Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
وأجاب أيضًا: إذا شهد اثنان على ريح التتن من فم رجل يحد، لأن الصحابة ﵃ حدوا على ريح الخمر، وهذا خمر، لأنه مسكر خمر وكل مسكر خمر.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن التِّتِنِ؟ فأجاب: هو حرام لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» . وفي لفظ: «حرام» . وفي لفظ: «ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام وهذا عام في كل مسكر» . فإن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم وقد نص العلماء على ذلك.
وسئل عن شارب التنباك؟ فأجاب: وأما شارب التنباك فيجلد أربعين جلدة.
وقد سئل الشيخ عبد الله أبا بطين عن التنباك؟ فأجاب بقوله: الذي نرى فيه التحريم، لعلتين (أحدهما) حصول الأسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه، أو أكثر منه، وإن لم يحصل إسكار حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثًا مرفوعًا أنه ﷺ : نهى عن كل مسكر ومفتر (والعلة الثانية) أنه منتن مستخبث عند من لم يعتده.
واحتج العلماء بقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ وأما من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة وكالخنزير يترك الطيبات ويأكل النجاسات وكالهدهد يأكل العذرة.
وأجاب الشيخ خالد بن أحمد بن أحمد من فقهاء المالكية بقوله: لا تجوز إمامة شارب التنباك، ولا يجوز الاتجار به ولا بما يسكر.
стр. 2627
وممن حرم الدخان ونهى عنه من علماء مصر الشيخ أحمد السنهوري البهوتي الحنبلي، وشيخ المالكية اللقاني، ومن علماء دمشق النجم الغزي العامري الشافعي، ومن علماء اليمن الشيخ إبراهيم بن جمعان، وكثير من العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، كالشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وعلماء كثيرون يطول علينا تعدادهم، فنكتفي بمن ذكرنا، ومن أراد زيادة على هؤلاء فليسأل، ولا أظن يفتي بحله عالم عاقل، يعلم مضاره دِينِيًّا واقتصاديًا واجتماعيًا وخلقيًا وصحيًا، بل ولا أظن عالمًا يتوقف بالقول بتحريمه، حتى ولو أنه ممن ابتُلِيَ بشربه لوضوح مضاره، وبالأخص لشرابه، وان شككت فاسأل منصفيهم يخبرونك ويحذرونك، اللهم اعصمنا من جميع المعاصي، وامنن علينا يا مولانا وجميع المسلمين بالتوفيق للعمل الصالح، والاستقامة على الطريق، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يأرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فَصْلٌ)
وقال في تيصرة الإخوان: وقد أشغل جهايذة الأطباء قوة أفكارهم، ودققوا النظر غاية في اكتشاف أضرار التبغ بنوعيه المعلومين، وشحذوا أقلامهم في بيان ما ظهر لهم فيه، بعد التحقيق والتدقيق التَّامَّيْنِ، فذكروا (أولاً) أنه من الفصيلة الباذنجانية التي تشتمل على أكثر النباتات السامة، كالبلادوتا والبرش والبنج، قالوا: وهو
стр. 2628
نوعان، توتون وتنباك، ولا يختلف أحدهما عن الآخر في تركيبه الكيماوي إلا قليلا، فانهما مركبان من أملاح البوتاس والنوشادر، ومن مادة صمغية، ومادة أخرى مرة حريقة، تسمى نيكوتين. قالوا: وهي سم من أشد السموم فعلاً، بحيث أنه لو وضعت نقطة منها على لسان كلب لمات في أقرب زمن، مع أن الكلب أقوى تحملاً للسموم من الإنسان، ومن سائر أنواع الحيوان، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة، يحوي كمية وافرة من المادة السامة هي النيكوتين، فإذا دخل الفم والرئتين أثر فيهما تأثيرًا موضعيًا وعموميًا لأنه عند دخوله الفم توتر المادة الحريقة السامة التي فيه - وهي النيكوتين - في الغشاء المخاطي فتهيجه تهيجًا قويًا، وتسيل منه كمية زائدة من الطعام وتغير تركيبة الكيماوي، بحيث، تقلل فعله في هضم الطعام وكذلك تفعل في مفرز المعدة، مثل ما فعلت في مفرز الفم، فيحصل حينئذ عسر في مفرز الهضم، وعند وصول الدخان إلى الرئتين على طريق الحنجرة، تؤثر فيها التهابًا قويًّا مزمنًا، فتهيج السعال حينئذ، لإخراج ذلك المفرز الغزير، الذي هو البلغم المعروف ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها.
وبالجملة فقد تحقق عن عامة المحققين، من أئمة الطب، أن مضار الدخان - أعم من أن يكون توتونًا أو تنباكًا - كثيرة، قالوا: ويشعر بأعراضها الجزئية كل من يباشر استعماله قبل الاعتماد عليه، وهي دوران وغثيان، وقيء وصداع، وارتخاء العضلات أي الأعصاب، ثم سبات أي راحة وهو كناية عن حاله التخدير الذي هو من لوازم التبغ، وما ذكر
стр. 2629
من الأعراض الناشئة عنه، في بدء استعماله قبل الأعتماد عليه، لما يحويه من المادة السامة التي هي النيكوتين، ويجد فساد الذوق وعسر الهضم، وقلة القابلية للطعام وهذه الأشياء كلها تحدث من تخلل الدخان في اللعاب، فيسبب اضطرابًا معديًّا، وكثيرًا ما يحدث المرض المعروف بالبيروسس، وهو الحرقة المعدية، وهذا كله في استعماله على سبيل القلة والإعتدال، وأما الإكثار منه فهو مفض إلى عطب ليس له زوال، ومن المعلوم الثابت شرعًا أن كل ما أضر بالصحة يحرم تعاطيه قطعًا، ولذلك حرم الأكل فوق الشبع، وأكل الطين، لما فيهما من الأضرار بالصحة، قال ﵊: «من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه» . وفي رواية: «فإنما أعان على قتل نفسه» . وليس التدخين أقل ضررًا من أكل الطين، بل هو أشد ضررًا منه بكثير، قال: وقد سألت عدة من الأطباء الموثوقين بهم عن تفاوتهما في الضرر؟ فأجابوا: بأنه لا نسبة بينهما في الضرر تفاوتًا كليًا، حيث أن الجزء الفعال، الذي ينشأ عن التدخين وهو النيكوتين، لا يعادله شيء في الأضرار، كما هو ظاهر لدى الامتحان، فيكون نهي الشارع ﷺ عن أكل الطين، لما فيه من الضرر، شاملاً لفعل التدخين بالأولوية حيث كان الضرر فيه أشد وأعظم، كما علمته، قال: وقد ذكر جمع من أكابر العلماء وجهابذة الأطباء: أن من العقل - فضلاً عن الشرع - وجوب اجتناب التدخين، حفظًا للصحة التي هي من الله تعالى منة ومنحة، ودفعا لدواعي الضعف الذي هو من مقدمات الهلاك والدمار، كما هو معلوم لذوي الأستبصار كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على أنه لا يقتصر ضرر التدخين على المدخن وحده، بل يعم حلساءه في المكان، لأنه يفسد الهواء، فيتعين الفرار حينئذ من الجلوس في أماكن التدخين، ولاسيما إذا كانت مغلقة
стр. 2630
الأبواب. قالوا: ويسري الضرر أيضًا إلى نسله، فيجعله ضعيف البنية، شاحب اللون، فاسد المزاج، لتمكن سم التبغ في جسم الوالد أما سريان الضرر قبل الولادة، فيما إذا كانت الأم تشرب أيضًا كالأب، فمن تغذيته حال كونه جنينًا، من دم أمه الفاسد بسم التبغ، الذي هو النيكوتين، حيث أنه يفعل على الحويصلات العصبية فعلاً مؤثرًا، يتصل بالجنين.
وأما سريان الضرر عليه بعد الولادة، فمن ثلاث جهات (أحدهما) تَغَذِيهِ من اللبن المتحمل سموم التبغ، المفسدة للمواد الغذائية، (ثانيها) استنشاقه الهواء الفاسد بتدخين الأبوين أو أحدهما، (ثالثهما) صيرورة الأبوين سببًا حاملاً للولد على سلوك تلك العادة الوخيمة، وذلك لأن الطفل من طبعه التقليد والتشبه بمن يراه، فإذا نظر أبويه يدخنان، وعلى فرض أنهما ينهيانه عن ذلك فنظر لكونه لا يفهم سر النهي لا ينتهي من غير مبالاة، إلى أن يصير التدخين عادة لازمة، فإذا اعتاد هذا المسكين التدخين من مبدأ نشأته، فهناك الطامة الكبرى، والبلية العظمى، لأنه لا يلبث قليلاً إلا ويشكو من قلة القابلية ووجع الصدر، ويصحبه أيضًا سعال قوي، مزعج للصدر، ولا يزال يزداد ضعفًا على ضعف، وسقمًا على سقم إلى أن يمضي عمره في الأسقام والآلام. والله أعلم.
اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر هادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 2631
(فَصْلٌ)
قَالَ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عَادَةَ التَّدْخِينِ مِنْ أَقْبَحِ العَوْائِدِ، لأنَّهَا تَسْتَبْعِدُ مُتَّبِعِيهَا، وَتُقَيِّدُهُمْ بِسَلاسِلَ وَأَغْلالٍ، بِحَيْثُ أَنَّهُمْ إِذَا أَرَادُوا التَّخَلُّصَ لا يَجْدُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا، وَهِيَ عَادَةٌ لَوْ لَمْ يَتَّبِعْهَا الإِنْسَانُ في زَمَنِِ صِبَاهُ - الذِي هُوَ زَمَنُ جَهْلِهِ، وَعَدْمِ تَبَصُّرِهِ بِالعَوَاقِبِ -، لَكَانَتْ قَلِيَلةً جِدًا بَيْنَ أَفْرَادِ النُّوعِ الإِنْسَانِي وَالبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَرَاهُ مِنْ غَيْرِ المُدَخِّنِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَبَّ وَصَارَ بِتَمَامِ التَّمْيِيزْ، وَتَحَقَّقَ مَضَارَّ الدُّخَانِ الصِّحِّيَّةِ وَالمَاليةِ، وَالأَخْلاقِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، عَنْ طَرِيقِ الاسْتِقْصَاءِ وَالنَّظَرِ أَوْ عَنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَالخَبَرِ، حَمِدَ اللهَ تَعَالَى حَمْدًا كَثِيرًا عَلَى عَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ سَيْطَرَةِ تِلْكَ العَادَةِ الوَخِيمَةِ، وَمَنْ تَكُنْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَإِنَّهُ يَتَبَاعَدُ بِلا شَكِّ عَنِ السُّلُوكِ فِي هَذَا الطَّرِيق، الذِي يوصِّلُهُ إِلَى فِرَاشِ التَّمْرِيضِ، بِسَلْبِ الصِّحَّةِ التي يُقَدَّرُ قَدْرُهَا.
