Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
خَيْلٌ وَلا خَيْلَ مَعَهُمْ، وَنَحْنُ نُقَاتِلُ عَلَى وَتَرٍ عِندَهُم، وَلا وَتَرَ لَهُمْ عِنْدَنَا.
اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّكَ وَلا بَاقٍ إِلا وَجْهُكَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلَنَا، وَتَلُمَّ بِهَا شَعْثَنَا، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدَنَا، وَتَحْفَظُ بِهَا غَائِبَنَا، وَتُزكِّي بِهَا أَعْمَالِنَا، وَتُلْهِمْنَا بِهَا رُشْدَنَا، وَتَعْصِمْنَا بِهَا مِنْ كُلَّ سُوء يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا الْقِيَامَ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحَلالِ مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ الْحَاجَاتِ وَيَا مُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ? عُيُونَهُ يَسْتَطْلِعُونَ لَهُ خَبَرَ الْقَوْمِ، فَجَاءُوا إِلى رَسُولِ اللهِ ? فَأَخْبُرُوهُ بِمَنْزِلِهِمْ مِنْ وَادِي أُحُدٍ، وَحَزَرُوا لَهُ عَدَدُهُمْ وَعِتَادَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ أَطْلَقُوا خُيُولَهُمْ وَإِبْلَهُمْ فِي مَزَارِعٍ الْمَدِينَةِ فَجَعَلَتْ تَأْكُل الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ حَتَّى أَوْشَكَتْ أَنْ تَدْخُلَ الْمَدِينَةِ وَبَاتَ الْخَطَرُ جَاثِمًا عَلَى الأَبْوَابِ، وَغَدَا الأَمْرُ لا يَقْبَلُ التَّسْوِيفَ، وَصَارَ مِن الوَاجِب عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَيَسْتَعِدُّوا، وَحُرِسَتِ الْمَدِينَةُ كُلَّها طِوَالَ اللَّيْلِ، فَبَاتَ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَيْهِمْ السِّلاحُ خَوْفًا عَلَى النَّبِيَّ ?.?
فَلَمَّا أَصْبَحُوا جَمَعَ النَّبِيِّ ? أَهْلَ الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ كَيْفَ يَلْقُونَ عَدُوَّهُمْ اللَّدُودَ.
стр. 3187
رَوَى الْوَاقِدِي أَنَّ النَّبِيِّ ? قَالَ لأَصْحَابِهِ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ» . فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بن أُبَيِّ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ نُقَاتِلْ فِيهَا وَنَجْعَلُ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي هَذِهِ الصَّيَاصِي، وَيُجْعَلُ مَعَهُم الْحِجَارَةَ، وَنَشْبِكُ الْمَدِينَةِ بِالْبُنْيَانِ، فَتَكُونُ كَالْحِصْنِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَتَرْمِي الْمَرْأَةُ وَالصَّبِي مِنْ فَوْقَ الصَّيَاصِي وَالآطَامِ، وَنُقَاتِلُ بَأَسْيَافِنَا فِي السِّكَكِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ مَدِينَتَنَا عَذْرَاءُ، مَا فُضَّتْ عَلَيْنَا قَطُ، وَمَا خَرَجْنَا إِلى عَدُوٍّ قَطُ مِنْهَا إِلا أَصَابَ مِنَّا، وَمَا دَخَلَ عَلَيْنَا قَطُ إِلا أَصَبْنَاهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرَّ مَحْبَسٍ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ مَغْلُوبِينَ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا.
يَا رَسُولَ اللهَ أَطِعْنِي فِي هَذَا الأَمْرَ، وَاعْلَمْ أَنِّي وَرَثْتُ هَذَا الرَّأْيَ مِنْ أَكَابرِ قَوْمِي وَأَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ، فَهُمْ كَانُوا أَهْلَ الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ.
وَكَانَ هَذَا الرَّأْيُ هُوَ رَأْيُ رَسُولِ اللهِ ? وَهُوَ أَنْ لا يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَتَحَصَّنُوا بِهَا فَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الأَزِقَّةِ وَالنِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ، وَهُوَ رَأْيُ الأَكَابِرِ مِن الصَّحَابَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.
فَقَالَ رَسُولِ اللهِ ?: «امْكُثُوا ِفي الْمَدِينَةِ وَاجْعَلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِي فِي الآطَامِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَزِقَّةِ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُمْ وَرَمُوَا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانُ مِنْ فَوْقِ الصَّيَاصِي وَالآطَامِ» . فَبَادَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ فَاتَهُمُ الْخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ وَرَغِبُوا فِي الشِّهَادَةِ، وَأَحَبُّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ، وَأَلَحُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ: إِنَّا نَخْشَى يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يَظُنَّ عَدُونَا أَنَا كَرِهْنَا الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ جُبْنًا عَنْ لِقَائِهِم، فَيَكُونُ هَذَا جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَقَدْ كُنْتَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاثِمَائةٍ فَظَفَّرَكَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ
стр. 3188
خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَدْ كُنَّا نَتَمَنَّى هَذَا الْيَوْمَ وَنَدْعُو اللهَ بِهِ، فَقَدْ سَاقَهُ اللهُ إِلَيْنَا فِي سَاحَتِنَا.
وَقَالَ مَالِكُ بن سِنَان: يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ بَيْنَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ، إِمَّا يُظْفِرُنَا اللهُ بِهِمْ فَهَذَا هُوَ الذِي نُرِيدُ، وَالأُخْرَى يَا رَسُولَ اللهِ يَرْزُقُنَا اللهُ بِهَا الشَّهَادَةَ، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أُبَالِي أَيَّهُمَا كَانَ، إِنَّ كُلاَّ لَفِيهِ خَيْرٌ.
وَقَالَ حَمْزَةُ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: وَالذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لا أَطْعَمُ الْيَوْمَ طَعَامًا حَتَّى أُجَالِدَهُمْ بِسَيْفِي خَارِجًا مِن الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ النَّعْمَانُ بنُ مَالِكٍ: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ تُحْرِمْنَا الْجَنَّةُ فَوَالذِي لا إِلَه إِلا هُوَ لأَدْخُلَنَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «بِمَ» ؟ فَقَالَ: إِنِّي امْرؤٌ أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلا أَفِرُّ يَوْمَ الزَّحْفِ.
وَقَالَ إِيَاسُ بن أَوْسٍ: لا أُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ قُرَيْشٌ إلى قَوْمِهَا فَيَقُولُونَ حصَرْنَا مُحَمَّدًا فِي صِيَاصِي يَثْرِبَ وَإِطَامِهَا فَتَكُونُ هَذِهِ جُرْأَةٌ لِقُرَيْشٍ عَلَيْنَا وَقَدْ وَطِئُوا سَعَفَنَا فَإِذَا لَمْ نَدَبَّ عَنْ غَرْسِنَا لَمْ يُزْرَعْ.
وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ? أَنَّ الْخُرُوجَ هُوَ الرَّغْبَةَ الْغَالِبَةَ، وَأَنَّ كَثْرَةَ النَّاسِ تَدْعُوا إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَأَمَرُهُمْ بِالْجَدِّ وَالْجِهَادِ.
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ لَهُمْ النَّصْرَ مَا صَبَرُوا، فَفَرِحَ النَّاسُ بِالشُّخُوصِ إِلى عَدُّوِهِمْ، وَلَكِنَّ كَثِيرًا كَرِهُوا ذَلِكَ الْمُخْرَجِ، لِمَا رَأَوا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ? مِنَ الْكَرَاهَةِ لَهُ.
وَأَخَذَ النَّاسُ يَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، فَيَلْبِسُونَ دُرُوعَهُمْ وَسِلاحَهُمْ وَيَتَوَافَدُونَ عَلَى
стр. 3189
مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ? فَلَمَّا كَانَ الْعَصْرُ كَانَ النَّاسُ قَدْ تَجَمَّعُوا وَاحْتَشَدُوا فَصَلَّى بِهِمْ صَلاةَ الْعَصْرِ وَأَمَرَ أَنْ يُرْفَعَ النِّسَاءُ وَالأَوْلادُ فِي الآطَامِ وَالْحُصُونِ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ لِيَلْبَسَ لامَتَهُ، وَالنَّاسُ فِي خَارِجِ الْبَيْتِ يَتَنَاقَشُونَ وَيَتَجَادَلُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَلا يَزَالُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْبَقاَءَ هُوَ الأَصْوَبُ، وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَكْرَهُوا رَسُولَ اللهِ ? عَلَى الْخُرُوجِ فَعَزَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ.
وَجَاءَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ فَقَالا: قُلْتُمْ لِرَسُولِ اللهِ ? مَا قُلْتُمْ، وَاسْتَكْرَهْتُمُوهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَالأَمْرُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فَرَدُّوا الأَمْرَ إِلَيْهِ! فَمَا أَمَرَكُمْ فَافْعَلُوهُ، وَمَا رَأَيْتُمْ لَهُ فِيهِ هَوَى أَوْ رَأْيًا فَأَطِيعُوهُ.
فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَقَدْ لَبِسَ لامَةَ الْحَرْبِ، فَقَالَ الذِينَ كَانُوا يُلِحُّونَ فِي الْخُرُوجِ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُخَالِفَكَ، فَاصْنَعْ مَا بَدَالَكَ فَقَالَ: «قَدْ دَعَوْتَكُمْ إِلى هَذَا الْحَدِيثِ فَأَبَيْتُمْ، وَلا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إِذَا لَبِسَ لامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمُ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ.
انْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ، وَامْضُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، فَلَكُمُ النَّصْرُ مَا صَبَرْتُمْ» .
وَعَقَدَ ثَلاثَةَ أَلْوِيَةٍ: لِوَاءٌ بِيَدِ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ، وَلِوَاءٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِيَدِ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ، وَقِيلَ: بِيَدِ عَلَيِّ بن أَبِي طَالِبٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَ الْخَزْرَجِ، بِيَدِ الْحُبَابِ بن الْمُنْذِرِ.
وَقِيلَ: بِيَدِ سَعْدِ بن عُبَادَةَ، ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ، فَرَكِبَهُ وَخَرَجَ فِي أَلْفٍ
стр. 3190
مِن أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ مائةُ دَارِعٌ، وَالنَّاسُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَالسَّعْدَان يَعْدُوَانِ أَمَامَهُ، سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، وَسَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، لِسِتٍ خَلَونَ مِنْ شَوَّالٍ، بَعْدَ أَنْ أَمَّرَ عَلَى الْمَدِينةِ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، يُصَلَّي بِالنَّاسِ.
اللَّهُمَّ أَقِمْ عَلَمَ الْجِهَادِ وَاقْمَعْ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالزَّيْغِ وَالْعِنَادِ وَانْشُرْ رَحْمَتكَ عَلَى هُؤلاءِ الْعِبَادِ يَا مَنْ لَهُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَإِلَيْهِ الْمَعَادُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ أَهْلِ السَّعَادَةُ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُحْسِنِينَ الذِينَ لَهُمْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
موعظة: عِبَادَ اللهِ كَانَ سَلَفُنَا فِي أَرْقَى دَرَجَةٍ، وَأَصْبَحْنَا بَعْدَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ فِي حَالَةٍ يُرْثَى لَهَا مِن التَّهَالُكِ عَلَى الدُّنْيَا وَإهْمَالِ الآخِرَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الآخِرَةِ لا تَنْتَهِي حَيَاتُهَا، وَأَنَّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي فِي أَيَّامٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ مَتَاعِهَا أَنَّهُ قَلِيلٌ، فَوَضَعُوا حَيَاةَ الأَبَدِ نَصْبَ أَعْيُنِهم، وَجَدُّوا وَاجْتَهَدُوا فِي الْعَمَلَ لَهَا، كَمَا أَمَرَهُمْ اللهُ، فَلا تَكَادُ تَرَاهُمْ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ إِلا وَهُمْ بعَمَلٍ مِنْ الأَعْمَالِ يَعْمَلُونَ وَذَلِكَ الْعَمَل مِنْ أَعْمَالِ الآخِرَةِ.
وَلَقَدْ كَانُوا فِي كُلِّ نَفْسٍ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ النَّفَسَ الأَخِير، الذِي تَنْتَهِي بِهِ آجَالِهِمْ، فَلَوْ قِيلَ لَهُمْ إِنَّكُمْ بَعْدَ سَاعَةَ تَنْتَهِي حَيَاتُكَمْ مَا زَادُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِن الإِكْثَارِ مِن الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ.
أَمَّا اشْتِغَالُهُم بِهَذِهِ الْحَيَاةِ فَمَا كَانَ إِلا لأَنَّهُ وَسِيلَةٌ مِن الْوَسَائِلِ التِي
стр. 3191
تُدْنِي إِلى الْجَنَّاتِ، وَتُبْعِدُ عن النَّارِ، لِهَذَا كَانُوا لا يَخَافُونَ الْمَوْتَ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَعَلَّهُمْ يَنَالُونَ الشَّهَادَةَ، وَيَبْكُونَ إِذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ الْخُرُوجُ إِلى الْجِهَادِ، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُم، وَكَمَا مَرَّ عَنْهُمْ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ، لِذلِكَ بَلَغُوا مِن الشَّجَاعَةِ مُنْتَهَاهَا، وَعَاشُوا وَمَاتُوا وَهُمْ سَادَةُ الْعَالَمِين.
