← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وَمَدْحُكَ الشَّخْصَ بِالأَخْلاقِ يَعْدِمُهَا لِلْحُرِّ ذِي اللَّبِ تَبْكِيتٌ وَتَخْجِيل ... >? وَقَالَ الآخر: ... إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَاله فَمَادِحُهُ يَهْذِي وَإِنْ كَانَ مُفْصِحَا ... >? وأجاب بعض الصلحاء المبالغ في مدحه بقوله: ... كُفِيتَ أَذَىً يَا مَنْ تَعَدُّ مَحَاسِنِي عَلانِيَّتِي هَذَا وَلَمْ تَدْرِ بَاطِنِي ... >? وأجاب الآخِر بقوله: ... وَلَوْ عَلِمَ الْخَلائِقُ سُوءَ فِعْلِي لَمَا رَدُّوا إِلَى مِثْلِي سَلامَا ... >? وحيث أن الشَّافِعِي لا يحب الرياء والشهرة وطلب المدح والثناء يَقُولُ: ... أَرَى الْغِرَّ فِي الدُّنْيَا إِذَا قِيلَ فَاضِلٌ تَرَقَّى عَلَى رُؤْسِ الرِّجَالِ وَيَخْطُبُ وَإِنْ كَانَ مِثْلِي لا فَضِيلَةَ عِنْدَهُ يُقَاسُ بِطِفْلِ فِي الشَّوَارِعِ يَلْعَبُ ... >? وأما الثناء من الإِنْسَان على نَفْسهُ فشناعة وفظاعة وقَدْ قيل لحكيم ما الَّذِي لا يحسن وإن كَانَ حقًّا؟ فَقَالَ: مدح الرجل نَفْسهُ. وَقَالَ معاوية ﵁ لرجل: من سيد قومك؟ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: لو كُنْتَهُ لَمَا قُلْتَهُ. قال بَعْضهمْ: ... وَمَا حَسَنَ أَنْ يَمْدَحَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَلَكِنْ أَخْلاقًا تَذُمُّ وَتَمْدَحُ ... >?

стр. 2452

.. وَمَا كُلُّ حِينٍ يَصْدُقُ الْمَرْءُ ظَنَّهُ وَلا كُلُّ أَصْحَابِ التِّجَارَةِ يَرْبَحُ وَلا كُلُّ مَنْ تَرْجُو لِغَيْبِكَ حَافِظًا وَلا كُلُّ مَنْ ضَمَّ الْوَدِيعَةَ يَصْلَحُ ... >? وَرُبَّمَا آل حب المدح بصاحبه إلى أن يصير ديدانه مدح نَفْسهُ إما لتوهمه أن النَّاس غفلوا عن فضله وأخلوا بحقه من المدح فتسوقه المنافسة إلى مدح نَفْسهُ وفتح باب الاستهزاء عَلَيْهِ وإما ليخدعهم بتدلَيْسَ نَفْسهُ بالمدح والإطراء فيعتقَدْ الجهال أن قوله حق متبع وصدق مستمَعَ وإما لتلذذه بسماع الثناء وسرور نَفْسهُ بالمدح ولأي واحدٍ من الثلاثة كَانَ مدح النفس فهو الجهل الصريح والنقص الفضيح، والكبر القبح لأنه ناشيء عن عقل فاسدٍ. وقَدْ قال بعض الشعراء: ... وَدَعْوَةُ الْمَرْءِ تُطْفِي نُورَ بَهْجَتِهِ هَذَا بِحَقٍّ فَكَيْفَ الْمُدَّعِي زَلَلا ... >? وينبغي للعاقل أن يسترشد إِخْوَان الصدق الَّذِينَ هم أصفياء القُلُوب الَّذِينَ يثق بدينهم وأمانتهم فهم مرايا المحاسن والعيوب لينبهوه على مساويه التي صرفه حسن الظن بنفسه عَنْهَا فَإِنَّهُمْ أمكن نظرًا وأسلم فكرًا ويجعلون ما ينبهونه عَلَيْهِ من مساويه عوضًا عن تصديقه المدح فيه. قال الشاعر: ... لا تَحْقِرَنَّ الرَّأْيَ وَهُوَ مُوَافِقٌ ... حُكْم الصَّوَابِ وَلَوْ أَتَى مِنْ نَاقِصِ فَالدُّرُّ وَهُوَ أَجَلُّ شَيْء يُقْتَنَى ... مَا حَطَّ قِيمَتَهُ هَوَانُ الْغَائِصِ

стр. 2453

آخر: ... خَصَائِصُ من تُشَاوِرُهُ ثَلاثٌ ... فَخُذْهَا مِنْ لِسَانِي بِالْوَاثِيقَةْ وَدَادُ خَالِصُ وَوَفُورُ عَقْلٍ ... وَمَعْرِفَةٌ لِحَالِكَ بِالْحَقِيقَةْ فَإِنْ تَمتْ لَهُ هَذِي الْمَعَانِي ... فَتَابِعْ أَيَهُ وَاسْلُكْ طَرِيقَةْ وقَدْ روى أنس بن مالك عن النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، إذا رأى فيه عيبًا أصلحه» . وكَانَ عمر ﵁ يَقُولُ: رحم الله امرأ أهدي إلينا مساوينا لنصلحها. وقيل لبعض الحكماء: أتحب أن تهدى إليك عيوبك؟ قال: نعم ممن يريد براءتي من العيوب لا من عدو يشمت بالذُّنُوب. ومِمَّا يقارب هَذَا القول ما روي عن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ أنه قال لابن عباس: من تَرَى نوليه حمص فَقَالَ رجلاً صحيحًا منك لا تسوء به الظن بأنه لَيْسَ من أَهْل الكفاية نصيحًا لك مخلصًا فِي طَاعَتكَ قال عمر تَكُون أَنْتَ ذَلِكَ الرجل قال ابن عباس: لا تنفع بي مَعَ سوء ظنك بي لما حملت كلامي على التعريض، وسؤال الولاية. وأما قول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ فلأنه قصد بذَلِكَ التنبيه على استقلاله بما سأل أن يفوض إليه لمصلحة لا يقوم بها غيره وهي العلم بجَمِيع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن من حسن الاستخراج وحسن التصرف وإقامة العدل الكامل مَعَ الحفظ التام لذَلِكَ فهو لما رأى الملك استخلصه لذَلِكَ وجعله مقدمًا عَلَيْهِ وفي المحل العالي وجب عَلَيْهِ النَّصِيحَة التامة للملك والرعية، وأما طلب ما يحصل به الثناء من وجه يستحب فذَلِكَ محمود، وَهُوَ طَرِيق إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلاة

стр. 2454

والسَّلام حيث قال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي اجعلني بحيث أفعل ما إذا مدحت به يكون مادحي صادقًا ولذَلِكَ ينبغي للإنسان إذا أثني عَلَيْهِ أن يَقُولُ اللَّهُمَّ اجعلني خيرًا مِمَّا يظنون ويكثر من حمد الله وشكره. شعرًا: ... إِذَا شِئْتَ أَنْ تَبْقَى مِن اللهِ نِعْمَةٌ ... فَسَارِعْ إِلَى حَمْدِ الإِلهِ وَشُكْرِهِ وَلا تَعْصِيَنَّ اللهَ فِيمَا رُزِقْتَهُ ... فَيَنْزِعُ عَنْكَ اللهُ وَاسِعِ رِزْقِهِ آخر: ... إِذَا رَبُّنَا أَعْطَاكَ دُنْيَا فَجُدْ بِهَا ... عَلَى النَّاسِ أَهْلِ الدِّينِ قَبْلَ التَّفَلُّتِ فَلا الْجُودُ يُفْنِيهَا إِذَا هِيَ أَقْبَلَتْ ... وَلا الْبُخْلُ يُبْقِيهَا إِذَا هِيَ وَلَتِ آخر: ... تَبَارَكَ مَنْ سَاسَ الأُمُورَ بِعِلْمِهِ ... وَذَلَّ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ قَسَّمَ الأَرْزَاقَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَفَضَّلَ بَعْضَ النَّاسِ فِيهَا عَلَى بَعْضِ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحِرْصَ فِيهِ يَزِيدُهُ فَقُولُوا لَهُ يَزْدَادُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ آخر: ... وَدَاوِ وَلازِمْ قَرْعَ بَابٍ مُؤمِّلاً فَمَا خَيَّبَ الْمَوْلَى رَجَاءَ مُؤَمِّلِ وَصَابِرْ فَمَا نَالَ الْعُلا غَيْرُ صَابِرٍ وَقُلْ وَاعِظًا لِلنَّفْسِ عِنْدَ التَّمَلْمُلِ مَعَ الصَّبْرِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ مُنَاكَ أَوْ مُنَايَا كِرَام فَاصْبِرِي وَتَحَمَّلِي وَدَاوِ لِسُقْمِ الْقَلْبِ وَاعْمُرْ خَرَابَهُ ... بِذِكْرِكَ مَوْلانَا فَسَبِّحْ وَهَلِّلِ

стр. 2455

اللَّهُمَّ اكتب في قلوبنا الإِيمَان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأَرْض، اللَّهُمَّ ووافتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا وارحمنا بِرَحْمَتِكَ الواسعة إنك أَنْتَ الغفور الرحيم وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. موعظة أين من عمر العمائر والفلل واحترس أين من عمر الحدائق وغرس ونصب لنفسه سرير العز وجلس وبلغ الغاية في العتو والطغيان وعن الحق انتكس وظن في نَفْسهُ البقاء ولكن خاب الظن في النفس، أقلقهُ خوف الموت واختلس وأنزل بالقهر عن ظهر الفرس وحمل إلى دار البَلاء فانطمس وتركه في ظلام ظلمة من الجهل والدنس فالعاقل من اغتنم الوَقْت قبل أن يختلس وصبر نَفْسهُ على طاعة مولاه إلى أن تنتهي الحياة وَيَنْقَطِعُ النَّفْس، وَأَكْثِرْ مِنْ سُؤَال اللهِ أَنْ يُوفِقَكَ وَيُعِينَكَ شِعْرًا: ... إِذَا كَانَ عَوْنُ اللهِ لِلْعَبْدِ مُسْعِفًا ... تَهَيَّا لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنُ الله لِلْفَتَى ... فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ آخر: ... فَكَابِدْ إِلَى أَنْ تَبْلُغِ النَّفْسُ عُذْرِهَا ... وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طلاع أَنْجُدِ وَلا يَذْهَبَنَّ الْعُمْرُ مِنْكَ سَبَهْللاً ... وَلا تُغْبَنَنْ بِالنِّعْمَتَيْنِ بَلْ أَجْهِدِ فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَاتِ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ ... أَكَبَّ عَلَى اللَّذَاتِ غَضَّ عَلَى إليدِ شِعْرًا: ... نَبْنِي وَنَجْمَعُ وَالآثَارُ تَنْدَرِسُ وَنَأْمَلُ اللُّبْثَ وَالأَعْمَارُ تُخْتَلَسُ ... >?