قَالَ: هَذَا وَإِنَّ التَّعَوُّدَ عَلَى التَّدْخِينِ لا يَحْصَلُ غَالبًِا إِلا فِي أَيَّامِ الصِّبَا، كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفَا، حَيْثُ يَكُونُ الإِنْسَانُ حِينَئِذٍ بِتَمَامِ الاسْتِعْدَادِ لِلتَّقْلِيدِ فِيمَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ مِنْ سِوَاهُ، فَتَرَى الصَّبِيَّ يُدَخِّنُ تَشَبُهًا بِغَيْرِهِ، رَغْمًا عَنِ اسْتِكْرَاهِهِ لِرَائِحَةِ الدُّخَانِ، وَمَرَارَةِ طَعْمِهِ مُتَكَلِّفًا تَحَمُّلَ أَثْقَالِ أَعْرَاضِهِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، مِنْ دَوَرَانِ الرَّأْسِ وَصُدَاعِهِ، وَغثَيَانِ الصَّدْرِ وَأَوْجَاعِهِ فَإِذَا تَعَوَّدَهُ بَعْدَ طُولِ المُكَابَدَةِ، وَتَحَمُّلِ المَشَاقِ وَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ لا يَجِدُ لَهُ غِنَىً عَنْ تَعَاطِيهِ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا كَبُرَ سِنُّهُ وَزَادَ لا يَقْرِنُ القَوْلَ بِالفِعْلِ، إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُ الدَّاءُ، وَيَصِلُ إِلَى حَالَةٍ لا يَنْفَعُهُ الدَّوَاءُ فَيْبَقَى هَذَا المِسْكِينُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فِي مُقَاسَاتِ الآلامِ وَشِدَّةِ الأَسْقَامِ، يَغْبِطُ
стр. 2632
الأَصِّحَّاءِ عَلَى التَّوَسّدِ فَي الفِرَاشِ، وَطِيبِ المَنَامِ وَيُكْثِرُ مِنَ التَّأَوُّهُ وَالأَنِينِ، وَيَتَأَسَّفُ عَلَى فَقْدِ الصِّحَّةِ التِي بَاعَهَا بِلَذَّةِ التَّدْخِينِ، فَالحَذَرَ الحَذَرَ، وَالفِرَارَ الفِرَارَ مِنْ لَذَّةٍ تُوجِبُ البَوَارَ وَالدَّمَارَ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الدِّرَايَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ مِنْ أَطِبَّاءِ الزَّمَان، مَا نَصُّهُ: أَمَّا التَّدْخِينُ بِالتُوتُن والتِّنْبَاكِ فَإِنَّهُمَا مُحْتَوِيَانِ عَلَى مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ عَظِيمَةِ التَّأْثِيرِ، تُسَمَّى نِيكُوتِينْ، فَلَوْ استُخْلِصَتْ وَحْدَهَا، وَجُرِّبَ فِعْلُهَا، بِوَضْعٍ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْهَا عَلَى لِسَانِ كَلْبٍ لَقَتَلَتْهُ حَالاً بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ، وَهَذَا السُّمُّ تَحْتَ رِدَاءٍ رَقِيقٍ، بِوَاسِطَةِ التَّدْخِينِ المُسْتَعْمَلِ عُمُومًا، وَقَدْ قِيلَ:
تَرُومُ الشَّهْدَ مِنْ أَنْيَابِ أَفْعَى ... وَطَعْمَ الدِّبْسِ مِنْ مُرٍّ غَرِيزِي
كِلا الأَمْرَيْنِ لَمْ يَطْلُبْهُ إِلا ... جَهُولُ جَهْلُه المُرْدِي غَرِيَزِي
لِذَاكَ سَرَيْت بِالإِفْسَادِ تَرْجُو ... صَلاحَ الحَالِ مِنْ مَلِكٍ عَزِيزِ
رُوَيْدَكَ غَرَّكَ الشَّيْطَانُ حَتَّى ... ضَلَلْتَ عَنِ الحَقِيقَةِ يَا عَزِيزِي
إِذَا رُمْتَ الصَّلاحَ أَنِبْ لِرَبٍّ ... تَفُزْ بِالخَيْرِ وَالحِرْزِ الحَرِيزِ
آخر: ... إِنَّ الأَفَاعِي وَإِنْ لانَتْ مَلامِسُهَا
عِنْدَ التَّقَلُّبِ فِي أَنْيَابِهَا العَطَبُ ... >?
فَمِنْ مَضَرَّاتِهِ الكُلِّيَّةِ: تَخْرِيبُ كُرَيَّاتِ الدَّمِ، وَمِنْهَا التَّأْثِيرُ عَلَى القَلْبِ، وَمِنْهَا مُعَارَضَتُهُ لِشَهْوَةِ الطَّعَامِ، وَمِنْهَا انْحِطَاطُ القُوَى العَصَبِيَّةِ عَامَّةً، وَيَظْهَرُ هَذَا بِالخُدُورِ وَالدَّوَرَانِ الذِي يَحْصُلُ حُدُوثُهُ عَقِبَ اسْتِعْمَالِ التَّدْخِينِ لِمَنْ لَمْ يَأْتَلِفَهُ، وَلِمَنْ كَانَ مُؤْتَلِفًا وَانْقَطَعَ عَنْهُ مُدَّةَ عَشْرِ سَاعَاتٍ تَقْرِيبًا، وَمِنْ مَضَرَّاتِهِ إِحْدَاثِهِ لِلْجُنُونِ التُّوتُونِيّ.
قَالَ: وَقَدْ اطَّلَعْتُ عَلَى رِسَالَةٍ لِلْمُحَقِّقِ مُحَمَّد فِقْهِي العَيْنِيَ نَزْيلُ
стр. 2633
الأسِتَانَة العَلِيَّةْ، وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ الحَنَفِيَّةِ، ذَكَرِ فِيهَا تَحْرِيمُ الدُّخَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُه) : كَوْنُهُ مُضِرًا بِالصِّحَّةِ بِأَخْبَارِ الأَطِبَّاءِ المُعْتَبَريْنَ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذِلَكَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَاله اتِّفَاقًا. (ثَانِيهَا) : كَوْنُهُ مِنَ المُخَدِّرَاتِ المُتَّفَقُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، المَنْهِيّ عَنِ اسْتِعْمَالِهَا شَرْعًا، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِر وَمُفَتِّرٍ، وَهُوَ مُفَتِّرٌ بِاتِّفَاقِ الأَطِبَّاءِ، وَكَلامُهُمْ حٌجَة فِي ذَلِكَ وَأَمْثَاله، سَلَفًا وَخَلَفًا. (ثَالِثُهُمَا) : كَوْنُ رَائِحَتِهِ الكَرِيهَةِ تُؤذِي النَّاسَ الذِينَ لا يَسْتَعْمِلُونَهُ، وَعَلَى الخُصُوصِ في مَجَامِعِ الصَّلاةِ وَنَحْوِهَا بَلْ وَتُؤْذِي المَلائِكَةَ المُكَرَّمِينَ، وَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانُ فِي صَحِيحِهِمَا عَنْ جَابِرِ بِن عَبْدِ اللهِ ﵁ مَرْفوعًا: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا وَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدنَا، وَلْيَقْعُد في بَيْتِهِ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ رَائِحَة التَّدْخِينِ لَيْسَتْ أَقَلَّ كَرَاهَةً مِنْ رَائِحَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الثُّومِ وَالبَصَلِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ﵁: (إَنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ) ، وفي الحَدِيثُ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ آذَى مُسْلِمًا فَقَدْ آذَنِي، وَمَنْ آذَنِي فَقَدْ آذَى اللهَ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ ﵁. (رَابِعُهَا) : كَوْنُه سَرَفًا إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَفَعٌ مُبَاحٌ، بَلْ فِيهِ الضَّرَرُ المُحَقَّقُ، بِإِخْبَارِ أَهْلِ الخِبْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُرْمَةَ مَا فِيهِ السَّرَفُ وَالضَّرَرُ، ثَابِتَةٌ شَرْعًا وَعَقْلاً، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلاً.
قَالَ: وَقَدْ نَصَّ فِي (نِصَابُ الاحْتِسَابَ) وَغَيْرِهِ مِنَ المُعْتَبَرَاتِ الفِقْهِيَّةِ عَلَى: أَنَّ اسْتِعْمالَ المُضِرِّ حَرامٌ اتفاقًا.
قَالَ: وَقَالَ العَلامَةُ أَحْمَدُ العَبجِيّ الحَلَبِيَ في كِتَابِ الأَشْرِبَةِ مِنْ
стр. 2634
شَرْحِهِ عَلَى (الدُّرِّ المُخْتَارِ، شَرْحُ تَنْوِيرِ الأَبْصَارِ) بَعْدَ نَقْلِ الشَّارِحِ تَحْرِيمُ الدُّخَانِ عَنْ شَيْخِهِ النَّجْمُ الغَزِّيْ: وَقَدْ أَوْضَحْنَا تَحْرِِيمِه في رِسَالَةٍ لَمْ تُسْبَقْ بنَظِير، أَدْخَلْنَا تَحْرِيمَهُ فِيهَا تَحْتَ الأُصُولِ الأَرْبَعَةِ، وَرَدَدْنَا كُلَّ مَا نَافَاهُ مِنْ كَلامِ الغَيْرِ رَادًّا جَامِعًا مَانِعًا، مُؤيَّدًا بالحُجَجِ.
اللَّهُمَّ الْهِمْنَا ذِكْرِكَ وشُكْركَ وَوَفِقْنَا لِطَاعَتِكَ وامْتِثَالِ أَمْرِكْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا: ... يَا مَنْ يَرُومُ التُّقَى مِنْ كُلِّ مَأْثَمَةٍ
اسْلكْ سَبِيلَ الهُدَى وَامْشِ عَلَى السُّنَنِ
وَلا تَحُدْ أَبَدًا عَنْ ذِي الطَّرِيقِ تَفُزْ
وَخَالِفَ النَّفْسَ وَاقْهَرْهَا عَنِ المِحَنِ
إِيَّاكَ مِنْ مِحْنَةٍ تُلْقِيكَ فِي عَطَبٍ
لاسِيَّمَا مَا فَشَى فِي النَّاسِ مِنْ تُتُنِ
مُخَدرٌ الجِسْمِ لا نَفَعٌ بِهِ أَبَدَا
بَلْ مُورِثُ الضُّرِّ وَالأَسْقَامِ فِي البَدَنِ
وَحَيْثُ قَدْ ثَبَتَتْ هِذِي الصِّفَاتُ لَهُ
فَاجْزِمْ بِتَحْرِيمِهِ إِنْ كُنْتَ ذَا فِطَنْ
وَإِنْ تُرِدْ ثِقَةً فِيمَا أَقُولُ فَسَلْ
بِهِ الخَبِيرَ تَنَلْ مِنْ عِلْمِهِ الحَسَن ... >?
وقال آخر:
... كَمْ في الدُّخَانِ مَعَائِبٌ وَمَكَارِهٌ
دَلَّتْ رَذَائِلُهُ عَلَى إِنْكَارِهِ ... >?
стр. 2635
.. سَأُرِيكَ بَعْضًا مِنْ مَعَائِبِ شُرْبِهِ
يَا صَاحِبي أَحْبَبَتْنِي أَمْ كَارِهِ
يُؤْذِي الكِرَامَ الكَاتِبِينَ بَنَتْنِهِ
وَأَمَاَم وَجْهِكَ شُعْلَةٌ مِنْ نَارِهِ
كَمْ مِنْ نُقُودٍ يَا فَتَى وَملابِسٍ
أَتْلَفْتَهَا بِشَرَائِهِ وَشَرَارِهِ
وَبِهِ الثَّاَنيَا اللؤْلُؤِيَّةِ أُفْسِدَتْ
بِقَبِيحِ لَوْنِ سَوَادِهِ وَصَفَارِهِ
كَانَتْ كَمِثْلِ الدُّرِ حُسْنًا شَانَهَا
مِنْ نَفْخِهَا الشِّدْقَيْنِ فِي مِزْمَارِهِ
وَتَرَا الصَّفَارَ عَلَى شَوَارِبِهِ بَدَا
مِنْ جَذْبِهِ الدُخَانَ مِنْ مِنْخَارِهِ
وَتَرَى الذِي فِي شُرْبِهِ مُتَوِلِهًا
يَلْتَذُّ فِي الصُّهْرُوجِ بِاسْتِكْثَارِهِ
وَتَرَا الهَوَامَ إِذَا أَحَسَّ بِرِيحِهِ
تَرَكَ المَكَانَ وَفَرَّ مِنْ أَوْكَارِهِ
وَالنَّحْلُ لا تَلْوِي إليه لِخُبْثِهِ
أَبَدًا وَلا تَدْنُو إِلَى أَزْهَارِهِ
وَلِنَتْنِهِ وَلِقُبِحِهِ فِي طَعْمِهِ
لَمْ تَدْنُ سَائِمَةٌ إِلَى أَشْجَارِهِ
إِنْ خَالَطَ المَأْكُولُ مِنْهُ دُرَيْهِمٌ
غَلَبَتْ خَبَائِثُه عَلَى قِنْطَارِهِ ... >?
стр. 2636
.. وَإِذَا تَنَاوَلَ سَاخِنًا مِنْ مَأْكَلٍ
سَالَ أَنْفُهُ وَأَنِفْتَ مِنْ أَقْذَارِهِ
فَإِنْ انْتَهَيْتَ وَمَا أَظُنَّكَ تَنْتَهِي
وَرَغِبْتَ عَنْهُ نَجْوَتَ مِنْ أَوْعَارِهِ
وَأَرَحْتَ نَفْسَكَ مِنْ عَنَا تَحْصِيلِهِ
وَحَفِظتَ مَالَكَ مِنْ مُصَابِ خَسَارِهِ ... >?