أَمَّا زُهْدُهُم في هَذِهِ الدُّنْيَا فَكَانَ مَوْضِعَ الْعَجَبِ لأَنَّ مَقْصُودَهُمْ غَيْرَهَا، وَلِهَذَا كَانُوا أَشْرَفَ أُمَّةٍ تَحَلَّى بِرُؤْيَتِهَا الزَّمَانُ.
أَمَّا نَحْنُ فَقَصُرَ نَظَرُنَا قَصْرًا مِن الْعَارِ أَنْ يُنْسَبَ إِلى عُقَلاءَ الرِّجَالِ وَهَلْ يُتَصَوَّرْ أَنَّ الْعَاقِلَ تَمْلِكُ قَلْبَهُ وَقَالِبَهُ الدُّنْيَا وَحِطَامِهَا الْفَانِي، فَيَجْعَلُ كُلَّ مَقْصُودِهِ الْمَالُ، مَعَ أَنَّهُ يَقْرَأ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
هَذَا هُوَ الذِي كَانَ مِنَّا فَالآخِرَةُ لا تَخْطُرُ لَنَا عَلَى بَالٍ، فَلِلدُّنْيَا أَبْدَانُنَا وَقُلُوبُنَا، وَلَهَا رِضَانَا وَسَخَطُنَا، وَإِنْ زُجْرنَا عَنْهَا إِزْدَادَ وَلَعُنَا بِهَا وَزَادَ إِقْبَالُنَا عَلَيْهَا وَتَضَاعَفَ جُهْدَنَا لَهَا.
عَلَى حَد قَوْل الشَّاعر:
وَإِذا زَجَرْتُ النَّفْسَ عَنْ شَغَفٍ بِهَا
فَكَأَنَّ زَجْرَ غَويِّهَا إِغْرَاؤُهَا
لِهَذَا كَرِهْنَا الْمَوْتَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فَفَقَدْنَا الشَّجَاعَةَ وَأَصَابَنَا الْوَهَنُ وَالْخَورُ وَالضَّعْفُ وَالْجُبْنُ.
شِعْرًا: ... نَهَاكَ عَن الْبَطَالَةِ وَالتَّصَابِي ... نُحُولُ الْجِسْمِ وَالرَّأْسُ الْخَضِيبُ
إِذَا مَا مَاتَ بَعْضُكَ فَابْكِ بَعْضَا ... فَبَعْضُ الشَّيْءِ مِنْ بَعْضٍ قَرِيبُ
стр. 3192
وَلِهَذا وَصَلَتْ بِنَا الْحَالُ إِلى أَنْ مَنَعْنَا الزَّكَاةَ أَوْ بَعْضَهَا وَهِيَ قَرِينَةُ الصَّلاةَ، وَمِن أَجْلِ الدُّنْيَا دَاهِنًّا، وَتَمَلَّقْنَا لأَعْدَاءِ اللهِ وَقُلْنَا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَوْ يَا مُعَلِّمُ، أَوْ يَا أُسْتَاذُ، هَذَا خِطَابُنَا لأَعْدَاءِ اللهِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِب عَلَيْنَا نَحْوَهُمْ هِجْرَانُهُم وَالابْتِعَادُ عَنْهُمْ وَبُغْضُهُمْ للهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ فَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا باللهِ الْعَلِّي الْعَظِيم، هَذَا يَا أَخِي هُوَ السَّبَبُ الْوَحِيدُ فِي انْحِطَاطِنَا، وَفِي عِزِّ سَلَفِنَا الأَجلاءِ الْكِرَامِ، وَلَوْ سَلَكْنَا طَرِيقَهُمْ مَا أَصَابَنَا هَذَا الذُّلُ وَالْهَوَانُ.
قَصِيدَة زُهْدِيَّةٌ فِي غُرْبَةِ الدِّيْنِ وَالْوَلاءِ وَالْبَرَاءِ وَالتَّقَلُّلِ مِن الدُّنْيَا
إلِى اللهِ نَشْكُوا غُرْبَةَ الدِّينِ وَالْهُدَى
وَفُقْدَانَه مِنْ بَيْنِ مَنْ رَاحَ أَوْ غَدَا
فَعَادَ غَرِيبًا مِثْلَ مَا كَانَ قَدْ بَدَا
عَلَى الدِّينِ فَلْيُبْكِي ذُوو الْعِلْمِ وَالْهُدَى
فَقَدَ طَمَسَتْ أَعْلامُهُ في الْعَوَالِمِ
حَوَى الْمَالَ أَنْذَالُ الْوَرَى وَرَذَالُهُم
وَقَدْ عَمَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ ضَلالَهُم
وَلا تَرْتَضِي أَقْوَالَهم وَفِعَالَهُمْ
وَقَدْ صَارَ إِقْبَالُ الْوَرَى وَاحْتِيَالُهم
عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَجَمْعِ الدَّرَاهِمِ
стр. 3193
.. فَذُو الْمَالِ لا تَسْأْلَ أَخَصُّ خَدِينِهِم
وَقَدْ نَفِقَ الْجَهْلُ الْعَظِيمُ بِحِينِهِم
بِإعْرَاضِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ وَمَدِينِهِم
وَإِصْلاحِ دُنْيَاهُمْ بِإفْسَادِ دِينِهِم
وَتَحْصِيلِ مَلْذُوذَاتِهِمْ وَالمَطَاعِمِ
مُحِبُّونَ لِلدُّنْيَا مُحِبُّونَ قَيْلَهَا
وَلَوْ مُعْرِضًا عَنْ دِينِهِ وَلَهَاً لَهَا
وَكُلُّهُمُ لا شَكَّ دَنْدَنَ حَوْلَهَا
يُعَادُونَ فِيهَا بَلْ يُوَالُونَ أَهْلَهَا
سَوَاءٌ لَدَيْهِم ذُو التُّقَى وَالْجَرَائِمِ
إِلى اللهِ فِي هَذَا الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَا
نَبُثُّ الدُّعَا فَالْقَلْبُ لا شَكَّ قَدْ قَسَا
وَحُبُّ الْوَرَى الدُّنْيَا فَفِي الْقَلْبِ قَدْ رَسَى
إِذَا انْتُقِصَ الإِنْسَانُ مِنْهَا بِمَا عَسَى
يَكُونُ لَهُ ذَخْرًا أَتَى بِالْعَظَائِمِ
بَكَى وَاعْتَرَاهُ الْمَسُّ مِنْ عُظْمِ مَا حَسَى
وَخَرَّ صَرِيعًا إِذْ بَدَا النَّقْصُ وَأَفْلَسَا
وَانْحَلَ جِسْمًا نَاعِمًا قَبْلُ مَا عَسَى
وَأَبْدَى أَعَاجِيبًا مِن الْحُزْنِ وَالأَسَى
عَلَى قِلَّةِ الأَنْصَارِ مِنْ كُلِّ حَازِمِ
стр. 3194
.. وَنَادَى بِصَوْتٍ مزْعَجٍ مُتَكَلِّمًا
وَبَاتَ حَزِينًا قَلْبُه مُتَكَلِّمًا
وَقامَ عَلى سَاقٍ لِحَرَّاهُ مُعْلِمًا
وَنَاحَ عَلَيْهَا آسِفًا مُتَظَلِّمًا
وَبَاتَ بِمَا فِي صَدْرِهِ غَيْرَ كَاتِمِ
فَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْغَيِّ وَالْجَهْلِ وَالرَّدَى
إِذَا انْتُقِصُوا الدُّنْيَا أَصَارُوا الثَّرَى نَدَى
وَبَكُوا وَأَبْكُوا كُلَّ مَنْ رَاحَ أَوْ غَدَا
فَأَمَّا عَلَى الدِّين الْحَنِيفِيِّ وَالْهُدَى
وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ذَاتِ الدَّعَائِمِ
وَلَوْ قُطَّعَتْ فِي كُلِّ أَرْكَانِهَا الْقُوَى
وَلَوْ سَلَكْت كُلُّ الْوَرَى سُبْلَ مَن غَوَى
أَوْ اتَّخَذَ الْمَخْلُوقُ مَعْبُودَهُ الْهَوَى
فَلَيْسَ عَلَيْهَا وَالذِي فَلَقَ النَّوَى
مِن النَّاسِ مَنْ بَاكٍ وَآسٍ وَنَادِمِ
بُنُودٌ لَهَا فِيمَا مَضَى بَيْنَنَا انْتَفَتْ
وَكُلُّ مُحَامِيٍّ لَهَا مَالَ وَالْتَفَتْ
وَمَحْبُوبُنَا مَنْ أَبْغَضَتْهُ وَمَنْ نَفَت
وَقَدْ دَرَسَتْ مِنْهَا الْمَعَالِمُ بَلْ عَفَتْ
وَلَمْ يَبْقَ إِلا الإِسْمِ بَيْنَ الْعَوَالِمِ
стр. 3195
.. وَقَدْ ظَهَرَتْ تِلْكَ الْفَوَاحِشُ وَالْجَفَا
وَلا شَكَّ فِي فِعْلِ اللَّوَاطِ مَعَ الزِّنَى
وَقَلْبِي إِذًا مِمَّا بَدَى مَسَّهُ الضَّنَى
فَلا آمِرٌ بِالْعُرْفِ يُعْرَفُ بَيْنَنَا
وَلا زَاجِرٍ عن مُعْضَلاتِ الْجَرَائِمِ
بِحَارُ الْمَعَاصِي قَدْ طَمَى الآنَ لُجُهَا
وَمُتَّسِعُ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ ثَجُّهَا
وَقَدْ لاحَ مِنْ فَوْقِ الْبَسِيطَةِ فَجُّهَا
ومِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ غُودِرَ نَهْجُهَا
عَفَاءً وأضْحَتْ طَامِسَاتِ الْمَعَالِمِ
نَوَاظِرُنَا كَلَّتْ وَأَنْوَارُهَا طَفَتْ
وَأَلْسُنُنَا عن بَحْثِ مِنْهَاجِهَا حَفَتْ
مَنَاهِجُهَا واللهِ مِنْ بَيْنِنَا عَفَتْ
وَقَدْ عُدِمَتْ فِينَا وَكَيْفَ وَقَدْ سَفتْ
عَلَيْهَا السَّوَافِي مِنْ جَمِيعِ الأقَالِمِ
تَظُنُونَ أَنَّ الدَّيْنَ لَبَيْكَ فِي الفَلا
وَفِعْلَ صَلاةٍ والسُّكُوتَ عَن المَلا
وَسَالِمْ وَخَالِطْ مَن لِذَا الدِّيْن قَدْ قَلا
وَمَا الدِّيْنُ إِلا الْحُبُّ والْبُغْضُ والْولا
كَذَاكَ الْبَرَا مِنْ كُلِّ غَاوٍ وَآثِمِ
стр. 3196
.. فَأَفْرَادُنَا ظَنُّوَا النَّجَا فِي التَّنَسُكِ
وَغَالِبُنَا مِنْهَاجُهُم في التَّسَلُّكِ
وَمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ خَيْرِ مَسْلَكِ
وَلَيْسَ لها مِنْ سَالِكِ مُتَمَسِّكِ
بِدِين النَّبِي الأَبْطَحِي بن هَاشِمِ
فَلَسْنَا نَرَى مَا حَلَّ فِي الديِّنِ وَامّحَتْ
بِهِ الْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ إِحْدَى الْقَوَاصِمِ
عَسَى تَوْبَةٌ تَمْحُو ذُنُوبًا لِمُرْتَجِي
عَسَى نَظْرَةٌ تَسْلُكْ بِنَا خَيْرَ مَنْهَجِ
عَسَى وَعَسَى مِنْ نَفْحَةٍ عَلَّهَا تَجِي
فَنَأْسَى عَلَى التَّقْصِيرِ مِنَّا وَنَلْتَجِي
إِلى اللهِ فِي مَحْوِ الذُّنُوبِ الْعَظَائِمِ
فَكُلُّ الْوَرَى فِي كَثْرَةِ الْمَالِ نَافَسَتْ
وَرَانَتْ ذُنُوبٌ فِي الْقُلُوبِ وَقَدْ رَسَتْ
وَفِي النَّهْيِ عَنْ كُلِّ الْمَعَاصِي تَنَاعَسَتْ
فَنَشْكُوا إِلى اللهِ الْقُلوبَ التِي قَسَتْ
وَراَنَ عَلَيْهَا كَسْبُ تِلْكَ الْمَآثِمِ
نُرَاعِي أَخَا الدُّنْيَا فَذَاكَ هُوَ الأَخُ
وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ الْمَعَاصِي مُلَطَّخُ
أَلَسْنَا بَأَوْضَارِ الْخَطَا نتَضَمَّخُ
أَلَسْنَا إِذَا مَا جَاءَنَا مُتَضَمِّخُ
стр. 3197
بِأَوْضَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ كُلِّ ظَالِمِ
أَتَيْنَاهُ نَسْعَى مِنْ هُنَاكَ وَمِنْ هُنَا
وَفِي عَصْرِنَا بَعْضٌ يُرَدُ وَلَوْ عَنَى
أَتَيْنَا سِرَاعًا وَالرِّضَى عَنْهُ حثَّنَا
نَهُشُّ إِلَيْهِمْ بِالتَّحِيَّةِ وَالشَّنَا
وَنَهْرَعُ فِي إِكْرَامِهِم بالْولائِمِ
إِذَا يُرْتَضَى فِي الدِّينِ هَلْ مِنْ مُعَلِّم
أَفِقْ أَيُّهَا الْمَغْبُونُ هَلْ مِنْ تَنَدُّمٍ
أَيَرْضَى بِهَذَا كُلُّ أَبْسَلَ ضَيْغَمٍ
وَقَدْ بَرِيَ الْمَعْصُومُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ
يُقِيمِ بِدَارِ الْكُفْر غَيْرَ مُصَارِمِ
وَلا مُنْكِرٍ أَقْوَالَهُمْ يَا ذَوِي الْهُدَى
ومُبْغِضٍ أَفْعَالَ مَنْ ضَلَّ واْعَتَدَى
ولا آمرٍ بالْعُرْفِ مِنْ بَيْنِهِم غَدَا
ولا مُظْهِرٍ لِلدِّينِ بَيْنَ ذَوِي الرَّدَى
فَهَلْ كَانَ مِنَّا هَجْرُ أَهْلِ الْجَرَائِمِ
وَهَلْ كَانَ فِي ذَاتِ الْمُهَيْمِنِ وُدُّنَا
وَهَلْ نَحْنُ قَاتَلْنَا الذِي عَنْهُ صَدَّنَا