стр. 2456

ج ... ذَا اللُّبِ فَكِّرْ فَمَاذَا الْعَيْشِ مِنْ طَمَعٍ لا بُدَّ مَا يَنْتَهِي أَمْرٌ وَيَنْعَكِسُ أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ وَمَنْ كَانُوا إِذَا النَّاسُ قَامُوا هَيْبَةً جَلَسُوا وَمَنْ سُيُوفُهُمْ فِي كُلِّ مُعْتَرَكٍ تَخْشَى وَدُونَهُمْ الْحُجَّابُ وَالْحَرَسُ أَضْحَوْا بِمَهْلَكَةٍ فِي وَسْطِ مَعْرَكَةٍ صَرْعَى وَصَارُوا بِبَطْنِ الأَرْضِ وَانْطَمَسُوا وَعَمَّهُهُمْ حَدَثٌ وَضَمَّهُمْ جَدَثٌ بَاتُوا فَهُمْ جُثَثٌ فِي الرَّمْسِ قَدْ حُبِسُوا كَأَنَّهُمْ قَطُ مَا كَانُوا وَمَا خُلِقُوا وَمَاتَ ذِكْرُهُمْ بَيْنَ الْوَرَى وَنُسُوا وَاللهِ لَوْ عَايَنَتْ عَيْنَاكَ مَا صَنَعَتْ أَيْدِي الْبِلَى بِهِمُوا وَالدُّودُ يَفْتَرِسُ لَعَايَنَتْ مَنْظِرًا تُشْجَى الْقُلُوبُ لَهُ وَأَبْصَرَتْ مُنْكَرًا مِنْ دُونِه الْبَلَسُ مِنْ أَوْجُهٍ نَاظِرَاتٍ حَارَ نَاظِرُهَا فِي رَوْنَقِ الْحُسْنِ مِنْهَا كَيْفَ يَنْطَمِسُ وَأَعْظُمٍ بَالياتٍ مَا بِهَا رَمَقٌ وَلَيْسَ تَبْقَى لِهَذَا وَهِيَ تُنْتَهَسُ وَأَلْسُنٍ نَاطِقَاتٍ زَانَهَا أَدَبٌ مَا شَأْنُهَا شَانَهَا فِي الْمَنْطِقِ الْخَرَسُ ... >?

стр. 2457

.. حَتَّامَ يَا ذَا النُّهَى لا تَرْعَوِي سَفَهًا وَدَمْعَ عَيْنَيْكَ لا يَهْمِي وَيَنْبَجِسُ ... >? اللَّهُمَّ اهدنا بهداك إلى صراطك المستقيم ووفقنا للقيام بحقك على الوجه المطلوب يا كريم وَاجْعَلْنَا يا مولانَا ممن أتاك بقلب سليم واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلّى اللهُ على محمدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) و مِمَّا يتأكد اجتنابه في رمضان وغيره الشتم وَهُوَ رمي أعراض النَّاس بالمعائب القبيحة وذكرهم بقبيح القول حضرًا أو غيبًا. عن سهل بن سعد قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الْجَنَّة» . رواه البخاري. وعن عَبْد اللهِ بن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» . وَقَالَ ﷺ : «يا معشر من آمن بلِسَانه ولم يفض الإِيمَان إلى قَلْبهُ لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» . وفي حديث المعراج: «ومررت بقوم لَهُمْ أظفار من نحاسٍ يخمشون وجوههم وصدورهم، فقُلْتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الَّذِينَ يأكلون لحوم النَّاس ويقعون في أعراضهم» . وَقَالَ سفيان بن حسين: ذكرت رجلاً بسوء عَنْدَ إياس بن معاوية فنظر في وجهي وَقَالَ: أغزوت الروم؟ قُلْتُ: لا، قال: أغزوت السند والهند والترك؟ قُلْتُ: لا، قال: أفسلم منك الروم والسند والهند

стр. 2458

ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها، وقل: أن تجد مولعًا بلحوم الغوافل عيابًا للناس إِلا وفيه من العيوب ما لو اشتغل بإصلاح بعضها لكَانَ أولى به، وأحفظ لوقته، وأسلم لدينه، وأسلم لعرضه فإنه إذا عابهم عابوه وأكثروا فيه ويستمرون في البذاءة والوقاحة ولا يمل بل يفرح. شِعْرًا: ... إِذَا أَنْتَ عِبْتَ النَّاسَ عَابُوا وَأَكْثَرُوا عَلَيْكَ وَأَبْدَوا فِيكَ مَا كَانَ يُسْتَرُ وَإِمَّا ذَكَرَتْ النَّاسَ فَاتْرُكْ عُيُوبَهم وَلا عَيْبَ إِلا مِثْلَ مَا فِيكَ يُذْكَرُ فَإِنْ عِبْتَ قَوْمًا بِالَّذِي فِيكَ مِثْلُهُ فَكَيْفَ يَعِيبُ الْعُورَ مَنْ هُوَ أَعْوَرُ وَإِنْ عِبْتَ قَوْمًا بِالَّذِي لَيْسَ فِيهِمْ فَذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ وَاللهُ أَكْبَرُ ... >? آخر: ... قَبِيحٌ مِن الإِنْسَانِ يَنْسَى عُيُوبَهُ ... وَيَذْكُرْ عَيْبًا فِي أَخِيهِ قَدْ اخْتَفَى وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَمَا عَابَ غَيْرَهُ ... وَفِيهِ عُيُوبٌ لَوْ رَآهَا بِهَا اكْتَفَى آخر: ... وَمَطْرُوفَةٍ عَيْنَاهُ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ ... وَإِنْ بَانَ عَيْبٌ مِنْ أَخِيهِ تَبَصَّرَا آخر: ... أَتَبُصْرُ فِي الْعَيْنِ مِنّيْ الْقَذَا ... وَفِي عَيْنِكَ الْجِذْعُ لا تُبْصِرُ وَلا أَحْسَنَ مِن الإِعْرَاضِ عَن السفيه والدني قال بَعْضهمْ: إِذَا جَارَيْتَ فِي خُلُقِ دَنِيئًا ... فَأَنْتَ وَمَنْ تُجَارِيهِ سَوَاء

стр. 2459

آخر: ... وَمَنْ رَدَّ الْكَلامَ عَلَى سَفِيهٍ ... كَمَنْ دَفَعَ السِّلاحَ إِلَى عَدُوٍ آخر: ... لَوْ كُلُّ كَلْبٍ عَوَى أَلْقَمْتَهُ حَجَرًا ... لأَصْبَحَ الصَّخْرُ مِثْقَالاً بِدِينَارِ آخر: ... أَوَكَلَّمَا طَنَّ الذُّبَابُ زَجَرْتُهُ ... إِنَّ الذُّبَابَ إِذًا عليَّ كَرِيمُ آخر: ... فَمَا كُلُّ كَلْبٍ نَابِحٍ يَسْتَفِزَّنِي ... وَلا كُلُّ مَا طَنَّ الذُّبَابُ أَرَوَّعُ آخر: ... وَلَوْ كُلَّمَا كَلْبُ عَوَى مِلْتُ نَحْوَهُ ... أُجَاو ِبُهُ إِنَّ الْكِلابَ كَثِيرُ وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أخبرني بعمل يدخلني الْجَنَّة ويباعدني من النار. قال: «لَقَدْ سألت عن عَظِيم وإنه ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ تعبد الله لا تشرك به شَيْئًا، وتقيم الصَّلاة وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» . ثُمَّ قال له: «ألا أدليك على أبواب الْخَيْر الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» ثُمَّ تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ . ثُمَّ قال: «ألا أخبرك برأس الأَمْر وعموده وذروة سنامه» ؟ قُلْتُ: بلى يَا رَسُولَ اللهِ. قال: «رأس الأَمْر الإسلام، وعموده الصَّلاة وذروة سنامه الجهاد» . ثُمَّ قال: «قال: ألا أخبرك بملاك ذَلِكَ كله» ؟ قُلْتُ: بلى يَا رَسُولَ اللهِ. فأخذ بلِسَانه ثُمَّ قال: «كف عَلَيْكَ هَذَا» . قُلْتُ: يا نَبِيّ اللهِ وانَا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فَقَالَ: «ثكلتك أمك، وهل يكب النَّاس في

стр. 2460

النار على مناخرهم» أو قال: «على وجوهم إِلا حصائد ألسنتهم» . رواه الترمذي. شِعْرًا: أَلا أحْفَظْ لِسَانَكَ إِنَّ اللِّسَا ... نَ سَرِيعُ إِلَى الْمر فِي قَتْلِهِ وَإِنَّ اللِّسَانَ دَلِيلُ الْفُؤَادِ ... يَدُلُّ الرِّجَالَ عَلَى عَقْلِهِ آخر: ... اغْمِدْ لِسَانَكَ لا يَنْسَلَّ عَنْ فَمِّهِ فَإِنَّهُ فِي عُيُوبِ الْخَلْقِ طَعَّانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ يَأْجُوجَ اللِّسَانُ إذًا لَمْ يُبْنَ مِنْ دُونِهِ كَالسَّدِ أَسْنَانُ ... >? آخر: ... لِسَانُ الْمَرْءِ لَيْثُ فِي كَمِين ... إِذَا خَلَى عَلَيْهِ لَهُ إِغَارَةْ فَصُنْهُ عَنْ الْخَنَا بِلِجَام صَمْتٍ ... يَكُنْ لَكَ مِنْ بَلِيَاتٍ سَتَارَةْ آخر: ... وَأحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَرِزْ مِنْ لَفْظِهِ فَالْمَرْءُ يَسْلَمُ بِاللِّسَانِ وَيَعْطَبُ ... >? آخر: ... أحْفَظِ لِسَانَكَ لا تَقُولُ فَتُبْتَلَى ... إِنَّ الْبَلاءَ مُوَكَّلُ بِالْمَنْطِقِ آخر: ... لِسَانَكَ لَكَ الْمَمْلُوكُ مَا دُمْتَ صَامِتًا وَأَنْتَ لَهُ الْمَمْلُوكُ حِينَ تَكَلَّمُ ... >? آخر: ... يَكُب الْفَتَى فِي النَّارِ حَصْدُ لِسَانِهِ ... وَإِرْسَالُ طَرْفِ الْمَرْءِ أَنْكَى فَقَيّدِ آخر: ... مَا إِنْ نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتِي مَرَّة وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى الْكَلامِ مِرَارًا ... >?

