Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
وإن سألت عن غلمانهم، (فَوِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ) .
وإن سألت عن عرائسهم وأزواجهم، فهن الكواعب والأتراب، اللاتي جرى في أعضائهن ماء الشباب، فللورد والتفاح ما لبسته الخدود، وللرمان ما تضمنته النهود، وللؤلؤ منثور ما حوته الثغور، وللرقة واللطافة ما دارت عَلَيْهِ الخصور، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت حبها فقل ما تشاء في تقابل النيرين، وإذا حادثته فما ظنك بمحادثة الحبين وإن ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين، يرى وجهه في صحن خدها، كما يرى في المرآة التي جلاها صقيلها، ويرى مخ ساقها من وراء اللحم، ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حللها.
لو اطلعت على الدُّنْيَا لملأت ما بين الأَرْض والسماء ريحًا، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلاً وتكبيرًا وتسبيحًا، ولتوخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كُلّ عين، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن من على ظهرها بِاللهِ الحي القيوم.
ونصيفها على رأسها خَيْر من الدُّنْيَا وما فيها، ووصالها أشهى إليه مِنْ جَمِيعِ أمانيها، لا تزداد على طول الأحقاب إِلا حسنًا وجمالاً، ولا يزداد لها طول المدى إلا محبة ووصالاً، مبرأة من الحمل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس، لا
стр. 3012
وإن سألت عن حسن العشرة ولذة ما هنالك، فهن الْعَرَب المتحببات إلى الأزواج، بلطافة التبعل بالروح أي امتزاج، فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الْجَنَّة من ضحكها، وإذا انتقُلْتُ من قصر إلى قصر قُلْتُ هذه الشمس متنقلة في بروج فلكها، وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة، وإن خاصرته فيا لذة تلك المعانقة والمخاصرة.
... وَحَدِيثُهَا السِّحْرُ الْحَلالُ لَوْ أَنَّهُ
لَمْ يَجْنِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْمُتَحَرِّزِ
إِنْ طَالَ لَمْ يُمْلَلْ وَإِنْ هِيَ حَدَّثَتْ
وَدَّ الْمُحَدَّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ ... >?
آخر:
... يُعَادُ حَدِيْثُهَا فَيَزِيْدُ حُسْنًا
وَقَدْ يُسْتَقْبَحُ الشَيْء المُعَادُ ... >?
وإن غَنَّّتْ فَيَا لَذَّةَ الأبْصَارِ والأَسْمَاع، وإن آنَسَتْ وَأَمْتعَتْ فَيَا حَبَّذا تِلْكَ المؤَانَسَةِ والامْتَاع، وإنْ قَبلَتْ فلا شيْءَ أشْهَى مِنْ ٍذَلِكَ التّقِْبيْلِ، وإنْ نَوَّلْتَ فلا ألذَّ وَلاَ أَطْيَبَ مِنْ ذَلِكَ التَّنْوِيْلِ.
هَذَا وإن سألت عن يوم المزيد، وزيارة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزه عن التمثيل والتشبيه، كما تَرَى الشمس في الظهيرة، والقمر ليلة البدر، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وَذَلِكَ موجود في الصحاح، والسُّنَن والمسانيد، من رواية جرير وصهيب وأنس وأَبِي هُرَيْرَةِ وأبي مُوَسى وأبي سعيد: فاستمَعَ يوم ينادي المنادي: يا أَهْل الْجَنَّة إن ربكم ﵎ يستزيركم فحي على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعة، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قَدْ أعدت لَهُمْ، فيستوون،
стр. 3013
يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلق ثوب جمالها، ولا يمل طيب وصالها.
قَدْ قصرت طرفها على زوجها، فلا تطمح لأحد سواه، وقصر طرفه عَلَيْهَا فهي غاية أمنيته وهواه، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها بطاعته أطاعته، وإن غاب عَنْهَا حفظته، فهو معها في غاية الأماني والأمان.
هَذَا ولم يطمثها قبله إنس ولا جان، كُلَّما نظر إليها ملأت قَلْبهُ سرورًا، وكُلَّما حدثته ملأت أذنه لؤلؤًا مَنْظُومًا منثورًا.
وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نورًا.
وإن سألت عن السن، فأتراب في أعدل سن الشباب.
وإن سألت عن الحسن، فهل رَأَيْت الشمس والقمر.
وإن سألت عن الحدق، فأحسن سواد في أصفى بياض في أحسن حور.
وإن سألت عن القدود، فهل رَأَيْت أحسن الأغصان، وإن سألت عن النهود فهن الكواعب، نهودهن كألطف الرمان.
وإن سألت عن اللون، فكأنه إلياقوت والمرجان.
وإن سألت عن حسن الخلق، فهن الخيرات الحسان، اللات جمع لهن بين الحسن والإحسان، فأعطين جمال الباطن والظاهر، فهن أفراح النُّفُوس، وقرة النواظر.
стр. 3014
على ظهورها مسرعين، حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الَّذِي جعل لَهُمْ موعدًا وجمعوا هناك فلم يغادر الداعي مِنْهُمْ أحدًا، أمر الرب ﵎ بكرسيه فنصب هناك، ثُمَّ نصبت لَهُمْ منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم – وحاشاهم أن يكون فيهم دنيء – على كثبان المسك، ما يرون أن أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا.
حتى إذا استقرت بِهُمْ مجالسهم، واطمأَنْتَ بِهُمْ أماكنهم، نادى المنادي: يا أَهْل الْجَنَّة إن لكم عَنْدَ الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هُوَ؟ ألم يبيض وجوهنا. ويثقل موازيننا؟ ويدخلنا الْجَنَّة، ويزحزحنا عن النار؟ فبينما هم كَذَلِكَ إذ سطع لَهُمْ نور أشرقت له الْجَنَّة، فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار ﷻ وتقدست أسماؤه، قَدْ أشرف عَلَيْهمْ من فوقهم،وَقَالَ: يا أَهْل الْجَنَّة سلام عليكم، فلا ترد هذه التحية بأحسن من نقولهم: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلام ومنك السَّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فيتجلى لَهُمْ الرب ﵎ يضحك إليهم، وَيَقُولُ: يا أَهْل الْجَنَّة، فيكون أول ما يسمعون منه تَعَالَى: أين عبادي الَّذِينَ أطاعوني بالغيب ولم يروني، فهَذَا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: أن قَدْ رضينا فارض عنا، فَيَقُولُ: يا أَهْل الْجَنَّة: إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي، هَذَا يوم المزيد فاسألوني، فيجتمعون على كلمة واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه. فيكشف لَهُمْ الرب ﷻ الحجب ويتجلى لَهُمْ، فيغشاهم من نوره ما لو أن الله تَعَالَى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذَلِكَ المجلس أحد إِلا حاضره ربه تَعَالَى محاضرة، حتى إنه
стр. 3015
ليَقُولُ: يا فلان أتذكر يوم فعلت كَذَا وَكَذَا؟ يذكره ببعض غدراته في الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يا رب ألم تغفر لي؟ فَيَقُولُ: بلى بمغفرتي بلغتك منزلتك هذه، فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة عيون الأَبْرَار بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخِرَة، ويا ذلة الراجعين بالصفقة الخاسرة، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} .
... فَحَيَّ عَلَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فَإِنَّهَا
مَنَازِلُكَ الأُولَى وَفِيهَا الْمُخَيَّمُ
وَلَكِنَّنَا سَبْيُ الْعَدُوُّ فَهَلْ تَرَى
نَعُودُ إِلَى أَوْطَانِنَا وَنُسَلِّمُ ... >?
اللَّهُمَّ تَوفَّنَا مُسْلِمينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ لا خوفٌ عَلَيْهمْ ولا هُمْ يَحْزَنونَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
شِعْرًا:
... أَرَى النَّاسَ فِي الدُّنْيَا مُعَافًا وَمُبتَلَى
وَمَا زَالَ حُكْمُ اللهِ فِي الأَرْضِ مُرْسَلا
مَضَى فِي جَمِيعِ النَّاسِ سَابِقُ عِلْمِهِ
وَفَصَّلَهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَوَصَّلا
وَلَسْنَا عَلى حُلْوِ الْقَضَاءِ وَمُرِّهِ
نَرَى حَكَمًا فِينَا مِنَ اللهِ أَعْدَلا
بِلا خَلْقَهُ فِي الْخَيْرِ وَالشَرِّ فِتنَةً
لِيَرْغَبَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ وَيَسْأَلا ... >?
стр. 3016
.. وَلَمْ يَبْغِ إِلا أَنْ نَبُوءَ بِفَضْلِهِ
عَلَيْنَا وَإِلا أَنْ نَتُوبَ فَيَقْبَلا
هُوَ الأَحَدُ الْقَيُّومُ مِنْ بَعْدِ خَلْقِهِ
وَمَا زَالَ فِي دَيْمُومَةِ الْخَلْقِ أَوَّلا
وَمَا خَلَقَ الإِنْسَانَ إِلا لِغايَةٍ
وَلَمْ يَتْرُكِ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ مُهْمَلا
كَفَى عِبْرَةً أَنَّا وَأَنَّكَ يَا أَخِي
نُصَرِّفُ تَصْرِيفًا لَطِيفًا وَنُبْتَلَى
كَانَا وَقَدْ صِرْنَا حَدِيثًا لِغَيْرِنَا
يُخَاضُ كَمَا خُضْنَا الْحَدِيثَ بِمَنْ خَلا
تَوَهَّمْتُ قَوْمًا قَدْ خَلُوا فَكَأَنَّهُمُ
بِأَجْمَعِهِم كَانُوا خَيَالاً تَخَيَّلا
وَلَسْتُ بِأَبْقَى مِنْهُمْ فِي دِيَارِهِمْ
وَلَكِنَّ لِي فِيهَا كِتَابًا مُؤَجَّلا
وَمَا النَّاسُ إِلا مَيِّتٌ وَابْنُ مَيِّتٍ
تَأَجَّلَ حَيٌّ مِنْهُمْ أَوْ تَعَجَّلا
فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يُخْلِفُ وَعدَهُ
بِمَا كَانَ أَوْصَى الْمُسْلِمِينَ وَأَرْسَلا
هُوَ الْمَوْتُ يَا ابْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثُ بَعْدَهُ
فَمِنْ بَيْنِ مَبْعُوثٍ مُخفًا وَمُثْقَلاَ
وَمِنْ بَيْنِ مَسْحُوبٍ عَلَى حُرٍّ وَجْهِهِ
وَمِنْ بَيْنِ مَنْ يَأْتِي أَغَرَّ مُحَجَّلا ... >?
