Полный текст (3 875 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
.. وَرُؤْيَا المُؤْمِنِينَ لَهُ تَعَالَى
عِيَانًا فِي القِيَامَةِ ذِي الجَلالِ
يَرَى كَالبَدْرِ أَوْ كَالشَّمْسِ صَحوًا
بِلا غَيْمٍ وَلا وَهْمٍ خِيَالِ
وَمِيزَانُ الحِسَابِ كَذَاكَ حَقًّا
مَعَ الحَوْضِ المُطَهَّرِ كَالزِلالِ
وَمِعْرَاجُ الرَّسُولِ إليه حَقًّا
بِنَصِّ وَارِدِ لِلشَّكِ جَالي
كَذَاكَ الجَسْرُ يُنْصَبُ لِلبرَايَا
عَلَى مَتْنِ السَّعِيرِ بِلا مُحَالِ
فَنَاجٍ سَالِمٍ مِنْ كُلِّ شَرٍّ
وَهَا هُوَ هَالِكٍ لِلنَّارِ صَالي
وَتُؤْمِنُ بِالقَضَا خَيْرًا وَشَرًّا
وَبِالمَقْدُورِ فِي كُلِّ الفِعَالِ
وَأَنَّ النَّارَ حَقٌ قَدْ أَعِدَتْ
لأَعْدَاءِ الرُّسُولِ ذَوِي الضَّلالِ
بِحِكْمَةِ رَبِّنَا عَدْلاً وَعِلْمًا
بِأَحْوَال الخَلائِقِ فِي المَالِ
وَأَنَّ الجَنَّةَ الفِرْدَوْسَ حَقٌّ
أُعِدَّتْ لِلْهُدَاةِ أُوُلِي المَعَالِ
بِفَضْلٍ مِنْهُ إِحْسَانًا وَجُودًا
بِلا شَكٍّ هُنَالِكَ لِلسُّؤَالِ
стр. 2802
.. وَكُلٌّ فِي المَقَابِرِ سَوْفَ يُلْقَى
وَتَكْرِيمًا لَهُمْ بَعْدَ الوِصَالِ
نَكِيرًا مُنْكَرًا حَقًّا بِهَذَا
أَتَانَا النَّقْلُ عَنْ صَحْبٍٍ وَآلِ
وَأَعْمَالاً تُقَارِنُهُ فَإِمَّا
بِخَيْرٍ قَارَنْتَ أَوْ سُوءِ حَالِ ... >?
(مَوْعِظَةٌ)
اسْتَلِبْ زَمَانِكَ يَا مَسْلُوبْ! وَغَالِبِ الهَوَى يَا مَغْلُوبْ! وَحَاسِبْ نَفْسَكَ فَالعُمْرُ مَحْسُوبْ، وَامْحِ قَبِيحَكَ فَالقَبِيحُ مَكْتُوبْ، وَاعَجِبًا لِنَائِمٍ وَهُوَ مَطْلُوبْ، وَلِضَاحِكٍ وَعَلَيْهِ ذُنُوبْ.
... أَلا ذَكِّرَانِي قَبْلَ أنْ يَأْتِي المَوْتُ ... وَيُبْنَى لِجُثْمَانِي بِدَارِ البَلَى بَيْتُ
وَعَرَّفَنِي رَبِّي طَرِيقَ سَلامَتِي ... وَبَصَّرَنِي لَكِنَّنِي قَدْ تَعَامَيْتُ
وَقَالُوا مَشِيبُ الرَّأْسِ يَحْدُو إِلَى البِلا ... فَقُلْتُ: أَرَانِي قَدْ قَرُبَتُ فَأَدْنِيتُ
أَيْنَ الدُّموعُ السَّوَاجِمْ؟ قَبْلَ المَنَايَا الهَوَاجِمْ، أَيْنَ القَلَقُ الدَّائِم؟ لِلذُّنُوبِ القَدَايم، أَتَرَى أَثَّرتِ المَلاوِمْ؟ فِي هَذِهِ الأَقَاوِمْ، أَيُّهَا الْقَاعِدُ وَالْمَوْتُ قَائِمٌ أَنَائِمٌ أَنْتَ عَنْ حَدِيثِنَا أَمْ مُتَنَاوِمْ؟ لا بُدَّ وَالله مِنْ ضَرْبَةِ لازِمْ تَقْرُعُ لَهَا نَادِمْ، لا بُدَّ مِنْ مَوْجِ هَوْلٍ مُتَلاطِمْ، يُنَادِي فِيهِ نُوحُ الأَسَى لا عَاصِمْ، لا بُدَّ مِنْ سَقَمِ السَّالِمْ يَنْسَى فِيهِ يَا أَمَّ سَالِمْ.
يَا مَنْ سَيَنْأى عَنْ بَنِيهْ ... كَمَا نَأَى عَنْهُ أَبُوهْ
مَثِّلْ لِنَفْسِكَ قَوْلَهُمْ ... جَاءَ اليقين فَوَجِّهُوهْ
وَتَحَلَّلُوا مِنْ ظُلْمِه ... قَبْلَ الْمَمَاتِ وَحَلِّلُوهُ
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَكْفِينَا مَا أَهَمَّنَا وَمَا لا نَهْتَمُّ بِهِ وَأَنْ تَرْزُقَنَا الاسْتِعْدَادِ لِمَا أَمَامَنَا، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
стр. 2803
(فَصْلٌ)
وَمِمَّا يَنْبَغِِي إِيرَادُه في هَذَا المَقَامِ بَعْضُ المَعَاصِي التِي قَدْ تَلَبَّس بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا بَعْضُ النَّاسِ لِيَبْتَعِدَ عَنْهَا، وَعَنْ مَنْ يُقَارِفُهَا، وَيَنْصَحُ عَنْهَا، وَيُبَيِّنُ أَنَّهَا أَمْرَاضٌ فَتَّاكَةٌ أَعْظَمُ وَأَخْطَرُ مِنْ أَمْرَاضِ الأَبْدَانِ، لأَنَّهَا تُذْهِبُ الحَسَنَاتِ، وَرُبَّمَا أَدَّتْ بِالإِنْسَانِ إِلَى الهَلاكِ الأَبَدَيّ، وَالعَذَابُ السَّرْمَدِيّ، مِنْ ذَلِكَ: أَكْلُ الحَرَامِ، أَوْ رِيَاءَ، أَوْ رِبَا، أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى مَنْعِ زَكَاةٍ، أَوْ عَدَمُ تَنَزُّهٍ مِنْ بَوْلٍ، أَوْ تَرْكُ حُضُورِ جُمْعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، أَوْ غِيبَةٌ، أَوْ نَمِيمَةٌ، أَوْ حَسَدٌ، أَوْ مَنْعِ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ، أَوْ كَذِبٌ عَلَى اللهِ، أَوْ أَذِّيَةُ جَارٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ كَثْرَةُ أَيْمَانٍ لِتَرْوِيجِ سِلعٍ، أَوْ غِشٌّ فِي بَيْعٍِ أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ تَدْلِيسٌ، أَوْ اقْتِطَاعُ شَيْءٍ مِنْ أَرَاضِي المُسْلِمِينَ، أَوْ اسْتِعْمَالِ آلاتِ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ، كَالعُودِ وَالبَكمِ وَالتِّلِفِزْيُونِ وَالمِذْيَاعِ وَالفيديو، أَوْ تَغِييرُ مَنَارِ الأَرْضِ، أَوْ لُبْسُ الرِّجَالِ لِلْحَرِيرِ، أَوْ الذَّهَبِ، أَوْ تَشَبُّهٍ بِنَسَاءٍ، أَوْ نَظَرٌ إِلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ إِعَانَةُ ظَالِمٍ، أَوْ تَرُك نَصْرِ مَظْلُومٍ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ، أَوْ شِهَادَةٌ بِزُورٍ، أَوْ نَجْشٌ لإِيذَاءِ مُؤْمِنْ، أَوْ تَرْكِ الْوَلاءِ وَالْبَرَاءِ بِمُجَالَسَةِ الْعُصَاةِ، وَمُوَاكلتُهم، وَتَرْكُ هَجْرِهِم، أَوْ تَدْلِيسٌ، أَوْ غِشٌ أَوْ مُجَاهَرَةٌ بِالْمَعَاصِي، كَحَلْقِ اللِّحْيَةِ، وَشُرْبِ الدُّخَانِ، وَتَشَبُهٍ بَأَعْدَاءِ الإِسْلامِ، بِجَعْلِ خَنَافِسَ وَتَوَإليتٍ، وَكَخُلْوَةٍ بِامْرَأَةٍ لا تُحِلُّ لَهُ، أَوْ يُرْكِبُهَا مَعَهُ، وَلا مَحْرَمَ مَعَهَا وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، أَوْ تَصْوِيرُ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ أَوْ شِرَائِهَا، أَوْ الرِّضَى بِهَا وَعَدَمُ إتْلافِهَا، أَوْ مَيْلٌ مَعَ بَعْضِ مَنْ يَجِبُ الْعَدْلُ بَيْنَهُمْ، أَوْ تَنْشِيزُ زَوْجَةٍ عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، بَأَنْ يُنَشِّزَ الزَّوْجَ عَنْهَا، أَوْ إضْرَارٌ لِتَفْتَدِي مِنْهُ، أَوْ جَعْلُ يَدٍ عَلَى قَرِيبَةً لَهُ وَمَنْعِهَا مِنْ الزَّوَاجِ إِلا لَهُ أَوْ لِمَنْ يُرِيدُهَا لَهُ، أَوْ مُسَاعَدَةٌ لِصَاحِبِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ يُؤْوِي مُحْدِثًا، أَوْ عُقُوقٌ لِوَالِدٍ أَوْ وَالِدَةٍ، أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، أَوْ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ
стр. 2804
زِنَى أَوْ لِوَاطٍ، أَوْ إِتْيَانُ مَنْ حَاضَتْ، أَوْ إِتْيَانُهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ إِتْيَانُ بَهِيمَةٍ، أَوْ دِيَاثَةٌ، أَوْ كَتْمُ شَهَادَةٍ، أَوْ خِيَانَةٌ، أَوْ تَكْذِيبٌ بِالمَلائِكَةِ، أَوْ بِالجِنِّ، أَوْ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَوْ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللهِ، أَوْ قَذْفُ مُحْصَنٍ، أَوْ شُرْبُ مُسْكِر، أَوْ سُجُودٌ لِغَيْرِ اللهِ، أَوْ أَنْ تُلْحَقَ المَرْأَةُ أَوْلادًا بِزَوْجِهَا، وَكَذَا الزَّانِي إِذَا أَدْخَلَ أَوْلادًا عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ أَخْذُ مَكْسٍ أَوْ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ وَشْمٌ، أَوْ نَمْصٌ، أَوْ مَحَبَّةُ قِيَامٍ لَهُ، أَوْ مُخَاصَمَةٌ بِبَاطِلٍ، أَوْ جُورٍ فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ اتِّخَاذُ مَسَاجِدَ عَلَى القُبُورِ أَوْ إِسْرَاجُهَا، أَوْ سَرِقَةٌ، أَوْ جَحْدُ عَارِيَّةً، أَوْ كَذِبُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ غَصْبٌ مَالِ مُسْلِمٍ، أَوْ أَكْلُ مَالِ يَتِيمٍ، أَوْ فِطْرٌ فِي رَمَضَانَ، أَوْ خِيَانَةٌ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ، أَوْ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ عَلَى وَقْتِهَا، أَوْ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ ضَرْبُ مُسْلِمٍ بِلا حَقٍّ، أَوْ تَرْوِيعُهُ، أَوْ سَبٌّ لِلصَّحَابَةِ ﵃، أَوْ رِشْوَةٌ فِي الحُكْمِ، أَوْ قِيَادَةٌ، أَوْ نِسْيَانٌ لِلْقُرْآنِ، أَوْ تَحْرِيقُ حَيَوانٍ بِالنَّارِ، أَوْ تَرْكُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ يَأْسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، أَوْ أَمْنٌ مِنْ مِكْرِ اللهِ، أَوْ وَقِيعَةٌ فِي أَهْلِ العِلْمِ وَالقُرْآنِ، أَوْ سِحْر، أَوْ بَهْتُ مُسْلِم، أَوْ تَهَاوُنُ القَادِرِ بِالحَجِّ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، أَوْ تَكْذِيبٍ بِالقَدَرِ، أَوْ هَجْرُ مُسْلِمٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا لِعُذْرٍ فِي المَهْجُورِ كَتَظَاهُرِهِ بِالفِسْقِ، أَوْ يَكُونَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ بَيْعُ حُرٍّ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ، أَوْ مَنْعِ أَجِيرٍ أُجْرَتَهُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ العَمَلِ مِنْهُ، أَوْإِتْيَانُ كَاهِنٍ، أَوْ اتِّخَاذ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا، أَوْ لَعْنُ مُسْلِم، أَوْ التَّسَبُّبُ فِي لَعْنِ الوَالِدَيْنِ، أَوْ يَقُولُ فِي يَمِينِهِ: وَإِلا كُنْتُ يَهُودِيًا أَوْ نَصْرَانِيًا، أَوْ كَافِرًا وَنَحْوَ هَذَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ، أَوْ يَتَتَبَّعُ عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ، أَوْ يُنَابِزَ بِالأَلْقَابِ المَكْرُوهَةِ عِنْدَ مَنْ لُقِّبَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ يَنْتَسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يَطْعَن فِي الأَنْسَابِ الثَّابِتَةِ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، أَوْ نِيَاحَةٍ عَلَى مَيِّتٍ، أَوْ امْتِنَاعِ المَرْأَةِ مِنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا بِلا