стр. 2461

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» . رَوَاهُ أَحَمْدُ والتِّرْمِذِي. وَخَرَّجَ الْبَزَّارُ من حديث أَبِي بُسْر أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلْنِي الْجَنَّةِ قَالَ: «أَمْسِكْ هَذَا» . وَأَشَارَ إِلى لِسَانه فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ وقَالَ: «ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . والمراد بحصائد الألسن جزاء الكلام المحرم وعقوباته، فإن الإِنْسَان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثُمَّ يحصد يوم القيامة ما زرع فمن زرع خيرًا من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شرًّا من قول أو عملٍ حصد الندامة وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةِ عن النَّبِيّ ﷺ : «أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان الفم والفرج» . رواه الإمام أَحَمَد والترمذي وخَرَجَ البخاري والترمذي عن سهل بن سعد قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الْجَنَّة» . وفي الْحَدِيث الآخِر أنه ﷺ قال: «أتدرون من المفلس» ؟ قَالُوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فَقَالَ: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة ويأتي وقَدْ شتم هَذَا، وقذف هَذَا، وأكل مال هَذَا، وسفك دم هَذَا، وضرب هَذَا فيأخذ هَذَا من حسناته وهَذَا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عَلَيْهِ أخذ من خطاياهم فطرحت عَلَيْهِ ثُمَّ طرح في النار» . رواه مسلم والترمذي ومِمَّا يتأكد اجتنابه الفحش وَهُوَ كُلّ ما اشتد قبحه من الذُّنُوب والمعاصي وكَذَلِكَ الرياء نسأل الله السلامة مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوب. شِعْرًا: ... مَنْ شَاءَ عَيْشًا رَخيًا يَسْتَفِيدُ بِهِ ... فِي دِينِهِ ثُمَّ فِي دُنْيَاهُ إِقْبَالا فَلْيَنْظُرَنَّ إِلَى مَنْ فَوْقَهُ بِتُقَى ... والْيَنْظُرَنَّ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَالا

стр. 2462

عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «من لم يدع قول الزور والْعَمَل به فلَيْسَ لله حَاجَة في أن يدع طعامه وشرابه» . رواه البخاري وَأَبُو دَاود واللفظ له. ويسن لمن شتم وَهُوَ صائم أن يَقُولُ: «إني صائم» . سواء في رمضان أو غيره لما ورد عن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «إذا كَانَ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم» . متفق عَلَيْهِ. شِعْرًا: تَزَوَّدْ مَا اسْتَطَعْتَ لِدَارِ خُلْدٍ فَخَيْرُ الزَّادِ زَادُ الْمُتَّقِينَا وَلا يَغْرُرْكَ فِي الدُّنْيَا ثَرَاءٌ هُنَاكَ تَرَى أُجُورُ الْعَامِلِينَا تَبَصَّرْ يَا هَدَاكَ اللهُ إِنَّا نَسِيرُ عَلَى طَرِيقِ السَّابِقِينَا فَإِنَّ الْمَوْتَ غَايَةُ كُُلِّ حَيٍ وَبَطْنُ الأَرْضِ مَثْوَى الْعَالَمِينَا أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللاءَ كَانُوا مُلُوكًا فِي الْقُرُونِ الْغَابِرِينَا أَضَاعُوا الْعُمْرَ فِي لَهْوٍ وَظُلْمٍ وَحَادُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُتَّقِينَا وَلَمْ يَجِدُوا لِدَفْعِ الْمَوْتِ عَنْهُمْ ... سَبِيالاً فَاسْتَكَانُوا صَاغِرِينَا نَعِيمُ الْخُلْدِ لا يَفْنَى فَسَارِعْ ... لأَعْمَالِ الْعِبَادِ الصَّالِحِينَا

стр. 2463

اللَّهُمَّ اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بِفَضْلِكَ آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جَمِيع الأَحْوَال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النَّعِيم واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلّى اللهُ على محمدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. موعظة قال ابن الجوزي ﵀: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذُّنُوب خصوصًا ذنوب الخلوات فإن المبارزة لله تَعَالَى تسقط الْعَبْد من عينه سُبْحَانَهُ ولا ينال لذة المعاصي إِلا دائم الغَفْلَة، فأما المُؤْمِن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عَنْدَ التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي وَهُوَ الله فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كَانَ الْقَلْب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كَانَ الطبع في شهوته فما هِيَ إِلا لحظة ثُمَّ خزي دائم وندم ملازم وبُكَاء متواصل وأسف على ما كَانَ مَعَ طول الزمان حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقبح آثارها وأسوء وأخبارها. انتهى. شِعْرًا: ... أَيَضْمَنُ لِي فَتَىً تَرْكَ الْمَعَاصِي ... وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلاصِ أَطَاعَ اللهَ قَوْمٌ فَاسْتَرَاحُوا ... وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي آخر: ... خَلِيلِي إِنِّي مَا غَبَطْتُ سِوَى الَّذِي ... أَتَى مُخْلِصًا للهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ يَقُومُ طِوَالَ اللَّيْلِ تَجْرِي دُمُوعُهُ ... عَلَى مَا مَضَى مِنْ مُوبِقَاتٍ وَزَلَّتِي آخر: ... مَنْ مِثْلُ رَبِّكَ تَعْصِيه وَتَهْجُرُهُ ... وَيُسْبِلُ السِّتْرَ يَا ذَا الْغَدْرِ فَارْتَدعِ يَا نَاقِضَ الْعَهْدِ يَا مَنْ حَاله قُبحتْ ... مَعَ الإِلهِ بِلا خَوْفٍ وَلا جَزَعِ

стр. 2464

ضَيَّعْتَ عُمْرَكَ تَسْوِيفًا بِلا عَمَلٍ ... تُمْسِي وَتُصْبِحُ بَيْنَ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَتَسْمَعُ الْوَعْظَ لانْتِهَاكَ زَاجِرَةُ ... بَلْ أَنْتَ فِي غَفْلَة عَنْ ذَاكَ فَاسْتَمِع فَقُمْ لِتَقْرَعَ بَابًا لِلَّذِي كَثُرتْ ... لِلسَّائِلِينَ عَطَايَاهُ وَأَنْتَ مَعِي لَعَلَّهُ أَنْ يَرَانَا تَائِبِينَ لَهُ ... يَمُنُّ بِالْعَفْوِ عَنْ عِصْيَانِنَا الشَّنِعِ وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. فصل في (تحريم الظلم) اعْلَمْ وفقنا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن الظلم مرتعه وخيم وعاقبته سيئة وَهُوَ منبع الرذائل ومصدر الشرور، وحد الظلم أنه وضع الشَيْء في غير موضعه وَهُوَ انحراف عن العدالة ومتى فشى وشاع في أمة أهلكها وإذا حل في قرية أو مدينة دمرها. وَهُوَ والفساد قرينان بهما تخرب الديار وتزول الأمصار وتقل البركات ويحل الفشل محلها وَهُوَ ظلمَاتَ تزل الأقدام في غياهبه وتضل به الأفهام ويظهر الفساد وينتشر بسببه وينتشر بسببه الفزع بين النَّاس. وأعظم الظلم وأشده وأخبثه الشرك بِاللهِ قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ ، وَقَالَ: ﴿أَنَا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيات. وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ الآيَة.

стр. 2465

هَذَا مِمَّا ورد في القرآن الكريم في حق الظالمين وأما السنة فمن ذَلِكَ ما ورد عن ابن عمر ﵄ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الظلم ظلمَاتَ يوم القيامة» . رواه البخاري، ومسلم، والترمذي. وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمَاتَ يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كَانَ قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» . رواه مسلم. وعن أبي مُوَسى ﵁ قال: قال ﷺ : «إن الله ليملي للظَالِم فإذا أخذه لم يفلته - ثُمَّ قَرَأَ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ . رواه البخاري، ومسلم، والترمذي. وَأَظْلِمْ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ مُشْرِكًا ... بِرَبِّ الْوَرَى فَافْهَمْهُ فَهْمَ مُوَحِّدِ وظلم النَّاس أنواع يجمعها قوله: ﷺ «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» . وعن عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «إن الشيطان قَدْ يئس أن يعبد الأصنام في أرض الْعَرَب ولكنه سيرضى منكم بدون ذَلِكَ بالمحرمَاتَ وهي الموبقات يوم القيامة اتقوا الظلم ما استطعتم فإن الْعَبْد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه فما زال عبد يَقُولُ يا رب ظلمني عبدك فَيَقُولُ: امحوا من حسناته وما يزال كَذَلِكَ حتى ما يبقى له حسنة من الذُّنُوب» . إِنْ تَمْطُلِ اليوم الْحُقُوقَ مَعَ الْغِنَى ... فَغَدًا تُؤدِّيهَا مَعَ الإِفْلاسِ وَإِذَا أَحَبَّ اللهُ يَوْمًا عَبْدَهُ ... أَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّةً فِي النَّاسِ

стр. 2466

«وإن مثل ذَلِكَ كسفر نزلوا بفلاة من الأَرْض لَيْسَ معهم حطب فتفرق القوم ليحبطوا فلم يلبثوا أن احتطبوا فأعظموا النار وطبخوا ما أرادوا وكَذَلِكَ الذُّنُوب» . رواه أبو يعلى من طَرِيق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود. ورواه أَحَمَد، والطبراني بإسناد حسن نحوه باختصار. وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شَيْء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كَانَ له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عَلَيْهِ» . رواه البخاري، والترمذي. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس» ؟ قَالُوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فَقَالَ: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقَدْ شئتم هَذَا وقذف هَذَا، وأكل مال هَذَا، وسفك دم هَذَا، وضرب هَذَا فيعطى هَذَا من حسناته وهَذَا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عَلَيْهِ أخذ من خطاياهم فطرحت عَلَيْهِ ثُمَّ طرح في النار» . رواه مسلم، الترمذي. وعن ابن عثمان عن سلمان وسعد بن مالك وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود حتى عد ستة أو سبعة من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قَالُوا: إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفة حتى يرى أنه ناج فما تزال مظَالِم بني دم تتبعه حتى ما يبقى له من حسنة ويحمل عَلَيْهِ من سيئاتهم. رواه البيهقي في الشعب بإسناد جيد.

стр. 2467

وعن أبي ذر ﵁ عن النَّبِيّ ﷺ فيما يرويه عن ربه . أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» . الْحَدِيث رواه مسلم والترمذي وابن ماجة. وروي عن ابن مسعود ﵁ أن النَّبِيّ ? قال: «لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، وتستسقوات فلا تسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا» . رواه الطبراني. اللَّهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللَّهُمَّ إن كنا مقصرين في حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأَنْتَ تعلم صدقنا في رجَاءَ رفدك، وخالص ودك، اللَّهُمَّ أَنْتَ أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين، الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (موعظة) عباد الله بما أن الله جَلَّ وَعَلا من عليكم بالإسلام فيجب عليكم أن تحبوه، فإنه الَّذِي بيده خَيْر الدُّنْيَا والآخِرَة، وأن تحبوا رسوله ? الَّذِي لولا الله ثُمَّ لولاه لكنتم من حطب جهنم تلتهب بكم أبد الآبدين، وأن تحبوا أحباب الله، وأحبابه هم الَّذِينَ لزموا طاعة مولاهم وتباعدوا عن معصيته كما يتباعد الإِنْسَان عما يقتله من سم ونحوه بل السم أَهْوَن وأخف من كثير المعاصي كيف لا والمعاصي لا تسلم فاعلها إِلا إلى الْعَذَاب الأليمِ إن لم يتجاوز عَنْهُ مولاه مضى في صدر هذه الأمة أناس قال الله فيهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وهم الَّذِينَ كَانُوا بأرواحهم في سبيل الله يجودون، وكَانُوا يرون السعادة كُلّ السعادة في ذَلِكَ الجود وإذا لم يستطيعوا

стр. 2468

كَانُوا لذَلِكَ يحزنون وكَانَ هؤلاء النَّاس يحبون رسولهم فوق محبتهم لأموالهم وأنفسهم وكَانَ حب أحدهن لأخيه أعظم من حبه لأثاثه وماله يحب له ما يحب لنفسه ولذَلِكَ كَانُوا في كُلّ المنافع، لا يعرفون إِلا خلق الإيثار، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ سل التاريخ عَلَيْهمْ يخبر عنهم أخبارًا ما سمعت قط بمثلها يخبرك أنهم كَانُوا سادة الدُّنْيَا يعترف بذَلِكَ الْعَدُوّ قبل الصديق اعتراف إقرار وإذعان يخبرك أنهم كَانُوا إذا اتجهوا لغزو جهة ينهزم أهلها وبينهم وبينهم مسافة عظبمة وكيف لا يعزهم ربهم وقُلُوبهمْ كانت وقفًا على حبه وحب رسوله ? وحب كُلّ ما يرضيه من مبار، هؤلاء كَانُوا عبيد الله عبودية ما رأت الدُّنْيَا عبودية مثلها في سائر العبيد عدا الرسل الكرام لذَلِكَ كَانُوا يحنون لطاعته حنينًا لا ينقضي عجبه وَهُوَ مخلص وشديدٌ كَانُوا لا يشبعون من العبادة بالنَّهَارَ فيستقبلون الليل بعزائمهم بعثتها همم عاليةٌ، اتكل ولا تمل من العبادة، بل هِيَ في العبادة كالسمك في البحر، والليل على ذَلِكَ شهيد ومن الَّذِي يَقُولُ إن الدُّنْيَا والآخِرَة هؤلاء الَّذِينَ هم خَيْرةُ الله من خلقه هم سلفنا الصالح، فينبغي أن نقفوا آثارهم، ونكون على مثل ما كَانُوا عَلَيْهِ من المحبة الفائقة والطاعة الفريدة لمولانَا. قال بَعْضهمْ يصف السَّلَف: مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى رَحْلٍ كَأَنَّهُمْ ... رَكْبٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَمْضُوا وَيَنْتَقِلُوا عَفَّتْ جَوَارِحُهُمْ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ ... فَالصِّدْقُ مَذْهَبُهُمْ وَالْخَوْفُ وَالْوَجَلُ آخر: ... تَنَعَّمَ قَوْمٌ بِالْعِبَادَةِ وَالتُّقَى ... أَلَذَّ النَّعِيمِ لا اللَّذَاذَةَ فِي الْخَمْرِ فَقَرَّتْ بِهِ طُولَ الْحَيَاةِ عُيُونُهُمُ ... وَكَانَتْ لَهُمْ زَادًا إِلَى الْقَبْرِ

стр. 2469

آخر: ... دَعِ التَّكَاسُل فِي الطَّاعَاتِ تَفْعَلُهَا ... فلَيْسَ يَسْعَدُ بِالطَّاعَاتِ كَسْلانُ وَاشْدُدْ يَدَيْكَ بِحَبْلِ اللهِ مُعْتَصِمًا ... فَإِنَّهُ الرُّكْنُ إِنْ خَانَتْكَ أَرْكَانُ مَنِ اسْتَعَانَ بِغَيْرِ اللهِ فِي طَلَبٍ ... فَإِنَّ نَاصِرَهُ عَجْزٌ وَخُذْلانُ مَنْ يَزْرَعِ الشَّرِ يَحْصُدْ فِي عَوَاقِبِهِ ... نَدَامَة وَلِحَصْدِ الزَّرْعِ إِبَّانُ مَنِ اسْتَنَامَ إِلَى الأَشْرَارَ نَامَ وَفِي ... قَمِيصِهِ مِنْهُمْ صِلٌ وَثُعْبَانُ وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَجْبُرُهُ ... وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ آخر: ... اعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ مُنْفَرِدُ ... وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ لا يَطْلُبُونَ وَلا تُطْلَبْ مَسَاعِيهِمْ ... فَهُمْ عَلَى مَهَل يَمْشُونَ قُصَّادُ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّاله قَصَدُوا ... فَجُلّهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ رُقَّادُ آخر: ... يَا بَاغِي الإِحْسَانِ يَطْلُبُ رَبَّهُ ... لِيَفُوزَ مِنْهُ بِغَايَةِ الآمَالِ انْظُرْ إِلَى هَدْيَ الصَّحَابَةِ وَالَّذِي ... كَانُوا عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ الْخَالِ وَاسْلُكْ طَرِيق الْقَوْمِ أَيْنَ تَيَمَّمُوا ... خُذْ يَمْنَةً فَالدَّرْبُ ذَاتُ شَمَالِ تَاللهِ مَا اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ سِوَى سُبُلَ الْهُدَى فِي الْقَوْلِ وَالأَفْعَالِ دَرَجُوا عَلَى نَهْجِ الرَّسُولِ وَهَدْيِهِ وَبِهِ اقْتَدَوْا فِي سَائِرِ الأَحْوَالِ نِعْمَ الرَّفِيقُ لِطَالِبٍ يَبْغِي الْهُدَى فَمَاله فِي الْحَشْرِ خَيْرُ مَآلِ الْقَانِتِينَ الْمُخْبِتِينَ لِرَبِّهِمْ النَّاطِقِينَ بِأَصْدَقِ الأَقْوَالِ ... >?

стр. 2470

.. التَّارِكِينَ لِكُلِّ فِعْلٍ سَيءٍ وَالْعَامِلِينَ بِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ أَهْوَاءُهُمْ تَبَعٌ لِدِينِ نَبِيِّهِمْ وَسِوَاهُمْ بِالضِّدِّ مِنْ ذِي الْحَالِ مَا شَابَهُمْ فِي دِينِهِمْ نَقْصٌ وَلا فِي قَوْلِهِمْ شَطْحُ الْجَهُولِ الْغَالِ عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا فَلِذَاكَ مَا شَابُوا الْهُدَى بِضَلالِ وَسِوَاهُمُ بِالضِّدِ فِي أَحْوَالِهِمْ تَرَكُوا الْهُدَى وَدَعَوا إِلَى الضَّلالِ فَهُمْ الأَذِلَّةُ لِلْحَيَارَى مَن يَسِرْ بِهُدَاهُمُ لَمْ يَخْشَ مِنْ إِضْلالِ وَهُمُ النُّجُومُ هِدَايَةً وَإِضَاءَةً وَعُلُو مَنْزِلَةٍ وَبُعْدَ مَنَالِ يَمْشُونَ بَيْنَ النَّاسِ هَوْنًا نُطْقُهُمْ بِالْحَقِّ لا بِجَهَالَةِ الْجُهَّالِ حَلِمًا وَعِلْمًا مَعَ تُقَىً وَتَوَاضِعِ وَنَصِيحَةٍ مَعَ رُتْبَةِ الإِفْضَالِ يُحْيُونَ لَيْلَهُمْ بِطَاعَةِ رَبِّهِمْ بِتِلاوَةٍ وَتَضَرُّعٍ وَسُؤَالِ وَعُيُونُهُمْ تَجْرِي بِفَيْضِ دُمُوعِهِمْ مِثْلَ انْهِمَالِ الْوَابِلِ الْهَلالِ ... >?

