْغَضَب: فوات اللذات والشهوات من مطعم ومشرب ومسكن ونحو ذَلِكَ لكن إن كانت هذه الأشْيَاءِ مملوكة لَهُ وحيل بينه وبينها، فإن كَانَ بدون مبرر شرعي فله أن يغضب حتي يسترده ويكون فِيه ذه الحالة لَيْسَ مذموماً ثُمَّ إن كَانَ الَّذِي فاته ضرورياً لَهُ كَانَ الْغَضَب واجباً من أجله وإن كَانَ كمالياً كَانَ الْغَضَب من أجله جائزاً وإن كَانَ حراماً عَلَيْهِ أو غَيْرَ مملوك لَهُ كَانَ الْغَضَب مذموماً. شِعْراً: ... لاَ تَغْضَبَنَّ عَلَى امْرِئٍ ... لَكَ مَانِعٌ مَا فِي يَدَيِهِ واغْضَبْ عَلَى الطَّمِعَ الَّذِي ... اسْتَدْعَاكَ تَطْلُبُ مَا لَدَيِهِ ومن أسباب الْغَضَب: الوشايات والنمائم فمن النَّاس من يغضب لمجرد وشاية نقُلْتُ إليه عن بعض النَّاس أو لمجرد نميمة بلغته من نمام بدون أن يتثَبِّتْ فِي الأمر فيعتدي عَلَى الأبرياء بإزالتهم عن أعمالهم، أو نقلهم عنهَا إلي محلات لا يرغبونها، أو يتسبب لقطع ما هُوَ ماش لهُمْ من

стр. 2328

أرزاق أو يؤذيهم فِي أبدأنهم أو يقدح فِي أعراضهم أو ينشز الزوجة أو بالعكس بأن ينشز الزوج إلي غَيْرَ ذَلِكَ من الجرائم التي تترتب عَلَى الْغَضَب وَرُبَّمَا كانت الكلمة التي نقُلْتُ إليه عَلَى فرض صدورها لا تساوي شيئاً من غضبه، وَذَلِكَ شر ما يترتب عَلَى الْغَضَب من الظلم فعَلَى من كانت نَفْسهُ تتأثر بمثل ذَلِكَ أن يعالجها بالتثَبِّتْ حتي إِذَا تأكد من صدق ما نقل إليه كَانَ لَهُ الحق فِي أن يدفع عن نَفْسهُ بقدر ما أصابه بدون بغي ولا عدوان والعفو فِي مثل هذه الحالِ أفضل خصوصاً إِذَا أنكر المنقول عنهُ ما نسب إليه فإن الإنكار اعتذار يستوجب الرأفة والرحمة وبالتالي فمن نظر الدُّنْيَا بعين البصيرة والاعتبار هان عَلَيْهِ كُلّ شَيْء وسامح أخاه المسلم وقبل ميسور عذره واحتسب الاجَر عِنْدَ الله والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. شِعْراً: ... سَكَنْتُكَ يَا دَارَ الفَنَاءِ مُصَدِّقاً بِأَنِّي إِلى دَارِ البَقَاءِ أَصِيْرُ وَأَعْظَمُ مَا فِي الأمر أَنِّي صَائِرٌ إِلى عَادِلٍ فِي الحُكْمِ لَيْسَ يَجُوْرُ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ أَلْقَاهُ عِنْدَهَا وَزَادِي قَلِيْلٌ والذُّنُوبُ كَثِيْرُ فَإِنْ أكُ مُجْزِياً بِذَنْبِي فَإِنَّنِي بِشَرِّ عِقَابِ المُذْنِبِيْنَ جَدِيْرُ وَإِنْ يَكُ عَفْوٌ ثُمَّ عني وَرَحْمَةٌ فَثُمَّ نَعِيْمٌ دَائِمٌ وَسُرُوْرُ ... >?

стр. 2329

اللَّهُمَّ جد عَلَيْنَا بكرمك، وأفض عَلَيْنَا من نعمك، وتغمدنا بِرَحْمَتِكَ وعاملنا برأفتك ووفقنا لخدمتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ومن أسباب الْغَضَب المشاحة فِي البيع والشراء: فيغضب الواحد إِذَا لم تكن السومة تناسب القيمة أو ساومه ولم يشتر أو لم يقرضه أو لم يعنْه أو نحو ذَلِكَ والْغَضَب فِي مثل هذه الأحوال حماقة لا مبرر لها لأنه ما دام لم يعتد عَلَى حقه فلَيْسَ لَهُ أن يغضب وعَلَيْهِ أن يعتدل فِي بيعه وشرائه، وأن يمرن نَفْسهُ عَلَى احتمال ما يقع عادة عِنْدَ البيع والشراء من النزاع وأن يمرن نَفْسهُ دائماً عَلَى التواضع ويذكرها بعظمة الله ويفهمها بأنه ضعيف مخلوق من ماء مهين، وأنه صائر إلي الفناء، وأنه سيكون عظاماً بالية يوطأ بالأقدام كما قيل: ... يُدَّفِنُ بَعْضُنَا بَعْضاً وَتَمْشِي أَوَاخِرُنَا عَلَى هَامِ الأوَالِي ... >? ومن كَانَ هَذَا شأنه فلا يليق به التكبر فيحقر خلق الله ويطغي عَلَيْهمْ الَّذِينَ ربما رفعهم الله عَلَيْهِ قال بعضهم. ... لاَ تَحْقِرنَّ أَبَيْتَ اللَّعْنِ ذَا أَدَبٍ فَكم وَضِيْعٍ مِنْ الأقْوَامِ قَدْ رَئِسَا ... >?

стр. 2330

.. فَرُبَّ قَوْمٍ حَقَرْنَاهُمْ فَلم نَرَهُمْ أَهْلاً لِخِدْمَتِنَا كَانُوا لَنَا رُؤَسَا ... >? فإِذَا نزعت نَفْسهُ إلي التواضع فإنه لا يتألم لتلك الاعتبارات التي يتألم منها المتكبرون وبهَذَا بإذن الله يدفع عن نَفْسهِ سرعة الْغَضَب إلي أن تقل حدتها وتذهب ثورتها وهَذَا أهم ما تعالج به أنفس المستعدين بفطرتهم للغضب وأما من كانت سرعة غضبه لَيْسَتْ طبيعة لَهُ ولكنها اكتسبت بالعادة والمخالطة فإنه يعالج بأمور أولاً اجتناب مصاحبة الأشْرَار والبعد عنهم، ثانياً: اجتناب الأسباب المثيرة للغضب آنفاً ثالثاً تعليمه أنه لَيْسَ للإنسان أن يغضب إلا من أجل دينه أو نَفْسهِ أو عرضه أو ماله وما زَادَ عَلَى هَذَا فهو رذيلة مذمومة يجب عَلَى العاقل أن يتنبه لها ولا يذرها تتسلط عَلَيْهِ فتضيع سلطة العقل ويصبح الإنسان عرضة للهلاك فِي الدُّنْيَا والآخرة وحسبك فِي ذم الْغَضَب أن النَّبِيّ ? خطب فِي الناس عصر يوم من الأيَّام فكَانَ مِمَّا قاله لهُمْ: "إن بني آدم خلقوا عَلَى طبقات شتي ألا وإن مِنْهُمْ البطيء الْغَضَب سريع الفيء والسريع الْغَضَب سريع الفيء والبطيء الْغَضَب بطيء الفيء فتلك بتلك ألا وإن مِنْهُمْ بطيء الفيء سريع الْغَضَب ألا وخيرهم بطيء الْغَضَب سريع الفيء وشرهم سريع الْغَضَب بطيء الفيء ألا وإن مِنْهُمْ حسن الِقَضَاءِ حسن الطلب وَمِنْهُمْ سيء الِقَضَاءِ حسن الطلب وَمِنْهُمْ سيء الطلب حسن الِقَضَاءِ فتلك بتلك ألا وإن مِنْهُمْ سيء الِقَضَاءِ سيء الطلب ألا وخيرهم الحسن الِقَضَاءِ الحسن الطلب وشرهم سيء الطلب ألا وإن الْغَضَب جمرة فِي قلب ابن آدم أما رأيتم إلي حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه وسيئات الْغَضَب كثيرة ونتائجه الوخيمة أكثر. فمن أحس بشَيْء من ذَلِكَ فليلصق بالأرض ". رواه الترمذي.

