← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وَفِي تَافِهَةَ الأَشْيَاءِ لِلضِّدِّ قَلَّدُوا ... وَفِي الدِّينِ وَالأَخْلاقِ صُفْرُ الْبَضَائِعِ فَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَمَا ... تُقَارِنُ فِي عَدْلٍ عَن الْجُورِ شَاسِعِ وَأَخْتمُ قَوْلِي حَوْلَ مَا قُلْتُ أَوَّلاً ... فَمَا فِي يَدِي حَوْلٌ وَلَسْتُ بِدَافِعِ سَلامٌ عَلَى مُعْفِي اللِّحَا كُلَّ مَا بَدَا ... لَنَا شَعْرُهَا مَا بَيْنَ سُودِ وَنَاصِعِ وَصلى إِلَهِي كُلَّ مَا ذَرَّ شَارِقٌ ... عَلَى أَحْمَدِ الْمُخْتَار جَمِّ الْمَنَافِعِ وبالتالي فلو لم يكن في حلقها إلا أنه اعتراض على حكمة الله حيث جعلها ميزة للرجل عن الأنثى ثانيًا: أن من نواقض الإسلام كراهة ما جاء عن الله أو عن رسوله ويخشى على حالقها من ذلك. ثالثًا: أن حلقها معصية لله ولرسوله لقوله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ وقد أمر الرسول بإعفائها. رابعًا: أن حلقها تمثيل بالشعر وتقدم حديث من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاقٌ. خامسًا: أنه تشبه باليهود. سادسًا: أنه تشبه بالنصارى. سابعًا: أنه تشبه بالمجوس. ثامنًا: أنه تشبه بالنساء. تاسعًا: أنه تشبه بالمرد. عاشرًا: أنه دليل على أن حالقها يميل إلى غير أمته. الحادي عشر: أن من حلقها أو قص منها لرضاء الزوجة أو الزملاء ملتمس رضا الناس بسخط الله لأن من عصى أمر الرسول ﷺ فقد عصى الله. اللهم ثبت وقوِّ محبتك في قلوبنا واشرح صدورنا ونورها بنور الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وألهمنا ذكرك وشكرك واجعلنا ممن يفوز بالنظر إلى وجهك في جنات النعيم يا حليم ويا كريم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة: عباد الله ما بال الكثير اليوم لا يسمعون، وإذا سمعوا لا ينتفعون، أفي آذانهم صمم، أم هم في الأمر متهاونون، ولأي شيء يجتمعون، ويقوم فيهم الخطباء المجيدون، والوعاظ المبلغون، ويذكرونهم أيام

стр. 2592

الله فلا يخشع الوعاظ ولا الموعوظون، ويرغبونهم في الخير فلا يسارعون، وينذرونهم عواقب السوء فلا يتأثرون ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لقد كان السلف الصالح إذا وعظوا تأثر المستمع لهم تأثرًا عظيمًا، وفارق ما عنده من المنكرات والمحرمات، وفارق من أصر عليها من أقاربه، وأولاده، وإخوانه، وآبائه، وجدد توبة نصوحًا، عما سلف له من الأعمال، التي لا يرتضيها الدين الإسلامي، فأين أولئك من هؤلاء الخلف، الذين ضيعوا تعاليم الدين الإسلامي، وضيعوا العمل به، وتركوا الانقياد لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، تأمل كيف ترى أكثرهم أضاعوا الصلاة، وعطلوا الأحكام، وتساهلوا بأمر الحرام، يمرون بالمساجد، وقت الصلاة، فلا يعيرونها أي اهتمام أما الملاهي والمنكرات فإليها يسرعون وعليها يعكفون وإلى ما فيها من الأغاني والمجون والسخف يتسابقون فإنا لله وإنا إليه راجعون، أين الخوف من الجبار، أين الحياء من فاطر الأرض والسماوات، أين المروءة والاعتصام بالقرآن، وما كان عليه آباؤكم وأجدادكم العباد الكرام، الذين كانت المساجد تغص بهم شيوخًا وشبانًا، وكانت تعج بأصواتهم تسبيحًا، وتحميدًا وتهليلاً، وتكبيرًا، واستغفارًا، وقرآنًا، وكانوا يؤمون المساجد قبل الآذان زرافات ووحدانا، ولا يتخلف منهم إلا معذور، إما مريض أو غائب، أو نحو ذلك، وكان المار ببيوتهم ليلاً يسمع زجل التسبيح، والتهليل والبكاء والأنين والتضرع إلى بديع السماوات والأرض، والإلحاح بدعائه، والالتجاء إليه والإنابة، عكس ما عليه هؤلاء الخلف، الذين صدق عليهم قول الله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ

стр. 2593

أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ الذين بحثت عنهم في الليل، وجدتهم حول الملاهي والمنكرات، متربعين أمام التلفزيون، وغناء المطربين، وإن بحثت عنهم في صلاة الفجر وجدتهم في فرشهم، إثر سهرهم حول تلك المنكرات، وإن بحثت عنهم وقت صلاة الظهر ففي شؤون الدنيا، وما يتعلق بها، وإن أردتهم في صلاة العصر، وجدت بعضهم عند الكورة، والبعض عند التلفزيون، والبعض عند المذياع، وأغانيه وملاهيه، وإن سألت عنهم وقت صلاة المغرب، وجدت بعضهم يمشي مترددًا، والبعض في الملعب، والبعض عند التلفزيون، أو المذياع، وأما العشاء الآخرة فتلك هم فيها أقسام أكثرهم حول التلفزيون أو في الأسواق، أو يلعبون ورقة، أو نحو ذلك من المنكرات وهكذا قتلوا أوقاتهم الثمينة، وضيعوها، وقضوا على مستقبلهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أعلم بما أراده بعباده، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ والحالة هذه مخيفة لذوي العقول، والفهوم، لاسيما وقد توالت أسباب الهناء والراحة، والسرور، والاطمئنان، وقد قيل إذا رأيت الله تعالى أنعم على عبدٍ وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه مستدرج وروى عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ » . وقال قتادة: ما أخذ الله قومًا إلا عند سكرتهم وغرتهم، ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. شِعْرًا: ... كُلُّ الْمَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الْفَتَى ... فَتَهُونُ غَيْرَ مُصِيبَةٍ فِي الدِّينِ

стр. 2594

وقال ابن الجوزي ﵀: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة. فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين عمله قرب الناهي وهو الله) . تَوَارَى بِجِدْرَانِ الْبُيُوتِ عَنِ الْوَرَى ... وَأَنْتَ بِعَيْنِ اللهِ لاشَكَّ تَنْظُرُ فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم وبكاء متواصل وأسف على ما كان مع طول الزمان. حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأفٍ للذنوب ما أقبح آثارهًا وأسوء أخبارها انتهى كلامه. أَمَا آنَ الرُّجُوعُ إِلَى الصَّفُوحِ ... عَن الزَّلاتِ وَالْفِعْلِ الْقَبِيحِ تُبَادِرُهُ بِقُبْحِ الْفِعْلِ سِرًّا ... وَلا تَخْشَاهُ بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ هَدَاكَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ... وَأَنْتَ ضَلَلْتَ عَنْ هَذَا الصَّحِيحِ وَفِي دُنْيَاكَ تُؤثرُ كُلَّ فَانٍ ... عَنِ الْبَاقِي الْمُعَزَّزِ وَالْمَلِيحِ آخر: ... يَا طَالِبَ الطِّبِّ مِنْ دَاءِ تَخَوَّفَهُ ... إِنَّ الطَّبيبَ الَّذِي أَبْلاكَ بِالدَّاءِ هُوَ الطَّبِيبُ الَّذِي يُرْجَى لِعَافِيَةٍ ... لا مَنْ يُذِيبُ لَكَ التِّرْيَاقَ بِالْمَاءِ اللهم يا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغفلة ونبهنًا لإغتنام أوقات المهلة ووفقنًا لصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عليه ضمائرنا واكنته سرائرنا من أنواع القبائح.