стр. 3017
.. عَشِقْنَا مِنَ اللَّذَاتِ كُلَّ مُحَرَّمٍ
فَأُفٍّ عَلَيْنَا مَا أَغَرَّ وَأَجْهَلا
لَقَدْ كَانَ أَقْوَامٌ مِنَ النَّاسِ قَبْلَنَا
يَعَافُونَ مِنْهُنَّ الْحَلالَ الْمُحَلَّلا
رَكَنّا إِلَى الدُّنْيَا فَطَالَ رُكُونُنَا
وَلَسْنَا نَرَ الدُّنْيَا عَلَى ذَاكَ مَنْزِلا
فَلِلَّهِ دَارٌ مَا أَحَثَّ رَحِيلَهَا
وَمَا أَعْرَضَ الآمَالَ مِنْهَا وَأَطْوَلا
أَبيّ الْمَرْءُ إِلا أَنْ يَطُولَ اغْتِرَارُهُ
وَتَأْبَى بِهِ الْحَالاتُ إِلا تَنَقُّلا
إِذَا أَمَّلَ الإِنْسَانُ أَمْرًا فَنَالَهُ
سَمَا يَبْتَغِي فَوْقَ الَّذِي كَانَ أَمَّلا
وَكَمْ مِنْ ذَلِيلٍ عَزَّ مِن بَعْدِ ذِلَّةٍ
وَكَمْ مِنْ رَفِيعٍ كَانَ قَدْ صَارَ أَسْفَلا
وَلَمْ أَرَ إِلا مُسْلِمًا فِي وَفَاتِهِ
وَإِنْ أَكْثَرَ الْبَاكِي عَلَيْهِ وَأَعْوَلا
وَكَمْ مِنْ عَظِيمِ الشَّأْنِ فِي قَعْرِ حُفْرَةٍ
تَلَحَّفَ فِيهَا بِالثَّرَى وَتَسَرْبَلا
أَيَا صَاحِبَ الدُّنْيَا وَثِقْتَ بِمَنْزِلٍ
تَرَى الْمَوْتَ فِيهِ بِالْعِبَادِ مُوَكَّلا
تُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا لِتَبْلُغَ عِزَّها
وَلَسْتَ تَنَالُ العِزَّ حَتَّى تَذَلَّلا ... >?
стр. 3018
.. إِذَا اصْطَحَبَ الأَقْوَامُ كَانَ أَذَلُّهُمْ
لأَصْحَابِهِ نَفْسًا أَبَرَّ وَأَفْضَلا
وَمَا الْفَضْلُ فِي أَنْ يُؤثِرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ
وَلَكِنَّ فَضْلَ الْمَرْءِ أَنْ يَتَفَضَّلا ... >?
اللَّهُمَّ يا من عم العباد فضله ونعماؤه، ووسع البرية جوده وعطاؤه، نسأل منك الجود والإحسان، والعفو والغفران، والصفح والأمان، والعتق من النيران، وتوبة تجلو أنوارها ظلمَاتَ الإساءة والعصيان، يا كريم يا.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ إيماننا بك ثبوت الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُور الإيمانِ وَاجْعَلْنَا هُداةً مُهْتَدِين وَأَصْلِحْ أَوْلادَنَا واغفر لآبائنا وأمهاتنا واجمعنا وإياهم مَعَ عبادك الصالحين في جنات النَّعِيم، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وأصْحابِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
(في نظر أَهْل الْجَنَّة إلى ربهم ﵎
عن أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ» ؟ قَالُوا: لا، قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» فذكر الْحَدِيث بطوله. رواه البخاري، ومسلم.
وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ - قَالَ -: فَيَكْشِفُ
стр. 3019
الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إليهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ – ثُمَّ تلا هذه الآيَة -: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ » . رواه مسلم، والترمذي، والنسائي.
وَعَنْ أَبِي مُوسى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ? قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً، فِي كُلّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهمْ الْمُؤْمِنُونَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» . رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، والترمذي.
وَرُوِيَ عَنْ جَابِر بِنْ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ?: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ ﵎ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ سلوني، فَقَالُوا: نسألك الرِّضَا عنا، قال: رضائي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، وهَذَا أوانها فسلوني، قَالُوا: نسألك الزيادة، قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر أزمتها من زمرد أخضر، وياقوت أحمر، فيحملون عَلَيْهَا، تضع حوافرها عَنْدَ منتهى طرفها، فيأمر الله بأشجار عَلَيْهَا الثمار، فتجيء حوراء من الحور العين وهن يقلن: نَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نَبْأَسُ، نَحْنُ الخالدات فلا نموت، أزواج قوم مؤمنين كرام، ويأمر الله بكثبان من مسك أبيض، فينشر عَلَيْهمْ ريحًا يُقَالُ: لها: المثيرة، حتى تنتهي بِهُمْ إلى جنة عدن، وهي قصبة الْجَنَّة، فَتَقُول الملائكة: يا ربنا قَدْ جَاءَ القوم، فَيَقُولُ: مرحبًا بالصادقين، مرحبًا بالطائعين. قال: فيكشف لَهُمْ الحجاب، فينظرون إِلَى اللهِ تبارك
стр. 3020
وتَعَالَى، فيتمتعون بنور الرحمن، حتى لا ينظر بَعْضهمْ بعضًا، ثُمَّ يَقُولُ: أرجعوهم القصور بالتحف، فيرجعون وقَدْ أبصر بَعْضهمْ بعضًا، فَقَالَ رسول الله ?: فذَلِكَ قوله: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ . رواه أبو نعيم، والبيهقي، واللفظ له، وَقَالَ: وقَدْ مضى في هَذَا الْكِتَاب، يعني: في كتاب البعث، وفي كتاب الرؤية ما يؤكد ما روي في هَذَا الخبر. انتهى.
وَهُوَ عَنْدَ ابن ماجة، وابن أبي الدُّنْيَا مختصر قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ?: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ ﷻ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فَلا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْء مِمَّا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إليه، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَتَبْقَى فِيهِم بَرَكَتُهُ وَنُورُهُ» . هَذَا لَفْظُ ابْنُ مَاجَة، وَالآخرُ بِنَحْوِهِ.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: جَاءَ جبريل ﵇ وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء، فقُلْتُ: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الْجُمُعَة يعرضها عَلَيْكَ ربك لتَكُون لك عيدًا ولقومك من بعدك، تَكُون أَنْتَ الأول، وتَكُون اليهود والنَّصَارَى من بعدك، قال: مالنا فيها؟ قال: فيها خَيْر لكم، فيها ساعة من دعا ربه فيها بخَيْر – هُوَ له قسم - إِلا أعطاه إياه، أو لَيْسَ بقسم إِلا ادخر له ما هُوَ أعظم منه، أو تعوذ فيها من شر هُوَ عَلَيْهِ مكتوب إِلا أعاذه، أو لَيْسَ عَلَيْهِ مكتوب إِلا أعاذه من أعظم منه، قُلْتُ: ما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال: هذه الساعة تقم يوم الْجُمُعَة، وَهُوَ سيد الأيام عندنا، ونَحْنُ ندعوه في الآخِرَة: يوم المزيد. قال: قُلْتُ: لم تدعونه يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ في الْجَنَّة
стр. 3021
واديًا أفيح من مسك أبيض، فإذا كَانَ يوم الْجُمُعَة نزل ﵎ من عليين، فجلس على كرسيه، ثُمَّ حف الكرسي بمنابر من نور، وجَاءَ النبيون حتى يجلسوا عَلَيْهَا، ثُمَّ يجيء أَهْل الْجَنَّة حتى ينظروا إلى وجهه، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، هَذَا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرِّضَا، فَيَقُولُ الله : رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لَهُمْ عَنْدَ ذَلِكَ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إلى مقدار منصرف النَّاس يوم الْجُمُعَة، ثُمَّ يصعد الرب ﵎ على كرسيه، فيصعد معه الشهداء والصديقون» . أحسبه قال: «ويرجع أَهْل الغرف إلى غرفهم، درة بيضاء، لا فصم فيها ولا وصم، أو ياقوتة حمراء، أو زبرجدة خضراء منها غرفها، وأبوابها، مطردة فيها أنهارها، متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، فليسوا إلى شَيْء أحوج مِنْهُمْ إلى يوم الْجُمُعَة ليزداد فيه كرامة، وليزدادوا فيه نظرًا إلى وجهه ﵎ ولذَلِكَ دعي يوم المزيد» . رواه ابن أبي الدُّنْيَا، والطبراني في الأوسط بإسنادين، أحدهما: جيد قوي، وأبو يعلى مختصرًا ورواته رواة الصحيح، والبزار، واللفظ له.
قال ابن القيم ﵀:
... أَوَ مَا سَمِعْتَ بِشَأْنِهِمْ يَوْمَ الْمَزِيـ
دِ وَأَنَّهُ شَانٌ عَظِيمُ الشَّانِ
هُوَ يَوْمُ جُمْعَتِنَا وَيَوْمَ زِيَارَةِ الـ
ـرَّحْمَنِ وَقْتَ صَلاتِنَا وَأَذَانِ
وَالسَّابِقُونَ إِلَى الصَّلاةِ هُمْ الأُولَى ... ???? ... فَازُوا بِذَاكَ السَّبْقِ بِالإِحْسَانِ ... ???? ... سَبْقٌ بِسَبْقٍ وَالْمُؤَخَّرُ هَا هُنَا ... ???? ... مُتَأَخَّرٌ فِي ذَلِكَ الْمَيْدَانِ ... ????