стр. 2805
عُذْرٍ، أَوْ يَقُولُ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ، أَوْ يَا عَدُوَّ اللهِ، أَوْ يَسُبُّ الدَّهْرَ، أَوْ يَعْصِرُ العِنَبَ لِلْخَمْرِ، أَوْ يَزْرَعُ الدُّخَانَ، أَوْ يَبِيعُه أَوْ يُوَرِّدُهُ، أَوْ يَحْلِقُ لِحَى المُسْلِمِينَ، أَوْ يُسَاعِدُهُم عَلَى التَّشَبُّهِ بِأَعْدَاءِ اللهِ بِتَصليحِ خَنَافِسِهِم وَجُعْلانِهِم وَتَوَإلياتِهم، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يُقَامِرُ، أَوْ يَشْهَدُ بِالرِّبَا أَوْ يُوَكِّلُهُ أَوْ يَكْتُبُهُ، أَوْ يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ عَنْ فَضْلٍ مَا، أَوْ يَمُنُّ بِالعَطَاءِ، أَوْ يُسْبِلُ وَيَجُرُّ ثِيَابَهُ خُيَلاءً، أَوْ يَجُورُ في الحُكْمِ، أَوْ يُحْدِثُ فِي الدِّينِ، أَوْ يُؤْوِي مُحْدِثًا، أَوْ يَتَكَبَّرُ، أَوْ يَخْتَالُ فِي مَشْيَتِهِ، أَوْ يَعْتَادُ الكَذِبَ، أَوْ يَكْذِبُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ يَسْتَمِعُ لِمَنْ يَكْرَهُونَ سَمَاعَهُ، أَوْ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ، أَوْ يَغُلُّ مِنَ الغَنِيمَةِ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ، أَوْ يَقْتُلُ ذِمِيًّا، أَوْ يَأْكُلُ الحَرَامَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ سُخْرِيَةٌ وَاسْتِهْزَاءٌ بِمُسْلِمٍ، أَوْ تَعَلُّمُ العِلْمَ لِغَيْرِ وَجَهِ اللهِ، أَوْ يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ، أَوْ يَكْتُمُ عِلْمًا شَرْعِيًا مَعَ تَعَيُّنِ الجَوَابِ عَلَيْهِ، أَوْ مِرَاءٌ فِي القُرْآنِ، أَوْ مُرُورٌ بَيْنَ يَدَيْ مُصَلِّ، أَوْ يَسْتَدِينَ وَلا يُرِيدُ الوَفَاءَ، أَوْ يُحَلِّلَ المَرْأَةَ لِغَيْرِهِ، أَوْ تُحَلَّلَ لَهُ، أَوْ إِفْشَاءُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ السِّرِّ الذِي بَيْنَهُمَا، أَوْ يَجْعَلُ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ كُفَارًا لِخَدَّامِينَ وَمُرَبِّينَ وَسَوَّاقِينَ وَطَبَّاخِينَ وَخَيَّاطِينَ رِجَالاً وَنِسَاءً أَوْ يَتَسَّبَبْ لإِتْيَانِهم لِبَلادِ المُسْلِمِين.
وذُقْتُ مَرَارَتَ الأَشَيَاطُرًا ... فَمَا طَعْمٌ أَمَرَّ مِنَ المَعَاصِي
وَنَحُْ هَذِهِ المَعَاصِي، وَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْ صَحِيفَةِ الإِنْسَانِ مَعْصِيَة يَظُنُّهَا سَهْلَةٌ وَهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمَةٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ العَبْدَ لِيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» وَرُبَّمَا عَمَلَ أَعْمَالاً ظَنَّهَا حَسَنَاتٍ فَتَبْدُوا يَوْمَ القِيَامَةِ سِيِّئَاتٍ بِسَبَبِ رِيَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَمَا أَدْرِي وَإِنْ أَمَّلْتُ عُمْرًا ... لَعَلِّي حَينَ أُصْبِحُ لَسْتُ أُمْسِي
وَلِلدُّنْيَا وَسَاكِنهَا سُيُولٌ ... وَأَنْتَ عَلَى مَدَارِجِهنَّ مُرْسِيْ
стр. 2806
كَأَنَّكَ لا تَرَى بِالخَلْقِ نَقْصًا ... وَأَنْتَ تَرَاهُ كُلَّ شُرُوقِ شَمْسِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ ... واللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ
(فَصْلٌ)
ثُمَّ تَفَكَّرْ - بَعْدَ تَفَكُّرِ فِيمَا سَبِقَ - فِي الصِّرَاطِ الذِي هُوَ الجِسْرُ المَنْصُوبِ عَلَى متْنِ جَهَنَّمَ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، خَرَجَ البَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ زِيَادٍ النُمَيْرِيّ عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «الصِّرَاطُ كَحَدِّ الشَّفْرَةِ، أَوْ كَحَدِّ السَّيْفِ، وَإِنَّ المَلائِكَةَ يُنْجُّونَ المُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ جِبْرَيلَ لآخِذٌ بِحُجْزَتِي، وَإِنِّي لأَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّمْ سلِّمْ، فَالزَّالُّونَ وَالزَّالاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ» ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدَرِيّ عَنِ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلاً قَالَ فِيهِ: «ثُمَّ يُضْرَبُ الجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سلِّمْ» ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الجِسْرُ؟ قَالَ: «دَحْضُ مَزَلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِيفٌ وَكَلاليبٌ، وَحَسَكَةٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ المُؤْمِنُ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمُكَرْدَسٌ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ» . خَرَّجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
خَطَبَ أَحَدُ العُلَمَاءِ خُطْبَةً بِلِيغَةً فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّكْمْ مَيَّتُون وَمَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ المَوْتِ قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
وَتُوقَفُونَ عَلَى أعمالكم وَتُجْزَوْنَ بها فلا تَغُرَّنكم الحياة الدنيا فإنها بِالبَلاءِ وَالمَصَائِبِ مَحْفُوفَة، وَبِالفَنَاءِ مَعْرُوفَة، وَبِالغَدْرِ مَوْصُوفَة، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ وَهِيَ بَيْنَ أَهْلِهَا دُوَلٌ وَسِجَال.
شِعْرًا:
مَا أَفْضَحَ المَوْتَ لِلدُّنْيَا وَزِينتِهَا ... جِدًّا وَمَا أَفْضَحَ الدُّنْيَا لأَهْلِيهَا
لا تَرْجِعَنَّ عَلَى الدُّنْيَا بِلائِمَةٍ ... فَعُذْرُهَا لَكَ بَادٍ فِي مَسَاوِيهَا
стр. 2807
لَمْ تُبْقَ في غَيْبِهَا شَيْئًا لِصَاحِبَهَا ... إِلا وَقَدْ بَيَّنَتْهُ في مَعَانِيهَا
تُفْنِي البَنِينَ وَتُفْنِي الأَهْلَ دَائِبَةً ... وَنَسْتَنِيمُ إليها لا نُعَادِيهَا
فَمَا يَزِيدُكُمْ قَتْلُ الذِي قَتَلَتْ ... وَلا العَدَاوَةُ إِلا رَغْبَةً فِيهَا
لا تَدُومُ أَحْوَالُهَا، وَلا تَسْلَمُ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَا أَهْلُهَا فِي صَفِاءٍ وَرَخَاءِ وَسُرُورٍ وَنَعِيمٍ وَخَبُور إِذَا هُمْ مِنْهَا فِي بَلاءٍ وَغُرُور، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُوم وَالرَّخَاءُ فِيهَا لا يَدُوم وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَعْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَة تَرْمِيهَا بِسِهَامِهَا وَتَقْصِمُهُمْ بِحِمَامِهَا، وَكُلٌّ حَتْفُهُ فِيهَا مَقْدُور وَحَظُّهُ فِيهَا مَوْفُور.
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّكَمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيل مَنْ قَدْ أَمْضَى مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُُمْ مِمَّنْ كَانَ أَطْوَل مِنْكُمْ أَعْمَارًا وَأَشَدَّ مِنْكُمْ بَطْشًا وَأَعْمَرِ دِيَارًا وَأَبْعَدَ آثَارًا فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُم هَامِدَةً خَامِدَةً مِنْ بَعْدِ طُولِ تَقَلُّبِهَا وَأَصْبَحَتْ أَجْسَادُهُم بَإلية وَدَيَارُهُم عَلَى عُرُوشِهَا خَاوِيَة وآثارهم عافية.
وَاسْتَبْدَلُوا القُصُورَ المُشَيَّدَةِ وَالسُّرُرِ وَالنَّمَارِقِ المُمَهَّدَةِ بِالتُّرَابِ وَالصُّخُورِ وَالأَحْجَارِ المُسَنَّدَةِ فِي القُبور اللاطِئَة المُلَحَّدَةِ فَمَحَلُّهَا مُقْتَرَب وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِب بَيْنَ أَهْلِ مَحِلَّةٍ مُوحِشِينِ.
لا يَسْتَأْنِسُونَ بِالعُمْرَانِ وَلا يَتَوَاصُلُونَ تَوَاصُل الجِيران على ما بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ المَكَانِ وَالجَوِارِ وَدُنُوِّ الدارِ وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَوَاصُلٍ وَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الجنَاَدِلُ وَالثَّرى وَأَصْبَحُوا بَعْدَ الحَيَاةِ أَمْوَاتًا وَبَعْدَ نَضَارَةِ العَيْشِ رُفَاتًا.
فَجَعَ بِهِمُ الأَحْبَابِ وَسَكَنُوا تَحْتَ التُّرَابِ ظَعَنُوا فَلَيْسَ لَهُمْ إِيَاب فَكَأَّنْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إليه مِنَ البَلاءِ وَالوِحْدَة فِي دَارِ المَثْوَى وَارْتُهِنْتُمْ فِي ذَلِكَ المَضْجَعِ وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ المُسْتَوْدَع.
فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا عَايَنْتُمُ الأُموُرَ بُعْثِرَتِ القُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ وَوُقِّفْتُمْ لِلتَّحْصِيلِ بَيْنَ يَدَيْ المَلِك الجَلِيلِ فَطَارَتْ القُلُوبُ لإِشْفَاقِهَا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ وَهُتِكَتِ الحُجُبُ وَالأَسْتَار وَظَهَرتْ مِنْكُم العُيُوبُ وَالأَسْرَار.
стр. 2808
هُنَالِكَ تُجْزَى كل نَفْس بِمَا كَسَبتْ قَالَ اللهُ ﷻ : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآيَة.
قَالَ بَعْضُ الحُكَمَاء:
تَبًا لِطَالِبِ دُنْيًا لا بَقَاءَ لَهَا ... كَأَنَّمَا هِيَ فِي تَعْرِيفِهَا حُلُمُ
صَفَاؤُهَا كَدَرٌ سُرُورُهَا ضَرَرٌ ... أَمَانُهَا غَرَرٌ أَنْوَارُهَا ظُلَمُ
شَبَابُهَا هَرَمٌ رَاحَاتُهَا سَقَمٌ ... لَذَّاتِها نَدَمٌ وُجْدَانُهَا عَدَمُ
لا يَسْتَفِيقُ مِنَ الأَنْكَادِ صَاحِبُهَا ... لَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَا قَدْ ضُمِّنَتْ أَرَمُ
فَخَلِّ عَنْهَا وَلا تَرْكَنْ لِزَهْرَتِهَا ... فَإِنَّهَا نِعَمٌ فِي طَيِّهَا نَقِمُ
وَاعْمَلْ لِدَارِ نعَِيمٍ لا نَفَادَ لَهَا ... وَلا يُخَافُ بِهَا مَوْتٌ وَلا هَرَمُ
آخر: ... يَا آمِنَ السَّاحَةِ لا يُذْعَرُ ... بَيْنَ يَدَيْكَ الفَزَعُ الأَكْبَرُ
وَإِنَّمَا أَنْتَ كَمَحْبُوسَةٍ ... حُمَّ رَداَهَا وَهِيَ لا تَشْعُرُ
وَالمَرْءُ مَنْصُوبٌ لَهُ حَتْفُهُ ... لَوْ أَنَّهُ مِنْ عَمَهٍ يُبْصِرُ
وَهَذِهِ النَّفْسُ لَهَا حَاجَةٌ ... وَالعُمْرُ عَنْ تَحْصِيلِهَا يَقْصُرُ
وَكُلَّمَا تُزْجَرُ عَنْ مَطْلَبٍ ... كَانَتْ بِهِ أَكْلَفَ إِذْ تُزْجَرُ
وَإِنَّمَا تَقْصُرُ مَغْلُوبَةً ... كَالمَاءِ عَنْ عُنْصُرِهِ يَقْصُرُ
وَرُبَّمَا أَلْقَتْ مَعَاذِيرَهَا ... لَوْ أَنَّهَا وَيْحَهَا تُعْذَرُ
وَنَاظِرُ المَوْتِ لَهَا نَاظِرٌ ... لَوْ أَنَّهَا تَنْظُرْ إِذْ يُنْظَرُ
وَزَائِرُ المَوْتِ لَهُ طَلْعَةٌ ... يُبْصِرُهَا الأَكْمَهُ وَالمُبْصِرُ
وَرَوْعَةُ المَوْتِ لَهَا سَكْرَةٌ ... مَا مِثْلُهَا مِنْ رَوْعَةٍ تُسْكِرُ
وَبَيْنَ أَطْبَاق الثَّرى مَنْزلٌ ... يَنْزِلُهُ الأَعْظَمُ وَالأَحْقَرُ
يَتْرُك ذُو الفَخْرِ بِهِ فَخُرَهُ ... وَصَاحِبُ الكِبْرِ بِهِ يِصْغُرُ
стр. 2809
.. قَدْ مَلأتْ أَرْجَاءَهُ رَوْعَةٌ ... نَكِيرُهَا المَعْرُوفُ وَالمُنْكَرُ
وَبَعْدُ مَا بَعْدُ وَأَعْظِمْ بِهِ ... مِنْ مَشْهَدٍ مَا قَدْرُهُ يُقْدَرُ
يُرْجَفُ مِنْهُ الوَرَى رَجْفَةً ... يَنْهَدُّ مِنْهَا المَلأ الأَكْبَرُ
وَلَيْسَ هَذَا الوَصْفُ مُسْتَوْفِيًا ... كُلَّ الذِي مِنْ وَصْفِهِ يُذْكَرُ
وَإِنَّمَا ذَا قَطْرَةُ أَرْسَلَتْ ... مِنْ أَبْحُرٍ تَتْبَعُهَا أَبْحُرُ
وَقَدْ أَتَاكَ الثَّبْتُ عَنْهُ بِمَا ... أَخْبَرَكَ الصَّادِقُ إِذْ يُخْبِرُ
فَاعْمَلْ لَهُ وَيْكَ وِإِلا فَلا ... عُذْرَ وَمَا مِثْلُكَ مَنْ يُعْذَرُ
اللَّهُمَّ في سِلْكِ الْفَائِزِنَ بِرِضْوانِكَ، واجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِكَ، وأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وعافنا يا مَوْلانا في الدُّنْيَا والآخِرةِ مِن جَمِيعِ الْبَلايَا وأجْزِلْ لِنَا مِنْ مَوَاهِب فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتَّعْنَا بالنَّظَر إلى وَجْهِكَ الْكَريمِ مَعَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
مَوْعِظَةٌ
قَالَ أَحَدُ العُلَمَاءِ ﵀ فِي مَوْعِظَةٌ وَعَظَهَا أَلا أَنَّ الدُّنْيَا بَقَاؤُهَا قَلِيلٌ، وَعَزِيزُهَا ذَلِيل، وَغَنِّيها فَقِير، شَابُّهَا يَهْرَمْ، وَحَيُّهَا يَمُوت، وَلا يَغُرُّكمْ إِقْبَالُهَا مَعَ مَعْرِفَتِكُم بِسُرْعَةِ إِدْبَارِهَا وَالمَغْرُورُ مِنِ اغْتَرَّ بِهَا.
أَيْنَ سُكَّانُهَا الذِينَ بَنُوا مَرَابِعَهَا وَشَقَّقُوا أَنْهَارَهَا وَغَرَسُوا أَشْجَارِهَا وَأَقَامُوا فِيهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَغَرَّتْهُمْ بِصُحْبَتِهم وَغُرُّوا بِنَشَاطِهِمْ فَرَكِبُوا المَعَاصِي إِنَّهُمْ كَانُوا وَاللهِ بِالدُّنْيَا مَغْبُوطِينَ بِالمَالِ عَلَى كثرة المَنْعِ عَلَيْهِ مَحْسُودِينَ عَلَى جَمْعِهِ.
مَا صَنَعَ التُّرَابُ بِأَبْدَانِهِمْ وَالرَّمْلُ بِأَجْسَامِهِم وَالدِّيدَانُ بِأَوْصَالِهِم وَلُحُومِهِم وِعِظَامِهِم وَإِذَا مَرَرْتَ فَنَادِهِمْ إِنْ كُنْتَ مُنَادِيًا وَادْعُهُمْ إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ دَاعِيًا.
وَمُرَّ بِعَسْكَرِهِم وِانْظُرْ إِلَى تَقَارُبِ مَنَازِلِهِمْ وَسَلْ غَنِيَّهُمْ مَا بَقَى مِنْ غِنَاهُ وَسَلْ فَقِيرِهُمْ مَا بَقَى مِنْ فَقْرِهِ، وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الأَلْسُنِ الَّتِي كَانُوا بِهَا يَتَكَلَّمُونَ
стр. 2810
وعن الأعين التي كَانُوا بها ينظرون وسلهم عن الأعضاء الرقيقة.
والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان.
محت الألوان، وأكلت اللحمان، وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقار، وأبانْتِ الأعضاء، ومزقت الأشلاء قَدْ حيل بينهم وبين الْعَمَل وفارقوا الأحبة.
فكم من ناعم وناعمة أصبحت وجوهم بإلية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم متمزقة، وقَدْ سألت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديدًا، ودبت دواب الأَرْض في أجسامهم، وتفرقت أعضاؤهم.
ثُمَّ لم يلبثوا إِلا يسيرًا حتى عادت العظام رميمًا قَدْ فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضائق قَدْ تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم.
فمِنْهُمْ والله الموسع له في قبره الغض الناعم فيه المتنعم بلذاته، فيا ساكن القبر ما الَّذِي غرك في الدُّنْيَا هل تظن أنك تبقى أو تبقى لك أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد وأين ثمرتك الحاضر ينعها وأين رقاق ثيابك وأين كسوتك لصيفك وشتائك هيهات هيهات يا مغمض الوالد والأخ وغاسلةً وحاملةً يا مدليه في قبره وراحل عَنْهُ، ليت شعري كبف نمت على خشونة الثرى، وبأي خديك بدأ البلى، يا مجاور الهلكى صرت في محله الموت، ليت شعري ما الَّذِي يلقاني به ملك الموت عَنْدَ خروج روحي من الدُّنْيَا.
