Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
استدامة الصحة تَكُون بإذن الله بترك التكاسل عن التعب وبترك الامتلاء من الطعام والشراب وترتيب المآكل.
للقلب آفتان الهم والغم، فالغم يعرض منه النوم، والهم يعرض منه السهر.
العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم أحسنه وما بلغك قليله إلي كثيره
مَا حَوَى العِلْمُ مِنَ الخَلْقِ أَحَداً ... لاَ ولَوْ حَاوَلَهُ أَلْفَ سَنَهْ
إِنَمَا العِلْمُ كَبَحْرٍ زَاخِرٍ ... فَاتَخِذْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهْ
عجباً لمن عرف الدُّنْيَا وأنها دار فناء كيف تلهيه عن دار البقاء التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر عَلَى قلب بشر.
إعطاء المريض ما يشتهيه أنفع لَهُ من أخذه بكل ما لا يشتهيه.
الدُّنْيَا تنصح تاركها وتغش طالبِهَا فنصيحتها لتاركها ما تريه من تغيرها بأهلها وفتكها بهم ونكدها وكدرها وغمومها وهمومها.
وغشها لطالبِهَا ما تذيقه من لذة ساعتها ثُمَّ تعقبه مرارة طعمها وسوء منقلبها.
طالب الدُّنْيَا كناظر السراب يحسبه سبباً لريه فيتعب نَفْسَهُ فِي طلبه فإِذَا جاءه خانه ظنه وفاته أمله وبقي عطشه ودامت حسرته وندامته وخسر طولَ عنائه.
وَقَالَ آخر: الإنسان فِي الدُّنْيَا معذب بجَمِيع أحوالها غَيْر باق عَلَيْهِ ما يصير إليه من أسبابها.
قليل التهنئة بما يجده من ملاذها دائم النكد والكبد والغصص بمفارقة أحبابه فيها.
يا هَذَا الدُّنْيَا وراءك والآخرة أمامك والطلب لما وراءك هزيمة.
إنما يعجب بالدُّنْيَا من لا فهم لَهُ الدُّنْيَا كأضغاث أحلام تسر النائم.
لعب خيال يحسبهَا الطفل حَقِيقَة فأما العاقل فيفهمها.
стр. 2417
رَأَيْتُ خَيَالَ الظِلِّ أكْبَرَ عْبَرَةٍ ... لِمَنْ هُوَ فِي عِلْمِ الحَقِيْقَةِ رَاقٍ
شُخُوصٌ وَأشْبَاحٌ تَمُرُّ وَتَنْقَضِي ... جَميْعاً وتَفْنَى والمُحَرِّكُ باقٍ
قال ثابت بن قرة: راحة الجسم فِي قلة الطعام، وراحة الروح فِي قلة الآثام، وراحة اللسان فِي قلة الكلام قُلْتُ إلا بذكر الله وما ولاه.
والذُّنُوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولابد، والضعيف لا يقوي عَلَى مقاومة العوارض. قال عَبْد اللهِ بن المبارك:
رَأَيْتُ الذُنُوبَ تُمِيْتُ القُلُوبَ ... وقَدْ يُورثُ الذُلَّ إدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُنُوبَ حَيَاةُ القُلُوبِ ... وخَيْرٌ لِنَفْسِِكَ عِصْيَانُهَا
كل شَيْء إِذَا كثر رخص إلا العلم والعقل كُلَّما كثر أحدهما غلا. وَاللهُ أَعْلم وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.
[فصل فِي الحكمة]
قال الله ﵎ (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتي الحكمة فقَدْ أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولَوْ الألباب) وعن عَبْد اللهِ بن عمر ﵄ قال قَالَ رَسُولُ اللهِ ? "ما أهدي المرء المسلم لأخيه هدية أفضل من حكمة يزيده بِهَا هدي ويرده بِهَا عن ردي" أخرجه البيهقي فِي شعب الإيمان وأبو نعيم فِي الحلية.
وَقَالَ ﵊ "أوتيت جوامِعَ الكلم واختصرت لي الحكمة اختصاراً.
وفِي الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: "بعثت بجوامِعَ الكلم".
وعن ابن مسعود قال سمعت رسول الله ? يَقُولُ " لا حسد إلا فِي اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه عَلَى هلكته فِي الحق ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بِهَا ويعلمها ". رواه البخاري ومسلم.
стр. 2418
وقيل: إن فِي التوراة أنَّ الله قال لموسي عَلَيْهِ وعَلَى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام [عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة فِي قلب عبد إلا وأردت أن أغفرَ لَهُ فتعلمها ثُمَّ اعمل بِهَا ثُمَّ ابذلها كي تنال بذَلِكَ كرامتي فِي الدُّنْيَا والآخرة] .
وأخرَجَ أبو يعَلَى الموصلي من حديث عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: إني أوتيت جوامِعَ الكلم وخواتمه واختصر لي الكلام اختصاراً وَقَالَ ?: أعطيت جوامِعَ الكلم واختصر الْحَدِيث لي اختصاراً.
وَقَالَ لقمان: إن الْقَلْب يحيا بالكلمة من الحكمة كما تحيا الأرض بوابل المطر.
وَقَالَ أبان بن سليم: كلمة حكمة من أخيك خَيْر لك من مالٍ يعطيك.
وَقَالَ بعض الحكماء الحكمة صديقة العقل، وميزان العدل، وعين البيان، وروضة الأرواح، ومزيحة الهموم عن النُّفُوس بإذن الله.
وأنس المستوحش وأمن الخائف ومتجر الرابح وحظ الدُّنْيَا والآخرة بإذن الله لمن وفقه الله.
وسلامة العاجل والآجل لمن وفقه الله.
وَقَالَ آخر: الحكمة نور الأبصار وروضة الأفكار ومطية الحلم وكفيل النجاح.
وضمين الْخَيْر والرشد والداعية إلي الصواب والسفير بين العقل والقلوب.
لا تندرس آثارها ولا تعفو ربوعها كُلّ ذَلِكَ لمن وفقه الله تعالى.
وروي عن الشعبي أنه قال: لَوْ أن رجلاً سافر من أقصي الشام إلي أقصي اليمن ليسمَعَ كلمة واحدة ينتفع بِهَا فيما يستقبل من عمره ما رَأَيْت أن سفره قَدْ ضاع.
وَقَالَ بعض الْعُلَمَاء من تفرد بالعلم لم توحشه الخلوة ومن تسلي
стр. 2419
بالكتب لم تفته سلوة وإن هذه القُلُوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة.
والحكمة موقظة للقُلُوب من سنة الغَفْلَة ومنقذة للبصائر من سنة الحيرة ومحيية لها بإذن الله من موت الجهالة ومستخرجة لها من ضيق الضلالة لمن وفقه الله تعالى.
[فائدة عظيمة]
اعْلم أن من كَانَ داؤه المعصية، فشفاؤه الطاعة، ومن كَانَ داؤه الغَفْلَة، فشفاؤه اليقظة، ومن كَانَ داؤه كثرة الانشغال، فشفاؤه فِي تفريغ المال.
فمن تفرغ من هموم الدُّنْيَا قَلْبهُ، قل تعبه، وتوفر من العبادة نصيبه، واتصل إلي الله مسيره، وارتفع فِي الْجَنَّة مصيره، وتمكن من الذكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس الشيطان، وغوائل النفس.
ومن كثر فِي الدُّنْيَا همه، أظلم طريقه، ونصب بدنه، وضاع وقته، وتشتت شمله، وطاش عقله، وانعقَد لِسَانه عن الذكر، لكثرة همومه وغمومه، وصار مقيد الجوارح عن الطاعة، من قَلْبه فِي كُلّ واد شعبة، ومن عمره لكل شغل حصة.
فاستعذ بِاللهِ من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل الْعَبْد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضي مولاه فهو محروم، كُلّ العافية فِي الذكر والطاعة، وكل البَلاء فِي الغَفْلَة والمخالفة، وكل الشفاء فِي الإنابة والتوبة، وانظر لَوْ أن طبيباً نصرانياً نهاك عن شرب الماء البارد لأجل مرض فِي جسدك لأطعته فِي ترك ما نهاك عنهُ، وأَنْتَ تعلَمُ أن الطبيب قَدْ يصدق وقَدْ يكذب وقَدْ يصيب وقَدْ يخطئ وقَدْ ينصح وقَدْ يغض، فما بالك لا تترك ما نهاك عنهُ أنصح الناصحين وأصدق القائلين وأوفِي الواعدين لأجل مرض الْقَلْب الَّذِي إِذَا لم تشف منه فأَنْتَ من أهلك الهالكين.
стр. 2420
تَبْغِي الوُصُوْلَ بِسَيْرِ فِيه تَقْصِيْرُ ... لاَ شَكَّ أَنَّكَ فِي مَا رُمْتَ مَغْرُوْرُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصَلُوْا ... هَذَا وفِي سَيْرِهِمْ جِدٌ وَتَشْمِيْرُ
يَا مُدَّعِي الحُبَّ فِي شَرْعِ الغَرَامِ وَقَدْ ... أَقَامَ بَيِّنَةُ لَكِنَّهَا زُوْرُ
أَفْنَيْتَ عُمَرَكَ فِي لَهُوٍ وفِي لَعَبٍ ... هَذَا وأَنْتَ بَعِيْدُ الدَارِ مَهْجُوْرُ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَياً ذُبْتَ مِنْ كَمَدٍ ... مَا لِلْجِرَاحِ بِجِسْمِ المَيْتِ تَأْثِيْرُ
اللَّهُمَّ إنَا نسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضي بقضائك، اللَّهُمَّ إنَا نسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك الَّذِي إِذَا دعيت به أجبت، وإِذَا سئلت به أعطيت، وإِذَا استرحمت به رحمت، وإِذَا استفرجت به فرجت أن تغفر سيئاتنا وتبدلها لنا بحسنات يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
و ختام اً فالواجب عَلَى الإنسانِ المبادرة إلي الأعمال الصَّالِحَة، وأن ينتهز فرصة الإمكَانِ قبل هجوم هادم اللذات.
وأن يستعين بِاللهِ ويتوكل عَلَيْهِ ويسأله العون فِي تيسير الأعمال الصَّالِحَة وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها.
وليحرص عَلَى حفظ القرآن، وتدبره، وتفهمه، والْعَمَل به، وكَذَلِكَ السنة، ويحرص عَلَى أداء الصَّلاة فِي جماعة.
ويحرص عَلَى مجالس الذكر، ويحفظ لِسَانه عن الغيبة والنميمة والسعاية والكذب وَجَمِيع الأعمال والأخلاق السيئة.
ويتهيأ للرحيل، ويتفقَد نَفْسَهُ بما عَلَيْهِ، وما لَهُ فإن كَانَ عنده حقوق لله كزكاة أو لخلقه كأمانات أو عواري أو وصايا أداها بسرعة خشية أن يفَجَاءَهُ الموت وهي عنده.