стр. 3022
.. وَالأَقْرَبُونَ إِلَى الإِمَامِ فَهُمْ أُولُو ... ???? ... الزُّلْفَى هُنَاكَ فَهَا هُنَا قُرْبَانِ ... ???? ... قُرُبٌ بِقُرْبٍ وَالْمُبَاعَدُ مِثْلُهُ
بُعْدٌ بِبُعْدٍ حِكْمَةُ الدَّيَّانِ
وَلَهُمْ مَنَابِرُ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ
وَمَنَابِرُ إلياقُوتِ وَالْعِقْيَانِ
هَذَا وَأَدْنَاهُمْ وَمَا فِيهِمْ دَنِي
مِن فَوْقَ ذَاكَ الْمِسْكِ كَالْكُثْبَانِ
مَا عِنْدَهُمْ أَهْلُ الْمَنَابِرِ فَوْقَهُمْ
مِمَّا يَرَوْنَ بِهِمْ مِنَ الإِحْسَانِ
فَيَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى جَهْرَةً
نَظَرَ الْعِيَانِ كَمَا يُرَى الْقَمَرَانِ
وَيُحَاضِرُ الرَّحْمَنُ وَاحِدَاهُمْ مُحَا
ضَرَةَ الْحَبِيب يَقُولُ يَا ابْنَ فُلانِ
هَلْ تَذْكُرُ اليوم الَّذِي قَدْ كُنْتَ فِيـ ... ???? ... ـهِ مُبَارِزًا بِالذَّنْبِ وَالْعِصْيَانِ ... ???? ... فَيَقُولُ رَبِّ أَمَا مَنَنْتَ بِغَفْرَةٍ
قِدْمًا فَإِنَّكَ وَاسِعُ الْغُفْرَانِ
فَيُجِيبُهُ الرَّحْمَنُ مَغْفِرَتِي الَّتِي
قَدْ أَوْصَلَتْكَ إِلَى الْمَحَل الدَّانِي ... >?
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِكِتَابِكَ مِنْ التَّإلينِ وَلكَ بِهِ مِنْ العاملينَ وَبِمَا صَرَّفْتَ فِيهِ مِنْ الآيات مُنْتَفِعينِ وَإلى لَذِيذِ خِطَابِه مُسْتَمِعينَ وَلأوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ خَاضِعين وَبِالأَعْمَالِ مُخْلِصِين، وَاغْفِرَ لَنَا
стр. 3023
وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ قَوِّي إِيمَانِنَا بِكَ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ،
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوب ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ، وَأَمِّنَّا مَنْ سَطْوَتِكَ وَمَكْرِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(موعظة) : عباد الله يجب عليكم أن تعلموا أنكم ما دمتم في هذه الدار فأنتم في دار المعاملات، وأن لكم درًا أخرى أبدية، فيها تستوفون مالكم على هذه المعاملات من جزاءات، فإن أحسنتم هنا أو أسأتم، كَانَ جزاؤكم هناك إحسانَا أو إساءات، هكَذَا وعدكم ربكم، وَهُوَ عليم بكل الأعمال، وعلى جزائكم عَلَيْهَا قدير، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ، وَقَالَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ من هَذَا قاطعًا تعلم أن شأن هذه المعاملات عَظِيم عظمًا لا يعرف قدره إِلا الرجل العاقل، الْبَعِيد النظر الحكيم، فإن عَلَيْهَا يترتب غضب الله وعقابه أو رضاه، والنَّعِيم الْمُقِيم، وشَيْء هَذَا قدره لا يتوقف ولا يتردد في بذل العناية به رجل بصير، وهذه المعاملات تارة تكون بينكم وبين الله، وتارة تكون مع عباد الله، فأما المعاملة مَعَ الله جَلَّ وَعَلا فبأن تسمَعَ وتطيع فيما أمر ونهى، وأما معاملتك مَعَ عباد الله الْمُؤْمِنِين، فبأن تحب لَهُمْ ما تحب لنفسك، وَذَلِكَ بأن تجعل نفسك ميزانَا في معاملة كبيرهم وصغيرهم، أَنْتَ تكره إساءتهم لك وتحب إحسانهم، فاحذر إساءتهم، وعاملهم بالإحسان، وكما تكره أن يمسوا مالك بسوء، فلتكن أموالهم منك في أمان،وكما تكره أن يتعرضوا لأولادك وأهلك وشخصك بشر، فكن لَهُمْ خَيْر حفيظ ونصير، وكما تحب أن يريحوك إذا جاوروك، فأرحهم عَنْدَ مجاورتك لَهُمْ، وكما تحب أن ينصحوك
стр. 3024
ويصدقوك في وعودهم وعقودهم وأخبارهم، فاسبقهم أَنْتَ إلى ذَلِكَ، وكما تحب أن يفرحوا لفرحك، ويحزنوا لحزنك، فكن أَنْتَ كَذَلِكَ معهم، وكما تحب أن لا يتكلموا فيك إلا بخَيْر، فلا تكن أَنْتَ معهم بضد ذَلِكَ، وقس على ذَلِكَ ما يتعلق بالموضوع، وأما معاملتك مَعَ نفسك، فهي أن تعودها دائمًا على الْخَيْر بلا ضجر.
شِعْرًا:
... أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْحَقَّ أَبْلَجُ لائِحُ
وَأَنَّ لِجَاجَاتِ النُّفُوسِ جَوائِحُ
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَكْفُفْ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ
فَلَيْسَ لَهُ مَا عَاشَ مِنْهُمْ مُصَالِحُ
إِذَا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ
وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالْعَبْدُ صَالِحُ
إِذَا الْعَبْدُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَالِهِ
فَلَيْسَ لَهُ وَالْحَمْدُ للهِ مَادِحُ
إِذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ لَمْ يَصْفُ عَيْشُهُ
وَمَا يَسْتَطِيبُ الْعَيْشَ إِلا الْمُسَامِحُ
وَبَيْنَا الْفَتَى وَالْمُلْهِيَاتُ يُذِقْنَهُ
جِنَى اللَّهْوِ إِذْ نَاحَتْ عَلَيْهِ النَّوَائِحُ
وَإِنَّ امْرأً أَصْفَاكَ فِي اللهِ وُدَّهُ
وَكَانَ عَلَى التَّقْوَى مُعِينًا لِصَالِحُ ... >?
стр. 3025
.. وَإِنَّ أَلَبَّ النَّاسِ مَنْ كَانَ هَمُّهُ
بِمَا شَهِدَتْ مِنْهُ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ ... >?
اللَّهُمَّ عَامِلَنَا بِلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ، ووفقنا لطَاعَتكَ ومرضاتك، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجمَِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجمَِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ)
وروي عن حذيفة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أتاني جبريل، فإذا في كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها، وإذا في وسطها نكتة سواداء، قال: قُلْتُ: يا جبريل ما هذه؟ قال: هذه الدُّنْيَا صفاؤها وحسنها، قال: قُلْتُ: وما هذه اللمعة السوداء في وسطها؟ قال: قال هذه الْجُمُعَة قال: قُلْتُ: وما الْجُمُعَة: قال: يوم من أيام ربك عَظِيم، وسأخبرك بشرفه وفضله واسمه في الدُّنْيَا والآخِرَة، أما شرفه وفضله واسمه في الدُّنْيَا، فإن الله ﵎ جمَعَ فيه أمر الخلق وأما ما يرجى فيه، فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسألان الله فيها خيرًا إِلا أعطاها إياه، وأما شرفه وفضله واسمه في الآخِرَة فإن الله تَعَالَى إذا صير أَهْل الْجَنَّة إلى الْجَنَّة، وأدخل أَهْل النار النار، وجرت عَلَيْهمْ أيامها وساعتها، لَيْسَ بها ليل ولا نهار إِلا قَدْ علم الله مقدار ذَلِكَ وساعته، فإذا كَانَ يوم الْجُمُعَة في الحين الَّذِي يبرز أو يخَرَجَ فيه أَهْل الْجُمُعَة،
стр. 3026
نادى مناد: يا أَهْل الْجَنَّة أخرجوا إلى دار المزيد، لا يعلم سعتها وعرضها وطولها إِلا الله ، فيخرجون في كثبان من المسك» ، قال حذيفة: وإنه لهو أشد بياضًا من دقيقكم هَذَا، قال: فيخَرَجَ غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخَرَجَ غلمان الْمُؤْمِنِين بكراسي من ياقوت، قال: فإذا وضعت لَهُمْ، وأخذ القوم مجالسهم، بعث الله ﵎ عَلَيْهمْ ريحًا تدعى المثيرة، تثير عَلَيْهمْ أثابير المسك الأَبْيَض، فتدخله من تحت ثيابهم،وتخرجه في وجوههم وإشعارهم، فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذَلِكَ المسك، من امرأة أحدكم لو دفع إليها كُلّ طيب على وجه الأَرْض لكأَنْتَ تلك الريح أعلم كيف تصنع بذَلِكَ المسك، من تلك المرأة لو دفع إليها ذَلِكَ الطيب بإذن الله ، قال: ثُمَّ يوحي الله سُبْحَانَهُ إلى حملة العرش فيوضع بين ظهراني الْجَنَّة، وبينه وبينهم الحجب فيكون أول ما يسمعون منه أن يَقُولُ: أين عبادي الَّذِينَ أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري، فسلوني فهَذَا يوم المزيد. قال: فيجتمعون على كلمة واحدة: رب رضينا عَنْكَ، فارض عنا، قال: فيرجع الله تَعَالَى في قولهم: أن يا أَهْل الْجَنَّة إني لو لم أرض عنكم لما أسكنتكم جنتي فسلوني فهَذَا يوم المزيد، قال: فيجتمعون على كلمة واحدة: رب وجهك أرنا ننظر إليه. قال: فيكشف الله ﵎ تلك الحجب ويتجلى لَهُمْ، فيغشاهم من نوره شَيْء، لو أنه قضى عَلَيْهمْ أن لا يحترقوا مِمَّا غشيهم من نوره، قال: ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: ارجعوا إلى منازلكم، قال: فيرجعون إلى منازلهم، وقَدْ خفوا على أزواجهم، وخفين عَلَيْهمْ، مِمَّا غشاهم من نوره. انتهى.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هل نرى ربنا؟ قال: نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا، قال: «كَذَلِكَ لا
стр. 3027
تتمارون في رؤية ربكم ولا يبقى فذ يدلك المجلس أحد إِلا حاضره الله محاضرة حتى أن يَقُولُ للرجل منكم: ألا تذكر يا فلان يوم عملت كَذَا وَكَذَا يذكره بعض غدراته في الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يا رب أفلم تغفر لي فَيَقُولُ: بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبينما هم كَذَلِكَ غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عَلَيْهمْ طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شَيْئًا قط ثُمَّ يَقُولُ: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقًا قَدْ حفت به الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمَعَ الآذان ولم يخطر على القُلُوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا لَيْسَ يباع فيه شَيْء ولا يشتَرَى وفي ذَلِكَ السوق يلقى يلقى أَهْل الْجَنَّة بَعْضهمْ بعضًا، فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هُوَ دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عَلَيْهِ من اللباس فما ينقص آخر حديثه حتى يتمثل له عَلَيْهِ أحسن منه وَذَلِكَ أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها قال: ثُمَّ ننصرف إلى منازلنا فتلقانَا أزواجنا، فيقلن: مرحبًا وأهلاً لَقَدْ جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مِمَّا فارقتنا عَلَيْهِ فنقول: أَنَا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا.