شِعْرًا:
انْتَبِهْ مِنْ كُلِّ نَوْمٍ أَغْفَلَكْ ... وَاخْشَ رَبًّا بِالْعَطَايَا جَمَّلَكْ
تَابِعِ الْمُخْتَارَ وَاسْلُكْ نَهْجَهُ ... فَهُوَ نُورٌ مَنْ مَشَى فِيهِ سَلَكْ
ثِقْ بِمَوْلاكَ وَكُنْ عَبْدًا لَهُ ... إِنَّ عَبْدَ اللهِ فِي الدُّنْيَا مَلِكْ
جَدِّدِ التَّوْبَ عَلَى مَا قَدْ مَضَى ... مِنْ زَمَانٍ بِالْمَعَاصِي أَشْغَلَكْ
стр. 2811
حَاسِبْ النَّفْسَ وَعَلِّمْهَا الرِّضَى ... بِالْقَضَا وَاعْصِ هَوَاها تَرْضَ لَكْ
خُذْ مِنَ التَّقْوَى لِبَاسًا طَاهِرًا ... فَالتُّقَى خَيْرُ لِبَاسٍ يَمْتَلَكْ
دَاوِم الذِّكْرِ لِخَلاقِ الْوَرَى ... وَاتْرُكِ الأَمْرِ لِمَنْ أَجْرَى الْفَلَكْ
ذُلَّ وَاخْضَعْ وَاسْتَقِمْ وَاعْبُدْ لَهُ ... مُخْلِصًا يَفْتَحُ بَابَ الْخَيْرِ لَكْ
رَوِّحِ الْقَلْبَ لَهُ وَاعْكِفْ عَلَى ... بَابِهِ فَهُوَ الَّذِي قَدْ فَضَّلَكْ
زَيِّن الْبَاطِنَ بِالتَّقْوَى تَفُزْ ... حَسِّنِ الظَّاهِرَ تُعْطَى أَمَلَكْ
سَلِّمَ الأَمْرَ لَهُ تَسْلَمْ فَكَمْ ... مِن فَتَى إِذْ سَلَّمَ الأَمْرَ سَلَكْ
شُقَّ حُجْبَ الْكَوْنِ لِلْمَعْبُودِ لا ... تَلْتَفِتْ إِلا إليه يَقْبَلَكْ
صُنْ عَنْ الدُّنْيَا لِسَانًا وَيَدًا ... وَفُؤَادًا وَلَهُ اخْلِصْ عَمَلَكْ
ضُمَّ أَحْشَاكَ عَلَى تَوْحِيدِهِ ... فَهُوَ نُورٌ يُذْهِبُ الدَّاجِي الْحَلِكْ
طِبْ لَهُ وَاقْنَعْ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ ... فَهُوَ كَافٍ فَضْلَهُ قَدْ شَمَلَكْ
ظَنَّ خَيْرًا تَلْقَ مَا قَدْ تَرْتَجِي ... مِنْ جَمِيعِ الْخَيْرِ حَتَّى يَقْبَلَكْ
عُدْ إليه كُلَّمَا حَلَّ الْبَلا ... عَلَّ تَسْلَمْ مِنْ رَجِيمٍ سَوَّلَكْ
خُضْ بِحَارَ الْعُذْرِ فِي جَنْحِ الدُّجَى ... لِكَرِيمٍ بِالْعَطَايَا خَوَّلَكْ
فَاتْرُكِ التَّدْبِيرَ وَالْعِلْمَ لَهُ ... اسْأَلِ الْمَوْلَى يُصَفِّي مَنْهَلَكْ
قُلْ بِذُلِّ: يَا رَحِيمُ الرُّحَمَا ... يَا مُنْجِي بِالْعَطَايَا مَنْ هَلَكْ
كُنْ مُجِيرًا وَنَصِيرًا وَحِمَىً ... لِعُبَيْدٍ مُذْنِبٍ قَدْ سَأَلَكْ
لُذْتَ بِالْبَابِ فَحَاشَا أَنْ أُرَى ... تَعِبًا وَالأَمْرُ وَالتَّدْبِيرُ لَكْ
مَرَّ عَيْشِي وَالْخَطَا أَبْعَدَنِي ... وَاعْتِقَادِي الصَّفْحُ عَمَّا كَانَ لَكْ
نَجِّنَا مِنْ كُلِّ كَرْبٍ وَبَلا ... يَوْمَ يَلْقَى الْعَبْدُ مَكْتُوبَ الْمَلَكْ
هَبْ لَنَا السِّتْرَ وَلا تَفْضَحْ لَنَا ... يَا إِلَهِي وَاعْفُ عَمَّنْ سَاءَ لَكْ
يَا مُحِبَّ الْعَفْوِ يَسِّرْ أَمْرَنَا ... وَاقْضِ عَنَّا مَا لِمَخْلُوقٍ وَلَكْ
стр. 2812
.. وَتَحَنَّنْ بِالْعَطَايَا كَرَمًا ... أَنْتَ مَوْلانَا وَأَوْلَى مَنْ مَلَكْ
انتهى.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك ووفقنا للقيام بأمرك وأعذنا من عدونا وعَدُوّكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
اللَّهُمَّ أَنَا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانَا وأهلنا وأموالنا ونسألك أن تَغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ) : ذكر الترمذي من حديث أنس ﵁ عن النَّبِيّ ? قال: «يجَاءَ بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيوقف بين يدي الله فَيَقُولُ: الله له: أعطيتك وخولتك وأنعمت عَلَيْكَ فماذا صنعت؟ فَيَقُولُ: جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كَانَ فارجعني آتيك به، فَيَقُولُ له: أرني ما قدمت، فَيَقُولُ: يا رب جمعته وثمرته وتركته أكثر ما كَانَ فارجعني آتك به، فإذا عبد لم يقدم خيرًا فيمضى به إلى النار» .
فتفكر يا مسكين في نفسك ما دمت في قيد الحياة وأَنْتَ تحكم في مالك ولا لك معارض وتتصرف فيه كيف شئت واجعل يوم تبلى السرائر نصب عينيك بين ما أَنْتَ في هَذَا اليوم العَظِيم الَّذِي قَدْ امتلئت فيه القُلُوب من الخوف والقلق والرعب والذعر والانزعاج وقَدْ بلغت القُلُوب الحناجر.
قال تَعَالَى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ فبينما النَّاس في هذه الحال التي حدثت عَنْهَا إذا جيء بجنهم تقاد بسبعين ألف زمام مَعَ كُلّ زمان سبعون ألف ملك يجرونها حتى تَكُون بمرأى من الخلق ومسمَعَ يرون لهيبها ويسمعون زفيرها فبينما أَنْتَ في تلك الحال إذا أخذ بضبعك وقبض على عضديك وجيء بك تتخطى الرقاب وتخترق الصفوف
стр. 2813
والخلائق ينظرون إليك حتى إذا وقفت بين يدي الله تَعَالَى فسئلت عن القليل والكثير والدقيق والجليل والقطمير والنقير ولا تجد أحدًا يجاوب عَنْكَ بلفظة ولا يعينك بكلمة ولا يرد عَنْكَ جوابًا في مسألة.
وأَنْتَ شاهدت من عظم الأَمْر وجلالة القدر وهيبة الحظرة ما أذهب بيانك وأخرس لسانك وأذهل جنانك.
ونظرت يمينًا وشمالاً وبين يديك فلم تر إِلا النار وعملك الَّذِي كنت تعمل وكلمك رب العزة ﷻ بغير حجاب يحجبك ولا ترجمان يترجم لك.
وكيف تَكُون حيرتك ودهشتك إذا قيل: عاملت فلانَا يوم كَذَا وَكَذَا في كَذَا وَكَذَا وغبنته في كَذَا وَكَذَا وغششته في السلعة الفلانية.
وتركت نصيحته في كَذَا وَكَذَا وبعته السلعة المعيوبة ولم تبين له العيب أو غصبت فلانَا أو ظلمت فلانَا أو قتلت فلانَا أو أعنت فلانَا أو أعنت على قتله أو نحو ذَلِكَ.
وقيل: ما حجتك أقم بينة ائت ببرهان فأردت الكلام فلم تبين وجئت بعذر فلم يستبن هيهات أنى لك الكلام ولم تنقحه وأنى لك بالعذر في الدُّنْيَا لم تصححه قال الله جَلَّ وَعَلا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ .
وَقَالَ ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ الآيات، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ الآيتين.
فَانْظُرْ في هَذَا الموقف عَنْدَ السؤال بأي بدن تقف بين يدي الله وبأي لسان تجيبه فأعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا فما شئت من قلب يخلع ومن كبد تصدع ومن لسان يتلجج ومن أحشاء تتموج ومن نفس تريد أن تخَرَجَ.
стр. 2814
شِعْرًا: ... سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ أَيَّةُ لَيْلَةٍ ... مَخَضَتْ صَبِيحَتُهَا بِيَوْمِ الْمَوْقِفِ
لَوْ أَنَّ عَيْنًا أَوْهَمَتْهَا نَفْسُهَا ... يَوْمَ الْحِسَابِ تَمَثُّلاً لَم تَطْرُفِ
وانظر ما أشأم تلك الأرباح التي ربحتها وأخسر تلك المعاملات التي ألهتك عن ما خلقت له انظر كيف ذهبت عَنْكَ مسراتها وبقيت حسراتها والشهوات التي في ظلم العباد انْفَذْتَهَا كيف ذهب عَنْكَ الفرح بها وبقيت التبعة.
وانظر هل يقبل منك فدا في ذَلِكَ الموقف الرهيب وما الَّذِي يخلصك من ذَلِكَ السؤال قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ .
وفي بعض الأخبار يتمنى رِجَال أن يبعث بِهُمْ إلى النار ولا تعرض قبائحهم على الله تَعَالَى ولا تكشف مساوئهم على رؤوس الخلائق، فما ظنك بهَذَا المقام وبهَذَا السؤال وبهَذَا النكال والوبال.
وما ظنك بنفسك وقَدْ جيء بجهنم على الوصف الَّذِي تقدم وقَدْ دنت من الخلائق، وشهقت وزفرت، وثارت وفارت.
ونهض خزانها والموكلون بها، والمعدون لتعذيب أهلها متسارعين إلى أخذ من أمروا بأخذه، ساحبين له على بطنه وحرِّوََجْهِهِ سامعين مطيعين لله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
فتصور حالك وكيف وقَدْ امتلأت القُلُوب خوفًأ ورعبًا وذعرًا وفزعًا، وارتعدت الفرائص، وبلغت القُلُوب الحناجر، واصطفت الأحشا، وتقطعت الأمعاء، وطلبوا الفرار وطاروا لو يحصل لَهُمْ مطار.
وجئت الأمم على الركب وأيقن المذنوبون بالهلاك والعطب وسوؤ المنقلب، ونادى الأنبياء والصديقون والأَوْلِيَاء: نفسي نفسي.
كُلّ نفس قَدْ أفردت لشأنها وتركت لما بها قال الله جَلَّ وَعَلا وتقدس:
стр. 2815
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ ، ,قال ﵎: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ وظن كُلّ إنسان أنه هُوَ المأخوذ وأنه هُوَ المقصود والمطلوب، وذهلت العقول وطاشت الألباب، وتحيرت الأذهان، وفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.
واشتغل بشأنه الَّذِي يهمه ويعنيه، وسئل عن جَمِيع أمره سره وجهره، دقيقه وجليله كثيره وقليله، وسئل عن أعضائه عضوًا عضوًا وجارحة، وعن شكره عَلَيْهَا، وعن أداء حق الله فيها.
وظهرت القبائح وكثرت الفضائح، وبدت المخازي واشتهرت المساوي، وتركك الأَهْل والأقربون، ولم ينفعك مال ولا بنون، وأقبلت تجادل عن نفسك وتخاصم عَنْهَا وتطلب المعاذير لها قال الله جَلَّ وَعَلا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ .
وقَدْ أسلمت وأفردت واشتغل كُلّ إنسان عَنْكَ بنفسه قال الله جَلَّ وَعَلا: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ، وَقَالَ عز من قائل: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ الآيَة.
وأنشدوا:
خَلِيلِي مَا أَقْضِي وَمَا أَنَا قَائِلٌ ... إِذَا جِئْتُ عَنْ نَفْسِي بِنَفْسِي أُجَادِلُ
وَقَدْ وَضَعَ الرَّحْمَنُ فِي الْخَلْقِ عَدْلَهُ ... وَسِيقَ جَمِيعُ النَّاسِ واليوم بَاسِلُ
وَجِيءَ بِجُرْم النَّارِ خَاضِعَة لَهُ ... وَثُلَّثْ عُرُوشٌ عِنْدَهَا وَمَجَادِلُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي ذَلِكَ اليوم هَلْ أَنَا ... أَأَغْفَر أَمْ أُجْزَى بِمَا أَنَا فَاعِلُ
فَإِنْ أَكُ مُجْزِيًا فَعَدْلٌ وَحُجَّةٌ ... وَإِنْ يَكُ غُفْرَانٌ فَفَضْلَ وَنَائِلُ
آخر: ... أَلَمْ تَسْمَعْ عَن النَّبَأَ الْعَظِيمِ ... وَعَنْ خَطْبِ خُلِّقَتَ لَهُ جَسِيم
стр. 2816
وَزِلْزَالٍ يَهُدُّ الأَرْضَ هَدًّا ... وَيَرْمِي فِي الْحَضِيضَةٍ بِالنُّجُومِ
وَأَهْوَالٍ كَأَطْوَادٍ رَوَاسِي ... تَلاطَمُ فِي ظُلُوعِ كَالْهَشِيمِ
فَمِنْ رَاسٍ يَشِيبُ وَمِنْ فُؤَادٍ ... يَذُوبُ وَمِن هُمُومٍ فِي هُمُومِ
وَسَكْرَانٍ وَلَمْ يَشْرَبْ لِسُكْرٍ ... وَهَيْمَانٍ وَلَمْ يَعْلقْ بِرِيمِ
وَمُرْضِعَةٍ قَدْ أَذْهَلَهَا أَسَاهَا ... فَمَا تَدْرِي الرَّضِيعَ مِن الْفَطِيمِ
وَمُؤْتَمَةٍ تَوَلَّتْ عَنْ بَنِيهَا ... وَأَلْقَتْ بِإليتِيمَةِ وَاليتِيمِ
وَحُبْلَى أَسْقَطَتْ ذُعْرًا وَخَوْفًا ... فَيَاللهِ لِلْيَوْمِ الْعَقِيمِ
وَهَذَا مَشْهَدٌ لا بُدَّ مِنْهُ ... وَجَمْعٌ لِلْحَدِيثِ وَلِلْقَدِيمِ
وَمَا كِسْرَى وَقَيْصَرُ وَالنَّجَاشِي ... وَتُبَّعُ وَالْقُرُومُ بَنُوا الْقُرُومِ
بِذَاكَ اليوم إِلا فِي مَقَامٍ ... أَذَلَّ مِن التُّرَابِ لِذِي السَّلِيمِ
وَمَا لِلْمَرْءِ إِلا مَا سَعَاهُ ... لِدَارِ الْبُوْسِ أَوْ دَارِ النَّعِيمِ
وَأَنْتَ كَمَا عَلِّمْتَ وَرَبَّ أَمْرٍ ... يَكُونُ أَذَاهُ أَوْقَعُ بِالْعَلِيمِ
فَدَعْ عَيْنَيْكَ تَسْبَحْ فِي مَعِينٍ ... وَقَلْبَكَ ذَرْهُ يَقْلُبُ فِي جَحِيمِ
وَشُقَّ جُيُوبَ صَبْرِكَ شَقَّ ثُكْلَى ... تَعَلَّقَتِ ابْنَهَا رَجُلاً سَهُومِ
وَمَاذَا الأَمْرُ ذَلِكُمُ وَلَكِنْ ... تُشَبَّهُ بِالْبِحَارِ يَدُ الْكَرِيمِ
اللَّهُمَّ نجنا بِرَحْمَتِكَ من النار وعافنا من دار الخزي والبوار وأدخلنا بِفَضْلِكَ الْجَنَّة دار القرار وعاملنا بكرمك وجودك يا كريم يا غفار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
خطبة في أشراط الساعة لأحد الْعُلَمَاء رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى
الحمد لله الَّذِي جعل الليل والنَّهَارَ خلقة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً
стр. 2817
الَّذِي اعترفت بوحدانيته جَمِيع مخلوقاته فارجع البصر إلى السماء هل تَرَى من فطور أحمده حمد عبد معترف بصدق اليقين وأشكره شكرًا دائمًا في كُلّ حين.