стр. 2595

والمعائب التي تعلمها منا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين فَصْلٌ في الحَثِّ عَلَى صِيَانَةِ الوَقْتِ وصرفه فيما فيه النفع من صلاة وزكاة وصيام وحج وتسبيح وتهليل وتكبير، وسائر أنواع القربات لله، التي هي عمارة بيته الذي سيسكنه طويلا. ومما يتأكد إجتنابه والتحذير منه في رمضان وغيره الجلوس في المجالس التي هي كفيلة بالخسران والندامة، كمجالس آلات اللهو من الاسطوانات والمذياع وأعظم من ذلك السينما والتلفزيون والفديو والكرة. أما المذياع فلأنه آلة لهو محرم، لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية وقد فسر لهو الحديث، كثير من السلف - من الصحابة والتابعين - بالغناء والمزامير، وفسره بعضهم بالأساطير والقصص من أخبار ملوك الأعاجم والروم، وبعضهم فسر لهو الحديث بكل باطل يلهي ويشغل عن الخير، فإن فسرت هذه الآية بالغناء والمزامير فهو رأس الملاهي كلها، وإن فسرت بما يجمع ذلك من كل باطل يلهي ويشغل عن الخير فهو الجامع لذلك، وفوق ذلك الوصف، ومن المعلوم لدى كل ذي عقل سليم منصف أن الراديو المقصود الأصلي منه اللهو والغناء، والاشغال عن طاعة الله. وفي المذياع يجمع بين كلام الله والغناء، وهذا من أعظم التنقص والامتهان لكتاب الله، ومن جهة أخرى فهو استهزاء واستخفاف بكتاب الله وقد قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ﴾ وعدم

стр. 2596

تنزيه كتاب الله عن مزامير الشيطان من أعظم الظلم وأقبحه، وأجور الجور وأشنعه وربما أغلق المذاع كراهة للقرآن وهذا ردة قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . قال ابن القيم ﵀ في كتابه إغاثة اللهفان: وأما سماعه أي الغناء، من المرأة الأجنبية أو الأمرد، فمن أعظم المحرمات، وأشدها فسادًا للدين. قال الشافعي ﵀: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعهم فهو سفيه، ترد شهادته، وغلظ القول فيه، وقال: هو دياثة، فمن فعل ذلك كان ديوثًا. قال القاضي أبو الطيب: وإنما جعل صاحبها سفيهًا لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيهًا فاسقًا. قلت: فكيف لو رأى الراديو، وما يأتي من الخلاعة والغناء، والمنكرات العظيمة، التي أنبتت النفاق، ومكنته من قلوب الأولاد والشباب والكهول والشيوخ، إلا من عصمه الله، وكذلك لو رأى التلفزيون أو السينما أو المجلات الخليعة، وما في ذلك من المفاسد والصور والمنكرات والشرور والخلاعات فيالله للمسلمين. وقال: كان الشافعي يكره التغبير، وهو الطقطقة بالقضيب، ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن. قال: وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام، ومستمعه فاسق. قال ابن القيم: وأما تسميته رُقَيَّةَ الزنا: أي الغناء فهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق فليس في رُقْيه الزنا أنجع منه، وهذه التسميه معروفة عن الفضيل بن عياض، قال إبراهيم بن محمد المروزي، عن

стр. 2597

أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد: يا بني أمية إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وأنه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم ولا بد فاعلون فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا. قال: وأخبرني محمد بن الفضل الأزدي قال: نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جن الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني. فقال: وما تكره من ذلك؟ فقال: إن الغناء من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعني ابنته فإن كففته وإلا خرجت عنك، ثم ذكر عن خالد بن عبد الرحمن، قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك، فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة، فجيء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة، وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس لينب فتستخرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم قال: اخصوهم. فقال عمر بن عبد العزيز: هذا مثلة فلا يحل فخلى سبيلهم. فإذا كان الشاعر المفتوق اللسان، الذي هابت العرب هجاءه، خاف عاقبة الغناء، وأن تصل رقيته إلى حرمته، فما الظن بغيره، ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب. ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه، ومن الأمر المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استعصت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدًا، فإذا كان الصوت بالغناء كان انفعالها من وجهين، من جهة الصوت، ومن جهة معناه، ولهذا قال

стр. 2598

النبي ﷺ لأنجشة حاديه: «يا أنجشة رويدك رفقًا بالقوارير» . يعني النساء، فإذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابه والرقص بالتخنث والتكسر فلو حبلت المرأة من غناء حبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبدًا للصبيان والصبايا، وكم من غيور تبدل به اسمًا قبيحًا بين البرايا، وكم من ذي غنىً وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد وحلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف من أشجانٍ وأحزانٍ، فلم يجد بدًا من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبأ لأهله من الآم منتظره، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة. قال: وأما تسميته منبت النفاق فعن ابن مسعود قال: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الأيمان في القلب، كما ينبت الماء الزرع، فإن قيل: فما وجه انباته للنفاق من بين سائر المعاصي؟ قيل: هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها، فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مزمنة لم تكن في السلف، والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوي مادة

стр. 2599

المرض فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرق والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يطب الناس. وقال: فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلوب بالنفاق ونباته كنبات الزرع بالماء، فمن خواصه أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره، والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا، لما بينهما من التضاد فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة ومجانبة شهوات النفس وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله ويحسنه، ويهيج النفوس إلى شهوات الغي، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعَا لبان وفي تهييجها علي القبائح كفرسَى رهان، فإنه صنو الخمر ورضيعه، ونائبه وحليفه، وحديثه وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقد الإخاء الذي لا يفسخ. وهو جاسوس القلوب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلوب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخييل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة، فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار، وبهاء العقل، وبهجة الأيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا سمع الغناء ومال إليه، نقص عقله، وقل حياؤه وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله إيمانه، وثقل عليه قرآنه، وقال: يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ونسألك قلبا سليمًا ولسانًا صادقًا ونسألك من خير ما

стр. 2600

تعلم ونعوذ بك من شر ما تعلم ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب. ولله أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. من النونية في سماع أهل الجنة. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيُرْسَلُ رَبُّنَا ... ???? ... رِيحًا تَهُزُّ ذَوَائِبَ الأَغْصَانِ ... ???? ... فَتَثِيرُ أَصْوَاتًا تَلَذُّ لِمَسْمَعِ الْـ ... ???? ... إِنْسَانِ كَالنَّغَمَاتِ بِالأَوْزَانِ ... ???? ... يَا لَذَّةَ الأَسْمَاعِ لا تَتَعَوَّضِي بِلَذَاذَةِ الأَوْتَارِ وَالْعِيدَانِ ... ???? ... أَوَ مَا سَمِعْتَ سَمَاعَهُمْ فِيهَا غِنَا ... ???? ... ءَ الْحُورِ بِالأَصْوَاتِ وَالأَلْحَانِ ... ???? ... وَاهًا لِذَيَّاكَ السَّمَاعِ فَإِنَّهُ ... ???? ... مُلِئَتْ بِهِ الأَذَانِ بِالإِحْسَانِ ... ???? ... وَاهًا لِذَيَّاكَ السَّمَاعِ وَطِيبِهِ ... ???? ... مِنْ مِثْلِ أَقْمَارٍ عَلَى أَغْصَانِ ... ???? ... وَاهًا لِذَيَّاكَ السَّمَاعِ فَكَمْ بِهِ ... ???? ... لِلْقَلْبِ مِنْ طَرَبٍ وَمِنْ أَشْجَانِ ... ???? ... وَاهًا لِذَيَّاكَ السَّمَاعِ وَلَمْ أَقُلْ ... ???? ... ذَيَّاكَ تَصْغِيرًا لَهُ بِلِسَانِ ... ???? ... مَا ظَنَّ سَامِعَهُ بِصَوْتٍ أَطْيَبَ الْـ ... ???? ... أَصْوَاتِ مِنْ حُورِ الْجِنَانِ حِسَانِ ... ???? ... نَحْنُ النَّوَاعِمُ وَالْخَوَالِدُ خَيِّرَا ... ???? ... تٌ كَامِلاتٌ الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ ... >? ... ????ج

стр. 2601

جج ... لَسْنَا نَمُوتُ وَلا نَخَافُ وَمَالَنَا ... ???? ... سَخَطٌ وَلا ضَعَنٌ مِنَ الأَضْعَانِ ... ???? ... طُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَكَذَاكَ طُو ... ???? ... بَى لِلَّذِي هُوَ حَظُنَا لَفْظَانِ ... ???? ... نَزِهْ سَمَاعَكَ إِنْ أَرَدْتَ سَمَاعَ ... ???? ... ذَيَّاكَ الْغِنَا عَنْ هَذِهِ الأَلْحَانِ ... ???? ... لا تُؤْثِر الأَدْنَى عَلَى الأَعْلَى فَتُحْـ ... ???? ... رَمَ ذَا وَذَا يَا ذِلَّةَ الْحِرْمَانِ ... ???? ... إِنَّ اخْتِيَارَكَ لِلسَّمَاعِ النَّازِلِ الْـ ... ???? ... أَدْنَى عَلَى الأَعْلَى مِن النُّقْصَانِ ... ???? ... وَاللهِ إِنَّ سَمَاعَهم فِي الْقَلْبِ وَالْـ ... ???? ... إِيمَانِ مِثْلُ السُّمِّ فِي الأَبْدَانِ ... ???? ... وَاللهِ مَا أَنْفَكَ الَّذِي هُوَ دَأْبُهُ ... ???? ... أَبَدًا مِن الإِشْرَاكِ بِالرَّحْمَنِ ... ???? ... فَالْقَلْبُ بَيْتُ اللهِ ﷻ ... ???? ... حُبًّا وَإِخْلاصًا مَعَ الإِحْسَانِ ... ???? ... فَإِذَا تَعَلَّقَ بِالسَّمَاعِ أَصَارَهُ ... ???? ... عَبْدًا لِكُلِّ فُلانَةٍ وَفُلانِ ... ???? ... حُبُّ الْكِتَابِ وَحُبُّ أَلْحَانِ الْغِنَا ... ???? ... فِي قَلْبِ عَبْدٍ لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ ... ???? ... ثَقُلُ الْكِتَابُ عَلَيْهِمُوا لَمَّا رَأَوْا ... ???? ... تَقْيِيدَهُ بِشَرَائِعِ الإِيمَانِ ... >? ... ????