стр. 2331

ومن سيئاته: أن الطلاق غالباً يحدث عن غضب، ومن سيئاته أن الفراق بين الأقارب والأولاد يقع غالباً عن غضب. ومن سيئاته: إتلاف بعض الْمَال أو كله. شِعْراً: ... إِذَا المَرْءُ لم يَغْلِبْ مِنَ الغَيْضِ سَوْرَةً ... فلَيْسَ وإِنْ فَضَّ الصَّفَا بِشَدِيْدِ ومن سيئاته: أنه ربما قضي عَلَى نَفْسهِ أو عَلَى أولاده بسبب غضبه ومن سيئات الْغَضَب أن الإنسان إِذَا غضب أطلق لِسَانه بالقذف والغيبة والنميمة والبهت والاستهزاء والسخرية والشتم والسب وسائر أنواع المعاصي التي تقضي عَلَى حسناته إن كَانَ لَهُ حسنات وإلا فتوقره من سيئات عدوه ولَوْ ملك نَفْسهُ لسلم من ذَلِكَ كله. ومن سيئاته: أنه يفضي إلي المهاترات الشفهية وتبادل السباب بين المتخاصمين وهَذَا لا يجوز وَكم من معارك تبتذل فيها الأعراض وتعدو الشتائم المحرمة عَلَى الحرمَاتِ البعيدة ولَيْسَ لهذه الآثام الغليظة من علة إلا تسلط الْغَضَب، وضياع الأدب، ولذَلِكَ كَانَ ضبط النفس عِنْدَ سورانه دَلِيل قدرة محمودة ورزانة عقل وحسبك دليلاً عَلَى ذَلِكَ ما ورد عَنِ ابن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: "ما تعدون الصرعة فيكم"؟ قَالُوا: الَّذِي لا تصرعه الرجال. قال "لا. ولكن الَّذِي يملك نَفْسهُ عِنْدَ الغضب" وراه مسلم. وَقَالَ رجل للنبي ?: أوصني ولا تكثر عَلَىَّ لعَلَى لا أنسي. قال: " لا تغضب ". وروي أَبُو هُرَيْرَةِ أن رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللهِ مرني بعمل وأقلل. قال: " لا تغضب ". ثُمَّ أعاد عَلَيْهِ فَقَالَ: " لا تغضب ". ثُمَّ أعاد عَلَيْهِ فَقَالَ: " لا تغضب ". رواه البخاري، وَقَالَ ابن عمر: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ?: قل لي قولاً وأقلله، لعَلَى أعقله. فَقَالَ: " لا تغضب ". فأعدت عَلَيْهِ مرتين، كُلّ ذلك

стр. 2332

يرجع إلي " لا تغضب ". أخرجه أبو يعَلَى بسند حسن وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةِ: قال النَّبِيّ ?: " لَيْسَ الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الَّذِي يملك نَفْسهُ عِنْدَ الغضب" متفق عَلَيْهِ، وَقَالَ ابن عمر: قال النَّبِيّ ?: " من كف غضبه ستر الله عورته ". أخرجه ابن أبي الدنيا. وإليك بعض الآثار: قال عَبْد اللهِ بن مسعود: انظروا إلي الرجل عِنْدَ غضبه وأمانته عِنْدَ طمعه وما علمك بحلمه إِذَا لم يغضب وما علمك بأمانته إِذَا لم يطمَعَ، وكتب عمر بن عَبْد الْعَزِيز إلي عامله: أن لا تعاقب عِنْدَ غضبك وإِذَا غضبت عَلَى رجل فاحبسه فإِذَا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه عَلَى قدر ذنبه، وَقَالَ عَلَى بن زيد: أغلظ رجل من قريش لعمر بن عَبْد الْعَزِيز القول فأطرق عمر زمانَاً طويلاً ثُمَّ قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السُّلْطَان فأنال منك الْيَوْم ما تناله مني غداً. وَقَالَ بَعْضهمْ لابنه: يا بني لا يثَبِّت العقل عِنْدَ الْغَضَب كما لا تثَبِّت الروح فِي الحي فِي التنانير المسجورة ومِمَّا يروي عن ذي القرنين أنه لقي ملكاً من الملائكة فَقَالَ: علمني عِلماً أزداد به إيمانَاً ويقيناً قال: لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون عَلَى ابن آدم حين يغضب فرد الْغَضَب بالكظم وسكنه بالتودة وَإِيَّاكَ والعجلة، وعن ابن عباس قال: لما قدم عيينة بن حصن نزل عَلَى ابن أخيه الحر بن قيس: وكَانَ من النفر الَّذِينَ يدنيهم عمر، إذ كَانَ القراء أصحاب مجلس أمير الْمُؤْمِنِين عمر ومشاورته كهولاً كَانُوا أو شبانَاً فَقَالَ عيينة يا ابن أخي استأذن لي أمير الْمُؤْمِنِين فاستأذن لَهُ فَلَمَّا دخل قال: هيه يا ابن الخطاب فوَاللهِ ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتي هم أن يوقع به فَقَالَ الحر يا أمير الْمُؤْمِنِين إن الله