стр. 2471

.. فِي اللَّيْلِ رُهْبَانٌ وَعِنْدَ جِهَادِهِمْ لِعَدُوِّهِمْ مِنْ أَشْجَعِ الأَبْطَالِ وَإِذَا بَدَا عَلَمُ الرِّهَبَانِ رَأَيْتَهُمْ يَتَسَابَقُونَ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ بِوُجُوهِهِمْ أَثَرُ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ وَبِهَا أَشِعَةُ نُورِهِ الْمُتَلالِ وَلَقَدْ أَبَانَ لَكَ الْكِتَابُ صِفَاتِهِمْ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ الْمُبِينِ الْعَالِ وَبِرَابِعِ السَّبْعِ الطِّوَالِ صَفَاتُهُمْ قَوْمٌ يُحِبُّهُمُ ذُووا أدْلالِ وَبَرَاءَةٍ وَالْحَشْرِ فِيهَا وَصْفُهُمْ وَبِهَلْ أَتَى وَبِسُورَةِ الأَنْفَالِ ... >? اللَّهُمَّ أذقنا عفوك وغفرانك واسلك بنا طَرِيق مرضاتك، وعاملنا بلطفك وإحسانك واقطع عنا ما يبعد عن طَاعَتكَ، اللَّهُمَّ وثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها ويسر لنا ما يسرته لأوليائك، واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليمَنِ فَقَالَ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 2472

وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» . رواه أَحَمَد والترمذي وحسنه وابن ماجة، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والبزار مختصرًا بلفظ: «ثلاث حق على الله أن لا يرد لَهُمْ دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع» . وفي رواية للترمذي: «ثلاث دعواتٍ لا شك في إجابتهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» . وروى أبو داود هذه بتقديم وتأخَيْر. وعن ابن عمر ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة» . رواه الحاكم وَقَالَ: رواته متفق على الاحتجاج بِهُمْ إِلا عاصم بن كليب فاحتج به مسلم وحده. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» . رواه أَحَمَد بإسناد حسن. وروى عن ابن عباس ﵄ دعوتان لَيْسَ بينهما وبين الله حجاب دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب. رواه الطبراني وله شواهد كثيرة. وعن خزيمة بن ثابت ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يَقُولُ الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» . رواه الطبراني. شِعْرًا: ... وَمَا مِنْ يَدٍ إِلا يَدُ اللهِ فَوْقَهَا ... وَلا ظَالِمٌ إِلا سَيُبْلَى بِظَالِمِ

стр. 2473

آخر: ... وأظلم أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ مُشْرِكًا ... بِخَالِقِهِ فَاحْذَرْ هُدِيتَ عَنِ الشِّرْكِ قال بَعْضهمْ يصف دعوة المظلوم وَهُوَ في الحَقِيقَة لغز. وَسَائِرَةٍ لَمْ تَسْرِ فِي الأَرْضِ تَبْتَغِي مَحَلاً وَلَمْ يَقْطَعْ بِهَا الْبِيْدَ قَاطِعُ سَرَتْ حَيْثُ لَمْ تَحْدَ الرِّكَابُ وَلَمْ تُنَخْ لِوَرْدٍ وَلَمْ يَقْصُرْ لَهَا الْقَيْدَ مَانِعُ تَمُرُّ وَرَاءَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ بِجُثْمَانِهِ فِيهِ سَمِيرٌ وَهَاجِعُ إِذَا وَفَدَتْ لَمْ يَرْدُدِ اللهُ وَفْدَهَا عَلَى أَهْلِهَا وَاللهُ رَاءٍ وَسَامِعُ تَفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ دُونَهَا إِذَا قَرَعَ الأَبْوَابَ مِنْهُنَّ قَارِعٌ وَإِنِّي لأَرْجُو اللهَ حَتَّى كَأَنَّمَا أَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللهُ صَانِعُ آخر: ... أَلا رُبَّ ذِي ظُلْمٍ كَمَنْتُ لِحَرْبِهِ فَأَوْقَعُهُ الْمَقْدُورُ أَيَّ وُقُوعٍ وَمَا كَانَ لِي إِلا سِلاحُ تُركُّعٍ وَأَدْعِيَةٌ لا تُتَّقَى بِدُرُوعِ وَهَيْهَاتَ أَنْ يَنْجُو الظَّلُومُ وَخَلْفَهُ سِهَامُ دُعَاءٍ مِن قِسِّيٍ رُكُوعِ ... >? وعن أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها

стр. 2474

هنا التقوى ها هنا» . ويشير إلى صدره «بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كُلّ المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه» . رواه مسلم. وعن أبي ذر ﵁ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالاً كُلّهَا: أيها الملك المسلط المبتلي المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدُّنْيَا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها وإن كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات فساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نَفْسهُ وساعة يتفكر فيها في صنع الله وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنًا إِلا لثلاث تزودٍ لمعادٍ أو مرمةٍ لمعاش أو لذةٍ في غير محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه مقبلاً على شأنه حافظًا للِسَانه ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إِلا فيما يعنيه. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فما كانت صحف مُوَسى ﵇؟ قال: «كانت عبرًا كُلّهَا: عجبت لمن أيقن بالموت ثُمَّ يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار ثُمَّ هُوَ يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر ثُمَّ هُوَ ينصب، عجبت لمن رأى الدُّنْيَا وتقلبها بأهلها ثُمَّ اطمأن إليها عجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثُمَّ لا يعمل» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أوصني قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس الأَمْر كله» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «عَلَيْكَ بتلاوة القرآن وذكر الله ، فإنه نور لك في الأَرْض، وذخر لك في السماء» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «إياك وكثرة الضحك، فإنه

стр. 2475

يميت الْقَلْب، ويذهب بنور الوجه» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «عَلَيْكَ بالجهاد فإنه رهبانية أمتي» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «أحب المساكين وجالسهم» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هُوَ فوقك، فإنه أجدر أن لا تزدرى نعمة الله عندك» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «قل الحق وإن كَانَ مرًّا» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زدني. قال: «ليردك عن النَّاس ما تعلمه من نفسك ولا تجد فيما تأتي وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك وتجد عَلَيْهمْ فيما تأتي» . ثُمَّ ضرب بيده على صدري، فَقَالَ: «يا أبا ذر لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق» . رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم، وَقَالَ: صحيح الإسناد اللَّهُمَّ توفنا مسلمين وألحقنا بعادك الصالحين الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ويسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (موعظة) : عباد الله ما للألسن عن شكر نعم الله المتتالية قاصرة، وما للعيون إلى زهرة الحياة الدُّنْيَا الفانية ناظرة، وما للأقدام عن طَرِيق الهداية الواضحة حائرة وما للعزائم والهمم عن الْعَمَل الصالح فاترة وما للنفوس لا تتزود من التقوى وهي مسافرة وما لها لا تتأهب وتستعد للنقلة إلى دار الآخِرَة، أركونًا إلى الدُّنْيَا وقَدْ فرقت الجموع وكسرت أعناق الأكاسرة وقصرت آمال القياصرة وأدارت على أهلها من تقلبها الدائرة أم

стр. 2476

اغترارًا بالإقامة، ومطايا الأيام بكم في كُلّ لحظة سائرةٍ أم تسويفًا بالتوبة والأعمال فهذه وَاللهِ الفكرة والصفقة الخاسرة لَقَدْ رانت على القُلُوب قبائح الأعمال، وضربت عَلَيْهَا وعلى المسامَعَ من الذُّنُوب أقفالٌ فيا خجلة من سئل فعدم الجواب أو بجوابٍ يستحق عَلَيْهِ أليم الْعَذَاب ويا حَسْرَة من نوقش عن الدقيق والجليل في الآخِرَة الحساب، ويا ندامة من لم يحصل إِلا على الْغَضَب من الكريم الوهاب ويا خيبة من ماله إلى نار تلتهب إلى إحراقه التهابًا، فمتى تقبلون على الله بقُلُوب صادقة لا تنتهون من مفارقة الذُّنُوب بعزمة صادقة، لا في الصادقين تيقنون أنه ثابت لكم قدم، ولا في التائبين صحت لكم توبة وإقلاع وعزم وندم. ولا عَنْدَ تلاوة كتاب الله تقشعر منكم الجلود ولا عَنْدَ سماع المواعظ ترق منكم القُلُوب التي هِيَ أقسى من الجلمود فبماذا ترجون لحاق السعداء وكيف تطمعون في الفوز والنجاة معهم غدًا وأنتم تتبعون الخطايا بالخطايا وتبارزون. الله بها في البكر والعشيا، فيا حَسْرَة نفوس أطمأَنْتَ إلى الدُّنْيَا دار الغرور، ويا خراب قُلُوب عمرت بأماني كُلّهَا باطل وزورٍ، ويا نفاذ أعمار ينقص منها كُلّ يوم وساعة ولا يزَادَ ويا خيبة مسافر يسير السير السريع وَهُوَ بلا زادٍ، فالبدار البدار عباد الله بالتوبة البدار والغنيمة الغنيمة قبل خروج وَقْت الاختيار، وإيتان وَقْت لا تقال فيه العثار: ... نَسِيرُ إِلَى الأَجَالِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ ... إِذَا مَا تَخَطَّتُهْ الأَمَانِي بَاطِلُ تَرَحَّلْ مِن الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرَكَ أَيَّامٌ تُعَدُّ قَلائِلُ آخر: ... هِيَ الدُّنْيَا حَقِيقَتُهَا مُحَالٌ ... تَمُرُّ كَمَا يَمُرُّ بِكَ الْخَيَالُ وَكَمْ قَدْ غَرَّ زُخْرُفُهَا رِجَالاً ... غُرُورَ ذَوِي الظَّمَا بِالْقَاعِ آلُ

стр. 2477

جج آخر: ... سَوَاءٌ مَنْ أَقَلَّ التُّرْبُ مِنَّا ... وَمَنْ وَارَى مَعَالِمَهُ التُّرَابُ وَإِنَّ مُزَايِل الْعَيْشِ اخْتِصَارًا ... مُسَاوٍ لِلَّذِينَ بَقُوا فَشَابُوا وَأَوَّلُنَا الْعَنَاءُ إِذَا طَلَعْنَا ... إِلَى الدُّنْيَا وَآخِرُنَا الذَّهَابُ آخر: ... قَدْ نَادَتِ الدُّنْيَا عَلَى نَفْسِهَا ... لَوْ كَانَ فِي الْعَالَم مَنْ يَسْمَعُ كَمْ آمِل خَيَّبْتُ آمَاله ... وَجَامِعِ بَدّدْتُ مَا يَجْمَعُ آخر: ... خَرَجْتُ مِن الدُّنْيَا كَأَنِّي لَمْ أَكُنْ دَخَلْتُ إليها قَطُّ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ تَبَلَّغْتُ فِيهَا بِاليسِيرِ وَقَدْ كَفَى وَحَصَّلْتُ فِيهَا مَا عَمَرْتُ بِهِ قَبْرِي يُؤَنِّسُنِي فِيهِ إِذَا مَا سَكَنْتُهُ وَنِعْم رَفِيقٌ صَاحِبٌ لِي إِلَى الْحَشْرِ فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا رُوَيْدَكَ فَاقْتَصِرْ فَإِنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ تَأْتِي وَمَا تَدْرِي وَإِيَّاكَ وَالتَّفْرِيطَ فالْغَبْنُ كُلُّهُ لِمَنْ مُنِحَ الدُّنْيَا وَرَاحَ بِلا أَجْرِ ... >? آخر: ... عَلَى مِثْلِ هَذَا كُلُّ جَمْعٍ مَاله ... وِصَالُ وَتَفْرِيقُ يسر وَيُؤْلمُ وَإِنْ مُنِعَ الْغُيَّابُ أَنْ يَقْدَمُوا لَنَا ... فَإِنَّا عَلَى غُيَّابِنَا سَوْفَ نَقْدَمُ آخر: ... يَا مُنْزِلاً لَعِبَ الزَّمَانُ بِأَهْلِهِ ... فَأَبَادَهُمْ بِتَفَرُّق وَسَيجُمَعُوا ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقَى الَّذِينَ حَيَاتُهُمْ لا تَنْفَعُ آخر: ... وَعَضَتْكَ أَجْدَاثٌ وَهُنَّ صُمُوتُ ... وَأَصْحَابُهَا تَحْتَ التُّرَابُ خُفُوتُ أَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغِهِ ... لِمَنْ تَجْمَعِ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ

стр. 2478

آخر: ... يَا نَفْسُ مَا هِيَ إِلا صَبْرُ أَيَّامِ ... كَأَنَّ مُدَّتَهَا أَضْغَاثُ أَحْلامِ يَا نَفْسُ جُوزِي عَنِ الدُّنْيَا مُبَادَرَةً ... وَخَلِّ عَنْهَا فَإِنَّ الْعَيْشَ قُدَّامِ آخر: ... تَقْنَ اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَا لَذَّتَهَا ... مِن الْحَرَامِ وَيَبْقَى الإثْمُ وَالْعَارُ تَبْقَى مَغَبَّةُ وُسُوءٍ مِنْ تَطَلُّبِهَا ... لا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ آخر: ... بَنِي الدُّنْيَا أَقِلُوا الْهَمَّ فِيهَا ... فَمَا فِيهَا يَؤُولُ إِلَى الْفَوَاتِ بِنَاءٌ لِلْخَرَابِ وَجَمْعُ مَالٍ ... لِيَفْنَى وَالتَّؤالُدُ لِلْمَمَاتِ اللَّهُمَّ وفقنا للإستعداد لما أمامنا واهدنا سبيل الرشاد ووفقنا للعمل الصالح ليوم المعاد واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) وعن أنس ﵁ قال: رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» . فَقَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللهِ أنصره إذا كَانَ مظلومًا؛ أفرَأَيْت إن كَانَ ظالمًا كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذَلِكَ نصره» . رواه البخاري. فالمظلوم في حقه أو ماله يمنع عَنْهُ الظلم ويرفع عَنْهُ الحيف بكل ما يستطاع من الوسائل والقصد أن تَكُون ايد مَعَ يد المظلوم حتى يأخذ حقه وأما نصر الظَالِم فمنعه عن الظلم فإن أراد استلاب مال حلت بينه وبينه وأخذت بيده. وإن أراد البطش ببريء ضربت على يده إن كانت يدك أقوى من يده وتراعي الحكمة لئلا ينقلب ظالمًا لك وإن كانت النَّصِيحَة رادعة

стр. 2479

سلكتها وإِلا فتستعمل معه القوة حتى يرجع إلى الحق، وطرق الظلم كثيرةٌ جدًّا ووسائله جمةٌ وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه. ولا يختص الظلم بأرباب الوظائف والمناصب وأرباب الحكم والسُّلْطَان، حيث أن كلا ممن عدا هؤلاء رب بيت أو بيوتٍ، وزعيم أسرة وفي الأسرة الكبير والصغير والقوي والضعيف والخادم والأجير ولكل واحد من هؤلاء حقوق في أعناق المسؤلين وسيسألون عَنْهَا بل إنَّ الإِنْسَان ليعد ظالمًا إذا تعدى على حقوق نَفْسهُ الشخصية فقَدْ يكون مبذرًا وحالته تدعو إلى الاقتصاد وقَدْ يكون مقترًا وحالته تدعو إلى التيسير فمن ظلم الإِنْسَان لأهله سياستهم بالقَسْوَة كما يفعله بَعْضهمْ ظنًّا منه أنه مدعاة لاحترامهم له أو يبخل عَلَيْهمْ فلا ينفق النفقة الواجبة كأمثالهم أو لا يحسن معاشرتهم فقَدْ ذكر أن عمر ﵁ كَانَ ذات يوم مستلقيًا على ظهره في بيته وصبيانه يلعبون حوله فدخل عَلَيْهمْ. أحد عماله فانكر ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ له عمر: كيف أَنْتَ مَعَ أهلك؟ فَقَالَ: إذا دخلت سكت الناطق. فَقَالَ له عمر: اعتزل عملنا فإنك لا ترفق بأهلك وولدك فَكَيْفَ ترفق بأمة مُحَمَّد ﷺ ومن ظلمه لأولاده أن يتركهم بلا أمرٍ ولا نهيٍ ولا توجيهٍ ومَعَ هَذَا فربما وجدته أمر النَّاس البعيدين عَنْهُ بالمعروف وينهاهم عن الْمُنْكَر وقَدْ صدق عَلَيْهِ المثل شِعْرًا: ... كَمُرْضِعَةٍ أَوْلادَ أُخْرَى وَضَيَّعَتْ ... بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلالُ عَنْ الْقَصْدِ آخر: ... كَتَارِكَةٍ بَيْضَهَا بِالْعَرَاءِ ... وَمُلْبِسَةٍ بَيْضَ أُخْرَى جَنَاحَا

стр. 2480

ومن ظلمه لجيرانه أن لا يقوم بحق الجوار لَهُمْ، ولا يواسيهم بل ولا يكف شره وشر أولاده وأهله ولَقَدْ أوصى الله بالجار فقال (والجار ذي القربى، والجار الجنب) وأوصى رسول الله ﷺ به فَقَالَ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه» . وقيل: إن فلانة تصوم النَّهَارَ وتَقُوم الليل وهي سئية الخلق تؤذي جيرانها بلسانها. فَقَالَ ﷺ : «لا خَيْر فيها، هِيَ من أَهْل النار» . شِعْرًا: يَلُومُونَنِي إِنْ بِعْتُ بِالرُّخْصِ مَنْزِلِي ... وَلَمْ يَعْلَمُوا جَارًا هُنَاكَ يَنْغِصُ فَقُلْتُ لَهُمْ كَفُوا الْمَلامَ فَإِنَّمَا ... ف بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرَخُصُ ومن ظلم القضاة الحيف مَعَ أحد الخصمين أو شهادة الشهود وشر أنواع الظلم ظلم ولاة الأمور لرعيتهم وإذا انتشر الظلم في أمة سلبت الأمن على الرواح والأموال والأعراض وانتشرت فيها المفاسد وسوء الأَخْلاق، وفشت فيها العداوة والبغضاء وأكل القوي الضعيف، وقُلْتُ فيها اليد العاملة، واتسع نطاق الجهل وتذهب من الأمة الشجاعة والحمية، ويحل محلها النفاق والملق، ويثمران النميمة ونقل الكلام والْغَضَب والسرقة والاختلاس ونهب أموال النَّاس والربا والتطفيف في المكاييل والموازين والتغرير بالعامل والغش والخيانة للوديع والأجير والجعيل والمقارض والشريك والوكيل وهَذَا كله من الظلم الَّذِي توعد الله أهله، وَقَالَ فيهم: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ولكنها درجات متفاوتة والجزاء على كُلّ شَيْء بحسبه ولَقَدْ وصل النَّاس اليوم في ظلم بَعْضهمْ بعضًا إلى حد تقصر عن شرحه العبارة وَذَلِكَ أنهم لا يتهيبون ظلمًا إِلا إذا رأوا بجانبه إقامة الحد الشرعي فإذا أمن أحدهم من العقوبة

стр. 2481

الشرعية بطش بطش الجبارين، فإذا اشتهت نَفْسهُ قذف شخص قذفه مهما كَانَ نقي العرض وإذا اشتهت نَفْسهُ سب إنسان وشتمه سبه وشتمه بل ولعنه والعياذ بِاللهِ وإذا اشتهت نَفْسهُ غيبة غَافِل أو بهته إغتابه وبهته وإذا اشتهت نَفْسهُ ضربه مال عَلَيْهِ وضربه ضربًا لا رحمة معه وإذا همت بأكل ماله نفذ ذَلِكَ بغاية الجرأة والوقاحة وبطرق شتى مسلكها يهون وإن سولت له نَفْسهُ أن يطعن بنسب إنسان وحسبه طعن طعنًا تقشعر منه الأبدان وإذا زينت له نَفْسهُ أن يقتل إنسانَا أراق دمه في الحال غير مفكر وغير متندم وهكَذَا من توغل في الظلم وأمن العقوبة لا يقوم في نَفْسهُ لون من الظلم إِلا نفذه مسرعًا كأنه لا يؤمن بالبعث ولا بالموت ولا بأن الجزاء واقع على الأعمال ولذَلِكَ تَرَى نيران الظلم تلتهب في أنحاء الدُّنْيَا بحالة تزعج الناظرين ولَقَدْ غفل النَّاس عن عواقب الظلم دنيًا وأخرى ولو علموا أن شقاء الدُّنْيَا والآخِرَة وليد الظلم وأثر مِمَّا له من آثار ما دنا من الظلم أحد ولو لبهيم لا يحسب له أدنى حساب فالظلم يتغير منه قلب المظلوم ويتفاوت التغير بتفاوت ما للظلم من مقدار وعَلَى قَدْرِ ذَلِكَ الظلم يكون الْغَضَب والانتقام، خصوصًا إذا كَانَ المظلوم ضعيفًا لا ناصر له. شعرًا: خَفِ اللهَ فِي ظُلْمِ الْوَرَى وَاحْذَرَنَّهُ ... وَخَفْ يَوْمَ عَضّ الظَّالِمِينَ عَلَى اليدِ وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يُهْمِلُ خَلْقَهُ ... وَلَكِنَّهُ يُمْلِي لِمَنْ شَاءَ إِلَى الْغَدِ آخر: ... إِذَا مَا الظَّلُومُ اسْتَحْسَنَ الظُّلْمَ مَذْهَبًا ... وَلَجَّ عُتُوًا فِي قَبِيحِ اكْتِسَابِهِ فَكِلْهُ إِلَى صِرْفِ إلَّيالي فَإِنَّهَا ... سَيَبْدُوا لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا ظَالِمًا مُتَمَرِّدًا ... يَرَى النَّجْمَ تِيهًا تَحْتَ ظِلِّ رِكَابِهِ