стр. 2602

.. وَاللَّهُوُ خَفَّ عَلَيْهِمْ لَمَّا رَأَوْا ... ???? ... مَا فِيهِ مِنْ طَرَبٍ وَمِنْ أَلْحَانِ ... ???? ... قُوتُ النُّفُوسِ وَإِنَّمَا الْقُرْآنُ قُوتُ ... ???? ... الْقَلْبِ أَنَّى يَسْتَوِي الْقُوتَانِ ... ???? ... وَلِذَا تَرَاهُ حَظُّ ذِي النُّقْصَانِ كَالْـ ... ???? ... جُهَّالِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ ... ???? ... وَأَلذُهُمْ فِيهِ أَقَلُّهُمْ مِنْ الْـ ... ???? ... مَقْلِ الصَّحِيحِ فَسَلْ أَخَا الْعُرْفَانِ ... ???? ... يَا لَذَّةَ الْفُسَّاقِ لَسْتَ كَلَذَّةِ الْـ ... أَبْرَارِ فِي عَقْلٍ وَلا قُرْآنِ نسأل الله أن يلهمنَا رشدنَا ويبصرنَا بعيوب أنفسنَا ويشغلنا بإصلاحها ويوفقنا لقبول نصح الناصح وإرشاد المرشد. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم. موعظة عباد الله اعتاد الناس أن من طلب شيئًا من نفائس الدنيا لا يهدأ ولا ينام، بل يسعى للوصول إليه، ليله، ونهاره، سعي النشيط الهمام، وكلما سد في وجهة باب، قرع بابًا آخر، وإن تعدد الأبواب، كما هو دأب الحريص المقدام، وكلما نظر إلى قدر ما يطلب هان عليه السعي، وما يلقاه من مصاعب والآم والعجيب أنه لا يمل ولا يسأم، وإن واصل السعي سنين، وأعجب من ذا أنه لا ينثني عن مطلوبه، وإن مس شرفه وأهين، وإن استصعب عليه الوصول استعان بذوي الوجاهة المحترمين، ولا يزال هذا يواصل السعي حتى يصل مبتهجًا إلى ماله من مرام أنت تطلب الجنة يا هذا ولا نفيس أنفس منها لإنها لا تفنى ولا تبيد، ولأن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك

стр. 2603

دون أي تقييد، ولأنك خالد فيها أبدًا دون أن يكدر، بأي مكدر، ذلك العيش الرغيد فهل شمرت عن ساق وسعيت للوصول إليها، كما تسعي فقط لذلك الفاني من الحطام، المشاهد أنك لا تسعي لتلك الجنة ولا يخطر لك السعي إليها علي بال، ولو أنك ساويتها في السعي إليها بأي مطلوب دنيوي لكنت من عظماء الرجال، ولكن يا للأسف لم يكن من ذلك شيء، والسعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بصالحات الأعمال، وهل تزهدت أنت في شيء كما تزهدت في تلك الأعمال الفخام، ولذلك أجري الله العادة أن من خاف شيئا من مؤلمات الدنيا يبعد عنه ويفر، وكل الفرار، ويذهب هدوئه وطمأنينته، وربما ذهب نومه اضطرارا لا اختيارا ولا يطمئن بعض الاطمئنان إلا إذا احترس منه بكل ما يقدر عليه من أعوان، وأنصار، يفعل كل ذلك لئلا يصل إليه من الأذى ما يكدر عليه حياته وصفوها جهنم يا هذا اعظم مخوف فهل عملت الاحتياط لها كما تحتاط لمخوفات هذه الدار. الذي يتبادر منك ويظهر أن إيمانك بها ضعيف وأنك لم تعمل أي احتياط لها، فلو كان إيمانك قوي في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ لسعيت جهدك في الأعمال الصالحات، التي تحول بينك وبينها ولأزعجك وأقلقك ولم تهنأ بنوم ولا طعام وشراب، وأمامك تلك العقبات، شِعْرًا: ... وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهِيَ قَرِيرَةٌ ... وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَكَانِينِ تَنْزِلُ آخر: ... تَذَكَّرْتُ أَيَّامِي وَمَا كَانَ فِي الصَّبَا ... مِنْ الذَّنْبِ وَالْعِصْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْجَفَا وَكَيْفَ قَطَعْتُ الْعُمْرَ سَهْوًا وَغَفْلَةً ... فَأَسْكَبْتُ دَمْعِي حَسْرَةً وَتَلَهُّفَا وَنَادَيْتُ مَنْ لا يَعْلَمُ السِّرَّ غَيْرُهُ ... وَمِنْ وَعْدِ الْغُفْرَانِ مَنْ كَانَ قَدْ جَفَا

стр. 2604

وَتَابَ إليه مِنْ ... كِبَارِ ... ذُنُوبِهِ ... فَجَادَ ... عَلَيْهِ ... بِالْجَمِيلِ تَعَطُّفَا أَغِثْنِي إِلَهِي وَاعْفُ عَنِّي فَإِنَّنِي ... أَتَيْتُ كَئِيبًا نَادِمًا مُتَلَهِّفَا وَخُذْ بِيَدِي مِنْ ظُلْمَةِ الذَّنْبِ سَيِّدِي ... وَجُدْ لِي بِمَا أَرْجُوهُ مِنْكَ تَلَطُّفَا اللهم وفقنا لاتباع الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والشقا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقال بعض العارفين: السماع يورث النفاق في قوم، والتكذيب في قوم، والفجور في قوم، والرعونة في قوم، واكثر ما يورث عشق الصور، واستحسان الفواحش، وإدمانه يثقل القرآن على القلب، ويكرهه إلى سماعه بالخاصة، وإن لم يكن هذا نفاقًا فما للنفاق حقيقة، وسر المسألة أنه قرآن الشيطان كما سيأتي، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدًا، وأيضًا فإن أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن، وصاحب الغناء بين أمرين: إما أن يتهتك فيكون فاجرًا، أو يظهر النسك فيكون منافقًا، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات، ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو، وما يدعو إليه الغناء ويهيجه، فقلبه بذلك مغمور، وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر وهذا محض النفاق. وأيضًا فإن الإيمان قول وعمل، قول الحق وعمل بالطاعة وهذا ينبت علي الذكر وتلاوة القرآن، والنفاق قول الباطل وعمل الغي، وهذا ينبت على الغناء، وأيضًا فمن علامات النفاق قلة ذكر الله، والكسل عند القيام إلى الصلاة، وقل أن تجد مفتونًا بالغناء إلا وهذا وصفه، وأيضًا فإن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فإنه

стр. 2605

يحسن القبيح ويزينه ويأمر به، ويقبح الحسن ويزهد فيه، وذلك عين النفاق وأيضًا فإن النفاق غش ومكر وخداع، والغناء مؤسس على ذلك، وأيضًا فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله، من حيث يظن أنه يصلحه، والمغني يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات قال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي، التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني، واللهج بها، ينبت النفاق في القلب، كما ينبت العشب على الماء، فالغناء يفسد القلب، وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق. قال: وأما تسميته قرآن الشيطان. فمأثور عن التابعين. وعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال: «إن إبليس لما أنزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيمًا، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمام. قال: فاجعل لي مجلسًا. قال: الأسواق ومجامع الطرق. قال: فاجعل لي طعامًا. قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فاجعل لي شرابًا. قال: كل مسكرٍ. قال: اجعل لي مؤذنًا. قال: المزمار. قال: اجعل لي قرآنًا. قال: الشعر. قال: فاجعل لي كتابًا. قال: الوشم. قال: اجعل لي حديثًا. قال: الكذب. قال: اجعل لي رسلاً. قال: الكهنة. قال: اجعل لي مصائد، قال: النساء» . اللهم خفف عنا الأوزار وارزقنا عيشة الأبرار واصرف عنا شر الأشرار وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار يا عزيز يا غفار ويا كريم ويا ستار