стр. 2333

يَقُولُ لنبيه ?: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وإن هَذَا من الجاهلين، فوَاللهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عَلَيْهِ وكَانَ وقافاً عِنْدَ كتاب الله وإنما غضب عمر ﵁ وهم بردع الأعرابي لتطاول الأعرابي عَلَيْهِ لأنه لم يدخل ناصحاً أو مشيراً بخَيْر وإنما دخل عَلَيْهِ فِي سلطانه ليشتمه دون مبرر وليسأله عطاءً جزيلاً عَلَى غَيْر عمل فَلَمَّا ذكر عمر بأن هَذَا من الجاهلين أعرض عنهُ وتركه ينصرف سالماً وفِي الْحَدِيث "من كظم غيظاً وَهُوَ يقدر أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة عَلَى رؤوس الخلائق حتي يخيره فِي أي الحور العين. شِعْراً: ... مَنْ لِي بِإِنْسَانٍ إِذَا أَغَضَبْتُهُ ... وَجَهِلْتُ كَانَ الحِلْمُ رَدَّ جَوَابِهِ وَتَرَاهُ يُصْغِي لِلْحَدِيْثِ بِسَمْعِهِ ... وَبِعَقْلِهِ وَلَعَلَّهُ أَدْرَى بِهِ إِذَا مَا سَفِيه نَالَنِي مِنْهُ نَائِلٌ ... مِنَ الذَّمِ لم يَحْرُجْ بِمَوقِفِهِ صَدْرِي أَعُوْدُ إِلى نَفْسِي فَإِنْ كَانَ صَادِقاً ... عَتِبْتُ عَلَى نَفْسِي وَأَصْلَحْتُ مِنْ أَمْرِي وَإلا فَمَا ذَنْبِي إِلى النَّاسِ إِنْ طَغَى ... هَوَاهَا فَمَا تَرْضَى بِخَيْرٍ وَلاَ شَرٍّ تَنَبَهْ قُبَيْلَ المَوْتِ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ فَعَمَا قَلِيْلٍ لِلْمَقَابِرِ تُنْقَلُ وَتُمْسِي رَهِيْناً لِلْقُبُورِ وَتَنْثَنِي لَدِي جَدَثٍ تَحْتَ الثَرَى تَتَجَنْدَلُ فَرِيْداً وَحِيْداً فِي التُّرَابِ وِإِنْمَا قَرِيْنُ الفَتَى فِي القَبْرِ مَا كَانَ يَعْمَلُ فَوَا أَسَفاً مَا يَفْعَلُ الدُوْدُ وَالثَرَى بِوَجْهٍ جَمِيْلٍ كَانَ للهِ يَخْجَلُ وَمَا يَفْعَلُ الجِسْمُ الوَسِيْمُ إِذَا ثَوَى وَصَارَ ضَجِيْعَ القَبْرِ يَعْلُوْهُ جَنْدَلُ ... >?

стр. 2334

.. وَبَطْنِي بَدَا فِيه الرَّدَى ثُمَّ لَوْ تَرَى دَقِيْقَ الثَّرَى فِي مُقْلَتِي يَتَهَرْوَلُ أَعَيَنْايَ جُوْدَا بِالدُمُوعِ عَلَيْكُمَا فَحُزْنِي عَلَى نَفْسِي أَحَقُ وَأَجْمَلُ وَيَا مُدَّعِي حُبِي هَلُّمَ بِنَا إِذَا ... بَكَى النَّاسُ نَبْكِي لِلْفِرَاقِ وَنُهْمِلُ دَعِي اللَّهْوَ نَفْسِي واذْكُرِي حُفْرَةَ البِلَى وَكَيْفَ بِنَا دُوْدُ المَقَابِرِ يَفْعَلُ إِلى اللهِ أَشْكُو لاَ إِلى النَّاسِ حَالَتِي إِذَا صِرْتُ فِي قَبْرِي وَحِيْداً أُمَلْمَلُ ... >? اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا عَلَى يا عَظِيم أبرم لهذه الأمة أمرَ رشد يعز فِيه أَهْل طَاعَتكَ ويذل فِيه أَهْل معصيتك ويؤمر فِيه بالمعروف وينهي فِيه عن الْمُنْكَر اللَّهُمَّ بارك فِي أعمارنا وأصلح أعمالنا ونياتنا وذرياتنا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. " موعظة " عِبَادَ اللهِ: من عِبَادِ اللهِ من ترونه سيء الخلق، عنيفاً شرساً فِي كُلّ حال إن قال فعنف قوله ينطق بالكلمة فلعنفها تحدث من الشر ما لا يحكيه المقال إن مثل هَذَا لا تطول معه عشرة نساء ولا صداقة رِجَال ولا يجد قلباً يعطف عَلَيْهِ ولَوْ كَانَ فِي أشد الأحوال ولَوْ قيل لك إن البهائم تنفر منه لعنفه وشراسته فصدِّق هَذَا المقال وللناس عذر واضح فِي نفورهم من هَذَا العنيف السيء الأخلاق ولا لوم عَلَيْهمْ إِذَا فارقوه الفراق الَّذِي لَيْسَ بعده من تلاق فإن

стр. 2335

الطباع البشرية متفقة عَلَى بغض العنْف وكيف يحب النَّاس من يؤذيهم بأقواله وأفعاله بسبب وبغَيْر سبب فالعنيف شؤم عَلَى نَفْسه قبل أن يكون شؤماً عَلَى سواه وَرُبَّمَا عم شؤمه دنياه وأخراه قال ?: "من يحرم الرفق يحرم الْخَيْر كله" رواه مسلم وأَحَمَد وأبو داود وابن ماجه، وفِي الْحَدِيث الآخر: "إن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويعطي عَلَى الرفق ما لا يعطي عَلَى العنف رواه مسلم أما الرفيق: فهو الْعَبْد الحسن الخلق الوقور الحليم الَّذِي أينما كَانَ ومتي كَانَ تصبو إليه القُلُوب لأنه إن قال فقوله حلَوْ لأنه أديب حكيم وإن فعل فأفعاله ترشد إلي تعلمِ الأدب ولَيْسَ بنو آدم الَّذِينَ يحبون الرفق، بل يشاركهم فِي ذَلِكَ سائر الحيوانات، وإن شئت فَانْظُرْ مبلغ حنين تلك الحيوانات إليهم فكن رفيقاً أيها المُؤْمِن تجمَعَ بين حب الله وحب عباده ولَيْسَ بعد ذَلِكَ لذوي النهي أرب، اللَّهُمَّ اختم لنا بخاتمة السعادة وَاجْعَلْنَا ممن كتبت لّهُمْ الحسني وزيادة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ فِي بَيَانِ تَحْرِيْمِ الحَسَدْ اعْلم وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ وجنبنا وَإِيَّاكَ وإياهم كُلّ خلق ذميم: أن مِمَّا يتأكد اجتنابه فِي كُل زمان ومكَانَ الحسد إذ هُوَ من الذُّنُوب المهلكات، ومعني الحسد: أن يجد الإنسان فِي صدره وقَلْبهُ ضَيِّقاً وحرجاً وكراهية لنعمة أنعم الله بِهَا عَلَى عبد من عباده فِي دينه أو دنياه حتي أنه ليحب زوالها عنهُ وَرُبَّمَا تمني ذَلِكَ أو سعي فِي إزالتها وحسبك بذمه وقبحه أن الله تعالى أمر رسوله ? أن يتعوذ من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من شر