وأشهد أن لا إله وحده لا شريكه له الملك الحق المبين وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين اللَّهُمَّ صلِّ وسلم على عبدك ورسولك مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وصلاة وسلامًا يمتدان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها النَّاس اتقوا الله تَعَالَى فإن تقواه من النار حصن حصين وتنزهوا عن حب الدُّنْيَا كي تفوزوا مَعَ الزاهدين عباد الله انتبهوا من رقادكم فإن الأجل إلى القبور يسير ولم يبق من دنياكم إِلا إليسير اقتربت الساعة فالدُّنْيَا على شرف هار وظهرت علامتها ظهور الشمس في رابعة النَّهَارَ.
ألا إن الدُّنْيَا قَدْ أدبرت وولت حذاء ولم يبق منها إِلا كصبابة عيش يتصابها أهلها وإن الآخِرَة قَدْ أقبلت فكونوا من أبناء الآخِرَة ولا تكونوا من أبناء الدُّنْيَا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل، أما ترون الأمانة قَدْ ضيعت والزمان تغير بظهور الفواحش في كُلّ مكَانَ وتتابع الفتن ودخولها من كُلّ باب ووقوف الأعراب على أفواه الشعاب وتطاول الحفاة العراة في البنيان.
وفشو الحسد والظلم والجور وقتل النفس بغير حق ونزع الإِيمَان والرحمة من القُلُوب وجور الحكام وفتك الأعراض وموت الْعُلَمَاء العاملين واحدًا بعد واحد كأنهم للمنية أغراض.
وفشو الزنا والربا وهما سبب الفقر والأمراض وساد القبيلة منافقوها وعلا فجارها صالحيها وصار زعيم القوم أرذلهم وارتفعت الأصوات في المساجد وأكرم الرجل مخافة شره فصار العاصي عَنْدَ النَّاس قريبًا والمطيع بين أظهرهم غريبًا.
стр. 2818
ألا هل معين على غربة الإسلام ألا هل معين على غربة الإسلام فقَدْ بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فعَنْدَ ظهور هذه العظائم يؤخذ بالجرائم أما كَانَ المغنم دولاً والأمانة مغنمًا والزَّكَاة مغرمًا أما تعلم العلم لغير الدين أما أطاع الرجل زوجته وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه.
أما شربت المسكرات ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف ألا فإن المصطفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلاة والسَّلام قال: «إذا ظهرت هذه فارتقبوا عَنْدَ ذَلِكَ ريحًا حمرًا ومسخًا وخسفًا» . وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة مرفوعًا: «لن أن تَقُوم الساعة حتى تروا عشر آيات فذكر الدخان وخروج يأجوج ومأجوج وتخريب الكعبة ورفع القرآن من صدور حامليه وخروج الدابة ومحمدًا المهدي وطلوع الشمس من مغربها.
فإذا طلعت ورآها النَّاس آمنوا أجمعون فذَلِكَ حين لا ينفع نفسًا إيمانه لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا وآخر الآيات نار تخَرَجَ من إليمن تطرد النَّاس إلى محشرهم تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معه حيث قَالُوا» .
فانتبهوا لهذه الأهوال بما يؤمنكم بالتوبة النصوح والزموا باب مولاكم واقرعوه فإنه مفتوح ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
أجارني الله وإياكم من عذاب النار وأصلح لي ولكم الْعَمَل لدار القرار.
إن أحسن المواعظ للمتدبرين كلام الله الملك الحق المبين والله يَقُولُ وبقوله يهتدي المؤمنون: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . أعوذ بِاللهِ من الشيطان الرجيم: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ .
بارك الله لي ولكم في القرآن العَظِيم. ونفعني وإياكم بما فيه الآيات والذكر
стр. 2819
الحكيم أَقُول قولي هَذَا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كُلّ ذنب فاستغفروه إنه هُوَ الغفور الرحيم.
(فَصْلٌ)
وخَرجَ مسلم من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أَبِي هُرَيْرَةِ وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة كلاهما عن النَّبِيّ ﷺ ، فذكر حديث الشفاعة، وفيه قال: «فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُومُ وَيُؤْذَنُ لَهُ وَتُرْسَلُ معه الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَيَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ» ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْء كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَأَشَدِّ الرِّجَال تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، وَحَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلا زَحْفًا» . قَالَ: «وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمُكَرْدَسٌ فِي النَّارِ» . وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا.
وروى أبو الزعراء عن ابن مسعود قال: (يأمر الله بالصراط فيضرب على جهنم فيمر النَّاس عَلَى قَدْرِ أعمالهم زمرًا زمرًا، أوائلهم كلمح البرق، ثُمَّ كمر الريح، ثُمَّ كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم يتلبط على بطنه، فَيَقُولُ: يا رب لم بطأت بي؟ فَيَقُولُ: إني لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك) ، وَذَلِكَ أن الإِيمَان والْعَمَل الصالح في الدُّنْيَا هو
стр. 2820
الصراط المستقيم في الدُّنْيَا الَّذِي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عَلَيْهِ وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هَذَا الصراط المستقيم في الدُّنْيَا، ولم ينحرف عَنْهُ يمنةً ولا يسرةً استقام سيره على الصراط المنصوب على متن جهنم ومن لم يستقم سيره على الصراط المستقيم في الدُّنْيَا بل انحرف عَنْهُ إمّا إلى فتنة الشبهات، أو إلى فتنة الشهوات كَانَ اختطاف الكلاليب له على صراط جهنم، بحسب اختطاف الشبهات والشهوات له عن هَذَا الصراط المستقيم.
شِعْرًا:
أَمَامِي مَوْقِفٌ قُدَّامُ رَبِّي
يُسَائِلْنِي وَيَنْكَشِفُ الْغِطَاءُ
وَحَسْبِي أَن أَمُرَّ عَلَى صِرَاطٍ
كَحَدِّ السَّيْفِ أَسْفَلُهُ لَظَاءُ ... >?
ففكر في أهوال الصراط وعظائمه، وما يحل بالإِنْسَان من الذعر والخوف عَنْدَ رؤيته، ووقوع بصرك على جهنم من تحته، وسماعك شهيقها وتغيظها على الكفرة، وقَدْ اضطرت إلى أن تمشي على الصراط الَّذِي مرت صفته وصفة المُرُور عَلَيْهِ مَعَ ضعف حالك، وكونك حافيًا عاريًا، وثقل الظهر بالأوزار المانعة عن المشي في الأَرْض المستوية فضلاً عن المشي على حد الصراط، فتصور وضعك رجلك عَلَيْهِ وإحساسك بحدته وأَنْتَ مضطر إلى أن ترفع رجلاً وتضع الأخرى، وأَنْتَ مندهش مِمَّا تحتك وأمامك ممن يئنون، وآخرون يزلون، وآخرون يخطفون بالخطاطيف وبالكلاليب، والعويل والبُكَاء تسمَعَ له تتابعًا وَدَوِيًّا، وتنظر الَّذِينَ ينتكسون على رؤوسهم، وآخرون على
стр. 2821
وجوههم، فتعلوا الأرجل، فيا له من منظر فظيع، ومرتقًى ما أصعبه، ومجاز ما أضيقه، ومكَانَ ما أهوله، وموقف ما أشقه، وكأني بك مملوء من الرعب والذعر، تلفت يمينًا وشمالاً إلى من حولك من الخلق، وتجيل فيهم بصرك، وهم يتهافتون قدامك في جهنم، والزعقات بالويل والثبور قَدْ ارتفعت من قعر جهنم، لكثرة من يزل عن الصراط، والنَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: «رب سلم سَلم» . فتصور لو زلت قدمك فهل ينفعك ندمك، وتحسرك في ذَلِكَ الوَقْت كلا {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} .
اللَّهُمَّ يا حي يا قيوم يا بديع السماوات والأَرْض نسألك أن تكفينا ما أهمنا وما لا نهتم به وأن ترزقنا الاستعداد لما أمامنا بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى وآله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
رحلة ومصير:
... يَا مَنْ يُتَابِعُ سَيَّدَ الثَّقَلانِ
كُنْ لِلْمُهَيْمِنِ صَادِقَ الإِيمَانِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ خَالِقُكَ الَّذِي
سَوَّاكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِنْسَانِ
خَلَقَ الْبَرِيَّةَ كُلَّهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ
تَدْعُوهُ بِالإِخْلاصِ وَالإذْعَانِ
قَدْ أَرْسَلَ الآيَاتِ مِنْهُ مُخَوِّفًا
لِعِبَادِهِ كَيْ يُخْلِصَ الثَّقَلانِ
وَأَبَانَ لِلإِنْسَانِ كُلَّ طَرِيقَةٍ
كَيْ لا يَكُونَ لَهُ اعْتِذَارٌ ثَانِي ... >?
стр. 2822
.. ثُمَّ اقْتَضَى أَمْرًا وَنَهْيًا عَلَّهَا
تَتَمَيَّزُ التَّقْوَى عَنِ الْعِصْيَانِ
وَوُلِدْتَ مَفْطُورًا بِفِطْرَتِكَ الَّتِي
لَيْسَتْ سِوَى التَّصْدِيقِ وَالإيمَانِ
وَبُلِيتَ بِالتَّكْلِيفِ أَنْتَ مُخَيَّرٌ
وَأَمَامَكَ النَّجْدَانِ مُفْتَتَحَانِ
فَعَمِلْتَ مَا تَهْوَى وَأَنْتَ مُرَاقَبٌ
مَا كُنْتَ مَحْجُوبًا عَنِ الدَّيَّانِ
ثُمَّ انْقَضَى الْعُمْرُ الَّذِي تَهْنَا بِهِ
وَبَدَأْتَ فِي ضَعْفٍ وَفِي نُقْصَانِ
وَدَنَا الْفِرَاقُ وَلاتَ حِينَ تَهَرُّبٌ
أَيْنَ الْمَفَرُّ مِن الْقَضَاءِ الدَّانِي
وَالْتَفَّ صَحْبُكَ يَرْقُبُونَ بِحَسْرَةٍ
مَاذَا تَكُونُ عَوَاقِبُ الْحَدَثَانِ
وَاسْتَلَّ رُوحَكَ وَالْقُلُوبُ تَقَطَّعَتْ
حَزَنًا وَأَلْقَتْ دَمْعَهَا الْعَيْنَانِ
فَاجْتَاحَ أَهْلَ الدَّارِ حُزْنٌ بَالِغٌ
وَاجْتَاحَ مَنْ حَضَرُوا مِنَ الْجِيرَانِ
فَالْبِنْتُ عَبْرَى لِلْفِرَاقِ كَئِيبَةً
وَالدَّمْعُ يَمْلأ سَاحَةَ الأَجْفَانِ
وَالزَّوْجَ ثَكْلَى وَالصِّغَارُ تَجَمَّعُوا
يَتَطَّلَعُونَ تَطَلُّعَ الْحَيْرَانِ ... >?