وقال آخر:
... يَا شَارِبَ التِّنْبَاكِ مَا أَجَرَاكَا
مَن ذَا الذِي فِي شُرْبِهِ أَفْتَاكَ
أَتَظُنَّ أَنَّ شَرَابَهُ مُسْتَعْذَبٌ
أَمْ هَلْ تَظُنَّ بَأَنَّ فِيِه غِذَاكَا
هَلْ فِيهِ نَفْعٌ ظَاهِرٌ لَكَ يَا فَتَى
كَلا فَلا فِيهِ سِوَى إِيَذَاكَا
وَمَضرَّةٌ تَبْدُو وَخُبْثُ رَوَائِحٍ
مَكْرُوهَةٍ تُؤذِي بِهَا جُلَسَاكَا
وَفُتُورُ جُسْمٍ وَارْتُخَاءُ مَفَاصِلٍ
مَعَ ضِيقِ أَنْفَاسٍ وَضُعْفِ قُوَاكَا
وَتَلافُ مَالٍ لا تَجِدْ عِوَضًا لَهُ
إَلا دُخَانًا قَدْ حَشَى أَحْشَاكَا
وَرَضَيْتَ فِيهِ بَأَنْ تَكُونَ مُبَذِّرًا
وَأَخُو المُبَذِّرِ لَمْ يَكُنْ يَخْفَاكَا ... >?
стр. 2637
.. فَإِذَا حَضَرْتَ بِمَجْلِسٍ وَاسْتَنْشَقُوا
مِنْ فِيكِ رِيحًا يَكْرَهُونَ لِقَاكَا
يَكْفِيكَ ذَمًّا فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ مَن
قَدْ كَانَ يَشْرَبُهُ يَوَدُّ فِكَاكَا
فَارْفُقْ بِنَفْسِكَ وَاتَّبِعْ آثَارَ مَنْ
أَهْدَاكَ لا مَنْ فِيهِ قَدْ أَغْوَاكَا
إِنْ كُنْتَ شَهْمًا فَاجْتَنِبْهِ وَلا تَكُنْ
فِي شُرْبِهِ مُسْتَتْبِعًا لِهَوَاكَا
إِنَّي نَصَحْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِنَصِيحتى
وَنَهَيْتُ فَاتْبَعْ قَولَ مَنْ يَنْهَاكَا
وَبَذْلَتُ قَوْلِي نَاصِحًا لَكَ يَا فَتَى
فَعَسَاكَ تَقْبَلُ مَا أَقُولَ عَسَاكَا ... >?
وَقَالَ الشَّيْخُ العَلامَةُ الفَقِيهُ مُحَمَّدُ الطَرَابِيشِي الحَلَبِيّ المَالِكِيّ بَعْدَ كَلامٍ لَهُ طَوِيلٍ عَلَى الدُّخَانِ مَا لَفْظُهُ: وَبِالجُمْلَةِ فَقْدَ تَحَرَّرَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا تَقَرَّر الحُكْمُ عَلَى الدُّخَانِ المَشْهُورِ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ المُخَدَّرَاتِ التِي يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا، وَأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالصِّحَّةِ ضَرَرًا بَيِّنًا، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ بِالاتِّفَاقِ، وَلِذَلِكَ - أَيْ لِمَا ذُكِرَ مِنْ مَضَرَّاتِهِ الوَخِيمَةِ - حَرُمَ شُرْبُهُ دِينًا - أَيْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ - عِنْدَ الأَئِمَّةِ المحَققينَ، كَمَا حُرِّمَ طِبًّا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالنَّصُّ عَلَى المَنْعِ مِنْ شُرْبِهِ وَبَيْعِهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمهما، إِذْ مُفَاُد الْمَنْعِ التَّحْرِيمُ، وَحَيْثُ حَرُمَ بَيْعُهُ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ، حَرُمَ شِرَاؤُهُ أَيْضًا لأنَّ كُلَّ مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ يَحْرُمُ شِرَاؤُهُ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ. فَقِفْ عِنْدَ هَذِه الفُتْيَا لِهَذا المَالِكِيّ، وَعِنْدَ فُتْيَا الحَنَفِيّ التي قَبْلَهَا تَعْرِفُ كَلامَ المُحَقِّقِينَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ.
стр. 2638
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَان وَثَبَّتْ مَحَبَّتكَ فِيهَا وَقَوِّهَا وَأَلْهِمْنَا حَمْدَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا حُبَّ أَوْلِيَائِكَ وَبُغْضَ أَعْدِائِكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: في بَيَانِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَاسْتِعْمَاله وَاتِّخَاذِهِ
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَاكَ وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لَمَا يُحِبّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ وَجَنِّبْنَا وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ مَا يَكْرَهُهُ وَلا يَرْضَاهُ، أَنَّ مِمَّا يَتَأَكَّدُ اجْتِنَابُهُ وَالتَّحْذِيرُ عَنْهُ - فِي رَمَضَانَ وَغَيْرُهُ - التَّصْوِيرُ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ مُجَسَّدَةً أَوْ غَيْرُ مُجَسَّدَةٍ، وَقَدْ كَانَ بِسَبَبِهِ حَدَثَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ فِي بَنِي آدَمَ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِير: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا مِهْرَانُ عَنْ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بن قَيْسٍ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ قَالَ: كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمْ الذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَق لَنَا إِلَى العِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ، فَصَوَّرُوهُمْ.
فَلَمَّا مَاتُوا جَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إليهم إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إَنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ المَطَرَ، فَعَبَدُوهُم، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ – فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَلَمَا هَلَكُوا صَوَّرَ قَوْمُهُمْ صُوَرَهُمْ، ثُمَّ طَالَ عَليهِم الأمدُ فَعَبَدُوهُمْ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِم بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي المُطَهَّرِ قَالَ: ذَكَرُوا عَنْدَ أَبِي جَعْفر - وَهُوَ قَائِمٌ يُصلي - يَزِيدَ بنَ المهَلبِ، قَالَ: فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ،
стр. 2639
قَالَ: ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بنَ المُهَلَّبِ أَمَّا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللهِ، قَالَ: ثُمَّ ذَكَرُوا رَجُلاً مُسْلِمًا، وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا مَاتَ اعْتَكَفُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ، وَجَزِعُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُم عَلَيْهِ تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانَ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمِ مِثْلَهُ فَيكونُ في نَادِيكُم فَتَذْكُرُونَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَصَوَّرَ لَهُم مِثْلَهُ، قَالَ: وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ، وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهْ.
فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ، قَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ تِمْثَالاً فَيَكُونَ فِي بَيْتِهِ فَتَذْكُرُونَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَثِّل لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالاً مِثْلهْ، فَأَقْبَلُوا فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ، قَالَ: وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ، فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ، قَالَ: وَتَنَاسَلُوا وَدَرَسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهْ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأْولادُهُمْ، كَانَ أَوَّلَ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ وُدّ الصَّنَمُ الذِي سَمُّوهُ وَدَّا. أ. هـ.
وَعَنْ هَذَا انْتَشَرَتْ الوَثَنِيَّة، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهَا فِي كُلِّ زَمَانِ وَمَكَانْ، وَفِي هَذَا التَّصْويرِ مَعْنَىً فِي غَايَةِ القُبْحِ وَالبَشَاعَةْ، وَهُوَ التَّشَبُّهِ بِالخَالِقِ الحَكِيمِ، فَإِنَّ المُصَوِّرَ بِيَدِهِ أَوْ بِآلَة يَرْسِمُ الصُّورَةَ رَسْمًا يُشْبِهُ الحَقِيقَةَ وَلِذَا يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ القِيَامَةْ: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُم» ، وَيُكَلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِي الصُّورَةِ الرُّوحِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ أَبَدًا، فَيْسَتَمِرُّ العَذَابْ نَسْأَلُ اللهَ العافية.
فَصْلٌ: وَإليك الأَدِلَّةُ الدَّالَةُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَمَشْرُوعِيَّةِ طَمْسِ الصُّوَرِ، سَوَاءً كَانَ مُجَسَّدَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّدَةْ وَفِي عَمَلِهَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْمُصَوِّرِينَ، وَالإِخْبَارُ بِأنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةَ.
стр. 2640
وَأَنَّ التَّصْوِيرُ مِنْ سُنَنِ النَّصَارَى.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ ، قَالَ عِكْرِمَة: هُمِ الذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرْ.
وَعَنْ أَبِي هَرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مَمَّنَ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» . أَخْرَجَاهُ.
وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارْ، يُجْعَلُ لَهُ بَكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمْ» .
وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا مُسْتَتِرَةُ بِقَرامٍ فِيهِ صُورَةٌ، فَتَلَّوَنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثٌمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمِ القِيَامَةِ الذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِي، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمْ.
وَعَنْهَا ﵂ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نَمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرِ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ،
стр. 2641
فَلَمْ يَدْخُلَ، فَعَرِفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَة، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ قَالَ: «مَا بَالُ النَّمْرُقَةْ» ؟ فَقَالَتْ: اشْتَرْيتُهُا لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوُرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَة، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
وَقَالَ: «إِنَّ البَيْتَ الذِي فِيهَ الصُّوَر لا تَدْخُلُهُ المَلائِكَةْ» . رَوَاهُ مَالِك، وَالشَّيْخَانْ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى التَّمَاثِيلَ قَامَ بَيْنَ البَابَيْنِ وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهْ.
وَلِمُسْلِمِ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ قاَل: قَالَ لِي عَلِيَّ: أَلا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثنَِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ أَنْ لا تَدَعْ صُورَةً إِلا طَمَسْتَهَا، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلا سَوَّيْتَهْ.
وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَة» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعَانْ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنَِّي وُكَِّلْتُ بِثَلاثَةٍ: بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إلِهًا آخَرْ، وَبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِالمُصَوِّرْ» . وَفِي البُخَارِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ البَغْيِ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَالمُصَوِّرَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَلْمٍ لا يَنْفَعْ وَعَمَلٍ لا يُرْفَعُ وَدُعَاءٍ لا يُسْمَعُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2642
(فَصْلٌ)
وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَعَنَ المُصَوِّرِينَ. رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ كَنِيسَةً يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةً، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَيَا أَرْضَ الحَبَشَة، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِير فَيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِم الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنُوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَر، أُولَئِكَ شِرُارُ خَلْقِ اللهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمِ القَيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ قَتَلَهُ نَبِيّ، أَوْ قَتَلَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، وَالمُصَوِّرُونَ، وَعَالِمٌ لا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ» . رَوَاهُ البَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ الإِيمَان.
وَعَنْ عَلِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَنَازَةٍ فَقَالَ: «أَيّكُمْ يَنْطَلِقُ إِلَى المَدِينَةِ فَلا يَدَعُ بِهَا وَثَنًا إِلا كَسَرَهُ، وَلا قَبْرًا إِلا سَوَّاهُ، وَلا صُورَةً إِلا لَطَّخَهَا» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ فَهَابَ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرَجَعْ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَنَا أَنْطَلِقُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَدَعْ بِهَا وَثَنًا إِلا كَسَرْتُهُ، وَلا قَبْرًا إِلا سَوَّيْتَه، وَلا صُورَةً إِلا لَطَّخْتُهُا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ عَادَ لِصَنْعَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ » . رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللهِ فِي زَوَائِدِ المُسْنَد، وَأَبُو دَاود الطَّيَالِسي في مُسْنَدِهِ.
وَعَنْ أُسَامَةَ بنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ
стр. 2643
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الكَعْبَةِ وَرَأَى صُوَرًا، قَالَ: فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَيَقُولُ: «قَاتَلَ اللهُ قَوْمًا يُصَوِّرُونَ مَا لا يَخْلُقُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاودَ الطَّيَالِسي في مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدْ.