وَهَلْ نَحْنُ أَبْعَدَنَا غَدَا والذِي دَنَا
وَلَكِنَّمَا الْعَقْلُ الْمَعِيشِيُ عِنْدَنَا
مُسالَمَةُ الْعَاصِينَ مِنَ كُلِّ آثِمِ
стр. 3198
.. أَيَا وَحْشَةً مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْمَنَازِلِ
وَيَا وَصْمَةً لِلدِّينِ مِنْ كُلِّ نَازِلِ
تَكَلَّمَتْ الأَوْبَاشُ وَسْطَ الْمَحَافِلِ
فِيَا مِحْنَةَ الإِسْلامِ مِنْ كُلِّ جَاهِلِ
وَيَا قِلَّةَ الأَنْصَارِ مِنْ كُلِّ عَالِمِ
فَنَفْسَكَ فاخْزِمَْا إِذَا كُنْتَ حَازِمًا
وَمِن بَابِهِ لا تَلْتَفِتْ كُنْ مُلازِمًا
وَصَبْرٌ فَرَبُّ الْعَرْشِ لِلشِّرْكِ هَازِمًا
وَهَذَا أَوَانُ الصَّبْرِ إِنْ كُنْتَ حَازِمًا
عَلَى الدِّينِ فاصْبِرْ صَبْرَ أَهْل عَزَائِمِ
وَمُدُّ يَدًا للهِ كُلَّ عَشِيَّةٍ
وَسَلْ رَبَّكَ التَّثْبِيتَ فِي كُلِّ لَحْظَةِ
عَلى مِلَّةِ الإِسْلامِ أَزْكَى الْبَرِيَةِ
فَمَنْ يَتَمَسَّكَ بالْحَنِفِيَّةِ الَّتِي
أَتَتْنَا عَنِ الْمَعْصُومِ صَفْوَةِ آدَمِ
وعُضَّ عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ إِذْ غَدَا
وَحِيدًا مِنَ الْخِلانِ مَا ثَمَّ مُسْعِدًا
عَلَى قِلَّةِ الأَنْصَارِ أَصْبَحَ وَاحِدًا
لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ أَمْرًا مِنْ ذَوِي الْهُدَى
مِن الصَّحْبِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَكَارِمِ
وَكُنْ عَنْ حَرَامٍ فِي الْمَآكِلِ سَاغِبًا
стр. 3199
.. وَلا تَمْشِ مِنْ بَيْنِ الْعِبَادِ مُشَاغِبًا
ومُدَّ يدًا نَحْوَ الْمُهَيْمِنِ طَالِبًا
وَنُحْ وابْكِ وَاسْتَنْصِرْ بِرَبِّكَ رَاغِبًا
إِلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ أَرْحَمُ رَاحِمِ
لِيَنْصُرَ هَذَا الدِّينِ مِنْ بَعْدِهَا عَفَتْ
مَعَالِمُهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ الْعَوَالِمِ
وَأَنْ يَكْبُتَ الأَعْدَا وَيَفْنُوا بِغِلِّهِمْ
وَيَخْذُلَ أَعْدَاءَ الْهُدَى بأَقَلِّهِمِ
مِن الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ وَخِلِّهِمْ
وَصَلِّ عَلَى الْمَعْصُومِ والآلِ كُلِّهِمْ
وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ التُّقَى والْمَكَارِمِ
بِعَدِّ وَمِيضِ الْبَرْقِ والرَّمْلِ والْحَصَى
وَمَا انْهَلَّ وَدْقٌ مِنْ خِلالِ الْغَمَائِمِ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ عَمَّ الْوَرَى جُودُهُ وَإِحْسَانُه لنَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الأَعْظَمِ الذِي إِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ وَإِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ أَنْْْْْْ تُثَبِّتَ وَتُقَوِّي قُلُوبَنَا فِي الإِيمَانِ بِكَ وَبِمَلائِكَتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبِالْيَوْمِ الآخرِ وَبِالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ اللَّهُمَّ وَأَيِّدْنَا بِنَصْرِكَ وَارْزُقْنَا مِنْ فَضْلِكَ وَنَجِّنَا مِنْ عَذَابِكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَوَفِّقْنَا لِشُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَارْزُقْنَا التَّأهُّبَ وَالاسْتِعْدَادَ لِلِقَائِكَ وَاجْعَلْ خِتَامَ صَحَائِفَنَا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 3200
(فَصْلٌ)
وَمَضَى ? حَتَّى وَصَلَ إِلى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الشَّيْخَيْنِ، فَعَسْكَرَ بِهِ، ثُمَّ اسْتَعْرَضَ الْجَيْشَ، فَرَدَّ مَنْ اسْتَصْغَرَهُ مِنْ جُنُودِهِ.
وَكَانَ فِيمَنْ رَدَّ رَسُولُ اللهِ ? مِنْ هَؤُلاءِ الصِّغَارِ رَافِعُ بن خَدِيجٍ
وسمرة بن جُنْدُبٍ، فَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ?: إِن رَافِعًا يُحْسِنُ الرِّمَايَةَ فَأجَازَهُ فَبَكَى سمرة ابن جُنْدُبٍ، وَقَالَ: أَجَازَ رَافِعًا وَرَدَّنِي مَع أَنِّي أَصْرَعُهُ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ? فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَتَصَارَعَا فَكَانَ الْغَالِبُ سمرة، فَأجَازَهُ.
وَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ? لَيْلَتَهُ تِلْكَ بِالشَّيْخَيْنِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى حَرَسِ الْجَيْشِ مُحَمَّدَ بن سَلَمَةَ، وَعَلَى حَرَسِهِ، ذَكْوَانَ بن قَيْسٍ.
وَنَامَ ? حَتَّى إِذَا كَانَ السَّحَرُ، قَالَ: «أَيْنَ الأَدِلاءُ، مَن رَجُلَ يَدُلُنَا عَلَى الطَّرِيقِ، يُخْرِجُنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ» . فَقَامَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْحَارِثِي، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ.
وَلَمَّا بَلَغَ ? الشَّوْطَ، وَهُوَ بُسْتَانٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْشَقَّ الْجَيْشُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ?، فَرَجَعَ عَبْدُ اللهِ بن أُبَيّ بِثَلاثِمَائةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ يَقُول: أَطَاعَ الْغُلْمَانَ وَعَصَانِي، فَعَلامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَا هُنَا، فَجَعَل عَبْدُ اللهِ بن عَمْرُو بن حَرَامٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَثْنِيهُمْ عَنْ عَزْمِهِمْ هَذَا، وَيُنَاشِدُهُمْ اللهَ أَلا يَشُقُّوا عَصَا الْجَمَاعَةِ، وَأَنْ لا يَخْذُلُوا قَوْمَهُمْ وَنَبِيَّهُمْ فِي حَضْرَةِ الْعَدُوِّ، فَيَقُولُونَ لَهُ مُتَهَكِمِينَ بِهِ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ .
وَقَدْ أَحْدَثَتْ هَذِهِ الْفِعْلَةُ الشَّنِيعَةُ، خَلْخَلَةً عَظِيمَةً فِي بِنَاءِ الْجَيْشِ، فِي هَذَا الْوَقْتِ الْحَرِجِ، وَأَحْدَثَتْ زَلْزَلَةً شَدِيدَةً فِي نُفُوس الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى لَقَدْ هَمَّتْ بَنُوا حَارِثَةَ مِن الْخَزْرَجِ، وَبَنُوا سَلَمَةَ الأَوْسِ، أَنْ تَفْعَلا كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ ابنُ أَُبَيّ، وَلَكِنْ عَصَمَهُمُ اللهُ، فَعَادُوا إِلى صُفُوفُ الْجَمَاعَةِ، وَسَارُوا مَعَ الْجَيْشِ، كَمَا يَسِيرُونَ.
وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ? إِلى أُحُدٍ، وَهُوَ جَبَلٌ كَثِيرُ الْمَسَالِكِ، وَالشِّعَابِ، تَقْطَعُهُ عِدَّةُ وِدْيَانٍ، وَيُدورُ دَوْرَةً وَاسِعَةً فِي مُوَاجَهِةَ السَّهْلِ الضَّيّقِ.
стр. 3201
الذِي وَقَفَتْ عِنْدَهُ قُرَيْشٍ، كَمَا أَنَّ تَعَرجَاتِ الأَرْضِ جَعَلَتْ فِي انْحِدَارِهِ فَجَوَاتٍ، تُشْبِهُ الْحُفَرَ، تَصْلُحُ للإخْتِفَاءِ فِي الْحَرْبِ الدِّفَاعِيَّةِ، لِقَذْفِ النِّبَالِ.
فَنَزَلَ رَسُولِ اللهِ ? فِي شَعبٍ عَلَى عُدْوَةِ الْوَادِي، إِلى جَانِب تلٍّ مُشْرِفٍ، يُقَالُ لَهُ: جَبَلُ عَيْنَيْن، وَهُنَاكَ أَخَذَ ? يَصُفُ أَصْحَابَهُ، وَيُعْبِئُهُمْ لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ ظُهُورَهُمْ إِلى الْجَبَلِ بِحَيْثُ يَحْتَمُونَ بِهِ مِنْ خَلْفِهِمْ وَجَعَلَ وَجُوهَهُمْ إِلى الْمَدِينَةِ، بِحَيْثُ يَسْتَقْبِلُونَ الْوَادِي، وَيُشْرِفُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْلاهُ وَجَعَلَ خَمْسِينَ مِن الرُّمَاةِ عَلَى جَبَل عَيْنَيْن.
وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بن جُبَيْرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْمُوا ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقِتَالِ، وَأَنْ لا يُمَكِّنُوا الْعَدُوِّ مِن اقْتِحَامِ هَذَا الْحِصْنِ، وَأَنْ لا يَبْرَحُوا مَكَانَهُمْ هَذَا، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ عَلَّمَهُمْ أَنْ يَنْضَحُوا الْخَيْلَ كُلَّمَا أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ بِالنَّبْلِ، وَأَكَّدَ الْوَصِيَّةَ عَلَيْهِمْ أَنْ لا يُغَادِرُوا مَوَاضِعَهُمُ، وَإِنْ رَأَوْا أَصْحَابَهُمْ تَتَخَطَّفُهُمْ الطَّيْرُ.
فَلَمَّا انْتَهَى ﷺ مِنْ تَعْدِيلِ الصُّفُوفِ، وَإِعْدَادِ الْمَوَاضِعِ، خَطَبَ فِي النَّاسِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لا يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ حَتَّى يُؤَاذِنَهُمْ، وَبَيْنَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُشْتَغِلاً بِصَفِّ جُنُودِهِ ظَهَرَ الْقُرَشِيُّونَ فِي السَّهْلِ الْمُنْبَسِطِ، تَحْتَ التَّلِّ، وَصَارَ الْجَيْشَانِ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
وَظَهَرَتْ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، يَمْشِينَ بَيْنَ الصُّفُوفُ، وَيَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيُنْشِدْنَ الأَنَاشِيدِ، تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ، وَإِثَارَةَ لِلْحَمِيَّةِ بَيْنَ الرِّجَالِ.