стр. 2823
.. وَالابْنُ يَدْأَبُ فِي جِهَازِكَ كَاتِمًا
شَيْئًا مِنَ الأَحْزَانِ وَالأَشْجَانِ
وَسَرَى الْحَدِيث وَقَدْ تَسَائَلَ بَعْضُهُمْ
أَوْ مَا سَمِعْتُمْ عَنْ وَفَاةِ فُلانِ
قَالُوا سَمِعْنَا وَالْوَفَاةُ سَبِيلُنَا
غَيْرَ الْمُهَيْمِنِ كُلُّ شَيْءٍ فَانِي
وَأَتَى الْحَدِيث لِوَارِثِيكَ فَأَسْرَعُوا
مِنْ كُلِّ صَوْبٍ لِلْحُطَامِ الْفَانِي
وَأَتَى الْمُغَسِّلُ وَالْمُكَفِّنُ قَدْ أَتَى
لِيُجَلِّلُوكَ بِحُلِّةِ الأَكْفَانِ
وَيُجَرِّدُوكَ مِنَ الثِّيَابِ وَيَنْزَعُوا
عَنْكَ الْحَرِيرَ وَحُلَّةَ الْكَتَّانِ
وَتَعُودُ فَرْدًا لَسْتَ حَامِلَ حَاجَةٍ
مِن هَذِهِ الدُّنْيَا سِوَى الأَكْفَانِ
وَأَتَى الْحَدِيث لِوَارِثِيكَ فَأَسْرَعُوا
فَأَتُوا بِنَعْشٍ وَاهِنَ الْعِيدَانِ
صَلُّوا عَلَيْكَ وَأَرْكَبُوكَ بِمَرْكَبٍ
فَوْقَ الظُّهُورِ يُحَفُّ بِالأَحْزَانِ
حَتَّى إِلَى الْقَبْرِ الَّذِي لَكَ جَهَّزُوا
وَضَعُوكَ عِنْدَ شَفِيرِهِ بِحَنَانِ
وَدَنَا الأَقَارِبُ يَرْفَعُونَكَ بَيْنَهُمْ
لِلْحَدِّ كَيْ تُمْسِي مَعَ الدِّيدَانِ ... >?
стр. 2824
.. وَسَكَنْتَ لَحْدًا قَدْ يَضِيقُ لِضَيْقِهِ
صَدْرَ الْحَلِيمِ وَصَابِرُ الْحَيَوَانِ
وَسَمِعْتَ قَرْعَ نِعَالِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا
وَضَعُوكَ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ الثَّانِي
فِيهِ الظَّلامُ كَذَا السُّكُونُ مُخَيَّمٌ
وَالرُّوحُ رَدَّ وَجَاءَكَ الْمَلَكَانِ
وَهُنَا الْحَقِيقَةُ وَالْمُحَقِّقُ قَدْ أَتَى
هَذَا مَقَامُ النَّصْرِ وَالْخُذْلانِ
إِنْ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا لِرَبِّكَ مُخْلِصًا
تَدْعُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالإِيمَانِ
فَتَظَلُّ تَرْفُلُ فِي النَّعِيمِ مُرَفَهًا
بِفَسِيحِ قَبْرٍ طَاهِرِ الأَرْكَانِ
وَلَكَ الرَّفِيقُ عَنِ الْفِرَاقَ مُسَلِّيًا
يُغْنِي عَنِ الأَحْبَابِ وَالأَخْدَانِ
فُتِحَتْ عَلَيْكَ مِنَ الْجِنَانِ نَوَافِذٌ
تَأْتِيكَ بِالأَنْوَارِ وَالرَّيْحَانِ
وَتَظَلُّ مُنْشَرِحَ الْفُؤَادِ مُنْعَمًا
حَتَّى يَقُومَ إِلَى الْقَضَا الثَّقَلانِ
تَأْتِي الْحِسَابَ وَقَدْ فَتَحَتَ صَحِيفَةً
بِالنُّورِ قَدْ كُتِبَتْ وَبِالرِّضْوَانِ
وَتَرَى الْخَلائِقَ خَائِفِينَ لِذَنْبِهِمْ
وَتَسِيرُ أَنْتَ بِعِزَّةٍ وَأَمَانِ ... >?
стр. 2825
.. وَيُظِلُّكَ اللهُ الْكَرِيمُ بِظِلِّهِ
وَالنَّاسُ فِي عَرَقٍ إِلَى الآذَانِ
وَتَرَى الصِّرَاطَ وَلَيْسَ فِي صُعُوبَةٌ
كَالْبَرَقِ تَعْبُرُ فِيهِ نَحْوَ جِنَانِ
فتَرَى الْجِنَانَ بِحُسْنِهَا وَجَمَالِهَا
وَتَرَى الْقُصُورَ رَفِيعَةَ الْبُنْيَانِ
طِبْ فِي رَغِيدِ الْعَيْشِ دُونَ مَشَقَّةٍ
تَكْفِي مَشَقَّةٌ سَالِفِ الأَزْمَانِ
وَالبَسْ ثِيَابَ الْخُلْدِ وَاشْرَبْ وَاغْتَسِلْ
وَابْعِدْ عَنِ الأَكْدَارِ وَالأَحْزَانِ
سِرْ وَانْظُرْ الأَنْهَارَ وَاشْرَبْ مَاءَهَا
مِنْ فَوْقِهَا الأَثْمَارُ فِي الأَفْنَانِ
وَالشَّهْدُ جَارٍ فِي الْعُيُونِ مُطَهَرٌ
مَعَ خَمْرَةِ الْفِرْدَوْسِ وَالأَلْبَانِ
وَالزَّوْجُ حُورٌ فِي الْبُيُوتِ كَوَاعِبٌ
بِيضُ الْوُجُوهِ خَوَامِصُ الأَبْدَانِ ... >?
... أَبْكَار شِبْهِ الدَّارِ فِي أَصْدَافِهِ ... وَاللُّؤلُو الْمَكْنُونِ وَالْمُرْجَانِ
وَهُنَا مَقَرٌّ لا تَحُولَ بَعْدَهُ ... فِيهِ السُّرُورِ بِرُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ
أَمَّا إِذَا مَا كُنْتَ فِيهَا مُجْرِمًا ... مُتَتَبِّعًا لِطَرَائِقِ الشَّيْطَانِ
ثَكِلْتَكَ أُمُّكَ كَيْفَ تَحْتَمِلُ الأَذَى ... أَمْ كَيْفَ تَصْبِرُ فِي لَظَى النِّيَرانِ
فَإِذَا تَفَرَّقَ عَنْكَ صَحْبُكَ وَانْثَنَى ... حُمَّالُ نَعْشِكَ جَاءَكَ الْمَلَكَانِ
جَاءآلآ مَرْهُوبِينَ منِ ْعيَنْيِهِمَا ... تُرْمَى بِأَشْوَاظٍ مِنَ النِّيرَانِ
стр. 2826
سَألاكَ عَنْ رَبٍّ قَدِيرٍ خَالِقٍ ... وَعَنِ الَّذِي قَدْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ
فَتَقُولُ لا أَدْرِي وَكُنْتُ مُصَدِّقًا ... أَقْوَالُ شِبْهِ مَقَالَةِ الثَّقَلانِ
فَيُوبِّخَانِكَ بِالْكَلامِ بِشَدَّةِ ... وَسَيَضْرِبَانِكَ ضَرْبَةَ السَّجَانِ
فَتَصِيح صَيْحَةَ آسَفٍ مُتَوَجِّعٍ ... وَيَجِي الشُّجَاعُ وَذَاكَ هَوْلٌ ثَانِي
وَيَجِي الرَّفِيقُ فَيَا قَبَاحَةَ وَجْهِهِ ... فَكَأَنَّهُ مُتَمَرِّدٌ مِنْ جَانِ
وَتَقُولُ يَا وَيْلا أَمَالِي رَجْعَةٌ ... حَتَّى أحلَّ بِسَاحَةِ الإِيمَانِ
لَوْ عُدْتَ لِلدُّنْيَا لَعُدْتَ لِمَا مَضَى ... فِي جَانِبِ التَّكْذِيبِ وَالْعِصْيَانِ
اللَّهُمَّ يا جامَعَ النَّاس ليوم لا ريب فيه اجمَعَ بيننا وبين الصدق والنِّيْة الصَّالِحَة والإِخْلاص والخشوع والْمُرَاقَبَة واليقين والعلم والمعرفة والفصاحة والبيان والفهم في القرآن وخصنا منك بالمحبة والاصطفائية ووفقنا للعمل الصالح الرشيد والرزق الهنيء الَّذِي لا حجاب به في الدُّنْيَا ولا حساب ولا سؤال ولا عقاب عَلَيْهِ في الدُّنْيَا والآخِرَة، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آله وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
نصيحة لهارون الرشيد
قام مُحَمَّد بن أوس الهلالي لهارون الرشيد واعترضه عِنْد الحجر فَقَالَ: يا أمير الْمُؤْمِنِين استمَعَ كلامي فإنك إن سمعته حقًا قبلته وإن سمعته باطلاً فلا تعبأ به فوقف الرشيد.
فَقَالَ أوس: يا من غذي في نعيم وتردد في ملك سليم إن خفت الْعَذَاب الأليم وأحببت البقاء في سرور فلا تسمعن ممن أَنْتَ بينهما ولا تغترن بشَيْء من قولهما فإن الله يخلو بك دونهما والموت يصل إليك على الطوع
стр. 2827
والكره منهما فلا تصدقان بالذليل ولا تتكثرن بالقليل ولا تعتصم بغير دافع ولا تطمئن إلى غير مانع لا يمنع ولا يدفع عَنْكَ.
فإنك بعين الله وبحضرة بيته الَّذِي جعله مثابةً للناس الزائرين ومنحجرًا للفاجر فانتفض الرشيد وجلس وخلا يديه عنهما وأومأ أن خذوا الرجل فأخذ حتى قضى طوافه وصلى وَرَجَعَ إلى المنزل الَّذِي نزل به ودعا بالرجل فأدخل عَلَيْهِ شيخ جليل.
فَقَالَ: من قبيلتك؟ قال: بنو هلال. قال: قبيلة مشهورة فما حَمَلَكَ أن كلمتني بالَّذِي كلمتني.
قال: إشفاقًا عَلَيْكَ إذا أنضيت الركاب وأتعب الرِّجَال وأنفقت الأموال في أمور الله أعلم بها حتى إذا صرت إلى غاية الطالب وموضع ترجو فيه الرحمة اعتمدت على ظالمين طاغيين قَدْ جبلا على الغشم ونشأ على الظلم وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ .
فنكس الرشيد رأسه وأقبل ينكت في الأَرْض وعَيْنَاهُ تذرفان ثُمَّ رفع رأسه فَقَالَ: من أين مطعمك وشربك؟ قال: من عِنْد من يرزقك. قال: من ذاك؟ قال: من عِنْد من خلق الحب والنوى وأخَرَجَ الحب من الثرى من طعام سهرت فيه العيون وتعبت في حصاده الأجساد وحرسته الملائكة حتى أتاني به القدر بلا رنق ولا كدر.
قال: ألك عيال؟ قال: نعم. قال: ومن هنَّ؟ قال: زوجة. قال: أتختلف إلى تجارة أو تحترف في صناعة؟ قال: قَدْ كفان الله مؤنةً ذَلِكَ بالعافية. قال: أفلا أجري عَلَيْكَ رزقًا تستعين به على بعض أمورك وتستغني به عن الطلب من غيرك؟ قال: إني بِاللهِ أغنى مني بما بذلت لي من ذَلِكَ.
قال: ألك حَاجَة؟ قال: نعم، أطع الله فيما تعلم من سرك فإنك تصل إلى كُلّ محبوب وتنال به كُلّ مطلوب ولست تبلغ شَيْئًا من نكاية عَدُوّكَ
стр. 2828
إِلا من طَاعَتكَ لربك فإنك إن أطعته جعل ناصية عَدُوّكَ بيدك فلا تشاء أمرًا إِلا بلغته ولا مكروهًا إِلا نلته.
قال: ألك حَاجَة غيرها؟ قال: أتؤمنني من الموت؟ قال: لا أقدر على ذَلِكَ، قال: فتجيرني من النار؟ قال: لَيْسَتْ في يدي، قال: فتدخلني الْجَنَّة؟ قال: لست أملك، قال: أفتحي لي ميتًا حتى أساله عما عاين ورأى، قال: ذاك في قدرة غيري. قال: ما أَنْتَ إِلا كسائر من تَرَى من رعيتك غير أن الله فضلك عَلَيْهمْ بما أعطاك من هَذَا الحطام الزائل واستخلفك في الأَرْض لينظر كيف تعمل.
ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ الرشيد: الحمد لله الَّذِي جعل في رعية أَنَا عَلَيْهَا مثله ولا تزال هذه الأمة بخَيْر ما لم يعدموا هَذَا ونظراءه وأشباهه.
قُلْتُ: هَذَا من رقم (١) في العفاف والزهد. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.
شِعْرًا: ... اعْمَلْ بَعَلْمِكَ تَغْنَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ ... لا يَنْفَعُ الْعِلْمُ إِنْ لَمْ يَحْسُنِ الْعَمَلُ
وَالْعِلْمُ زينٌ وَتَقْوَى اللهِ زِينَتُهُ ... وَالْمُتَّقُونَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِمْ شُغُلُ
وَحُجَّةُ اللهِ يَا ذَا الْعِلْم بَالِغَةٌ ... لا الْمَكْرُ يُنْفَعُ فِيهَا لا وَلا الْحِيَلُ
تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَاعْمَلْ مَا اسْتَطَعْتَ بِهِ ... لا يُلْهِيَنَّكَ عَنْهُ اللَّهْوُ وَالْجَدَلُ
وَعَلِّمِ النَّاسَ وَاقْصُدْ نَفْعَهُمْ أَبَدَا ... إِيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ يَعْتَادَكَ الْمَلَلُ
وَعِضْ أَخَاكَ بِرِفْقٍ عِنْدَ زَلَّتِهِ ... فَالْعِلْمُ يَعْطِفُ مَنْ يَعْتَادُهُ الزَّلَلُ
وَإِنْ تَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لا خَلاقَ لَهُمْ ... فَأَمُرْ عَلَيْهمْ بِمَعْرُوف إِذَا جَهَلُوا
فَإِنْ عَصَوْكَ فَرَاجِعْهُمْ بِلا ضَجَر ... وَاصْبِرْ وَصَابِرْ وَلا يَحْزُنْكَ مَا فَعَلُوا
فَكُلُّ شَاةٍ بِرِجْلَيْهَا مُعَلَّقَةٌ ... عَلَيْكَ نَفْسَكَ إِنْ جَارُوا وَإِنْ عَدَلُوا
اللَّهُمَّ إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمَعَ بها شملنا،
стр. 2829
وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكي بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كُلّ سوء يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين.
اللَّهُمَّ يا عَالِم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إِلا أَنْتَ إليك المصير.
نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ويا أرأف الرائفين وأكرم الأكرمين، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وعلى آله وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
(من رسالة الإمام مالك لهارون الرشيد)
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإني كتبت إليك بكتاب لم آلك فيه رشدًا، ولم أدخرك فيه نصحًا، تحميدًا لله، وأدبًا عن رسول الله - ? - فتدبره بعقلك، وردد فيه بصرك، وأرعه سمعك، ثُمَّ اعقله بقلبك، وأحضره فهمك، ولا تغيبن عَنْهُ ذهنك.
فإن فيه الفضل في الدُّنْيَا، وحسن ثواب الله تَعَالَى في الآخِرَة، اذكر نفسك في غمرات الموت وكربه، وما هُوَ نازل به منك، وما أَنْتَ
стр. 2830
موقوف عَلَيْهِ بعد الموت من العرض على الله سُبْحَانَهُ، ثُمَّ الحساب ثُمَّ الخلود بعد الحساب.
وأعد الله ما يسهل به عَلَيْكَ أهوال تلك المشاهد وكربها فإنك لو رَأَيْت أَهْل سخط الله تَعَالَى وما صاروا إليه من ألوان الْعَذَاب وشدة نقمته عَلَيْهمْ، وسمعت زفيرهم في النار وشهيقهم مَعَ كلوح وجوههم وطول غمهم، وتقلبهم في دركاتها على وجوههم لا يسمعون ولا يبصرون، ويدعون بالويل والثبور
وأعظم من ذَلِكَ حَسْرَة إعراض الله تَعَالَى عنهم، وانقطاع رجائهم وإجابته إياهم بعد طول الغم بقوله: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ .
لم يتعاظمك شَيْء من الدُّنْيَا إن أردت النجاة من ذَلِكَ ولا أمتلك من هوله، ولو قدمت في طلب النجاة منه جَمِيع ما ملك أَهْل الدُّنْيَا - كَانَ في معاينتك ذَلِكَ صغيرًا.
ولو رَأَيْت أَهْل طاعة الله تَعَالَى وما صاروا إليه من كرم الله ومنزلتهم مَعَ قربهم من الله ونضرة وجوههم، ونور ألوانهم، وسرورهم بالنَّعِيم الْمُقِيم، والنظر إليه والمكانة منه.
لتقلل في عينك عَظِيم ما طلبت به صغير ما عِنْد الله، ولصغر في عينك جسيم ما طلبت به صغير ذَلِكَ من الدُّنْيَا.
فاحذر على نفسك حذرًا غير تغرير، وبادره بنفسك قبل أن تسبق إليها، وما تخاف الحَسْرَة منه عِنْد نزول الموت، وخاصم نفسك على مهل وأَنْتَ تقدر بإذن الله على جر المنفعة إليها، وصرف الحجة عَنْهَا قبل أن يتولى الله حسابها.
стр. 2831
ثُمَّ لا تقدر على صرف المكروه عَنْهَا واجعل من نفسك لنفسك نصيبًا بالليل والنَّهَارَ، وصل من النَّهَارَ اثنتي عشرة ركعة، واقَرَأَ فيهن ما أحببت، إن شئت صلهن جميعًا، وإن شئت متفرقات، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من صلى من النَّهَارَ اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الْجَنَّة» .
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك وبملائكتك وكتبك ورسلك واليوم الآخِر والقدر خيره وشره، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ ﵀: وصل من الليل ثمان ركعات بجزء من القرآن، وأعط كُلّ ركعة حقها، والَّذِي ينبغي فيها من تمام الركوع والسجود، وصلهن مثنى مثنَى، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? -: أنه كَانَ يصلي من الليل ثمان ركعات، والوتر ثلاث ركعات سِوَى ذَلِكَ يسلم من كُلّ اثنتين.
وصم ثلاثة أيام من كُلّ شهر: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? أنه قال: «ذَلِكَ صيام الدهر» .
وأعط زكاة مالك طيبة بها نفسك حين يحول عَلَيْهِ الحول ولا تؤخرها بعد حلها، وضعها فيمن أمر الله تَعَالَى، ولا تضعها إِلا في أَهْل ملتك من المسلمين، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إن الله تَعَالَى لم يرض من الصدقة بحكم نبي ولا غيره حتى حدها هُوَ على ثمانية أجزاء. قال : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ .
стр. 2832
واحجج حجة الإسلام من أطيب مالك، وأزكاه عندك، فإن الله تَعَالَى لا يقبل إِلا طيبًا، وبلغني أن قوله تَعَالَى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثُمَّ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثُمَّ عَلَيْهِ﴾ غفر له.
مر بطاعة الله وأحبب عَلَيْهَا، وانه عن معاصي الله تَعَالَى، وأبغض عَلَيْهَا، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «مروا بالمعروف، وانهوا عن الْمُنْكَر، فإنما هلك من كَانَ قبلكم بتركهم نهيهم عن المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار» .
فمروا بالمعروف وانهوا عن الْمُنْكَر من قبل أن ينزل بكم الَّذِي نزل بِهُمْ، فإن الأَمْر بالمعروف والنهي عن الْمُنْكَر لا يقدم أجلاً، ولا يقطع رزقًا.
أحسن إلى من خولك الله تَعَالَى، واشكر تفضيله إياك عَلَيْهمْ، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه كَانَ يصلى فانصرف، وَقَالَ: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إِلا عَلَيْهِ جبهة ملك ساجد، فمن كَانَ له خول فليحسن إليه، ومن كره فليستبدل، ولا تعذبوا خلق الله» .
الزم الأَدَب من وليت أمره وأدبه، ومن يجب عَلَيْكَ النظر في أمره، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال للفضل بن العباس: «لا ترفع عصاك على أهلك، وأخفهم في الله» .
لا تستلم إلى النَّاس واستجرهم في طاعة الله، لا تغمص النَّاس واخفض لَهُمْ جناحك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال:
стр. 2833
«ألا أحدثكم بوصية نوح ابنه. قال: آمرك باثنين، وأنهاك عن اثنين: أمرك بقول لا إله إِلا الله، فإنها لو كانَتْ في كفة والسماوات والأَرْض في كفة وزنتها، ولو وضعتها على حلقة قصمتها.
وقل: سبحان الله وبحمده فإنها عبادة الخلق، وبها تقطع أرزاقهم، فإنهما يكثران لمن قالها الولوج على الله ، وأنهاك عن الشرك والكبر، فإن الله محتجب عنهما فَقَالَ له بعض أصحابه: أمن الكبر أن يكون لي الدابة النجيبة؟ قال: لا. قال: أمن الكبر أن يكون لي الثوب الحسن؟ قال: لا. قال: أفمن الكبر أن يكون لي الطعام أجمَعَ عَلَيْهِ النَّاس؟ قال: لا.
إنما الكبر أن تسفه الحق، وتغمص الخلق، وَإِيَّاكَ والكبر والزهو، فإن الله لا يحبهما، وبلغني عن بعض الْعُلَمَاء أنه قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطؤهم النَّاس بتكبرهم على الله » .