стр. 2336

الشيطان قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ . والحرص والحسد من مداخل الشيطان إلي الْقَلْب فمهما كَانَ الْعَبْد حريصاً عَلَى كُلّ شَيْء أعماه وأصمه قال ?: " حبك للشَيْء يعمي ويصم ". ونور البصيرة هُوَ الَّذِي يعرف مداخل الشيطان فإِذَا غطاه الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسن عِنْدَ الحريص كُلّ ما يوصله إلي شهواته وإن كَانَ منكراً وفاحشاً، فبالحسد لعنَ إبلَيْس وجعل شيطانَاً رجيماً وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الْجَنَّة كُلّهَا إلا الشجرة، فأصاب حاجته إبلَيْس من آدم بالحرص فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها. ومن أجل أن الحسد بهذه الدرجة ورد فِيه تشديد عَظِيم حتي قال فِيه الرَّسُول ?: "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" رواه أبو داود وابن ماجه، وَقَالَ ?: "لا يجتمَعَ فِي جوف عبد غبار فِي سبيل الله، وفيح جهنم ولا يجتمَعَ فِي جوف عبد الإيمان والحسد" رواه ابن حبان فِي صحيحه ورواه البيهقي. والَّذِي يجب أن يفهم من هَذَا الْحَدِيث: أن الإيمان الصادق الكامل الَّذِي يستحضر صاحبه أن كُلّ أفعال الله لحكمة لا يجتمَعَ مَعَ الحسد الَّذِي يغضب من فعل الله وقسمته وَيَقُولُ ? فِي الحسد:"لا يزال النَّاس بخَيْر ما لم يتحاسدوا" رواه الطبراني، والمعني وَاللهُ أَعْلم: أنَّهُمْ إِذَا تحاسدوا ارتفع الْخَيْر مِنْهُمْ وكيف لا يرتفع مِنْهُمْ الْخَيْر وكل مِنْهُمْ يتمني أن يزول الْخَيْر الَّذِي عِنْدَ أخيه، ونهي ? عن الحسد فَقَالَ: "ولا تحاسدوا" والحسد نتيجة من نتائج الحقَدْ وثمرة من ثمراته المترتبة عَلَيْهِ فإن من يحقد عَلَى إنسان يتمني زَوَال نعمته ويغتابه وينم عَلَيْهِ ويعتدي عَلَى عرضه، ويشمت فِيه لما يصيبه

стр. 2337

من البَلاء، وغَيْرَ ذَلِكَ من الصفات المذمومة التي لا تليق بالإنسان وكثيراً ما تري الحاسد ينقب عن مساوئ المحسود فيبرزها عَلَى صفة الذم والتثريب فينتبه المحسود لها ويتجنبِهَا فيكون السبب فِي إزالتها عدوه الحاسد كما قيل: ... عُدَاتِي لَهُمْ فَضْلٌ عَلَيَّ وَمِنَةً فَلاَ أَذْهَبَ الرّحْمَنُ عَنّي الأعَادِيَا هُمُوْا بَحَثُوْا عن زَلَّتِي فاجْتَنَبْتُهَا وَهُمْ نَافَسُونِي فَاكْتَسَبْتُ المَعَالِيَا ... >? وَيَقُولُ الآخر: ... وَإِذَا أَرَادَ اللهُ نَشْرَ فَضِيْلَةٍ طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حُسُودِ لَوْلاَ اشْتِعَالُ النَّارِ فِي جزل الغَضَا مَا كَانَ يُعْرِفُ طِيْبُ رِيْحِ العُوْدِ آخر: ... مُحَسَّدُوْنَ وَشَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ عَاشَ فِي النَّاسِ يَوْماً غَيْرَ مَحْسُودِ آخر: ... إِنّي حُسِدْتُ فَزَادَ اللُه فِي حَسَدِي لاَ عَاشَ مَنْ عَاشَ يَوماً غَيْرَ مَحْسُودِ مَا يُحْسَدُ المَرءُ إلا مِنْ فَضَائِلِهِ بِالعِلْمِ والظُّرْفِ أَوْ بِالْبَأسِ والجُوْدِ آخر: ... سُبْحَانَ مَنْ َسَّخَر لِي حَاسِدِي ... يُحْدِثُ لِي فِي غَيْبَتِي ذِكْرَا لاَ أَكْرَهُ الغِيْبَةَ مِنَ حَاسِدِيْ ... يُفِيدُنِيْ الشُهْرَةَ وَالأجْرَا وكفِي بالحقَدْ ذماً أن يكون الحسد ثمرة من ثمراته وأثراً من آثاره. شِعْراً: ... فَلاَ تَحْسِدَنْ يَوماً عَلَى فَضْلِ نِعْمَةٍ ... فَحَسْبُكَ عَاراً أَنْ يُقَالَ حَسُوْدُ

стр. 2338

آخر: ... ألا قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِداً ... أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَأَتَ الأدَبْ أَسَأَتَ عَلَى اللِه فِي فِعْلِهِ ... لأَنَّكَ لم تَرّضَ لِي مَا وَهَبْ وفِي الغالب أن الحسد يكون بين النظراء والزملاء وأرباب الصناعات والمراتب والمناصب الحكومية فالتاجر يحسد التاجر والصانع يحسد الصانع والنجار يحسد النجار والفلاح يحسد الفلاح وأرباب الجاه يحسدون أرباب الجاه وذوو المناصب الحكومية يحسد بَعْضهمْ بعضاً ومن الأمثال المتداولة قولهم عدو المرء من يعمل عمله وللحسد أعاذنا الله وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ منه مراتب. أحدها أن يتمني زَوَال النعمة عن الغَيْر، ويعمل ويسعي فِي الوسائل المحرمة الظالمة ويسعي فِي إساءته بكل ما يستطيع وهَذَا الغاية فِي الخبث والخساسة والنذالة وهذه الحالة هِيَ الغالبة فِي الحساد خصوصاً المتزاحمين فِي صفة واحدة فإن من يربح مِنْهُمْ ربحاً كبيراً أو يظفر بلذة يرقبِهَا غيره فإن ذَلِكَ الغَيْر يحسده عَلَى ما حصل لَهُ من ذَلِكَ ويسعي إلي حرمانه فِي ذَلِكَ الرِّبْح ليظفر هُوَ به ويكثر ذَلِكَ فِي طلاب المناصب والجاه. المرتبة الثَّانِيَة: أن يتمني زَوَال النعمة ويحب ذَلِكَ، وإن كانت لا تنتقل إليه، وهَذَا أيضاً فِي غاية الخبث، ولكنها دون الأولي. الثالثة أن يجد من نَفْسهِ الرغبة فِي زَوَال النعمة عن المحسود سواءً انتقُلْتُ إليه أو إلي غيره ولكنه فِي جهاد مَعَ نَفْسهِ وكفها عن ما يؤذي خوفاً من الله تعالى وكراهية فِي ظلمِ عِبَادِ اللهِ ومن يفعل هَذَا يكون قَدْ كفِي شر غائلة الحسد، ودفع عن نَفْسهِ العقوبة الأخروية ولكن ينبغي لَهُ أن يعالج نَفْسهُ من هَذَا الوباء حتي يبرأ منه. الحالة الرابعة: أن يتمني زَوَال النعمة عن الغَيْرِ، بغضاً لذلك

стр. 2339

الشخص، لسبب شرعي، كأن يكون ظالماً يستعين عَلَى مظالمه بهذه النعمة فيتمني زوالها ليريح النَّاس من شره ومثل أن يكون فاسقاً يستعين بهذه النعمة عَلَى فسقه وفجوره، فيتمني زَوَال المغل هَذَا عنهُ ليريح العباد والْبِلاد من شره القاصر والمتعدي، فهَذَا لا يسمي حسداً مذموماً وإن كَانَ تعريف الحسد يشمله، ولكنه فِي هذه الحال يكون ممدوحاً لاسيما إِذَا كَانَ يترتب عَلَيْهِ عمل يدفع هَذَا الظلم والعدوان ويردع هَذَا الظالم. الحالة الخامسة: أن يحب ويتمني لنفسه مثلها فإن لم يحصل لَهُ مثلها فلا يحب زوالها عن صاحبِهَا فهَذَا لا بأس به إن كَانَ كالنعم الدنيوية كالْمَال المباح والجاه المباح وإن كَانَ من النعم الدينية كالعلم الشرعي والعبادة الشرعية كَانَ محموداً كأن يغبط من عنده مال حلال ثُمَّ سلط عَلَى هلكته فِي الحق من واجب ومستحب فإن هَذَا من أعظم الأدلة عَلَى الإيمان ومن أعظم أنواع الإحسان وَكَذَا من آتاه الله الحكمة والعلم فوفق لنشره، كما فِي الْحَدِيث: " لا حسد إلا فِي اثنتين رجل آتاه الله مالاً، فسلطه عَلَى هلكته فِي الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بِهَا ويعلمها ". فهذان النوعان من الإحسان لا يعادلهما شَيْء إلا إن ترتب عَلَيْهِ وساوس شيطانية، وخواطر نفسانية تجر الإنسان إلي مواضع الخطر التي تفسد عمله كأن يَقُولَ فِي نَفْسهِ أَنَا أحق منه بهَذَا فهَذَا اعتراض عَلَى حكمة الله وقسمته ولا يجوز ذَلِكَ: شِعْراً: ... عَيْنُ الحَسُودِ عَلَيْكَ الدَّهْرَ حَارِسَةٌ ... تُبْدِي المَسَاوِئ والإحْسَانَ تُخْفِيه يَلْقَاكَ بِالبِشْرِ بِيَدْيِهِ مُكَاشَرَةً ... والْقَلْبُ مَضْطَغِنٌ فِيه الَّذِي فِيه إِنْ الحَسُودَ بِلاَ جُرْمٍ عَدَاوَتُهُ ... فلَيْسَ يَقْبَلُ عُذْراً فِي تَجَنِيَّهِ آخر: ... عَلَيْكَ أَخَي بِالتُّقَى وَلُزُوْمه ... وَلاَ تُكْثِرَنْ مَا فِيه زَيْدٌ وَلاَ عَمْرُوْ

стр. 2340

فَزَهْرَةُ ذِي الدُّنْيَا سَرِيْعٌ ذُبُولُهَا ... وفِي نَهْي طَهَ لِلّنَّبِي لَنَا ذِكْرُ وَكُنْ مُنْشِداً مَا قَالَ بَعْضُ أُوْلِي النُهَى ... فَكم حِكْمَةٍ غَرَّاءَ قَيَّدَهَا الشِّعْرُ (إِذَا المَرْءُ جَازَ الأرْبَعِيْنَ وَلم يَكُنْ ... لَهُ دُوْنَ مَا يَأْتِي حَيَاءٌ وَلاَ سِتْرُ) (فَدَعْهُ وَلاَ تَنْفُسْ عَلَيْهِ الَّذِي أَتَى ... وَإِنْ مَدَّ أَسْبَابَ الحَيَاةِ لَهُ العُمْرُ) آخر: أَأَقْصُدُ بِالمَلاَمَةِ قَصْدَ غَيْرِي ... وَأَمْرِي كُلُّهُ بَادِي الخِلاَفِ إِذَا عَاَش امْرُؤٌ خَمْسِيْنَ عَاماًَ ... ولم يُرَ فِيه آثَارُ العَفَافِ فَلاَ يُرْجَى لَهُ أَبَداً رَشَادٌ ... فقَدْ أَرْدَى بِنِّيَتِهِ التَّجَافِي وَلِمَ لاَ أَبْذُلُ الإنْصَافَ مِنِي ... وَأَبْلُغُ طَاقَتِي فِي الانْتِصَافِ لِي الوَيْلاَتُ إِنْ نَفَعَتْ عِظَاتِي ... سِوايَ ولَيْسَ لِي إلا القَوَافِي (فَصْلٌ) ثُمَّ اعْلم أن للحسد أسباباً. الأول: العداوة والبغضاء وهَذَا أشد أسباب الحسد. الثاني: التعزز والترفع وَهُوَ أن يثقل عَلَيْهِ أن يرتفع عَلَيْهِ غيره فإِذَا أصاب أحد زملائه ولاية أو مالاً خاف أن يتكبر عَلَيْهِ وَهُوَ لا يطيق تكبره وافتخاره عليه. السبب الثالث الكبر وَهُوَ أن يكون فِي طبعه أن يتكبر عَلَيْهِ ويستحقره ويستصغره ويستخدمه فإِذَا نال ولايةً خاف أن لا يحتمل تكبره ومن التكبر والتعزز كَانَ حسد أكثر الكفار لِرَسُولِ اللهِ ? إذ قَالُوا: كيف يتقدم علينا

стр. 2341

غلام يتيم فنطأطئ رؤوسنا له. فَقَالُوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ . السبب الرابع التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسل والوحي والقرب من الله بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زَوَال النعمة عنهم. الخامس الخوف من فوت مقصد من المقاصد وَذَلِكَ يختص بمتزاحمين عَلَى مقصود واحد وَذَلِكَ مثل الضرات عِنْدَ زوجهن والتلاميذ عِنْدَ الأستاذ والإخوة فِي التزاحم عَلَى نيل المنزلة فِي قلب الأبوين ليتوصل به إلي مقاصد الكرامة والْمَال وخدام الملك فِي نيل المنزلة من قلبه. السادس حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غَيْرِ توصل به إلي مقصود وَذَلِكَ كالرجل الَّذِي يريد أن يكون عديم النظير فِي فن من الفنون إِذَا غلب عَلَيْهِ حب الثناء والمدح واستفزه الفرح بما يمدح به، فإنه لَوْ سمِعَ بنظيرأً لَهُ فِي أقصي أقطار الأرض لساءه ذَلِكَ، وأحب موته أو زَوَال تلك النعمة التي عِنْدَ الَّذِي يشاركه بِهَا فِي المنزلة من شجاعة أو علم أو صناعة أو جمال أو ثروة أو نحو ذلك. السابع: خبث النفس وحبِهَا للشر وشحها بالْخَيْر لعِبَادِ اللهِ، فتجد المتصف بذَلِكَ إِذَا ذكر لَهُ اضطراب ونكبات تصيب النَّاس وإدبارهم وفوت مقاصدهم وتنغيص عيشهم استنار وجهه وفرح به وصار يبثه وَرُبَّمَا أتي بإشاعته فِي صورة الترحم والتوجع فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله عَلَى عباده كأنه يؤخذ ما أعطاهم الله من ماله وخزانته، عَلَى أنه لَيْسَ بينه

стр. 2342

وبينهم عداوة وهَذَا لَيْسَ لَهُ سبب إلا التعمق فِي الخبث والرذالة والنذالة والخساسة فِي الطبع اللئيم ولذَلِكَ يعسر معالجة هَذَا السبب لأنه جهول ظلوم ولَيْسَ يشفِي علة صدره ويزيل حزازة الحسد الكامن فِي قَلْبهِ إلا زَوَال النعمة فحينئذ يتعذر الدواء أو يعز ومن هَذَا قول بعضهم. وَكُلٌّ أُدَاوِيْهِ عَلَى قَدْرِ دَائِهِ سِوَى حَاسِدِي فَهْيَ الَّتِي لاَ أَنَالُهَا وَكَيْفَ يُدَاوِيْ المَرْؤُ حَاسِدَ نِعْمَةٍ إِذَا كَانَ لاَ يُرْضِيْهِ إلا زَوَالُهَا ... >? قال بَعْضهمْ: رَأَيْت أكثر النَّاس إلا من عصم الله وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم فِي الدُّنْيَا ويحتقبون عَظِيم الإثم الموجب للنار فِي الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً من نيات خبيثة يحرصون عَلَيْهَا من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب لَهُ وتمني أشد البَلاء لمن يكرهونه وقَدْ علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل شيئاً مِمَّا يتمنونه أو توجب كونه وأنَّهُمْ لَوْ وصفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الرَّاحَة لأنفسهم وتفرغوا بذَلِكَ لمصالح أمورهم، ولا اقتنوا عَظِيم الأجَر فِي المعاد، من غَيْر أن يؤخر ذَلِكَ شيئاً مِمَّا يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عَلَيْهَا ١ هـ. وأما الأسباب الأخري فيتصور إزالتها فِي المعالجة, وقَدْ تجتمع أسباب الحسد المذكور كُلّهَا فِي شخص واحد أو أكثرها. ... أَعْطَيْتُ كُلَّ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرِّضَا ... إلا الحَسُودَ فِإَنَّهُ أَعْيَانِي لاَ أَنَّ لِي ذَنْباً لَدَيْهِ عَلِمْتُهُ ... إلا تَظَاهُرُ نِعْمَةِ الرَّحْمَنِ

стр. 2343

.. يَطْوِيْ عَلَى حُنْقٍ حَشَاهُ لأًنْ رَأى ... عِنْدِيْ كَمَالُ غِنَى وَفَضْلُ بَيَانِ مَا إِنْ أَرَى يُرْضِيِهِ إلا ذِلْتِي ... وذَهَابُ أَمْوَالِي وَقَطْعُ لِسَانِي وقَدْ ذكر العلماء للحسد دواءً فأولاً أن تعرف أنه ضرر عَلَيْكَ فِي الدين والدُّنْيَا ولا ضرر به عَلَى المحسود لا فِي الدُّنْيَا ولا فِي الدين بل ينتفع به فيهما جميعاً أما ضرره فِي الدين فلأنه سخط لِقَضَاءِ الله وقدره، وكراهة لنعمته عَلَى عبده المُؤْمِن وانضم إليه غش المسلم وترك نصحه وترك الْعَمَل بقوله ?: " لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". وانضم أيضاً إلي ذَلِكَ أنه شارك إبلَيْس وهذه خبائث تأكل الحسنات وأما ضرره فِي الدُّنْيَا فإنه الألم النقد الحاضر والْعَذَاب الدائم. وأما كونه لا ضرر عَلَى المحسود فواضح لأن النعمة لا تزول بالحسد وأما منفعته فِي الدُّنْيَا للمحسود فهو أن أهم مقاصد أكثر أبناء الدُّنْيَا إيصال الضَّرَر والهم إلي أعدائهم وَهُوَ متوفر فِي الحسد وقَدْ فعل الحاسد بنفسه مرادهم فأَنْتَ بالحَقِيقَة عدو لنفسك وصديق لعَدُوّكَ ومَعَ هَذَا كله فقَدْ أدخلت السرور عَلَى إبلَيْسَ وَهُوَ أعدي عدو لك ولغيرك ولَوْ عقُلْتُ تماماً لعكست وكلفت نفسك نقيض الحسد إذ أن كُلّ مرض يعالج بضده فمثلاً يكلف لِسَانه الثناء عَلَيْهِ من غَيْرِ كذب ويلزم نَفْسهُ بره إن قدر فهذه الأفعال تعمل مقاربة تطيب قلب المحسود ويحب الحاسد ويصير ما يتكلفه أولاً طبعاً آخراً ولا يعمل بوساوس الشيطان إن هَذَا عجز ونفاق وخوف لأن ذَلِكَ من خدعه ومكائده فهَذَا الدواء إلا أنه مر قل من يقدر عَلَيْهِ قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ الآية وبالتالي فإن خَيْر ما للمرء أن يكون مستريحاً فِي دنياه لعل الله أن يجعله من أَهْل الْجَنَّة فِي أخراه. وفِي الدُّنْيَا فِي أمن وفِي رغد هَذَا شَيْء متحقق وقديماً قيل:

стр. 2344

.. يَا طَالِبَ العَيْشِ فِي أَمْنٍ وَفِي دَعَةٍ رَغْداً بَلاَ قَتَرٍ صَفْواً بَلاَ كَدَرِ خَلِّصْ فُؤَادَكَ مِنْ غِلٍّ وَمِنْ حَسَدٍ فَالغِلُّ فِي الْقَلْبِ مِثْلُ الغِلِّ فِي العُنُقِ ... >? آخر: ... مَتَى تَجْمَعَ الحَسْدَ العَمِيْقَ وَغِيْبَةً ... وَنَماً وَكَذِباً تَخْتَطِبْكَ المَنَاصِبُ وَإِنْ تجْمَع الإخْلاَصَ والزُهْدَ وَالتُقَى ... وَعِْلماً وَحِلْماً تَجْتَنِبْكَ المَرَاتِبُ آخر: ... (لَمَا عَفَوْتَ وَلم أحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ ... أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاَواتِ) (إِنّي أُحَيّي عَدُوّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ... لأَدْفَعَ الشَرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَاتِ) وَقَالَ آخر: إِلْقِ الْعَدُوِّ بِوَجْهِ لا قُطُوبَ بِهِ يَكَادُ يَقْطُرُ مِنْ مَاءِ البَشَاشَاتِ فَأحَزَمُ النَّاسِ مَنْ يَلْقَى أَعَادِيَهُ فِي جِسْمِ حِقْدٍ وَثَوْبٍ مِنْ مَوَدَاتِ آخر: ... أُجَامِلُ أَقْوَاماً حَيَاءً وَقَدْ أَرَى صُدُوْرَهُمُ بَادٍ عَلَى مِرَاضُهَا ... >? والطَرِيق الوحيد أن تعلم تماماً أن الْخَيْر كله فِي أن لا يكون فِي نفسك لأحد من المُسْلِمِيْنَ غش ولا تحسد أَحَداً عَلَى خَيْر أعطاه الله إياه ثُمَّ أي ضرر

стр. 2345

يحصل لك لَوْ كَانَ غيرك فوقك فِي الْمَال أو فِي المنصب، إنه مسكين، ما نقص من دنياك ولا من آخرتك مثقال ذرة. وإِذَا رَأَيْت قلبك صافياً محباً لإخوانك من المُسْلِمِيْنَ الْخَيْر كارهاً لهُمْ ما تكره لنفسك، فهذه بشارة للمستقيم، وليسمَعَ إلي ما ورد عن أنس بن مالك قال كنا جلوساً عِنْدَ رسول الله ? فَقَالَ "يطلع الآن عليكم رجل من أَهْل الْجَنَّة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قَدْ علق نعَلَيْهِ بيده الشمال. فَلَمَّا كَانَ الغد قال النَّبِيّ ? مثل مقالته أيضاً فطلع الرجل عَلَى مثل حاله الأول فَلَمَّا قام النَّبِيّ ? تبعه عَبْد اللهِ بن عمرو أي تبع ذَلِكَ الرجل فَقَالَ إني لاحيتُ أبي، فأقسمت أني لا أدخل عَلَيْهِ ثلاثاً، فإن رَأَيْت أن تؤريني إليك حتي تمضي فعلت قال نعم قال أنس فكَانَ عَبْد اللهِ يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئاً غَيْرَ أنه إِذَا تعارَّ من الليل ذكر الله وكبر، حتي قام لصلاة الفجر. قال عَبْد اللهِ غَيْرَ أني لم أسمعه يَقُولُ إلا خيراً فَلَمَّا مضت الثلاث الليالي وكدت أن أحتقر عمله قُلْتُ يا عَبْد اللهِ لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ولكن سمعت رسول الله ? يَقُولُ لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أَهْل الْجَنَّة فطلعت أَنْتَ الآن فأردت أن آوي إليك فأنظر عملك فأقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل فما الَّذِي بلغ بك ما قَالَ رَسُولُ اللهِ ? قال ما هُوَ إلا ما رَأَيْت فَلَمَّا وليت دعاني فَقَالَ ما هُوَ إلا ما رَأَيْت غَيْرَ أني لا أجد فِي نفسي لأحد من المُسْلِمِيْنَ غشاً ولا حسداً عَلَى خَيْر أعطاه الله إياه فَقَالَ عَبْد اللهِ هذه التي بلغت بك رواه أَحَمَد بإسناد صحيح. شِعْراً: ... كُلُّ العَدَاوَاتِ قَدْ تُرْجَى مَوَدَّتُهَا ... إلا عَدَاوَةَ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدِ فَإِنَّهَا نُكْتَةٌ فِي الْقَلْبِ ثَابِتَةٌ ... ولَيْسَ يَدْفَعُهَا شَيْءٌ سِوَى الصَّمَدِ آخر: ... إِنَّ العَرَانِيْنَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلاَ تَرَى لِلِئَامِ النَّاسِ حُسَّادَا

стр. 2346

ج آخر: ... مَا ضَرِنْي حَسَدُ اللِّئَامِ وَلم يَزَلْ ... ذُوْ الفَضْلِ يَحْسُدُهُ ذَوُوْ النُقْصَانِ يَا بُؤْسَ قَوْمٍ لَيْسَ جُرْمُ عَدُوّهِمْ ... إلا تَتَابُعُ نَعْمَةِ الرَّحْمَنِ موعظة: عِبَادَ اللهِ إن داء الحسد من أعظم الأدواء، والابتلاء به من أشد البلوي، يحمل صاحبه عَلَى مركب صعب، ويبعده عن التقوي، ويركبه الأهواء فيظِلّ ويغوي، يضيق صدر الحسود وينفطر قَلْبهُ إِذَا رأي نعمة الله عَلَى أخيه المسلم فيعاني من البؤس واللأوي، ما لا يستطيع أن يبث معه ما يجده من الحزن والقلق، ولا يقدر عَلَى الشكوي، إلا إلي الشيطان ونفسه الأمارة بالسُّوء أو من هُوَ مثله فِي الحسد، فقاتل الله الحسود لا يفعل الْخَيْر ولا يحبه لإخوانه المسلمين، غاية أمنيته زَوَال نعمة الله عن عباده إنه بعمله سالك طَرِيق إبلَيْسَ لعنه الله، فما أوقع الشيطان فِي معصية الله إلا حسده لأبينا آدم وامتناعه من السجود بعد ما أمره الله، وما حمل قابيل عَلَى قتل هابيل إلا حسده لأخيه حيث تقبل الله منه قربانه الَّذِي أراد به وجه الله والدار الآخرة وما منع المشركين والمترفين من اتباع الرسل إلا الحسد والكبر، وما حمل أَهْل اْلكِتَاب عَلَى كراهة الدين الإسلامي وصرف المُسْلِمِيْنَ عن كتاب الله والإيمان بسيد الرسل وخاتمهم إلا ما ذكره الله عنهم ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ الآية، وَقَالَ ?: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ". الحاسد لا يضمر إلا غدراً ولا يعمل إلا شراً ولا يدبر إلا مكراً. وجملة القول أن الحاسد ميسر للعسري لا تجدي معه المواعظ والنصائح وقَدْ قيل إن بضاعة إبلَيْسَ خمسة أصناف يبيعها من قوم معروفين، وهي الحسد وأهله العلماء، وأَهْل الحرفة الواحدة، أي كُلّ من يتفق عملهم مسلمين أو غَيْر مسلمين، والكبر وأهله الأنذال والسفلة والسفهاء والحمقاء ومن لا خَيْر فِيه من المحترفين المنحرفين. شِعْراً: ... لِكُلِّ امْرِىءٍ شَكْلُ مِنْ النَّاسِ وَحْدَهُ ... فَأَرْجَحُهُمْ عَقْلاًً أَقَلُهُمْ شَكْلا

стр. 2347

وَكُلُ أُنَاسٍ يُعْرَفُوْنَ بِشَكْلِهِمْ ... فَأْكْثَرُهُمْ شَكْلاً أَقَلُهُمْ عَقْلا وَإِنَّ كَبِيْرَ العَقْلِ لَيْسَ بِوَاجِدٍ ... لَهُ بَيْنَ أَلْفٍ حِيْنَ يَفْقِدُهُ مِثْلا وَكُلُ سَفِيهٍ طَائِشٍ إِنْ فَقَدْتَهُ ... وَجَدْتَ لَهُ فِي كُلِّ زَاوْيَةٍ عِدْلا آخر: ... فَشَرْطُ الفِلاحَةِ غَرْسُ النَّبَات ... وَشَرْطُ الرّيَاسَةِ غَرْسُ الرِجَّال فَإِنْ لم تُعَاشِرْ سِوَى كَامِلٍ ... بَقِيْتَ وَحِيْداً لِعِزِّ الكَمَال والجور والطغيان، وأهله الملوك والأمراء والوزراء والعظماء، وأعوأنهُمْ من الفسقة والمجرمين، والكيد وأهله النساء، والنمامين والدلالين، والمنسببين وبئست البضاعة بضاعة الشيطان، ويا حَسْرَة المشترين، ويا ندامتهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ قيل إنه كَانَ رجل يغشي أحد الملوك فيقوم بحذاء الملك فَيَقُولُ أحسن إلي المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل عَلَى ذَلِكَ المقام، والكلام فسعي به إلي الملك، فَقَالَ إن هَذَا الَّذِي يقوم بحذائك وَيَقُولُ وَيَقُولُ ما يَقُولُ يزعم أنك أبخر، فَقَالَ لَهُ الملك وكيف يصح ذَلِكَ عندِي، قال تدعوه إليك فإنه إِذَا دنا منك وضع يده عَلَى أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فَقَالَ لَهُ انصرف حتي أنظر وأتحقق ذَلِكَ، فخرج من عِنْدَ الملك، فدعا الحاسد ذَلِكَ الرجل إلي منزله فأطعمه طعاماً فِيه ثوم فخرج الرجل من عنده وذهب إلي الملك عَلَى عادته وقام بحذاء الملك فَقَالَ أحسن إلي المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فَقَالَ لَهُ الملك ادن مني، فدنا منه ووضع يده عَلَى فِيه، مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فَقَالَ الملك فِي نَفْسهِ ما أري فلانَا إلا صدَقَ، قال وكَانَ الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزةٍ أو صلةٍ فكتب له كتاباً بخطه إلي عاملهِ قال فيه إذا أتاك حاملُ كتابي هَذَا فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبناً وابعث به إلي، وأخذ اْلكِتَاب وخرج فلقيه الرجل الَّذِي سعي به إلي الملك وكذب عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: ما هَذَا اْلكِتَاب قال خط الملك لي به صلة فَقَالَ هبه لي فَقَالَ هُوَ لك

стр. 2348

فأخذه، الساعي ومضي به إلي عامل الملك، فَقَالَ لَهُ العامل: فِي كتابك أني أذبحك وأسلخك فَقَالَ إن اْلكِتَاب لَيْسَ لي، فالله الله، فِي أمري حتي تراجع الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشي جلده تبناً، وأرسله للملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، ثُمَّ عاد الرجل إلي الملك كعادته وَقَالَ مثل قوله، فتعجب الملك، وَقَالَ لَهُ ما فعل اْلكِتَاب، فَقَالَ لقيني رجل هُوَ فلان فاستوهبه مني فوهبته لَهُ، قال لَهُ الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قُلْتُ ذَلِكَ، قال فلم وضعت يدك عَلَى فيك قال لأنه أطعمني طعاماً فِيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلي مكانك، فقَدْ كفِي المسيء إساءته فَانْظُرْ يا أخي كيف دارت عَلَى الباغي الدوائر واسأل ربك أن يعافيك من هذه الأمراض الفتاكة التي ربما قضت عَلَى حَيَاته وأوصلته فِي الآخرة نار جهنم. وختاماً فعَلَى اللبيب أن يتجنب الحسد فإنه من خلق الأدنياء وصفة الجهلاء فإن أبصرت بقائم فاعضده ويسر لَهُ السبيل حسب استطَاعَتكَ وإن رَأَيْت نعمة أسبغها الله عَلَى عبد من عباده فاسع إلي مثلها بقلب طاهر ووجدان نقي لعلك أن تبلغها بإذن الله. فعزيزة النفس إن أبصر غيره فِي أمر يثني عَلَيْهِ به، أو رآه فِي منزلة يغبط عَلَيْهَا فلا يجول فِي وهمه أن يحسده عَلَى نعمته أو يحط من منزلته بل يسعي كُلّ السعي لينال مثل مناله ويرقي مثل رقيه فإن زادت فِيه عزة النفس والإباء فلا يرضي لنفسه إلا بما فوق ذَلِكَ المقام: شِعْراً: ... أَسَأْتُ فَمَا عُذْرِيْ إِذَا انْكَشَفَ الغِطَا وَأَظْهَرَ رَبُّ العَرْشِ مَا أَنَا أسْتُرُ ... >?

стр. 2349

.. إِذَا اللهُ نَادَانِي بِيَوْمِ قِيَامَةٍ تَعَدَّيْتَ حَدَّ العِلْمِ هَلْ أَنْتَ تُوْجَزُ أَسَأْتَ إِلى خَلْقِي وَحَقِّي تَرَكْتَهُ فَأَيْنَ الحَيَا مِنِّي فَإِنِّي أَكْبَرُ دَعَوْتَ إِلى عِلْمٍ وَأَظْهَرْتَ حِكْمَةً وأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا عَكُوْفٌ مُشَمِّرُ وَخَالَفْتَ مَا قَدْ قُلْتَ وَازْدَدْتَ غَفْلَةً وَقَلْبُكَ لِلَّذَاتِ وَالغِشِّ يُضْمِرُ ظَنَنْتَ بِأَنِّي مُهْمِلٌ لامْرِءٍ عَصَى كَأَنَّكَ لم تَعْلم بِأَنَّكَ تُحْشَرُ هُنَالِكَ يَمْتَازُ المُسِيْؤُنَ كُلُّهُمْ فَوَا حَسْرَتَا إِنْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحَسَّرُ فَيَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ يَا خَيْرَ رَاحِمٍ وَمَنْ هُوَ لِلْزَّلاَتِ وَالذَّنْبِ يَغْفِرُ عَصَيْتُكَ مِنْ لُؤْمِي وَنْفِسي ظَلمتُهَا وَذَنْبِي فِي عُمْرِي يَزِيْدُ وَيَكْثُرُ وَلَكِنَّنِي إِنْ جِئْتُ ذَنْباً وَزَلَّةً أْرَجِيْكَ يَا رَحْمَنُ لِلْوَهْنِ تَجْبُرُ وَتَغْفِرُ لِي ذَنْبِيْ وَتُصْلِحُ عِيْشَتِيْ وَتَرْحَمُ آبَائِي فَإِنَّكَ تَقْدِرُ

стр. 2350

.. وَأَرْجُوْكَ يَا رَحْمَنُ إِذْ مَا سَتَرْتَنِي بِدُنْيِايَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَسْتُرُ ... >? اللَّهُمَّ حبب إلينا الإيمان وزينه فِي قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وَاجْعَلْنَا مِنْ الراشدين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين. " موعظة " إخواني إن فِي مواعظ الأيَّام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثُمَّ تحمل إلي مضائق القبور، فكم قَدْ شاهدتم من شخصيات فِي الأرض، قَدْ وضعت، وَكم قَدْ عاينتم من أبدان ناعمة فِي الأكفان قَدْ لفت وإلي مضيق الإلحاد قَدْ زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا لَهُ من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا لَهُ من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر فِي موقف مهيل موقف فِيه تنقطع الإنساب وتخضع فِيه الرقاب وتنسكب فِيه العبرات وتتصاعد فِيه الزفرات ذَلِكَ موقف تنشر فِيه الدواوين، وتنصب فِيه الموازين، ويمد فِيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس فِي النار. دخل عمر بن عَبْد الْعَزِيز ﵀ عَلَى سابق البربري وَهُوَ يتمثل بالأبيات المشهورة من قصيدة الأعشي. ... أَجِدَّكَ لم تَذْكُرْ وِصَاةَ مُحَمَّدٍ نَبِّي الإلَهِ حِيْنَ أَوْصَى وَأَشْهَدَا إِذَا أَنْتَ لم تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى وَأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا ... >?
следующие страницы →