قال ابن القيم في سوق الْجَنَّة:
... فَيَقُولُ ﷻ قُومُوا إِلَى
مَا قَدْ ذَخَرْتُ لَكُمْ مِنَ الإِحْسَانِ
يَأْتُونَ سُوقًا لا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى
فِيهِ فَخُذْ مِنْهُ بِلا أَثْمَانِ ... >?
стр. 3028
.. قَدْ أَسْلَفَ التُّجَّارَ أَثْمَانَ الْمَبِيـ ... ???? ... ـعِ بِعَقْدِهِمْ فِي بيعةِ الرِّضْوَانِ ... ???? ... للهِ سُوقٌ قَدْ أَقَامَتُهُ الْمَلا
ئِكَةُ الْكِرَامُ بِكُلِّ مَا إِحْسَانِ
فِيهِ الَّذِي وَاللهِ لا عَيْنٌ رَأَتْ
كَلا وَلا سَمِعَتْ بِهِ أُذُنَانِ
كَلا وَلَمْ يَخْطُر عَلَى قَلْبِ امْرِئٍ
فَيَكُونُ عَنْهُ مُعْبِرًا بِلِسَانِ
فَيَرَى امْرَأً مِنْ فَوْقَهُ فِي هَيْئَةٍ
فَيَرُوعُهُ مَا تَنْظُرُ الْعَيْنَانِ
فَإِذَا عَلَيْهِ مِثْلُهَا إِذْ لَيْسَ يَلْـ ... ???? ... ـحَقُ أَهْلَهَا شَيْءٌ مِن الأَحْزَانِ ... ???? ... وَاهًا لِذَا السُّوقِ الَّذِي مِن حَلَّهُ
نَالَ التَّهَانِي كُلَّهَا بِأَمَانِ
يُدْعَى بِسُوقِ تَعَارُفٍ مَا فِيهِ مِنْ
صَخَبٍ وَلا غِشٍّ وَلا أَيْمَانِ
وَتِجَارَةٍ مَنْ لَيْسَ تُلْهِيهِ تِجَا
رَاتٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ الرَّحْمَنِ
أَهْلُ الْمُرُوءَةِ وَالْفُتُوَّةِ وَالتُّقَى
وَالذِّكْرِ لِلرَّحْمَنِ كُلَّ أَوَانِ
يَا مَنْ تَعَوَّضَ عَنْهُ بِالسُّوقِ الَّذِي
стр. 3029
.. رُكزَتْ لَدَيْهِ رَايَةُ الشَّيْطَانِ
لَوْ كُنْتَ تَدْرِي قَدْرَ ذَاكَ السُّوق لِمْ
تَرْكَنْ إِلَى سُوق الْكَسَادِ الْفَانِي ... >?
اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ وَنَجِّنَا مِن لَفَحَاتِ الجَحِيمِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ) : اعْلَمْ أن الله اختار من كُلّ جنس من أجناس المخلوقات أطيبه. واختصه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنه تَعَالَى طيب لا يحب إِلا الطيب، ولا يقبل من الْعَمَل والكلام والصدقة إِلا الطيب، فالطيب من كُلّ شَيْء هُوَ مختاره تَعَالَى، وأما خلقه تَعَالَى فعام للنوعين.
وبهَذَا يعلم عنوان سعادة الْعَبْد وشقائه، فإن الطيب لا يناسبه إِلا الطيب ولا يرضى إِلا به، ولا يسكن إِلا إليه، ولا يطمئن قَلْبهُ إِلا به، فله من الكلم الطيب الَّذِي لا يصعد إِلَى اللهِ تَعَالَى إلا هُوَ، وَهُوَ أشد شَيْء نفرة عن الفحش في المقال، والتفحش في اللسان والبذاء، والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور، وكل كلام خبيث.
وكَذَلِكَ لا يألف من الأعمال إِلا أطيبها وهي الأعمال التي اجتمعت على حسنها الفطر السليمة مَعَ الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة. فاتفق على حسنها الشرع والعقل والفطرة.
مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شَيْئًا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع، فيفعل بِهُمْ ما يحب أن يفعلوه به، ويعاملهم بما يجب أن يعاملوه به،ويدعهم مِمَّا يجب أن يدعوه منه.
وينصحهم لما ينصح به نَفْسهُ، ويحكم لَهُمْ بما يجب أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحملهم أذاه، ويكف عن أعراضهم ولا يقابلهم بمثل ما نالوا من عرضه، وإذا رأى لَهُمْ
стр. 3030
حسنًا أذاعه وإذا رأى لَهُمْ سيئًا كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة، ولا يناقض الله أمرًا ولا نهيًا.
وله أيضًا من الأَخْلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم والوقار والسكينة، والرحمة والصبر والوفاء، وسهوله الجانب ولين العريكة والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقَدْ والحسد، والتواضع وخفض الجناح لأَهْل الإِيمَان.
والعزة والغلظة على أعداء الله وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله والعفة والشجاعة والسخاء والمروءة. وكل خلق اتفقت على حسنه الشرائع والفطر والعقول.
وكَذَلِكَ لا يختار من المطاعم إِلا أطيبها وَهُوَ الحلال الهنيء المريء الَّذِي يغذي البدن والروح أحسن تغذية، مَعَ سلامة الْعَبْد من تبعته. وكَذَلِكَ لا يختار من المناكح إِلا أطيبها وأزكاها. ومن الرائحة إِلا أطيبها وأزكاها. ومن الأصحاب والعشراء إِلا الطيبين مِنْهُمْ.
فروحه طيب وبدنه طيب، وخلقه طيب، وعمله طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومنكحه طيب، ومدخله طيب ومخرجه طيب، ومنقَلْبهُ طيب، ومثواه كله طيب.
فهَذَا ممن قَالَ اللهُ تَعَالَى فيه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومن الَّذِينَ يَقُولُ لَهُمْ خزنة الْجَنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ .
وهَذَا الفناء تقتضي السببية، أي بسبب طيبكم ادخلوها. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ وقَدْ فسرت الآيَة بأن الكلمات الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ، والكلمات الطَّيِّبَاتُ، للطَّيِّبِينَ، وفسرت بأن النساء َالطَّيِّبَاتُ للرِجَال الطَّيِّبِينَ، والنساء الْخَبِيثَاتُ للرِجَال اِلْخَبِيثِينَ، وهي تعم ذَلِكَ وغيره.
стр. 3031
فالكلمَاتَ والأعمال والنساء الطيبات لمناسبها من الطيبين والكلمَاتَ والأعمال والنساء الخبيثات لمناسبها الخبيثين. وَاللهُ جعل الطيب بحذافيره في الْجَنَّة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار. فجعل الدور ثلاثة:
دار أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين. وقَدْ جمعت كُلّ طيب، وهي الْجَنَّة.
ودار أخلصت للخبيثين والخبائث، ولا يدخلها إِلا الخبيثون، وهي النار.
ودار امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدار.
ولهَذَا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هَذَا الامتزاج والاختلاط، وَذَلِكَ بموجب الحكمة الإلهية. فإذا كَانَ يوم معاد الخليقة ميز الله الخبيث من الطيب.
فجعل الطيب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأَمْر إلى دارين فقط: الْجَنَّة، وهي دار الطيبين، والنار: وهي دار الخبيثين.
وأنشأ الله تَعَالَى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم، فجعل طيبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هِيَ عين نعيمهم ولذاتهم، فأنشأ لَهُمْ منها أكمل أسباب النَّعِيم والسرور. وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هِيَ عين عذابهم وآلامهم فأنشأ لَهُمْ منها أعظم أسباب العقاب والآلام، حكمة بالغة، وعزة باهرة قاهرة، ليرى عباده كمال ربوبيته، وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنهم كَانُوا هم المفترين الكذابين، لا رسله البررة الصادقون قال الله تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾
стр. 3032
والمقصود أن الله سُبْحَانَهُ جعل للسعادة والشقاء عنوانَا يعرفان به. فالسَّعِيد الطيب لا يليق به إِلا طيب، ولا يأتي إِلا طيبًا، ولا يصدر منه إِلا طيب، ولا يلبس إِلا طيبًا، والشقي الخبيث لا يليق به إِلا الخبيث، ولا يأتي إِلا خبيثًا ولا يصدر منه إِلا الخبيث.
فالخبيث: يتفجر من قَلْبهُ الخبث على لِسَانه وجوارحه. والطيب: يتفجر من قَلْبهُ الطيب على لِسَانه وجوارحه، وقَدْ يكون في الشخص مادتان، فأيهما غلب عَلَيْهِ كَانَ من أهله، فإن أراد الله به خيرًا طهره من المادة الخبيثة قبل الموافاة، فيوافيه يوم القيامة مطهرًا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار.
فيطهره منها بما يوفقه له من التوبة النصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة حتى يلقى الله وما عَلَيْهِ خطيئة. ويمسك عن الآخِر مواد التطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة، وحكمته تَعَالَى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه، فيدخله النار طهرة له، وتصفية وسبكًا، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث صلح حينئذٍ لجواره ومساكنة الطيبين من عباده.
وإقامة هَذَا النوع من النَّاس في النار على حسب سرعة زَوَال تلك الخبائث مِنْهُمْ وبطئها فأسرعهم زوالاً وتطهيرًا أسرعهم خروجًا، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.
وما كَانَ المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار خبثه، بل لو خَرَجَ منها لعاد خبيثًا كما كَانَ كالكلب إذا دخل البحر ثُمَّ خَرَجَ منه فلذَلِكَ حرم الله تَعَالَى على المشرك الْجَنَّة. ولما كَانَ المُؤْمِن الطيب المطيب مبرًا من الخبائث، كأَنْتَ النار حرامًا عَلَيْهِ، إذا لَيْسَ فيه ما يقتضي تطهيره بها.
стр. 3033
فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنه أحكم الحاكمين ورب العالمين، لا إله إِلا هُوَ.
وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَمَ.
(فَصْلٌ)
خطب أمير الْمُؤْمِنِين علي بن أبي طالب رضوان الله عَلَيْهِ بالكوفة، فَقَالَ في كلام له:
سبحانك خالقًا معبودًا بحسن بَلائِكَ في خلقك، خلقت دارًا وجعلت مأدبة ومطعمًا ومشربًا، وأزواجًا وقصورًا، وخدمًا وعيونًا وأنهارًا، ثُمَّ أرسلت داعيًا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا رغبنا، أقبلنا على جيفة نأكل منها، قَدْ زَادَ بعضنا على بعض حرصًا عَلَيْهَا، وافتضحنا لما اصطلحنا على حبها، عميت أبصار صالحينا وفقهائنا فيها، ولها من في قَلْبهُ مرض، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمَعَ بأذن غير سميعة، وقَدْ ملكت الشهوات عقله، وأماتت الدُّنْيَا قَلْبهُ، وذهلت عَلَيْهَا نَفْسهُ، فهو عبدها وعبد من في يديه منها شَيْء، حيثما زالت زال معها، وحيثما أقبلت أقبل إليها، لا يعقل ولا يسمَعَ، ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ من الله بواعظ. قَدْ رأى المأخوذين على الغرة حيث لا إقالة ولا رجعة كيف فاجاتهم تلك الأمور، ونزل بِهُمْ ما كَانُوا يوعدون، وفارقوا الدور، وصاروا إلى القبور، ولقوا دواهي تلك الأمور، فإذا نزلت بقُلُوبهمْ حسرات أنفسهم، اجتمعت عَلَيْهمْ خصلتان، حَسْرَة الفوت، وسكرة الموت، تفطرت لها قُلُوبهمْ، وتغيرت ألوانهم، وتردد فوافهم وحركوا لمخَرَجَ أرواحهم أيديهم وأرجلهم، فعرقت لذَلِكَ جباههم، ثُمَّ ازداد الموت فيهم، فحيل بين أحدهم ومنطقه وأنه لبين ظهراني قومه ففكر بعقل بقي له: فيم فني عمره، وفيم ذهبت أيامه!!
عن الأصمعي ﵀ قال: حجبت فنزلت ضرية في يوم جمعة، فإذا أعرابي قَدْ كور عمامته، وتنكب قوسه، فصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عَلَيْهِ،
стр. 3034
وصلى على نبيه ?، ثُمَّ قال: أيها النَّاس، إن الدُّنْيَا دار ممر، والآخِر دار مقر فخذوا من دار ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عَنْدَ من لا تخفى عَلَيْهِ أسراركم، فإنه لن يستقبل أحدٌ يومًا من عمره إِلا بفارق آخر من أجله، وإن أمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدًا لا يدري من أهله. فاستصلحوا ما تقدمون عَلَيْهِ، واقنوا ما لا ترجعون إليه، واخرجوا من الدُّنْيَا بقلوبكم قبل أن تخَرَجَ منها أبدانكم، ففيها خلقنم، وإلى غيرها ندبتم. وإنه لا قوي أقوي من الخالق، ولا ضعيف أضعف من مخلوق، ولا هرب من الله إِلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه، و {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح الْعَمَل وهدانَا بفضله سبيل الرشاد وطَرِيق السداد إنه جل شأنه نعم المولى ونعم النصير.
... لا يَخْدَعَنَّكَ صِحَّةٌ وَفَرَاغ
مَا لا يَدُومُ عَلَيْكَ فَهُوَ مُعَارُ
يَغْشَى الْفَتَى حُبَّ الْحَيَاةِ وَزِينَةَ الدُّ
نْيَا وَيَنْسَى مَا إليه يُصَارُ
وَإِذَا الْبَصَائِرُ عَنْ طَرَائِقِ رُشْدِهَا
عَمِيَتْ فَمَاذَا تَنْفَعُ الأَبْصَارُ
لا تَغْتَرِرْ بِالدَّهْرِ إِنْ وَافَاكَ فِي
حَالٍ يَسُرُّكَ إِنَّهُ غَرَّارُ
انْظُرْ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَاعْتَبِرْ
سَتَصِيرُ عَنْ قُرْبٍ إِلَى مَا صَارُوا
آخر: ... النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهُمْ
وَمِمَّا يُفِيقُونَ حَتَّى يَنْفَدَ الْعُمُرُ ... >?
стр. 3035
.. يُشِيعُونَ أَهَإليهِمْ بِجَمْعِمُوا
وَيَنْظُرُونَ إِلَى مَا فِي قَدْ قُبِرُوا
وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَحْلامِ غَفْلَتِهِمْ
كَأَنَّهُمْ مَا رَأَوْا شَيْئًا وَلا نَظَرُوا ... >?
اللَّهُمَّ إن حسناتنا من عطائك، وسيئآتنا من قضائك، فجد اللَّهُمَّ بما أعطيت، على ما به قضيت، حتى تمحو ذَلِكَ بذَلِكَ، اللَّهُمَّ إن مساوينا قطعت عنا الوسائل، غير أَنَا علمنا أنك رب كريم، ومولى رؤوف رحيم، فجرانَا مَعَ قبح أفعالنا، وضعف أعمالنا، علمنا بذَلِكَ، وحملنا – مَعَ البعد عَنْكَ - رجاؤنا في نوالك، فاستجب لنا، واغفر لنا وارحمنا، وتب عَلَيْنَا، وعافنا واعف عنا، وحقق رجاءنا، واسمَعَ دعاءنا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.
وهذه قصة الذبيح إسماعيل بن إبراهيم الخليل عَلَيْهِمَا الصَّلاة والسَّلام
... الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى ... إِنْعَامِهِ فَهُوَ ذُو الأَنْعَامِ وَالنِّعَمِ
وَبَعْدَ هَذَا فَآلافُ الصَّلاةِ عَلَى ... مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعُرْبَانِ وَالْعَجَمِ
وَالآلِ وَالصَّحْبِ ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ ... مَا لاحَ بَرْقٌ وَسَحَّتْ أَعينُ الدِّيمِ
إِنِّي نَظَمْتُ لأَمْرٍ لِلْخَلِيلِ بِمَا ... أَدَّاهُ فِكْرِي وَمَا أَبْدَى بِهِ قَلَمِي
فَبَيْنَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُضْطَجِعًا ... الْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ لَمْ يَنَمِ
رَأَى مَنَامًا بِأَنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ ... بِذَبْحِ ابن صَدُوقِ الْقَوْلِ ذِي الشِّيَمِ
أَعْنِي أَبَا الْعَرَبِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ بِهِ ... جَمَاعَةٌ مِنْ ذَوِي الأَلْبَابِ وَالْحِكَمِ
وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِسْحَقَ الذَّبِيحَ وَقَدْ ... تَوَاتَرَ الْقَوْلُ فِيمَنْ قَبْلُ كَانَ سُمِي
نَادَاهُ إِنِّي أَرَى فِي النَّوْمِ ذَبْحَكَ يَا ... بُنَيَّ فَانْظُرْ فَمَا رُؤْيَايَ بِالْحُلُمِ
стр. 3036
فَقَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... مُبَادِرًا أَنْتَ أَمْرَ اللهِ لَنْ تُلَمِ
لَكِنَّ وَالدَتِي وَارَحْمَتَاهُ لَهَا ... مَاذَا يَحِلُّ بِهَا إِنْ خُبِّرَتْ بِدَمِ
فَاقْرِي وَالِدَتِي مِنِّي السَّلامَ وَقُلْ ... لَهَا أصْبِرِي لِقَضَاءِ اللهِ وَاعْتَصِمِ
حَولْ لِوَجْهِكَ عِنْدَ الذَّبْحِ يَا أَبَتِي ... وَاغْضُضْ بِطَرْفِكَ لا تَجْزَعْ لِسَفْكِ دَمِي
فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُ بِي ... مَا شَاءَ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ وَذُو كَرَمِ
فَاسْتَسْلَمَا ثُمَّ سَارَ عَازِمِينَ عَلَى ... إِنْفَاذِ أَمْرِ إلَهٍ مُحْيِي الرِّمَمِ
فَجَاءَ إِبْلَيْسُ يَسْعَى وَهُوَ ذُو عَجَلٍ ... فِي زِيِّ شَيْخٍ كَبِيرِ السِّنِّ ذِي هَرَمِ
فَقَالَ أَنْتَ خَلِيلُ اللهِ تَسْمَعُ مَا ... يُوحِيهِ إِبْلَيْسَ فِي الأَضْغَانِ وَالْحُلُمِ
أَجَابَهُ اخْسَأْ عَدَوَّ اللهِ إِنَّكَ إِبْـ ... ـلَيْسُ اللَّعِينُ قَرِينُ الشَّرِّ وَالنَّدَمِ
فَرَاحَ عَنْهُ وَوَلَّى خَاسِئًا خَجِلاً ... يَقُولُ قَدْ فَاتَنِي الْمَطْلُوبُ وَآلِمِ
ثُمَّ انْثَنَى نَحْوَ إِسْمَاعِيلَ مُمْتَحِنًا ... لَهُ يَقُولُ ادْنُ مِنِّي وَاسْتَمِعْ كَلَمِ
أَبُوكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ ... بِذَبْحِكَ اليوم مَا هَذَا مِنَ الشِّيَمِ
فَقَالَ إِنْ كَانَ رَبُّ الْعَرْشِ يَأْمُرُهُ ... فَإِنَّنِي صَابِرٌ رَاضٍ بِلا نَدَمِ
وَطَاعَةُ الرَّبِّ فَرْضٌ لا مَحِيصَ لَنَا ... عَنْهَا لأَنْ كُتِبَتَ فِي اللَّوْحِ بِاْلَقَلمِ
فَارْجِعْ بِكِبْرِكَ عَنَّا إِنَّنَا بَرَءَآ ... مِنْكَ فَإِنَّكَ مَطْرُودٌ مِنَ الرَّحِمِ
فراحَ عنه لِنَحْو الأم قَالَ لَهَا ... إنَّ ابنَكَ اليومَ مَذْبُوحٌ على وَهَمِ
مِنْ أَجْلِ رُؤْيًا رَآهَا الشَّيْخُ حَقَّقَهَا ... يُرِيدُ انْجازَهَا هَلْ ذَا بِمُلْتَزَمِ
قَالَتْ نَعَمْ مَا لَهُ بُدٌ وَكَيْفَ لَهُ ... بِأَنْ يُخَالِفَ مَنْ أَنْشَاهُ مِنْ عَدَمِ
لَمَّا رَأَى إليأْسَ مِنْهُمْ رَدَّ مُكْتَئِبًا ... يَرنَّ أَرْنَانَ ذَاتِ الثُّكْلِ وَإليتُمِ
إِذَا فَاتَهُ مَا جَرَى مِنْهُ وَأَمَّلَهُ ... وَبَاءَ بِالْخِزْيِ وَالْخُذْلانِ وَالنَّدَمِ
وَانْقَادَ لِلذَّبْحِ إِسْمَاعِيلُ مُحْتَسِبًا ... لِحُكْمِ مَوْلاهُ يَمْشِي حَافِي الْقَدَمِ
فَبَيْنَمَا هُوَ مُنْقَادٌ لِسَيِّدِهِ ... مَا فِيهِ مِنْ جَزَعٍ كَلا وَلا سَئَمِ
стр. 3037
.. أَتَى الْخَلِيلُ بِسِكِّينٍ فَأَشْحَذْهَا ... حَتَّى غَدَتْ مِثْلَ بَرْقٍ دُجَى الظُّلَمِ
فَقَالَ يَا أَبَتَاهُ ارْفَعْ ثِيَابَكَ لا ... يُصِيبُهَا قَذَرٌ عِنْدَ اصْطِبَابِ دَمِي
وَيَفْجَعُ الأُمَّ مَهْمَا شَاهَدَتْهُ كَذَا ... فَاللهُ يَعْصِمُهَا مِنْ زَلَّةِ الْقَدَمِ
وَالأَمُّ يَا وَالَدِي مَهْمَا رَجَعْتَ لَهَا ... فَاطْلُبْ لِي الْحَلَّ مِنْهَا وَأحْفَظْ الذِّمَمِ
وَأَمْرَ مَوْلايَ نَفَّذْهُ بِذَبْحِكَ لِي ... وَاشْحذ لِشَفْرَةِ ذَبْحِي يَا أَبَا الْكَرَمِ
كَيْمَا يَهُونُ عَليَّ الْمَوْت إِنَّ لَهُ ... لَشِدَّةٍ لَمْ تَصِفْهَا أَلْسُنُ الأُمَمِ
قَالَ الْخَلِيلُ فَنِعْمَ الْعَوْنِ أَنْتَ عَلَى ... مَرْضَاةِ رَبِّي فَثِقْ بِاللهِ وَاعْتَصِمِ
فَجَاءَ بِالْحَبْلِ شَدَّ الإِبْنُ ثُمَّ بَكَى ... لِرِقَّةِ غَلَبَتْهُ فَهُوَ لَمْ يُلَمِ
أَمَرَّ شَفْرَتَهُ بِالنَّحْرِ فَانْقَلَبَتْ ... عَنْهُ ثَلاثًا وَلَمْ يَمْسَسْهُ مِنْ أَلَمِ
فَقَالَ إِنَّ شَقَّ ذَا وَالنَّفْسُ مَا سَمِحَتْ ... فَكُبَّ وَجْهِي فَإِنِّي غَيْرَ مُهْتَضِمِ
فَكَبَّهُ مِثْلَ مَا أَوْصَاهُ فَانْقَلَبَتْ ... إِذْ ذَاكَ شَفْرَتُهُ لَمْ تُفْرِ مِنْ أَدَمِ
وَالأَرْضُ رَجَّتْ وَأَمْلاكُ السَّمَا جَارَتْ ... وَالْوَحْشُ عَجَّتْ وَعَمَّ الْخَطْبُ فِي الأُمَمِ
وَاللهُ ذُو الْعَرْشِ فَوْقَ الْعَرْشِ يَعْجِبُ مِنْ ... إِيمَانِ عَبْدَيْهِ مَا عَنْهُ بِمُنْكَتِمِ
أَوْحَى لِجِبْرِيلَ أَنْ أَدْرَكْهُمَا عَجلاً ... بِكَبْشِ ضَانٍ رَبِّي فِي رَوْضَةِ النَّعَمِ
أَيْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا فِي الْجِنَانِ رَعَى ... يَسْقَى مِنْ أَنْهَارَهَا عَذْبًا بِلا وَحَم
فَجَاءَ بِالْكَبْشِ جِبْرِيلُ الأَمِينُ إِلَى ... ذَاكَ الْخَلِيلِ النَّبِيلِ الطَّاهِرِ الْعَلَمِ
فَقَالَ هَذَا الْفِدَى مِنْ عِنْدَ رَبَّكَ عَنْ ... هَذَا الذَّبِيحِ جَزَا هَذَا دَمٌ بِدَمِ
فَكَبَّرَ اللهَ جُبْرَائِيلُ حِينَئِذٍ ... وَالْكَبْشُ كَبَّرَ أَيْضًا نَاطِقًا بِفَمِ
ثم الخَلِيلُ كَذاكَ الإِبنُ مَا بَرَحَا ... مُكَبَّرِيْنَ وذَا شُكْرٌ على النَّعَمِ
وَسَرَّ أَهْلَ السَّمَا وَالأَرْضُ حَالَهُمَا ... وَاغْتَمَ إِبْلَيْسَ غَمًّا غَيْرَ مُنْصَرِمِ
عَوَاقِبُ الصَّبْرِ تُنْجِي مَنْ يُلازِمُهَا ... وَالْحَمْدُ للهِ هَذَا آخِرُ الْكَلِمِ
ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ أَحْمَدَ مَا ... غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ فِي الأَيْكِ بِالنِّعَمِ
стр. 3038
.. وَالآلُ وَالصَّحْبُ ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ ... مَا لاحَ فَجْرٌ فَأَجْلَى غَيْهَبَ الظُّلَمِ
انتهى.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤمِنُ بِلقَائِكْ وتَرْضَى بِقَضائِكْ، وتَقْنَعُ بِعَطَائِكْ، يا أرْأفَ الرائفين، وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ التَّوْفِيق لما تُحِبُّه مِن الأعمال، ونسألُكَ صِدْقَ التوكلِ عليكْ، وحُسْنَ الظَنِّ بِكَ يَا رَبَّ العالمين.
اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك المُخْبِتِين، الغُرِّ المُحَجَّلِين الوَفْدِ المُتَقَبِّلين.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ حَيَاةً طَيِّبةً، ونَفْسًا تَقِيَّةً، وعِيْشَةً نَقِيَّةً ومِيْتَةً سَويَّةً، ومَرَدًا غَيْرَ مُخْزِي ولا فاضح.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أهلِ الصَّلاحِ والنَّجَاحِ والفَلاحِ، ومِن المُؤَيَّدِينَ بِنَصْرِكَ وتَأْييدِكَ ورِضاكَ.
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنا بابَ القَبُولِ والإِجَابةِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
خطبة في التحذير من المعاصي
قال أحد الْعُلَمَاء ﵀ عَلَيْهِ:
الحمد لله الَّذِي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن المتعرف إلى خلقه بما أسداه إليهم من الكرم والمنن الَّذِي أخَرَجَ النَّاس من الظلمَاتَ إلى النور وهداهم إلى صراطه المستقيم وجنبهم ما يوقعهم في مهامه الجحيم.
الواحد الأحد الفرد الصمد العزيز الحكيم لا تدركه الأبصار وَهُوَ يدرك الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير أحمده سُبْحَانَهُ على فضله وجوده الغزير وأشكره وَالشُّكْر مؤذن بالزيادة والتوفير.
стр. 3039
وأشهد أن لا إله إِلا الله وحده لا شريك له وَهُوَ نعم المولى ونعم النصير وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير اللَّهُمَّ صل وسلم على عبدك ورسولك مُحَمَّد وعلى آله وصبحه أولي الجد في الطاعة والتشمير صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم المصير.
أما بعد: أيها النَّاس اتقوا الله تَعَالَى بفعل أوامره واجتناب مناهيه وقوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها النَّاس والحجارة عَلَيْهَا ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وتدبروا فيمن ضاع عمره في البطالة والتمادي وجمَعَ الْمَال ولا يبإلى أمن حلالٍ جمعه أم من حرام.
ولا تأكلوا الربا فإن الله لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وَقَالَ هم في الوزر سواء قال الله جَلَّ وَعَلا: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ إليتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ وَقَالَ عز من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ وفي الْحَدِيث: «مْا تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أعْلِنُوها إِلاَّ ابتلاهم الله بالطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. ومْا طفّف قَوْمٍ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ ابتلوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ وَما مْنَعُ قَوْمٍ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَمْا خفر قَوْمٍ العَهْدَ اللَّهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. ولا حكموا بغير مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» .
وَقَالَ ﵇: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» .
стр. 3040
وقَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمُ كَانَ فِي حَاجَتِهِ» .
وَقَالَ في حجة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» وقَالَ عن الكعبة ما أعظمك وأعظم حرمتك وإن حرمة المُؤْمِن أعظم عَنْدَ الله منك.
وقَالَ «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يأمن جاره بوائقه» وقَالَ مُعَاذُ أو
، مُؤَاخَذُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» وَقَالَ
الغيبة أشد مِنَ الزِّنَا الْحَدِيث إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم» وَقَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وفي حديث أبي بكر «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ من عنده» رواه أَحَمَد وعن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: قَالَ رَسُولِ اللهُ ?: «إذا خفيت الخطيئةُ لم تضرَّ إِلا صاحبَها وإذا ظهرتْ فلم تغيَّرْ ضَرَّتْ العامةَ» .
وروى أَحَمَد عن عُمَر بن الْخَطَّاب ﵁ يوشك أن تخرب القرى وهي عامرة قَالُوا وكيف خرابها قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد القبيلة منافقوها وروى أَحَمَد من حديث جَرِيرٍ أن النَّبِيّ ? قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ َأَعَزُّ وأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُه فلم يُغَيِّرُوهُ إِلاَّ عَمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ» وروى البخاري عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ?، مَنْ الْمُوبِقَاتُ» .
فاتقو الله عباد الله بالإقلاع عن المعاصي وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحًا
стр. 3041
عَسَى ربكم أن يكفر عنكم سئاتكم واستدركوا بقية عمر أضعتم أوله فإن بقية عمر المُؤْمِن لا قيمة له جعلني الله وإياكم ممن أفاق لنفسه وفاق بالتحفظ أبناء جنسه وأعد عدة تصلح لرمسه.
إن أحس ما وعظ به الواعظون كلام من نَحْنُ لعفوه وكرمه مؤملون والله يَقُولُ وبقوله يهتدي المهتدون وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون أعوذ بِاللهِ من الشيطان الرجيم: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ بارك الله لي ولكم في القرآن ولكم في القرآن العَظِيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أَقُول قولي هَذَا وأستغفر الله العَظِيم لي ولكم وَلِجَمِيعِ المسلمين فاستغفروه إنه هُوَ الغفور الرحيم.
(موعظة)
عباد الله إن العاقل اللبيب الفطن الرشيد من يسعى في نفع نَفْسهُ وأهله ودفع الضَّرَر عنهم، وانَا نرى في زمننا الَّذِي كثرت فيه المنكرات وانحطت فيه الأَخْلاق وقل فيه الورع وكثر فيه النفاق والرياء.
تَرَى النَّاس يخشون النَّاس ولا يخافون ربًا قهارًا بطشه شديد وعذابه إليم تَرَى الرجل يفعل الْمُنْكَر جهارًا ولا تنهاه وتنسى أو تتناسى قول الله تَعَالَى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ ، وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ .
وقوله ?: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَليُغَيِّرَهُ بِيَدِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانه، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» .
فقل للذي يرى تارك الصَّلاة ولا ينهاه لا يجوز لك ذَلِكَ أنصح أخاك
стр. 3042
المسلم وقل للذي قَدْ عميت بصيرته فأتى بكفار خدامين أو سواقين أو مربين أو طباخين أو خياطين أو نحو ذَلِكَ وأمِنْهُمْ على محارمه.
خف الله وأحذر من عقوبة الدُّنْيَا قبل عقوبة الآخِرَة كيف تأتي بأعداء الله ورسوله والْمُؤْمِنِين، لَقَدْ أسأت إلى نفسك وأهلك والمسلمين.
أما سمعت قول النَّبِيّ ?: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» .
أو ما بلغك قصة الثلاثة الَّذِينَ هجرهم المسلمون نحوا من خمسين ليلة بأيامها حين تخلفوا عن رَسُولِ اللهُ ? في غزوة تبوك.
أو ما بلغك أن أبا هريرة أقسم (لا يظله سقف هُوَ وقاطع رحم) وأَنْتَ وأعداء الله الكفار متصل بعضكم في بعض في البيت والسوق والسيارة عياذا بِاللهِ من ذَلِكَ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ .
وإذا رَأَيْت من يحلق لحيته ويبقي شاربه متشبها بالمجوس فقل له أما سمعت حَدِيثِ «أكرموا اللحى» وَحَدِيثِ «وَفِّرُوا اللِّحَى» وقول الله تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ إلىمٌ﴾ ، وقوله ?: «كُلّ أُمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ» وعملك هَذَا مجاهرة.
وإذا رَأَيْت شارب الدخان فإنصحه وبين له مضاره في الدين والبدن والدنيا.
وإذا رَأَيْت من يقتل وقته أمام الملاهي والمنكرات فأنصحه وبين له المضار التي منها ترك الصَّلاة جماعة أو إهمالها بتاتا والعياذ بِاللهِ.
وإذا رَأَيْت الَّذِي يطارد النساء في الأسواق فقل بِاللهِ هل ترضى أن الفسقة مثلك يطاردون نساءك أتق الله وتب إليه من هَذَا الخلق الرذيل.
стр. 3043
وإذا رَأَيْت الَّذِي يغش المسلمين فقل له إتق الله أما بلغك حديث المصطفى ?: «مَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا» .
وإذا رَأَيْت من يعامل بالربا فقل كيف تحارب ربك الَّذِي أعطاك الْمَال خف الله وأحذر أن يمحقك الله ويمحق مالك.
وإذا رَأَيْت من يسافر إلى بلاد الكفر فأنصحه وقل أما سمعت قول النَّبِيّ ?: «أَنَا بَرِىءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ لاَ تَرَأيَ نَارَاهُمَا» وكَانَ ? يأخذ على أصحابه عَنْدَ البيعة يأخذ علي يد أحدهم «أن لاَ تَرَيَ نَارَك نار المشركين إِلا أن تَكُون حربا لَهُمْ» .
وإذا رَأَيْت من يصور أو يبيع صور ذوات الأرواح فأنصحه وقل له أما بلغك: «أنَّ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» أما بلغك مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ، وقل له أما سمعت حديث «كُلّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْس فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» إتق الله قبل أن تقف بين يديه حافيًا عاريًا أعزلاً.
وإذا رَأَيْت من يبيع الصور أو آلات اللهو كالتلفزيون والكورة والمذياع والفيديو والسينماء والورق الملهية عما خلق الإِنْسَان له وأبا الخبائث الدخان ونحو هذه البدع المحرمة التي ضاع العمر والْمَال بسببها وقضت على الأَخْلاق والغيرة الدينية فقل له: أترضى لنفسك أن تتجر بالمحرمَاتَ وأن تَكُون ممن يعين على المعاصي وينشر الفساد إتق الله قبل أن يفاجئك هادم اللذات فتندم ولا يفيدك الندم. ويصدق عَلَيْكَ قول الشاعر:
نَدَمُ الْبُغَاةِ وَلاتَ سَاعَةُ مندم ** وَالْبَغْيَ مَصْرَعُهُ وَخِيمَ الْمَصْرَعِ
وإذا رَأَيْت من يطفف في المكيال والميزان أزو يأخذ راتبه كاملاً ولا يؤدي
стр. 3044
الْعَمَل كاملاً قل له: إتق الله أما تقَرَأَ قول رب العالمين: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيم * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقل له: ستناقش عن عملك وإهمالك له في يوم كَانَ مقداره خمسين ألف سنة.
وإذا رَأَيْت المغتابين نهاشة الأعراض أكالة لحوم الغوافل فقل لَهُمْ: أما قرأتم قول الملك الديان: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ الآيَة.
وإذا رَأَيْت النمام فقل له: أما سمعت قول النَّبِيّ ?: «لا يدخل الْجَنَّة نمام» ، وهكَذَا تفعل عِنْدَمَا تريد أن تنصح أَهْل المعاصي نحو هؤلاء من منافقين ومتملقين وكذابين وخداعين ومرائين ومكارين.
ولَقَدْ تضاعفت الغيبة والنميمة والكذب أضعافًا كثيرة بعد ظهور التلفزيون والتلفون والمسجلات فقَدْ كأَنْتَ بالأول لا توَجَدَ إِلا مَعَ اجتماع الأبدان والآن توَجَدَ ولو كَانَ بينهم مسافات بعيدة نسأل الله العافية.
اللَّهُمَّ جنبنا البدع والمنكرات واغفر لنا جَمِيع الزلات ووفقنا للأعمال الصالحات وأسكنا فسيح الجنات وَجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
موعظة
قال ابن القيم ﵀:
ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قَسْوَة الْقَلْب والبعد عن الله خلقت النار لإذابة القُلُوب القاسية أبعد الْقَلْب من الله الْقَلْب القاسي، إذ قسى قحطت العين.
قَسْوَة الْقَلْب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل،
стр. 3045
والنوم، والكلام، والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب فكَذَلِكَ الْقَلْب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ.
من أراد صفاء قَلْبهُ فليؤثر الله على شهواته.
القُلُوب المتعلقة بالشهوات محجوبة بقدر تعلقها بها. شغلوا قُلُوبهمْ بالدُّنْيَا، ولو شغلوها بِاللهِ والدار الآخِرَة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفَوَائِد.
إذا غذي الْقَلْب بالتذكر، وسقى بالتفكر، ونقى من الدغل، ورأى العجائب، وألهم الحكمة، خراب الْقَلْب من الأمن والغَفْلَة، وعمارته من الخشية والذكر.
إذا زهدت القُلُوب في موائد الدُّنْيَا قعدت على موائد الآخِرَة بين أَهْل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدُّنْيَا فاتتها تلك الموائد.
والْقَلْب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية ويصدأ كما تصدئ المرآة وجلاوة بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسد وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.
للقب ستة مواطن يجول فيه لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية.
فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة لا تزال تجول فيها.
والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده. والقُلُوب جوالة في هذه المواطن.
وَقَالَ ﵀: ولا ريب أن الْقَلْب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرها وجلاؤه بالذكر فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدئ، فإذا ذكر جلاه.
стр. 3046
وصدأ الْقَلْب بأمرين: بالغَفْلَة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كأَنْتَ الغَفْلَة أغلب أوقاته كَانَ الصدأ متراكمًا على قَلْبهُ، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدأ الْقَلْب لم تنطبع فيه صور المعلومَاتَ على ما هِيَ عَلَيْهِ فيرى الْبَاطِل في صورة الحق والحق في صورة الْبَاطِل، لأنه لما تراكم عَلَيْهِ الصدأ وأسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلاً. وهَذَا أعظم عقوبات الْقَلْب.
وأصل ذَلِكَ من الغَفْلَة وإتباع الهوى فإنهما يطمسان نور الْقَلْب ويعميان بصره، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ فإذا أراد الْعَبْد أن يقتدي برجل فلينظر:
هل هُوَ من أَهْل الذكر أو من الغافلين. وهل الحاكم عَلَيْهِ الهوى أو الوحي. فإن كَانَ الحاكم عَلَيْهِ هُوَ الهوى وَهُوَ من أَهْل الغَفْلَة كَانَ أمره فرطًا. ومعنى الفرط قَدْ فسر بالتضييع، أي أمره الَّذِي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائع قَدْ فرط فيه، وفسر بالإسراف أي قَدْ أفرط، وفسر بالأهلاك، وفسر بالخلاف للحق، وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود أن الله سُبْحَانَهُ نهى عن طاعة من جمَعَ هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كَذَلِكَ فليبعد منه وإن وَجَدَ ممن غلب عَلَيْهِ ذكر الله وإتباع السنة، وأمره غير مفروط عَلَيْهِ بل هُوَ حازم في أمره فليتمسك بغرزه، ولا فرق بين الحي والميت إِلا بالذكر، فمثل الَّذِي يذكر ربه والَّذِي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت وفي المسند مرفوعًا: «أكثر واذكر الله تَعَالَى حتى يُقَالُ: مجنون» .
شِعْرًا:
الذِّكْرُ أَصْدَقُ قَوْلٍ فَافْهَمِ الْخَبَرَا ... لأَنَّهُ قَوْلَ مَنْ قَدْ أَنْشَأَ الْبَشَرَا
فَاعْمَلْ بِهِ إِنْ تُرِدْ فَهْمًا وَمَعْرِفَةً ... يَا ذَا النُّهَى كَيْ تَنَالَ الْعِزَّ وَالْفَخْرَا
стр. 3047
وَتَحْمَدِ اللهَ فِي يَوْمِ الْمَعَادِ إِذَا ... جَاءَ الْحِسَابُ وَعَمَّ الْخَوْفُ وَانْتَشَرَا
للهِ دَرُّ رِجَالٍ عَامِلِينَ بِهِ ... فِيمَا يَدِقُ وَمَا قَدْ جَلَّ وَاشْتَهَرَا
قال ابن القيم ﵀: كل آفة تدخل على الْعَبْد فسببها ضياع الْقَلْب وفساد الْقَلْب يعود بضياع حقه من الله تَعَالَى ونقصان درجته ومنزلته عنده.
ولهَذَا أوصى بعض الشيوخ فَقَالَ: احذروا مخالطة من تضيع مخالطته الوَقْت وتفسد الْقَلْب فإن ضاع الوَقْت وفسد الْقَلْب انفرطت على الْعَبْد أموره كُلّهَا وكَانَ ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ .
ومن تأمل حال هذه الخلق وجدهم كلهم إِلا أقل القليل ممن غفلت قُلُوبهمْ عن ذكر الله تَعَالَى الَّذِي به تحيا القُلُوب وتطمئن واتبعوا أهواءهم وصَارَت أمورهم ومصالحهم فرطا، أي فرطوا فيما ينفعهم ويعود عَلَيْهمْ بمصالحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم بل بما يعود بضررهم عاجلاً وآجلاً.
وهؤلاء قَدْ أمر الله سُبْحَانَهُ رسوله ألا يطيعهم فطاعة الرَّسُول ? لا تتم إِلا بعدم طاعة هؤلاء لأنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من أتباع الهوى والغَفْلَة عن ذكر الله.
والغَفْلَة عن ذكر الله والدار الآخِرَة متى تزوجت باتباع الهوى تولد بينهما كُلّ شر وكثيرًا ما يقترن أحدهما بالآخِر ولا يفارقه.
ومن تأمل فساد أحوال العَالِم عمومًا وخصوصًا وجده ناشئًا عهن هاذين الأصلين فالغَفْلَة تحول بين الْعَبْد وبين تصور الحق ومعرفته والعلم به فيكون بذَلِكَ من الضإلين، وإتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته وإتباعه، فيكون من المغضوب عَلَيْهمْ.
وأما المنعم عَلَيْهمْ فهم الَّذِينَ من الله تَعَالَى عَلَيْهمْ بمعرفة الحق عِلْمًا وبالانقياد إليه وإيثاره عما سواه عملاً وهؤلاء هم الَّذِينَ على سبيل النجاة ومن سواهم على سبيل الهلاك.
стр. 3048
ولهَذَا أمرنا الله أن نقول كُلّ يوم وليلة عدة مرات ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيْهمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيْهمْ وَلاَ الضَّإلينَ﴾ .
فإن الْعَبْد مضطر كُلّ للاضطرار إلى أن يكون عارفا بما ينفعه في معاشه ومعاده وأن يكون موثرًا مريدًا لما ينفعه مجتنبًا لما يضره فبمجموع هذين قَدْ هدى إلى الصراط المستقيم فإن فاته معرفة ذَلِكَ سلك سبيل الضإلين.
وإن فاته قصده وأتباعه سلك سبيل المغضوب عَلَيْهمْ وبهَذَا تعرف قدر هَذَا الدُّعَاء العَظِيم وشدت الحاجة إليه وتوقف سعادة الدُّنْيَا والآخِرَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخر: حافظ على الأوقات فإن الوَقْت رأس الْمَال ولا تضيعها بالفراغ وأملأها بالإفادة أو الاستفادة أو بهما جميعًا واعرف ما يذهب به ليلك ونهارك وجدد توبتك في كُلّ وَقْت.
وقسم وقتك ثلاثة أقسام قسم لطلب العلم وقسم للعمل الَّذِي تستعين به على مصالح دنياك وآخرتك وقسم لحقوق نفسك وما يلزمك واعتبر بمن مضى وتفكر في منصرف الفريقين بين يدي الله جَلَّ وَعَلا وتقدس فريق في الْجَنَّة وفريق في السعير.
واستحضر قرب الله منك كما في الْحَدِيث فإن لم تكن تراه فإنه يراك وأكرم الكتبة الحافظين فقَدْ أوصى رَسُولِ اللهُ بالجار من النَّاس الَّذِي بينك وبينه جدار وأحجار فَكَيْفَ بالجار الكريم الَّذِينَ قال الله فيهم ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وَقَالَ جَلَّ وَعَلا وتقدس ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ .
فرعاية جواره أحق وإكرام قربه أو جب لأنه أسبق وألصق ولَيْسَ بينك وبينه جدار ولا أحجار ولا حائل ومَعَ الأسف إلشديد أن الأذية لهما لا تفتر على مر الساعات ولكن مقل ومكثر.
اللَّهُمَّ اجعل الإِيمَان هادمًا للسيئات كما جعلت الكفر عادمًا للحسنات ووفقنا للأعمال الصالحات، وَاجْعَلْنَا ممن توكل عَلَيْكَ
стр. 3049
فكفيته واستهداك فهديته ودعاك فأحبته وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدْ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينْ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ أعلم أيها الأخر أنه ما من ساعة تمر على الْعَبْد لا يذكر الله فيها إِلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذَلِكَ ينبغي للعاقل أن يجعل معه شَيْئًا يذكره لذكره الله كُلَّما غفل عَنْهُ.
ويُقَالُ إن الْعَبْد تعرض عَلَيْهِ ساعات عمره في اليوم واللَّيْلَة فيراها خزائن مصفوفة أربع وعشرين خزانة فيرى في كُلّ خزانة أمضاها في طاعة الله ما يسره. فإذا مرت به الساعات التي غفل فيها عن ذكر الله رآاها فارغة ساءه ذَلِكَ وتندم حين لا يفيده الندم.
وأما الساعات التي كَانَ يذكر الله فيها فلا تسأل عن سروره فيها وفرحه بها حتى يكاد أن يقتله الفرح والسرور. قال بَعْضهمْ أوقات الإِنْسَان أربعة لا خامس لها النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
ولله عَلَيْكَ في كُلّ وَقْت منها سهم من العبودية.
فمن كَانَ وقته الطاعة لله فسبيله شهود المنة من الله عَلَيْهِ أن هداه ووفقه للقيام بها.
ومن كَانَ وقته المعصية فعَلَيْهِ بالتوبة والندم والاستغفار.
ومن كَانَ وقته النعمة فسبيله الشكر والحمد لله والثناء عَلَيْهِ.
ومن كَانَ وقته البلية فسبيله الرِّضَا بالِقَضَاءِ والصبر والرِّضَا رضي النفس عن الله، والصبر ثبات الْقَلْب بين يدي الرب. أ. هـ.
العمر إذا مضى لا عوض وما حصل لك منه لا قيمة له. فعمر الإِنْسَان هُوَ ميدانه للأعمال الصَّالِحَة المقربة من الله تَعَالَى والموجبة له جزيل الثواب في الآخِرَة. ولكن ما يعرف قدر العمر إِلا نوادر الْعُلَمَاء.
стр. 3050
قال الله جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَإليةِ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ الآيات.
وهذه هِيَ السعادة التي يكدح الْعَبْد ويسعى من أجلها ولَيْسَ له منها إِلا ما سعى كما قال جَلَّ وَعَلا وتقدس: ﴿وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ .
فكل جزء يفوته من العمر خَإليا من عمل صالح.
يفوته من السعادة بقدره ولا عوض له منه.
فالوَقْت لا يستدرك ولَيْسَ شي أعز منه وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من الْعَمَل الصالح يتوصل به إلى ملك كبير لا يفني ولا قيمة لما يوصل إلى ذَلِكَ لأنه في غاية الشرف والنفاسة.
ولأجل هَذَا عظمت مراعاة السَّلَف الصالح ﵃ لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ولم يقنعوا لأنفسهم إِلا بالجد والتشمير فلله درهم ما أبصرهم بتصريف أوقاتهم.
تَبْغِي الْوُصُولَ بِسَيْرٍ فِيهِ تَقْصِيرُ ** لا شَكَّ أَنَّكَ فِيمَا رُمْتَ مَغْرُورُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُوا ** هَذَا وَفِي سَيْرِهِمْ جَدٌّ وَتَشْمِيرُ
قال بَعْضهمْ أدركت أقوما كَانُوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم فكما لا يخَرَجَ أحدكم دنيارًا ولا درهما إِلا فيما يعود نفعه عَلَيْهِ فكذالك السَّلَف لا يحبون أن تخَرَجَ ساعة بل ولا دقيقة من أعمارهم إِلا فيما يعود نفعه عَلَيْهمْ ضد ما عَلَيْهِ أَهْل هَذَا الزمان من قتل الوَقْت عَنْدَ المنكرات.
بَقيَّةُ الْعُمْرِ عِنْدِي مَا لَهُ ثَمَنٌ ... وَإِنْ غَدَا غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الزَّمَنِ
يَسْتَدْرِكُ الْمَرْءُ فِيهَا مَا فَائِتَةٍ ... مِنَ الزَّمَانِ وَيَمْحُو السُّوءَ بِالْحَسَنِ
следующие страницы →