وَسَلْ الْعِيَاذَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْهَوَى ... فَهُمَا لِكُلِّ الشَّرِ جَامِعَتَانِ
وَهُمَا يَصُدَّانِ الْفَتَى عَنْ كُلِّ طُرْ ... قِ الْخَيْرِ إِذْ فِي قَلْبِهِ يَلْجَانِ
فَتَرَاهُ يَمْنَعُهُ هَوَاهُ تَارَةً ... وَالْكِبْرُ أُخْرَى ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ
وَالله مَا فِي النَّارَ إِلا تَابِعٌ ... هَاذَيْنِ فَاسْئَلْ سَاكِنِ النِّيرَانِ
آخر: ... قُلْ لِلْوَضِيعِ إِذَا تَكَبَّرَ لا تُبَلْ ... تِهْ كُلَّ تِيْهِكَ بالْوِلاية والْعَمَلْ
مَا ازْدَدْتَ حِينَ وَلَيْتَ إِلا خِسَّةً ... كَالْكَلْبِ أَنْجَسُ مَا يَكُونُ إِذَا اغْتَسَلْ
اللَّهُمَّ يا من بيده خزائن السماوات والأَرْض، عافنا من محن الزمان، وعوارض الفتن، فإنا ضعفاء عن حملها، وإن كنا من أهلها، اللَّهُمَّ وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا مِنْ جَمِيعِ الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم
стр. 2834
الرجف والزلزال، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
لا تأمن على شَيْء من أمرك من لا يخاف الله، فإنه بلغني عن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ أنه قال: شاور في أمرك الَّذِينَ يخافون الله، احذر بطانة السُّوء، وأَهْل الرَّدَى على نفسك.
فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «ما من نبي ولا خليفة إِلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن الْمُنْكَر، وبطانة لا تألوه خبالاً، وَهُوَ مَعَ الَّذِي استولت عَلَيْهِ، ومن وقي بطانة السُّوء فقَدْ وُقِيَ» .
واستنبطن أَهْل التقوى من النَّاس، وأكرم ضيفك فإنه يحق عَلَيْكَ إكرامه، وارع حق جارك ببذل المعروف، وكف الأَذَى عَنْهُ، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فليكرم ضيفه» .
وتكلم بخَيْر أو اسكت، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليمسك» .
واتق فصول المنطق، فإنه بلغني عن ابن مسعود أنه قال: أنذركم فضول المنطق، وأكرم من وادك وكافئه بمودته، وَإِيَّاكَ والْغَضَب في غير الله، لا تأمر بخَيْر إِلا بدأت بفعله، ولا تنه عن سوء إِلا بدأت بتركه، دع من الأَمْر ما لا يعنيك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، واعط من حرمك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إنها أفضل أَخْلاق الدُّنْيَا والآخِرَة» .
стр. 2835
اتق كثرة الضحك، فإنه يدعو إلى السفه، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? -: أن ضحكه كَانَ تبسمًا.
لا تمزح فتدم نفسك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إني لأمزح ولا أَقُول إِلا حقًا» .
لا تخالف إلى ما نهيت عَنْهُ، وإذا نطقت فأوجز، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «وهل يكب النَّاس في نار جهنم إِلا هَذَا» يعني: لِسَانه.
لا تصغر خدك للناس، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إن أَهْل الْجَنَّة كُلّ هين لين سهل طلق» .
اترك من عمال السِّرّ ما لا يحسن بك أن تعمله في العلانية: اتق كُلّ شَيْء تخاف فيه تهمة في دينك ودنياك، بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من كَانَ يؤمن بِاللهِ واليوم الآخِر فلا يقف مواقف التهم» .
أقلل طلب الحوائج من النَّاس، فإن في ذَلِكَ غضاضة، وبلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال لرجل: «لا تسأل النَّاس، وليكن مجلسك بيتك أو مسجدك» . وبلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «المساجد بيوت المتقين» .
لا تكثر الشخوص من بيتك إِلا في أمر لا بد منه، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «ستة مجالس المسلم ضامن على الله ما كَانَ في شَيْء منهن: في سبيل الله، أو في بيت الله، أو في عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو جمعة، أو عِنْد إمام مقسط يعزره ويوقره» .
стр. 2836
أحسن خلقك مَعَ أهلك، ومن اعتز بك، فإن ذَلِكَ رضًا لربك، ومحبة في أهلك، ومثراة في مالك، ومنسأة في أجلك.
فإنه بلغني عن بعض الْعُلَمَاء من الصحابة أنه قال ذَلِكَ.
أحسن البشر إلى عامة النَّاس، واتق شتمهم وغيبتهم فإن الله تَعَالَى قال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ . وبلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «لا تشتم النَّاس» وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآله وَسَلَمَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
اتق أَهْل الفحش، ومُجَالَسَة أَهْل الرَّدى، ومحادثة الضعفة (أي ضعفاء العقول) من النَّاس، فإنه بلغني عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: اعتبر النَّاس بأخدانهم فإنما يخادن الرجل الرجل مثله.
أكرم اليتيم، وارحمه، واعطف عَلَيْهِ، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من كفل يتيمًا له أو لغيره كنت أَنَا وَهُوَ في الْجَنَّة كهاتين» ، وأشار بأصبعيه فضمهما.
أعرف لابن السبيل حقه، واحفظ وصية الله تَعَالَى فيه فإنه بلغني أن أول من ضاف الضيف إبراهيم الخليل ﵇.
أعن المظلوم، وانصره ما استطعت، وخذ على يد الظَالِم، وادفعه عن ظلمه، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من مشي مَعَ مظلوم حتى يثَبِّتْ له حقه، ثَبِّتْ الله قدمه يوم تزول الأقدام» .
اتق إتباع الهوى في ترك الحق، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إني أخاف عليكم اثنتين: إتباع الهوى، وطول الأمل» . فإن إتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخِرَة.
стр. 2837
انصف النَّاس من نفسك ولا تستطل عَلَيْهمْ، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «أشرف الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كُلّ حال، ومواساة الأخ من الْمَال، وإنصاف النَّاس من نفسك» .
اغضض بصرك عن محارم الله، فإنه بلغني عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك النظرة الأولى، ولَيْسَتْ لك الأخرى.
اتق المطعم الوبيّ، والمشرب الوبيّ، والملبس الوبيّ، فإن ذَلِكَ تذهب أنفته، وتبقى عاقبته، وإن الله سُبْحَانَهُ أدب رسله، فَقَالَ: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ .
وَقَالَ النَّبِيّ ﵊: «من أكل بأخيه المسلم أكلة أطعمه الله مكانها أكلة من نار، ومن سمعَ بأخيه المسلم سمعَ الله به يوم القيامة، ومن لبس بأخيه المسلم ثوبًا ألبسه الله مكانه ثوبًا من نار» .
اقبل عذر من اعتذر إليك، وارجع عما كرهت، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يعذره كَانَ عَلَيْهِ مثل وزر صَاحِب مكس» .
لتكن يدك العليا على كُلّ من خالطت، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «اليد العليا خَيْر من اليد السفلى» .
اصحب الأخيار فَإِنَّهُمْ يعينونك على أمر الله ، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «ما تحاب رجلان في الله إِلا كَانَ أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه» .
صل رحمك وإن قطعك، ولا تكافئه بمثل ما أتى إليك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أن رجلاً قال له: إن لي أقرباء، أعفوا ويظلموني، وأصل ويقطعوني، وأحسن ويسيئوني، أفأكافئهم؟ فَقَالَ ?: «إذن
стр. 2838
تتركوا جميعًا، ولكن إذا أساءوا فأحسن، فإنه لن يزال لك عَلَيْهمْ من الله ظهير» . اللَّهُمَّ يا من فتح بابه للطالبين وأظهر غناه للراغبين ألهمنا ما ألهمت عبادك الصالحين وأيقظنا من رقدة الغافلين إنك أكرم منعم وأعز معين، واغفر لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀: ارحم المسكين المضطر، والغريب المحتاج، وأعنه على ما استطعت من أمره، فإنه بلغني عن ابن عباس: أنه قال: (كُلّ معروف صدقة) .
ارحم السائل واردده من بابك بفضل معروفك بالبذل منك، أو قول معروف تقوله له، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «رد عَنْكَ مذمة السائل بمثل رأس الطير من الطعام» .
لا تزهد في المعروف عِنْد من تعرفه وعِنْد من لا تعرفه، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «لا تزهد في المعروف ولو أن تصب من دلوك في إناء المستقي» .
أرد بكل ما يكون منك من خَيْر إلى أحد الله، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أن قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ﴾ ... الآيَة قال: المنافق الَّذِي إن صلّى رآءى، وإن فاتته لم يبلغ إليها ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: الماعون: الزَّكَاة التي فرضها الله .
إياك والرياء، فإنه بلغني أنه لا يصعد عمل المرائي إِلَى اللهِ ، ولا يزكيه عنده. إن استطعت أن تعمل بعمل ما عملت فيما بينك
стр. 2839
وبين الله فافعل، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «نضر الله امرءًا سمَعَ مقالتي فوعاها حتى يبلغها غيره، فرب غائب أحفظ من شاهد ورب حامل فقه غير فقيه» .
لا يغفل قلب امرئٍ مسلم عن ثلاث خصال: إخلاص الْعَمَل لله، والنَّصِيحَة للإمام العادل، والنَّصِيحَة لعامة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.
إياك وسوء الخلق، فإنه يدعوا إلى معاصي الله تَعَالَى، وقَدْ بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «خياركم أحسنكم أخلاقًا» .
اخضع لله إذا خلوت بعملك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? -: (أن ملكًا أتاه فَقَالَ: إن ربك يقرئك السَّلام وَيَقُولُ: إن شئت أجعلك ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا فأشار إليه جبريل ﵇ أن تواضع، فما أكل متكئًا حتى مَاتَ) .
لا تظلم النَّاس فيديلهم الله عَلَيْكَ، فإنه بلغني عن بعض الْعُلَمَاء من الصحابة أنه قال: ما ظلمت أحدًا أشد عليَّ ظلمًا من أحد لا يتعسن عليّ إِلا بِاللهِ تَعَالَى.
احذر البغي فإنه عاجل العقوبة، بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إن أعجل الْخَيْر ثوابًا صلة الرحم، وإن أعجل الشر عقوبة اليمين الغموس تترك الديار بلاقع» .
لا تحلف بغير الله في شَيْء، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «لا تحلفوا بآبائكم، ليحلف حالف بِاللهِ أو ليسكت» . ولا تحلف بِاللهِ في كُلّ شَيْء فإنه بلغني أن ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ .
اللَّهُمَّ أعمر قلوبنا وألسنتنا بِذِكْرِكَ وشكرك ووفقنا للامتثال لأَمْرِكَ، وأمنا من سطوتك ومكرك وَاجْعَلْنَا مِنْ أوليائك المتقين وحزبك
стр. 2840
المفلحين، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَالَ ﵀:
ارحم النَّاس يرَحِمَكَ اللهُ بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «من لا يرحم النَّاس لا يرَحِمَهُ اللهُ» .
أحبب طاعة الله يحبك الله، ويحببك إلى خلقه، قال الله لنبيه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ .
وَقَالَ ﵊: «إن الله جعل قرة عيني في السجود» . وَقَالَ بعض الْعُلَمَاء: ما أسر عبد قط سريرة خَيْر إِلا ألبسه الله رداءها، ولا أسر سريرة شر قط إِلا ألبسه الله رداءها.
وليكن عَلَيْكَ السكينة والوقار في منطقك ومجلسك ومركبك، فإنه بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إذا ركبتهم هذه الدواب العجم فأعطوها من حظها من الأَرْض» .
عَلَيْكَ بالحلم والإغضاء عما كرهت، ولا تتبع ذَلِكَ من أحد بلغك عَنْهُ أذى ولا تكافئه فإن في ذَلِكَ الفضل في الدُّنْيَا والآخِرَة، بلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «إن الله يحب الحليم الحيي العفيف المتعفف» .
ادفع السيئة بالتي هي أحسن، بلغني عن النبي - ? - أنه قال: «أيها السلمي اتق العقوبة وقطيعة الرحم، فإن في ذَلِكَ شَيْنًا في الدُّنْيَا وتباعد في الآخِرَة» .
وبلغني عن النَّبِيّ - ? - أنه قال: «اشتكت الرحم إِلَى اللهِ ممن يقطعها، فرد الله عَلَيْهَا: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك» .
следующие страницы →