стр. 2606

ويا حليم ويا جبار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين شِعْرًا: ... قَدْ أَشْرَقَتْ (رَايَةُ الإِسْلامِ) وَالأَدَبِ ... فَحَيِّهَا مُعْلِنًا بِالشِّعْرِ وَالْخَطَبِ وَاهْجُرْ سَبِيلَ الأوُلَى جَادُوا بِشِعْرِهِمْ ... لِمَنْزِلٍ دَارَسِ الإطلالِ مِنُ نُوَبِ يُشْجِيهِمْ ذِكْرُ آرَام نَعِمْنَ بِهِ ... تَسُومُ بِنْتُ الرُّبَى فِي مَأْمَنَ خَصَبِ وَذِكْرُ عَيْنٍ لَهَا فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَةُ ... تَلْقَى قُلُوب أُولِي الأَحْلامِ فِي كُرَبِ كَمِثْلِ رِيمِ يَمِينِ الرَّنْدِ قَدْ عَرَضَتْ ... أَلْقَتَ إِليَّ سِهَامَ الْحُزْنِ وَالشَّجَبِ عِينُ الْمَهَاةِ رَمَتنِي وَهِيَ مُعْرِضَةُ ... فَصِرْتُ ذَا حَيْرَةِ فِي كَفِّ مُسْتَلِبِ لَمَّا تَوَلَّتْ بِقَلْبِي قُلْتَ وَآسَفِي ... هَلْ مِنْ جَنَاحٍ فَأقْفُو مُنْتَهَى طَلَبِي؟ لَوْلا التَّجَلُّدُ مَا أَمْسَيْتُ فِي سَكَنٍ ... وَكُنْتُ فِي الْبَيْدِ بَيْنَ الْوَحْشِ لَمْ أَثْبِ لَعَلَّ رِيحُ الصِّبَا تَأْتِي بِرَائِحَةِ ... مِنْ نَفْجِ عَنْبَرِهَا يَشْفِي لِذِي الْوَصَبِ مَا كُنْتُ أَعْرِفُ قَبْلَ إليوْمِ مَا وَصَفَتْ ... أَهْلُ النَّسِيبِ مِنَ الأَشْجَانِ وَالْكَأَبِ لَمَا بُلِيتُ أَقَمْتُ الْعُذْرَ دُونَهُمْ ... عُذْرَ الْخَبِيرِ بِسَهْمِ الْفَاتِكِ الأَرَبِ فَلَيْتَ ذَا الْعَقْلِ يَرْثِي لِي وَيَعْذُرُنِي ... وَلَيْتَ أَهْلُ النُّهَى وَالدِّينِ وَالأَدَبِ إِذْ يَعْذِلُونُ لِصَبٍ يَأْتِ مُكْتَئِبًا ... يَلْقَوْنَ مِثْلَ الَّذِي أَلْقَى مِن النَّصَبِ أَوْ يَرْجِعُونَ إِلَى نُصْحٍ وَمَوْعِظَةٍ ... مِنَ الْكِتَابِ وَتَذْكِيرٍ بِهَدْي نَبِي كَيْمَا يَكُونُ مَرِيضٌ الْقَلْبِ مِنْ سَفَهٍ ... أَوْ غَفْلَةٍ بَيْنَ خَوْفِ اللهِ وَالرَّغَبِ نِعْمَ الشِّفَاءُ كِتَابُ اللهِ مَعَ سُنَنِ ... كَمْ أَبْرَءَآ دَنِفِ التَّشْكِيكِ وَالرِّيبِ فَأَدْمِنَ الْوَعْظَ وَالإِرْشَادِ مُجْتَهِدًا ... وَانْشُرْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ فِي دَأَبِ أَمَا تَرَى النَّشْءَ قَدْ حَادَتْ رَكَائِبَهُمْ ... عَنِ التَّقَدُّمِ لِلْعَالي مِنَ الرُّتَبِ؟ وَغَرَّهُمْ صَوْتُ مِذْيَاعٍ قَدْ امْتَلأَتْ ... مِنْهُ الْمَسَامِعُ فِي تَمْجِيدِ كُلَّ غَبِي؟ بَثُوا الدِّعَايَةَ لِلدُّنْيَا وَزُخْرَفِهَا ... وَلِلتَّنَافُس بِالأَمْوَالِ وَالنَّشَبِ وَضَلَّلُوا النَّشْء بِالآرَاءِ خَادِعَةٌ ... وَضَيَّعُوا الْوَقْتَ فِي مَلْهَى وَفِي طَرَبِ

стр. 2607

وَلَقَّبُوا الْحَقَّ الْقَابًا مُشَوَّهَةً ... لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ باللَّقَبِ وَحَارَبُوا الدِّينَ وَالأَخْلاقَ جُهْدَهُمُ ... يَا بِئْسَ مَا وُعِدُوا فِي شَرِ مُنْقَلَبِ وَحَسَّنُو السُّبُلَ اللآتِي يَهِيمُ بِهَا ... قَوْمُ يَرَوْنَ الْعُلَى بِالْمِقْول الذَّرِبِ مَا الْعِلْمُ سَبْكٌ وَتَنْمِيقٌ وَشَقْشَقَةُ ... مِنْ دُونِ نُورٍ مِنَ الْوَحْيَيْن مُصْطَحِبِ أَغَايَةَ الْعِزِّ أَنْ تَقْلُوا مَبَادِئَكَمْ؟ ... وَتَتْرُكُوا مَجْدَكُمْ نَهْبًا لِمُنْتَهَبِ؟ وَهَلْ يُعدُ عَزِيزًا مِنْ نِهَايَتُهُ؟ ... قَعْرُ الْجَحِيمِ مَعَ الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ؟ وَكَمْ غَبِيٍ يَرَى الإِسْلامَ أَخَرَّنَا! ... وَالْكَفَرَ قَدّمِ أَهْلَ الْغَرْبِ وَالْعَجَمِي يَرَى التَّقَدمُ فِي تَرْكِ التَّدَيُّنَ لَمْ ... يَنْظُرْ لِصَفْوَتِنَا فِي سَالِف الْحُقُبِ لِذَاكَ عَابَ عَلَى الإِسْلامِ يَهْدِمُهُ ... بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّعْظِيمِ لِلصُّلْبِ مِثْلُ الْغُرَابِ الَّذِي يَهْوَى وَيَعْجُبُه ... مَشْيُ الْحَمَامَةِ فِي حُسْنٍ وَفِي خَبَبِ فَحَاوِلْ الْغُمْرُ أَنْ يَحْكِي لِمَشْيَتِهَا ... فَضَلّ مِشْيَتَهُ الأُولَى وَلَمْ يُصِبِ (لا تَظْلِمُوا الدِّينَ إِذْ كَلَّتْ عَزَائِمِكم) ... وَتَلَصَّقُوا كُلَّ عَيْبٍ فِيهِ بِالْكَذِبِ! تَعَلُّمُ الطِّبِ لَيْسَ الشَّرْعَ يَمْنَعُهُ ... وَلا الصَّنَائِعُ فِي نَفْعٍ لِمُكْتَسِبِ وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّرْعُ الأُمُورَ إِذَا ... أَدَّتْ لِمَعْصِيَةِ تُلْقِيكَ فِي الْعَطَبِ بَلْ جَاءَنَا النَّصُّ فِي إِعْدَادِ قُوتِنَا ... كَيْمَا يَكُونُ عَدُو الدِّينِ فِي رَهَبِ! وَمَنْ أَرَادَ رُقِيًّا أَوْ مُغَالَبَةً ... مِن دُونِ دِينٍ فَمَا أَوْهَاهُ مِنْ سَبَبِ مَهْلاً بَنِي يَعْربٍ لا تَخْلدُوا كَسَلاً ... وَشَجِّعُوا النَّشْءَ مِنْ أَبْنَائِنَا النُّجُبِ عَلَى اقْتِحَامِ الْعُلَى فِي كُلِّ آوِنَةٍ ... وَحَاذِرُوا سَكْرَةَ اللَّذَاتِ وَاللَّعِبِ كَيْمَا تَعُودُ إِلَى الإِسْلامِ عِزَّتُهُ! ... وَيَصْبَحُ الْجَهْلُ وَالْكُفْرَانُ فِي نَصَبِ أَفِتْيَةُ الدِّينِ وَالْعِلْمِ الصَّحِيحِ لَكُمْ ... مَنَاهِلُ عَذُبَتْ أَحْلَى مِن الضَّرْبِ وَطَالِبُ الْعِلْمِ مَأْمُولٌ لَهُ أَبَدًا ... مُسْتَقْبَلٌ شَامِخٌ أَعْلَى مِن الشُّهُبِ وَالْمَجْدُ وَالْعِلْمُ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ ... لَكِنَّمَا الْعِلْمُ لا يُجْنَى بِلا تَعَبِ يَا فِتْيَةِ الضَّادِ إِنَّ الْعِزَّ أَجْمَعُهُ ... فِي الدِّينِ وَالْخُلُقِ الْمَمْدُوحِ فِي الْكُتُبِِ

стр. 2608

مَا بَارَزَ الْمُصْطَفَى قَوْمًا بِعِدَّتِهِ ... وَلا الْعَدِيدِ وَلَكِنْ صِدْقُ مُحْتَسَبِ وَلا الصَّحَابَةُ مَنْ خَافَتْ جُمُوعُهُمُ ... أَهْلُ الْبَسِيطَةِ مِنْ نَاءٍ وَمُقْتَرِبِ هُمْ دَوَّخُوا كُلَّ جَبَّارٍ وَذِي أَشَرَ ... بِعَزمَةِ الصِّدْقِ ثُمَّ الْعَزْمُ بِالْقُضُبِ تِلْكَ الْغَطَارِفَةُ الأَمْجَادِ لَمْ يَهِنُوا ... يَوْمًا عَلَى شِدَّةِ الضَّرَاءِ وَالسَّغَبِ حَدَاهُمْ الشَّوْقُ لِلْمَوْعُودِ فِي زَبُرُ ... حَتَّى اسْتَوَوْا فَوْقَ مَتْنِ الْعِزِّ بِالْغَلَبِ وَأَنْزَلُوا الْفُرْسَ عَنْ دِيوَانِ مَمْلَكَةٍ ... مَنِيعَةٍ شَمَخَتِ عَنْ كُلَّ مُغْتَصِبِ وَلَمْ يَعُدْ مَجْدُهَا مِن بَعْدِهِمْ أَبَدَا ... وَكَانَتْ الْفُرْسُ تَحْتَ الذُّلِّ لِلْعَرَبِ وَقَيْصَرُ قَصَّرَتْ أَيَّامَهُ وَغَدَا ... تَحْتَ السَّنَابِكِ فِي وَيْلٍ وَفِي حَرَبِ أَمَا سَمِعْتَ بِجُنْدِ اللهِ كَمْ نَصَرُوا؟ ... وَمَزَّقُوا الرُّومَ بِالْحَمَلاتَ وَالرُّعُبِ؟ وَفِي (الأَبِلَّةِ) وَ (الْيَرْمُوكَ) مَا فَعَلُوا ... وَ (الْقَادِسِيَّةِ) يَوْمَ الْجَحْفَل اللَّجِبِ وَكَمْ بِأَنْدَلسٍ مِنْ وَقْعَةٍ عَظُمَتْ ... فَنَالَتِ الْعُرْبُ فِيهَا مُنْتَهَى الأَرَبِ وَأَصْبَحَ الْحَقُّ فِي الآفَاقِ مُنْبَعِثًا! ... كَالشَّمْسِ لَكِنَّهُ أَبْهَى وَلَمْ يَغِبِ ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى أَزْكَى الْوَرَى شَرَفًا ... أَكْرِمْ بِهِ خَيْرَ مَبْعُوثٍ وَمُنْتَخَبِ! عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح العمل وهدانا بفضله اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فَصْلٌ: وأما تسميته بالصوت الأحمق والصوت الفاجر، فهي تسمية الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى، فروى الترمذي من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ مع عبد الرحمن بن عوف إلى النخل، فإذا ابنه إبراهيم يجود بنفسه، فوضعه في حجره ففاضت عيناه، فقال