فإِذَا لم تؤدها أَنْتَ فِي حياتك، فمن بعدك من أولاد أو إِخْوَان يبعد اهتمامهم بذَلِكَ، لأنَّهُمْ يهتمون ويشتغلون بما خلفته لهُمْ وضيعت بسببه نفسك.
стр. 2421
فالله الله البدار بالتفتيش عَلَى النفس، والمبادرة بالتوبة والإكثار من الاستغفار.
ومِمَّا يحثك عَلَى ذَلِكَ ذكر مرارة الموت الَّذِي سماه رسول الله ? هادم اللذات، وتذكر شدة النزع والتفكير فِي الموتي الَّذِينَ حبسوا عَلَى أعمالهم ليجاوزوا بِهَا فلَيْسَ فيهم من يقدر عَلَى محو خطيئة، ولا عَلَى زيادة حسنة.
وعاد بَعْضهمْ مريضاً فَقَالَ لَهُ كيف تجدك؟
قال: هُوَ الموت. قال لَهُ: وكيف علمت أنه الموت؟ قال: أجدني أجتذب اجتذاباً، وكأن الخناجر فِي جوفِي، وكأن جوفِي تنُّور محميٌّ يتلهب.
قال لَهُ: فاعهد (أي أوصي) ، قال: أري الأمر أعجل من ذَلِكَ فدعا بدواة وصحيفة قال: فوَاللهِ ما أتي بِهَا حتي شخص بصره فمات.
وَقَالَ إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فَقَالَ: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلي أَهْل الآخرة نحدث بقربهم عهداً.
فانطلقت معه، فأتي المقابر فجلسنا إلي بعض تلك القبور، فَقَالَ: يا أبا إسحق ما تري هَذَا متمنياً لَوْ مُنِّأَ، قُلْتُ: أن يرد وَاللهِ إلي الدُّنْيَا فيستمتع من طاعة الله ويصلح.
قال: فها نَحْنُ، ثُمَّ نهض فجد واجتهد، فلم يلبث إلا يسيراً حتي مات.
ومِمَّا يحثك عَلَى التأهب والاستعداد لهادم اللذات أن تصور لنفسك عرضها عَلَى ربك وتخجيله إياك بمضيض العتاب عَلَى فعل ما نهاك عنهُ قال جَلَّ وَعَلا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ .
وَقَالَ رسول الله ?: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ﵎ لَيْسَ بينه وبينه ترجمان ".
وعن صفوان بن محرزٍ قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر إذ عرض له
стр. 2422
رجل، فَقَالَ كيف سمعت رسول الله ? يَقُولُ فِي النجوي يوم القيامة.
فَقَالَ: سمعت رسول الله ? يَقُولُ: " إن الله يدني المُؤْمِن فيضع عَلَيْهِ كنفه، ويستره من النَّاس، ويقرره بذنوبه. وَيَقُولُ لَهُ أتعرف ذنب كَذَا، أتعرف ذنب كَذَا، حتي إِذَا قرره بذنوبه ورأي فِي نَفْسهِِ أنه قَدْ أهلك. قال: فإني قَدْ سترتها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وأنَا أغفرها لك اليوم.
ومِمَّا يحثك عَلَى الاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تتخايل وتتصور شهادة المكَانِ الَّذِي تعصي فِيه عَلَيْكَ يوم القيامة.
فعن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: قَرَأَ رسول الله ? ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فَقَالَ: " أتدرون ما أخبارها، أن تشهد عَلَى كُل عبد بما عمل عَلَى ظهرها، أن تَقُول عمل كَذَا وَكَذَا فِي يوم كَذَا وَكَذَا، فهو أخبارها ".
ومِمَّا يحثك عَلَى التأهب والاستعداد للموت والابتعاد عن المعاصي أن تمثل نفسك عِنْدَ بعض زللك كأنه يؤمر بك إلي النار التي لا طاقة لمخلوق بها.
وتصور نفاد اللذة وذهابهَا وبقاء العار والعذاب.
تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ شَهْوَتَهُ ... مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإثُمُ وَالعَارُ
تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوْءٍ فِي مَغَبَّتهَا ... لاَ خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَارُ
عن أَبِي هُرَيْرَةِ عن النَّبِيّ ? أنه قال: " ناركم هذه ما يوقَدْ بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم ". قَالُوا: وَاللهِ إن كانت لكافية.
وَقَالَ بعض السَّلَف: ربما مثل لي رأسي بين جبلين من نارٍ وَرُبَّمَا رأيتني أهوي فيها حتي أبلغ قعرها فَكَيْفَ تهنأ الدُّنْيَا من كانت هذه صفته.
وكَانَ عمر ﵁ ربما توقَدْ لَهُ النار ثُمَّ يدني يديه منها ثُمَّ يَقُولُ: يا ابن الخطاب هل لك عَلَى هَذَا صبر.
ومِمَّا يحثك عَلَى الاستعداد وتفقد شؤنك وأمرك ذكر أحوال كثير من السَّلَف الصالح الَّذِي أقلقهم خوف الحساب والْعَذَاب فِي البرزخ والنار.
стр. 2423
لما أهديت معاذة العدوية إلي زوجها صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه الحمام ثُمَّ أدخله بيتاً مطيباً فقام يصلي حتي أصبح وفعلت زوجته معاذة مثله.
فَلَمَّا أصبح عاتبه ابن أخيه إلي رجل عنده متغَيْر اللون، فَقَالَ لَهُ: ما الَّذِي بك؟ فَقَالَ: إني ذقت حلاوة الدُّنْيَا فصغر فِي عيني زهرتها وملاعبِهَا، واستوي عندِي حجارتها وذهبها.
ورَأَيْت كأن النَّاس يساقون إلي الْجَنَّة، وانَا أساق إلي النار، فأسهرت لذَلِكَ ليلي، وأظمأت نهاري، وكل ذَلِكَ صغَيْر حقير فِي جنب عفو الله، وثوابه وجنب عقابه.
وَقَالَ إبراهيم التيمي مثلت نفسي فِي النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها.
فقُلْتُ لنفسي أي شَيْء تريدين، قَالَتْ أريد أن أردَّ إلي الدُّنْيَا فأعمل صَالِحاً، قال: فقُلْتُ أَنْتِ فِي الأمنية فاعملي.
وسمَعَ عُمَر بن الْخَطَّاب رجلاً يتهجد فِي الليل ويقَرَأَ سورة الطور، فَلَمَّا بلغ قوله تعالى ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ .
قال عمر: قسم ورب الكعبة حق، ثُمَّ رجع إلي بيته فمرض شهراً يعوده النَّاس، ولا يدرون ما سبب مرضه.
وكَانَ جماعة من السَّلَف مرضوا من الخوف ولزموا منازلهم وبَعْضهم صار صَاحِب فراش.
وكَانَ الحسن يَقُولُ فِي وصف الخائفين: قَدْ براهم الخوف فهم أمثال القداح ينظر إليهم الناظر فَيَقُولُ مرضى وما بهم مرض وَيَقُولُ: قَدْ خولطوا وقَدْ خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.
стр. 2424
اللَّهُمَّ يا منور قُلُوب العارفين، يا قاضي حوائج السائلين يا قابل توبة التائبين ويا مفرِّجاً عن المكروبين والمغمومين، تب عَلَيْنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
عن بريدة قال: سمَعَ النَّبِيّ ? رجلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أسألك بأني أشهد أنك أَنْتَ الله لا إله إلا أَنْتَ الأحد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفواً أحد.
فَقَالَ رسول الله ?: والَّذِي نفسي بيده لَقَدْ سأل الله باسمه الأعظم الَّذِي إِذَا دعي به أجاب وإِذَا سئل به أعطي أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن أنس ﵁ قال: دعا رجل فَقَالَ: اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أَنْتَ الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
فَقَالَ النَّبِيّ ?: أتدرون بما دعا؟ قَالُوا: الله ورسوله أعلم. قال: والَّذِي نفسي بيده لَقَدْ دعا الله باسمه الأعظم إِذَا دعي به أجاب وإِذَا سئل به أعطي، أخرجه أصحاب السنن.
عن سعد بن أبي وقاص قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: " دعوة ذي النون إذ دعي ربه وَهُوَ فِي بطن الحوت لا إله إلا أَنْتَ سبحانك إني كنت من الظالمين ".
فإنه لم يدع بِهَا رجل مسلم فِي شَيْء قط إلا استجاب لَهُ، رواه الترمذي والنسائي والحاكم وَقَالَ صحيح الإسناد.
وعن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ? يَقُولُ "من دعا بهؤلاء الكلمَاتِ الخمس لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه (لا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ الملك وله الحمد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قدير لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) رواه الطبراني بإسناد حسن.
стр. 2425
وعن معاذ بن جبل قال: سمَعَ رسول الله ? رجلاً وَهُوَ يَقُولُ (يا ذا الجلال والإكرام) فَقَالَ: " قَدْ استجيب لك فسل". رواه الترمذي.
اللَّهُمَّ اجعلنا مكثرين لذكرك مؤدين لحقك حافظين لأَمْرِكَ راجين لوعدك راضين فِي جَمِيع حالاتنا عنك.
راغبين فِي كُلّ أمورنا إليك مؤملين لفضلك شاكرين لنعمك.
يا من يحب العفو والإحسان، ويأمر بهما اعف عنا، وأحسن إلينا.
فإنك بالَّذِي أَنْتَ لَهُ أَهْل من عفوك أحق منا بالَّذِي نَحْنُ لَهُ أَهْل من عقوبتك.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ رجاءك فِي قلوبنا، واقطعه عمن سواك، حتي لا نرجو غيرك ولا نستعين إلا إياك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ويا أكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ هب لنا اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عَلَيْكَ، والاستغناء عن خلقك. واجعل خَيْر أعمالنا ما قارب آجالنا.
اللَّهُمَّ اغننا بما وفقتنا لَهُ من العلم، وزينا بالحلم وأكرمنا بالتقوي وجملنا بالعافية.
اللَّهُمَّ افتح مسامِعَ قلوبنا لذكرك وارزقنا طَاعَتكَ وطاعة رسولك ووفقنا للعمل بِكِتَابِكَ وسنة رسولك.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك الهُدَى والتقي والعافية والغني، ونعوذ بك من درك الشقاء، ومن جهد البَلاء ومن سوء الِقَضَاءِ ومن شماتة الأعداء.
اللَّهُمَّ لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الْخَيْر كله، وإليك يرجع الأمر علانيته وسره، أَهْل الحمد والثناء أَنْتَ، لا إله إلا أَنْتَ سبحانك إنك عَلَى كُلّ شَيْء قدير.