اللَّهُمَّ نَجّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ النَّارِ وَعَافِنَا مِنْ دَارِ الْخِزْيَ وَالْبَوَارِ، وَأَدْخِلْنَا بفَضْلِكَ الْجَنَّةَ دَارَ الْقَرَارِ وَعَامِلْنَا بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ يَا كَرِيمُ يَا غَفَّارُ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 3202
(فَصْلٌ)
فَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ، بَدَأَ أَبُو سُفْيَانَ خُطَّةَ التَّخْذِيلِ، بَيْنَ الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، خَلُّوا بَيْنَ وَبَيْنَ عَمِّنَا وَنَنْصَرِفُ عَنْكُمْ، فَذَهَبَ نِدَاؤُهُ صَرْخَةً فِي الْفَضَاءِ.
فَأَعْقَبَهُ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ، فَبَرَزَ بَيْنَ الصُّفُوفُ يُنَادِي قَوْمَهُ الأَوْسَ: يَا لَلأَوْسِ إِليَّ إِليَّ، فَمَا كَانَ جَوَابُهُ مِنْهُمْ إِلا اللَّعْنَ وَالسَّبِّ وَالشَّتْمَ وَالرَّمِيَ بِالْحِجَارَةِ وَالطَّرْدِ حَتَّى وَلَّى مُخْتَزِيًا خَجْلانَ، يَقُولُ: لِقُرَيْشٍ لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ.
وَأَخْفَقَتْ خُطَّةُ التَّخْذِيلِ، كَمَا أَخْفَقَتْ خُطَّةُ الْمُفَاجَأَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْقِتَالِ مَفَرٌّ، وَهُنَا حَاوَلَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تُطَوِّقَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَضُمُّ عَلَيْهِمْ جَنَاحَيْهَا بِحَرَكَةِ الْتِفَافٍ سَرِيعَةٍ.
فَتَحَرَّكَ لِوَاءُ عِكْرَمَةَ مِنَ الْمَيْسَرَةِ، يُرِيدُ أَنْ يَدُورَ حَوْلَ عَسْكَرِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ.
فَحَاوَلَ مِثْلَهُ خَالِدُ بنُ الْوَلِيدِ مِنْ الْمَيْمَنَةِ، فَأَمْطَرَهُ الرُّمَاةُ وَابِلاً مِنَ النِّبَالِ، َفارْتَدَّتْ الْخَيْلُ عَلَى أَعْقَابِهَا مُسْرِعَةً.
فَعَادَ الْكُفَّارُ إِلى أَمَاكِنِهِمْ كَمَا كَانُوا أَوَّلاً وَبَدَأ الْقِتَالُ بِالْمُبَارَزَةِ. فَخَرَجَ مِنْ صُفُوفُ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ، فَبَرَزَ لَهُ الزُّبَيْرُ بنُ الْعَوَّامِ، فَقَتَلَهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ? وَكَبَّرَ فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ.
وَشَدُّوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ يَتَصَايَحُونَ صَيْحَةَ الْحَرْبِ، (أَمِتْ أَمِتْ) فَهَجَمَ عَلِيَّ بن أَبِي طَالِبٍ عَلَى حَامِلِ لِوَائِهِمْ طَلْحَةِ بن أَبِي طَلْحَة فَقَتَلَهُ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَسُرَّ النَّبِيِّ ? بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ هُو كَبْشُ الْكَتِيبَةِ.
стр. 3203
وَكَانَ قَزْمَانُ يُعْرَفُ بِالشَّجَاعَةِ، وَقَدْ تَأَخَّرَ، فَعَيّرَتْهُ نِسَاءُ بَنِي ظَفَرٍ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ?، وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ حَتَّى انْتَهَى إِلى الصَّفِّ الأَوَّلِ فَكَانَ عَلَى مَا قِيلَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ بِسَهْمٍ، فَجَعَلَ يُرْسِلُ نَبْلاً كَأَنَّها الرِّمَاحُ، وَيَكُتُّ كَتِيتَ الْجَمَلِ، ثُمَّ فَعَلَ بِالسَّيْفِ الأَفَاعِيلَ حَتَّى قَتَلَ سَبْعَةً.
وَأَصَابَتْهُ جِرَاحٌ فَوَقَعَ، فَنَادَاهُ قَتَادَةُ بن النُّعْمَان: أَبَا الْغَيْدَاقِ هَنِيئًا لَكَ الشَّهَادَةُ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا قَاتَلْتُ يَا أَبَا عَمْروٍ عَلَى دِينٍ، مَا قَاتَلْتُ إِلا عَلَى الْحِفَاظِ، أَنْ تَسِيرَ قُرَيْشٌ إِلَيْنَا حَتَّى تَطَأ سَعَفَنَا، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ? فَقَالَ: «مِنْ أَهْلِ النَّارِ، إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُل الْفَاجِرُ» .
ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ أَخُو طَلْحَةَ عُثْمَانُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَخُوهُمَا سَعِيدٌ، فَرَمَاهُ سَعْدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَتَنَاوَبَ اللِّوَاءَ بَعْدَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَوْلادِ طَلْحَةَ، وَكُلُّهُمْ يُقْتَلُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَحَمَلَ اللِّوَاءُ غُلامَ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ صُوءَابُ، فَقُتِلَ، وَسَقَطَ اللِّوَاءُ عَلَى الأَرْضِ، فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ أَخْذًا شَدِيدًا وَانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَانْفَرَجَتْ صُفُوفُهُمْ فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، وَأَمْنَعُوا فِيهِمْ ضَرْبًا بِالسُّيُوفِ، وَطَعْنًا بِالرِّمَاحِ، وَرَمْيًا بِالسِّهَامِ، فَانْكَشَفُوا وَوَلَّوْا الأَدْبَارِ وَجَعَلَتْ نِسَاؤُهُمْ تَصِيحُ وَتُوَلْوِلُ، وَأَخَذْنَ فِي الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ، مِنْ الأَسْرِ مُشَمِّرَاتٍ عَنْ أَسَياقِهِنَّ، وَخَلاخِيلِهِنَّ، وَتَتَبَّعَ الْمُسْلِمُونَ أَعْدَاءَهُمْ يَضَعُونَ فِيهِمْ السِّلاحَ حَيْثُ شَاءُوا، حَتَّى أَبْعَدُوا عَن مُعَسْكَرِهِمْ.
اللَّهُمَّ إِنَّ نَوَاصِينَا بِيَدِيكَ، وَأُمُورُنَا تَرْجعُ إِلَيْكَ، وَأَحْوَالِنَا لا تَخْفَى
стр. 3204
عَلَيْكَ، وَآلامُنَا وَأَحْزَانُنَا وَهُمُومُنَا وَغُمُومُنَا كُلُّهَا مَعْلُومَةٌ لَدَيْكَ، اللَّهُمَّ قَدْ عَجَزَتْ قُدْرَتُنَا، وَقَلَّتْ حِيلَتُنَا، وَضَعَفَتْ قُوَّتُنَا، وَتَاهَتْ فِكْرَتُنَا، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْنَا هُمُومُنَا وَأَوْصَابُنَا، وَأَنْتَ مَلْجَؤُنَا، وَمَلاذُنَا وَمَوْلانَا، وَسَيِّدُنَا وَإِلَيْكَ نَرْفَعُ بَثَّنَا وَحُزْنَنَا، وَشِكَايَتُنَا، يَا مَنْ يَعْلَمِ سِرَّنَا وَعَلانِيَّتُنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ، وَأَمِّنْ خَوْفَنَا إِذَا وَصَلْنَا إِلَيْكَ، وَلا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا إِذَا صِرْنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَسُوقُهُ الضَّرُورَاتُ إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيم، وَجُدْ عَلَيْنَا بِإِحْسَانِكَ الْعَمِيمْ وَمَتِّعْنَا بِالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الْكَرِيم.
اللَّهُمَّ مَكِّنْ حُبَّكَ فِي قُلُوبِنَا وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لامْتِثَالِ طَاعَتِكَ وَأَمْرِكَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ وَقَعُوا عَلَى الْغَنَائِم وَالأَسْلابِ يَجْمَعُونَهَا وَيَنْتَهِبُونَهَا وَهُمْ مُطْمَئِنُونَ إِلى أَنَّ ظُهُورَهُمْ لا تَزَالُ مَحْمِيَّةً بِرُمَاتِهِمْ، أَمَّا الرُّمَاةُ فَقَدْ خُيِّلَ لَهُمْ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ انْتَهَتْ. وَأَنَّ الْهَزِيمَةَ قَدْ تَمَّتْ، وَخَشُوا أَنْ يَسْبَقَهُمْ إِخْوَانُهُمْ فِي جَمْعِ الْغَنَائِمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا بَقَاؤُنَا هُنَا، وَقَدْ هَزَمَ اللهُ الْعَدُوَّ، هَؤُلاءِ إِخْوَانُكُمْ يَغْنَمُونَ، فَادْخُلُوا فَاغْنَمُوا مَعَ إِخْوَانِكُمْ، فَذَكَّرَهُمْ أَمِيرُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللهِ ? وَوَصَيَّتَهُ لَهُمْ، وَحَذَّرَهُمْ عَاقِبَةَ الْخِلافِ وَالْعِصْيَانِ، وَلَكِنْ لَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، وَظَنُّوا أَنْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكينَ رَجْعَةٌ، فَذَهَبُوا فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ وَأَخْلَوا الثَّغْرَ، وَتَرَكُوا أَمِيرَهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لا يُجَاوِزُونَ الْعَِشْرَةَ فَانْكَشَفَ بِذَلِكَ الْحِصْنُ الذِي كَانَ يَحْمِي ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ يَتَقَهْقَرُ وَعَيْنُهُ إِلى التَّلِّ لا تُفَارِقُهُ، فَلَمَّا رَأَى الرُّمَاةَ يَتْرُكُونَ مَوَاقِفَهُمْ انْقَلَبَ رَاجِعًا فِي دَوْرَةٍ، وَاسِعَةٍ مُتَّخِذًا مِنْ الأَرَاضِي الْمَسْتُورَةِ دَرْبًا وَطَرِيقًا
стр. 3205
لَهُ، وَجَاءَ فِي أَعْقَابِهِ عِكْرَمَةُ بِلِوَائِهِ، فَتَسَلَّلوا فَوْقَ الْجَبَلِ وَأزَاحُوا الرُّمَاةَ الْبَاقِينَ مِنْ أَمَاكِنِهِمْ وَاقْتَحَمُوا خُطُوطَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْخَلْفِ، وَجَعَلُوا يَتَنَادُونَ بِشَعَارِهِمْ، يَا لَلْعُزَّى، يَالِهَبَلْ، فَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ إِدْبَارِهِمْ، وَأَخَذَتْ عُمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ اللِّوَاءِ فَرَفَعَتْهُ، فَجَعَلُوا يَلُوذُونَ بِهِ وَفُوجِئَ الْمُسْلِمُونَ بِأَعْدَائِهِمْ قَدْ حَاصَرُوهُمْ وَأَوْجَعُوا فِيهِمْ قَتْلاً ذَرِيعًا فَاضْطَرَبَ أَمْرَهُمْ واَنْتَقضَتْ صُفُوفُهُمْ، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ عَلَى غَيْرِ نِظَامٍ وَيُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ، وَتَرَكُوا مَا انْتَهَبَوا وَخَلُّوا مَنْ أَسَرُوا، وَتَفَرَّقُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ. وَهَذِهِ عَاقِبَةُ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَالْعَجَلَةْ الْمُثْمِرَة لِلنَّدَامَة.
شِعْرًا: ... وَمُسْتَعْجِلِ وَالْمُكْثِ أَدْنَى لِرُشْدِهِ ... وَلَمْ يَدْرِ مَا يَلْقَاهُ حِينَ يُبَادِرُ
وَنَظَرَ حُذَيْفَةَ إِلى أَبِيهِ الْيَمَانِ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَهُمْ يَظُنُّونَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ أَبِي، فَلََمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ? أَنْ يَدِيهُ، فَقَالَ: قَدْ تَصَدَّقْتُ بِديتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَزَادَ ذَلِكَ حُذَيْفَةَ خَيْرًا عِنْدَ النَّبِيِّ ?.
وَقَالَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ? يَوْمَ أُحُدٍ أَطْلُبُ سَعْدَ بن الرَّبِيعِ، فَقَالَ لِي: «إِنْ رَأَيْتَهُ فَأقْرأَهُ مِنِّي السَّلام َ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللهِ ?: كَيْفَ تَجِدُكَ» ؟ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ وَبِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.