стр. 2609

عبد الرحمن: أتبكي وأنت تنهى الناس؟ قال: «إني لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، وخمش وجوه، وشق جيوب، ورنة، وهذه رحمة، ومن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنًا هو أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. فانظر إلى هذا النهي المؤكد بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق، ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وأما تسميته صوت الشيطان فقد قال تعالى للشيطان وجز به ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ عن ابن عباس ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ كل داع إلى معصية، ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية، ولهذا فسر صوت الشيطان به انتهى بتصرف يسير) إنتبه وألق سمعك وحضر قلبك لكلام شيخ الإسلام. وقال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها، كما قال ابن مسعود ﵁ ويروى مرفوعا: «إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته، وأن مأدبة الله هي القرآن» . ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر حتى لا يأكله - إن أكل منه - إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قَلَّتْ رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه به، ويكمل إسلامه.

стр. 2610

ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها، لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظائر هذه كثيرة. ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها، لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافًا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفًا، بل لا بد أن توجب له فسادًا في قلبه ودينه، ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه، إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه، ولهذا قال النبي ﷺ في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرًا منهما» . فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعًا من الاغتذاء، أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة الشرعية، فتفسد عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع. أ. هـ. قلت: لله دره من إمام ما أعمله وأبصره بأمراض القلوب وعلاجها فتدبر كلامه ﵀ بحضور قلب لعل الله ينفعك به. والله أعلم. اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان ووفقنا لصالح الأعمال، اللهم تفضل علينا بالقبول والإجابة وارزقنا صدق التوبة وحسن الإنابة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 2611

اللهم اعتقنا من رق الذنوب، وخلصنا من شر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) ومن الأدلة على تحريم الغناء ما روى سعيد بن أبي زيد عن أخيه عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن باسط عن عائشة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم المغنية وبيعها، وثمنها وتعليمها والاستماع إليها» . وروى لاحق بن حسين بن عمر أن ابن أبي الورد المقدسي قال: حدثنا أبو المرجي ضرار بن علي بن عمير القاضي الجيلاني حدثنا أحمد بن سعيد عن محمد بن كثير الحمصي حدثنا فرج ابن فضالة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن الحنفية عن علي ابن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا علمت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، إذا كان المال دولاً، والأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، ولبس الحرير، واتخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليتوقعوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا وخفسًا وعن معاوية أن رسول الله ﷺ : «نهى عن تسع، وأنا أنهاكم عنهن، ألا إن منهن الغناء والنوح والتصاوير» . الحديث. وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل تعليم

стр. 2612

المغنيات، ولا شراؤهن ولا يبعهن، ولا اتخاذهن، وثمنهن حرام، وقد أنزل الله ذلك في كتابه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الآية والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما صدره وظهره حتى يسكت» . وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله حرم تعليم المغنيات، وشراءهن وبيعهن، وأكل أثمانهن» . وذكر البخاري عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» . وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «من جلس إلى قينة، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة» . وعن ابن عباس في قول الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: الغناء. وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، تضرب على رؤوسهم المعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض» . قال حذيفة بن إليمان ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تعرض الفتن على القلوب، كعرض، الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين أسود مربدًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض» . قال ابن

стр. 2613

القيم: فشبه عرض الفتن على ما القلوب شيئًا فشيئًا كعرض عيدان الحصير وهي طاقاتها شيئًا فشيئًا، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء، كما يشرب الأسفنج الماء، فتنكتت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه، حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله: «كالكوز مجخيا» . أي منكوسا. فإذا اسود وانتكس، عرض له من هذين الآفتين خطران متراميان به إلى الهلاك، أحدهما اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا وربما استحكم عليه هذا المرض، حتى يعتقد المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والحق باطلاً، والباطل حقًا. الثاني تحكيمه هواه على ما جاءه به الرسول ﷺ ، وانقياده للهوى واتباعه له. وقلب أبيض، قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر مصابحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نوره وإشراقه وقوته، والفتنة التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. أ. هـ. والله أعلم. وصلى على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) فالقلوب نوعان قلب إذا عرضت عليه الفتنة أشربها وأحبها ومال

стр. 2614

إليها وأيدها، وقلب ينكرها وينفر منها ويحذر عنها، فذلك القلب الأبيض الذي أشرق بنور الإيمان، وهو معنى ما تقدم في حديث حذيفة، وقال أيضًا: ومن حيل الشيطان ومكائده الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونحاتة الأفكار، والزبد الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تعدل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، وقد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانت عليها غيوم الخيالات، فمركبها القيل والقال، والشك والتشكيك، وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يعول عليه، ولا معتقد مطابق للحق يرجع إليه ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ وقد اتخذ لذلك القرآن مهجورًا. ومما ورد في النهي عما يلهو به الرجل إلا ما استثنِيَ ما ورد عن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلا رميه بقوسه وتأدبيه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق» . ففي الحديث دليل على أن كل ما يلهو به الإنسان فهو باطل، أي محرم ممنوع ما عدا هذه الثلاث التي استثناها رسول ﷺ ، فإنهن من الحق أو وسيلة إلى الحق. وقال شيخ الإسلام ﵀ في الكلام علي حديث عقبة: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل» . الحديث ما معناه: الباطل ضد الحق فكل ما لم يكن حقًا، أو وسيلة إليه، ولم يكن نافعًا فإنه باطل مشغل للوقت، مفوت على الإنسان ما ينفعه في دينه ودنياه، فيستحيل على الشرع إباحة مثل هذا. أ. هـ. اللهم اكتب في قلوبنا الإيمان وأيدنا بنور منك يا نور السماوات والأرض اللهم وافتح لدعائنا باب القبول والإجابة واغفر لنا وارحمنا

стр. 2615

برحمتك الواسعة إنك أنت الغفور الرحيم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. فصل: وقال ابن القيم ﵀: إذا أشكل حكم شيء هل هو للإباحة أو للتحريم؟ فلينظر إلى مفسدته، وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي ولاسيما إذا كان مفضيًا إلى ما يغضب الله ورسوله وقال إلى شيخ الإسلام: لا يجوز اللعب بالطاب والمنقلة، وكل ما أفضى كثيره إلى حرمه، وإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، لأنه يكون سببًا للشر والفساد، وما ألهى أو شغل عن ما أمر الله به فهو منهي عنه، وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة، وسائر ما يلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به على حق شرعي، فكل ذلك حرام. أ. هـ. وكذا ينبغي أن يحذر مما يعوق سيره إلى الله والدار الآخرة، كالمطالعة في المجلات والصحف، والكتب التي لا يعود على صاحبها منها إلا الضرر، وضياع عمره الذي هو رأس ماله فيها قال بعضهم: آخر: ... إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرُكَ فَاحْتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ وَاجِبِ آخر: ... وَأَسْوَأَ النَّاسِ تَدْبِيرًا لِعَاقِبَةٍ ... مَنْ أَنْفَقَ الْعُمْرَ فِيمَا لَيْسَ يَنْفَعُهُ وسوف يسأل الإنسان عما أفناه فيه. فقد قال رسول ﷺ : «لا تزول قدمَا ابن ادم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل بما علم» . فالعاقل من كان ملء قلبه، ومالك لبه قوله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ فسارع في الخيرات وبادر بالأعمال الصالحات، عاملا بقوله ﷺ : «بادروا بالأعمال سبعًا هل تنتظرن إلا فقرًا منسيًا أو غنىً مطغيًا،