... وَأَصْلُ الحَزْمِ أَنْ تُضْحِي وَتُمْسِي ... وَرَبُّكَ عَنْكَ فِي الحَالاتِ رَاضِ
وَأَنْ تَعْتَاضَ بِالتَّخْلِيطِ رُشْدًا ... فَإِنَّ الرُّشْدَ مِنْ خَيْرِ اعْتَيَاضِ
وَدَعْ عَنْكَ الذِي يُغْوِي وَيُرْدِي ... وَيُورِثُ طُولَ حُزْنٍ وَارْتِمَاضِ
وَخُذْ بِاللَّيْلِ حَظَّ النفسِ وَاطْرُدْ ... عَنِ العَيْنَيْنِ مَحْبُوبَ الغِمَاضِ
فَإِنَّ الغَافِلِينَ ذَوِي التَّوَانِي ... نَظَائِرٌ لِلْبَهَائِمِ فِي الغياضِ
اللَّهُمَّ وَفِّقَنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالَ، وَنَجِّنَا مِن جَمِيعِ الأهْوَالِ، وَأَمِّنَا مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ يَوْمَ الرجْفِ وَالزِلْزَالِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ فِيمَا فِي الأَحَادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الفَوَائِدْ)
فَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ مِنَ الفَوَائِدِ (أَوَّلاً) : تَحْرِيمُ التَّصْوِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ المُضَاهَاةِ بِخَلْقِ اللهِ. (ثَانِيًا) : أَنَّهُ لا أَحَدَ أَلأمَ مِنَ المُصَوِّرْ. (ثَالِثًا) : التَّحْذِيرُ وَالتَّنْفِيرُ عَنِ التَّصْوِيرِ. (رَابِعًا) : أَنَّ المُصَوِّرِينَ عِنْدَهُمْ مِنْ قِلَّةِ الحَيِاءِ، وَسَخَافَةِ العُقُولِ مَا لا يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ حَيْثُ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ يُضَاهِئُونَ بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. (خَامِسًا) : تَحَدِّيهِم فِي أَنْ يَخْلُقُوا ذَرَّة أَوْ حَبَّة، وَبَيَانِ عَجْزِهْم وَحَقَارَتِهِمْ. (سَادِسًا) : أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَةِ المُجَسَّدَةَ وَغَيْرُ المُجَسَّدَةَ وَهْيِ التِي لا ظِلَّ لَهَا.
(وَالعِلَّّّةُ) فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ هِيَ المُضَاهَاةُ بَخَلْقِ اللهِ تَعَالَى
стр. 2644
وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ، (وَالعِلَّةُ الثَّانِيَةُ) لِلتَّحْرِيمِ هِيَ: أَنْ التَّصْوِيرَ وَسِيلَةٌ إِلَى عِبَادَةِ الصُّوَرِ، كَمَا وَقَعَ لِقَوْمِ نُوحٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وَالنَّصَارَى، وَالوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ، وَلَهُ (عِلَّةٌ ثَالِثَةٌ) وَهِيَ: التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى وَالمُشْرِكِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَكُلُّ وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ العِلَلِ الثَّلاثَ تَكْفِي فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ.
وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّهُ مَنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ؛ لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ عَامْ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ، وَأَنَّهُ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ نَفْسٌ فَيُعَذّبُهُ فِي جَهَنَّمَ، وَفِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلِى الأَعْمَالِ، وَفِي الحَدِيثِ التَّحْذِيرِ وَالتَّنْفِيرِ عَنِ التَّصْوِيرِ.
وَالحَدِيثِ الذِي بَعْدَهُ فِيهَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّهُ مِنَ الكَبَائِرِ وَأَنَّ المُصَوّرَ فِي الدُّنْيَا يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِي الصُّوَرِ التِي صَوَّرَهَا الرُّوحَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَذَا الأمْرُ يُرَادُ بِهِ إِهَانَتَهُمْ، وَتَعْجِيزَهُمْ، وَتَحْقِيرَهُمْ، وَفِي الحَدِيثِ إِثْبَاتُ البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ.
وَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيهَ دَلِيلٌ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ، وَدَلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَأَنَّهُ مِنَ الكَبَائِرِ، وَإِثْبَاتِ البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ.
وَحَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّهُ مِنَ الكَبِائِرِ، وَعَلَى اسْتِمْرَارِ تَعْذِيبِ المُصَوِّرِينَ، لأَنَّهُمْ لا يَقْدِرُونَ عَلَى إِحْيَاءِ
стр. 2645
الصَّوَرِ المَطْلُوبِ مَنْهُمْ إِحْيَاؤُهَا، وَإِثْبَاتُ البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ.
وَحَدِيثُ عَائِشَة (أَوَّلاً) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، يُسْتَفَادُ مِنْ إِنْكَارِ النَّبِيّ ﷺ لِنَصْبِ السِّتْرِ، وَتَلَوُّنِ وَجْهِهِ وَهَتْكِهِ لَهُ، وَمِنْ الوعِيدِ الشَّدِيدِ لِلْمُصَوِّرِينَ.
(ثَانِيًا) : أَنَّهُ مِنَ الكَبَائِر، لِمَا جَاءِ فَيهِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
(ثَالِثًا) : أَنَّ المُصَوِّرِينَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ.
(رَابِعًا) : أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ هِي المُضَاهَاةُ بِخَلْقِ اللهِ.
(خَامِسًا) : أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ مُجَسَّدَةً أَوْ غَيْرَ مُجَسَّدَةْ، لأَنَّ التِي أَنْكَرَهَا النَّبِيَُّ ﷺ غَيْرُ مُجَسَّدَةْ.
(سَادِسًا) : الغَضَبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُنْكَرِ وَتَمَعُّرِ الوَجْهِ.
(سَابِعًا) : كَرَاهَةُ دُخُولِ البَيْتِ الذِّي فِيهِ صُورَةً.
(ثَامِنًا) : إِنْكَارً المُنْكَرِ بَحَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ وَالقُدْرَةِ، فَمَنْ قَدِرَ بِيَدِهِ فَهُوَ الوَاجِبُ عَلَيْهِ، كَمَا فَعَلَ ﷺ فَِي هَتْكِ السِّتْرِ بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ، فَإِنَّ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ.
(تَاسِعًا) : أَنَّهُ يُكَلِّفُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِيهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتِهِ.
(عَاشِرًا) : دَلِيلٌ عَلَى اسْتِمْرَارِ عَذَابِ المُصَوِّرِ، وَإِثْبَاتِ البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ.
اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ وَاجْعَلْنَا مَمَّنْ كُتِبَتْ لَهُمْ الحُسْنَى وَزِيَادَة، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 2646
(حَادِي عَشَرْ) : أَنَّ البَيْتَ الذِي فِيهِ صُورَةٌ لا تَدْخُلُهْ المَلائِكَةُ.
وَحَدِيثُ أَبِي الهيَّاجِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَمْسِ الصُّوَرِ، وَهَدْمِ القُبُورِ المُشَرَّفَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المُجَسَّدَةِ وَغَيْرَهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِنْكَارِ المُنْكَرِ، وَالرَّدِ عَلِى مَنْ زَعَمَ أَنَّ المَنْعَ خَاصٌ بِالصُّوَرِ المُجَسَّدَةِ فَإِنَّ الصُورَةَ التِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَحْوِهَا غَيْرُ مُجَسَّدَةٍ.
وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلا كَلْبٌ، وَالمُرَادُ المَلائِكَة الذِينَ يَنْزِلُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالبَرَكَةِ المُسْتَغْفِرُونَ لِلْعَبْدِ، المُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلا فَوَاتِ هَذِهِ الغَنَائِمْ لَكَانَ العَاقِلُ يَحْزَنُ لِذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ هُنَالِكَ آثَامٌ، وَسَبَبٌ امْتِنَاعِ دُخُولِ المَلائِكَةَ الْبَيْتَ الذِي فِيهِ صُورَةٌ، كَوْنُهَا مَعْصِيَةً فَاحِشَةً، وَفِيهَا مُضَاهَاةً بِخَلْقِ اللهِ، وَأَمَّا الكَلْبُ فَلِكَوْنِهِ نَجِسًا، وَلِكَثْرَةِ أَكْلِهِ النَّجَاسَةَ، وَلِقُبْحِ رَائِحَتِهِ، وَلأنَّهُ مَنْهِيَّ عَنِ اتِّخَاذِهَا إِلا لِحَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «يَخْرُجُ عُنْقٌ مِنَ النَّارِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّهُ مِنْ كَبِائِرِ الذُّنُوبِ لِشِدَّةِ الوَعِيدِ، وَإِنْ مَصِيرَ المُصَوِّرِينَ إِلَى النَّارِ، مَعَ الجَبَابِرَةِ وَالمُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لا ظِلَّ لَهُ، وَأَنَّ هَذَا الجُزء الخَارِجَ مِنَ النَّارِ المُوَكَّلِ بِالمُصَوِّرِ وَالمُشْرِكِينَ وَالجَبَّارِ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ، وَأَنَّهُ يَنْطِقُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ، وَعَلَى البَعْثِ وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَإِثْبَاتِ النَّارِ، ثُمَّ تَأَمَّلْ وَاسْأَلْ رَبَّكَ العَافِيَةَ كَيْفَ قَرَنَ المُصَوِّرَ بِالجَبَّارِ العَنِيدِ، وَبِمَنْ جَعْلَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، تَفْهَمُ كَيْفَ قَدْرِ المُصَوِّرِ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَذَابُهُ، وَالحَدِيثُ
стр. 2647
الذِي سَبَقَ تُؤَكِّد عِبَارَتُهُ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» ، وَالحَدِيثُ السَّابِقُ أَيْضًا يُفْهِمْكَ أَنَّ الذنبَ كَبِيرٌ جِدًا، وَلِذَلِكَ يُكَلَّفُ فَاعِلُهُ وَهُوَ فِي النَّارِ أَنْ يَنْفُخَ فِيمَا صَوَّرَ الرُّوحَ وَلَيْسَ فِي إِمْكَانِهِ، فَيَسْتَمِرُّ التَّبْكِيتُ وَالتَّعْذِيبُ. كَمَا وَرَدَ فِي خَائِنِ الأَمَانَةِ وَالمُتَحَلِّمِ بِمَا لَمْ يَرَ مِنْ أَنَّهُ يكلف إخراجها بعد سقوطها في النار.
والحَدِيثُ الذي بَعْدَهُ فِيهِ لَعْنُ آكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَالوَاشِمَةِ وَالمُسْتَوْشِمَةِ، وَالمُصَوِّرِ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ، وَأَنَّهُ مِنْ الكَبِائِر، لأنَّ اللَّعْنَ لا يَكُونُ إِلا عَلَى كَبِيرَةٍ، وَفِيهِ شِدَّةُ الوَعِيدِ لِلْمُصَوِّرِينَ، لأنَّ اللَّعْنَ هُوَ الطَّرْدُ وَالإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَفِيهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ عَامٌ لِمَا لَهُ ظِلٌ وَلِمَا لا ظِلَّ لَهُ مِنْ صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ.
وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فِيهِ لَعْنُ المُصَوِّرِ، وَإِنَّ التَّصْوِيرِ مِنَ الكَبَائِرِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
وَحَدِيثُ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَمَا بَعْدَهُ وَاضِحُ المَعْنَى.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِي ﵀: قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ العُلَمَاء: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ، شَدِيدُ الحُرْمَةِ وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لأنَّهُ مُتَوَعِّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ، المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالِّ، لأنَّ فِيهِ مُضَاهَاةٌ بِخَلْقِ اللهِ، وَسَوَاءٌ مَا كَانَ فِي ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ، أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ، أَوْ فِلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ، أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ: وَلا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ مَا لَهُ ظِلٌ وَمَا لا ظِلَّ لَهُ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهَا قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمِنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِي، وَمَالِكٍ، وَأِبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
стр. 2648
شِعْرًا: ... فَلا تَرْجُ إِلا اللهِ فِي كُلِّ حَادِثٍ
فَأَلْقِ إليه بَثَّ شَكْوَاكَ تُحْمَدُ
لَهُ المَلْكُ بِالأَكْوَانِ لا بِمُؤازِرِنْ
وَلا بَنَصِيرٍ فِي الدِّفَاعِ لِمُعْتَدِ
قَرِيبُ وَلَكِنَ بِالذُّنُوبَ تَبَاعَدَتْ
مَسَائِلُنَا عَنْ رَوْضِ إِحْسَانِهِ النَّدِي
فَقُمْ قَارِعًا لِلْبَابِ وَالنَّابِ نَادِمًا
عَلَى مَا جَرَى وَارْفَعْ دُعَاءَكَ يَصْعَدِ
وَقُمْ سَائِلاً وَالدَّمْعُ فِي الخَدِّ سَائِلٌ
تَجِدْ مَا تَشَا مِنْ لُطْفِهِ وَكَأنْ قَدِ
وَقُمْ زُلَفًا فِي اللَّيْلِ إِنْ نَشَرَ الدُّجَى
جَنَاحَ غُدَافٍ يُلْبِسُ الكَوْنَ عَنْ يَدِ
وَرُدَّ ظَلامَ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ مُشْرِقًا
فَقَدْ فَازَ مَنْ بِالذِّكْرِ يَهْدِي وَيَهْتَدِي
وَأَمَّا بَنُو الدُّنْيَا فَلا تَرْجُ نَفْعَهُمْ
فَلا مُنْجِدٌ فِيهِمْ يُرَجَّى لِمُجْتَدِ
فَإِنِّي تَتَبَّعْتُ الأَنَاَم فَلَمْ أَجِدْ
سِوَى شَامِتٍ أَوْ حَاسِدٍ أو مُفَنِّدِ
وَقَدْ رَضَعُوا ثَدْيَ المَهَابَةِ كُلُّهُمْ
وَكُلٌ بِذَيْلِ الذُّلِّ أَصْبِحَ مُرْتَدِ
فلم أَرَ أَرْمَى إَلا بِالسِّهَامِ مِن الدُّعَا
إَلَى مَقْتَلِ الأَعْدَاءِ مِنْ قَوْسِ مِذْوَد ... >?