اللَّهُمَّ اغفر لنا جَمِيع ما سلف منا من الذُّنُوب، واعصمنا فيما بقي من أعمارنا، ووفقنا لعمل صالح ترضي به عنا.
اللَّهُمَّ يا سامَعَ كُلّ صوت، ويا بارئ النُّفُوس بعد الموت، يا من لا
стр. 2426
تشتبه عَلَيْهِ الأصوات، يا عَظِيم الشأن، يا واضح البرهان، يا من هُوَ كُلّ يوم فِي شأن، اغفر لنا ذنوبنا إنك أَنْتَ الغفور الرحيم.
اللَّهُمَّ يا عَظِيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لنا العافية فِي الدُّنْيَا والآخرة.
اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم فرغنا لما خلقتنا لَهُ، ولا تشغلنا بما تكفلت لنا به، وَاجْعَلْنَا ممن يؤمن بلقائك، ويرضي بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك.
اللَّهُمَّ اجعل رزقنا رغداً، ولا تشمت بنا أحداً.
اللَّهُمَّ رغبنا فيما يبقي، وزهدنا فيما يفني، وهب لنا اليقين الَّذِي لا تسكن النُّفُوس إلا إليه، ولا يعول فِي الدين إلا عليه.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك بعزك الَّذِي لا يرام وملكك الَّذِي لا يضام وبنورك الَّذِي ملأ أركَانَ عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
اللَّهُمَّ يا عليم يا حليم يا قوي يا عزيز ياذَا المنِّ والعطا والعز والكبرياء يا من تعنوا لَهُ الوجوه وتخشع لَهُ الأصوات.
وفقنا لصالح الأعمال وأكفنا بحلالك عن حرامك وبِفَضْلِكَ عمن سواك إنك عَلَى كُلّ شَيْء قدير.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك رحمة من عندك تهدي بِهَا قلوبنا، وتجمع بِهَا شملنا، وتلَمَّ بِهَا شعثنا، وترفع بِهَا شاهدنا، وتحفظ بِهَا غائبنا، وتزكي بِهَا أعمالنا، وتلهمنا بِهَا رشدنا، وتعصمنا بِهَا من كُل سوء يا أرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ ارزقنا من فضلك، واكفنا شر خلقك، واحفظ عَلَيْنَا ديننا وصحة أبداننا.
اللَّهُمَّ يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين،
стр. 2427
نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الَّذِي أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين.
اللَّهُمَّ يا عَالمَ الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذا الطول لا إله إلا أَنْتَ إليك المصير.
نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وأرأف الرائفين وأكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ اعتقنا من رق الذُّنُوب، وخلصنا من أشر النُّفُوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذُّنُوب، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم.
اللَّهُمَّ طيبنا للقائك، وأهلنا لولائك وأدخلنا مَعَ المرحومين من أوليائك، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
اللَّهُمَّ أعنا عَلَى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابك، وَاجْعَلْنَا مِنْ حزبك المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللَّهُمَّ يا فالق الحب والنوي، يا منشِيءَ الأجساد بعد البلي يا مؤوِيَ المنقطعين إليه، يا كافِي المتوكلين عَلَيْهِ، انقطع الرجَاءَ إلا منك، نسألك أن تمطر محل قلوبنا من سحائب برك وإحسانك وأن توفقنا لموجبات رحمتك وعزائم مغفرتك إنك جواد كريم رؤوف غفور رحيم.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك قلباً سليماً، ولسانَاً صادقاً، وعملاً متقبلاً، ونسألك بركة الحياة وخَيْر الحياة، ونعوذ بك من شر الحياة وشر الوفاة.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك باسمك الأعظم الأغر الأجل الأكرم الَّذِي إِذَا دعيت به أجبت وإِذَا سئلت به أعطيت أن تغفر ذنوبنا وتستر عيوبنا.
ونسألك بوجهك الكريم أكرم الوجوه، يا من عنت لَهُ الوجوه،
стр. 2428
وخضعت لَهُ الرقاب، وخشعت لَهُ الأصوات، ياذَا الجلال والإكرام.
يا حي يا قيوم، يا مالك الملك، يا من هُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قدير، وبكل شَيْء عليم، لا إله إلا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ نستغيث، ومن عذابك نستجير.
اللَّهُمَّ اجعلنا نخشاك حتي كأننا نراك، واسعدنا بتقواك، ولا تشقنا بمعصيتك.
اللَّهُمَّ إنك تسمَعَ كلامنا، وتري مكاننا، وتعلَمُ سرنا وعلانيتنا لا يخفِي عَلَيْكَ شَيء من أمرنا نَحْنُ البؤساء الفقراء إليك، المستغيثون المستجيرون الوجلون المشفقون المعترفون بذنوبنا.
نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير.
اللَّهُمَّ يا من خضعت لَهُ رقابنا، وفاضت لَهُ عباراتنا، وذلت لَهُ أجسامنا، ورغمت لَهُ أنوفنا لا تجعلنا بدعائك أشقياءا، وكن بنا رؤوفاً يا خَيْر المسؤلين.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك وترضي بقضائك، وتقنع بعطائك، يا أرأف الرائفين، وأرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك التَّوْفِيق لما تحبه من الأعمال، ونسألك صدق التوكل عَلَيْكَ، حسن الظن بك يا رب العالمين.
اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك المخبتين، الغرِّ المحجَّلين الوفد المتقبلين يا أرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ إنَا نسألك حياة طيبة، ونفساً تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية، ومرداً غَيْرَ مخزٍ ولا فاضح.
اللَّهُمَّ اجعلنا من أَهْل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
" اللَّهُمَّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز
стр. 2429
من تشاء وتذل من تشاء بيدك الْخَيْر إنك عَلَى كُلّ شَيء قدير".
يا ودود ياذَا العرش المجيد يا مبديء يا معيد يا فعال لما تريد نسألك بنور وجهك الَّذِي ملأ أركَانَ عرشك وبقدرتك التي قدرت بِهَا عَلَى جَمِيع خلقك وبِرَحْمَتِكَ التي وسعت كُلّ شَيْء لا إله إلا أَنْتَ أن تغفر ذنوبنا وسيئاتنا وأن تبدلها لنا بحسنات إنك جواد كريم رؤوف رحيم.
اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يا أرحم الراحمين.
وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
فَوَائِد عظيمة النفع
واعجباً منك يضيع منك الشَيء القليل وتتكدر وتتأسف، وقَدْ ضاع أشرف الأشْيَاءِ عندك وَهُوَ عمرك الَّذِي لا عوضَ لَهُ، وأَنْتَ عِنْدَ قتالات الأوقات الكورة والتلفاز والمذياع ونحوها من قطاع الطَرِيق عن الأعمال الصَّالِحَة، ولكن ستندم "يوم يناد المنادي من مكَانٍ قريبٍ، يوم يسمعون الصيحة بالحق ذَلِكَ يوم الخروج.
شِعْراً: قال بَعْضهمْ:
أُقِلّبُ كُتُباً طَالَمَا قَدْ جَمَعْتُهَا ... وَأَفْنَيْتُ فِيها العَيْنَ وَالعَيْنَ وَالِيْدَا
وَأَصْبَحْتُ ذَا ظَنٍّ بِهَا وَتَمَسُّكٍ ... لِعِلْمِيْ بِمَا قَدْ صُغْتُ فِيها مُنَضَّدَا
وَاحْذَرُ جُهْدِي أَنْ تُنَالَ بِنَائِلٍ ... مَهِيْنٍ وَأَنْ يَغْتَالَهَا غَائِلُ الرَّدَى
стр. 2430
وَأَعْلَمُ حَقاً أنَّنِيْ لَسْتُ بَاقِياً ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِيْ مَنْ يُقَلّبُهَا غَدَا
آخر: ... أَتَطْمَعُ أَنْ تُخَلَّدَ لاَ أبالَكْ ... أَمِنْتَ مِنَ المَنِيَّةِ أَنْ تَنَالَكْ
فَكُنْ مُتَوِّقعاً لِهُجُوْمِ مَوْتٍ ... يُشَتّتُ بَعْدَ جَمْعِهِمُوْا عِيَالَكْ
كَأَنِّيْ بِالتُّرَابِ عَلَيْكَ يُحْثَى ... وَبَالبَاكِيْنَ يَقْتَسِمُونَ مَالَكْ
آخر: ... يَا مَنْ سَيَنْأى عن بَنِيْهْ ... كَمَا نَأَى عنهُ أَبُوْهْ
مَثّلْ لِنَفْسِكَ قَوْلَهُمْ ... جَاءَ اليَقِيْنُ فَوجِّهُوْهْ
وَتَحَلَّلُوْا مِنْ ظُلْمِهِ ... قِبْلَ الْمَمَاتِ وحَلِّلُوْهْ
تم هَذَا الجزء بعون الله وتوفيقه ونسأل الله الحي القيوم العَلَى العَظِيم ذا الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن لَهُ كفواً أحد أن يعز الإسلام والمُسْلِمِيْنَ وأن يخذل الكفرة والمشركين وأعوأنَهُمْ وأن يصلح من فِي صلاحه صلاحٌ للإسلام والمُسْلِمِيْنَ ويهلك من فِي هلاكه عزٌ وصلاحٌ للإسلام والمُسْلِمِيْنَ وأن يلَمَّ شعث المُسْلِمِيْنَ ويجمَعَ شملهم ويوحد كلمتهم وأن يحفظ بلادهم ويصلح أولادهم ويشف مرضاهم ويعافِي مبتلاهم ويرحم موتاهم ويأخذ بأيدينا إلي كُلّ خَيْر ويعصمنا وإياهم من كُلّ شر ويحفظنا وإياهم من كُلّ ضر وأن يغفر لنا ولوالدينا وَجَمِيع المُسْلِمِيْنَ برحمته إنه أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلي الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
والله المسئول أن يجعل عملنا هَذَا خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعاًَ عاماً إنه سميع قريب مجيب عَلَى كُلّ شَيْء قدير.
والحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام عَلَى أشرف المرسلين نبينا مُحَمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعَلَى آله وصحبه أجمعين. ومن تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين وسلِّم تسليماً كثيراً.