стр. 2616

أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» . رواه الترمذي. شِعْرًا: ... نَخْطُوا وَمَا خَطْوُنَا إِلا إِلَى الأَجَلِ وَنَنْقَضِي وَكَأنَّ الْعُمْرَ لَمْ يَطُلِ وَالْعَيْشُ يُؤْذِنُنَا بِالْمَوْتِ أَوَّلُهُ وَنَحْنُ نَرْغَبُ فِي الأَيَّامِ وَالدُّوَلِ يَأْتِي الْحِمَامُ فَيُنْسِي الْمَرْءَ مُنْيَتَهُ وَأَعْضَلُ الدَّاءِ مَا يُلْهِي عَنْ الأَمَلِ ... >? آخر: ... تُرْخِي النَّوَائِبُ عَنْ أَعْمَرِنَا طَرَفًا ... وَنَسْتَقِرُّ وَقَدْ أَمَسْكَنَ بِالطُّولِ لا تَحْسَبِ الْعَيْشَ ذَا طُولٍ فَتَتْبَعُهُ ... يَا قُرْبَ مَا بَيْنَ عُنْقِ الْمَرْءِ وَالْكَفَلِ سَلَّى عَنْ الْعَيْشِ أَنَّا لا نَدُومُ لَهُ ... وَهَوَّنَ الْمَوْتَ مَا نَلْقَى مِنْ الْعَلَلِ لَنَا بِمَا يَنْقَضِي مِنْ عُمْرِنَا شُغُلٌ ... وَكُلُّنَا عَلِقُ الأَحْشَاءِ بِالْغَزَلِ وَنَسْتَلِذُّ الأَمَانِي وَهِيَ مُرْدِيَةٌ ... كَشَارِبِ السُّمّ مَمْزُوجًا مَعَ الْعَسَلِ مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ مَسَرَّةٍ ... فَتَخَوَّفوا مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا بَيْنَا الْفَتَى فِيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ ... وَبِمَاله يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا حَتَّى سَقَتْهُ مِنْ الْمَنِيَّةِ شَرْبَةً ... وَحَمَتْهُ فِيهِ بَعْدَ ذَاكَ رِضَاعَا فَغَدَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ رَهِينَةً ... لا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا لَوْ كَان يَنْطِقُ قَالَ مِنْ تَحْتَ الثَّرَى ... فَلْيُحْسِنِ الْعَمَلَ الْفَتَى مَا اسْتَطَاعَا آخر: ... يُسِيءُ امْرُؤُ مِنَّا فَيُبْغَضُ دَائمَا ... وَدُنْيَاكَ مَا زَالَتْ تُسِيءُ وَتُومَقُ أَسَرَّ هَوَاهَا الشَّيْخُ وَالْكَهْلُ وَالْفَتَى ... بِجَهْلٍ فَمِنْ كُلِّ النَّوَاظِرِ تُرْمَقُ

стр. 2617

ج ... وَمَا هِيَ أَهْلُ أَنْ يُؤهَّلَ مِثْلُهَا ... لِوُدٍّ وَلَكِنَّ ابْنَ آدَمَ أَحْمَقُ اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكلفت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، واغفر لنا لوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. موعظة قال بعض العلماء بعد سياقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أيها الناس لقد كانت الأمة الإسلامية فيما مضى متمسكة بكتاب الله، عاملة بسنة نبيها ﷺ ، صحيحة في عقائدها، صالحة في أعمالها حسنة في معاملاتها وعاداتها، كريمة في أخلاقها بصيرة في دينها راقية في آدابها وعلومها فكانت عزيزة الجانب، قوية الشوكة، جليلة مهيبة، صاحبة السلطان والصولة على من عداها، واليوم تغير أمرها، وتبدل حالها، اختلت عقائدها وفسدت أعمالها، وساءت معاملاتها وعادتها، وتدهورت أخلاقها وجهلت أمر دينها ودنياها وتأخرت علومها وصنائعها فصارت ذليلة الجانب، ضعيفة الشوكة، ساقطة الكرامة، فاقدة الهيبة مغلوبة على أمرها، متأخرة في مرافق حياتها تتخبط في ظلمات الجهل، وتنقاد للخرافات والأوهام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وما ذلك إلا لأنها خالفت كتاب ربها، وانحرفت عن طريق الهادي نبيها، وسارت وراء هواها، وفتنت بزخارف الحضارة المزيفة، والمدنية الكاذبة وظنت الإباحية حرية والخلاعة رُقِيًّا، فتعدت حدود الدين والعقل.

стр. 2618

وأغضبت خالق الأرض والسماء فساءت حالها، وسلط عليها عدوها، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أيها الناس لقد ذاقت الأمة وبال أمرها، وعوقبت بشر أمالها، وتجرعت مرارة الذل والهوان، والتفرق والإنحلال، كل ذلك نتيجة لازمة لعدم استقامة الأمة، وانحرافها عن الصراط المستقيم، ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ كل ذلك نازل بنا وواقع علينا، ونحن لا نفيق من سكرتنا، ولا ننتبه من غفلتنا، ولا ننزجر بالمحن والبلايا، ولا نعتبر بحوادث الأيام فلو كانت لنا نفوس حية وقلوب يقظة وشعور حي وإحساس قوي، لنبهتنا البلايا، وأيقظنا المؤلمات، أيها المسلم: الدين عقيدة صحيحة، وعبادة قوية، ومعاملات حسنة عادلة، وأخلاق كريمة، فانظروا وفكروا، وفتشوا علي أنفسكم، هل أنتم سائرون في أعمالكم وأحوالكم علي منهج الصراط المستقيم، أم أنتم منحرفون عنها، فألزموها السير على الطريق القويم، وفقنا الله وإياكم للأستقامة، وأمننا وإياكم من أهوال يوم القيامة، ووقانا وإياكم شر الحسرة والندامة، وغفر لنا ولكم ولجميع المسلمين، برحمته إنه أرحم الراحمين، صلى الله علي محمد وعلي آله وصحبه أجمعين. فصل في تحريم الدخان وذكر مفاسده ومما يتأكد اجتنابه والتحذير عنه الدخان، لدخوله في قسم المحرمات، ومن الأدلة على تحريمه قوله تعالى في حق رسوله ﷺ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ ولا

стр. 2619

يمتري عاقل في دخوله في الخبائث وورد عنه ﷺ أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . وعن أم سلمة ﵂ قالت: نهى رسول ﷺ عن كل مسكر ومفتر. وفي الحديث الآخر: «ما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام» . فهذه الأدلة تدل على حرمته، فإنه تارة يسكر، وتارة يفتر، ومن الأدلة المؤيدة لما سبق، أنه ثبت طبيًا أن التبغ يفتر ومن الأدلة المؤيدة لما سبق، أنه ثبت أن التبغ يحتوي على كمية كبيرة من مادة النيكوتين السامة، وأن شاربه يتعرض لأمراض خطرة في بدنه أولاً، ثم تدريجيًا فيضطرب الغشاء المخاطي ويهيج ويسيل منه اللعاب بكثرة، ويتغير، ويتعسر عليه هضم الطعام، وأيضًا يحدث التهابًا في الرئتين، ينشأ عنه سعال، ويتسبب عن ذلك تعطيل للشرايين الصدرية، وعروض أمراض، ربما يتعذر البرء منها وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين، يجتمع مثله على عروق القلب، والقلب يضغط على فتحاته فيحصل عسر في التنفس، ويؤثر على القلب بتشويش انتظام دقاته، وربما أدى بشاربه إلى الموت، فيكون شاربه قد تسبب لقتل نفسه وقتل النفس محرم من الكبائر قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ وقال ع: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدَا» . ومن الأدلة على تحريمه أنه إسراف، وليس فيه مباح، بل هو محض ضرر، بإخبار أهل الخبرة من شاربيه وغيرهم، وقد حرم الله الإسراف، وأخبر جل وعلا أنه لا يحب المسرفين قال تعالى: ﴿وَلاَ

стр. 2620

تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ . والتبذير هو الذي ينفقه الإنسان في غير طاعة وفيما لا منفعة فيه وقال مجاهد: لو أنفق ماله في الحق ما كان تبذيرَا وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه. وقال ابن عباس: إنفاق المال في غير منفعة. وقال بعضهم: الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى وإن قَلَّتْ. فيتبين لك مما مضى ومما يأتي أن هذا الدخان الخبيث المحرم عين الإسراف والتبذير وقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . وهذا في الجار الذي بينك وبينه جدار وقال فيه أيضًا: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . فكيف بالجيران الطيبين الكرام الكاتبين الذين عن اليمين وعن الشمال قعيد وهم الذين يكتبون الحسنات والسيات فالمدخن يؤذيهم نعوذ بالله من حاله والمفروض أنه يستعمل المسواك طيب الرائحة بدلاً من هذه الشجرة الخبيثة ومن خصائص هذا الدخان أنه ينفر عن الطاعة وعن قراءة القران والمكث في المساجد ومحبة أهل الدين والصلاح الخ. ونهى الشرع عن إضاعة المال، وكم من حريق التهم نفوسًا وأموالاً، سببه الدخان، وكم من بريء اتصل بشاربه فصار مثله، وكم من ملايين من الأثمان يوميًا تحرق وتتلف في هذا الدخان الخبيث الكريه فنضرب لذلك مثلاً لما يتلف يوميًا من الفلوس بسبب شرب الدخان، فإذا كانت الدولة عشرين مليونًا، وثلاثة أرباعهم يشربونه، أي