стр. 2649
.. وَعَنْ مَا قَلِيلٍ يُدْرِكُ السَّهْمُ صَيْدَهُ
فَكَمْ صَادَ سَهْمُ اللَّيْلِ مُهْجَةَ أَصْيَدِ
وَأُوصِيكَ بِالتَّقْوَى لِرَبِّكِ إِنَّهُ
سَيَحْمِدُ تَقْوَاهُ المُوَفَّقُ فِي غَدِ
وَخُذْ لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ زَادًا فَإِنَّمَا
أَقَامَكَ فِي الدُّنْيَا لأَخْذِ التَّزَوُّدِ
وَعَنْ مَا قَلِيلٍ قَدْ أَنَاحَ رِكَابُنَا
بِقَصْرِ خَلِيٍّ مُظْلِمِ الجَوِّ فَدْفَدِ
فَإِنَّ اللَّيَالي كَالمَرَاكِبِ تَحْتَنَا
تَرُوحُ بِنَا فِي كُلِّ حِينٍ وَتَغْتَدِي
فَيَا حَبَّذَا جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا
تَحُطُّ رِحَالَ القَادِمِ المُتَزَوُّدِ
وَلَيْسَ لَنَا إِلا الرَّجَاءُ فَإِنَّهُ
يُبْلِغُنَا مِنْ فَضْلِهِ خَيْرَ مَقْعَدِ ... >?
اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا مَنَاهِجَ السَّلامَةِ وَعَافِنَا مِنْ مُوجِبَاتِ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ وَوَفِّقْنَا لِلاسْتِعْدَادِ لِمَا وَعَدْتَنَا وَأَدِمْ لَنَا إِحْسَانِكَ وَلُطْفَكَ كَمَا عَوَّدْتَنَا وَأَتْمِمْ عَلَيْنَا مَا بِهِ أَكْرَمْتَنَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَوْعِظَةْ
خَطَبَ عَلَيٌّ ﵁ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: اتَّقُوا اللهِ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالِكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ - أَيْ اشْتَرُوا مَا يَبْقَى مِنَ النَّعِيمِ الأَبَدِي، مِمَّا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا
стр. 2650
أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرْ، بِمَا يَفْنِي مِنْ لَذَّة الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَشَهَوَاتِهَا الزَّائِلَةْ، وَتَرْحًلُوا فَقَدْ جَدَّ لَكُمُ الانْتِقَالْ - أَيْ حُثِثْتُمْ وَأُزْعِجْتُمْ إِلَى الرَّحِيلِ - وَاسْتَعِدُّوا فَانْتَبِهُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ إِقَامَةٍ، فَاسْتَبْدِلُوهَا بِدَارِ الآخِرَةِ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكُكُمْ سُدَى - أَيْ مُهْمَلِين، بِلا رَاعٍ يَزْجُرُكُمْ عَمَّا يَضُرُّكُمْ، وَيَسُوقَكُمُ إِلَى مَا يَنْفَعُكُمْ - وَمَا بَيْنِ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ إِلا المَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، وَإِنَّ غَايةً هِيَ الأَجَلُ، تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ المُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِبًا يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ اللَّّّيْلِ وَالنَّهَارِ لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الأَوْبَةِ، وَإِنَّ قَادِمًا يَقْدُمُ بِالفَوْزِ أَوْ الشَّقْوَةِ لَمُسْتَحِقٌّ لأَفْضَلِ العُدَّةْ فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تُحْرَزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُم غَدًا، فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ، نَصَحَ نَفْسَهُ، قَدَّم تَوْبَتَهُ وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ، فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ، وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ مُوَكّلٌ بِهِ، يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيْةَ لِيَرْكَبَهَا وَيُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لَيُسَوِفِهَا حَتَّى تَهْجُمَ مَنِّيَتِهِ عَلَيْهِ، أَغْفَل مَا يَكُونَ عَنْهَا.
... قَلَبَ الزَّمَانُ سَوَادَ رَأْسِكَ أَبْيَضَا ... وَنَعَاكَ شَيْبُكَ كُلُّه فَتَيقَضَا
وَعَرَفْتَ نَفْسَكَ فِي سُكُونِكَ قَاعِدًا ... وَعَرَفْتَ نَفْسَكَ إِذْ هَمَمْتَ لِتَنْهَضَا
فَلَئِنْ عَجِبْتُ لأَعْجَبَنَّ لِغَافِل ... يُمْسِي وَيُصْبِحُ لِلْحَوَادِثِ مُعْرِضًا
آخر: ... جَهُولٌ لَيْسَ تَنْهَاهُ النَّوَاهِي ... وَلا تَلْقَاهُ إِلا وَهُوَ سَاهِي
يُسَرُّ بِيَوْمِهِ لَعِبًا وَلَهْوًا ... وَلا يَدْرِي وَفي َغِده الدَّوَاهِي
مَرَرْتُ بِقَصْرِهِ فَقُلْتُ مَنْ ذَا ... عَجِِيبًا فِيهِ مُزْدَجَرٌ وَنَاهِي
رَأَيْتٌ بِبَابِهِ سُودَ الجَوَارِي ... فَقَالُوا ذَلِكَ المَلِكُ المُبَاهِي
تَبَيَّنْ أَيَّ دَارٍ أَنْتَ فِيهَا ... وَلا تَسْكُنْ إليها وَادْرِ مَا هِي
اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا عَنِ المَعَاصِي وَالزَّلاتِ وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ بِالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ الأحْيَاءِ منْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
стр. 2651
فَصْلٌ فِي تَحْرِيمِ الرِّشْوَةْ
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، أَنَّ الرِّشْوَةَ دَاءٌ مِنْ أَخْطَرَ الأَدْوَاءِ فَتْكًا بِالمُجْتَمَعَاتِ، ذَلِكَ أَنَّهَا لا تَشِيعُ فِي مُجْتَمَعٍ إِلا تَدَاعَتْ أَرْكَانُهْ، وَهَبَطَ فِي مُسْتَوَاهُ الخُلُقِي إِلَى الحَضِيضِ، وَسَيْطَرَتْ فَيهِ المَادَّةُ الجَشِعَةُ عَلَى الحُكَّامِ وَالمَحْكُومِينَ، فَيُصْبِحُ صَاحِبُ الحَقِّ فِي قَلَقٍ، لأَنَّهُ لا يُمْكِنَهُ الحُصُولُ عَلَى حَقِّهِ إِلا إِذَا قَدَّمَ جُعْلاً لَمْنَ عِنْدَهُ وَسِيلَةٌ لِلْحُصُولِ عَلَيْهِ.
وَلا تَرَى صَاحِبُ ظَلامَةً يَطْمَعُ فَي رَفْعِ ظَلامَتِهِ عَنْهُ، إَلا أَنْ يَرْشِي مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى رَفْعِهَا، وَقَدْ يَبْلُغُ الأَمْرُ بَالمُرْتَشِي إَلَى أَنْ يُمَاكِسَ الرَّاشِي فِي مِقْدَارِ الرِّشْوَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذِلَكَ جَهْرًا، بَلا حَيِاءٍ وَلا خَجَلْ.
وَلا تَسْأَلْ عَنْ مَا يَنْتُجُ عَْنَها مِنَ الأَضْرَارِ التي لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى مِنْ ضَيَاعِ الكَرَامَةِ، وَهَضْمِ الحُقُوقِ، وَقَبْر النُّبُوغْ وَتَلاشِى الْجِدِّ فِي العَمَلِ، وَاضْمِحْلالُ الغِيَرِة عَلِى أَدَاءِ الوَاجِبِ، وَتَرْكَ العَامِلِينَ كُلُّ ذَلِكَ يَذْهَبُ وَلا تَجِدْ لَهُ أَثَرَا، وَيَحِلُّ مَكَانَهُ الخُمُولُ وَالضَّعْفُ، وَالغِشُّ وَالخِيَانَةْ، وَمَا إِلَى ذَلِكْ.
إِذَا رُشْوَة مِنْ سُورِ بَيْتٍ تَقَحَّمَتْ ... ???? ... لِتَسْكُنَ فِيهِ وَالأَمَانَةُ فِيهِ ... ???? ... سَعَتْ هَرَبًا مِنْهُ وَوَلَّتْ كَأَنَّهَا ... ???? ... حَلِيمٌ تَوَلَّى عَنْ جَوَابِ سَفِيهِ ... >? ... ???? وَتُصَابُ مَصَالِحُ الأُمَّةِِ بِالشَّلَلْ، وَعُقُولِ النَّابِغِينَ بِالعُقْمِ، وَمَوَاهِِبُ المُفَكِّرِينَ بِالجُمُودِ، وَعَزَائِمُ المُجِدِّينَ وَهِمَمِهُمْ بِالخُورِ وَالفُتُورِ، وَأَيُّ خَيْرٍ
стр. 2652
يُرْجَى مَنْ يَوْمٍ يَكُونُ مِقْيَاسُ الكَفَاءَة فِيهم مَا يَتَقَّرَبُ المَرْؤُوسُ بِهِ مَن قُرَابِين، وَأَيُّ ثَمَرةٍ مِنْ عَمَلٍ لا يُوصَلَ إليه إِلا بِالرُّشَا وَالمَطَامِعِ.
وَقَدْ تُلْبَسُ الرِّشْوَةُ ثَوْبًا مُسْتَعَارًا وَلَكِنْ يَشِفُّ عَنْ حَقِيقَتِهَا كَمَا قِيل:
... ثَوْبُ الرِّيَاءِ يَشِّفُ عَمَّا تَحْتَهُ ... ???? ... فَإِذَا التَحَفْتَ بِهِ فَإِنَّكَ عَارِي ... >? ... ???? فَقَدْ تَكُونُ الرِّشْوَةُ فِي صُورَةِ تُحْفَةٍ أَوْ هَدِيَّة، أَوْ مُحَابَاةٍ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاء، أَوْ إِبْرَاءٌ مِنْ دِين، أَوْ يُشْرِكهُ في أَرْض أَوْ يَتَوَسَّطُ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكْ، وَنَحْوِ ذَلِكِ وَكُلُّ هَذِهِ الحِيَلِ لا تُزْيلُ الحَقَائِقَ.
وَهْي فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ رُشْوَةٌ بَشِعَةُ المَنْظَرُ، سَيِّئَةُ الْمَخْبَرْ كَرِيهَةُ الرَّائِحَةِ، مُلَوَّثَةٌ لِلشَّرَفِ، مُضَيِّعَةٌ لَلْعِفَّةِ وَالكَرَامَةِ وَالمَهَابَةِ وَلِذَا كَانَ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي مَلْعُونِين، لأَنَّ الرَّاشِي يُسَاعِدُ المُرْتَشِي عَلَى تَضْيِيعِ الحُقُوقِ، وَيُسَهِّلَ لَهُ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَيُنَمِّي فِيهِ الخُلُقَ الذَّمِيمْ، وَيُيَسِّرُ لَهُ التَّحَكُمَ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِغَيْرِهِ، فَيَسْتَمْرِئُ هَذَا الْمَرْعَى الْوَخِيم، وَالمُرْتَشِي قَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ، وَمَنَعَ الحَقَّ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَأْخُذُ الرُّشْوَة مِنْهُ.
وَالرُّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ هِيَ مَا تُوصِلُ بِهِ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ، أَوْ تَمْشِيَةِ بَاطِلْ، أَمَّا مَا وَقَعَ لَلتَّوَصُّلِ لَحِقٍ، أَوْ دَفْعِ ظُلْمٍ، فَلَيْسَ بِرُشْوَةٍ مَنْهِيَّةٍ، قَالَ فِي المُغْنِي: فَأَمَّا الرُّشْوَةُ فِي الحُكْمِ، وِرُشْوَةُ الْعَامِلِ، فَحَرَامٌ بِلا خَلافْ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قَالَ الحَسَنُ، وَسَعِيدُ بنُ جُبَيْر في تَفْسِيره: هُوَ الرِّشْوَة. وَقَالَ: فَأَمَّا الرَّاشِي، فَإِنْ رَشَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ
стр. 2653
بِبَاطِلْ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ حَقًا فَهُوَ مَلْعُونْ، وَإِنْ رَشَاهُ لِيَدْفَع ظُلْمَهُ، وَيَجْزِيَهُ عَلَى وَاجِبَه، فَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بنُ زَيْدٍ، وَالحَسَنْ: لا بَأَسْ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: وَلأَنَّهُ يَسْتَنْقِذُ مَاله، كَمَا يَسْتَنْقِذُ الرَّجُلِ أَسِيرَه. انتهى.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي فِي الحُكْم» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. أَمَّا الحَدِيثِ فَوْجُهُ الاسْتِدْلالُ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الرَّشْوَةِ وَاضِحْ، إِذْ لا يَسْتَحِقُ لَعْنَةَ اللهِ إِلا فَاسِقٌ أَوْ كَافِرْ، وَأَمَّا الآيةُ فَقِيلَ: إَنَّ مَعْنَاهَا: لا تُدْلُوا بِأَمْوَالِكُمْ إِلَى الْحُكَّامْ، أَيْ لا تُصَانِعُوهُم بِهَا، وَلا تَرْشُوهُمْ لِيَقْطَعُوا لَكُمْ حَقًا لِغَيْرَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَالآيةُ تَنْهِي المُسْلِمِينَ عَنْ أَنْ يَأَكْلُوا أَمْوَالَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالبَاطِلْ، وَالرُّشْوَةُ ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ هَذَا الأَكْل الْمَنْهِيّ عَنْهُ. قَالَ بَعْضُهم يَصِف المُحَابِينَ لأَصْدِقَائِهم:
قَالَ الشَّاعِر:
... إِذا حَاوَلُوا أَمْرًا لِشَخْصٍ يَهُمُّهُمْ ... تَنَاسُوا أُمُورَ الشَّرْعَ فِيهِ وَلَفَّقُوا
وَإِلا رَمُوا أَوْرَاقِهِ عِنْدَ وَجْهِهِ ... وَقَالُوا لَهُ خُذْ مَا تَرَاهُ وَأَطْرَقُوا
آخر: ... وَإلى اليقِينَ وَعَادِ الشَّكَ أَجْمَعَهُ
وَإلى اليقِينَ وَعَادِ الشَّكَ أَجْمَعَهُ
فَالخَطْبُ عَمَّ وَصَارَ النَّاسُ كُلُّهُم
مُعَظِّمِينَ لِبِدْعِيٍّ وَمَرْدُودِ
هَذَا الزَّمَانُ الذي كُنَّا نُحَاذِرُهُ
فِي قَوْلِ كَعبٍ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودِ ... >?
стр. 2654
.. فَصَاحِبُ الدِّينِ مَمْقُوتٌ وَمُنْكَتِمٌ
وَصَاحِبُ الفِسْقِ فِيهِمِ غَيْرُ مَظْهُودِ
كُلٌّ يُقَلِّدُ فِي الأَهْوَاءِ صَاحِبَهُ
حَتَّى البِلادَ لَهَا شَأنٌ بِتَقْلِيدِ
وَالأَمْرُ بِالعُرْفِ ثُمَّ النَّهْيُ عَنِ نُكُرٍ
صَارَا لَدَيْنَا بِلا شَكٍ كَمَفْقُودِ
إِذَا نَصَحْتَ لِشَخْصٍ قَالَ أَنْتَ كَذَا
فِيكَ العُيوبُ لَدَيْنَا غَيْرَ مَحْمُودِ
إِذَا رَأَوا صَالِحًا يَدْعو لِنَهْجِ هُدَىً
تَأنَّبُوهُ بِإِيذَاءٍ وَتَبْعِيدِ
حُكْمُ القَوَانِينِ قُالُوا فِيهِ مَصْلَحَةٌ
وَفِي الرِّبَا سَاعَدْتَ شِيبٌ لِمَوْلُودٌ
أَهْلُ الهَوَى وَالرَّدَى مَالُوا لِمُحْدَثَةٍ
قَالُوا الشَّرِيعَةَ لا تَكْفِي لِمَقْصْودِ
قُولُوا لَهُمْ قُوْلَ نُصْحٍ مَا بِهِ شَطَطٌ
مَقَالَةً صَاغَهَا حَبْرٌ بِتَسْدِيدِ
مُخَالِفُ الشَّرْعِ لَمْ يَظْفُرْ بِحَاجَتِهِ
لَوْ نَالِ خَيْرًا قُصَارَاهُ لِتَبْدِيدِ
إِنْ دَامَ هَذَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ غِيَر
لَمْ يُبْكَ مَيْتٍ وَلَمْ يُفْرَحْ بِمَوْلُودِ ... >?
اللَّهُمَّ إِنَّا نسألكَ العافية في الدُّنيا والآخرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفَو والْعَافيةَ في دِيننَا ودُنيانَا وآخِرتنَا وَأَهْلِنَا وَمَالِنَا، اللَّهُمَّ اسْتُر عَوراتِنا وَأَمنِ روعاتِنا واحْفَظنا مِن بين أيدينا ومنِ خَلفنا وَعن أيمانِنَا وعن شَمائِلنا ومن
стр. 2655
فَوقِنا ونَعُوذ بعَظمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ من تَحْتِنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اسلك بنا مناهج السلامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة ووفقنا للاستعداد لما وعدتنا وأدم لنا إحسانك ولطفك كما عودتنا وأتمم علينا ما به أكرمتنا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
قَالَ العُلَمَاءُ: الرَّاشِي هُوَ الذِي يُعْطِي الرِّشْوَةُ، وَالمُرْتَشِي هُوَ الذِي يَأْخُذُ الرِّشْوَة، قَالُوا: وَإِنَّمَا سُمِّي مِنْحَةُ الحُكَّامِ رِشْوة لأَنّها وُصْلَةٌ إِلَى المَقْصُودْ، بَنَوْعٍ مِنَ التَّصْنِيع، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّشَاءِ، وَهُوَ الحَبْلُ الذِي يُتَوَّصل بِهِ إِلَى نَزْحِ المَاءِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
... وَلَيْتَ الحُكْمَ خَمْسًا بَعْدَ عَشْرٍ ... ???? ... لَعَمْرِي وَالصِّبَا فِي العُنْفُوِانِ ... ???? ... فَلَمْ تَضِعِ الأَعَادِي قَدْرَ شَانِي ... ???? ... وَلا قَالُوا فُلانٌ قَدْ رَشَانِي ... >? ... ???? وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخر: أَنَّ اللَّعْنَة عَلَى الرَّائِشَ أَيْضًا، وَهُوَ السَّاعِي بَيْنَهُمَا، وَهُوَ تَابِعٌ لِلرَّاشِي فِي قَصْدِهِ، إِنْ قَصَدَ خَيْرًا لَمْ تَلْحَقُهُ اللَّعْنَةِ، إِلا لَحِقْتَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنْ أِبِي أُمَامَةَ البَاهِلِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَفَعَ لِرَجُلٍ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةْ، فَقَدْ أَتِى بِابًا مِنْ أَبْوِابِ الرِّبَا» ، وَعَنِ ابِنِ مَسْعُودٍ قَال: السَّحُتْ: أَنْ تَطْلُبَ لأَخِيكَ الْحَاجَةَ، فَتَقْضِي فَيُهْدِي إليك هَدِيَّةً فَتَقَبَلُهَا مِنْهُ.
وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَلَّمِ ابْنَ زِيَادٍ فِي مَظْلَمَةٍ فَرَدَّهَا، فَأَهْدَى إليه
стр. 2656
صَاحِبُ المَظْلَمَةِ وَصِيفًا، فَرَدَّهَا وَلَمْ يَقْبَلُهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُول: مَنْ رَدَّ عَنْ مُسْلِمٍ مَظْلَمَةٍ فَأَعْطَاهُ عَلَيْهَا قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا فَهْوَ سَحُتْ، فَقَالَ الرَّجُلْ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَظُنُّ أَنْ السُّحْتَ إِلا الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ، فَقَالَ: ذَلِكَ كُفْرٌ نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهُ.
قَالَ العُلَمَاءُ: وَيَحْرُمُ عَلَى القَاضِي قُبُولُ هَدِيَّة إِلا مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلايَتِهْ، إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةْ، لِمَا رَوَىَ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِي إلي، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيِجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهِدِيَ إلي، أَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أُيُهْدَى إليه أَمْ لا، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَأخُذَ شَيْئًا إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءْ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرْ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْتُ عُقْدَةَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
شِعْرًا: ... لا يَأْمَِنِ الوَقْتَ إِلا الخَائِنُ البَطِرُ
مَنْ لَيْسَ يَعْقِلُ مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ
مَا يَجْهَلُ الرُّشْدَ مَنْ خَافَ الإِلَه وَمَن
أَمْسَى وَهِمَّتُهُ فِي دِينِهِ الفْكَرُ
فِيمَا مَضَى فِكْرَةٌ فِيهَا لِصَاحِبِهَا
إِنْ كَانَ ذَا بَصَرٍ بِالرَّأْيِ مُعْتَبِرُ
أَيْنَ القُرُونُ وَأَيْنَ المُبْتَنُونَ لَنَا
هَذِي المَدائِنُ فِيهَا المَاءُ وَالشَّجَرُ ... >?
стр. 2657
.. وَأَيْنَ كِسْرَى أَنُو شُرْوانَ مَالَ بِهِ
صَرَفُ الزَّمَانِ وَأَفْنَى مُلْكَهُ الغِيَرُ
بَلْ أَيْنَ أَهْلُ التُّقَى بَعْدَ النَّبِيّ وَمَنْ
جَاءَتْ بِفَضْلِهُم الآيَاتُ وَالسُّوَرُ
أُعْدُدْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِيقَ أَوَّلَهُمْ
وَنَادِ مِنْ بَعْدِهِ فِي الفَضْلِ يَا عُمَرُ
وَعُدَّ مِنْ بَعْدِ عُثْمَانٍ أَبَا حَسَنٍ
فَإِنَّ فَضْلَهُمَا يُرْوَى وَيُذَّكَرُ
لَمْ يَبْقَ أَهْلُ التُّقَى فِيهَا لِبِرِّهُمُ
وَلا الجَبَابِرَةُ الأَمْلاكُ مَا عَمَرُوا
فَاْعَملْ لِنَفْسِكَ وَاحْذَرْ أَنْ تُوَرِّطَهَا
فِي هُوَّةِ مَالَهَا وِرْدٌ وَلا صَدَرُ
مَا يَحْذَرُ اللهَ إِلا الرَّاشِدُونَ وَقَدْ
يُنْجِي الرَّشِيدَ مِنَ المَحْذُورَةِ الحَذَرُ
وَالصَّبْرُ يُعْقِبُ رِضْوَانًا وَمَغْفِرِةً
مَعَ النَّجَاحِ وَخِيْرُ الصُّحْبَةِ الصَّبْرُ
النَّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَفَرٍ
وَعَنْ قَرِيبٍ بِهِمْ مَا يَنْقَضِي السَّفَرُ
فَمِنْهُمْ قَانِعٌ رَاضٍ بِعَيْشَتِهِ
وَمِنْهُمْ مُوسِرٌ وَالقَلْبُ مُفْتَقِرُ
مَا يُشْبِعُ النَّفْسَ إِنْ لَمْ تُمْسِ قَانِعَةً
شَيْءٌ وَلَوْ كَثُرَتْ فَي مِلْكِهَا البَدْرُ ... >?
стр. 2658
.. والنَّفْسُ تَشْبَعُ أَحْيَانًا فَيُرْجِعُهَا
نَحْوَ المَجَاعَةِ حُبُّ العَيْشِ وَالبَطَرُ
وَالمَرْءُ مَا عَاشَ فِي الدُّنْيَا لَهُ أَثَرٌ
فَمَا يَمُوتُ وَفِي الدُّنْيَا لَهُ أَثَرُ ... >?