" عَبْد الْعَزِيز المُحَمَّد السلمان "
стр. 2431
وَقْفٌ للهِ تَعَالَى
تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ
عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض
سابقاً
الجزء الخامسُُُُُُُُ
стр. 2432
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فَوَائِد عظيمة النفع
وَقَفَ قَوْمٌ عَلَى عَالِم فَقَالُوا: إِنَّا سَائِلُوكَ أَفَمُجِيبُنَا أَنْتَ؟ قَالَ: سَلُوا وَلا تُكْثِرُوا، فَإِنَّ النَّهَارَ لَنْ يَرْجِعَ وَالْعُمُرَ لَنْ يَعُودَ، وَالطَّالِبَ حَثِيثٌ فِي طَلَبِهِ. قَالُوا: فَأَوْصِنَا. قَالَ: تَزَوَّدُوا عَلَى قَدْرِ سَفَرِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّاد مَا أَبْلَغَ الْبُغْيَةَ. ثُمَّ قَالَ: الأَيَّامُ صَحَائِفُ الأَعْمَارِ فَخَلَّدُوهَا أَحْسَنَ الأَعْمَال، فَإِنَّ الْفُرَصَ تَمُرُّ مَرَّ السَحَابِ، والتَّوَانِي مِنْ أَخْلاقَ الْكُسَالَى وَالْخَوَالِفِ، وَمَنِ اسْتَوْطَنَ مَرْكَبَ الْعَجْزِ عَثَرَ بِهِ. تَزَوَّجَ التَّوَانِي بِالْكَسَلِ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا الْخُسْرَانُ. أ. هـ. قَالَ بَعْضُهُمْ:
تَزَوَّجَتِ الْبَطَالَةَ بالتَّوَانِي ... فَأَوْلَدَهَا غُلامًا مَعَ غُلامِهْ
فَأَمَّا الابْن سَمُّوه بِفَقْرٍ ... وَأَمَّا الْبِنْت سَمُّوهَا نَدَامَهْ
أَيُهَا الأَخ تَدَبَّرْ أَمْرَكَ فَإِنَّكَ في زَمَنِ الرِّبْح ووَقْت الْبَذْرِ وَاحْذَرْ أَنْ يَخْدَعَكَ الْعَدُوّ عن نَفِيْس هَذَا الجوهَر فَتُنْفِقُهُ بكَفِّ التَّبْذير وَاللهِ لِئْن فَعَلْتَ لَتَغْرَسَنَّ شَجَرَةَ النَّدامَة فَيَتَساقَطُ عَلَيْكَ من كُلّ فن منها حَسْرَة وندامة وَاحْذَر من اخْتِلاسِ الأعْدَاءِ لَهُ وَالأَعداء أرْبَعَة: إبلَيْسَ لَعَنَهُ الله، والدُّنْيَا، والنفس الأمارة بالسُّوء، والهَوَى.
شِعْرًا: ... إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا ... إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي
إِبلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى ... كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِيُُُُُُُُ
стр. 2433
ِبسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمْ
مُلاحظة:
لا يسمح لأي إنسان أنْ يَخْتَصرَهُ أوْ يَتَعَرَّضَ له بما يُسَمُونَه تَحقِيقاً لأَنْ الإِختصار سَبَبٌ لتعطيل الأصْل والتحقيق أرَى أنَّهُ إتهام للمؤلف، ولا يُطبع إلا وقفاً لله تعالى على من ينتفع به من المسلمين.
(فائدةٌ عَظِيمَةُ النَّفَعْ لِمَنْ وَفَّقَهُ الله)
مَا أنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أنْ عَرَّفَه لاَ إلهَ إِلا الله، وفهَّمَهُ معناها، ووفقه للعمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، والدَّعْوَةِ إليْهَا.
الذِّكْرُ أَصْدَقُ قَوْلٍ فَافْهَمِ الْخَبَرَا ... لأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَدْ أَنْشَأَ الْبَشَرَا
فَاعْمَلْ بِهِ إِنْ تُرِدْ فَهْمًا وَمَعْرِفَةً ... يَا ذَا النُّهَى كَيْ تَنَالَ الْعِزَّ وَالْفَخَرَا
وَتَحْمدِ اللهَ فِي يَوْمِ الْمَعادَ إِذَا ... جَاءَ الْحِسَابُ وَعَمَّ الْخَوْفُ وَانْتَشَرَا
للهِ دَرُّ رِجَالٍ عَامِلِينَ بِهِ ... فِيمَا يَدِقُ وَمَا قَدْ جَلَّ وَاشْتَهَرَا
آخر:
جَمِيعُ الْكُتبِ يُدْرِك مَنْ قَرَاهَا ... مِلالٌ أَوْ فُتُورُ أَوْ سَآمَهْ
سِوَى الْقُرْآنِ فَافْهَمْ وَاسْتَمِعْ لِي ... وَقَوْلِ الْمُصْطَفَى يَا ذَا الشَّهَامَهُُُُُُُُُُُُْ
стр. 2434
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١)
اللِّيْلُ والنَّهَارَ يَعْمَلان فِيْكَ فاعْمَلْ فيهما أَعْمَالاً صَالِحَةً تَرْبَحَ وتَحْمَدِ العَاقِبةَ الحَمَيْدَة إن شَاءَ الله تَعَالَى.
(٢)
المَلائِكةُ يَكْتُبَان مَا تَلفَّظُ به، فَاحْرَصْ عَلَى أنْ لا تَنْطِقَ إلاَّ بِمَا يَسُرُّكَ يَوم القِيَامِةْ أَشْرَفُ الأَشْيَاءِ قَبلْبُكَ، وَوَقْتُكَ، فَإِذَا أَهْمَلْتَ قَلْبَكَ وَضَيَّعْتَ وَقْتَكَ، فَمَاذَا يَبْقَى مَعَكَ، كُلّ الْفَوَائِد ذَهَبتْ.
شِعْرًا: ... إِنِّي أَبُثُّكَ مِنْ حَدِيثِي ... إِنَّ الْحَدِيثَ لَهُ شُجُونُ
غَيَّرْتُ مَوْضِعَ مِرْقِدِي ... لَيْلاً فَفَارَقَنِي السُّكُونُ
قُلْ لِي فَأَوَّلَ لَيْلَةٍ ... في القَبْرِ كَيْفَ تَرَى يَكُونُ
(٣)
اعْلَم أنَّ قِصَرَ الأمَلِ عَلَيْهِ مَدِارٌ عَظِيم، وحِصْنُ الأمَلِ ذِكْرُ الموِتِ، وحِصْنُ حِصْنِهِ ذِكْرُ فِجْأَةِ الموتِ وَأخْذُ الإِنسان على غِرَّةٍ وغَفْلةٍ، وهُوَ في غِرُرٍ وفُتُور عن الْعَمَل للآخرة. نَسْأَلْ الله أَنْ يُوقِضَ قُلوبَنَا إنه على كُلّ شَيْء قدير. اللَّهُمَّ صلى على مُحَمَّد وآله وسلم
شِعْرًا: ... سَلِ اللهَ عَقْلاً نَافِعًا وَاسْتَعِذْ بِهِ ... مِن الْجَهْلِ تَسْأَلْ خَيْرُ مُعْطٍ لِسَائِلِ
فَبِالْعَقْلِ تَسْتَوْفِي الْفَضَائِلِ كُلِّهَا ... كَمَا الْجَهْلُ مُسْتَوْفٍ جَمِيعَ الرَّذَائِلُُُُُُُُِ
стр. 2435
فَائِدَةٌ عَظِيْمَةُ النَّفْعِ
قال أحد الْعُلَمَاء رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: عَلَيْكَ يا أخي بمحاربة الشيطان وقهره، وَذَلِكَ لخصلتين أحدهما: أنه عدو مظِلّ مبين لا مطمَعَ فيه بمصالحة واتقاء شره أبدًا لأنه لا يرضيه ويقنعه إِلا هلاكك أصلاً فلا وجه إذًا للأمن من هَذَا الْعَدُوّ والغَفْلَة عَنْهُ، قال الله جَلَّ و َعَلا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إليكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ ، والخصلة الثَّانِيَة أنه مجبول على عداوتك ومنتصب لمحاربتك في الليل والنَّهَارَ يرميك بسهامه وأَنْتَ غَافِل عَنْهُ ثُمَّ هوله مَعَ جَمِيع الْمُؤْمِنِين عداوة عامة، ومَعَ المجتهد في العبادة والعلم عداوة خاصة ومعه عَلَيْكَ أعوان نفسك الأمارة بالسُّوء والهوى والدُّنْيَا وَهُوَ فارغ وأَنْتَ مشغول وَهُوَ يراك وأَنْتَ لا تراه وأَنْتَ تنساه ولا ينساك فإذًا لا بد من محاربته وقهره، وإِلا فلاتأ من الفساد والهلاك والدمار، ومحاربته بالاستعاذة بِاللهِ والإكثار من ذكره.ُُُُ
стр. 2436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين أنه لم يؤثر عن أحدٍ من السَّلَف الصالح من الصحابة وتابعيهم بإحسان تعَظِيم أحد من أَهْل البدع والموالين لأَهْل البدع والمنادين بموالاتهم، لأن أَهْل البدع مرضى قُلُوب ويخشى على من خالطهم أو اتصل بِهُمْ أن يصل إليه من ما بِهُمْ من هَذَا الداء العضال، لأن المريض يعدي الصحيح ولا عكس، فالحذر الحذر مِنْ جَمِيعِ أَهْل البدع، ومن أَهْل البدع الَّذِينَ يجب البعد عنهم وهجرانهم، الجهمية، والرافضة، والمعتزلة، والماتريدية، والخوارج، والصوفية، والأشاعرة، ومن على طريقتهم من الطوائف المنحرفة عن طريقة السَّلَف، فينبغي للمسلم أن يحذرهم ويحذر عنهم وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم.
فائدة عظيمة المنفعة
العلم بما جَاءَ عن الله ﷻ وتقدست أسماؤه وما جَاءَ عن رسوله ? خَيْر ميراث، والتَّوْفِيق من الله خَيْر قائد، والاجتهاد في طاعة الله خَيْر بضاعة ولا مال أحسن من عمل الرجل في يده ولا مصيبة أعظم من الكفر بِاللهِ، ولا عوين أوثق من الاعتماد على الله، ثُمَّ مشاورة أصحاب الرأي من الْمُؤْمِنِين، ولا أوحش من الكبر والعجب والكفر والنفاق.
стр. 2437
[وقف لله تَعَالَى]
(فَصْلٌ في تَحْرِيْمِ النَّمِيْمَة)
ويجب اجتناب النميمة قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ وَقَالَ ﷺ : «ألا أخبركم بشراركم» ؟ قَالُوا: بلى، قال: «المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العنت» . رواه أَحَمَد.
وَقَالَ ﷺ : «لا يدخل الْجَنَّة نمام» . وعن ابن مسعود ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «ألا أنبئكم ما العضة هِيَ النميمة القالة بين النَّاس» . رواه مسلم. وعن عبد الرحمن بن غنم وأسماء بنت يزيد ﵃ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «خيار عباد الله الَّذِينَ إذا رؤا ذكر الله وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت» . رواهما أَحَمَد والبيهقي في شعب الإِيمَان.
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبرين يعذبان فَقَالَ: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكَانَ يمشي بالنميمة، وأما الآخِر فكَانَ لا يتسبرئ من بوله» . الْحَدِيث رواه البخاري.
فالنميمة نقل كلام بعض النَّاس لبعض لقصد الإفساد، وإيقاع العداوة والبغضاء، فالنم خلق ذميم لأنه باعث للفتن وقاطع للصلات وزارع للحقَدْ، ومفرق للجماعات، يجعل الصديقين عدوين والأخوين أجنبيين، والزوجين متنافرين، فهذه المعصية معصية النميمة،
стр. 2438
ولا يرضاها لنفسه إِلا من انحطت قيمته ودنؤت نَفْسهُ، وكَانَ عندها حقيرًا، وصار كالذباب ينقل الجراثيم.
وأما من كَانَ يشعر بنفسه، فلا يرضى لها هذه الحالة، وهي حرام بجَمِيع أنواعها، سواء كانت بين الأصدقاء والأصحاب أو عَنْدَ أرباب الجاه والسُّلْطَان، وهي شر أنواع النميمة وأشد خطرًا فإن هذه هِيَ السعاية ولا يخفى ما وراء ذَلِكَ من المفاسد العظيمة فكم جرت من ويلات على كثير من الأبرياء الْمُؤْمِنِين الغافلين طاهري القُلُوب سليمي الصدور فقضت على أرواحهم وأموالهم وَكَمْ نكلت بكثير من الْعُلَمَاء فأخرجتهم من ديارهم وأموالهم وأصبحوا عرضة للمحن والنوائب وَكَمْ ضرت بصالحين مطمئنين فأودعتهم السجون وسلبتهم الحقوق، وجعلت للفسقة عَلَيْهمْ سلطانًا، وَكَمْ حرمت أطفالاً من قوتهم وسلبت مِنْهُمْ نعيمهم بدون جناية اقترفوها أو كانت بين زوجين، أو بين الأَهْل والأقرباء، ولا ريب في أن النميمة في هذه الحالة أشد من النميمة بين الأصدقاء والأصحاب، لإفضائها إلى قطيعة الرحم والطلاق غالبًا، ومن ذَلِكَ النميمة بين الجماعات والإفساد بين القبائل ومن ذلك النميمة لرفع الثِّقَة من مزاحم في تجارة أو صناعة أو زراعة ومن ذَلِكَ النميمة لإنزال شخص عن مكانته واحترامه عَنْدَ فئة من النَّاس. هَذَا معظم أنواع النميمة، وهي كما تَرَى من شر ما منيت به الفضيلة ورزئت به الإنسانية فليتق الله ذووا الألسنة الحداد ولا ينطقوا إِلا بما فيه الْخَيْر لخلق الله، ويكفيكم في هَذَا قول المصطفى ﷺ : «ومن كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليصمت» . رواه البخاري ومسلم.
стр. 2439
فإذا تبين أن النميمة داء وبيل، وشر خطير تترتب عله كُلّ هذه الشرور والمفاسد فعلى من نقُلْتُ إليه النميمة مثل أن يُقَالُ له: قال فيك فلان كَذَا وَكَذَا، أو فعل في حقك كَذَا ونحو ذَلِكَ أن لا يصدق الناقل لأن النمام فاسق لا يصح الوثوق بخبره.
ثانيًا: أن ينهي الناقل وينصحه إن كَانَ يظن به خيرًا ويعتقَدْ أن يتأثر بالموعظة الحسنة فيذكر له ما يترتب على نمامته من إيذاء الأبرياء وظلم النَّاس في أموالهم وأرزاقهم ويحذره من عاقبة وشايته وأنه ربما ينكشف أمره عَنْدَ حاكمٍ عادلٍ فيقتص منه شر قصاصٍ أو يظهر كذبه عَنْدَ من ينقل إليه فينعكس غرضه وأنه ربما نم على رجل أقوى منه فينتقم لنفسه بما لا قبل له به وإن النمام ساقط المروءة في أنظار النَّاس، مبغوضًا عندهم حتى أقربائه الَّذِينَ فيهم خَيْر وصلاح، فربما يرتدع بذَلِكَ.
ثالثًا: أن لا يظن بأخيه الغائب السُّوء وخَيْر علاج يقضي عَلَيْهِ أن ينصرف النَّاس عن النمام ولا يستمعون له لأنه حسود وأكثر من يعادي أَهْل الفصل والدين الحساد لأنهم لا يرضون أعمالهم، وتجد الحسود إذا عجز أن يصل إلى ما وصل إليه الكرام يعيبهم ويتنقصهم.
قال الشاعر:
إِذَا بَعُدَ الْعُنُقُودُ عَنْهُ وَلَمْ يَصِلْ ... إليه بِوَجْهٍ قَالَ مُرٌّ وَحَامِضُ
آخر: ... وَقَدْ يَنْبَحُ الْكَلْبُ السَّحَابَ وَدُونَهُ ... مَهَامِهُ تُعْشِي نَظْرَةَ الْمُتَأَمِلِ
قال الشاعر: (وَذُو النَّقْصِ فِي الدُّنْيَا بِذِي الْفَضْلِ مَوْلَعُ)
стр. 2440
وَيَقُولُ الآخر:
لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِن الأَذَى ... حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ
وَيَقُولُ الآخر:
وَكَذَا الْمَنَايَا مَا يَطَأْنَ بِمَنْسَمٍ ... إِلا عَلَى أَعْنَاقُ أَهْلِ السُّودَدِ
وَيَقُولُ الآخر:
إِنّ الْوَرَى أَعْدَاءُ مَنْ فَضَلَ الْوَرَى
آخر: ... الْمَرْءُ يُقْلَى إِنْ عَلا ... حَسَدًا وَيُهْوَى إِنْ هَوَى
كَالْغُصْنِ يُرْجَمْ مُشَمِّرًا ... أَبَدًا وَيُسْقَى إِنْ ذَوَى
آخر: وَمَا زَالَتِ الأَشْرَاف تُهْجَى وَتُمْدَحُ
وَيَقُولُ الآخر:
وَيَبِيتُ قَوْمُ يُحْسَدُونَ مُحَمَّدًا ... وَذُو الْفَضْلِ لا تَلْقَاهُ إِلا مُحَسَّدًا
آخر: ... وَكَأَنَّمَا شَرَفُ الشَّرِيفِ إِذَا ائْتَمَى ... جُرْمٌ جَنَاهُ عَلَى اللَّئِيمِ الرَّاضِعِ
آخر: ... مَوْسُومَةُ بِالْحُسْنِ ذَاتَ حَوَاسِدِ ... إِنَّ الْحِسَانَ مَظَنَّةُ لِلْحُسَّدِ
آخر في التحذير من النميمة والغيبة والبهت إلخ....
تَنَحَّ عَنْ النَّمِيمَةِ وَاجْتَنِبْهَا ... فَإِنَّ النَّمَ يُحْبِطُ كُلَّ أَجْرِ
يُثِيرُ أَخُو النَّمِيمَةِ كُلَّ شَرٍّ ... وَيَكْشِفُ لِلْخَلائِقِ كُلَّ سِرِ
وَيَقْتُلُ نَفْسَهُ وَسِوَاهُ ظُلْمًا ... وَلَيْسَ النَّمُ مِنْ أَفْعَالِ حُرٍّ
آخر:
وَيَحْرُمُ بُهْتُ وَاغْتِيَابُ نَمِيمَةُ ... وَإِفْشَاءُ سِرٍّ ثُمَّ لَعْنُ مُقَيَّدِ
стр. 2441
آخر: ... وَصَاحِبُ النَّمِّ كَالدَّاءِ الْعَيَاءِ إِذَا ... مَا ارْفَضَّ فِي الْجِلْدِ يَجْرِي هَا هُنَا وَهُنَا
يُبْدِي وَيُخْبِرُ عَنْ عَوْرَاتِ صَاحِبِهِ ... وَمَا يَرَى عِنْدَهُ مِنْ صَالِحٍ دَفَنَا
آخر: ... وَلِدّيَانَاتِ أَهْلُ يَعْرفون بِهَا ... وَلِنَّمَامَةِ بَيْنَ النَّاسِ فُسَّاقُ
روي عن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أنه دخل عَلَيْهِ رجل فذكر عنده وشاية في رجل آخر فَقَالَ عمر: إن شئت حققنا هَذَا الأَمْر الَّذِي تَقُول فيه وننظر فيما نسبته إليه.
فإن كنت كاذبًا فأَنْتَ من أَهْل هذه الآيَة: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وإن كنت صادقًا فأَنْتَ من أَهْل هذه الآيَة: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ وإن شئت عفونا عَنْكَ فَقَالَ: العفو يا أمير الْمُؤْمِنِين لا أَعُود إليه أبدَا.
إِذَا وَاشٍ أَتَاكَ بِقَوْلِ زُورٍ ... فَلا تَدَعِ الصَّدِيق لِقَوْلِ وَاشِي
وَلا تُخْبِرْ بِسِرِّكَ كُلُّ سِرٍّ ... إِذَا مَا جَاوَزَ الاثْنَيْنِ فَاشِي
وَلا تَصْحَبْ قَرِينَ السُّوءِ وَانْظُرْ ... لِنَفْسِكَ مَنْ تُقَارِنُ أَوْ تُمَاشِي
ورفع إنسان رقعة إلى الصَاحِب بن عباد يحثه على أخذ مال يتيم وكَانَ له مال كثير فكتب على ظهره الرقعة: النميمة قبيحة، وإن كانَتْ صحيحة والميت ﵀، واليتيم جبره الله، والْمَال ثمره الله، والساعي لعنه الله. وَقَالَ الحسن البصري: من نقل إليك حديثًا فاعْلَمْ أنه ينقل إلى غيرك حديثك ووشى رجل برجل إلى أحد الولاة فَقَالَ: أتحب أن نقبل منك ما قُلْتُ فيه على أن نقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا، قال: فكف عن الشر يكف عَنْكَ.
стр. 2442
شِعْرًا: ... لا تُفْشِ سِرًّا مَا اسْتَطَعْتَ إلى امْرِئٍ
يُفْشِي إليك سَرَائِرًا يَسْتَوْدِعُ
فَكَمَا تَرَاهُ بِسِرٍّ غَيْرِكَ صَانِعًا
فَكَذَا بِسِرِّكَ لا أَبَالَكَ يَصْنَعُ
آخر: ... لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءُ يُسْتَطَبُّ بِهِ ... إِلا النَّمَامَةَ وَالطَّاعُونَ وَالْهَرَمَا
آخر: ... لا تَقْبَلَنَّ نَمِيمَةً بُلِّغْتَهَا
وَتَحْفَظَنَّ مِنَ الَّذِي أَنْبَاكَهَا
إِنَّ الَّذِي أَهْدَى إليك نَمِيمَةً
سَيَنِمُ عَنْكَ بِمِثْلِهَا قَدْ حَاكَهَا ... >?
وَقَالَ ابن المبارك: ولد الزنا لا يكتم الْحَدِيث. أشار به إلى أن كُلّ من لم يكتم الْحَدِيث، ومشى بالنميمة دل على أنه ولد زنا استنباطًا من قوله تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ والزنيم هُوَ الدعي.
وروى أن بعض السَّلَف زار أخًا له، وذكر له عن بعض إخوانه شَيْئًا يكرهه، فَقَالَ له: يا أخي أطلت الغيبة، وأتيتني بثلاث جنايات، بغضت إلى أخي، وشغلت قلبي بسبه، واتهمت نفسك الأمنية. أ. هـ.
شِعْرًا: ... لِسَانُ الْفَتَى حَتْفُ الْفَتَى حِينَ يَجْهَلُ ... وَكُلُّ امْرِئٍ مَا بَيْنَ فَكَّيْهِ مَقْتَلُ
إِذَا مَا لِسَانُ الْمَرْءِ أَكْثَرَ هَذْرَهُ ... فَذَاكَ لِسَانُ بِالبَلاءِ مُوَكَّلُ
وَكَمْ فَاتِحٍ أَبْوَابَ شرٍّ لِنَفْسِهِ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ قُفْلُ عَلَى فِيهِ مُقْفَلُ
كَذَا مَنْ رَمَى يَوْمًا شَرَارَاتِ لَفْظِهِ ... تَلَقَّتْهُ نِيرَانُ الْجَوَابَاتِ تَشْعَلُ
وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ لَفْظَهُ مُتَحَمِّلاً ... سَيُطقُّ فِيهِ كُلَّ مَا لَيْسَ يَجْمُلُ
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي فِيهِ مَاءُ صِيَانَةٍ ... فَمِنْ وَجْهِهِ غُصْنُ الْمَهَابَةِ يَذْبُلُ
стр. 2443
فَلا تَحْسَبَنَّ الْفَضْلَ فِي الْحِلْمِ وَحْدَهُ ... بَلْ الْجَهْلُ فِي بَعْضِ الأَحَايِينِ أَفْضَلُ
وَمَنْ يَنْتَصِرْ مِمَّنْ بَغَى فَهُوَ مَا بَغَى ... وَشَرُّ الْمُسِيئَينِ الَّذِي هُوَ أوَّلُ
وقَدْ أَوْجَبَ اللهُ الْقِصَاصَ بِعَدْلِهِ ... وَللهِ حُكْمُ فِي الْعُقُوبَاتِ مُنَزَلُ
فَإِنْ كَانَ قَوْلٌ قَدْ أَصَابَ مَقَاتِلاً ... فَإِنَّ جَوَابَ الْقَوْلِ أَدْهَى وَأَقْتَلُ
وَقَدْ قِيلَ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ وَخَزْنِهِ ... مَسَائِلُ مَنْ كُلِّ الْفَضَائِلِ أَكْمَلُ
وَمَنْ لَمْ يُقَرِّبْهُ سَلامَةُ غَيبِهِ ... فَقُرْبَانُهُ فِي الْوَجْهِ لا يُتَقَبَّلُ
وَمَنْ يتَّخِذْ سُوءَ التَّخَلُّفِ عَادَةً ... فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي عِتَابٍ مُعَوَّلُ
وَمِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ الْوَقِيعَةُ طَالِبًا ... بِهَا عِزَّةً فَهُوَ الْمُهِينُ الْمُذَلَّلُ
وَعَدْلُ مُكَافَاةِ الْمُسِيءِ بِفِعْلِهِ ... فَمَاذَا عَلَى مَنْ فِي الْقَضِيَّةِ يَعْدِلُ
وَلا فَضْلَ فِي الْحُسْنَى إِلَى مَنْ يُحِسُّهَا ... بَلَى عِنْدَ مَنْ يَزْكُو لَدَيْهِ التَّفَضُّلُ
وَمَنْ جَعَلَ التَّعْرِيضَ مَحْصُولَ مَزْحِهِ ... فَذَاكَ عَلَى الْمَقْتِ الْمُصَرَّحِ يَحْصُلُ
وَمَنْ أَمِنَ الآفَاتِ عَجَبًا بِرَأْيِهِ ... أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ
أُعَلِّمِكُمُ مَا عَلَّمَتْنِي تَجَارُبِي ... وَقَدْ قَالَ قَبْلِي قَائِلُ مُتَمَثِّلُ
إِذَا قُلْتَ قَوْلاً كُنْتَ رَهْنَ جَوَابِهِ ... فَحَاذِرْ جَوَابَ السُّوءِ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا مُسَلَّمًا ... فَدَبِّرْ وَمَيِّزْ مَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ
وَاللهُ أَعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.
(موعظة)
عباد الله إن صفات الشر وخصال السُّوء ما وجدت في قوم إِلا كَانُوا أهلاً لغضب الله وسخطه فاستحقوا الشقاء والذل في الدُّنْيَا والآخِرَة وإن من أقبح الخصال وأشنع الخلال الغيبة والنميمة وقَدْ انهمك النَّاس فيهما وصَارَت مجالسهم لا تعمر إِلا بهما يسمَعُ المرء من أخيه الكلمة ليفرج بها من كربه ويخفف بها من آلامه فينقلها إلى صاحبها قصد الإيقاع به والتفريق بين الْمُؤْمِنِين هذه يا عباد الله غاية الدناءة، ومنتهى الخسة والنذالة واللآمة ألا شهامة تحمل النمام على كتمانه سر أخيه ألا مروءة تمنعه من أن ينم على أخيه المسلم، إن النمام لا يعرف
стр. 2444
للشهامة سبيلاً، ولا للمروءة طريقًا، إن من ينم على المسلمين ليبدل الود جفًا وبغضًا والصفو كدرًا وحقدًا ويفتح أبواب الشرور والجنايات على مِصْرَاعَيْهَا بين الْمُؤْمِنِين من أكبر المصائب، وأشد الرزايا على هَذَا المجتمَعَ الإنساني، وكَذَلِكَ الغيبة فإنها تذهب الحسنات، وأَنْتَ تريد أن تكشفه للناس تريد مِنْهُمْ أن يحقروه ويزدروه ويحترسوا منه أن يكون يومًا لَهُمْ من الأصحاب أَنْتَ تريد مِنْهُمْ أنه أن خطب مِنْهُمْ منعوه لتحقيرك إياه عندهم تريد من غيبتك له أن يبعد مِنْهُمْ ويكون منطويًا عنهم لما لقتنهم مِمَّا ذكرته فيه ويكون في وحشيةٍ مِنْهُمْ وتريد مِنْهُمْ أن لا يردوا ﵇ إذا سلم لما عندهم له مِمَّا لقنتهم من الازدراء والاحتقار وإن كَانَ صانعًا فبسبب غيبتك له أن يجفوا صنعته فتقف، وإن كَانَ تاجرًا فتريد بغيبتك أن تخسر تجارته لإعراضهم عَنْهُ، وتريد أنه إذا كَانَ له أولادٌ أو بناتٌ يرغب في تزويجهم أن يأنف النَّاس مِنْهُمْ فيبورون، هَذَا وَاللهِ شَيْء يؤلم النُّفُوس الزكية لأنها مضار عظيمة جدًا تنزل بمن تغتابه فعلى العاقل أن لا يصدق المغتاب أن يرده خائبًا ولا يظن بأخيه المسلم إِلا خيرًا.
اللَّهُمَّ يا من بيده خزائن السماوات والأَرْض عافنا من محن الزمان، وعوارض الفتن، فإنا ضعفاء عن حملها، وإن كنا من أهلها، اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا مِنْ جَمِيعِ الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلّى اللهُ على محمدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
يُشَارِكُكَ الْمُغْتَابُ فِي حَسَنَاتِهِ
وَيُعْطِيكَ أَجْرَيْ صَوْمِهِ وَصَلاتِهِ ... >?
стр. 2445
.. وَيَحْمِلُ وِزْرًا عَنْكَ ظَنَّ بِحَمْلِهِ
عَنْ النُّجْبِ مِنْ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ
فَكَافِيهِ بِالْحُسْنَى وَقُلْ رَبِّ جَازِهِ
بِخَيْرٍ وَكَفِّرْ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ
فَيَا أَيُّهَا الْمُغْتَابُ زِدْنِي فَإِنْ بَقِي
ثَوَابُ صَلاةٍ أَوْ زَكَاةٍ فَهَاتِهِ
فَغَيْرُ شَقِيٍّ مَنْ يَبِيتُ عَدُوُّهُ
يُعَامِلُ عَنْهُ اللهَ فِي غَفَلاتِهِ
فَلا تَعْجَبُوا مِنْ جَاهِل ضَرَّ نَفْسَهُ
بِإِمْعَانِهِ فِي نَفْعٍ بَعْضِ عُدَاتِهِ
وَأَعْجَبُ مِنْهُ عَاقِلٌ بَاتَ سَاخِطًا
عَلَى رَجُلٍ يُهْدِي لَهُ حَسَنَاتِهِ
وَيَحْمِلُ مِنْ أَوْزَارِهِ وَذُنُوبِهِ
وَيَهْلَكُ فِي تَخْلِيصِهِ وَنَجَاتِهِ
فَمَنْ يَحْتَمِلْ يَسْتَوْجِبِ الأَجْرَ وَالثَّنَا
وَيُحْمَدُ فِي الدُّنْيَا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ
وَمَنْ يَنْتَصِفْ يَنْفَخْ ضِرًا مَا قَدْ انْطَفَى
وَيَجْمَعُ أَسْبَابَ الْمَسَاوِي لِذَاتِهِ
فَلا صَالِحٌ يُجْزَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ
وَلا حَسَنٌ يُثْنَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ
يَظَلَّ أَخُو الإِنْسَانِ يَأْكُلُ لَحْمَهُ
كَمَا فِي كِتَابِ اللهِ حَالَ مَمَاتِهِ ... >?
стр. 2446
.. وَلا يَسْتَحِي مِمَّنْ يَرَاهُ وَيَدَّعِي
بِأَنَّ صِفَاتِ الْكَلْبِ دُونَ صِفَاتِهِ
وَقَدْ أَكَلا مِنْ لَحْمِ مَيْتٍ كِلاهُمَا
وَلَكِنْ دَعَى الْكَلْبُ اضْطِرَارُ اقْتِيَانِهِ
تَسَاوَيْتُمَا أَكْلاً فَأَشْقَاكُمَا بِهِ
غَدًا مَنْ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْ تُبَعَاتِهِ
وَمَا لِكَلامٍ مَرَّ كَالرِّيحِ مَوْقِعٌ
فَيَبْقَى عَلَى الإِنْسَانُ بَعْضُ سِمَاتِهِ ... >?