فَقُلْتَ: يَا سَعْدُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامُ، وَيَقُولُ لَكَ: «أَخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ» ؟ فَقَالَ: وَعَلَى رَسُولِ اللهِ ? السَّلام، قُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَقُلْ لِقَوْمِي الأَنْصَار: لا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ إِنْ خُلِصَ إِلى رَسُولِ اللهِ ? وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرُف وَفَاضَتْ نَفْسُهُ مِنْ وَقْتِهِ.
شِعْرًا: ... وَمَا الْمَرْءُ إِلا حَيْثُ يَقْضِي حَيَاتَهُ ... لِنُصْرَةِ دِينِ الله لا لِلتَّكَاثُرِ
آخر: ... وَمَا الْبَأْسُ إِلا فِي لِحَدِيدِ مُرَكبٌ ... ومَا الْعِزُّ إلا في التُّقَى والدِّيَانَةِ
стр. 3206
وَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَقَالَ: يَا فُلانُ أَشَعَرْت أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقَالَ الأَنْصَارِي: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَنَزَلَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية.
وَأَكْرَمَ اللهُ بِالشَّهَادَةِ مَنْ أَكْرَمَ وَهُمْ سَبْعُونَ، وَفِي وَسَطِ هَذِهِ الدَّهْشَةُ الْبَالِغَةُ صَرَخَ إِبْلِيسَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ إِنَّ مُحَمَّدًا قُدْ قُتِلَ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَرَّ أَكْثَرُهُمْ، وَكَانَ أَمْرَ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا.
وَمَرَّ أَنَسُ بنِ النَّضْرِ بِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَلْقَوْا بَأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ، فَقَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللهِ ? فَقَالَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ قُومُوا مُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ.
وَخَلَص الْمُشْرِكُونَ إِلى رَسُولِ اللهِ ? وَثَبَتَ ? فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَقَاتَلَهُمْ قِتَالاً شَدِيدًا فَظَلَّ يَرْمِي بِالنَّبْل حَتَّى فَنِيَ نَبْلُهُ، وَانْكَسَرَتْ سِيَّةُ قَوْسِهِ، وَانْقَطَعَ وَتَرُهُ، ثُمَّ ظَلَّ يَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى وَقَعَ لِشِقِّهِ.
وَثَبَتَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنَ أَصْحَابِهِ، قِيلَ: إِنَّهُمْ دُونَ الْعَشَرَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ فَوْقَ الْعَشَرَةَ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَصُدُّونَ عَنْهُ هَجَمَاتِ الْعَدِوِّ، الذِينَ أَحْدَقُوا بِهِ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ.
وَشَدُّوا عَلَيْهِ يَرِيدُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ فَمَازَالَ هَؤُلاءِ النّفَرُ يَذُودُونَ عَنْهُ وَيُقَاتِلُونَ دُنَهُ، وَيَتَلَقَوْنَ ضَرَبَاتِ الْعَدُوِّ، وَلَكِنَّ الْعَدُوَّ جَرَحَ وَجْهَهُ ? وَكَسَرَ رَبَاعِيَّتَهُ وَهَشَمُوا الْبَيْضَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَرَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، حَتَّى وَقَعَ وَسَقَطَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الَّتِي كَانَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ يَكِيدُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ
стр. 3207
فَأَخَذَ عَلِيّ بِيَدِهِ، وَاحْتَضَنَهُ طَلْحَةُ بن عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ الذِي تَوَلَّى أَذَاهُ ? عَمْرُو بن قَمِئَة، وَعُتْبَة بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الذِي شَجَّهُ عَبْدُ اللهِ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِي عَمُّ مُحَمَّد بن مُسْلِم بن شِهَابِ الزَّهْرِي، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلى عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ وَنَشَبَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ الْمَغْفَرِ فِي وَجْهِهِ، فَانْتَزَعَهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ، وَعَضَّ عَلَيْهِمَا حَتَّى سَقَطَتْ ثَنيَّتَاهُ مِنْ شِدَّةِ غَوْصِهِمَا فِي وَجْهِهِ ?.
اللَّهُمَّ انْظِمْنَا فِي سِلْكِ الْفَائِزِينَ بِرَضْوَانِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أَعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جِنَانِكَ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وَعَافِنَا يَا مَوْلانَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ الْبَلايَا وَأَجْزِلْ لَنَا مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتِّعْنَا بِالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ مَعَ الذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَقَدْ أَبْلَى النَّفَرُ الذِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? فِي الدِّفَاعِ عَنْهُ أَحْسَنَ الْبَلاءَ وَامْتَازَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فِي دِفَاعِهِ بِالصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ، فَقَدْ قَاتَلَ طَلْحَةُ بن عُبَيْدِ اللهِ عَنْهُ قِتَالاً شَدِيدًا، وَصَارَ يَذُودُ عَنْهُ بِالسَّيْفِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَيَدُورُ حَوْلَهُ يُتَرِّسُ بِنَفْسِهِ دُونَهُ، وَالسِّيُوفُ تَغْشَاهُ، وَالنَّبْلُ يَأْتِيهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
شِعْرًا: ... كَفَانِي فَخْرًا أَنْ أَمُوتَ مُجَاهِدًا ... وَحُبُّ إِلَهِي قَائِدِي مُنْذُ نَشْأَتِي
стр. 3208
فَلَمْ يَزَلْ يَقِي رَسُولَ اللهِ ? بِنَفْسِهِ حَتَّى أَجْهَضَهُمْ عَنْهُ، فَانْكَشَفُوا عَنْهُ، فَكَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ غِنَاءً عَنْ رَسُولِ اللهِ ?، فَجَعَلَ ? يَقُولُ: ((قَدْ أَوْجَبَ طَلْحَةُ)) .
وَفِي مَغَازِي الأَمَوِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ صَعَدُوا عَلَى الْجَبَلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ? لِسَعْدٍ: «أجْبُنْهُمْ» . - يَقُولُ أرْدُدْهُمْ - فَقَالَ: كَيْفَ أَرْدُّهُمْ وَحْدِي، قَالَ ذَلِكَ ثَلاثًا.
فَأَخَذَ سَعْدُ سَهْمًا مِنْ كَنَانَتِهِ فَرَمَى بِهَا رَجُلاً فَقَتَلَهُ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذْتُ سَهْمِي أَعْرِفُهُ فَرَمَيْتُ بِهِ آخرَ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ أَخَذْتُهُ أَعْرِفُهُ فَرَمِيتُ بِهِ آخرَ فَقَتَلْتُهُ، فَهَبَطُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَقُلْتُ: هَذَا سِهْمُ مُبَارَكٌ فَجَعَلْتُهُ فِي كَنَانَتِي فَكَانَ عِنْدَ سَعْدٍ حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ كَانَ عِنْدَ بَنِيهِ.
وَقَاتَلَتِ الْمَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ?. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ? يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلاَنِ يُقَاتِلاَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ.
وَقَالَ نَافِعُ بن جُبَيْرٍ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِن الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ: شهَدِتْ أُحُدًا فَنَظَرْتُ إِلى النَّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ وَرَسُولُ اللهِ ? وَسَطَهَا كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ.
وَرَمَى حِبَّانُ بنُ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ ذَيْلَ أُمِّ أَيْمَنَ - وَقَدْ جَاءَتْ تَسْقِي الْجَرْحَى - فَانْكَشَفَ عَنْهَا فَاسْتَغَرَقَ فِي الضَّحِكِ.
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? فَدَفَعَ إِلى سَعْد ابن أَبِي وَقَّاصٍ سَهْمًا لا نَصْلَ لَهُ فَقَالَ: «ارْمِ» . فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي نَحْرِ حِبَّانَ فَوَقَعَ مُسْتَلْقِيًا وَبَدَتْ عَوْرَتُهْ.
стр. 3209
فَضَحَكَ رَسُولُ اللهِ ? حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. ثُمَّ قَالَ: «اسْتَقَادَ لَهَا سَعْدٌ أَجَابَ اللهُ دَعْوَتَكَ وَسَدَّدَ رَمْيَتَكْ» .
وَكَانَ شَمَّاسُ بن عُثْمَانَ بن الشَّرِيدِ الْمَخْزُومِي لا يَرْمِي رَسُولَ اللهِ ? بَصَرَهُ يَمِينًا وَلا شِمَالاً إِلا رَآهُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ بِسَيْفِهِ حَتَّى غُشِيَ رَسُولُ اللهِ ? فَتَرَّسَ بِنَفْسِهِ دُونَهُ حَتَّى قُتِلَ ﵀.
وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَامِيًا شَدِيدَ الرَّمْي فَنَثَرَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ? وَصَارَ يَرْمِي عَنْهُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ? كُلَّمَا مَرَّ بِهِ أَحَدٌ مِن أَصْحَابِهِ مَعَهُ كِنَانَةٌ يَقُولُ لَهُ: أُنْثُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ.
وَكُلَّمَا رَمَى أَبُو طَلْحَةَ سَهْمًا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ? مِنْ وَرَائِهِ لِيَرَى مَوْقِعَ السَّهْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ بَأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لا تَنْظُرْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ نَحْرِي دَوْنَ نَحْرِكَ وَوَجْهِي لِوَجْهِكَ فِدَاءٌ.
وَتَرَّسَ أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ دُونَ رَسُولِ اللهِ ? فَجَعَلَ النَّبْلُ يَقَعُ فِي ظَهْرِهِ وَهُو مُنْحَنٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ? حَتَّى كَثَر فِيهِ النَّبْلُ وَرَمَى سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ رَسُولِ اللهِ ? فَجَعَلَ رَسُولِ اللهِ ? يُنَاوِلُهُ النَّبْلَ وَهُوَ يَقُولُ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ السَّهْمَ مَالَهُ نَصْلٌ فَيَقُولُ لَهُ: «ارْمِ بِهِ» فَيَرْمِي بِهِ.
وَدَافَعَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ? أُمُّ عِمَارَةَ وَهِي نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ الْمَازِنِيَّةُ وَكَانَتْ تَسْقِي النَّاسَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اللهِ ? قَدْ أُحِيطَ بِهِ وَانْهَزَمَ عَنْهُ النَّاسُ وَضَعَتْ سِقَاءَهَا وَأَخَذَتْ سَيْفًا فَجَعَلَتْ تُقَاتِلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ وَإِنَّهَا لَحَاجِزَةٌ
стр. 3210
ثَوْبِهَا عَلَى وَسَطِهَا حَتَّى جُرِحَتْ ثَلاثَةَ عَشْرَ جُرْحًا وَظَلَّ عَلَى عَاتِقَها مِنْ هَذِهِ الْجِرَاحِ جُرْحٌ أَجْوَفَ لَهُ غَوْرٌ أَصَابَهَا بِهِ ابن قَمِئَةَ.
وَقَدْ سُمِعَ رَسُولُ اللهِ ? يَقُولُ يَوَمْئِذٍ: «مَا الْتَفَتُ يَمِينًا وَلا شِمَالاً إِلا أَنَا أَرَاهَا تُدَافِعُ دُونِي» .
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ خَرَجَتْ نُسَيْبَةُ يَوْمَ أُحُدٍ وَزَوْجُهَا زَيْدُ بن عَاصِمٍ وَابْنَاهَا: حَبِيبٌ، وَعَبْدُ اللهِ. وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ?: «بَارَكَ اللهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ» . فَقَالَتْ لَهُ نُسَيْبَةُ ﵂: ادْعُ اللهَ أَنْ نُرَافِقَكَ فِي الْجَنَّةِ.
فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي فِي الْجَنَّةِ» .
وَعِندَ ذَلِكَ قَالَتْ ﵂: مَا أُبَالِي مَا أَصَابَنِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهَذِهِ حَقًّا شَجَاعَةٌ مُدْهِشَةٌ لإِمْرَأَةٍ وَقَدْ تَحَمَّلَتْ مَا أَصَابَهَا مِن الْجِرَاحِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهُوَ مَا يَعْجَزُ عَنْ تَحَمُّلَهُ الرِّجَالُ فَضْلاً عَنِ النِّسَاءِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِن الذِّينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ نَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا لِمَا فِيهِ صَلاحُ دِينَنَا وَدُنْيَانَا وَأَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا وَأَكْرِمْ مَثْوَانَا وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَكَانَ الْحَبَّابُ بنُ الْمُنْذِرِ يَحُوشُ الْمُشْرِكِينَ كَمَا تُحَاشُ الْغَنَمُ وَاشْتَمَلُوا عَلَيْه مَرَّةً حَتَّى قِيلَ: قُدْ قُتِلَ.
стр. 3211
ثُمَّ بَرَزَ والسَّيْفُ في يَدِهِ، وَقَدْ افْتَرَقُوا عَنْهُ وَجَعَلَ يَحْمِلُ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَهْرَبُوْنَ.
وَقَامَ زِيَادُ بن السَّكَنِ فِي نَفَرٍ مِن الأَنْصَارِ فَقَاتَلُوا دُونَ رَسُولِ اللهِ ? رَجُلاً ثُمَّ رَجُلاً وَهُمْ يُقْتَلُونَ دُونَهُ حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ زِيَادُ فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحُ فَوَسَّدَهُ رَسُولُ اللهِ ? رِجْلَهُ حَتَّى مَاتَ.
وَمَاتَ مُصْعَبُ بن عُمْيَرٍ دُونَ رَسُولِ اللهِ ? وَهُوَ يَتَلَقَّى عَنْهُ ضَرْبَةً قَدْ سُدِّدَتْ إِلَيْهِ قَتَلَهُ ابنُ قَمِئَةَ وَهُوَ يَحْسِبُهُ رَسُولَ اللهِ وَذَهَبَ يُذِيعُ بَيْنَ الْكُفَّارِ.
وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ دُونَ رَسُولِ اللهِ ? خَلْقٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يُفَدِّيهِ بِنَفْسِهِ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُّوِ حَتَّى يُصْرَعَ.
وَرَوَى الْوَاقِدِي عَنْ سُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ قَالَ: لَقَدْ أُصِيبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ? يَوْمَ أُحُدٍ نَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ كُلُّهُمْ يَجِيءُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الْفِدَاءُ وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ وَعَلَيْكَ سَلامُ اللهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ.
ثُمَّ عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ? لا يَزَالُ حَيًّا فَأَحَاطُوا بِهِ حَتَّى كَشَفُوا عَنْهُ الْعَدُوَّ.
وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللهِ ? كَعْبُ بنُ مَالِكٍ قَالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَزْهُرَانِ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ فَنَادَيْتُ بَأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللهِ ? فَأَشَارَ إِليَّ رَسُولُ اللهِ ? أَنْ أَنْصِتْ.
وَفَاءَتْ إِلى رَسُولِ اللهِ ? جَمَاعَةٌ مِن الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا بِهِ إِلى الشَّعْب فَاحْتَمَى بِهِ مَعْ مَنْ كَانَ يَحْتَمِي هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِهِ.
стр. 3212
وَنَهَضَ رَسُولُ اللهِ ? إِلى صَخْرَةٍ مِنْ الْجَبَلِ لِيَعْلُوهَا فَلَمْ يَقْدِرْ لِكُثْرَةِ النَّزِيفِ الذِي خَرَجَ مِن الْجِرَاحِ فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ فَنَهَضَ بِهِ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا.
وَحَانَتْ الصَّلاةُ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَصَارَ رَسُولُ اللهِ ? ذَلِكَ الْيَوْمِ تَحْتَ لِوَاءِ الأَنْصَارِ وَشَدَّ حَنْظَلَةُ الْغَسِيلُ - وَهُوَ حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ - عَلَى أَبِي سُفْيَان. فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ حَمَلَ عَلَى حَنْظَلَةَ شَدَادُ بنُ الأَسْوَدِ فَقَتَلَهُ وَكَانَ جُنَبًا. فَإِنَّهُ سَمَعَ الصَّيْحَةَ وَهُوَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ إِلى الْجِهَادِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ? أَصْحَابَهُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ تُغَسِّلُهُ ثُمَّ قَالَ: «سَلُوا أَهْلَهُ مَا شَأْنُهُ» . فَسَأَلُوا امْرَأَتَهُ فَأَخْبَرَتْهُمْ الْخَبَرَ. وَعِنْدَمَا امْتَدُّوا صُعُودًا فِي الْجَبَلِ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ? أُبَيَّ بن خَلَفٍ عَلَى جَوَادٍ لَهُ اسْمَه الْعَوْدُ كَانَ يُطْعِمُهُ فِي مَكَّةَ وَيَقُولُ أَقْتُلُ عَلَيْهِ مُحَمَّدًا، فَلَمَا سَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ?، قَالَ: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهِ» . فَلَّمَا أَدْرَكَهُ تَنَاوَلَ ?؛ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ، وَطَعَنَ بِهَا عَدُّوَ اللهِ فِي تَرْقُوَتِهِ فَكَرَّ عَدُو اللهُ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: وَاللهِ مَا بِكَ مِنْ بَأْسٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ كَانَ مَا بِي بَأَهْلِ الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ، وَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ بِسَرِفٍ مَرْجِعَهُ إِلى مَكَّة.
وَقَالَ ابنُ عُمَرَانِي لأَسِيرُ بِبَطْنِ رَابِغٍ بَعْدَ هُوِي مِن اللَّيْلِ إِذَا نَارَ تَأَجَّجَ لِي فيَمَّمْتُهَا فَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَصِيحُ: الْعَطَش الْعَطَش وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: لا تَسْقِهِ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللهِ ? هَذَا أُبِيُّ بنُ خَلَفٍ.
وَظَنَّ الْمُشْرِكُونَ أَنَّهُمْ قَدْ انْتَقَمُوا لِيَوْمِ بَدْرٍ وَشَفُوا نُفُوسَهُمْ وَأَخَذَتِ الْمَعْرَكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَهْدَأُ حِدَّتُهَا وَتَخْمُدُ حَرَارَتُهَا، فَانْحَازَ الْمُشْرِكُونَ إِلى مُعَسْكَرَهِمْ، وَشُغِلُوا بِدَفْنِ قَتْلاهُمْ، وَأَخَذَتْ نِسَاؤُهُمْ يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمُثِّلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بِحَمْزَةَ ﵁ أَفْظَعَ تَمْثِيلَ حَتَّى
стр. 3213
بَقَرَتْ بَطْنَهُ وَأَخْرَجَتْ كَبِدَهُ وَلاكَتْهَا فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَنْ تُسِيغَهَا وَلَفَظَتْهَا.
وَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ? بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ تَأَثَّرَ تَأْثُّرًا شَدِيدًا وَقَالَ ?: «لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا وَمَا وَقَفْتُ قَطُ مَوْقِفًا أَغْيَظُ مِنْ هَذَا» .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «أَكَلْتْ شَيْئًا» . قَالُوا: لا. قَالَ: «مَا كَانَ اللهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِنْ حَمْزَةَ فِي النَّارِ» .
وَقَالَ ? لِوَحْشِي الذِي قَتَلَ حَمْزَةَ: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي» . قَالَ وَحْشِي: فَخَرَجْتُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ? وَخَرَجَ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابُ قُلْتُ لأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأْكَافِئُ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ.
قَالَ ابن هِشَامٍ: فَبَلَغَنِي أَنَّ وَحْشِيًا لَمْ يَزَلْ يُحَدُّ فِي الْخَمْرِ حَتَّى خُلِعَ مِن الدِّيوَانِ.
فَكَانَ عُمَرُو بنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ قَاتِلَ حَمْزَةَ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِي بِإسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ قَالَ: كُنْتُ أَعْجَبُ لِقَاتِلِ حَمْزَةَ كَيْفَ يَنْجُو حَتَّى أَنَّهُ مَاتَ غَرِيقًا فِي الْخَمْرِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن جَحْشٍ بن خُزَيْمَةَ الأَسَدِيُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ تَرَى، وَقَدْ سَأَلْتُ اللهَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، فَيَقْتُلُونَنِي، وَيَبْقُرُونَنِي وَيُمَثِّلُونَ بِي، فَأَلْقَاكَ مَقْتُولاً قَدْ صَنَعَ هَذَا بِي فَتَقُولُ: فِيمَ صُنِعَ هَذَا بِكَ، فَأَقُولُ فِيكَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَخْرَى، أَنْ
стр. 3214
تَلِي تَرِكَتِي مِنْ بَعْدِي، فَقَالَ: نَعَمْ فَخَرَجَ، حَتَّى قُتِلَ، وَمُثِّلَ بِهِ وَدُفِنَ هُوَ وَحَمْزَةُ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
وَوَلِيَ تَرِكَتَهُ رَسُولُ اللهِ ? فَاشْتَرَى لابْنِهِ مَالاً بِخَيْبَرَ، فَأَقْبَلَتْ أُخْتُهُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ?: «يَا حَمْنَةُ احْتَسِبِي» . قَالَتْ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «خَالَكَ حَمْزَةَ» . قَالَتْ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، غَفَرَ اللهُ لَهُ وَرَحَمَهُ هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ.
ثُمَّ قَالَ لَهَاَ: «احْتَسِبِي» . قَالَتْ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ» . قَالَتْ: وَأحَزَنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَقْرَاهْ، فَقَالَ ?: «إِنَّ لِلزَّوْجِ مِنْ الْمَرْأَةِ مَكَانًا مَا هُوَ لأَحَدٍ» .
ثُمَّ قَالَ لَهَا: «لِمَ قُلْتَ هَذَا» . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتُ يُتْمَ بَنِيهِ فَرَاعَنِي، فَدَعَا رَسُولَ اللهِ ? لِوَلَدِهِ أَنْ يُحْسِنَ عَلَيْهِمُ الْخَلَفُ فَتَزَوَّجَتْ طَلْحَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بنَ طَلْحَةَ، فَكَانَ أَوْصَلَ النَّاسِ لِوَلَدِهَا، وَكَانَتْ حَمْنَةُ خَرَجَتْ يَوْمَئِذٍ إِلى أُحُدٍ مَعَ النِّسَاءِ يَسْقِينَ الْمَاءَ ﵂ وَأَرْضَاهَا.
شِعْرًا:
تَبَارَكَ مَنْ عَمَّ الْوَرَى بِنَوَالِهِ
وَأَوْسَعَهُمْ فَضْلاً بِإِسْبَاغِ نِعْمَةِ
وَقَدَّرَ أَرْزَاقًا لَهُمْ وَمَعَايِشًا
وَدَبَّرَهُمْ فِي كُلِّ طَوْرٍ وَنَشْأَةِ
أَحَاطَ بِهِمْ عِلْمًا وَأَحْصَى عَدِيدَهُمْ
وَصَرَّفَهُمْ عَنْ حِكْمَةٍ وَالْمَشِيئَةِ
стр. 3215
وَللهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْهُمْ
بِكُلِّ زَمَانٍ كَمْ مُنِيبٍ وَمُخْبِتِ
وَكَمْ سَالِكٍ كَمْ نَاسِكٍ مُتَعَبِّدٍ
وَكَمْ مُخْلِصٍ فِي غَيْبِهِ وَالشَّهَادَةِ
وَكَمْ صَابِرٍ كَمْ صَادِقٍ مُتَبَتِّلٍ
إِلى اللهِ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَنِيَّةِ
وَكَمْ قَانِتٍ أَوَّابَ فِي غَسَقِ الدُّجَى
مِنَ الْخَوْفِ مَحْشُو الْفُؤَادِ وَمُهْجَةِ
يُنَاجِي بِآيَاتِ الْقُرْآنِ إِلَهَهُ
بِصَوْتٍ حَزِينٍ مَعْ بُكَاءٍ وَخَشْيَةِ
وَكَمْ ضَامِرِ الأَحْشَاءِ يَطْوِي نَهَارَهُ
بِحَرِ هُجَيْرٍ مَا تَهَنَّا بشَرْبَةِ
وَكَمْ مُقْبِلٍ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ
عَلَى طَاعَةِ الْمَوْلَى بِجَدٍّ وَهِمَّةِ
وَكَمْ زَاهِدٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ مُعْرِضٍ
وَمُقْتَصِرٍ مِنْهَا عَلَى حَدِ بُلْغَةِ
تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا لَهُ وَتَزَخْرَفَتْ
فَغَضَّ وَلَمْ يَغْتَرَّ مِنْهَا بِزِينَةِ
وَكَمْ عَالِمٍ بِالشَّرْعِ للهِ عَامِلٌ
بِمَوْجَبِهِ فِي حَالِ عُسْرٍ وَيُسْرَةِ
وَكَمْ آمرٍ بِالرُّشْدِ نَاهٍ عَنْ الرَّدَى
стр. 3216
.. سَرِيعٍ إِلى الْخَيْرَاتِ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةِ
فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَعِيدًا مُوَفَّقًا
وَتَحْظَى بِفَوْزٍ عِنْدَ نَشْرِ الصَّحِيفَةِ
فَحَافِظْ عَلَى الْمَفْرُوضِ مِنْ كُلِّ طَاعَةٍ
وَأَكْثِرْ مِنَ النَّفْلِ الْمُفِيدِ لِقُرْبَةِ
بِكُنْتُ لَهُ سَمْعًا إِلى آخِرِ النَّبَا
عَنِ اللهِ فِي نَصِّ الرَّسُولِ الْمُثَبَّتِ
وَكُنْ فِي طَعَامٍ وَالْمَنَامِ وَخُلْطَةٍ
وَنُطْقٍ عَلَى حَدِّ اقْتِصَارٍ وَقِلَّةِ
وَجَالِسْ كِتَابِ اللهِ وَاحْلُلْ بِسَوْحِهِ
وَدُمْ ذَاكِرًا فَالذِّكْرُ نُورُ السَّرِيرَةِ
عَلَيْكَ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالَةٍ
وَباِلْفِكْرِ إِنَّ الْفِكْر كُحْلُ الْبَصِيرَةِ
وَكُنْ أَبَداً فِي رَغْبَةٍ وَتَضَرُّعٍ
إِلى اللهِ عَنْ صِدْقِ افْتِقَارٍ وَفَاقَةِ
وَوَصْفِ اضْطِرَارٍ وَانْكِسَارٍ وَذِلَةٍ
وَقَلْبٍ طَفُوحٍ بِالظُّنُونِ الْجَمِيلَةِ
وَبَعْدُ فَإِنَّ الْحَقَّ أَفْضَل مَسْلَكٍ
سَلَكْتَ وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ بِضَاعَةِ
وَمَنْ ضَيَّعَ التَّقْوَى وَأَهْمَلَ أَمْرِهَا
تَغَشَتْهُ فِي الْعُقْبَى فُنُونُ النَّدَامَةِ
стр. 3217
وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا قُصَارَى مُرَادِهِ
فَقَدْ بَاءَ بالْخُسْرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَاعَةِ اللهِ شُغْلُهُ
عَلَى كُلِّ حَالٍ لا يَفُوزُ بِبُغْيَةِ
وَمَنْ أَكْثَرُ الْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ
فَذَاكَ طَرِيحٌ فِي فَيَافِي الْغِوَايَةِ
بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ حَلَّ بِهِ الْبَلا
وَوَاجَهَهُ الْخُذْلانُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةِ
عَجِبْتُ لِمَنْ يُوصِي سِوَاهُ وَإِنَّهُ
لأَجْدَرُ مِنْهُ بِاتِّبَاعِ الْوَصِيَّةِ
يَقُولُ بِلا فِعْلٍ وَيَعْلَمُ عَامِلاً
عَلَى ضِدِّ عِلْمٍ يَا لَهَا مِنْ خَسَارَةِ
عُلُومٌ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ تَلاطَمَتْ
وَأَعْمَالُهُ فِي جَنْبِهَا مِثْلُ قَطْرَةِ
وَقَدْ أَنْفَقَ الأَيَّامَ فِي غَيْرِ طَائِلٍ
كَمِثْل اللَّيَالِي إِذَا تَقَضَّتْ وَوَلَّتِ
عَلَى السَّوْفِ وَالتَّسْوِيفِ شَرُّ مُصَاحِبٍ
وَقَوْلِ عَسَى عَنْ فَتْرَةِ وَبَطَالَةِ
تَنَكَّبَ عَجْزًا عَنْ طَرِيقِ عَزِيمَةٍ
وَمَالَ لِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ وَرُخْصَةِ
стр. 3218
يَهِمُّ بِلا جَدٍّ وَلَيْسَ بِنَاهِضٍِ
عَلَى قَدَمِ التَّشْمِيرِ مِنْ فَرْطِ غَفْلَةِ
وَقَدْ سَارَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَهُوَ مُخَلَّفُ
وَقَدْ ظَفِرُوا بِالْقُرْبِ مِنْ خَيْر حَضْرَةِ
وَقَدْ أَدْرَكُوا الْمَطْلُوبَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ
بِقَيْدِ الأَمَانِي وَالْحُظُوظِ الْخَسِيسَةِ
وَلَمْ يَنْتَهِزْ مِنْ فَائِتِ الْعُمْرِ فُرْصَةً
وَلَمْ يَغْتَنِمْ حَالِي فَرَاغٍ وَصِحَّةِ
وَلَمْ يَخْشَى أَنْ يَفْجَأهُ مَوْتٌ مُجَهِّزٌ
فَإِنَّ مَجِيءَ الْمَوْتِ غَيْرُ مُؤَقَّتِ
وَلَمْ يَتَأَهَّبْ لِلرُّجُوعِ لِرَبِّهِ
وَلَمْ يَتَزَوَّدْ لِلطَّرِيقِ الْبَعِيدَةِ
وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمَوْتُ وَالْقَبْرُ وَالْبَلَى
وَبَعَثٌ وَمِيزَانٌ وَأَخْذُ الصَّحِيفَةِ
وَجَسْرٌ عَلَى مَتْنِ الْجَحِيمِ وَمَوْقِفٌ
طَوِيلٌ وَأَحْوَالُ الْحِسَابِ الْمَهُولَةِ
وَلَكِنَّهُ يَرْجُو الذِي عَمَّ جُودُهُ
وَإِحْسَانُهُ وَالْفَضْلُ كُلَّ الْخَلِيقَةِ
إِلَهٌ رَحِيمٌ مُحْسِنٌ مُتَجَاوِزٌ
إِلَيْهِ رُجُوعِي فِي رَخَائِي وَشِدَّتِي
стр. 3219
غِيَاثِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي
وَمِنْهُ أَرْجَى كَشْفُ ضُرِّي وَمِحْنَتِي
فَيَا رَبُّ ثَبِتْنَا عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى
وَيَا رَبَّنَا اقْبِضْنَا عَلَى خََيْرِ مِلَّةِ
وَعُمَّ أُصُولاً وَالْفُرُوعَ بِرَحْمَةٍ
وَأَهْلاً وَأَصْحَابًا وَكُلَّ قَرَابَةِ
وَسَائِرَ أَهْلِ الدِّينِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ
أَقَامَ لَكَ التَّوْحِيدَ مِنْ غَيْرِ رِيبَةِ
وَصَلِّ وَسَلِّمْ دَائمِ الدَّهْرِ سَرْمَدَا
عَلَى خَيْرِ مَبْعُوثٍ إِلى خَيْرِ أُمَّةِ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ عَمَّ الْعِبَادِ فَضْلُهُ وَنَعْمَاؤُهُ وَوَسِعَ الْبَرِيَّةَ جُودُهُ وَعَطَاؤُهُ نَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا لاِمْتِثَالِ أَمْرِكَ وَاجْتِنَابِ نَهْيِكَ وَأَنْ تُلْهِمَنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَأَنْ تَرْزُقْنَا حُبَّكَ وَحَبُّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ الْعَمَلِ الذِي يُقَرِّبُنَا إِلى حُبِّكَ وَاغْفِرْ لَنَا.
اللَّهُمَّ وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وفي الآخِرةِ، واجْعَلْنَا هُدَاة مُهْتَدينَ وَتَوفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ مَشَى أَبُو سُفْيَانَ يَتَفَقَّدُ الْقَتْلَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيَتَعَرَّفُ وُجُوهَهُمْ، فَلَمَّا وَجَدَ حَمْزَةَ صَرِيعًا بَيْنَهُمْ، جَعَلَ يَضْرِبُ فِي شِدْقِهِ بِكَعْبِ الرُّمْحِ، وَيَقُولُ: ذُقْ عَقَقٌ، فَرَآهُ الْحُلَيْسُ سَيِّدُ الأَحَابِيشِ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بابْنِ عَمِّهِ، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَاسْتَحْيَا أَبُو سُفْيَانِ مِنْ هَذِهِ الزَّلَةِ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُمَهَا عَلَيْهِ، وَلا يُذِيعُهَا فِي النَّاسِ، لأَنَّهَا سَخَافَةٌ وَسَمَاجَةٌ وَقَضَا
стр. 3220
عَاجِزٍ وَكَانَ هَمُّ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يَجِدَ رَسُولَ اللهِ ? فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْهُ بَيْنَهُمْ، أَخَذَ الشَّكُ يُخَامِرُهُ فِي أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَذَهَبَ إِلى نَاحِيَةِ الشَّعْبِ الذي اعْتَصَمَ بِهِ الرَّسُولُ ? وَأَصْحَابُهُ، وَجَعَلَ يُنَادِي: أَفِيكُمُ مُحَمَّدٌ، أَفِيكُمْ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، أَفِيكُمْ ابنُ الْخَطَّابِ، فَنَهَى رَسُولُ اللهِ ? أَنْ يُجِيبُوهُ، فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِن الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا هَؤُلاءِ فَقَدْ كَفَيْتُمُوهمْ، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ: كَذَبْتَ وَاللهِ يَا عَدُوَّ الله، قَدْ أَبْقَى اللهُ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَكَأَنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَذِرَ مِمَّا فَعَلَتْ نِسَاءُ قُرَيْشٍ بِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ جَعَلَ يَرْتَجِزْ قَائِلاً نِعْمَتْ فِعَالُ، إِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، أَعْلُ هَبْلْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «قُولُوا له: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا الْعُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: «قُولُوا له؛ اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ» . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُولُوا لَهُ: «لا سَوَاءَ قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاكُمْ فِي النَّارِ» .
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ? بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُدْفَنَ الْقَتْلَى حَيْثُ صُرِعُوا وَقَالَ لُفُّوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ، وَدِمَائِهِمْ، وَجِرَاحِهِمْ ... وَانْظُرُوا أَيَّهُمْ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ، فَإِذَا أَشَارُوا إِلى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ.
وَكَانَ يَدْفُنُ الاثْنِيْنِ، وَالثَّلاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ يَومَئِذٍ مِن الإِعْيَاءِ وَالضَّعْفِ، وَالْجِرَاحِ، فَيَعْجَزُوا أَنْ يَحْفُرُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ قَبْرًا، وَدُفِنَ عَبْدُ اللهِ بن عَمْرِو بن حَرَامٍ، وَعَمْرُو ابنُ الْجَمُوح في قَبْرٍ وَاحِدٍ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: «ادْفُنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ حُفِرَ عَنْهُمَا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَيَدُ عَبْدُ اللهِ بن حرَامٍ عَلَى جِرَاحَتِهِ كَمَا
стр. 3221
وَضَعَهَا حِينَ جُرِحَ، فَأَمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جِرَاحَتِهِ، فَانْبَعَثَتْ الدَّمْ فَرُدَّتْ إِلى مَكَانِهَا، فَسَكَنَ الدَّمُ وَمَا تَغَيَّرَ مِنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلا كَثِيرٌ، قِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْت أَكْفَانَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ بِهَا وَجْهَهُ وَعَلى رِجْلِيْهِ الْحَرْمَلِ فَوُجَدِتِ النَّمِرَةُ كَمَا هِيَ وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ عَلَى هَيْأَتِهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ الله ? مِنْ دَفْنِ أَصْحَابِهِ رَكِبَ فَرَسَهُ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ والْمُسْلِمُونَ مِنْ حَوْلِهِ، أَكْثَرُهُمْ جَرْحَى، يَتَحَامَلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا بِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُهْدِ، وَيَتَلاوَمُونَ عَلَى الزَّلَةَ وَيَتَجَاوَزَ لَهُمْ عَنْهَا.
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللهِ ? إِلى الْمَدِينَةِ، وَجَدَ النِّسَاءَ عِنْدَ بَابِهَا يَبْكِينَ قَتْلاهُنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ مُقْبِلاً نَسِينَ مَا هُنَّ فِيهِ مِن الْحُزْنِ، وَأَسْرَعْنَ إِلَيْهِ، يَنْظُرْنَ إِلى سَلامَتِهِ، فَلَمَّا رَأَينَهُ فِي سَلامَةٍ، هَانَتْ عَلَيْهِنَّ الْمُصِيبَةُ.
وَجَاءَتْ أُمُ سَعْدِ بن مُعَاذٍ تَعْدُو نَحْوَهُ، وَتَتَأَمَّلُهُ حَتَّى إِذَا اطْمَأَنَّتْ عَلَى سَلامَتِهِ، قَالَتْ: أَمَّا إِذَا رَأَيْتُكَ سَالِمًا فَقَدْ اشْوَتِ الْمُصِيبَةُ فَعَزَّاهَا رَسُولُ اللهِ ? بِابْنِهَا عَمْرِو بن مُعَاذٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: «يَا أُمَّ سَعْدٍ، أَبْشِري وَبَشِّرِي أَهْلِيهِمْ أَنَّ قَتْلاهُمْ تَرَافَقُوا فِي الْجَنَّةِ جَمِيعًا» . قَالَتْ: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ، وَمَنْ يَبْكِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ هَذَا.
ثُمَّ قَالَتْ: ادْعُ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ خَلَّفُوا، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَذْهِبْ حُزْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْبُرْ مُصِيبَتَهُمْ، وَأَحْسِنْ الْخَلَفَ عَلَى مَنْ خَلَّفُوا ثُمَّ عَزَمَ رَسُولُ اللهِ ? عَلَى أَصْحَابِهِ، مِن الْجَرْحَى أَنْ يَرْكَنُوا إِلى بُيُوتِهِمْ، وَلِيُدَاوُوا جِرَاحَهُمْ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ كُلُّ مَجْرُوحٍ، وَبَاتُوا يُوقِدُونَ النَّارَ، وَيُكَمِّدُونَ بِهَا الْجِرَاحَ.
стр. 3222
وَمَضَى ?، حَتَّى جَاءَ بَيْتَهُ، فَمَا نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ إِلا حَمْلاً، ثُمَّ مَشَى يَتَحَامَلُ عَلَى السَّعْدَيْنِ، سَعْدِ بن عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بن مُعَاذٍ، حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، فَلَمَّا أَذَّنَ بِلالٌ لِصَلاةِ الْمَغْرِب خَرَجَ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ، يَتَوَكَّأُ عَلَى السَّعْدَيْنِ، فَصَلَّى ثُمَّ عَادَ إِلى بَيْتِهِ، وَبَاتَ وُجُوهُ الأَوْسِ، وَالْخَزْرَجِ عَلَى بَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ، يَحْرِسُونَهُ، مَخَافَةَ أَنْ تَكِرَّ قُرَيْشٌ، وَهُمْ غَافِلُونَ.
وَقَالَ كَعْب بن مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَة بن عَبْدِ الْمُطَّلِب:
طَرَقَتْ هُمُومُكَ فَالرُّقَادُ مُسَهَّدُ ... وَجَزِعْتَ أَنْ سُلِخَ الشَّبَابُ الأَغْيَدُ
وَدَعَتْ فُؤَادَكَ لِلْهَوَى ضَمَرِيَّةٌ ... فَهَوَاكَ غُورِيٌّ وَصَحْبُكَ مُنْجِدُ
فَدَعِ التَّمَادِيَ في الْغَوايَةِ سَادِرًا ... قَدْ كُنْتَ في طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ
وَلَقَدْ أَتَى لَكَ أنْ تَنَاهِيَ طَائِعًا ... أَوْ تَسْتَفِيقُ إِذَا نَهَاكَ الْمُرْشِدُ
وَلَقَدْ هُدِدْتُ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هُدَّةً ... ظَلَّتْ بَنَاتْ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعُدُ
وَلَوَ أنَّهُ فَجِعَتْ حِراءُ بِمِثْلِهِ ... لَرَأَيْتَ رَأْسَيْ صَخْرِهَا يَتَبَدَّدُ
قَرْمٌ تَمَكَّنَ فِي ذُئَوَابَةِ هَاشِمٍ ... حَيْثُ النُّبُوَّةُ وَالنَّدَى وَالسُّؤْدُدُ
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلادَ إِذَا غَدَتْ ... رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ
وَالتَّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيَّ مُجَدَّلاً ... يَوْمَ الْكَرِيهَةِ والْقَنَا يَتَفَصَّدُ
وتَراهُ يَرْفُلُ في الحديدِ كَأَنَّهُ ... ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ البراثِنِ أَرْبَدُ
عَمُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَصَفِيُّهُ ... وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدُ
وَأَتَى الْمَنِيَّةَ مُعَلِمًا فِي أُسْرَةٍ ... نَصَرُوا النَّبِيَّ ومِنْهُمُ الْمُسْتَشْهِدُ
ولَقَدْ أخالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشِّرَتْ ... لتُميتَ داخِلَ غُصَّةٍ لا تَبْرُدُ
مِمّا صَبَحْنَا بالعَقَنْقَلِ قَوْمَهَا ... يَوْمًا تَغيَّبَ فيهِ عَنْها الأَسْعَدُ
وبِبِئرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدُّ وُجُوهَهُمْ ... جِبْريلُ تَحْتَ لوائِنا وَمُحَمَّدُ
حَتَّى رَأَيْتُ لَدَى النَّبيِّ سَرَاتَهُمْ ... قِسْمَيْنِ نَقتُلُ مَنْ نَشَاء وَنَطْرُدُ
стр. 3223
فأقامَ بالعَطَنِ المُعَطَّنِ مِنْهُمُ ... سَبْعُونَ عُتْبةُ مِنْهُمُ وَالأَسْوَدُ
وابنُ المغيرَةِ قَدْ ضَرَبْنا ضَرْبَةً ... فوقَ الوريدِ لها رَشاشٌ مُزْبِدُ
وَأُمَيَّةُ الْجُمَحيُّ قَوَّمَ مَيْلَهُ ... عَضْبٌ بأيدي المؤمنينَ مُهَنَّدُ
فَأَتَاكَ فل الْمُشْرِكِينَ كَأَنَّهُمْ ... وَالْخَيْلُ تَثْفُنُهمْ نَعامٌ شُرَّدُ
شتَّانَ مَنْ هُوَ في جَهَنَّمَ ثَاوِيًا ... أَبَدًا وَمَنْ هُوَ في الجِنانِ مخلَّدُ
شتَّانَ مَنْ هُوَ في جَهَنَّمَ ثَاوِيًا ... أَبَدًا وَمَنْ هُوَ في الجِنانِ مخلَّدُ
وَقَالَ كَعْب بن مَالِكٍ يُجِيبُ هَبِيرَة بن أبي وهب:
ولكنْ بِبَدْرٍ سَائِلوا مَنْ لَقِيتُمُ ... مِنَ النّاسِ والأنبَاءُ بالغَيْبِ تَنْفَعُ
وَإِنَّا بِأَرْضِ الخَوفِ لَو كَانَ أهْلُهَا ... سِوَانَا لَقَدْ أَجْلُوا بِلَيْلٍ فأقشَعُوا
إذا جَاءَ منّا رَاكبٌ كانَ قولُهُ ... أَعِدّوا لِما يُزْجي ابنُ حرْبٍ ويجمَعُوا
فَمَهْمَا يُهِمُّ النّاسَ مِمّا يُكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ من سَائِرِ النّاس أَوْسَعُ
فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا تَكِيدُهُ الـ ... ـبَرِيّةُ قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَرَّعُوا
نُجَالِدُ لا تبغى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ ... مِنَ النّاسِ إلاّ أَنْ يَهانُوا وَيَفْظَعُوا
وَلَمّا ابتَنَوا بالْعِرْضِ قَالَت سَيُوفَنَا ... عَلاَمَ إِذَا لَمْ نَمْنَعِ العِرْضَ نزرَعُ
وَفِينَا رسولُ اللهِ نَتْبَعُ أمْرَهُ ... إِذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لا نَتَظَلَّعُ
تَدَلَّى عَلَيْهِ الرَّوحُ مِنْ عند ربّهِ ... يُنزَّلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ ويُرفَعُ
نَشَاوره فِيمَا نُرِيد وَقصرنا ... إِذَا مَا اشْتَهَى أَنَا نُطِيع وَنَسْمَعُ
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمّا بدوا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ المنيَّاتِ وَاطْمَعُوا
وَكُونُوا كَمَنْ يَشْرِي الحياةَ تَقرّبًا ... إلى ملِكٍ يُحيِي لَدَيْهِ ويُرجَعُ
ولكنْ خُذوا مِيثَاقَكُمْ وَتَوَكَّلُوا ... عَلَى اللهِ إنَّ الأمْرَ للهِ أجمعُ
فَسِرْنَا إليهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالِهِمْ ... ضُحيًّا عَلَيْنَا الْبيضُ لا نتخشَّعُ
стр. 3224
.. بِمَلْمُومَةٍ فِيهَا السَّنَوَّرُ والقَنَا ... إِذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَها لا تورّعُ
فجئنَا إلى مَوجٍ من الْبَحْرِ وَسْطَهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمقنّعُ
ثَلاثةُ آلافٍ وَنَحْنُ عِصَابَة ... ثَلاَثُ مِئينٍ إنْ كَثُرْنَا فَأَرْبعُ
نُغَوِرُهُم تجري الْمنيّةُ بَيْنَنَا ... نُشارِعُهُمْ حوضَ الْمَنَايا ونَشْرَعُ
تَهَادَى قِسِيُّ النبعِ فينا وفيهِمُ ... وَمَا هو إلاَّ اليَثْرِبيُّ المُقَطَّعُ
ومَنْجُوفةٌ حِرْمِيَّةٌ صَاعِديَّةٌ ... يُذَرُّ عليها السّمُّ سَاعةَ تَصْنَعُ
تَصُوبُ بأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً ... تمرُّ بأَعراضِ البَصَارِ تَقَعْقَعُ
وقال حسان بن ثابت:
عَرَفتَ دِيارَ زَينَبَ بِالكَثيبِ ... كَخَطِّ الوَحَى في الورَق القَشيبِ
تَداوَلها الرِياحُ وَكُلُّ جَونٍ ... مِنَ الوَسمِيِّ مُنهَمِرٍ سَكوبِ
فَأَمسى رَسمُها خَلَقًا وَأَمسَت ... يَبابًا بَعدَ ساكِنِها الحَبيبِ
فَدَع عَنكَ التَذَكُّرَ كُلَّ يَومٍ ... وَرُدَّ حَرارَةَ الصَدرِ الكَئيبِ
وَخَبِّر بِالَّذي لا عَيبَ فيهِ ... بِصِدقٍ غَيرِ إِخبارِ الكَذوبِ
بِما صَنَعَ المَليكُ غَداةَ بَدرٍ ... لَنا في المُشرِكينَ مِنَ النَصيبِ
غَداةَ كَأَنَّ جَمعَهُمُ حِراءٌ ... بَدَت أَركانُهُ جُنحَ الغُروبِ
فَلاقَيناهُمُ مِنّا بِجَمعٍ ... كَأُسدِ الغابِ مُردان وَشيبِ
أَمامَ مُحَمَّدٍ قَد وازَرورهُ ... عَلى الأَعداءِ في لفح الحُروبِ
بِأَيديهِم صَوارِمُ مُرهَفاتٌ ... وَكُلُّ مُجَرَّبٍ خاطي الكُعوبِ
بَنو الأَوسِ الغَطارِفِ آزَرَتها ... بَنوا النَجّارِ في الدينِ الصَليبِ
فَغادَرنا أَبا جَهلٍ صَريعًا ... وَعُتبَةَ قَد تَرَكنا بِالجَبوبِ
وَشَيبَةَ قَد تَرَكنا في رِجالٍ ... إِذا نَسَبُوا ذَوي حَسَبٍ حَسيبِ
стр. 3225
.. يُناديهِم رَسولُ اللَهِ لَمّا ... قَذَفناهُم كَباكِبَ في القَليبِ
وقال كعب بن مالك أيضًا في يوم أحد:
سَائِلْ قريشًا غداةَ السَّفْحِ مِنْ أُحُدِ ... ماذا لَقِينا وما لاقوا من الهَرَبِ
كنّا الأُسُودَ وكانوا النُّمورَ إذ زَحَفُوا ... ما أنْ نراقِبْ مِنْ إلّ ولا نَسَبِ
فَكَمْ تَرَكْنا بِها مِنْ سَيِّدٍ بَطَلٍ ... حامي الذِمارِ كريمِ الجَدّ والحَسبِ
فِينا الرسُولُ شِهابٌ ثُمَّ نَتْبَعُهُ ... نُورٌ مُضيءٌ لَهُ فَضْلٌ على الشُّهُبِ
الحَقُّ مَنْطِقُهُ والعَدْل سِيرَتُهُ ... فَمَنْ يُجبْهُ إليهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ
نَجْدُ المقدَّمِ ماضي الهمِّ مُعْتَزِمٌ ... حينَ القلوبُ على رجب منَ الرُّعُبِ
نَمْضي ويذْمرُنَا مِنْ غيرِ مَعْصِيةٍ ... كأَنَّه البَدْرُ لم يُطْبَعْ على الكَذِبِ
بَدَا لنا فاتَّبَعْناهُ نُصَدِّقُهُ ... وَكَذَّبوه فكُنَّا أسْعَدَ العَربِ
جالُوا وجُلْنا فَمَا فَاءوا وَلا رَجَعوا ... ونَحْنُ نَثْفُنُهُمْ لَمْ نَأْلُ في الطلبِ
ليسَا سواءً وشتَّى بين أمِرهمَا ... حِزْبُ الإلهِ وأهْلُ الشِّركِ والنُّصبِ
ولكعب بن مالك:
بَكَتْ عَيْني وحُقَّ لَهَا بُكَاهَا ... وَمَا يُغنِي البُكَاءُ ولا العَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الإله غَدَاةَ قالوا ... أحمزةُ ذَاكُمُ الرّجُلُ القَتِيلُ
أُصِيبَ المُسْلِمُونَ بِهِ جميعًا ... هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بهِ الرّسُولُ
أبَا يَعْلَى لكَ الأَرْكَانُ هُدَّتْ ... وأَنْتَ المَاجِدُ البَرُّ الوَصُولُ
عليكَ سَلاَمُ رَبِّكَ في الجِنَانٍ ... مُخالِطُهَا نعيمٌ لا يَزولُ
ألا يَا هَاشِمَ الأخْيَارِ صَبْرًا ... فكُلُّ فِعالِكُمْ حَسَنٌ جميلُ
رَسُولُ اللهِ مصطبرٌ كَرِيمٌ ... بأمْرِ اللهِ ينطقُ إذْ يَقُولُ
ألاَ مَنْ مُبَلغٌ عنّي لؤيًّا ... فَبَعْدَ اليومِ دَائِلَةٌ تَدُولُ
وقبلَ اليومِ ما عَرَفُوا وَذَاقُوا ... وَقَائِعُنَان بِهَا يُشفَى الغَلِيلُ
следующие страницы →