اللَّهُمَّ مَكِّنْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بَنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَزَحْزِحْنَا عَنِ النَّار وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ دَارَ القَرارِ وَمَتِّعْنَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَوْعِظَة
عِبَادَ اللهْ: لَقْدَ نَهَانَا رَبُّنَا جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَاسْتِحْلالِهَا بِدُونِ حَقٍّ، وَأَخْذِهَا بِوَجْهٍ لَمْ يُبِحْهُ الدِّينْ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ، يَنْهَانَا عَنْ رَفْعَ الدَّعَاوِي الكَاذِبَةِ، وَالإِدْلاءِ بِالقَضَايَا المُخْتَلِقَةِ المُلَفَّقَةِ، وَتَقْدِيمِ صَفَحَاتِهَا إِلَى القُضَاةِ، رَجَاءِ الفَصْلٌ فِيهَا بِالبَاطِلِ، اسْتِنَادًا إِلَى اليمِينِ الغَمُوسِ الْكَاذِبَةِ، وَارْتِكَانًا عَلَى شَهَادَةِ الزُّوْرِ الفَاجِرَةِ، أَوْ اعْتِمَادًا عَلَى الشَّفَاعَاتِ وَالوَسَائِطِ، وَاسْتِظْهَارًا بِتِلْكَ الرَّشَاوِي التِي تُقَدَّمُ بِاسْمِ الهَدَايَا إِلَى مَنْ لا خَلاقَ لَهُمْ، فَيَتَخَّطُونَ العَدَالَةَ لِقَاءَ هَذَا، وَيَجُورُونَ فِي الحُكُومَةِ وَالقَضَاءِ.
إِنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ التِي تُؤْكَلُ بِالبَاطِلِ قَبْسٌ مِنْ نَارْ، وَأُتُونُ مُسْتَعِرَةٌ بِاللَّظَى، وَتَنُّورٌ مَسْجُورٌ، مُوقِد إِنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ التي تُؤْكَلُ بِالبَاطِلِ، جَذْوَةٌ مِنْ لَهِيبٍ، وَشُعْلَةٌ مُتَوَهِّجَةٌ، إِنَّ أَمْوالَ النَّاسِ التِي تُؤْكَلُ بِالبَاطِلِ آفةٌ مُهْلِكَةٌ، تَأْكُلُ الأَخْضَرِ وَاليابِسْ وَتَأْتِي عَلَى الغَضِّ وَالهَشِيمِ، هَذَا إِذَا فَنِيَتْ وَزَالَتْ، وَأَمَّا إِذَا بَقِيَتْ وَدَامَتْ، وَرَبَتْ وَنَمَتْ، وَزَادَتْ وَكَثُرَتَ،
стр. 2659
وَشَبَّ عَلَيْهَا جِسْمُهُ، وَنَمَا عَلَيْهَا عَظْمُهُ وَلَحْمُهُ، فَالْوَيْلُ ثُمَّ الوَيْلُ ثُمَّ الْوَيْلُ لآكِلِ الحَرَامِ، الْتَفِتُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ يَمِينًا وَشِمَالاً تَرَوْا إِنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ التِي أُكِلَتْ حَرَامًا مَا أَغْنَتْ آكِلِيهَا، وَمَا أَجْدَتْ عَلَى غَاصِبِيهَا وَنَاهِبِيهَا، بَلْ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، أَتَتْ عَلَى بُيُوتِهِمْ فَخَرَّبَتْهَا، وَدَكَّتْ صُرُوحَ عِزِّهِمْ وَمَجْدِهِمْ فَهَدَّمَتْهَا، فَلَيْتِ شِعْرِي بِمَاذَا يَكُونُ الجَوَابُ إِذَا وَقَفُوا غَدًا بَيِنَ يَدِيْ أَحْكَمِ الحَاكِمِينَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ هِذِهِ الأَمْوَالْ بِأَيِّ وَجِهٍ أَخَذُوهَا، وَعَلَى أَيّ دِينٍ اسْتَبَاحُوهَا، وَبِأَيّ شَيْءٍ يَنْطِقُونَ إَذَا شَهَدَتْ عَلَيْهُمْ الْجَوَارِحُ وَوَاجَهَتْهُمُ الأَعْضَاءُ بِالحَقَائِقِ، فَقَالَ اللِّسَانُ: بِي نَطَقَ كِذْبًا وَبُهْتَانًا، وَقَالَتِ اليدَانِ: بِي أَخَذَ المَالَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَقَالَتْ الرِّجْلانْ: بِي سَعِى الأَثِيمُ إِلَى دَارِ القَضَاءِ يَطْلُبُ الإِنْصَافَ، كَأَنَّهُ مَغْبُونٌ وَمَظْلُومٌ، وَقَالَتِ الرِّجْلانِ أَيْضًا بِي مَشَى إِلَى الزِّنَا أَوْ اللِّواطْ، أَوْ السَّرِقَةِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الجَرَائِمْ.
آكِلُ الحَرَامِ فَتِّشْ حَوَاليك تَجِدُ الْحَرَامَ لا يَنْفَعْ، قَلِّبْ النَّظَرَ مَلِيًّا تَرَى المُبْطِلُ لا يَتَقَدَّمْ، تَأَمَّلْ قَلِيلاً وَفَكِّرْ فِي الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ العَافِيَةَ تَزُولُ، ارْجِعْ النَّظَرَ كُرَّاتٍ وَرَدِّدِ الْبَصَرِ مَرَّاتٍ، تُجبْكَ الحَوَادِثُ بِلَهْجَةِ الخَبِيرِ، بِأَنَّ العُمُرَ وَإْنْ طَالَ قَصِيرْ، وَإِنَّ الحِسَابِ عَسِيرُ وَشَدِيدٌ، وَأَنَّ المَوْقِفَ رَهِيبٌ وَشَاقٌ، وَأَنَّ الْمَصِيرَ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ.
أَيُّهَا النَّاسُ أَيْقِنُوا بِأَنَّ الأَحْكَامِ التِي تُؤْخَذُ فِي الدُّنْيَا بِالسَّفْسَطَةِ وَالتَّدْلِيسِ لا تَرْفَعُ الإثْمَ، وَلا تَرُدُّ العِقَابْ، لأنَّ الحُكُومَةْ سَتُعَادُ، وَالشُّهُودَ عِيَانٌ، وَالْقَضَاءُ بِالْقِسْطَاسِ، وَالقَاضِي الحَكَمْ الْعَدْلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 2660
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الحَاجِيَّاتِ التِي تُؤْخَذُ خِلْسَةً وَتُخْتَطَفُ فِي غَفْوَةٍ، أَوْ تُؤْخَذُ رَغْمًا وَكُرْهًا فِي صَحْوٍ وَيَقَظَةٍ، بَاقِيَةٌ لأَصْحَابِهَا سَتَقْضُونَهَا مِنْ حَسَنَاتِكِمْ، وَتُؤَدُّونَهَا مِنْ مُبَرَّاتِكُمْ، إِنْ كَانَتْ لَكُمْ حَسَنَاتٌ وَمَبَرَّاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخَذَ مِنَ خَطَايَا أَصْحَابِهَا فَطُرِحَتْ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ تُلْقَوْنَ بِهَا فِي النَّارِ، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَرُّوا الكَسْبِ الطَّيِّبْ، فَقْدَ قَالَ ﷺ : «أَتْدَرُونَ مَنِ المُفْلِسْ» ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعٌ، فَقَالَ: «إِنَّ المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مِنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَّ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» .
شِعْرًا: ... خَفِ اللهَ وَانْظْرِ فِي صَحِيفَتِكَ التِي
حَوَتْ كُلَّمَا قَدَّمْتَهُ مِنْ فِعَالِكَا
فَقَدْ خَطَّ فِيهَا الكَاتِبَانِ فَأَكْثَرَا
وَلَمْ يَبْقَ إِلا أَنْ يَقُولا فَذَالِكَا
وَوَاللهِ مَا تَدْرِي إِذَا مَا لَقِيتَهَا
أَتُوضَعُ فِي يُمْنَاكَ أَوْ فِي شَمِالِكَا
وَلا تَحْسَبَنَّ المَرْءَ يَبْقَى مُخَلَّدًا
فَمَا النَّاسُ إِلا هَالِكٌ فَابْكِ هِالِكَا
آخر: ... إِذَا انْقَطَعْتْ أَعْمَالُ عَبْدٍ عَنِ الوَرِى
تَعَلَّقَ بِالرَّبِ الكَرِيمِ رَجَاؤُهُ ... >?
стр. 2661
جج
... فَأَصْبحَ حُرًا عِزَّةً وَقَنَاعَةً
عَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ
وَإِنْ عَلِقَتْ بِالْخَلْقِ أَطْمَاعُ نَفْسِهِ
تَبَاعَدَ مَا يَرْجُو وَطَالَ عَنَاؤُهُ
فَلا تَرْجُ إِلا اللهَ لِلْخَطْبِ وَحْدَهُ
وَلَوْ صَحَّ فِي خِلِّ الصَّفَاءِ صَفَاؤُهُ ... >?
اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَنَا مَمْلُوءَةً بِحُبِّكَ وَأَلْسِنَتَنَا رَطِبَةً بِذْكْرِكَ وَنُفُوسَنَا مُطِيعَةً لأَمْرِكَ وَأَمِّنَّا مِنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ العَافِيةَ فِي دِينِنَا ودُنْيَانَا وَأُخْرَانَا وَأَهْلِنَا وَمَا لَنَا اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَأَمِّنْ رَوْعَاتِنَا وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفَنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ فَوقِنَا ونَعُوذُ بعَظمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ من تَحْتِنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ في حكم التأمين)
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَجَنَّبَنَا وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِِ المُسْلِمِينَ مَا يَكْرَهُهُ وَلا يَرْضَاهُ أَنَّ مَمَّا حَدَثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَانْتَشَرَ فِي الأَرْضِ انْتِشَارَ الْوَبَاءِ الفَتَّاكْ، مَا يُسَمَّى بِالتَّأْمِين عَلَى الحَيَاةِ وَعَلَى الأَمْوَالِ، وَهُوَ عَقْدٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مُؤَمِّنٌ، وَالآخَرُ مٌؤَمَّنٌ، يَلْتَزِمُ فِيهِ المُؤْمِنُ أَنْ يُؤَدِّي إِلَى المُؤْمِّن مَبْلَغًا مِنَ المَالِ، أَوْ شَيْئًا مُرَتَّبًا عَنِدَمَا يَحْصُل ضَرَرٌ أَوْ حَادِثْ، وَذَلِكَ فِي مُقَابِلِ قِسْطٌ أَوْ أَيَّةِ دُفْعَةٍ مَاليةٍ أُخْرَى يُؤَدِّيهَا المُؤْمِّنُ إِلَى المُؤَمَّنِ.
وَفِي الغَالِبِ أَنَّ الذِي يَقُومُ بِالتَّأْمِينِ شَرِكَاتٌ مُسَاهِمَةٌ كَبِيرَةٌ مٌهِمَّتُهَا
стр. 2662
التِي مِنْ أَجْلِهَا أُنْشِئَتْ: التَّأْمِينُ عَلَى الحَيِاةِ فِيمَا زَعَمُوا، وَعَلَى الأَمْوَالِ أَيْ ضَمَانِهَا، وَدَفْع ثَمَنَهَا إَذَا تَلَفَتْ، فَانْكَبَّ النَّاسُ عَلَيْهَا انْكِبَابًا عَظِيمًا، وَلَمْ يُفَكِّرُوا وَلَمْ يَفْحَصُوا، وَلِمْ يَسْأَلُوا عَنْ حِلَّهَا وَحُرْمَتِهَا وَضَرَرِِهَا، عَاجِلاً وَآجِلاً.