стр. 2621

خمسة وسبعون في المائة، وقلنا أدنى مصرف للواحد يوميًا في الدخان ريال، فمعناه أن الذي يتلف على الجميع يوميًا خمسة عشر مليونًا من الريالات وفي الشهر يكون الذي يتلف في سبيل هذا الدخان الخبيث أربعمائة وخمسين مليونًا، وفي السنة خمسة آلاف مليون وأربع مائة مليون من الريالات. نسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منه ومن سائر المعاصي اللهم صل على محمد وآله وسلم ومن الأدلة على تحريم الدخان كون رائحته كريهة، تؤذي الناس الذين لا يستعملونه، وتؤذي الكرام الكاتبين، وتؤذي المعقبات، وبالخصوص أذيته في مجامع الناس، كاجتماعهم لصلاة الجماعة، ولصلاة التراويح، إن وجد من شاربيه أحد يصلي التراويح، وكذا يؤذي زملاءه، إن كان أستاذًا أو كان تلميذَا، ويؤذي زوجته، ويسري إلى أولاده، لأنه إذا شربه عنده صار تعليمًا فعليًا لهم، وما نالهم من الضرر الناشئ عن الدخان الذي صار هو السبب في شربهم له فلا يسلم والله أعلم من الإثم، وكذلك يسري لقرابته وأصدقائه، وجيرانه وزملائه أحيانًا، وإيصال الضرر إلى المسلم حرام، وأذيته حرام وقد ورد عن ﷺ أنه قال: «من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» . وورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس» . وفي الحديث الآخر: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله» . وأذية المسلم محرمة، ومن المعلوم عند كل عاقل منصف، أن رائحة الدخان، لا تقل كراهتها وأذيتها عن كراهية رائحة الثوم والبصل والكراث» . بل هي عند بعضهم أعظم كراهة وهذا الدخان من العادات القبيحة، المضرة بالشارب وغيره فترى الشاب تميل نفسه إليه، ويميل به هواه إلى مشابهة غيره في تعاطيه، وربما عدة تظرفًا، وظنه مدنية وترفًا، فإذا قدم له أحد

стр. 2622

زملائه أو أترابه أو غيرهم هذا الدخان لأول مره، وبدأ يستنشق دخانه السام، ولا يلبث إلا قليلاً حتى يأخذ في الإكثار من تناول هذا السم الناقع، فيصبح له عادة لا يستطيع إلى تركها سبيلا، وإذا طال الزمن، ومكث على ذلك مدة: استحكمت في نفسه هذه العادة القبيحة السيئة، وبدأت صحته تضعف، وقوته تنقص، وشهيته للطعام تقل، ورغبته في المشي وما يقوي البدن تضعف، وإذا ذلك الوجه الناظر الحسن المشرق، وذلك الجسم الممتلئ عافية، والشباب الغض قد تغير وعراه الذبول، وتمكن منه النحول، فترى جلده يسترخي، وبصره يضعف، وسمعه كذلك يضعف، وقوة الشهوة تضعف جدًا، وعقله يضعف بإذن الله تبعًا للجسم، ويصبح بعد غضارته ونضارته ذابلاً، وجسمًا ناحلاً، يأخذه سعال مؤلم، ويحس بخفقان قلبه، ودقه وفتور جسمه، ويتمنى بعد ذلك لو يقاسمه إنسان ماله، ويتسبب له في منعه من هذه العادة السيئة الخبيثة، ولكن أنى له بذلك، هيهات إلا أن يشاء الله جل وعلا، فالله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ثم هذا الشارب للدخان يفقد بشاشته ويحرم صفاء نفسه، وقوة فكره، فتتغير أخلاقه وتتبدل صفاته، وتراه إذا أعوزه الدخان أحيانًا، يذهل نفسه وينكس رأسه كأنما هو في هم ناصب، وعناء وتعب، وقد تتغير سجاياه، فإذا ذلك الحليم الهادئ الأعصاب، غضوب جموح، وإذا ذلك الساكن هائج وثائر، يظهر منه فلتات كلام، يتعجب منها من يعرفه أولاً، وتراه يلجأ إلى تناول الدخان، لتسكين غضبه، وتهدئة ثائرة نفسه. فعلى العاقل أن يبتعد عن هذا وأمثاله من الفسقة قال بعضهم: تَبَاعَدْ عَن الْفُسَّاقِ لا تَقْرَبَنَّهُمْ ... فَقُرْبُهُمُ يُعْدِي الصَّحِيحْ وَيُعْطِبُ فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ صَارَ بِالْقُرْبِ مِنْهُمُوا ... أَخَا عِلَلٍ مِمَّا بِهِمْ فَهُوَ أَجْرَبُ

стр. 2623

آخر: ... صَاحِبُ أَخَا الدِّينِ كَيْ تَحْظَى بِصُحْبَتِهِ ... فَالطَّبْعُ مُكْتَسَبٌ مِنْ كُلِّ مَصْحُوبِ كَالرِّيحِ آخِذَةٌ مِمَّا تَمُرُّ بِهِ ... نَتْنًا مِنَ النَّتْنِ أَوْ طِيبًا مِنَ الطِّيبِ وختامًا فعلى الإنسان أن يتعاهد أبناءه، وكذلك على المعلم أن بتعاهد الطلاب بالنصح والتحذير من هذا الوباء الفتاك، وعليه أن يراقبهم في كل وقت، وبالأخص في أوقات الفراغ، وأن يحرص كل الحرص على أنهم لا يتصلون بمن يشرب الدخان ليحفظ عليهم صحتهم وراحتهم، ويدفع عنهم شر هذا المرض ويصون أموالهم عن الضياع حتى إذا عقلوا عرفوا لوليهم ذلك الجميل الذي أسداه إليهم. تُعَالِجُ بِالتَّطَبُّبِ كُلِّ دَاءٍ ... وَلَيْسَ لِدَاءِ ذَنْبِكَ مِنْ عِلاجِ سِوَى ضَرَعٍ إِلَى الرَّحْمَن ِمَحْضٍ ... بِنِيَّةِ خَائِفٍ وَيَقِينِ رَاجِ وَطُولِ تَهَجُّدٍ بِطُلابٍ عَفْوٍ ... بِلَيْلٍٍ مُدْلِّهِمِ السِّتْرِ دَاجِ وَإِظْهَارِ النَّدَامَةِ كُلَّ وَقْتٍ ... عَلَى مَا كُنْتُ فِيهِ مِن اعْوِجَاجِ لَعَلَّكَ أَنْ تَكُونَ غَدًا عَظِيمًا ... بِبُلْغَةِ فَائِزٍ مَسْرُورِ نَاجِ اللهم يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصدقيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (فَصْلٌ) سئل الشيخ عبد الله بن محمد ﵀ عن التنباك الذي اعتاد شربه كثير من الناس؟ فأجاب ﵀: لا ريب أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكلم، وهي من خصائصه التي خصه الله بها من بين الأنبياء، كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال في ذكر خصائصه: «وأوتيت جوامع الكلم» . وهي أن يقول الكلمات اليسيرة، الجامعة لأحكام كثيرة، لا تعد ولا تحصى، ومن

стр. 2624

ذلك قوله ﷺ : «كل مسكر حرام» . فدخل في هذه الكلمة جميع المسكرات، التي وتزيل العقل، من الأطعمة والأشربة الموجودة في زمانه والحادثة بعده ﷺ إلى يوم القيامة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن المسكر وهو الخمر الذي يغطي العقل ويزيله، كما في الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» . ولفظ مسلم: «وكل مسكر حرام» . وعن عائشة ﵂ أنه ﷺ سئل عن البتع؟ فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام» . وفي رواية لمسلم: «كل شراب مسكر حرام» . ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته وأنه أثبت شيء في تحريم المسكر، وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، إذا تقرر هذا. فاعلم أن المسكر الذي يزيل العقل نوعان (أحدهما) ما كان فيه لذة وطرب. قال العلماء: وسواء كان من حب أو من تمر أو لبن أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق العنب أو غيرها، مما يؤكل لأجل لذته وسكره (والثاني) ما يزيل العقل ويسكر، ولا لذة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه، وأكثر العلماء الذين يرون تحريم ما أسكر كثيره، يرون حد من شرب ما يسكر كثيره، وإن اعتقد حله متأولاً، وهو قول الشافعي وأحمد. قال: وبما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وكلام أهل العلم يتبين لك بيان تحريم التَّتِنِ الذي كثر في هذا الزمان استعامله وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة أسكاره في بعض الأوقات، خصوصًا إذا أكثر منه، أو تركه يومًا أو يومين لا يشربه ثم

стр. 2625

شربه فإنه يسكر ويزيل العقل، حتى إن صاحبه يحدث عند الناس ولا يشعر بذلك، نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس، فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحد من الناس إذا تبين له كلام الله، وكلام رسوله في مثله من المسائل، وذلك لأن الشهادة بأنه رسول الله تقتضي طاعته وأن لا يعبد الله إلا بما شرع وأن يقدم أمره على قول كل أحد من الناس. وقال ﵀: والذي يشرب التنباك إن كان شربه له بعد ما عرف أنه حرام فيضرب ثمانين جلدة، ضربًا خفيفًا ما يضره، فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه، ويؤمر بالتوبة والاستغفار، والذي يقول لكم من علماء تهامة إن التِّتِنَ ليس حرامًا ولا حلالاً فهذا جاهل ما يعرف ما يقول، ولا يلتفت لقوله وفي الحديث عن النبي ﷺ : «كل مسكر حرام» . «وما أسكر كثيره حرم قليله» . وأجاب أيضًا: إذا شهد اثنان على ريح التِّتِنِ من فم رجل جلد ثمانين جلدة. وأجاب أيضًا: وأمَّا شارب التِّتِنَ إذا شهد عليه شاهدان أنهم رأوه يشربه فيجلد أربعين جلدة. وأجاب أيضًا: وأما شارب التِّتِنِ فيؤدب بأربعين جلدة، فإن لم ينته بذلك أدب بثمانين. وأجاب أيضًا: والذي زرع التنباك يؤدب، أو يوجد في بيته أو متاعه أو يشربه يؤدب.