стр. 2482

فَعَمَّا قَلِيلٍ وَهُوَ فِي غَفَلاتِهِ ... أَنَاخَتْ صُرُوفُ الْحَادِثَاتِ بِبَابِهِ فَأَصْبَحَ لا مَالٌ وَلا جَاهٌ يُرْتَجَى ... وَلا حَسَنَاتٌ يَلْتَقِي فِي كِتَابِهِ وَجُوزِي بِالأَمْرِ الَّذِي كَانَ فَاعِلاً ... وَصَبَّ عَلَيْهِ اللهُ سَوْطَ عَذَابِهِ شِعْرًا: ... يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيل سَتُلقَى بَيْنَ أَمْوَاتِ فَاذْكُرْ مَحَلَّكَ مِنْ قَبْلِ الْحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى اللهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إِنَّ الْحَمَامَ لَهُ وَقْتٌ إِلَى أَجَلٍ ... فَاذْكُرْ مَصَائِبَ أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... قَدْ آن لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللبِّ أَنْ يَأْتِي اللَّهُمَّ اجعلنا ممن أفاق لنفسه وفاق بالتحفظ أبناء جنسه وأعد عدة تصلح لرمسه واستدراك في يومه ما ضيعه في أمسه واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين اللَّهُمَّ احفظنا من المخالفة والعصيان ولا تؤاخذنا بجرائمنا وما وقع منا من الخطأ والنسيان واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين الأحياء مِنْهُمْ والمَيتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. موعظة عباد الله لَقَدْ امتلأت الأَرْض من الشر ووسائله. وضجت وما فيها مِمَّا وصل إليه من المعاصي الإِنْسَان وإن شئت فزر أي جهةٍ من جهات العَالِم وتَرَى ما يتقطع له قلبك حسرات افتتن النَّاس بزخارف الدُّنْيَا فاستولت على قُلُوبهمْ وملكتها فنسوا يوم الحساب وأصبحت المعاصي أمرًا مألوفًا عَنْدَ كثير من النَّاس وغلب المستقيمون على أمرهم فلم يستطيعوا إزالتها فتمادى المجرمون على انتهاك الآداب فتفاقم الخطب ثُمَّ تفاقم إلى أن التهبت الدُّنْيَا بالموبقات خف الزنى الَّذِي هُوَ من كبائر الذُّنُوب حتى صار الغيور الْمُنْكَر به المقبح يسمى رجعيًّا لا يعرف الحرية

стр. 2483

مَعَ أن الزنى من بين المعاصي عار تسود له الوجوه، وتنتكس له الرؤوس وتنهدم به بيوت المجد العاية، وهان التعامل بالربا مَعَ أنه من بين سائر المعاصي قَدْ توعد الله فاعله المستمر على التعامل به بالحرب وقارف كثير من النَّاس المسكرات مَعَ أن الخمر أم الخبائث وهذه شهادة الزور قَدْ هأَنْتَ مَعَ أنها من عظائم الذُّنُوب وهذه فاحشة اللواط قَدْ انتشرت انتشار الوباء مَعَ أن القرآن يحكي عن أمة كانت تفعل ذَلِكَ أنها خسف بها، وأمطرت عَلَيْهَا حجارة من سجيل وأما الأَرْض فهان اغتصابها مَعَ أن المغتصب يكون طوقًا لمغتصبه في دار الانتقام، وأما الأموال والأعراض فحدث عن الاستخفاف بها وانتهاكها ولا حرج وهَذَا الغش قَدْ صار عادةً لا يكاد يسلم منه معامل مَعَ أن النَّبِيّ ﷺ قال: «من غشنا فلَيْسَ منا» . وهَذَا حلق اللحية قَدْ أصبح عَنْدَ كثير من النَّاس كأنه واجب مَعَ أمر النَّبِيّ ﷺ بإعفائها هَذَا وأضعاف أضعافه حاصل في هَذَا العصر المظلم الحالك الَّذِي عادة فيه غربة الدين. شِعْرًا: ... سَمَّوْكَ يَا عَصْرَ الظَّلامِ سَفَاهَةً عَصْرَ الضِّيَاءِ وَأَنْتَ شَرُّ الأَعْصُرِ وَتَقَدَّمَتْ فِيكَ الْحَضَارَةُ حَسْبَمَا قَالُوا فِيَا وَحْشِيَّةَ الْمُتَحَضِّرِ وَالْعِلْمُ قَدْ يَأْتِي بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَسِيرُ نَحْوَ الْمَوْتِ بِالْمُسْتَبْصِرِ ... >?

стр. 2484

آخر: ... وَلا خَيْر فِي الدُّنْيَا وَلا فِي نَعِيمِهَا ... إِذَا انْحَطَّتِ الْبَازَاتُ وَارْتَفَعَ الْبَطُّ آخر: ... لَقَدْ أُخِّرَ التَّصْدِيرُ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ ... وَقُدِّمَ غَمْرٌ جَامِدُ الذُّهْنِ خَامِدُهُ آخر: ... إِذَا لَمْ يَكُنْ صَدْرُ الْمَجَالِسِ سَيِّدًا ... فَلا خَيْرَ فِيمَنْ صَدَّرَتْهُ الْمَجَالِسُ وَكَمْ قَائِلٍ مَا لي رَأَيْتُكَ رَاجِلاً ... فَقُلْتُ لَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَارِسُ آخر: ... لا يَغُرَّنَكُمْ عُلُوُّ لَئِييْم ... فَعُلُّوُه لا يَسْتَحِقُّ سِفَالٍ فَارْتِفَاعُ الْغَرِيق فِيهِ فُضُوحِ ... وَعُلُو الْمَصْلُوبِ فِيهِ نَكَالْ آخر: ... هَذَا الزَّمَان عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عِوَجٍ ... حَكَى انْقِلابَ لَيَإليه بِأَهْلِيهِ غَدِيرَ مَاءٍ تَرَآ فِي جَوَانِبِهِ ... خِيَالُ قَوْمٍ تَمَشَّوْا فِي نَوَاحِيهِ فَالرَّأْسُ يُنْظَرُ مَنْكُوسًا أَسَافلُهُ ... وَالرِّجْلُ تُنْظَرُ مَرْفُوعًا أَعَالِيهِ آخر: ... وَعَاشَ بِدَعْوَى الْعِلْمِ نَاسُ وَمَا لَهُمْ ... مِن الْعِلْمِ حَظُّ لا بِعَقْل وَلا نَقْلِ آخر: ... وَقْتُ عَلا قَدْرُ الْوَضِيعِ بِهِ ... وَغَدا الشَّرِيفُ يَحُطُّهُ شَرَفُهْ كَالْبَحْرِ يَرْسُبُ فِيهِ لُؤْلُؤهُ ... سِفْلاً وَيَطْفُو فَوْقَهُ جِيفُهْ اللَّهُمَّ ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب الْعَمَل الَّذِي يقربنا إلى حبك وألهمنا ذكرك وشكك ووفقنا للقيام بحقك وخلصنا من حقوق خلقك ورضنا باليسير من رزقك يا خَيْر من دعاه داعٍ وأفضل من رجاه راج، يا قاضي الحاجات ومجيب الدعوات هب لنا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في صدور الصامتين

стр. 2485

أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك واغفر لنا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) قال شيخ الإسلام ﵀: والظلم لا يباح بحال حتى أن الله تَعَالَى قَدْ أوجب على الْمُؤْمِنِين أن يعدلوا على الكفار في قوله: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والْمُؤْمِنِين كَانُوا يعادون الكفار بأمر الله فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا يحملنكم بغضكم للكفار على أن لا تعدلوا بل اعدلوا عَلَيْهمْ فإنه أقرب للتقوى﴾ وحينئذ فهؤلاء المشركين لَيْسَ لبَعْضهمْ أن يفعل ما به يظلم غيره بل إما أن يؤدي قسطه فيكون محسنًا ولَيْسَ له أن يمتنع عن أداء قسطه من ذَلِكَ الْمَال امتناعًا يؤخذ به قسطه من سائر الشركاء فيتضاعف الظلم عَلَيْهمْ. فإن الْمَال إذا كَانَ يؤخذ لا محالة وامتنع بجاهٍ أو رشوةٍ أو غيرهما كَانَ قَدْ ظلم من يؤخذ منه القسط الَّذِي يخصه، ولَيْسَ هَذَا بمنزلة أن يدفع عن نَفْسهُ الظلم من غير ظلم لغيره فإن هَذَا جائز مثل أن يمتنع عن أداء ما يخصه، فلا يؤخذ ذَلِكَ منه ولا من غيره. وهَذَا كالوظائف السلطانية التي توضع على القرى، مثل أن يوضع عَلَيْهمْ عشرة آلاف درهم فيطلب من له جاه بأمرةٍ أو مشيخةٍ أو رشوةٍ أو غير ذَلِكَ أن لا يخذ منه شيء وهم لا بد لهم من أخذ جميع المال وإذا فعل ذلك أخذ ما يخصه من الشركاء فيمتنع من أخذ ما ينوبه ويؤخذ من سائر الشركاء فإن هَذَا ظلم منه لشركائه لأن هَذَا لم يدفع الظلم عن نَفْسهُ إِلا بظلم شركائه وهَذَا لا يجوز.

стр. 2486

ولَيْسَ له أن يَقُولُ: أَنَا لم أظلمهم، بل ظلمهم من أخذ مِنْهُمْ الحصتين لأنه يُقَالُ أولاً: هَذَا الطالب قَدْ يكون مأمورًا ممن فوقه أن يأخذ ذَلِكَ الْمَال فلا يسقط عن بَعْضهمْ نصيبه إِلا إذا أخذه من أخذه من نصيب الآخِر فيكون أمره بأن لا يأخذ أمرًا بالظلم. الثاني: أنه لو فرض أنه الآمر الأعلى فعَلَيْهِ أن يعدل بينهم فيما يطلبه مِنْهُمْ وأن أصل الطلب ظلمًا فعَلَيْهِ أن يعدل في هَذَا الظلم ولا يظلم فيه ظلمًا ثانيًا فيبقى ظلمًا مكررًا فإن الواحد منهم إذا كان قسطه مائة فطولب بمائتين كان قد ظلم ظلمًا مكررًا بخلاف ما إذا أخذ من كُلّ قسطه، ولأن النُّفُوس ترضى بالعدل بينها بالحرمان وفيما يؤخذ منها ظلمًا ولا ترضى بأن يخص بعضها بالعطاء أو الإعفاء. الثالث: أنه إذا طلب من القاهر أن لا يأخذ منه وَهُوَ يعلم أنه يضع قسطه على غيره فقَدْ أمره بما يعلم أنه يظلم فيه غيره. ولَيْسَ للإنسان أن يطلب من غيره ما يظلم فيه غيره وإن كَانَ هُوَ لم يأمره بالظلم كمن يولي شخصًا ويأمره أن لا يظلم وَهُوَ يعلم أنه يظلم فلَيْسَ له وكذلك من وكل وكيلاً وأمره أن لا يظلم وهو يعلم أنه يظلم فليس له أن يوليه ومن طلب من غيره أن يوفيه دينه من ماله الحلال وَهُوَ يعلم أنه لا يوفيه إِلا مِمَّا ظلمه من النَّاس وكَذَلِكَ إذا طلب منه أن يعفيه من الظلم وَهُوَ يعلم أنه لا يعفيه إِلا بظلم غيره فلَيْسَ له أن يطلب منه ذَلِكَ. أ. هـ. وَقَالَ في تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين لما عد بعض الكبائر قال: ومنها الدخول على الظلمة بغير قصد صحيح بل إعانة لَهُمْ وتوقيرًا

стр. 2487

ومحبةً، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثُمَّ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ وعن جابر ﵁: أن النَّبِيّ ﷺ قال: «ستَكُون أمراء، من دخل عَلَيْهمْ فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فلَيْسَ مني، ولست منه، ولن يرد على الحوض» . رواه أَحَمَد والبزار بإسناد رجاله رِجَال الصحيح وابن حبان في صحيحه وهَذَا لفظه وساق غير هَذَا الْحَدِيث حول هَذَا الموضوع ثُمَّ قال: قَدْ يَقُولُ من اعتاد الدخول على الملوك الظلمة والقضاة الخونة إنما قصدي بذَلِكَ نصر المظلوم أو مساعدة ضعيف أو دفع ظلامة أو التسبب في معروف ونحو ذَلِكَ وهَذَا لا يخلو إما أن يكون ممن يتناول من مآكلهم ومشاربهم، ويشاركهم في مقاصدهم ومآربهم، ويقبل من أموالهم التي اكتسبوها من الجهات المحرمَاتَ أو وجوه المظَالِم والمكوس والمصادرات، ويداهنهم فيما يراه عندهم من المنكرات، فهَذَا لا يحتاج النظر في سوء حاله إلى دَلِيل إذ يشهد كُلّ ذي بصيرة أنه ضال عن سواء السبيل وأنه من ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ويزعمون أنهم ﴿مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ ثُمَّ قال: ليت شعري كيف يمكن من يأكل من أموالهم، أن ينكر قبيح أفعالهم، وأنى يرجع الظَالِم مِنْهُمْ إليه وَهُوَ يرى منته في الصحبة واللقمة عَلَيْهِ، وكيف يقبل منه الكلام وباطنه قَدْ امتلأ من ماله الحرام. واختصار الكلام في مثل هَذَا أليق والسَّلام وإن كَانَ ممن يعف عن مآكلهم ومشاربهم ولا يقبل مِنْهُمْ إدرارًا ولا صلةً وينكر عَلَيْهمْ ما قَدْ يراه عندهم من المنكر

стр. 2488

فهَذَا في محل اشتباه والحالة ميزان يعلم بها صحته من سقمه وَهُوَ أن يرى أنه كالمكره في دخوله عَلَيْهمْ وكلامه معهم ويود أن لو كفي بغيره ولو انتصر المظلوم بسواه ولا يتبجح بصحبتهم ولا بالاجتماع عَلَيْهمْ ولا في فلتات لِسَانه قُلْتُ للسلطان وَقَالَ لي السُّلْطَان وانتصر بي فلان فنصرته وطلب مني المساعدة فلان فساعدته ونحو ذَلِكَ ولو قدم السُّلْطَان المعروف لما شق عَلَيْهِ ذَلِكَ بل يجد عنده انشراحًا بذَلِكَ وفرحًا به إذا كفاه الله التعرض إلى هَذَا الخطر العَظِيم بما لا يثق بصحة قصده فيه، ولا يقطع بإخلاص نيته في القيام به. انتهى. يَا طَالِبَ الْعِلْمِ مَهْلاً لا تُدَنِّسُهُ ... بِالْمُوبِقَاتِ فَمَا لِلْعِلْمِ مِنْ خَلَفِ الْعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لا عِمَادَ لَهُ ... وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ آخر: ... فَمَا لَكَ وَالْبَقَاءَ بِدَارِ ذُلٍّ ... وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةُ الْفَضَاءِ إِذَا خَانَ الأَمِيرُ وَكَاتِبَاهُ ... وَقَاضِي الأَرْضِ دَاهَنَ فِي الْقَضَاءِ فَوَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ ... لِقَاضِي الأَرْضِ مِنْ قَاضِي السَّمَاءِ آخر: ... عَنَوا يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ شَبَابًا فَلَمَّا حَصَّلُوهُ وَحَشَّرُوا وَصَحَّ لَهُمْ إِسْنَادُهُ وَأُصُولُهُ وَصَارُوا شُيُوخًا ضَيَّعُوهُ وَأَدْبَرُوا وَمَالُوا عَلَى الدُّنْيَا فَهُمْ يَحْلُبُونَهَا بِأَخْلافِهَا مَفْتُوحَةً لا تُصَرَّرُوا ... >?

стр. 2489

ج ... فَيَا عُلَمَاءَ السُّوءِ أَيْنَ عُقُولُكُمْ وَأَيْنَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الْمُتَخَيِّرُ ... >? آخر: ... رَأَيْتُ فَقِيهَ الشَّكْلِ لا عِلْمَ عِنْدَهُ ... وَيَقْنَعُ مِنْ حَالِ الْفَقَاهَةِ بِالاسمِ آخر: ... فَقُلْتُ وَقَدْ وَافَى بِتَضْلِيعِ عِمَّةٍ ... تَضَلَّعَ جَهْلاً مَا تَضَلَّعَ بِالْعِلْمِ عَجِبْتُ لأَهْلِ الْعِلْمِ كَيْفَ تَشَاغَلُوا عَنِ الْعِلْمِ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَ الْمَمَالِكِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الظَّالِمِينَ كَأَنَّمَا يَطُوفُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَقْتَ الْمَنَاسِكِ ... >? آخر: ... دَعِ الْمَنَاصِبْ لِنَاسٍ يُشْغَفُونَ بِهَا ... وَاضْرِبْ عَلَى النَّفْسِ لا تَسْمَعْ دَعَاوِيهَا لا يَعْرِفُ الزُّهْدَ إِلا كُلُّ مَنْ عَزَفَت ... نَفْسٌ لَهُ عَنْ هَوَى الدُّنْيَا وَطَارِيهَا وَاسْتَدْرَكَ الْعُمْرَ فِي الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ ... وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْ كُتبٍ تُدَانِيهَا اللَّهُمَّ إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعزيمة على الرشد والغنيمة من كُلّ بر والسلامة من كُلّ إثُمَّ ونسألك أن تغفر لنا. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قواعد الإِيمَان في قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانه وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا بِطَاعَتكَ وامتثال أمرك وآتنا في الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ المُسْلمين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) إذا فهمت ما تقدم من شناعة الظلم وقبح عاقبته وما ورد من

стр. 2490

الوعيد الشديد على مرتكبه وأن من مَاتَ قبل رد المظَالِم أحاط به يوم القيامة خصماؤه فهَذَا يأخذ بيده وهَذَا يقبض على ناصيته وهَذَا يمسك يده وهَذَا يتعلق بلببه وهَذَا يتعلق برقبته هَذَا يَقُولُ: ظلمني فغشني. وهَذَا يَقُولُ: ظلمني فبخسني. وهَذَا يَقُولُ: خدعني. وهَذَا يَقُولُ: قذفني. وهَذَا يَقُولُ: أكل مالي. وهَذَا يَقُولُ: شتمني. وهَذَا يَقُولُ: اغتابني. وهَذَا يَقُولُ: كذب علي. وهَذَا يَقُولُ: قطع رحمي. وهَذَا يَقُولُ: جاورني فأساء مجاورتي. وهَذَا يَقُولُ: رآني مظلومًا فلم ينصرني. وهَذَا يَقُولُ: رآني على منكر فلم ينهني. وهَذَا يَقُولُ: جحد مالي. وهَذَا يَقُولُ: باعني وأخفى عني عيب السلعة. وهَذَا يَقُولُ: سرق مالي. وهَذَا يَقُولُ: قطع من ملكي. وهَذَا يَقُولُ: شهد علي بالزور. وهَذَا يَقُولُ: سخر بي. وهذه زوجة تَقُول: لم يعدل بيني وبين زوجته الأخرى. وهذه تَقُول أكل صداقي. وهَذَا يَقُولُ: تعدى على محارمي. وهَذَا يَقُولُ: نشز زوجتي. وهذه تَقُول: نشز زوجي. وهَذَا يَقُولُ: غدر بي. وهَذَا يَقُولُ: خانني. وهَذَا يَقُولُ: دلس علي. وهَذَا يَقُولُ: نجش علي في السلعة التي أريد شراءها. وهَذَا يَقُولُ: كادني. وهَذَا يَقُولُ: منعني النوم بملاهيه من مذياع وتلفزيونه وبكمه وسينمائه. فبينما أَنْتَ على تلك الحال المخيفة التي لا يرى فيها بغضك من كثرة من تعلق بك من الغرماء الَّذِينَ أنشبوا فيك مخالبهم وأحكموا في تلابيبك أيديهم وأَنْتَ مبهوت متحير مضطرب الفكر والعقل من كثرتهم ومطالبتهم حتى لم يبق أحد ممن جالستهم أو عاملتهم أو صاهرتهم أو شاركتهم ولو
следующие страницы →