(فَصْلٌ)
ثُمَّ اعْلَمْ أن الباعث على النميمة إما إرادة السُّوء بالمحكي عَنْهُ، أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرج بالْحَدِيث أو الخوض في الفضول ونحو ذَلِكَ ومن آفات الكلام كلام ذي اللسانين الَّذِي يتكلم لكل من المتعاديين بكلام يوافقه فيظهر له إذا قابله أنه صديقه الحميم الحريص على مصلحته الساعي في منفعته ويظهر له أنه عدوٌّ لعدوه وأنه حرب عَلَيْهِ مثله فيغتر بقوله وينخدع بوشيه فيفضي إليه بخبيئه ويبوح له بأسراره أو اتقى به شره وكيده، ومكره وخداعه فإذا فاقره ذهب إلى عدوه وأعلمه بخبئ أمره وبمكتوم سره وطعن في عرضه ونال من شرفه وأظهر له أنه عدو له وأنه له الصديق الوفي فتطمئن نَفْسهُ إليه وينطلق في ذم الآخِر والنيل من عرضه ثُمَّ يحدث هَذَا بما فكر فيه وقدر وبيت ودبر فيذهب به إلى الأول ويقصه عَلَيْهِ قصًا يوغر صدره ويشعل في قَلْبهُ نار العداوة فيزداد العداوة، وتربو البغضاء والشحناء وهكَذَا بين الاثنين والحزبين فمثل هَذَا منافق كذاب نمام خداع غشاش مكار ظَالِم.
стр. 2447
شِعْرًا: ... صَافِي الْكَرِيمَ وَخَيْرُ مَنْ صَافَيْتَهُ ... مَنْ كَانَ ذَا دَيْنٍ وَكَانَ عَفِيفَا
إِنَّ الْكَرِيمَ وَإِنْ تَضَعْضَعَ حَاله ... فَالطَّبْعُ مِنْهُ لا يَزَال شَرِيفَا
وَاحْذَر مُؤَاخَاةَ اللَّئِيمِ فَإِنَّهُ ... يُبْدِي الْقَبِيحِ وَيَكْتُمُ الْمَعْرُوفَا
وَالنَّاسُ مِثْلُ دَرَاهِمٍ مَيَّزْتَهَا ... فَوَجَدْتَ فِيهَا فِضَّةً وَزُيُوفَا
آخر: ... لا تَمْدَحَنَّ امْرأ حَتَّى تُجَرِّبَهُ ... فَرُبَّمَا قَامَ إِنْسَانٌ مَقَامَ فِئَةْ
فَالدَّالَ وَالذَّالُ فِي التَّصْوِيرِ وَاحِدَةٌ ... وَالدَّال أَرْبَعَةٌ وَالذَّالُ سُبْعُمائَةْ
يشار بذَلِكَ إلى الأعداء الأبجدية في قول فدال أربعة والذال سبعمائة ورسمهما واحد إِلا أن الذال تتميز بنقطة فقط.
شِعْرًا: ... وَكَمْ مِنْ صَدِيق وُدُّهُ بِلِسَانِهِ ... خُؤْونٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لا يَتَذَمَّمُ
يُضَاحِكُنِي عُجْبًا إِذَا مَا لَقِيتُهُ ... وَيَصْدِفُنِي مِنْهُ إِذَا غِبْتُ أَسْهُمُ
كَذَلِكَ ذُو الْوَجْهَيْنِ يُرْضِيكَ شَاهِدًا ... وَفِي غَيْبِهِ إِنْ غَابَ صَابٌ وَعَلْقَمُ
آخر: ... تَطَلَّبْتُ فِي الدُّنْيَا خَلِيلاً فَلَمْ أَجِدْ ... وَمَا أَحَدٌ غَيْرِي لِذَلِكَ وَاجِدُ
فَكَمْ مُضْمِرٍ بُغْضًا يُرِيكَ مَحَبَّةً ... وَفِي الزَّنْدِ نَارٌ وَهُوَ فِي اللَّمْسِ بَارِدُ
آخر: ... تَنَكَّر مَنْ كُنَّا نُسَرُّ بِقُرْبِهِ ... وَصَارَ زُعَافًا بَعْدَ مَا كَانَ سَلْسَلا
وَحُقّ لِجَارٍ لَمْ يُوَافِقْهُ جَارُهُ ... وَلا لا أَمَتْهُ الدَّارُ أَنْ يَتَحَوَّلا
آخر: ... لا أَشْتَكِي زَمَنِي هَذَا فَأَظْلِمُهُ ... وَإِنَّمَا أَشْتَكِي مِنْ أَهْلِ ذَا الزَّمَنِ
هُمُ الذِّيَابُ الَّتِي تَحْتَ الثِّيَابُ فَلا ... تَكُنْ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمُؤْتَمِنِ
آخر: ... مَنْ عَاشَ غَيْرَ مُدَاجِ مَنْ يُعَاشِره ... أَسَاء عشرة أصْحَاب وَإِخْوَانِ
كَمْ صَاحِبٍ يَتَمَنَّى لَوْ نُعِيتَ لَهُ ... وَإِنْ تَشَكَّيْتُ آخَانِي وَفَدَّانِ
стр. 2448
ومن الآفات المهلكة التي يتأكد تجنبها في رمضان وغيره المدح وله ست آفات أربع في المادح واثنتان في الممدوح الأولى: أنه قَدْ يفرط فينتهي به إلى الكذب. الثَّانِيَة: أنه قَدْ يدخله الرياء إذ لا يكون قَلْبهُ كَذَلِكَ. الثالثة: أنه قَدْ يَقُولُ ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الإطلاع عَلَيْهِ. الرابعة: أنه قَدْ يمدح الظَالِم والفاسق والكافر والمنافق وهَذَا أمر عَظِيم. الخامسة: أنه يحدث في الممدوح كبرًا وإعجابًا، وهما مهلكتان. السادسة: أنه يحدث في الممدوح فتورًا ورضى عن نَفْسهُ، عِنْدَمَا يثني عَلَيْهِ بالْخَيْر، ويحصل معه فرح وسرور، فيقل اجتهاده وتشميره عن الْعَمَل لأنه يظن أنه قَدْ أدرك النهاية وقَدْ وردت أحاديث في ذم المدح في الوجه لمن خيف عَلَيْهِ مفسدة من إعجاب ونحو.
من ذَلِكَ ما ورد عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري ﵁ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَ فَقَالَ: «أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ» . متفق عَلَيْهِ. والإطراء المبالغة في المدح.
وقَدْ بالغ بعض الشعراء الَّذِينَ يتقربون إلى أسيادهم بما يرضيهم طمعًا في الدُّنْيَا، أو اتقاء شرهم، ولولا التحذير عن مثلها لما سقناها نسأل الله العافية: قال المتنبي:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أَؤمِلُهُ
وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ
وَلا يَهِيضُونَ عظمًا أَنْتَ جَابِرُهُ ... >?
стр. 2449
وَيَقُولُ الآخِر نسأل الله العافية:
... مَا شِئْتَ لا مَا شَاءَتِ الأَقْدَارِ ... فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْمَالِكُ الْقَهَّارُ
ولو اعتصم بِاللهِ وعلم أنه لا يضر ولا ينفع إِلا الله جَلَّ وَعَلا لأغناه وكفاه، وحال بين من يخشاه وبينه، قال تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وعلام يخضع المُؤْمِن أو يتذلل لمخلوق مثله، يحتاج إلى ما يحتاج إليه.
شِعْرًا: ... الْحَمْدُ لله لَيْسَ الرِّزْقَ بِالطَّلَبِ ... وَلا الْعَطَايَا لِذِي عَقْلٍ وَلا أَدَبِ
إِنْ قَدَّرَ اللهَ شَيْئًا أَنْتَ طَالبُهُ ... يَوْمًا وَجَدْتَ إليه أَقْرَبَ السَّبَبِ
آخر: ... صَرَفْتُ عَنْ الْكَثْرَاتِ وَجْهَ تَوَجُّهِي ... إِلَى وَحْدَةِ الْوَجْهِ الْكَرِيمِ الْمُمَجَّدِ
فَمَا خَابَ مَصْرُوفًا إِلَى الْحَقِّ وَجْهُهُ ... وَقَدْ خَابَ مَنْ أَضْحَى إِلَى الْخَلْقِ يَجْتَدِي
آخر: ... لَوْ أَنَّنِي خَيَّرْتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ... مَا اخْتَرْتُ إِلا صَالِحِ الأَعْمَالِ
كُلُّ الأُمُورِ تَزُولُ عَنْكَ وَتَنْقَضِي ... إِلا الْعَمَلِ للهِ فَهُوَ الْبَاقِي
آخر: ... مَوْلاكَ يَكْفِيكَ فَالْزَمْ بَابَ طَاعَتِهِ ... فَقَدْ كَفَى النَّاسَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتَا
مَنْ يَعْتَمِدْ غَيْرَهُ يَرْجِعْ بِمَحْرَمَةٍ ... كَالْمُبْتَغِي بِالْفَلا الصَّحْرَاءِ أَحْوَاتَا
نَصَحْتُكَ لا تَسْأَلْ مِنَ النَّاسِ وَالْتَمِسْ ... بِكَفَّيْكَ فَضْلَ اللهِ فَالرِّزْقُ أَوْسَعُ
فَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ التُّرَابَ لأَوْشَكُوا ... إِذَا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا
آخر: ... لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... فَإِنَّ ذَلِِكَ نَقْصُ مِنْكَ فِي الدِّينِ
стр. 2450
وَاسْتَرْزِقِ اللهَ مِمَّا فِي خَزَائِنِهِ ... فَإِنَّمَا الأَمْرُ بَيْنَ الْكَافِ وَالنُّونِ
يشير إلى قول الله جَلَّ وَعَلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ» . يَقُولُهُ مِرَارًا «إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا. إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَحَسِيبُهُ اللهُ وَلا يُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا» . متفق عَلَيْهِ.
وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْمِقْدَادُ ﵁: أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ ﵁ فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَاب» . رواه مسلم.
وقَدْ ذكر شراح الْحَدِيث أن المداحين المعنيين هنا هم الَّذِينَ اتخذوا مدح النَّاس عادة يستألون به فأما من مدح على الأَمْر الحسن والْفِعْل الجميل ترغيبًا وتنشيطًا وتحريضًا للناس على الإقتداء به فلَيْسَ بمداح وختامًا فإن التمدح مدرجة إلى الكذب والمسلم يجب أن يكون نبيهًا حذرًا يثنى على غيره فلا يذكر إِلا ما يعلم من خَيْر ولا يجنح إلى المبالغة في المدح فمهما كَانَ الممدوح جديرًا بالثناء فإن المبالغة في مدحه ضرب من الكذب على أن الممدوح إن كَانَ رزين العقل انتقَدْ المتجاوز للحد في مدحه كما قيل.
стр. 2451
وَمَدْحُكَ الشَّخْصَ بِالأَخْلاقِ يَعْدِمُهَا
لِلْحُرِّ ذِي اللَّبِ تَبْكِيتٌ وَتَخْجِيل ... >?