стр. 2626

وأجاب أيضًا: إذا شهد اثنان على ريح التتن من فم رجل يحد، لأن الصحابة ﵃ حدوا على ريح الخمر، وهذا خمر، لأنه مسكر خمر وكل مسكر خمر. وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن التِّتِنِ؟ فأجاب: هو حرام لقول النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» . وفي لفظ: «حرام» . وفي لفظ: «ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام وهذا عام في كل مسكر» . فإن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم وقد نص العلماء على ذلك. وسئل عن شارب التنباك؟ فأجاب: وأما شارب التنباك فيجلد أربعين جلدة. وقد سئل الشيخ عبد الله أبا بطين عن التنباك؟ فأجاب بقوله: الذي نرى فيه التحريم، لعلتين (أحدهما) حصول الأسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه، أو أكثر منه، وإن لم يحصل إسكار حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثًا مرفوعًا أنه ﷺ : نهى عن كل مسكر ومفتر (والعلة الثانية) أنه منتن مستخبث عند من لم يعتده. واحتج العلماء بقوله تعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ وأما من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة وكالخنزير يترك الطيبات ويأكل النجاسات وكالهدهد يأكل العذرة. وأجاب الشيخ خالد بن أحمد بن أحمد من فقهاء المالكية بقوله: لا تجوز إمامة شارب التنباك، ولا يجوز الاتجار به ولا بما يسكر.

стр. 2627

وممن حرم الدخان ونهى عنه من علماء مصر الشيخ أحمد السنهوري البهوتي الحنبلي، وشيخ المالكية اللقاني، ومن علماء دمشق النجم الغزي العامري الشافعي، ومن علماء اليمن الشيخ إبراهيم بن جمعان، وكثير من العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، كالشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وعلماء كثيرون يطول علينا تعدادهم، فنكتفي بمن ذكرنا، ومن أراد زيادة على هؤلاء فليسأل، ولا أظن يفتي بحله عالم عاقل، يعلم مضاره دِينِيًّا واقتصاديًا واجتماعيًا وخلقيًا وصحيًا، بل ولا أظن عالمًا يتوقف بالقول بتحريمه، حتى ولو أنه ممن ابتُلِيَ بشربه لوضوح مضاره، وبالأخص لشرابه، وان شككت فاسأل منصفيهم يخبرونك ويحذرونك، اللهم اعصمنا من جميع المعاصي، وامنن علينا يا مولانا وجميع المسلمين بالتوفيق للعمل الصالح، والاستقامة على الطريق، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يأرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فَصْلٌ) وقال في تيصرة الإخوان: وقد أشغل جهايذة الأطباء قوة أفكارهم، ودققوا النظر غاية في اكتشاف أضرار التبغ بنوعيه المعلومين، وشحذوا أقلامهم في بيان ما ظهر لهم فيه، بعد التحقيق والتدقيق التَّامَّيْنِ، فذكروا (أولاً) أنه من الفصيلة الباذنجانية التي تشتمل على أكثر النباتات السامة، كالبلادوتا والبرش والبنج، قالوا: وهو

стр. 2628

نوعان، توتون وتنباك، ولا يختلف أحدهما عن الآخر في تركيبه الكيماوي إلا قليلا، فانهما مركبان من أملاح البوتاس والنوشادر، ومن مادة صمغية، ومادة أخرى مرة حريقة، تسمى نيكوتين. قالوا: وهي سم من أشد السموم فعلاً، بحيث أنه لو وضعت نقطة منها على لسان كلب لمات في أقرب زمن، مع أن الكلب أقوى تحملاً للسموم من الإنسان، ومن سائر أنواع الحيوان، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة، يحوي كمية وافرة من المادة السامة هي النيكوتين، فإذا دخل الفم والرئتين أثر فيهما تأثيرًا موضعيًا وعموميًا لأنه عند دخوله الفم توتر المادة الحريقة السامة التي فيه - وهي النيكوتين - في الغشاء المخاطي فتهيجه تهيجًا قويًا، وتسيل منه كمية زائدة من الطعام وتغير تركيبة الكيماوي، بحيث، تقلل فعله في هضم الطعام وكذلك تفعل في مفرز المعدة، مثل ما فعلت في مفرز الفم، فيحصل حينئذ عسر في مفرز الهضم، وعند وصول الدخان إلى الرئتين على طريق الحنجرة، تؤثر فيها التهابًا قويًّا مزمنًا، فتهيج السعال حينئذ، لإخراج ذلك المفرز الغزير، الذي هو البلغم المعروف ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها. وبالجملة فقد تحقق عن عامة المحققين، من أئمة الطب، أن مضار الدخان - أعم من أن يكون توتونًا أو تنباكًا - كثيرة، قالوا: ويشعر بأعراضها الجزئية كل من يباشر استعماله قبل الاعتماد عليه، وهي دوران وغثيان، وقيء وصداع، وارتخاء العضلات أي الأعصاب، ثم سبات أي راحة وهو كناية عن حاله التخدير الذي هو من لوازم التبغ، وما ذكر

стр. 2629

من الأعراض الناشئة عنه، في بدء استعماله قبل الأعتماد عليه، لما يحويه من المادة السامة التي هي النيكوتين، ويجد فساد الذوق وعسر الهضم، وقلة القابلية للطعام وهذه الأشياء كلها تحدث من تخلل الدخان في اللعاب، فيسبب اضطرابًا معديًّا، وكثيرًا ما يحدث المرض المعروف بالبيروسس، وهو الحرقة المعدية، وهذا كله في استعماله على سبيل القلة والإعتدال، وأما الإكثار منه فهو مفض إلى عطب ليس له زوال، ومن المعلوم الثابت شرعًا أن كل ما أضر بالصحة يحرم تعاطيه قطعًا، ولذلك حرم الأكل فوق الشبع، وأكل الطين، لما فيهما من الأضرار بالصحة، قال ﵊: «من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه» . وفي رواية: «فإنما أعان على قتل نفسه» . وليس التدخين أقل ضررًا من أكل الطين، بل هو أشد ضررًا منه بكثير، قال: وقد سألت عدة من الأطباء الموثوقين بهم عن تفاوتهما في الضرر؟ فأجابوا: بأنه لا نسبة بينهما في الضرر تفاوتًا كليًا، حيث أن الجزء الفعال، الذي ينشأ عن التدخين وهو النيكوتين، لا يعادله شيء في الأضرار، كما هو ظاهر لدى الامتحان، فيكون نهي الشارع ﷺ عن أكل الطين، لما فيه من الضرر، شاملاً لفعل التدخين بالأولوية حيث كان الضرر فيه أشد وأعظم، كما علمته، قال: وقد ذكر جمع من أكابر العلماء وجهابذة الأطباء: أن من العقل - فضلاً عن الشرع - وجوب اجتناب التدخين، حفظًا للصحة التي هي من الله تعالى منة ومنحة، ودفعا لدواعي الضعف الذي هو من مقدمات الهلاك والدمار، كما هو معلوم لذوي الأستبصار كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على أنه لا يقتصر ضرر التدخين على المدخن وحده، بل يعم حلساءه في المكان، لأنه يفسد الهواء، فيتعين الفرار حينئذ من الجلوس في أماكن التدخين، ولاسيما إذا كانت مغلقة

стр. 2630

الأبواب. قالوا: ويسري الضرر أيضًا إلى نسله، فيجعله ضعيف البنية، شاحب اللون، فاسد المزاج، لتمكن سم التبغ في جسم الوالد أما سريان الضرر قبل الولادة، فيما إذا كانت الأم تشرب أيضًا كالأب، فمن تغذيته حال كونه جنينًا، من دم أمه الفاسد بسم التبغ، الذي هو النيكوتين، حيث أنه يفعل على الحويصلات العصبية فعلاً مؤثرًا، يتصل بالجنين. وأما سريان الضرر عليه بعد الولادة، فمن ثلاث جهات (أحدهما) تَغَذِيهِ من اللبن المتحمل سموم التبغ، المفسدة للمواد الغذائية، (ثانيها) استنشاقه الهواء الفاسد بتدخين الأبوين أو أحدهما، (ثالثهما) صيرورة الأبوين سببًا حاملاً للولد على سلوك تلك العادة الوخيمة، وذلك لأن الطفل من طبعه التقليد والتشبه بمن يراه، فإذا نظر أبويه يدخنان، وعلى فرض أنهما ينهيانه عن ذلك فنظر لكونه لا يفهم سر النهي لا ينتهي من غير مبالاة، إلى أن يصير التدخين عادة لازمة، فإذا اعتاد هذا المسكين التدخين من مبدأ نشأته، فهناك الطامة الكبرى، والبلية العظمى، لأنه لا يلبث قليلاً إلا ويشكو من قلة القابلية ووجع الصدر، ويصحبه أيضًا سعال قوي، مزعج للصدر، ولا يزال يزداد ضعفًا على ضعف، وسقمًا على سقم إلى أن يمضي عمره في الأسقام والآلام. والله أعلم. اللهم اجعل الإيمان هادمًا للسيئات، كما جعلت الكفر هادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، واجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته ودعاك فأجبته واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →