Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
وَضَعَهَا حِينَ جُرِحَ، فَأَمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جِرَاحَتِهِ، فَانْبَعَثَتْ الدَّمْ فَرُدَّتْ إِلى مَكَانِهَا، فَسَكَنَ الدَّمُ وَمَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ، قِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْت أَكْفَانَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ بِهَا وَجْهَهُ وَعَلى رِجْلِيْهِ الْحَرْمَلِ فَوُجَدِتِ النَّمِرَةُ كَمَا هِيَ وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ عَلَى هَيْأَتِهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ? مِنْ دَفْنِ أَصْحَابِهِ رَكِبَ فَرَسَهُ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ والْمُسْلِمُونَ مِنْ حَوْلِهِ، أَكْثَرُهُمْ جَرْحَى، يَتَحَامَلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا بِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُهْدِ، وَيَتَلاوَمُونَ عَلَى الزَّلَةَ وَيَتَجَاوَزَ لَهُمْ عَنْهَا.
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللهِ ? إِلى الْمَدِينَةِ، وَجَدَ النِّسَاءَ عِنْدَ بَابِهَا يَبْكِينَ قَتْلاهُنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ مُقْبِلاً نَسِينَ مَا هُنَّ فِيهِ مِن الْحُزْنِ، وَأَسْرَعْنَ إِلَيْهِ، يَنْظُرْنَ إِلى سَلامَتِهِ، فَلَمَّا رَأَينَهُ فِي سَلامَةٍ، هَانَتْ عَلَيْهِنَّ الْمُصِيبَةُ.
وَجَاءَتْ أُمُ سَعْدِ بن مُعَاذٍ تَعْدُو نَحْوَهُ، وَتَتَأَمَّلُهُ حَتَّى إِذَا اطْمَأَنَّتْ عَلَى سَلامَتِهِ، قَالَتْ: أَمَّا إِذَا رَأَيْتُكَ سَالِمًا فَقَدْ اشْوَتِ الْمُصِيبَةُ فَعَزَّاهَا رَسُولُ اللهِ ? بِابْنِهَا عَمْرِو بن مُعَاذٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: «يَا أُمَّ سَعْدٍ، أَبْشِري وَبَشِّرِي أَهْلِيهِمْ أَنَّ قَتْلاهُمْ تَرَافَقُوا فِي الْجَنَّةِ جَمِيعًا» . قَالَتْ: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ، وَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ هَذَا.
ثُمَّ قَالَتْ: ادْعُ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ خَلَّفُوا، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَذْهِبْ حُزْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْبُرْ مُصِيبَتَهُمْ، وَأَحْسِنْ الْخَلَفَ عَلَى مَنْ خَلَّفُوا ثُمَّ عَزَمَ رَسُولُ اللهِ ? عَلَى أَصْحَابِهِ، مِن الْجَرْحَى أَنْ يَرْكَنُوا إِلى بُيُوتِهِمْ، وَلِيُدَاوُوا جِرَاحَهُمْ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ كُلُّ مَجْرُوحٍ، وَبَاتُوا يُوقِدُونَ النَّارَ، وَيُكَمِّدُونَ بِهَا الْجِرَاحَ.
стр. 3222
وَمَضَى ?، حَتَّى جَاءَ بَيْتَهُ، فَمَا نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ إِلا حَمْلاً، ثُمَّ مَشَى يَتَحَامَلُ عَلَى السَّعْدَيْنِ، سَعْدِ بن عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بن مُعَاذٍ، حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَلَمَّا أَذَّنَ بِلالٌ لِصَلاةِ الْمَغْرِب خَرَجَ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ، يَتَوَكَّأُ عَلَى السَّعْدَيْنِ، فَصَلَّى ثُمَّ عَادَ إِلى بَيْتِهِ، وَبَاتَ وُجُوهُ الأَوْسِ، وَالْخَزْرَجِ عَلَى بَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، يَحْرِسُونَهُ، مَخَافَةَ أَنْ تَكِرَّ قُرَيْشٌ، وَهُمْ غَافِلُونَ.
وَقَالَ كَعْب بن مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَة بن عَبْدِ الْمُطَّلِب:
طَرَقَتْ هُمُومُكَ فَالرُّقَادُ مُسَهَّدُ ... وَجَزِعْتَ أَنْ سُلِخَ الشَّبَابُ الأَغْيَدُ
وَدَعَتْ فُؤَادَكَ لِلْهَوَى ضَمَرِيَّةٌ ... فَهَوَاكَ غُورِيٌّ وَصَحْبُكَ مُنْجِدُ
فَدَعِ التَّمَادِيَ في الْغَوايَةِ سَادِرًا ... قَدْ كُنْتَ في طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ
وَلَقَدْ أَتَى لَكَ أنْ تَنَاهِيَ طَائِعًا ... أَوْ تَسْتَفِيقُ إِذَا نَهَاكَ الْمُرْشِدُ
وَلَقَدْ هُدِدْتُ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هُدَّةً ... ظَلَّتْ بَنَاتْ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعُدُ
وَلَوَ أنَّهُ فَجِعَتْ حِراءُ بِمِثْلِهِ ... لَرَأَيْتَ رَأْسَيْ صَخْرِهَا يَتَبَدَّدُ
قَرْمٌ تَمَكَّنَ فِي ذُئَوَابَةِ هَاشِمٍ ... حَيْثُ النُّبُوَّةُ وَالنَّدَى وَالسُّؤْدُدُ
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلادَ إِذَا غَدَتْ ... رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ
وَالتَّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيَّ مُجَدَّلاً ... يَوْمَ الْكَرِيهَةِ والْقَنَا يَتَفَصَّدُ
وتَراهُ يَرْفُلُ في الحديدِ كَأَنَّهُ ... ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ البراثِنِ أَرْبَدُ
عَمُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَصَفِيُّهُ ... وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدُ
وَأَتَى الْمَنِيَّةَ مُعَلِمًا فِي أُسْرَةٍ ... نَصَرُوا النَّبِيَّ ومِنْهُمُ الْمُسْتَشْهِدُ
ولَقَدْ أخالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشِّرَتْ ... لتُميتَ داخِلَ غُصَّةٍ لا تَبْرُدُ
مِمّا صَبَحْنَا بالعَقَنْقَلِ قَوْمَهَا ... يَوْمًا تَغيَّبَ فيهِ عَنْها الأَسْعَدُ
وبِبِئرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ ... جِبْريلُ تَحْتَ لوائِنا وَمُحَمَّدُ
حَتَّى رَأَيْتُ لَدَى النَّبيِّ سَرَاتَهُمْ ... قِسْمَيْنِ نَقتُلُ مَنْ نَشَاء وَنَطْرُدُ
стр. 3223
فأقامَ بالعَطَنِ المُعَطَّنِ مِنْهُمُ ... سَبْعُونَ عُتْبةُ مِنْهُمُ وَالأَسْوَدُ
وابنُ المغيرَةِ قَدْ ضَرَبْنا ضَرْبَةً ... فوقَ الوريدِ لها رَشاشٌ مُزْبِدُ
وَأُمَيَّةُ الْجُمَحيُّ قَوَّمَ مَيْلَهُ ... عَضْبٌ بأيدي المؤمنينَ مُهَنَّدُ
فَأَتَاكَ فل الْمُشْرِكِينَ كَأَنَّهُمْ ... وَالْخَيْلُ تَثْفُنُهمْ نَعامٌ شُرَّدُ
شتَّانَ مَنْ هُوَ في جَهَنَّمَ ثَاوِيًا ... أَبَدًا وَمَنْ هُوَ في الجِنانِ مخلَّدُ
شتَّانَ مَنْ هُوَ في جَهَنَّمَ ثَاوِيًا ... أَبَدًا وَمَنْ هُوَ في الجِنانِ مخلَّدُ
وَقَالَ كَعْب بن مَالِكٍ يُجِيبُ هَبِيرَة بن أبي وهب:
ولكنْ بِبَدْرٍ سَائِلوا مَنْ لَقِيتُمُ ... مِنَ النّاسِ والأنبَاءُ بالغَيْبِ تَنْفَعُ
وَإِنَّا بِأَرْضِ الخَوفِ لَو كَانَ أهْلُهَا ... سِوَانَا لَقَدْ أَجْلُوا بِلَيْلٍ فأقشَعُوا
إذا جَاءَ منّا رَاكبٌ كانَ قولُهُ ... أَعِدّوا لِما يُزْجي ابنُ حرْبٍ ويجمَعُوا
فَمَهْمَا يُهِمُّ النّاسَ مِمّا يُكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ من سَائِرِ النّاس أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا تَكِيدُهُ الـ ... ـبَرِيّةُ قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَرَّعُوا
نُجَالِدُ لا تبغى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ ... مِنَ النّاسِ إلاّ أَنْ يَهانُوا وَيَفْظَعُوا
وَلَمّا ابتَنَوا بالْعِرْضِ قَالَت سَيُوفَنَا ... عَلاَمَ إِذَا لَمْ نَمْنَعِ العِرْضَ نزرَعُ
وَفِينَا رسولُ اللهِ نَتْبَعُ أمْرَهُ ... إِذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لا نَتَظَلَّعُ
تَدَلَّى عَلَيْهِ الرَّوحُ مِنْ عند ربّهِ ... يُنزَّلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ ويُرفَعُ
نَشَاوره فِيمَا نُرِيد وَقصرنا ... إِذَا مَا اشْتَهَى أَنَا نُطِيع وَنَسْمَعُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمّا بدوا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ المنيَّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كَمَنْ يَشْرِي الحياةَ تَقرّبًا ... إلى ملِكٍ يُحيِي لَدَيْهِ ويُرجَعُ
ولكنْ خُذوا مِيثَاقَكُمْ وَتَوَكَّلُوا ... عَلَى اللهِ إنَّ الأمْرَ للهِ أجمعُ
فَسِرْنَا إليهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالِهِمْ ... ضُحيًّا عَلَيْنَا الْبيضُ لا نتخشَّعُ
стр. 3224
.. بِمَلْمُومَةٍ فِيهَا السَّنَوَّرُ والقَنَا ... إِذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَها لا تورّعُ
فجئنَا إلى مَوجٍ من الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمقنّعُ
ثَلاثةُ آلافٍ وَنَحْنُ عِصَابَة ... ثَلاَثُ مِئينٍ إنْ كَثُرْنَا فَأَرْبعُ
نُغَوِرُهُم تجري الْمنيّةُ بَيْنَنَا ... نُشارِعُهُمْ حوضَ الْمَنَايا ونَشْرَعُ
تَهَادَى قِسِيُّ النبعِ فينا وفيهِمُ ... وَمَا هو إلاَّ اليَثْرِبيُّ المُقَطَّعُ
ومَنْجُوفةٌ حِرْمِيَّةٌ صَاعِديَّةٌ ... يُذَرُّ عليها السّمُّ سَاعةَ تَصْنَعُ
تَصُوبُ بأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً ... تمرُّ بأَعراضِ البَصَارِ تَقَعْقَعُ
وقال حسان بن ثابت:
عَرَفتَ دِيارَ زَينَبَ بِالكَثيبِ ... كَخَطِّ الوَحَى في الورَق القَشيبِ
تَداوَلها الرِياحُ وَكُلُّ جَونٍ ... مِنَ الوَسمِيِّ مُنهَمِرٍ سَكوبِ
فَأَمسى رَسمُها خَلَقًا وَأَمسَت ... يَبابًا بَعدَ ساكِنِها الحَبيبِ
فَدَع عَنكَ التَذَكُّرَ كُلَّ يَومٍ ... وَرُدَّ حَرارَةَ الصَدرِ الكَئيبِ
وَخَبِّر بِالَّذي لا عَيبَ فيهِ ... بِصِدقٍ غَيرِ إِخبارِ الكَذوبِ
بِما صَنَعَ المَليكُ غَداةَ بَدرٍ ... لَنا في المُشرِكينَ مِنَ النَصيبِ
غَداةَ كَأَنَّ جَمعَهُمُ حِراءٌ ... بَدَت أَركانُهُ جُنحَ الغُروبِ
فَلاقَيناهُمُ مِنّا بِجَمعٍ ... كَأُسدِ الغابِ مُردان وَشيبِ
أَمامَ مُحَمَّدٍ قَد وازَرورهُ ... عَلى الأَعداءِ في لفح الحُروبِ
بِأَيديهِم صَوارِمُ مُرهَفاتٌ ... وَكُلُّ مُجَرَّبٍ خاطي الكُعوبِ
بَنو الأَوسِ الغَطارِفِ آزَرَتها ... بَنوا النَجّارِ في الدينِ الصَليبِ
فَغادَرنا أَبا جَهلٍ صَريعًا ... وَعُتبَةَ قَد تَرَكنا بِالجَبوبِ
وَشَيبَةَ قَد تَرَكنا في رِجالٍ ... إِذا نَسَبُوا ذَوي حَسَبٍ حَسيبِ
стр. 3225
.. يُناديهِم رَسولُ اللَهِ لَمّا ... قَذَفناهُم كَباكِبَ في القَليبِ
وقال كعب بن مالك أيضًا في يوم أحد:
سَائِلْ قريشًا غداةَ السَّفْحِ مِنْ أُحُدِ ... ماذا لَقِينا وما لاقوا من الهَرَبِ
كنّا الأُسُودَ وكانوا النُّمورَ إذ زَحَفُوا ... ما أنْ نراقِبْ مِنْ إلّ ولا نَسَبِ
فَكَمْ تَرَكْنا بِها مِنْ سَيِّدٍ بَطَلٍ ... حامي الذِمارِ كريمِ الجَدّ والحَسبِ
فِينا الرسُولُ شِهابٌ ثُمَّ نَتْبَعُهُ ... نُورٌ مُضيءٌ لَهُ فَضْلٌ على الشُّهُبِ
الحَقُّ مَنْطِقُهُ والعَدْل سِيرَتُهُ ... فَمَنْ يُجبْهُ إليهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ
نَجْدُ المقدَّمِ ماضي الهمِّ مُعْتَزِمٌ ... حينَ القلوبُ على رجب منَ الرُّعُبِ
نَمْضي ويذْمرُنَا مِنْ غيرِ مَعْصِيةٍ ... كأَنَّه البَدْرُ لم يُطْبَعْ على الكَذِبِ
بَدَا لنا فاتَّبَعْناهُ نُصَدِّقُهُ ... وَكَذَّبوه فكُنَّا أسْعَدَ العَربِ
جالُوا وجُلْنا فَمَا فَاءوا وَلا رَجَعوا ... ونَحْنُ نَثْفُنُهُمْ لَمْ نَأْلُ في الطلبِ
ليسَا سواءً وشتَّى بين أمِرهمَا ... حِزْبُ الإلهِ وأهْلُ الشِّركِ والنُّصبِ
ولكعب بن مالك:
بَكَتْ عَيْني وحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغنِي البُكَاءُ ولا العَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الإله غَدَاةَ قالوا ... أحمزةُ ذَاكُمُ الرّجُلُ القَتِيلُ
أُصِيبَ المُسْلِمُونَ بِهِ جميعًا ... هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بهِ الرّسُولُ
أبَا يَعْلَى لكَ الأَرْكَانُ هُدَّتْ ... وأَنْتَ المَاجِدُ البَرُّ الوَصُولُ
عليكَ سَلاَمُ رَبِّكَ في الجِنَانٍ ... مُخالِطُهَا نعيمٌ لا يَزولُ
ألا يَا هَاشِمَ الأخْيَارِ صَبْرًا ... فكُلُّ فِعالِكُمْ حَسَنٌ جميلُ
رَسُولُ اللهِ مصطبرٌ كَرِيمٌ ... بأمْرِ اللهِ ينطقُ إذْ يَقُولُ
ألاَ مَنْ مُبَلغٌ عنّي لؤيًّا ... فَبَعْدَ اليومِ دَائِلَةٌ تَدُولُ
وقبلَ اليومِ ما عَرَفُوا وَذَاقُوا ... وَقَائِعُنَان بِهَا يُشفَى الغَلِيلُ
стр. 3226
.. نَسِيتُم ضَرْبَنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ ... غَدَاةَ أَتَاكُمُ الموتُ العَجيلُ
غَدَاةَ ثَوَى أبو جهلٍ صَرِيعًا ... عليهِ الطيرُ حَائِمةٌ تَجُولُ
وَعُتْبَةُ وابنُهُ خَرَّا جَمِيعًا ... وَشَيْبَةُ عَضَّهُ السَّيْفُ الصَّقِيلُ
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب:
أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبي من أعجم وخبير
فقال الخبير أن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيى بها سرور
فذلك ما كنا نرجى ونرتجى ... لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزنًا محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمى ... لدى أصبغ تعتادني ونسور
أقول وقد أعلى النعى عشيرتي ... جزى الله خير من أخ ونصير
شِعْرًا:
فَلا يَغُرَنَّكُمْ لَمَّا جَرَى قَدَرٌ
فَرُبَّمَا فِيهِ تَأْدِيبٌ وَتِبْيَانُ
لِيَنْتَبِهْ غَافِلاً أَوْ قَائِلاً زَلَلاً
وَمُعْجَبٌ غَرَّهُ بِالْعُجْبِ شَيْطَانُ
كَمَا جَرَى فِي حُنَيْن إِذَا قَالَ قَائِلُهُمْ
الْيَوْمَ مِنْ كَثْرَةٍ يَأْتِي لَنَا شَانُ
فَأَدْبَرُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَانْهَزَمُوا
لَمْ يَلُووا مِنْ أَحَدِ وَالْكُلُّ فُرْسَانُ
стр. 3227
.. لَمْ يَبْقَ إِلا نَبِيُّ اللهِ يَطْعُنُهُمْ
أَنَا ابنُ مُطَّلِبٍ وَالْجَدُّ عَدْنَان
حَتَّى إِذَا قَالَ يَا أَصْحَابَ سَمْرِتَنَا
هَلُمَّ إِنَّ عَلَى الرِّضْوَانِ رِضْوَانُ
جَاؤُوا يُلَبُّونَ وَالأَسْيَافُ مُصْلَتةٌ
كَأَنََّهُنَّ بأَيْدِي الْقَوْمِ نِيرَان
تِلْكَ الأُمُورُ مِنَ الْبَارِي يُدَاوِلُهَا
فَكُل يَوْمٍ لَهُ فِي خَلْقِهِ شَانُ
لَمْ يَأْتِ مِن خَلَلٍ إِلا لَهُ سَبَبٌ
فَانْظُرْ فَمِنْ أَي بَاب جَاء نَقْصَانُ
اجْعَلْ مُرَادَكَ دِينَ اللهِ تَنْصُرُهُ
فالْمُلْكُ بالدِّينِ لا بالْجُنْدِ يُنْصَانُ
وَكُنْ معَ اللهِ لا تَخْشَى الْمَلا أَبَدًا
يَكُنْ لَكَ اللهُ والأَمْلاكُ أَعْوَانُ
والناسُ إلا قَلِيلٌ قَالَ أَكْثَرُهُمْ
إِذَا رَأَوْا نَاصِحًا قَالُوا بِهِ جَانُ
عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ أَمْوَاتٌ بِهِمْ وَهُنٌ
وَنُصْرَةُ الْمَالِ فُرْسَانٌ وَشُجْعَانُ
صَلِّحْ لِدُنْيَاكَ مَا يَخْصُصْكَ مِنْ أَحَدٍ
لِلنَّاسِ وَادٍ وَقَدْ آوَتْكَ وُدْيَانُ
تُنَفِّرُ النَّاسَ وَالإِخْوَانُ قَدْ سَكَتُوا
стр. 3228
.. أَعْرِضْ وَكُنْ مِثْلَهم وَدِنْ بِمَا دَانُوا
كُنْ لِلْمُلُوكِ عَلَى الأَهْوَاءِ تَعِشْ مَعَهُمْ
فَاللهُ فِي جَنْبِهِ عَفْوٌ وَغُفْرَانُ
يَا قَاتَلَ اللهُ مَنْ هَذِي مَقَالَتُهُ
هَذَا ابن إِبْلِيسَ غَشَّاشٌ وَفَتَّانُ
يَا حَسْرَةَ الدِّينِ مِنْ هَذَا وَشِيعَتِهِ
إِنْ سُوعِدُوا لَمْ يَقُمْ لِلدِّينِ بُنْيَانُ
(وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ كَمْ ثَبَّطُوا أُمَمًا
عَنْ نَصْرِ دِينٍ وَلِلشَّيْطَانِ أَعْوَانُ)
(فِي كُلِّ وَقْتٍ فَكُنْ مِنْهُمْ عَلَى حَذِرٍ
لا يَخْدَعُوكَ فَهُمْ فِي الْمَكْرِ فُرْسَانُ)
(وَاصْحَبْ أَخًا الزُّهْدِ لا تَبْغِي بِهِ بَدَلاً
النَّاصِرَ الدِّينِ لِلتَّوْحِيدِ مِعْوَانُ)
اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلَ بِمَا فَهَّمْتَنَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا مُقَصِّرِينَ فِي حِفْظِ حَقِّكَ وَالوَفَاءِ بِعَهْدِكَ فَأَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَنَا فِي رَجَاءِ رِفْدِكَ وَخَالِصَ وِدِّكَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَا مِنَّا، فَبِكَمَالِ جُودِكَ تَجَاوَزْ عَنَّا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْياءِ منْهُم والمَيَّتِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
عِبَادَ اللهِ نَحْنُ فِي زَمَانٍ كَمَا تَرَوْنَ قَدْ كَثُرَ فِيهِ الشَّرُ وَوَسَائِلُهُ وَانْتَشَرَ فِي الأَرْضِ انْتِشَارًا لا يَخْطُرُ عَلَى الأَفْكَارِ فَإِذَا رُمْتُمْ حَاجَةً مِن السُّوقِ فَاقْضُوهَا بِسُرْعَةٍٍ مُنْكِرِينَ فِي قُلُوبِكُمْ وَفِي أَلْسِنَتِكُمْ حَسَبَ قُدْرَاتِكُمْ عَلَى مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ الْمُنْكَرَاتِ وَاتْرُكُوا الاجْتِمَاعَ مَعَ مَنْ لا تَسْلَمُونَ
стр. 3229
مِنْ الإِثْمِ إِذَا اتَّصَلْتُمْ بِهِ لاسِيَّمَا وَقَدْ كَثُرَ مَنْ لا تُؤْمَنُ شُرُورُهُ وَأَضْرَارُهُ وَمَفَاسِدُهُ وَاحْرَصُوا عَلَى غَضِّ أَبْصَارِكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ أَطْلَقْتُمْ لَهَا الْعِنَانِ رَأَيْتُمْ مِنَ الْبَلايَا مَالا يُحْصِيهِ الْعَدُّ وَلا يَأْتِي عَلَيْهِ الْبَيَانُ تَرَوْنَ النِّسَاءَ فِي حَالَةٍ تُؤْلِمُ قَلْبَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ذِي مُرُوءَةِ وَشِيمَةٍ وَغَيْرَةٍ دِينِيَّةٍ وَتَرَوْنَ الْغِشَّ السَّائِدَ فِي كُلِّ الْمُعَامَلاتِ بِدَرَجَةٍ قَلَّ أَنْ يَنْجُو مِنْهَا أَذْكَى النَّاسِ وَأَيْقَظُهُمْ وَأَقْوَاهُمْ فِرَاسَةً وَتَرَى الدُّخَانَ عَنْ يَمِينِكَ وَيَسَارِكَ تُؤْذِيكَ رَائِحَتُهُ الْكَرِيهَة وَتَرَى حَلاقِي اللَّحَى وَمُصَلِّحِي التَّوَالَيْتَاتِ وَالْخَنَافِسِ وَتَرَى النِّسَاءَ تَرْكَبُ مَعَ أَيِّ وَاحِدٍ بُدُون مَحْرَمٍ وَتَدْخُلُ عَلَى الْخَيَّاطِ يَقِيسُ عَلَيْهَا وَتَرْوَنَ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ لا يُعَرِّجُونَ عَلَى الْمَسَاجِدِ أَوْقَاتِ الصَّلاةِ وَتَرَوْنَ الْمُجَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي يَدُورُونَ فِي الأَسْوَاقِ لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ إِلا مَا يُحْزِنُ قَلْبَ كُلِّ غَيورٍ لِدِينِهِ وَتَرَاهُمْ نَبَذُوا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمَلاهِي وَالْمُنْكَرَاتِ إِقْبَالاً فَوْقَ مَا يَتَصَوَّرُهُ الْعَاقِلُ اللَّبِيبُ وَتَرَاهُمْ إِذَا قَضَوْا مَآرَبَهُمْ مِنْ كُتُبِ تَحْتَوِي عَلَى الدِّينِ وَغَيْرِهِ فِيهَا آيَاتٌ وَأَحَادِيثٌ أَلْقَوْهَا فِي الأَسْوَاقِ وَالْمَزَابِل مَعَ الْقُمَامِ وَكَذَلِكَ بَاقِي النِّعَمِ تَجِدْهَا مُلْقَاةً مَعَ الْقَاذُورَاتِ وَتَرَاهُمْ دَائِمًا فِي مُطَالِعَةِ الْجَرَائِدِ وَالْمَجَلاتِ وَلَوْ نَاوَلْتَ أَحْدَهُمْ مُصْحَفًا أَوْ الْبُخَارِي أَوْ مُسْلِمًا يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْهُ لَسَارَعَ إِلى الضَّحِكِ أَوِ النَّوْمِ وَاسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ كَأَنَّكَ نَاوَلْتَهُ مَا يُذْهِبُ الْعُقُولَ وَيُرْقِدُ الأَبْدَانَ وَتَرَاهُ يَسْهَرَ كُلَّ لَيْلِهِ فِي صُنُوفِ الْمَعَاصِي وَعِنْدَ الْمَلاهِي لَكِنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ جَدًا أَنْ يَسْهَرَ سَاعَةً فِي طَاعَةً مَوْلاهُ وَتَرَاهُمْ أَمَامَ التَّلَفْزِيُونِ مُقَابِلِينَ لَهُ وَمُقْبِلِينَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأَسْمَاعِهِمْ وَلَوْ نُودِيَ أَحَدُهُمْ لَشَتَمَ الْمُنَادِي وَسَبَّهُ بَلْ رُبَّمَا لَعَنَهُ وَقَذَفَهُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتَ مَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنْ مُنْكَرَاتٍ مِنْ نِسَاءٍ سَافِرَاتٍ وَتَمْثِيلِيَّاتٍ خَلِيعَةٍ وَأَغَانِي مُهَيَّجةٍ لِلْفَسَادِ وَنَحْو ذَلِكَ تَمُرُّ السَّاعَاتُ لا يَمُلُّونَ بَلْ هُمْ مُرْتَاحُونَ لَهُ وَأَمَّا أَمَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ الذِي خَلَقَهُمْ وَرَزَقَهُمْ فَعَشَرُ الدَّقَائِقِ الَّتِي يَقِفُونَهَا فِي الصَّلاةِ أَثْقَلُ مِنْ رَضْوَى وَأُحُدٍ وَيَتَسَابَقُونَ إِلى الذِي يَمُرُّهَا مَرَّ السَّحَابِ وَإِذَا تَأَخَّرَ الإِمَامُ وَلَوْ دَقِيقَةً رَأَيْتَهُمْ يَتَلَفَتُونَ وَيَبْحَثُونَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا أَكْثَرُوا مِن الاسْتِغْفَارِ وَالْحَوْقَلَةِ وَالتَّهْلِيلِ لِيُفْهِمُوهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُعَجِّلَ فَيُصَلِّى كَأَنَ عَلَى رُؤُوسِهِمْ حِمْلاً أَوْ عَلَى أَظْهُرِهِمْ حَتَّى الذِي يَتَأَخَّرُ بَعْدَ الصَّلاةِ وَيَقْعُدُ يَتَكَلَّمَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا الْمَنْهِيّ عَنْهُ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذِهِ حَالَةٌ وَاللهِ يُرْثَى لَهَا قَالَ ابن القيم:
يَا نَاصِرَ الإِسلاَمِ وَالسُّنَنِ الَّتِي
جَاءَتْ عَنِ الْمَبعُوثِ بالْفُرقَانِ
стр. 3230
.. يَا مَنْ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وَقَولُهُ
وَلِقَاؤُهُ وَرَسُولُهُ بِبَيَانِ
اشْرَحْ لِدِينِكَ صَدْرَ كُلِّ مُوَحِّدٍ
شَرْحًا يَنَالُ بِهِ ذُرَى الإِيمَانِ
وَاجْعَلهُ مُؤْتَمًّا بِوَحْيِكَ لاَ بِمَا
قَدْ قَالَهُ ذُو الإِفْكِ وَالْبُهتَانِ
وَانْصُرْ بِهِ حِزبَ الْهُدَى وَاكْبِتْ بِهِ
حِزْبَ الضَّلاَلِ وَشَيعَةَ الشَّيطَانِ
وَانْعِشْ بِهِ مَنْ قَصْدُهُ إحْيَاؤُهُ
وَاعْصِمْهُ مَنْ كَيْدِ امْرِىءٍ فَتَّانِ
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّل عَافِيتَكِ وَفَجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْحِكَمِ الَّتِي كَانَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ
قَالَ ابنُ الْقَيِّمِ ﵀ وَقَدْ أَشَارَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِلى أُمَّهَاتِهَا وَأُصُولِهَا فِي سُورَةِ آل عِمْرَانَ حَيْثُ افْتَتَحَ الْقِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إِلى تَمَامِ سَتِّينَ آيَةٍ، قَالَ فَمِنْهَا: تَعْرِيفُهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيةَ، وَالْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ، وَأَنَّ الذِي أَصَابَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالى (٣: ١٥٢) : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ .
стр. 3231
فَلَمَّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتِهِمْ لِلرَّسُولِ وَتَنَازُعِهِمْ وَفَشَلِهِمْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَّدَ حَذَرًا وَيَقْظَةً وَتَحَرُّزًا مِنْ أَسْبَابِ الْخُذْلانِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ حِكْمَةَ اللهِ. وَسُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ، وَأَتْبَاعِهِمْ: جَرَتْ بَأَنْ يُدَالُوا مَرَّةً، وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَوْ انْتَصَرُوا دَائِمًا دَخَلَ مَعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الصَّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ انْتَصَرُوا عَلَيَهِمْ دَائِمًا، لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ مِن الْبِعْثَةَ وَالرِّسَالَةِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ أَنْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، لِيَتَمَيَّزَ مِنْ يَتْبَعُهُمْ وَيُطِيعُهمْ لِلْحَقِّ وَمَا جَاءُوا بِهِ، مِمَّنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الظُّهُورِ وَالْغَلَبَةِ خَاصَةٍٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْلامِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ هِرَقْلُ لأَبِي سُفْيَانَ: (هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ) ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ الْحَرْب بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟ قَالَ: سِجَالٌ نُدَالُ عَلَيْهِ الْمَرَّةَ، وَيُدَالُ عَلَيْنَا الأَخْرَى، قَالَ: كَذِلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِي.
وَمِنْهَا: أَنَّ يَتَمَيَّزَ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ مِن الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَظْهَرَهُمُ اللهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَطَارَ لَهُمُ الصِّيتُ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الإِسْلامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ أَنْ سَبَّبَ لِعِبَادِهِ، مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فَأَطْلَعَ الْمُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَتَكَلَّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، وَظَهَرَتْ مُخَبَاتُهُمْ، وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا وَانْقَسَمَ النَّاسُ إِلى كَافِرٍ، وَمُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٍ، اِنْقِسَامًا ظَاهِرًا لا يُفَارِقُهُمْ، فَاسْتَعَدُّوا لَهُمْ، وَتَحَرَّزُوا مِنْهُمْ.
стр. 3232
قَالَ اللهُ تَعَالى (٣: ١٧٩) : ﴿مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أَيْ مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ، حَتَّى يُمَيِّزَ أَهْلَ الإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ كَمَا مَيَّزَهُمْ بِالْمِحْنَةِ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ فَإِنَّهُمْ مُتَمَيِّزُونَ فِي عِلْمِهِ وَغَيْبِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يُمَيِّزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا، فَيَقَعُ مَعْلُومُهُ الذِي هُوَ غَيْبٌ شِهَادَةٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ اسْتِدْرَاكْ لِمَا نَفَاهُ، مِنْ إطْلاعِ خَلْقِهِ عَلَى الْغَيْبِ كَمَا قَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ فَحَظَّكُم أَنْتُمْ وَسَعَادَتُكم فِي الإِيمان بِالْغَيْبِ الذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإِنْ آمِنْتُمْ بِهِ وَاتَّقَيْتُم كَانَ لَكُمْ أَعْظَمُ الأَجْرِ وَالْكَرَامَةِ.
وَمِنْهَا: اسْتِخْرجُ عُبُودِيَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ وَفِيمَا يُحِبُّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ، وَفِي حَالِ ظَفَرِهِمْ، وَفِي حَالِ ظَفَرِ أَعْدَائِهِمْ بِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ فِيمَا يُحِبُّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ، فَهُمْ عَبِيدُهُ حَقًّا وَلَيْسُوا كَمَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِن السَّرَاءِ وَالنِّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا، وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوِّهِمْ، فِي كُلِّ مَوْطِن، وَجَعَلَ لَهُمْ التَّمَكُنَ، وَالْقَهْرَ لأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ، وَشَمَخَتْ وَارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النَّصْرُ وَالظَّفَرَ لَكَانُوا فِي الْحَالِ الَّتِي يَكُونُوا فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمْ الرِّزْقُ فَلا يُصْلِحُ عِبَادَهُ إلا السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، والشِّدَّةُ والرَّخَاءُ، وَالقَبْضُ وَالبَسْطُ فَهُوَ المُدَبِّرُ لأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إِنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِير.
стр. 3233
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ إِذَا امْتَحَنَهُمْ بِالْغَلَبَةِ، وَالْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةَ، وَذُلُّوا وَانْكَسَرُوا وَخَضَعُوا؛ فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ الْعِزَّةِ وَالنَّصْرَ، فَإِنَّ خِلْعَةَ النَّصْرِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ وَلايَةِ الذُّلِّ وَالانْكِسَارِ، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزَّ عَبْدَهُ وَيَجْبُرَهُ وَيَنْصُرَهُ، كَسَرَهُ أَوَّلاً وَيَكُونُ جِبْرُهُ لَهُ وَنَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلِّهِ وَانْكِسَارِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمَنِينَ مَنَازِلَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالِهِمْ، وَلَمْ يَكُونُوا بَالِغِيهَا إِلا بِالْبَلاءِ وَالْمِحْنَةِ، فَقَيَّضَ لَهُمْ الأَسْبَابَ الَّتِي تُوصِلُهُمْ إِلَيْهَا، مِنْ ابْتِلائِهِ وَامْتِحَانِهِ، كَمَا وَفَّقَهُمْ للأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ النَّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنْ الْعَافِيَةِ الدَّائِمَةِ، وَالنَّصْرِ وَالْغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إِلى الْعَاجِلَةِ، وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدِّهَا فِي سَيْرهَا إِلى اللهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبُّهَا وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ، قَيَّضَ لَهَا مِنْ الإبْتِلاءِ وَالإِمْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ الْمَرَض الْعَائِق عَن السَّيْر الْحَثِيثِ إِلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبِلاءِ وَالْمِحْنَةِ بِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ يَسْقِي الْعَلِيلَ الدَّوَاءَ الْكَرِيه وَيَقْطَعُ مِنْهُ الْعُرُوقَ الْمُؤْلِمَةِ، لاسْتِخْرَاجِ الأَدْوَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الأَدْوَاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِيهَا هَلاكُهُ.
اللَّهُمَّ أَنظِمْنا في سِلكِ حِزبِكَ المُفلِحِين، واجْعلنا مِنْ عبادِكَ المُخْلِصين وآمِنَّا يومَ الفَزَع الأكَبرِ يومَ الدِين، واحْشُرْنَا مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَليهَم مِنَ النَبيين والصِّدِّيقين والشُهداء والصَّالِحِينِ، واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحياءِ منهمْ والميتينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِِ أَجْمَعِينَ.
стр. 3234
وَإِنَّ ذَوِي الإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالنُّهَى
هُمْ الْغُرَبَاء طُوبَى لَهُمْ مَا تَغَرَّبُوا
أُنَاسٌ قَلِيلٌ صَالِحُونَ بأمَّةٍ
كَثِيرِينَ لَكِنْ بِالضَّلالَةِ أُشْرِبُوا
وَقِيلَ لَهُمْ النُّزَاعُ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ
عَلَى حَرْبِهِمْ أَهْلُ الضَّلالِ تَحَزَّبُوا
وَلَكِنْ لَهُمْ فِيهَا الظُّهُورُ عَلَى الْعِدَا
وَإِنْ كَثُرتْ أَعْدَاؤُهُم وَتَأَلَّبُوا
وَكَمْ أَصْلَحُوا مَا أَفْسَدَ النَّاسُ بِالْهَوَى
مِن السُّنَّةِ الْغَرَّا فَطَابُوا وَطَيَّبُوا
وَقَدْ حَذَّرَ الْمُخْتَارُ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ
وَقَامَ بِذَا فَوْقَ الْمَنَابِرِ يَخْطُبُ
فَقَالَ عَلَيْكُمْ بَاتَّبَاعِي وَسُنَّتِي
فَعُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَارْغَبُوا
وَإِيَّاكُمْ وَالابْتِدَاعَ فَإِنَّهُ
ضَلالٌ وَفِي نَارِ الْجَحِيمِ يُكَبْكِبُ
فَدُومُوا عَلَى مِنْهَاجِ سُنَّةِ أَحْمَدٍ
لَكِي تَرِدُوا حَوْضَ الرَّسُولِ وَتَشْرَبُوا
فَإِنَّ لَهُ حَوْضًا هَنِيئًا شَرَابُهُ
مِنْ الدُّرِ أَنْقَى فِي الْبَيَاضِ وَأَعْذَبُ
لَهُ يَرِدُ السُّنِيُّ مِنْ حِزْبِ أَحْمَدٍ
стр. 3235
.. وَعَنْهُ يُنْحَى مُحْدِثٌ وَمُكَذِبُ
وَكَمْ حَدَثَتْ بَعْدَ الرَّسُولِ حَوَادِثٌ
يَكَادُ لَهَا نُورُ الشَّرِيعَةِ يُسْلَبَ
وَكَمْ بِدْعَةٍ شَنْعَاءَ دَانَ بِهَا الْوَرَى
وَكَمْ سُنَّةٍ مَهْجُورَةٍ تُتَجَنَّبُ
لِذَا أَصْبَحَ الْمَعْرُوفُ فِي الأَرْضِ مُنْكرًا
وَذُو النُّكْرِ مَعْرُوفٌ إِلَيْهِمْ مُحَبَّبُ
وَمَا ذَاكَ إِلا لإنْدِرَاسِ مَعَالَمِ
مِنَ الْعِلْم إِذْ مَاتَ الْهُدَاتُ وَغُيِّبُوا
وَلَيْسَ اغْتِرَابُ الدِّينِ إِلا كَمَا تَرَى
فَسَلْ عَنْهُ ينْبِيكَ الْخَبِيرُ الْمُجَرِّبُ
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْعِلْمَ تَعْفُو رُسُومُهُ
وَيَفْشُو الزِّنَا وَالْجَهْلُ وَالْخَمْرُ تُشْرَبُ
وَتِلْكَ أَمَارَاتٌ يَدُلُ ظُهُورُهَا
عَلَى أَنَّ أَهْوَالَ الْقِيَامَةِ أَقْرَبُ
فَسَارِعْ لِمَا يُرْضِي الإِلهَ بِفِعْلِهِ
وَدَعْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ للهِ يُغْضِبُ
وَخُذْ إِنْ طَلَبْتَ الْعِلْمَ عَنْ كُلِّ عَالِمٍ
تَرَاهُ بَآدَابِ الْهُدَى يَتَأَدَّبُ
لأَهْلِ السُّرَى تَهْدِي نَجُومُ عُلُومِهِ
وَتُرْمي الْعِدَى مِنْ شُهْبِهَا حِينَ تُثْقَبُ
стр. 3236
.. فَلازِمْهُ وَاسْتَصْبِحْ بِمَصْبَاحِ عِلْمِهِ
لِتَخْلُصَ مِنْ جَسْرٍ عَلَى النَّارِ يُضْرَبُ
فَخَيْرُ الأُمُورِ السَّالِفَاتُ عَلَى الْهُدَى
وَشَرُّ الأُمُورِ الْمُحْدَثَاتِ فَجَنَّبُوا
وَمَا الْعِلْمُ إِلا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ
وَغَيْرُهُمَا جَهْلٌ صَرِيحٌ مُرَكَّبُ
فَخُذْ بِهِمَا وَالْعِلْمِ فَاطْلُبُه مِنْهُمَا
وَدَعْ عَنْكَ جُهَّالاً عَنْ الْحَقِّ أَضْرَبُوا
خَفَافِيشُ أَعْشَاهَا النَّهَارِ بِضَوْئِهِ
فَوَافَقَهَا مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ غَيْهَبُ
فَظَلَّتْ تُحَاكِي الطَّيْرَ فِي ظُلْمَةِ الدُّجَا
وَإِنْ لاحَ ضُوءُ الصُّبْحِ لِلْعِشِّ تَهْرَبُ
وَخَتْمُ نِظَامِي بِالصَّلاةِ مُسَلِّمًا
مَدَى الدَّهْرِ مَا دَامَتْ مَعَدٌ وَيَعْرِبُ
عَلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ مُحَمَّدٍ
بِهِ طَابَ خِتْمُ الأَنْبِيَاءِ وَطُيِّبُوا
كَذَا الآلِ وَالصَّحْبِ الأَلَى بِجِهَادِهِمْ
أَضَاءَ بِدِينِ اللَهِ شَرْقٌ وَمَغْرِبُ
اللَّهُمَّ امْنُنْ عَلَيْنَا بِالإقْبَالِ عَلَيْكَ وَالتَّوْفِيقِ وَأَعِذْنَا مِن الْخَذْلانِ وَالتَّعْوِيقِ، وَفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ هَمٍّ وَغَمٍّ وَضِيق، وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا نَقْوَى وَلا نُطِيق، يَا مَنْ كُلُّ نَفْسٍ إِلى جُودِهِ افْتَقَرَتْ، اللَّهُمَّ جَلَّلْنَا بِسِتْرِكْ وَاعْفُ عَنَّا بِكَرَمِكَ.
стр. 3237
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا للاسْتِعْدَادِ لِمَا أَمَامَنَا، اللَّهُمَّ وَقَوِّي إِيمَانَنَا بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وّبِكُتِبَكَ وَبُرُسُلِكَ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَاشْرَحْ صُدُورَنَا وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَعَامِلْنَا بِلُطْفِكَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِذْنَا مِن الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجَزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلْعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعَلَى مَرَاتِبَ أَوْلِيَائِهِ وَالشُّهَدَاءُ هُمُ خَوَّاصُهُ الْمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصِّدِيقِيَّةِ إِلا الشَّهَادَةُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ تُرَاقَ دِمَاؤُهُمْ فِي مَحَبَّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ وَيُؤْثِرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابَّهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَلا سَبِيلَ إِلى نَيْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلا بِتَقْدِيرِ الأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ الْعَدُوُّ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الله سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ وَيَمْحَقَهُمْ قَيَّضَ لَهُمْ الأَسْبَابَ الَّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلاكَهُمْ، وَمَحْقَهُمْ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ، وَطُغْيَانُهُمْ، وَمُبَالَغَتُهُمْ، فِي أَذَى أَوْلِيَائِهِ، وَمُحَارَبَتُهُمْ، وَقِتَالُهُمْ، وَالتَّسَلُّطُ عَلَيْهِمْ، فَيَتَمَحَّصُ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ، مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَعُيُوبِهِمْ، وَيَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ، مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلاكِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ تَعَالى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ (٣: ١٣٩ - ١٤١) : ﴿وََلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ .
فَجَمَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ، وَبَيْنَ حُسْنِ التَّسْلِيَةِ وَذِكْرِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ
стр. 3238
الَّتِي اقْتَضَتْ إِدَالَةَ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ فَقَدْ اسْتَوَيْتُمْ فِي الرَّجَاءِ وَالثَّوَابِ، كَمَا قَالَ (٤: ١٠٤) : ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ فَمَا بَالَكُمْ تَهِنُونَ وَتَضْعُفُونَ عِنْدَ الْقَرْحِ وَالأَلَمِ فَقَدْ أَصَابُوا ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الشَّيَطَانِ وَأَنْتُمْ أَصَبْتُمْ فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدَاوِلُ أَيَّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّهَا عَرَضُ حَاضِرٌ يَقْسِمُهَا دُوَلاً بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدائِهِ، بِخِلافِ الآخِرَةِ، فَإِنَّ عِزَّهَا وَنَصْرَهَا وَرَجَاءَهَا خَالِصٌ لِلذِينَ آمنُوا.
ثُمَّ ذَكَرَ حِكمَةً أُخْرَى وَهِيَ اتِّخَاذُهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ الشُّهَدَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُمْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ، وَأَفْضَلَهَا وَقَدْ اتَّخَذَهُمْ لِنَفْسِهِ، فَلا بُدَّ أَنْ يُنِيلَهُمْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ تَنْبِيهٌ لَطِيفُ الْمَوْقِعِ جِدًا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَبُغْضِهِ لِلْمُنَافِقِينَ، الذين انْخَذَلُوا عَنْهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يَشْهَدُوهُ، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ، لأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّهُمْ فَأَرْكَسَهُمْ وَرَدَّهُمْ، لِيَحْرِمَهُمْ مَا خَصَّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا أَعْطَاهُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ، فَثَبَّطَ هَؤُلاءِ الظَّالِمِينَ عَنِ الأَسْبَابِ الَّتِي وَفَّقَ لَهَا أَوْلِيَاءه وَحِزْبَهُ.
ثُمَّ حِكْمَةً أُخْرَى فِيمَا أَصَابَهُمُ مِن الذُّنُوبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهِيَ تَمْحِيصُ الذِينَ آمِنُوا وَهُوَ تَنْقِيَتَهُمْ وَتَخْلِيصُهُمْ مِن الذُّنُوبِ، وَمِنْ آفَاتِ النُّفُوسِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدَّمَة وَإرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ النَّبِيِّ ? فَنَبَأَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ عَلَى انْقِلابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ إِنْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ?، أَوْ قُتِلَ
стр. 3239
بَلْ الْوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ: أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دِينِهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَيَمُوتُوا عَلَيْهِ، أَوْ يُقْتَلَوا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ?، وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَلَوْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ لا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ فَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ.
وَمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ? إِلَيْهِمْ لِيُخَلَّدَ لا هُوَ وَلا هُمْ، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الإِسْلامِ وَالتَّوْحِيدِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لا بُدَّ مِنْهُ، سَوَاءٌ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ? أَوْ بَقِيَ وَلِهَذَا وَبَّخَهُمْ عَلَى رُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ لَمَّا صَرَخَ الشَّيْطَانُ بِأَنَّ: مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ .
وَالشَّاكِرُونَ هُمْ الذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا، فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ الله ? وَارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَثَبَتَ الشَّاكِرُونَ عَلَى دِينِهِمْ، فَنَصْرَهُمُ اللهُ وَأَعَزَّهُمْ وَأَظْفَرَهُمْ بَأَعْدَائِهِمْ وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ.
ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلاً لا بُدَّ أَنْ تَسْتَوِفِيَهُ تَنَوَّعَتْ أَسْبَابُهُ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ مَوْرِدِ الْقِيَامَةِ، مَصَادِرَ شَتَّى، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَنْبِيَائِهِ قُتِلُوا، وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ كَثِيرُونُ، فَمَا وَهَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا ضَعَفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَمَا وَهَنُوا عِنْدَ الْقَتْلِ، وَلا ضَعُفُوا وَلا اسْتَكَانُوا، بَلْ تَلَقُوا الشَّهَادَةَ بِالْقُوةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالإِقْدَامِ، فَلَمْ يَسْتَشِهَدُوا مُدْبِرِينَ مُسْتَكِينِينَ أَذِلَّةً
стр. 3240
بَلْ اسْتُشْهِدُوا أَعِزَةً كِرَامًا مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الآية تَتَنَاوَلُ الْفَرِيقِينَ كَلِيْهِمَا، ثُمَّ أَخْبَر سُبْحَانَهُ عَمَّا اسْتَنْصَرَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَأُمَمِهِمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ رَبَّهُمْ أَنْ يُثَبّتَ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
لَمَّا عَلِمَ الْقَوْمِ أَنَّ الْعَدُوَّ إِنَّمَا يُدَالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشَّيَطَانَ إِنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، وَأَنَّها نَوْعَانِ تَقْصِيرٌ فِي حَقٍّ، أَوْ تَجَاوُزٌ لِحَدٍ، وَأَنَّ النَّصْرَ مَنُوطٌ بِالطَّاعَةِ، ﴿قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ رَبَّهُمْ ﵎، إِنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرَهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا هُمْ عَلَى تَثْبِيتِ أَقْدَامِ أَنْفُسِهِمْ، وَنَصْرهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ، فَسَأَلُوهُ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُثَبّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرَهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا، وَلَمْ يَنْتَصِرُوا.
ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ: أَنْ يَتَمَيَّزَ الْمُؤْمِنُونَ مِن الْمُنَافِقِينَ فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فِي غَيْبِهِ، وَذَلِكَ الْعِلْمُ الْغَيْبِي لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ، وَلا عِقَابٌ، وَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْمَعْلُومِ، إِذَا صَارَ مُشَاهِدًا وَاقِعًا فِي الْحِسِّ.
فَوَفَّوْا الْمَقَامَيْنِ حَقَّهُمَا، مَقَامَ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ: التَّوْحِيدُ وَالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَمَقَامِ إِزَالَةِ الْمَانِعِ مِن النُّصْرَةِ، وَهُوَ: الذُّنُوبِ وَالإِسْرَافِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ طَاعَةِ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ إِنْ أَطَاعُوهُمْ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ.
شِعْرًا: ... لَعَمْري مَا الرَّزِيَّةِ فَقْدُ مَالٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ مُعْدِمِينَا
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةِ فَقْدُ دِينٍ ... يَكُونُ بِفَقْدِهِ مِنْ كَافِرِينَا
стр. 3241
ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَوْلى الْمُؤْمِنِين، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ فَمَنْ وَالاهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ الذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، الذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ، وَالإِقْدَامِ عَلَى حَرْبِهِمْ، فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ حِزْبَهُ بِجُنْدٍ مِن الرُّعْبِ، يَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَذَلِكَ الرُّعْبُ بِسَبَبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِن الشِّرْكِ بِاللهِ وَعَلى قَدْرِ الشِّرْكِ يَكُوُن الرُّعْبُ، وَالذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ، لَهُمْ الأَمْنُ وَالْهُدَى وَالْفَلاحُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَدَقَ وَعْدَهُ فِي النَّصْرَةِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْوَعْدِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ اسْتَمَرُّوا عَلَى الطَّاعَةِ وَلُزُومِ مَرَاكِزِهِمْ امْتِثَالاً لأَمْرِ النَّبِيِّ ? لاسْتَمَرَّتْ نُصْرَتُهُمْ، وَلَكِنْ انْخَلَعُوا عَن الطَّاعَةِ وَفَارَقُوا مَرَاكِزَهُمْ فَانْخَلَعُوا عَنْ عِصْمَةِ الطَّاعَةِ، فَفَارَقَتْهُمُ النُّصْرَةُ فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُّوِّهِمْ عَقُوبِةً وِابْتِلاءً وَتَعْرِيفًا لَهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَحُسْنِ عَاقِبَةِ الطَّاعَةِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ يَسِير.
اللَّهُمَّ أَحْيِنَا فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِينَ طَائِعِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ تَائِبِينَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قَالَ ابن الْقَيِّمِ ﵀:
يَا أيُّهَا الرَّجُلُ الْمُرِيدُ نَجَاتَهُ
اسْمَعْ مَقَالَةَ نَاصِحٍ مِعوَانِ
كُنْ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا مُتَمَسِّكًا
بِالْوَحْيِ لا بِزَخَارِفِ الْهَذَيَانِ
وَانْصُرْ كِتَابَ اللهِ وَالسُّنَنَ الَّتِي
جَاءَتْ عَنِ الْمَبْعُوثِ بالْقُرْآنِ
стр. 3242
وَاضْرِبْ بِسَيْفِ الْوَحْيِ كُلَّ مُعَطِّلٍ
ضَرْبَ الْمُجَاهِدِ فَوْقَ كُلِّ بَنَانِ
وَاحْمِلْ بِعَزْمِ الصِّدْقِ حَملَةَ مُخُلِصٍ
مُتَجَرِّدٍ للهِ غَيرِ جَبَانِ
وَاثبُْتْ بِصَبْرِكَ تَحْتَ أَلْوِيةِ الْهُدَى
فَإِذَا أَصِبْتَ فَفِي رِضَا الرَّحْمَنِ
وَاجْعَلْ كِتَابَ اللهِ وَالسُّنَنَ الَّتِي
ثَبَتَتْ سِلاَحَكَ ثُمَّ صِحْ بِجَنَانِ
مَنْ ذَا يُبَارِزُ فَلْيُقَدِّم نَفْسَهُ
أَوْ مَنْ يُسَابِقُ يَبْدُ فِي الْمِيدَانِ
وَاصْدَعْ بِمَا قَالَ الرَّسُولُ وَلا تَخَفْ
مِنْ قِلَّةِ الأَنْصَارِ وَالأَعْوَانِ
فَاللهُ نَاصِرُ دِينِهِ وَكِتَابِهِ
وَاللهُ كَافٍ عَبْدَهُ بأمَانِ
لا تَخشَ مِن كَيدِ العدُوِّ وَمكْرِهِم
فَقِتَالُهُمْ بِالْكِذْبِ والْبُهتَانِ
فَجُنُودُ أتبَاعِ الرَّسُولِ مَلاَئِكٌ
وَجُنُودُهُمْ فَعَسَاكِرُ الشَّيطانِ
شَتَّانَ بينَ العَسْكَرَيْنِ فَمَنْ يَكُنْ
مُتَحَيِّزًا فَلَيْنُظُرِ الْفِئَتَانِ
стр. 3243
وَاثْبُتْ وَقَاتِلْ تَحْتَ رَايَاتِ الْهُدَى
وَاصْبِرْ فَنَصْرُ اللهِ رَبِّكَ دَانِ
وَاذْكُرْ مَقَاتِلَهُمْ لِفُرْسَانِ الْهُدَى
للهِ دُرُّ مَقَاتِلِ الْفُرْسَانِ
وَادْرَأْ بِلَفْظِ النَّصِّ فِي نَحْرِ الْعِدَى
وَارْجُمْهُمُ بِثَوَاقِبِ الشُّهبَانِ
لا تَخْشَى كَثْرَتَهُمْ فَهُمْ هَمَجُ الْوَرَى
وَذُبَابُهُ أَتَخَافُ مِنْ ذُبَّانِ
وَاشْغَلْهُمُ عِنْدَ الْجِدَالِ بِبَعْضِهِمْ
بَعْضًا فَذَاكَ الْحَزْمُ لِلْفُرْسَانِ
وَإِذَا هُمُوا حَمَلُوا عَلَيْكَ فَلا تَكُنْ
فَزِعًا لِحَمْلَتِهِمْ وَلا بِجَبَانِ
وَاثْبُتْ وَلا تَحْمِلْ بِلا جُنْدٍ فَمَا
هَذَا بِمَحْمُودٍ لَدَى الشُّجَعَانِ
فَإِذَا رَأَيْتَ عِصَابَةَ الإِسْلاَمِ قَدْ
وَافَتْ عَسَاكِرُهَا مَعَ السُّلطَانِ
فَهُنَاكَ فَاخْتَرِقِ الصُّفُوفَ وَلا تَكُنْ
بِالْعَاجِزِ الْوَانِي وَلاَ الْفَزْعَانِ
وَتَعَرَّ مِنْ ثوبَيْنِ مَنْ يَلْبَسْهُمَا
يَلْقَى الرَّدَى بِمَذَمَّةِ وَهَوانِ
стр. 3244
ثَوبٍ مِنَ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ فَوقَهُ
ثَوْبُ التّعَصُّبِ بِئْسَتِ الثَّوبَانِ
وتَحَلَّ بِالإِنْصَافِ أَفْخَرَ حُلَّةٍ
زِينَتْ بِهَا الأَعْطَافُ وَالْكَتِفَانِ
وَاجْعَل شِعَارَكَ خَشْيَةَ الرَّحْمَنِ مَعْ
نُصْحِ الرّسُولِ فَحَبَّذَا الأَمْرَانِ
وَتَمَسكَنَّ بِحَبْلِهِ وَبِوَحْيِهِ
وَتَوَكَّلَنَّ حَقِيقَةَ التُّكْلاَنِ
فَالْحَقُّ وَصْفُ الرّبِّ وَهُوَ صِرَاطُهُ الْـ
ـهَادِي إِلَيْهِ لِصَاحِبِ الإيمَانِ
وَهُوَ الصِّرَاطُ عَلَيْهِ رَبُّ الْعَرْشِ أَيْـ
ـضًا وَذَا قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ
وَالْحَقُّ مَنْصُورٌ وَمُمْتَحَنٌ فَلاَ
تَعْجَبْ فَهَذِي سُنَّةُ الرَّحْمَنِ
وَبِذَاكَ يَظْهَرُ حِزْبُهُ مِنْ حَرْبِهِ
وَلأَجْلِ ذَاكَ النَّاسُ طَائِفَتَانِ
وَلأَجْلِ ذَاكَ الْحَرْبُ بَيْنَ الرُّسِلِ وَالْـ
ـكُفَّارِ مُذْ قَامَ الْوَرَى سِجْلاَنِ
لَكِنَّمَا الْعُقبَى لأَهْلِ الْحَقِّ إِنْ
فَاتَتْ هُنَا كَانَتْ لَدَى الدَّيَّانِ
وَاجْعَلْ لِقَلْبِكَ هِجْرَتَيْنِ وَلاَ تَنَمْ
стр. 3245
.. فَهُمَا عَلَى كُلِّ امْرِءٍ فَرْضَانِ
فَالْهِجْرَةُ الأُولَى إِلى الرَّحْمَنِ بِالـ
إِخْلاصِ فِي سِرٍّ وَفي إِعْلانِ
فَالْقَصْدُ وَجْهُ اللهِ بِالأَقْوَالِ وَالـ
أَعْمَالِ وَالطَّاعَاتِ وَالشُّكرَانِ
فَبِذَاكَ يَنْجُو الْعَبْدُ مِنْ إِشْرَاكِهِ
وَيَصِيرُ حَقًّا عَابِدَ الرَّحْمَنِ
وَالْهِجْرةُ الأُخْرَى إِلى الْمَبْعُوثِ بِالْـ
حَقِّ الْمُبِينِ وَوَاضِحِ الْبُرْهَانِ
فَيَدُورُ مَعْ قَوْلِ الرَّسُولِ وَفِعْلِهِ
نَفِيًا وَإِثْبَاتًا بِلاَ رَوَغَانِ
وُيُحَكِّمُ الْوَحْيَ الْمُبينَ عَلَى الذِي
قَالَ الشُّيوخُ فَعِنْدَهُ حَكَمَانِ
لاَ يَحْكُُمَانِ بِبَاطِلٍ أبَدًا وَكُلُّ
الْعَدْلِ قَدْ جَاءَتْ بِهِ الْحَكَمَانِ
وَهُمَا كِتَابُ اللهِ أَعْدَلَ حَاكِمٍ
فِيهِ الشِّفَا وَهِدَايَةُ الْحَيْرَانِ
وَالْحَاكِمُ الثَّاني كَلامُ رَسُولِهِ
مَا ثَمَّ غَيْرُهُمَا لِذِي إِيمَانِ
فَإِذَا دَعَوْكَ لِغَيْرِ حُكْمِهِمَا فَلا
سَمْعًا لِدَاعِي الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ
стр. 3246
.. قُلْ لاَ كَرَامَةَ لاَ ولاَ نُعْمًا وَلا
طَوْعًا لِمَنْ يَدْعُو إلى طُغيَانِ
وَإِذا دُعِيتَ إِلى الرَّسُولِ فَقُلْ لَهُمْ
سَمْعًا وَطَوْعًا لَسْتُ ذَا عِصْيَانِ
وَإِذَا تَكَاثَرَتِ الْخُصُومُ وَصيَّحُوا
فَاثْبُتْ فَصَيْحَتُهُمْ كَمِثْلِ دُخَانِ
يَرْقَى إِلى الأَوْجِ الرَّفِيعِ وَبَعْدَه
يَهْوِي إِلى قَعْرِ الْحَضِيضِ الدَّانِي
هَذَا وَإنَّ قِتَالَ حِزْبِ اللهِ بِالـ
أَعْمَالِ لا بِكَتَائِبِ الشُّجعَانِ
وَاللهِ مَا فَتَحُوا الْبِلادَ بِكَثْرَةٍ
أنَّى وَأَعْدَاهُمْ بِلاَ حُسْبَانِ
وَكَذَاكَ مَا فَتَحُوا الْقُلُوبَ بِهَذِهِ الـ
آرَاءِ بَلْ بِالْعِلمِ وَالإِيمَانِ
وَشَجَاعَةُ الْفُرْسَانِ نَفْسُ الزُّهْدِ فِي
نَفْسٍ وَذَا مَحْذُورُ كُلِّ جَبَانِ
وَشَجَاعَةُ الْحُكَّامِ وَالْعُلَمَاءِ زُهْـ
ـدٌ فِي الثَّنَا مِنْ كُلِّ ذِي بُطْلاَنِ
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِقَلْبٍ صَادِقٍ
شُدَّت رَكَائبُهُ إِلى الرَّحْمَنِ
وَاقْصِد إِلى الأَقْرَانِ لاَ أَطْرَافِهَا
стр. 3247
.. فَالْعِزُّ تَحْتَ مَقَاتِلِ الأَقْرَانِ
وَاسْمَعْ نَصِيحَةَ مَنْ لَهُ خَبَرٌ بِمَا
عِنْدَ الْوَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْجَولاَنِ
مَا عِنْدَهُمْ وَاللهِ خَيْرٌ غَيْرَمَا
أَخَذُوهُ عَمَّنْ جَاءَ بِالْقُرْآنِ
والْكُلُّ بَعْدُ فَبِدْعَةٌ أَوْ فِرِيَةٌ
أَوْ بَحْثُ تَشْكِيكٍ وَرَأْيُ فُلانِ
فَاصْدَعْ بِأَمْرِ اللهِ لا تَخْشَ الْوَرَى
فِي اللهِ وَاخْشَاهُ تَفُزْ بأَمَانِ
وَاهْجُرْ وَلَوْ كُلَّ الْوَرَى فِي ذَاتِهِ
لاَ فِي هَوَاكَ وَنَخْوَةِ الشَّيطَانِ
وَاصْبِرْ بِغَيْرِ تَسَخُّطٍ وَشِكَايَةٍ
وَاصْفَحْ بِغَيْ بِغَيرِ عِتَابِ مَنْ هُوَ جَانِ
وَاهْجُرهُمُ الْهَجْرَ الْجَمِيلَ بِلا أذَى
إِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْهِجْرَانِ
وَانْظُرْ إِلى الأَقْدَارِ جَارِيَةً بِمَا
قَدْ شَاءَ مِنْ غَيٍّ وَمِنْ إِيمَانِ
وَاجْعَلْ لِقَلْبِكَ مُقْلَتَينِ كِلاَهُمَا
بِالْحَقِّ فِي ذَا الْخَلْقِ نَاظِرَتَانِ
فَانْظُرْ بِعَيْنِ الحُكْمِ وَارْحَمْهُمْ بِهَا
إِذْ لا تُرَدُّ مَشِيئَةُ الدَّيَانِ
стр. 3248
.. وَانْظُرْ بَعْيْنِ الأَمْرِ وَاحْمِلْهُمْ عَلَى
أَحْكَامِهِ فَهُمَا إِذًا نَظَرَانِ
وَاجْعَلْ لِوَجْهِكَ مُقْلَتَينِ كِلاَهُمَا
مِنْ خَشْيَةِ الرَّحْمَنِ بَاكِيَتَانِ
لَوْ شَاءَ رَبُّكَ كُنْتَ أَيْضًا مِثلَهُمْ
فَالْقَلْبُ بَيْنَ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
وَاحْذَرْ كَمَائِنَ نَفْسِكَ اللاَّتِي مَتَى
خَرَجَتْ عَلَيْكَ كُسِرْتَ كَسْرَ مُهَانِ
وَإِذَا انْتَصَرَتْ لَهَا فَأَنْتَ كَمَنْ بَغَى
طَفْيَ الدُّخَانِ بِمَوْقِدِ النِّيرَانِ
وَاللهُ أخْبَرَ وَهُوَ أَصْدَقُ قَائِلٍ
أَنْ سَوْفَ يَنْصُرُ عَبْدَهُ بأَمَانِ
مَنْ يَعْمَلِ السُّوء سَيُجْزَى مِثْلَهَا
أَوْ يَعْمَلِ الْحُسْنَى يَفُزْ بِجِنَانِ
هَذِيْ وَصِيَّةُ نَاصِحٍ وَلِنَفْسِهِ
وَصَّى وَبَعْدُ لِسَائِرُ الإِخْوَانِ
قَالَ ابن الْجَوْزِي ﵀:
أَعْظَمُ الْمُعَاقَبَةِ أَنْ لا يُحِسَ الْمَعَاقَبُ بِالْعُقُوبَةِ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ السُّرُورُ بِمَا هُو عُقُوبة، كَالْفَرَحِ بِالْمَالِ الْحَرَامِ، وَالتَّمَكن مِن الذُّنُوبِ. وَمَنْ هَذِهِ حَالَهُ لا يَفُوزُ بِطَاعَةِ.
وَإِنِّي تَدَبرت أَحْوَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَزَهِّدِينَ فَرَأَيْتَهُمُ فِي عُقُوبَاتِ لا يَحُسُّونَ بِهَا، وَمُعْظَمَهُا مِنْ قَبْلِ طَلَبِهِمْ لِلرِّيَاسَةِ. فَالْعَالِمُ مِنْهُمْ يَغْضِب إِنْ رُدَّ عَلَيْهِ خَطَؤُهُ، وَالْوَاعِظُ مُتَصَنّعُ بِوَعْظِهِ،
стр. 3249
وَالْمُتَزهِّد مُنَافِقٌ أَوْ مُرَاءٍ. فَأَوَّلُ عُقُوبَاتِهِمْ، إِعْرَاضُهمْ عَنْ الْحَقِّ شُغْلاً بِالْخَلْقِ، وَمِنْ خَفِيِّ عُقُوبَاتِهِمْ سَلْبُ حَلاوَةِ الْمُنَاجَاةِ، وَلَذَةِ التَّعَبُدِ.
إِلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ، وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتُ، يَحْفَظ الله بِهِمْ الأَرْضَ، بَوَاطِنَهُمْ كَظَوَاهِرَهُمْ بَلْ أَحْلَى، وَسَرَائِرَهُمْ كَعَلانِيَّتَهُمْ بَلْ أَحْلَى، وهممهم عِنْدَ الثَّرَيَا بَلْ أَعْلَى، إِنْ عُرِفُوا تَنَكَّرُوا وَإِنْ رُئيت لَهُمْ كَرَامَة أَنْكَرُوا. فَالنَّاسُ فِي غَفْلاتِهِمْ، وَهُمْ فِي قَطْعِ فَلاتِهِمْ، تَحِبُّهُمْ بِقَاع الأَرْض، وَتَفْرَح بِهِمْ أَمْلاكُ السَّمَاءِ. نَسْأَلُ اللهَ التَّوْفِيقَ لإتِّبَاعِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلْنَا مِنْ أَتْبَاعِهِمْ.
وَسَلِ الْعِيَاذُ مِنْ التَّكَبُّرَ وَالْهَوَى ... فَهُمَا لِكُلِّ الشَّرِ جَامِعَتَانِ
فَتَرَى هَوَاهُ يَمْنَعُهُ تَارَةً ... وَالْكِبْرُ أُخْرَى ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ
واللهِ مَا فِي النَّارِ إِلا تَابِعٌ ... هاذين فَاسْأَلْ سَاكِنِي النِّيرَانِ
آخر: ... تَواضَع إِذَا مَا نِلْتَ فِي النَّاسِ رِفْعَةً ... فَإِنَّ رَفِيعَ الْقَوْمِ مَنْ يَتَوَاضَعُ
وَدَاوِمْ عَلَى حَمْدِ الإِلَهِ وَشُكْرِهِ ... وَذِكْرٍ لَهُ فَهُوَ الذِي لَكَ رَافِعُ
وَقَالَ ابن الْجَوْزِي: اعْتَبَرْتُ عَلَى أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَادِ أَنَّهم يُبْطِنُونَ الْكِبْرَ فَهَذَا يَنْظُرُ فِي مَوْضِعِهِ وَارْتِفَاعِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لا يَعُودُ مَرِيضًا فَقِيرًا يَرَى نَفْسَه خَيْرًا مِنْهُ. حَتَّى أَنِّي رَأَيْتُ جَمَاعَةً يُوْمأ إِلَيْهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لا أَدْقَنُ إِلا فِي دِكَّةِ أَحْمَدَ بن حَنْبَل، وَيَعْلَمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرُ عِظَامِ الْمَوْتَى، ثُمَّ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلاً لِذَلِكَ التَّصَدُّرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولِ: ادْفِنُونِي إِلى جَانِب مَسْجِدِي ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَصِير بَعْدَ مَوْتِهِ مَزُورًا كَمَعْرُوف الْكَرْخِي.
وَهَذِهِ خِلَّةٌ مُهْلِكَة ولا يعلمون. قال النبي ?: «مَن ظن أنه خير من غيره فقد تكبر» وَقَلَّ مَنْ رَأَيْتُ إلا وهو يَرى نفسه.
والعجبُ كُلَّ العجبِ مِمَّنْ يَرى نَفْسَه، أتراه بماذا؟ إن كان بالعلم فقد سَبَقَهُ الْعُلماء، وإن كان بالتعبد فقد سَبَقه العبَّاد، أو بالمال فإن المال لا يوجب بنفسه فضيلةً دِينيةً. فإن قال: قد عرفتُ ما لم يعرف غيري من العلم في زمني فما عليَّ مِمَّن تقدم.
стр. 3250
قيل له: ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الْحِفْظِ كَمَنْ يَحْفَظُ النِّصف، ولا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي، إنما نَحْذَرُ عليك أن تَرى نفسَك خيرًا مِن ذَلِكَ الشخص المؤمن وإن قلَّ علمه، فإن الخيريةَ بالمعاني لا بصورة العِلم والعبادة. ومَن تلمح خصالَ نفسِه وذُنُوبَها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير.
شِعْرًا: ... يَا صِحَاحَ الأَجْسَادِ كَيْفَ بَطَلْتُمْ ... لا لِعُذْرٍ عَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ
لَوْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْبَطَالَةَ تُجْدِي ... حَسْرَةً فِي مَعَادِكم وَالْمَآلِ
لَتَبَادَرْتُمْ إِلى مَا يَقِيكُمْ ... مِنْ جَحِيمٍ فِي بَعْثِكم وَنَكَالِ
إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ غُرُورٌ ... لا أَبَدًا تُطْمِعُ الْوَرَى فِي الْمُحَالِ
ج
كَيْفَ يَهْنِيكموا الْقَرَارُ وَأَنْتُمْ ... بَعْدَ تَمْهِيدِكُم عَلَى الارْتِحَالِ
كَيْفَ يَهْنِيكموا الْقَرَارُ وَأَنْتُمْ ... بَعْدَ تَمْهِيدِكُم عَلَى الارْتِحَالِ
الْهُدَى وَاضِحٌ فَلا تَعْدِلُوا عَنْ ... ـهُ وَلا تَسْلُكوا سَبْلَ الضَّلالِ
وَأَنِيبُوا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَتُوبُوا ... تَسْلَمُوا فِي غَدٍ مِنَ الأَهْوَالِ
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنَا بَابَ الْقُبُولِ وَالإِجَابَةِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنْ الْمَخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ وَلا تُؤَاخِذْنَا بِجَرَائِمَنَا وَمَا وَقَعَ مِنَّا مِن الْخَطَأْ وَالنِّسْيَانِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
غزوة حنين
حنين واد قربَ ذي المجاز بينه وبين مكة ثلاث ليال قربَ الطائف وتُسَمَّى غزوة أوطاس سُمِّيتِ الغزوة باسم المكانين.
لم ينقص شهر على مغادرة النبي ? للمدينة، حتى ترامت إليه الأخبار أن قبيلة هوزان النازلة شرق مكة، تحشد رجالها، وتستعد لهجوم مفاجئ على المسلمين.
стр. 3251
وذلك لقلقها المتزايد من زيادة عدد المسلمين لا سيما بعد توقيع صلح الحديبية، وقد كانوا يعلمون - من قبل فتح مكة بزمن طويل - على إتارة مختلف قبائل العرب ضد الإسلام، أما وقد فتحت مكة، فقد أصبح لزامًا عليهم في رأيهم أن يوجهوا إلى الإسلام ضربة قاتلة، قبل أن يستفحل أمره، ويصبح من المحال القضاء عليه.
وهم رجال حرب بطبيعتهم، فما كانوا يحتاجون لأكثر من أيام معدودات لحشد جيش كبير. ترامت إلى النبي ? أخبارها، فأوفد من يتبين له الأمر، وعاد الرسول يؤيد الخبر فأمر النبي ? على التو - أي على الفور - بتجهيز جيش قوي لسحق هوزان.
وسرعان ما إلتف عشرة ألاف مقاتل ساروا وعلى رأسهم النبي ? إلى وادي حنين حيث احتشدت جنود هوزان.
وقد أمدت مكة المسلمين بكميات وافرة من السلاح والعتاد بجانب الألفين من المقاتلين.
وكانت هوزان حاذقة في الرماية بالسهام والنبال، يضاف إلى هذه أنها احتلت المراكز الممتازة كلها وقد وزعت زهرة رماتها فوق التلال والمرتفعات، واضطر المسلمون إلى النزول بالمراكز غير الملائمة، فكانت السهام تنزل عليهم من كل صوب وحدب أشبه بالمطر.
بينما تقدمت ساقة هوزان لمهاجمة قلب جيش المسلمين، والتقى الجمعان وجهًا لوجه، وكانت طليعة المسلمين تحت إمرة خالد بن الوليد وهي مكونه من المكيين وفيهم غير المسلمين. فكانوا أول من خاض غمار المعركة. ولكنهم لم يتحملوا عنف القتال المرير فتقهقروا، وأدى تقهقرهم إلى اضطراب النظام بين صفوف المسلمين، فارتدوا جميعًا في غير نظام، وتقهقرت فيالق المهاجرين والأنصار هي الأخرى، وبقي النبي ? ومعه عمه العباس في فئة قليلة من المقاتلين وحدهم في العراء عرضة لسهام المهاجمين المحتشدين.
رأى النبي جيش المسلمين يرتد فثبت في مركزه المحفوف بالخطر في رباطة جأش تدعوا إلى الإعجاب الشديد. كان العدو يتقدم في سرعة خاطفة، وكاد يكون بمفرده، ولكن
стр. 3252
ذلك لم يؤثر فيه أي تأثير. ألم يكن في أمان ترعاه عناية الله العلي القدير! . نفس الشعور الذي لا يخونه، والثقة التي لا حد لها في معونة الله والإيمان بالنصر النهائي لقضيته.
بقي وحده في الميدان وعاصفة العدو تدوي من حوله، ونادى بأعلى صوته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» وصرخ العباس بصوته الجهورى: (يا معشر الأنصاري الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة. إن محمدًا حي فهلموا) وكرر العباس النداء حتى تجاوبت في كل جنبات الوادي أصداؤه.
وأجاب المسلمون من كل جانب: (لبيك! لبيك!) وعادت جموعهم تلتئم من جديد. وترجل نفر منهم عن أفراسهم وجمالهم وشدوا على العدو بعنف
وجرأة، فلم يستطع العدو الثبات في وجههم وأخذ فريق منهم في الفرار، وبقى نفر آخر يقاوم وقتًا ما، ولكن عندما سقط حامل اللواء، ولوا جميعًا الأدبار.
وعندما اعتزمت هوزان الخروج للقتال أمر كبيرها مالك - وهو فتى متهور في الثلاثين من عمره - أن يخرج النساء والأطفال مع الجيش، ظنًا أن وجود هؤلاء يكون مشجعًا ومثيرًا لعواطف رجاله، وحاثًا لهم، إن دارة الدائرة، على أن لا يتقهقروا ويولوا أعقابهم، ولكن لما أزفت الساعة الرهيبة تركوا وراءهم كل شيء: النساء، والأطفال، والغنم، فوقع في يد المسلمين أربعةٌ وعشرون رأس من الغنم، وأربعة آلاف أوقيةٍ من الفضة، غير ستة آلاف أسير.
وبعد أن وضع المسلمون غنائمهم في مكان حريز، أخذوا في السير للحاق بعدوهم المتقهقر، وقد احتمى فريق منهم في قلعتهم في أوطاس، فأوفد إليهم النبي ? سرية من المسلمين لتشتيتهم، بينما احتمت ساقتهم بأسوار الطائف المحصنة تحصينًا متينًا مسلحًا، كانوا رجال حرب محنكين خبيرين بالأسلحة الحديثة كالمنجنيق، وكانوا قد اختزنوا مئونة عام كامل داخل الأسوار، وأقاموا عليها حراسة وفيرة العدد، ووزعوا حامياتها حول أسوار المدينة.
стр. 3253
فخف النبي ? إلى حصونهم وضرب الحصار عليها، وقد استعان المسلمون بالأسلحة الحديثة التي أمددتهم بها بعض القبائل الأخرى، وثقل الحصار عليهم جميعًا فجمع النبي ? أصحابه للمشورة، واقترح أحد الشيوخ المحنكين تركهم وشأنهم فقد عاد الذئب إلى جحره وليس من الهين اصطياده، خصوصًا وأن المسلمين ما خرجوا إلا لرد العدوان، وها هو العدو أعجز من أن يضربهم، فأمر النبي برفع الحصار إذا لم يكن للمسلمين من هدف سوى إبعاد الخطر، وقد كان.
وفي طريق عودتهم طلب بعضهم من النبي في نفس المكان الذي قذف فيه بالحجارة من قبل، أن يستنزل غضب الله على الأعداء. ولكنه بدلاً من أن يلعنهم ويستنزل غضب ربه، أخذ يصلي ويتضرع من أجلهم، ويبتهل إلى الله أن يهدي ثقيفًا إلى الإسلام، وأن تنضم إلى لواء النبي ?. وقبل الله دعاءه، فلم ينقض وقت طويل حتى دخل الجميع في دين الله أفواجًا، طوعًا ومن تلقاء أنفسهم. انتهى.
شعرًا: ... أَسُيرُ الْخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفٌ
لَهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ قَلْبٌ مُخَالِفُ
قَدِيمًا عَصَى عَمْدًا وَجَهْلاً وَغِرَّةً
وَلَمْ يَنْهَهُ قَلْبٌ مِنَ الله خَائِفُ
تَزِيدُ سِنُوهُ وَهُوَ يَزْدَادُ ضِلَّةً
فَهَا هُوَ فِي لَيْلِ الضَّلالَةِ عَاكِفُ
تَطَلَّعُ صُبْحُ الشَّيْبِ وَالْقَلْبُ مُظْلِمٌ
فَمَا طَافَ فِيهِ مِنْ سَنَا الْحَقِّ طَائِفُ
ثَلاثُونَ عَامًا قَدْ تَوَلَّتْ كَأَنَّهَا
حُلُومُ مَنَامِ أَوْ بُرُوقٌ خَوَاطِفُ
وَجَاءَ الْمَشِيبُ الْمُنْذِرُ الْمَرْءَ أَنَّهُ
стр. 3254
.. إِذَا ارْتَحَلَتْ عَنْهُ الشَّبِيبَةْ تَألِفُ
فَيَا أَيَّهُا الْمَغْرُورُ قَدْ أَدْبَرَ الصِّبَا
وَنَادَاكَ مِنْ سِنِّ الْكُهُولَةِ هَاتِفُ
فَهَلْ أَرَّقَ الطَّرْفَ الزَّمَانُ الذِي مَضَى
وَأَبْكَاهُ ذَنْبٌ قَدْ تَقَدَّمَ سَالِفُ
فَخُذْ بِالدُّمُوعِ الْحُمْرِ حُزْنًا وَحَسْرَةً
فَدَمْعُكَ يُنْبِي أَنَّ قَلْبَكَ آسِفُ
نَسْأَلُ أَنْ يُوفِّقَنَا لِتَدبُّرِ آيَاتِهِ وَفَهْمِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ? وَالْعَمَلِ بِهِمَا وَأَنْ يَرْزُقْنَا الانْتِفَاعَ بِمُرُورِ الزَّمَنِ عَلَى خَيْرِ وَجْهٍ إِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، اللَّهُمَّ أَيْقِظْنَا مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ وَوَفِّقْنَا لإتِّبَاعِ ذَوِي النُّفُوسِ الْمُحْسِنَةْ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ اللَّهُمَّ وَآتِنَا أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجُوهَنَا عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وَجُوُهَنَا عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ. اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ عَلَى هَوَىً وَهُوَ يَظُنَّ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فَرُدَّهُ إِلى الْحَقِّ حَتَّى لا يَظِلَّ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ. اللَّهُمَّ لا تَشْغَلْ قُلُوبَنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لَنَا بِهِ وَلا تَجْعَلْنَا فِي رِزْقِكَ خَولاً لِغَيْرِكَ وَلا تَمْنَعْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ بِشَرِّ مَا عِنْدَنَا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
صفات المنافقين للإمام ابن القيم
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا النِّفَاقُ: فَالدَّاءُ الْعُضَالُ، وَالْبَاطِنُ الذِي يَكُونُ الرَّجُلُ مُمْتَلِئًا مِنْهُ، وَهُوَ لا يَشْعُرُ. فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ عَلَى النَّاسِ وَكَثِيرًا مَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ مُصْلِحٌ وَهُوَ مُفْسِدٌ.
стр. 3255
وَهُوَ نَوْعَانِ: أَكْبَرٌ، وَأَصْغَرٌ. فَالأَكْبَرُ: يُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ فِي دَرْكِهَا الأَسْفَلِ وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ لِلْمُسْلِمِينَ إِيمَانَهُ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُنْسَلِخٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّه مُكَذِّبٌ بِهِ. لا يُؤْمِنُ بَأَنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ أَنْزَلَهُ عَلَى بَشَرٍ جَعَلَهُ رَسُولاً لِلنَّاسِ، يَهْدِيهِمْ بِإِذْنِهِ، وَيُنْذِرُهمْ بَأْسَهُ، وَيُخَوِّفُهم عِقَابَهُ.
وَقَدْ هَتَكَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَسْتَارَ الْمُنَافِقِينَ وَكَشَفَ أَسْرَارَهُمْ فِي الْقُرْآنِ،
وَجَلَّى لِعِباَدِهِ أُمُورَهُمْ لِيَكُونُوا مِنْهَا وَمِنْ أَهْلِهَا عَلَى حَذَرٍ، وَذَكَرَ طَوَائِفَ الْعَالَمِ الثَّلاثَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكُفَّارَ، وَالْمُنَافِقِينَ، فَذَكَرَ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَرْبَعَ آيَاتٍ، وَفِي الْكُفَّارِ آيتَيْنِ، وَفِي الْمُنَافِقِينَ ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةِ لِكَثْرَتِهِم وَعُمُومِ الابْتِلاءِ بِهِمْ، وَشِدَّةِ فِتْنَتِهم عَلَى الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ، فَإِنَّ بَلَيَّة الإِسْلام بِهِم شَدِيدَةٌ جِدًّا، لأَنَّهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَيْهِ، وَإِلى نُصْرَتِهِ وَمُوَالاتِهِ، وَهُمْ أَعْدَاؤُه فِي الْحَقِيقَةِ، يُخْرِجُونَ عَدَاوَتَهُ فِي كُلِّ قَالَبٍ، يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّهُ عِلْمٌ وَإِصْلاحٌ وَهُو غَايَةُ الْجَهْلِ وَالإِفْسَادِ.
فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ مَعْقَلٍ للإِسْلامِ قَدْ هَدَمُوهُ!؟ وَكَمْ مِنْ حِصْنٍ لَهُ قَدْ قَلَعُوا أَسَاسَهُ وَخَرَّبُوه؟! وَكَمْ مِنْ عَلَمٍ لَهُ قَدْ طَمَسُوهُ؟! وَكَمْ مِنْ لِوَاءٍ لَهُ مَرْفُوع قَدْ وَضَعُوه؟! وَكَمْ ضَرَبُوا بِمَعَاوِلِ الشَّبَهِ فِي أُصُولِ غِرَاسِهِ لِيَقْلَعُوهَا؟! وَكَمْ عَمّوا عُيُونَ مَوَارِدِه بِآرَائِهِمْ لِيَدْفِنُوهَا وَيَقْطَعُوهَا؟!
فَلا يَزَالُ الإِسْلامُ وَأَهْلُه مِنْهُمْ فِي مِحْنَةٍ وَبِلِيَّةِ وَلا يَزَالُ يَطْرُقُه مِنْ شُبَهِهِمْ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةً، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ بِذَلِكَ مُصْلِحُونَ ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ ، ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
اتَّفَقُوا عَلَى مُفَارَقَةِ الْوَحْيِ، فَهُمْ عَلَى تَرْكِ الإِهْتِدَاءِ بِهِ مُجْتَمِعُونَ ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ وَلأَجْلِ ذَلِكَ ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ .
دَرَسَتْ مَعَالِمُ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِهم فَلَيْسُوا يَعْرِفُونَهَا، وَدَثَرَتْ مَعَاهِدُه عَنْدَهُمْ فَلَيْسُوا يَعْمُرونَهَا، وَأَفلَتْ كَوَاكِبَهُ النَّيِّرَةِ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَلَيْسُوا يُحْيَوْنَها
стр. 3256
وَكَسَفَتْ شَمْسَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ ظُلْمِ آرَائِهِمْ وَأَفْكَارِهِمْ فَلَيْسُوا يُبْصِرُونَهَا، لَمْ يَقْبَلُوا هُدَى اللهِ الذِي أرسَلَ بِهِ رَسُولَهُ. وَلَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا، وَلَمْ يَرَوْا بالإعْرَاضِ عَنْهُ إِلى آرَائِهِمْ وَأَفْكَارِهِمْ بَأْسًا، خَلَعُوا نُصُوصَ الْوَحْي عَنْ سَلْطَنَةِ الْحَقِيقَةِ، وَعَزَلُوهَا عَنْ وَلايَةِ الْيَقِينِ وَشَنُّوا عَلَيْهَا غَارَاتِ التَّأْوِيلاتِ الْبَاطِلَةِ، فَلا يَزَالُ يَخْرُجُ عَلَيْهَا مِنْهُمْ كَمِينٌ بَعْدَ كَمِينٌ، نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ نُزُولَ الضَّيْفِ عَلَى أَقْوَامٍ لِئَامٍ، فَقَابَلُوهَا بِغَيْرِ مَا يَنْبَغِي لَهَا مِنْ الْقُبُولِ وَالإِكْرَامِ، وَتَلَقَّوْهَا مِنْ بَعِيدٍ، وَلَكِنْ بِالدَّفْعِ فِي الصُّدُورِ مِنْهَا وَالأَعْجَازِ، وَقَالُوا: مَالَكِ عِنْدَنَا مِنْ عُبُورٍ - وَإِنْ كَانَ لا بُدَّ - فَعَلى سَبِيلِ الاجْتِيَازِ، أَعَدُّوا لِدَفْعِهَا أَصْنَافَ الْعُدَدِ وَضُرُوبَ الْقَوَانِينِ، وَقَالُوا - لَمَّا حَلَّتْ بِسَاحَتِهِمْ - مَا لَنَا وَلِظَوَاهِرَ لَفْظِيَّةٍ لا تُفِيدُنَا شَيْئًا مِنْ الْيَقِين، وَعَوَامُّهم قَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ خَلْفُنَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينِ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهَا مِنْ السَّلَفِ الْمَاضِينَ، وَأَقْوَمُ بطرَائِق الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِين، وَأُولئِكَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ السَّذَاجَةُ وَسَلامَةُ الصُّدُورِ وَلَمْ يَتَفَرَّغُوا لِتَمْهِيدِ قَوَاعِدِ النَّظَرِ، وَلَكِنْ صَرَفُوا هَمَّهُمْ إِلى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، فَطَرِيقَةُ الْمُتَأَخِّرينَ: أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الْمَاضِينَ: أَجْهَلُ، لَكِنَّهَا أَسْلَمُ.
أَنْزَلُوا نُصُوصَ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ مَنْزِلَةَ الْخَلِيفَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، اسْمُهُ عَلَى السِّكَّةِ وَفِي الْخُطْبَةِ فَوْقَ الْمَنَابِرِ مَرْفُوعٌ، وَالْحُكْمُ النَّافِذُ لِغَيْرِهِ، فَحُكْمُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَلا مَسْمُوعٍ، لَبِسُوا ثِيَابَ أَهْلِ الإِيمَانِ عَلَى قُلُوبِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْخُسْرَانِ، وَالْغِلِّ وَالْكُفْرَانِ، فَالظَّوَاهِرُ ظَوَاهِرُ الأَنْصَارِ، وَالْبَوَاطِنُ قَدْ تَحَيَّزَتْ إِلى الْكُفَّارِ، فَأَلْسِنَتُهُمْ ألْسِنَةُ الْمُسَالِمِينَ، وَقُلُوبُهُم قُلُوبُ الْمُحَارِبِين، وَيَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 3257
رَأْسُ مَالِهِم الْخَدِيعَةُ وَالْمَكْرُ، وَبِضَاعَتُهُم الْكَذِبُ وَالْخَتْرُ، وَعِنْدَهِم الْعَقْلُ الْمَعِيشِي: أَنَّ الْفَرِيقَيْن عَنْهُمْ رَاضُونَ، وَهُمْ بَيْنَهُمْ آمِنُون ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ .
قَدْ أَنْهَكَتْ أَمْرَاضُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ قُلُوبَهُمْ فَأَهْلَكَتْهَا وَغَلَبَتِ الْقُصُورُ السَّيِّئَةُ عَلَى إِرَادَاتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ فَأَفْسَدَتْهَا، فَفَسَادُهُمْ قَدْ تَرَامَى إِلى الْهَلاكِ، فَعَجِزَ عَنْهُ الأَطِبَّاءُ الْعَارِفُونَ ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
مَنْ عَلِقَتْ مَخَالِبُ شُكُوكِهِمْ بَأَدِيمِ إِيمَانِهِ مَزَّقَتْهُ كُلَّ تَمْزِيقٍ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَرَرُ فِتْنَتِهِمْ بِقَلْبِهِ أَلْقَاهُ فِي عَذَابِ الْحَرِيقِ، وَمَنْ دَخَلَتْ شُبُهَاتُ تَلْبِيسِهِمْ فِي مَسَامِعِه حَالَتْ بَيْنَ قَلْبِهِ وَبَيْنَ التَّصْدِيقِ، فَفَسَادُهُمْ فِي الأَرْضِ كَثِير وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَنْهُ غَافِلُون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ .
الْمُتَمَسِّكُ عِنْدَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنةِ صَاحِبُ ظَوَاهِرٍ، مَبْخُوسُ حَظٍّ مِنْ الْمَعْقُولِ، وَالدَّائِرُ مَعَ النُّصُوصِ عِنْدَهُمَ كَحِمَارٍ يَحْمِلُ أَسْفَارًا فَهْمُه فِي حَمْلِ الْمَنْقُولِ وَبِضَاعَةُ تَاجِرِ الْوَحْيِ لَدَيْهِمْ كَاسِدَةٌ، وَمَا هُوَ عِنْدَهُمْ بِمَقْبُولِ، وَأَهْلُ الأَتْبَاعِ عِنْدَهُم سُفَهَاءُ فَهُمْ فِي خَلَوَاتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمِ بِهِمْ يَتَطَيَّرُونَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ . قَالَ الشَّاعِرُ: (رَمَتْنِي بِدَائِهَا وَانْسَلَّتِ) .
لِكُلِّ مِنْهُمْ وَجْهَانِ: وَجْهٌ يَلْقَى بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَجْهٌ يَنْقَلِبُ بِهِ إِلى إِخْوَانِهِ مِنْ الْمُلْحِدِينَ، وَلَهُ لِسَانَانِ: أَحَدُهُمَا يَقْلِبُه بِظَاهِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالآخَرُ يترجمُ بِهِ عَنْ سِرِّهِ الْمَكْنُونِ ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ .
стр. 3258
قَدْ أَعْرَضُوا عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتِهْزَاءً بِأَهْلِهِمَا وَاسْتِحْقَارًا، وَأَبَوا أَنْ يَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْوَحْيَيْنِ فَرَحًا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ الذِي لا يَنْفَعُ الاسْتِكْثَارُ مِنْهُ إِلا شَرًّا وَاسْتِكْبَارًا فَتَرَاهُمْ أَبَدًا بِالْمُتَمَسِّكِينَ بِصَرِيح الْوَحْيِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ .
خَرَجُوا فِي طَلَبِ التِّجَارَةِ الْبَائِرَةِ فِي بِحَارِ الظُّلُمَاتِ، فَرَكِبُوا مَرَاكِبَ الشُّبَه وَالشُّكُوكِ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجِ الْخَيَالاتِ، فَلَعِبَتْ بِسُفُنِهِمْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ؛ فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ سُفن الْهَالِكِينَ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ .
أَضَاءَتْ لَهُمْ نَارُ الإِيمَانِ فَأَبْصِرُوا فِي ضَوْئِهَا مَوَاقِعَ الْهُدَى وَالضَّلالِ ثُمَّ طَفِئَ ذَلِكَ النُّورِ، وَبَقِيتْ نَارًا تَتَأَجَّجُ ذَاتَ لَهَبٍ وَاشْتِعَال، فَهُمْ بِتَلْكَ النَّارِ مُعَذبُون، وَفِي تِلْكَ الظُّلُمَاتِ يَعْمَهُونَ ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ .
أَسْمَاعُ قُلُوبِهم قَدْ أثْقَلَهَا الْوَقْرُ، فَهِيَ لا تَسْمَعُ مُنَادِي الإِيمَان، وَعُيونُ بَصَائِرِهم عليها غِشَاوَةُ الْعَمَى، فَهِي لا تُبْصِرُ حَقَائِقُ الْقُرْآنِ، وَأَلْسِنَتُهم بِهَا خَرَسٌ عَنْ الْحَقِّ، فَهُمْ بِهِ لا يَنْطِقُونَ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ .
صَابَ عَلَيْهِم صَيِّبُ الْوَحْي، وَفِيهِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ إِلا رَعْد التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّكَالِيفِ الَّتِي وُظِّفَتْ عَلَيْهم فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ، فَجَعَلُوا أَصَابِعَهُم فِي آذَانِهِمْ، وَاسْتَغْشَوا ثِيَابَهُمْ، وَجَدُّوا فِي الْهَرَبِ، وَالطَّلَبُ فِي آثَارِهِمْ وَالصِّيَاحُ، فَنُودِي عَلَيْهِمْ عَلَى رُؤوسِ الأَشْهَادِ، وَكُشِفَتْ حَالُهمْ لِلْمُسْتَبْصِرينَ، وَضَربَ لَهُمْ مَثَلانِ بِحَسَب حَالِ
стр. 3259
الطَّائِفَتَيْنِ مِنْهُمْ: الْمُنَاظِرِينَ، وَالْمُقَلِّدِينَ، فَقِيلَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ .
ضَعُفَتْ أَبْصَارُ بَصَائِرِهِمْ عَنْ احْتِمَالِ مَا فِي الصَّيِّب مِنْ بَرُوقِ أَنْوَارِهِ وَضِيَاءِ مَعَانِيهِ، وَعَجَزتْ أَسْمَاعُهُمْ عَنْ تَلَقِّي رُعُودِ وَعُودِهِ وَأَوَامِرهِ وَنَوَاهِيِهِ، فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ حَيَارَى فِي أَوْدِيَةِ التِّيهِ، لا يَنْتَفِعُ بِسَمْعِهِ السَّامِعُ، وَلا يَهْتَدِي بِبَصَرِهِ الْبَصِيرُ ﴿كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ واللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَهُمْ عَلامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا مُبَيِّنَةٌ فِي السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، بَادِيَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا مِنْ أَهْلِ بَصَائِرِ الإِيمَانِ، قَامَ بِهِمْ - وَاللهِ - الرِّيَاءُ، وَهُوَ أَقْبَحُ مَقَامٍ قَامَهُ الإِنْسَانُ، وَقَعَدَ بِهِمْ الْكَسَلُ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ أَوَامِرِ الرَّحْمَنِ، فَأَصْبَحَ الإِخْلاُص عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ ثَقِيلاً ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ .
أَحَدُهْم كَالشَّاةِ الْعَائِرَة بَيْنَ الْغَنمَينِ، تَيْعَرُ إِلى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلى هَذِهِ مَرَّةً وَلا تَسْتَقِرُّ مَعَ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ، فَهُمْ وَاقِفُونَ بَيْنَ الْجَمْعَين، يَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْوَى وَأَعَزُّ قَبِيلاً ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ .
يَتَرَبَّصُونَ الدَّوَائِرَ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ. فَإِنْ كَانَ لَهُمْ فَتْحٌ مِنْ اللهِ قَالُوا: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ وَأَقْسَمُوا عَلَى ذَلِكَ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لأَعْدَاءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ النُّصْرَةِ نَصِيبٌ، قَالُوا: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ عَقْدَ الإِخَاءِ بَيْنَنَا مُحْكَمٌ، وَأَنَّ النَّسَبَ بَيْنَنَا قَرِيبٌ؟ فَيَا مَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَتَهُمْ، خُذْ صِفَاتِهِمْ
стр. 3260
مِنْ كَلامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فلا تَحْتَاجُ بَعْدَهُ دَلِيلاً: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ .
يُعْجبُ السَّامِعَ قَوْلُ أَحَدِهِمْ لِحَلاوَتِهِ وَلِيْنِه، وَيُشْهِدُ اللهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ كَذبِهِ وَمَيْنِه، فَتَرَاهُ عِنْدَ الْحَقِّ نَائِمًا، وَفِي الْبَاطِل عَلَى الأَقْدَامِ فَخُذْ وَصْفَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْقُدُّوسِ السَّلامِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ .
أَوَامِرُهُم الَّتِي يَأْمُرونَ بِهَا أَتْبَاعَهُم مُتَضَمِّنَةٌ لِفَسَادِ الْبِلادِ والْعِبَادِ، وَنَوَاهِيهم عَمَّا فِيهِ صَلاحُهم فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَأَحَدُهُمْ تَلْقَاهُ بَيْنَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الصَّلاةِ وَالذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَالاجْتِهَادِ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ .
فَهُم جِنْسُ بَعْضُه يُشْبِهُ بَعْضَا، يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ بَعْدَ أَنْ يَفْعَلُوه، وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ بَعْدَ أَنْ يَتْرُكُوه، وَيَبْخَلُون بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ أَنْ يُنْفِقُوهُ، كَمْ ذَكَّرَهُمْ اللهُ بِنِعمِهِ فَأَعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِهِ وَنَسُوهُ؟ وَكَمْ كَشَفَ حَالَهُم لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَجْتَنِبُوه؟ فَاسْمَعُوا أَيُّهَا الْمُؤمِنِينَ: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
إِنْ حَاكَمْتَهُم إِلى صَرِيحِ الْوَحْي وَجَدْتَهُم عَنْهُ نَافِرِينَ، وَإِنْ دَعَوْتَهُمْ إِلى حُكْمِ كِتَابِ اللهِ وَسُنّةِ رَسُولِهِ ﷺ رَأَيْتَهُمْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَلَوْ شَهِدْتَ حَقَائِقَهُم لَرَأَيْتَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهُدَى أَمَدًا بَعِيدًا، وَرَأَيْتَهَا مُعْرِضَةً عَنْ
следующие страницы →