وَقَالَ الآخر:
... إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَاله
فَمَادِحُهُ يَهْذِي وَإِنْ كَانَ مُفْصِحَا ... >?
وأجاب بعض الصلحاء المبالغ في مدحه بقوله:
... كُفِيتَ أَذَىً يَا مَنْ تَعَدُّ مَحَاسِنِي
عَلانِيَّتِي هَذَا وَلَمْ تَدْرِ بَاطِنِي ... >?
وأجاب الآخِر بقوله:
... وَلَوْ عَلِمَ الْخَلائِقُ سُوءَ فِعْلِي
لَمَا رَدُّوا إِلَى مِثْلِي سَلامَا ... >?
وحيث أن الشَّافِعِي لا يحب الرياء والشهرة وطلب المدح والثناء يَقُولُ:
... أَرَى الْغِرَّ فِي الدُّنْيَا إِذَا قِيلَ فَاضِلٌ
تَرَقَّى عَلَى رُؤْسِ الرِّجَالِ وَيَخْطُبُ
وَإِنْ كَانَ مِثْلِي لا فَضِيلَةَ عِنْدَهُ
يُقَاسُ بِطِفْلِ فِي الشَّوَارِعِ يَلْعَبُ ... >?
وأما الثناء من الإِنْسَان على نَفْسهُ فشناعة وفظاعة وقَدْ قيل لحكيم ما الَّذِي لا يحسن وإن كَانَ حقًّا؟ فَقَالَ: مدح الرجل نَفْسهُ. وَقَالَ معاوية ﵁ لرجل: من سيد قومك؟ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: لو كُنْتَهُ لَمَا قُلْتَهُ. قال بَعْضهمْ:
... وَمَا حَسَنَ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ
وَلَكِنْ أَخْلاقًا تَذُمُّ وَتَمْدَحُ ... >?
стр. 2452
.. وَمَا كُلُّ حِينٍ يَصْدُقُ الْمَرْءُ ظَنَّهُ
وَلا كُلُّ أَصْحَابِ التِّجَارَةِ يَرْبَحُ
وَلا كُلُّ مَنْ تَرْجُو لِغَيْبِكَ حَافِظًا
وَلا كُلُّ مَنْ ضَمَّ الْوَدِيعَةَ يَصْلَحُ ... >?
وَرُبَّمَا آل حب المدح بصاحبه إلى أن يصير ديدانه مدح نَفْسهُ إما لتوهمه أن النَّاس غفلوا عن فضله وأخلوا بحقه من المدح فتسوقه المنافسة إلى مدح نَفْسهُ وفتح باب الاستهزاء عَلَيْهِ وإما ليخدعهم بتدلَيْسَ نَفْسهُ بالمدح والإطراء فيعتقَدْ الجهال أن قوله حق متبع وصدق مستمَعَ وإما لتلذذه بسماع الثناء وسرور نَفْسهُ بالمدح ولأي واحدٍ من الثلاثة كَانَ مدح النفس فهو الجهل الصريح والنقص الفضيح، والكبر القبح لأنه ناشيء عن عقل فاسدٍ.
وقَدْ قال بعض الشعراء:
... وَدَعْوَةُ الْمَرْءِ تُطْفِي نُورَ بَهْجَتِهِ
هَذَا بِحَقٍّ فَكَيْفَ الْمُدَّعِي زَلَلا ... >?
وينبغي للعاقل أن يسترشد إِخْوَان الصدق الَّذِينَ هم أصفياء القُلُوب الَّذِينَ يثق بدينهم وأمانتهم فهم مرايا المحاسن والعيوب لينبهوه على مساويه التي صرفه حسن الظن بنفسه عَنْهَا فَإِنَّهُمْ أمكن نظرًا وأسلم فكرًا ويجعلون ما ينبهونه عَلَيْهِ من مساويه عوضًا عن تصديقه المدح فيه.
قال الشاعر:
... لا تَحْقِرَنَّ الرَّأْيَ وَهُوَ مُوَافِقٌ ... حُكْم الصَّوَابِ وَلَوْ أَتَى مِنْ نَاقِصِ
فَالدُّرُّ وَهُوَ أَجَلُّ شَيْء يُقْتَنَى ... مَا حَطَّ قِيمَتَهُ هَوَانُ الْغَائِصِ
стр. 2453
آخر: ... خَصَائِصُ من تُشَاوِرُهُ ثَلاثٌ ... فَخُذْهَا مِنْ لِسَانِي بِالْوَاثِيقَةْ
وَدَادُ خَالِصُ وَوَفُورُ عَقْلٍ ... وَمَعْرِفَةٌ لِحَالِكَ بِالْحَقِيقَةْ
فَإِنْ تَمتْ لَهُ هَذِي الْمَعَانِي ... فَتَابِعْ أَيَهُ وَاسْلُكْ طَرِيقَةْ
وقَدْ روى أنس بن مالك عن النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، إذا رأى فيه عيبًا أصلحه» . وكَانَ عمر ﵁ يَقُولُ: رحم الله امرأ أهدي إلينا مساوينا لنصلحها. وقيل لبعض الحكماء: أتحب أن تهدى إليك عيوبك؟ قال: نعم ممن يريد براءتي من العيوب لا من عدو يشمت بالذُّنُوب.
ومِمَّا يقارب هَذَا القول ما روي عن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ أنه قال لابن عباس: من تَرَى نوليه حمص فَقَالَ رجلاً صحيحًا منك لا تسوء به الظن بأنه لَيْسَ من أَهْل الكفاية نصيحًا لك مخلصًا فِي طَاعَتكَ قال عمر تَكُون أَنْتَ ذَلِكَ الرجل قال ابن عباس: لا تنفع بي مَعَ سوء ظنك بي لما حملت كلامي على التعريض، وسؤال الولاية.
وأما قول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ فلأنه قصد بذَلِكَ التنبيه على استقلاله بما سأل أن يفوض إليه لمصلحة لا يقوم بها غيره وهي العلم بجَمِيع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن من حسن الاستخراج وحسن التصرف وإقامة العدل الكامل مَعَ الحفظ التام لذَلِكَ فهو لما رأى الملك استخلصه لذَلِكَ وجعله مقدمًا عَلَيْهِ وفي المحل العالي وجب عَلَيْهِ النَّصِيحَة التامة للملك والرعية، وأما طلب ما يحصل به الثناء من وجه يستحب فذَلِكَ محمود، وَهُوَ طَرِيق إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلاة
стр. 2454
والسَّلام حيث قال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي اجعلني بحيث أفعل ما إذا مدحت به يكون مادحي صادقًا ولذَلِكَ ينبغي للإنسان إذا أثني عَلَيْهِ أن يَقُولُ اللَّهُمَّ اجعلني خيرًا مِمَّا يظنون ويكثر من حمد الله وشكره.
شعرًا: ... إِذَا شِئْتَ أَنْ تَبْقَى مِن اللهِ نِعْمَةٌ ... فَسَارِعْ إِلَى حَمْدِ الإِلهِ وَشُكْرِهِ
وَلا تَعْصِيَنَّ اللهَ فِيمَا رُزِقْتَهُ ... فَيَنْزِعُ عَنْكَ اللهُ وَاسِعِ رِزْقِهِ
آخر: ... إِذَا رَبُّنَا أَعْطَاكَ دُنْيَا فَجُدْ بِهَا ... عَلَى النَّاسِ أَهْلِ الدِّينِ قَبْلَ التَّفَلُّتِ
فَلا الْجُودُ يُفْنِيهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ ... وَلا الْبُخْلُ يُبْقِيهَا إِذَا هِيَ وَلَتِ
آخر: ... تَبَارَكَ مَنْ سَاسَ الأُمُورَ بِعِلْمِهِ ... وَذَلَّ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَمَنْ قَسَّمَ الأَرْزَاقَ بَيْنَ عِبَادِهِ
وَفَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ
فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحِرْصَ فِيهِ يَزِيدُهُ
فَقُولُوا لَهُ يَزْدَادُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ
آخر: ... وَدَاوِ وَلازِمْ قَرْعَ بَابٍ مُؤمِّلاً
فَمَا خَيَّبَ الْمَوْلَى رَجَاءَ مُؤَمِّلِ
وَصَابِرْ فَمَا نَالَ الْعُلا غَيْرُ صَابِرٍ
وَقُلْ وَاعِظًا لِلنَّفْسِ عِنْدَ التَّمَلْمُلِ
مَعَ الصَّبْرِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ مُنَاكَ أَوْ
مُنَايَا كِرَام فَاصْبِرِي وَتَحَمَّلِي
وَدَاوِ لِسُقْمِ الْقَلْبِ وَاعْمُرْ خَرَابَهُ ... بِذِكْرِكَ مَوْلانَا فَسَبِّحْ وَهَلِّلِ
стр. 2455
اللَّهُمَّ اكتب في قلوبنا الإِيمَان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأَرْض، اللَّهُمَّ ووافتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا وارحمنا بِرَحْمَتِكَ الواسعة إنك أَنْتَ الغفور الرحيم وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين.
موعظة
أين من عمر العمائر والفلل واحترس أين من عمر الحدائق وغرس ونصب لنفسه سرير العز وجلس وبلغ الغاية في العتو والطغيان وعن الحق انتكس وظن في نَفْسهُ البقاء ولكن خاب الظن في النفس، أقلقهُ خوف الموت واختلس وأنزل بالقهر عن ظهر الفرس وحمل إلى دار البَلاء فانطمس وتركه في ظلام ظلمة من الجهل والدنس فالعاقل من اغتنم الوَقْت قبل أن يختلس وصبر نَفْسهُ على طاعة مولاه إلى أن تنتهي الحياة وَيَنْقَطِعُ النَّفْس، وَأَكْثِرْ مِنْ سُؤَال اللهِ أَنْ يُوفِقَكَ وَيُعِينَكَ
شِعْرًا: ... إِذَا كَانَ عَوْنُ اللهِ لِلْعَبْدِ مُسْعِفًا ... تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنُ الله لِلْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
آخر: ... فَكَابِدْ إِلَى أَنْ تَبْلُغِ النَّفْسُ عُذْرِهَا ... وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طلاع أَنْجُدِ
وَلا يَذْهَبَنَّ الْعُمْرُ مِنْكَ سَبَهْللاً ... وَلا تُغْبَنَنْ بِالنِّعْمَتَيْنِ بَلْ أَجْهِدِ
فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَاتِ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ ... أَكَبَّ عَلَى اللَّذَاتِ غَضَّ عَلَى إليدِ
شِعْرًا: ... نَبْنِي وَنَجْمَعُ وَالآثَارُ تَنْدَرِسُ
وَنَأْمَلُ اللُّبْثَ وَالأَعْمَارُ تُخْتَلَسُ ... >?
следующие страницы →