فَأَمَّا التَّأْمِينُ عَلَى الحَيَاةِ فَطَرِيقَتُهُمْ فِيهَا أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يُؤَمِّنَ عَلَى حَيَاتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى مَرْكَزِ شَرِكَةِ التَّأْمِينْ وَيُفْهِمُهَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ مِنَ الأَمْوَالِ كَذِا لِتَضْمَنَ لَهُ حَيَاتَهُ كَذِا مِنَ السِّنِينِ، وَإِذَنْ هِيَ تُحْضِرُ حُكَمَاءَهَا البَارِعِينَ فِيمَا زَعَمَتْ وَيَبْحَثُونَ جِسْمَهُ بِحْثًا دَقِيقًا، ثُمَّ يُعْطُونَ الشَّرِكَةِ رَأْيَهُمْ فِي مَبْلَغِ صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ، وَفِي سَنِّهِ التِي هُوَ فِيهَا إِذْ ذَاكَ، فَإِذَا أَحَاطَ رِجَالُ الشِّرْكَةِ العَامِلُونَ بِمِقْدَارِهِ أَصْدَرُوا أَمْرَهُمْ بِضَمَانِ حَيِاتِهِ عَشْرَ سِنِين، أَوْ عِشْرِين، أَوْ ثَلاثِين، أَوْ أَرْبَعِين، أَوْ خَمْسِين. وَلَيْسَ كُلُّ شَخْصٍ بَلِ المُرَادُ عِنْدَهُم الصَّحِيحُ، أَمَّا المَرِيضِ أَوْ مِنْ يَتَعَاطَى الأَشْيَاءِ التي تَجْلِبُ الأَمْرَاضْ فَيُقَدَّرُ لَهُ عَلَى قَدْرِ حَاله فِيمَا يَرَوْنَ، فَإِذَا انْتَهَى تَسَلَّمُوا أَوَّلَ قِسْطٍ مِنَ الأَقْسَاطِ التِي اتَّفَقُوا عَلَيْهَا مَعَ المُتَعَاقِدْ.
وَهَذِهِ الأَقْسَاط مَعَ المُدَّةِ المَعْلُومَةْ تَكُونث مَكْتُوبَةً فِي وَثِيقَةً يَمِضِي عَلَيْهَا مُمَثِّلُ الشِّرْكَةِ وَالمُتَعَاقِدْ، وَبِيَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا نُسْخَةً مِنْهَا، تَكُونُ سَنَدًا لَهُ عَلَى الآخَرِ عِنْدَ اللّزُوم، وَتَلْتَزِمُ الشَّرِكَةُ فِي هَذِهِ الوَثِيقَة: إِنَّ المُتَعَاقِدْ مَعَهَا لَوْ مَاتَ فِي اليوم الذِي حَصَلَ فِيهِ الْعَقْدِ تَدْفَعُ لِوَرِثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ لِمَنْ يُعَيِّنَهُ فِي الوَثِيقَةِ - وَإِنَ كَانَ لا يَقْرَبُ لَهُ، وَلا لَهُ بِهِ صِلةْ، وَلَوْ أَنَّهُ خَادِمٌ عِنْدَهُ، أَوْ عِنْدَ غِيْرِهِ - تَدْفَعُ مَبْلَغًا يُوَازِنُ أَوْ يَزْيدُ عَنِ المَبْلَغِ الذِي ذَكِرَ المُتَعَاقِدْ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ لِلشَّرِكَةِ فِي المُدَّةِ الْمُتَّفِق عَلَيْهَا، لَكِنْ يَشْتَرِطُ
стр. 2663
هَؤُلاءِ الْوَضِيعُونْ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ عَادِيَّا، لَيْسَ بِجِنَايَةٍ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَلِهَذَا: الشِّرْكَة لا تَدْفَعُ المَبْلَغَ بِمُجَرَّدِ أَنْ يُقَالُ لَهَا: إِنَّهُ مَاتَ، بَلْ لَهَا أَبْحَاثٌ وَمُنَاقَشَاتٌ تَطُولُ وَتَدُق، يَكْتَشِفُونَ بِهَا كَيْفَ مَات، رُبَّمَا يَنْشَأ عَنْ هَذِهِ الفُحُوصِ سَبُّ المَيِّتِ وَلَعْنَهُ وَأَعْمَاله وَمَا أَرَّثَ وَإِنْ قِيلَ لَهُمْ، أَوْ ظَنُّوا أَنَّ الْمَوْتَ يُرَادُ بِهِ الوُصُولُ إِلَى الْمَبْلَغِ الْمَعْلُومِ، فَانْظُرْ كَيْفَ يَعْمَلُونْ. عَافَانَا اللهُ وَإِيَّاكَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ.
وَعِنْدَ هَؤُلاءِ الْوَضعِيّينَ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ بَعْضُ الأَقْسَاطِ ثُمَّ عَجِزِ عَنِ البَاقِي ذَهَبَ عَلَيْهِ كُلُّ الذِي دَفَعَهُ، وِفِيهِ شُرُوطٌ أُخْرَى، مِنْهَا كَوْنُ الشِّرْكَة تَشْتَرِطُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تَدْفَعَ رِبْحًا خَمْسَةِ فِي الْمِائَةِ فِي حَالِةِ اسْتِمْرَارُ عَقْدِ التَّأْمِين، وَهَذَا عَقْدٌ بَاطِلٌ بِلا شَكْ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تَسْلِيمُ دَرَاهِمُ مُقَسَّطَةٌ فِي دَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا مُؤَجَّلَةً، قًدْ يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَفُوتُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ عَجْزِهِ عَنْ بَعْضِ الأَقْسَاطِ، فَحِقِيقَتُهَا شِرَاءُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ مَمْنُوع، وَشِرَاءُ دَرَاهِمٍ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مَنْهَا وَهُوَ مَمْنُوع.
وَمِنْ جِهَةٍ فَهِيَ تُشْبِهُ بَيْعَ الآبِقِ الذِي لا يَصِحُّ بَيْعُه، فِي حَالَةِ جَهَالَةِ الحُصُولِ عَلِى العِوَضِ المَشْرُوطِ، وَقَدْ يَفُوتُ عَلَيْهِ مَعَ رَأْسِ مَاله، وِمَعَ مَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنْ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّأْمِينِ عَلَى الحَيِاةِ هِيَ مِنَ المُعَامَلاتِ الفِاسِدَةْ، وَلِمُشَابَهَتِهَا لِعَقْدِ الْمَيْسِرِ حَقِيقَةٌ وَمَعْنَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 2664
اللَّهُمَّ اجْمَعْ قُُلُوبِ المُؤْمِنِينَ عَلِى مَحَبَّتِكَ وَطَاعَتِكَ، وَأَزِلْ عَنْهُمَ مَا حَدَثَ مِنَ المنُكْرَاتِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينََ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا التَّأْمِينُ عَلَى الأَمْوَالِ فَأَنَا أُوَضِّحُ لَكَ خَطَرَهُ وَضَرَرَهُ، وَأُمَثِّلُ لَهُ، وَأَذْكُرُ مَا تَيَسَّرِ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلِى تَحْرِيمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِنْسَانٌ إِلَى شَرِكَةِ التَّأْمِينِ مَثَلاً: عَشْرَةِ آلافِ رِيَالٍ، لِتَأْمِينِ بِضَاعَتِهِ التِي قَيمَتُهَا نِصْفُ مُلْيُونٍ، أَوْ لِتَأْمِين مَكْتَبَتِهِ أَوْ مَطْبَعَتِهِ التِي تُسَاوِي نِصْفَ مَلْيُونٍ مَثَلاً، ثُمَّ تَلِفَتْ، فَالزَّائِدَةُ عَلِى مَا دَفَعَهُ لِلشَّرِكَةِ عَلِى أَيّ وَجْهٍ تُحِلُّ لَهُ، أليس يَقُولُ ﷺ : «لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جِائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذُ مِنْهُ شِيْئًا، بِمَ يَأْخُذُ أُحَدَكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ» . رَوَاهُ مْسْلِمْ.
وَإِذَا سَلِمَتْ الْبِضَاعَةُ الْمُؤَمَّنَةُ، أَوْ الْمَطْبَعَةْ أَوْ الْمَكْتَبَةُ أَوْ الْبَيْتُ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَحِلُّ لِلشَّرِكَةِ أَكْلَ مَا دَفَعَهُ لَهَا مُقَسِّطًا أَوْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، لا هِبَةً وَلا مِيرَاثًا وِلا وِقْفًا، أليس بِدُونِ مُقَابِلْ، أليس اللهُ جَلَّ وَعَلا يَقُولُ: وُهْوَ أَصْدَقُ قَائِلْ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ مَعَ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمْ: «بِمَ يَأْخُذُ أُحَدَكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ» أليس هَذَا العَمَلُ فِيهِ مِنَ الغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مَا لا يَخْفَى.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي النَّهْي عَنِ الْغَرَرِ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُل ثَوْبَهُ بِالبَيْعِ إِلَى الرَّجُلْ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبهُ أَوْ يَنْظُرُ إليه.
وَنَهَى ﷺ عَنِ المُلامَسَةِ، وَهِيَ لَمْسَ الرَّجَلِ الثَّوْبَ لا يَنْظُرُ إليه، وَنَهَى ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ.
стр. 2665
ج
شِعْرًا: ... لَيْسَ الظَّرِيفُ بِكَامِلٍ فِي ظَرْفِهِ ... حَتَّى يَكُونَ عَنِ الحَرَامِ عَفِيفَا
فَإِذَا تَوَرَّعَ عَنْ مَحَارِمِ رَبِّهِ ... فَهُنَاكَ يُدْىَ فِي الأَنِامِ ظَرِيفَا
وَقَالَ: «لا تَشْتَرُوا السَّمَك فِي المَاءِ فَإِنَّهُ غَرَرٌ» وَنَهَى عَنْ بَيْعِ حَبْلِ الحَبْلَةِ.
وَنَهَى عَنْ ضَرْبَةِ الغَائِص، وَهُوَ مَا سَيُخْرِجُهُ الغَائِصُ، وَنَهَى عَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضُ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ المَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّم، وَنَهَى عَنْ بَيْعُ المَضَامِينَ، وَهُوَ مَا يَنْتُجُ مِنْ أَصَلابِ فُحُولِ الإِبِلِ الأَصْلِيَّةِ مِنْ نِتَاجٍ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الغَرَرِ وَالجَهَالَةِ.
وَقَالَ العُلَمَاءُ: وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَلا الطَّيْرِ فِي الهَوَاءِ لأَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الحُصُولِ وَعَدَمِهِ، وَكُلُّ هَذِهِ النَّوَاحِي تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْمِينِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى دَاخِلٌ فِي القَرْضِ الذِي يَجُرُّ نَفْعًا وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَهُوَ قِمَارٌ، لأنَّ المُتَقَامِرَيْنِ الأَصليَيْنِ حِينَ المُقَامَرَةِ لا يَدْرِي كُلٌّ مِنْهُمَا لِمَنْ تُكُونَ الغَلَبَةُ، حَتَّى يَكُونُ المَالُ الذِي اتَّفَقَا أَنْ يَدْفَعَهُ الْمَقْمُورُ وَهَكَذَا الحَالُ هُنَا وَمَا يُرَى مِن أَخْذِ الشَّرِكَةِ مَالَ المُتَعَاقِدِ أَوَّلاً لا عِبْرَةً بِهِ، فَقْدَ يَنْقَلِبُ الأمْرُ، وَتَكُونُ هِيَ الدَّافِعَةُ، وَكَمَا أَنَّ المُقُامِرَ يَعْتَمِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى حَظِّهِ، وَيَنْتَظِرُ مَا يَنْكَشِفُ مِمَّا غُيِّبَ لَهُ أَوْ لِصَاحِبِهِ، فَكَذَلِكِ الأَمْرُ هُنَا، لا مُرَجِّحَ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ فِي الأَخْذِ أَوْ الدَّفْعِ، وَمَا تَرِاهُ مِنَ الرُّجْحَانِ فِي جَانِبِ الشَّرِكَةِ قَدْ يَنْقَلِبُ مَرْجُوحًا.
وَكَمَا أَنَّ المُشْتَغِلينَ بِاللَّعِبِ بِالقُمَارِ لم يَعْمَلْ أَحَدُهُمَا عَمْلاً يُفِيدُ صَاحِبَهُ أَي فَائِدَةً يَسْتَحِقُّ بِهَا المََبْلَغُ الذِي يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَوْ غَلَبَهُ، فَالأمْرُ فِي هَذِهِ الشَّرِكَاتِ وَمَنْ يَتَعَاقَدُ مَعَهَا كَذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّ الدَّفْعَ فِي القِمَارِ يَكُونُ مِنْ جَاِنبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الجَانِبُ المَغْلُوبُ فَالأمرُ هُنَا كَذِلَكَ.
следующие страницы →