← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

مَفَاتِيحِ ذَلِكَ الْحِصْنِ فَقَدْ كَانَ مَظْهَرُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ وَهُمْ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَفِي ائْتِلافِهِمْ وَتَضَامُنِهم وَفِي حُسْنِ انْقِيَادِهِمْ وَدِقَّةِ نِظَامِهِمْ وَفِي صِدْقِ مَحَبَّتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي عَظِيمِ حَمَاسَتِهِمْ لِدِينِهم وَشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِآدَابِهِ وَفِي بَالِغِ تَقْدِيسِهِمْ لِلْبَيْتِ وَتَعْظِيمِ حُرُمَاتِهِ وَفِي كُلِّ مَا كَانُوا يُؤدُّونهُ مِنْ شَعَائِرِ هَذِهِ الْعُمْرَةِ وَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَمَاسَةِ وَهَذِهِ الأَلْفَةِ وَهَذَا النِّظَامِ وَهَذَا التَّرَفُّع عَنْ كُلِّ مَا يَشِينُ أَخْلاقَ الرِّجَالِ كَانَ مَظْهَرُ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ هَذَا مَظْهَراً هَزَّ نُفُوسَ أَهْلِ مَكَّةِ هَزّاً عَنِيفاً وَلَمَسَ مَكَانَ الْعَقِيدَةِ مِنْ قُلُوبِهِمْ فَزَلْزَلَهَا زِلْزَالاً شَدِيداً فَأَخَذُوا يَنْظُرُونَ إِلى الْمُسْلِمِينَ نَظْرَةَ الإِعْجَابِ وَالإِكْبَارِ وَالإِعْظَامِ وَيَنْظُرُونَ إِلى الإِسْلامِ نَظْرَةَ التَّفْكِيرِ وَالتَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَهُّمْ وَجَعَلُوا يُقَارِنُونَ بَيْنَ هَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ دِين وَعَقِيدَةٍ وَمِنْ تَقَالِيدَ لا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ سَلِيمٌ ولا يُقِرُّهَا مَنْطِقٌ وَيُوَازِنُونَ بَيْنَ هَذِهِ الشَّعَائِر الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُسْلِمُونَ فِي خُشُوعٍ وَانْسِجَامٍ وَخُضُوعٍ وَاطْمِئْنَانٍ وَبَيْنَ مَا يَفْعَلُونَ هُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ مِنْ لَغْوٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ وَبَاطِلٍ وَمَا يَقُومُونَ بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ مِنْ مُكَاءٍ وَتَصْدِيَةٍ - أَي صَفِيرٍ وَتَصْفِيقٍ -. نَعَمْ أَخَذُوا يَنْظُرُونَ وَيَتَفَكَّرُونَ فَوَجَدُوا فَرْقاً شَاسِعاً، وَبَوْناً بَعِيداً بَيْنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلالِ وَمَا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ النُّورِ فَلانَتْ قُلُوبُهُمْ لِلإِسْلامِ. وَصَغَتْ إِلَيْهِ أَفْئِدَتُهم فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْهَرَ بِإسْلامِهِ. وَأَسَرَّ الإِسْلامَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِه، وَتَهَيَّأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لأَنْ يُسْلِمُوا لَوْلا بَعْضُ الْمَوَانِع الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ فَكَانَتْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي أُصِيبَتْ

стр. 3362

بِهَا عَقِيدَةُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مِفْتَاحاً آخَرَ فَكَّ اللهُ بِهِ أَغْلاقَ مَكَّةَ، ثُمَّ أَرَادَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَفُكَّ كُلَّ مَا بَقِيَ مِنْ أَغْلاقِ هَذَا الْحِصْن، فَكَانَ مَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ مِنْ نَقْضِ قُرَيْشٍ لِعَهْدِ الْحُدَيْبِيَةِ، ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ قَبِيلَتِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ دَماً وَتِرَاتاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَخَلَتْ بَكْرٌ فِي عَهْدِ قُرَيْش هَدَأَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، وَأَمِنَ كُلُّ فَرِيقٍ جَانِبَ عَدُوَّهِ. انْتَهَى. وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ. قَالَ ابنُ الْقَيِّمِ: فَلَمَّا اسْتَمَرَّتْ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ الثَّأْرَ الْقَدِيمَ فَخَرَجَ نَوْفَلُ بنُ مُعَاوِيَةَ الدَّيْلِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي بَكْر فَبَيَّتَ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رِجَالاً وَتَنَاوَشُوا وَاقْتَتَلُوا وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَني بَكْرٍ بِالسِّلاحِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ قَاتلَ مُسْتَخْفِياً. فَلَجَأَتْ خُزَاعَةُ إِلى الْحَرَمِ لِتَحْتَمِي بِهِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ رِجَالَ بَكْرٍ مِنْ مُتَابَعَتِهَا حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلاً فَلَمَّا دَخَلَتْ خُزَاعَة مَكَّةَ لَجَؤُوا إِلى دَارِ بُدَيلِ ِبْن وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ وَمُوْلَى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: رَافِعُ وَخَرَجَ عَمْرُو بن سَالِمٍ الْخَزَاعِي حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلى الْمَدِينَةِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانِي أَصْحَابِهِ. فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّداً حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا

стр. 3363

قَدْ كُنْتُمُوا وِلْداً وَكُنَّا وَالِدَا ثُمَّ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنَزَعْ يَدَ فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْراً أَيَّداً وَادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا أَبْيَضُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا إِن سِيمَ خَسْفاً وَجْهُه تَرَبَّدَا فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا إِنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءَ رَصَدَا وَزَعَمُوا أَنَّ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا هم بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا وَقَتَّلُونَا رُكَّعاً سُجَّدَاً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بنَ سَالِم» . ثُمَّ عَرَضَتْ سَحَابَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ)) . ثُمَّ خَرَجَ بَدِيلُ بن وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ فِيهِمْ وَبِمَظَاهِرِ قُرَيْشٍ لِبَنِي بَكْر ثُمَّ رَجَعُوا إِلى مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «كَأَنَّكُمْ بَأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ

стр. 3364

لِيَشُدَّ فِي الْعَقْدِ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» . وَوَقَعَ طِبْقَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ وَقَدْ أَحَسَّتْ قُرَيْشٌ بِمَا وَرَاءَ غَدْرِهَا ذَاكَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ فَأَوْفَدَتْ إِلى الْمَدِينَةِ زَعِيمَهَا أَبَا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ لَعَلَّهُ يَتَلاقَى هَذِهِ الْغَلْطَةَ وَنَتَائِجَهَا وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَحِسُّ خَطَرَ هَذَا الأَمْرِ الذِي هُوَ مُقْدِمٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَشَأْ الذِّهَابَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَوَّأَ، بَلْ لابُدَّ مِنْ تَمْهِيدِ الطَّرِيقِ لِلِقَائِهِ. فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَشْفِعُ بِهَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ أُمِّ حَبِيبَةَ. فَعَجِبَ أَبُو سُفْيَانَ لِمَا رَأَى مِنْ فِعْلِ ابْنَتِهِ وَقَالَ لَهَا: بُنَيَّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي فَجَابَهَتْهُ ابْنَتُه فِي صَرَاحَةٍ تَقُولُ: بَلْ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَانَتْ هَذِهِ صَدْمَة شَدِيدَة الْوَقْعِ عَلَى نَفْسِ أَبِي سُفْيَانَ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَمْلِكْ أَنْ قَالَ لابْنَتِهِ مُعَبِّراً عَمَّا نَالَهُ مِنْ الإهَانَةِ: وَاللهِ لَقَدْ أَصَابَكَ بَعْدِي يَا بُنَيَّة شَرٌّ ثُمَّ خَرَجَ خَجِلاً مُضَعْضَعَ النَّفْسِ مَكْلُومَ الْفُؤادِ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئاً فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدْمَةُ أنَكْىَ مِنْ الأَوْلَى. اللَّهُمَّ يَا مَنَّ عَمَّ الْبَرِيَّةِ جُودُهُ وَإِنْعَامُه نَسْأَلُكَ أَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانك، وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 3365

(فَصْلٌ) فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ خَجَلاً وَإنْكِسَاراً وَذَهَبَ يَسْتَشْفِعُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللهُ ﷺ فَذَهَبَ إِلى أَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ رَسُولِ اللهُ ﷺ فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ وَذَهَبَ إِلى عُمَرَ فَأَغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي جَفَاءٍ وَغِلْظَةٍ. فَقَالَ: أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلى رَسُولِ اللهُ ﷺ فَوَاللهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلا الذََّّر لَجَاهَدْتكم بِهِ وَهِذِهِ صَدْمَةٌ عَظِيمَةٌ حَطَّمَتْهُ زِيَادَةً، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ غُلامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهِمَا فَقَالَ: يَا عَلِيَّ إِنَّكَ أَمَسَّ الْقَوْمِ بِي رَحِمَاً وَإِنِّي قَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ فَلا أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِبَا اشْفَعْ لِي إِلى مُحَمَّدٍ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَاللهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولِ اللهُ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. فَالْتَفَتْ إِلى فَاطِمَةَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَأْمُرِي ابْنَكِ هَذَا فَيُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ سَيِّدَ الْعَرَبِ إِلى آخِرِ الدَّهْرِ؟ . قَالَتْ: (وَاللهِ مَا يَبْلُغ ابْنِي ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللهُ ﷺ قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدْ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، فَانْصَحْنِي، قَالَ: (وَاللهِ مَا أَعْلَمُ لَكَ شَيْئاً يُغْنِي عَنْكَ، وَلِكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ فَأَجْرِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ الْحَقْ بَأَرْضِكَ) . قَالَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِياً عَنِّي شَيْئاً؟ قَالَ: (لا، وَاللهِ مَا أَظُنُّه، وَلَكِنِّي مَا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ) فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي

стр. 3366

قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ، فَانْطَلَقَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّداً فَكَلَّمْتُه، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئاً ثُمَّ جِئْتُ ابنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْراً، ثُمَّ جِئْتُ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ فَوَجَدتُه أَوْفَى الْعَدُو، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيّاً فَوَجَدْتُه أَلْيَنَ الْقَوْمِ. قَدْ أَشَارَ عَلَيّ بِشَيْءٍ صَنَعْتُه، فَوَاللهِ مَا أَدْرِي: هَلْ يُغْنِي عَنِّي شَيْئاً، أَمْ لا؟ . قَالُوا: وَبِمَ أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، فَفَعَلْتُ، فَقَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لا، قَالُوا: وَيْلَكَ، وَاللهِ إِنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، قَالَ: لا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَأَمَرَ رَسُولِ اللهُ ﷺ النَّاسَ بِالْجِهَاز، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ تُحَرِّكُ بَعْضَ جِهَازِ رَسُولِ اللهُ ﷺ ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، أَمَرَكُنَّ رَسُولُ اللهُ ﷺ بِتَجْهِيزِهِ؟ . قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزَ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: لا وَاللهِ، مَا أَدْرِي. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلى مَكَّة، فَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالتَّجَهُّزِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ خُذْ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلادِهَا» . فَتَجَهَّزَ النَّاسُ، فَكَتَبَ حَاطِبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلى قُرَيْشٍ كِتَاباً يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللهُ ﷺ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً، وَجَعَل لَهَا جُعْلاً عَلَى أَنْ تبَلِّغَهُ قُرَيْشاً، فَجَعَلَتْهُ فِي قُرُونِ رَأْسِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ. وَأَتَى

стр. 3367

رَسُولِ اللهُ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ فَبَعَثَ عَلِيّاً وَالزُّبَيْر. وَغَيْرُ ابنِ إِسْحَاق يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيّاً وَالْمِقْدَادَ - فَقَالَ: «انْطَلِقَا حَتَّى تَأْتِيَا رَوْضَةَ خَاخ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ إِلى قُرَيْشٍ، فَانْطَلَقَا تَعَادَى بِهِمَا خَيْلُهَمَا، حَتَّى وَجَدَا الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ الْمَكَانَ، فَاسْتَنْزَلاهَا، وَقَالا: مَعَكِ كِتَابٌ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَفَتَّشَا رَحْلَهَا فَلَمْ يَجِدَا شَيْئاً، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ: أَحْلِفُ بِاللهِ، مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلا كَذِبْنَا، وَاللهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرَّدَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدّ مِنْهُ. قَالَتْ: أَعْرِضْ. فَأَعْرَضَ. فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا، فَاسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْهَا، فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِمَا، فَأَتَيَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ (مِنْ حَاطِب بنِ أَبِي بَلْتَعَة إِلى قُرَيْشٍ، يُخْبِرُهم بِمَسِيرِ رَسُولِ اللهُ ﷺ إِلَيْهِمْ) . فَدَعَا رَسُولِ اللهُ ﷺ حاطباً، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا حَاطِب)) ؟ فَقَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا ارْتَدَدْتُ وَلا بَدَّلْتُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ لَسْتُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلِي فِيهِمْ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَوَلَدٌ، وَلَيْسَ لِي فِيهِمْ قُرَابَةٌ يَحْمُونَهُمْ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ لَهُمْ قُرَابَاتٌ يَحْمُونَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ: أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي. فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ

стр. 3368

قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَقَدْ نَافَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ؟ لَعَلَّ الله قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» . فَذَرَفَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمْ. ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ صَائِمٌ وَالنَّاسُ صَائِمُونَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْكُدَيْدِ - وَهُوَ الذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ قُدَيْداً - أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَهُوَ بَطْنُ مَرٍّ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وَعَمَّى اللهُ الأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ، فَهُمْ عَلَى وَجَلٍ وَارْتِقَابٍ. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَخْرُجُ يَتَجَسَّسُ الأَخْبَارَ، فَخَرَجَ هُوَ وَحَكِيمُ بن حزَامٍ وَبُدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ يَتَجَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ مُسْلِماً مُهَاجِراً، فَلَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجُحْفَةِ - وَقِيلَ: فَوْقَ ذَلِكَ - وَكَانَ مِمَّنْ لَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ ابنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الْحَرْثِ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، لَقِيَاهُ بِالأَبْوَاءِ، وَهُمَا ابنُ عَمِّهِ وَابنُ عَمَّتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا لِمَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنْهُمَا مِنْ شِدَّةِ الأَذَى وَالْهَجْوِ. فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: (لا يَكُنْ ابنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ) وَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي سُفْيَانَ - فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ الْبَرِّ – (إئْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، فَقَلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسَفَ لِيُوسُفَ (١٢: ٩١) : ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ فَإِنَّهُ لا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلاً، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو

стр. 3369

سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الْحَرْثِ أَبْيَاتاً، مِنْهَا: لَعَمْرُكَ إِنِّي حِينَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ لَكَ الْمُدْلِجِ الْحَيْرَانَ أَظْلَمَ لَيْلُهُ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أَهْدِي فَأَهْتَدِي هَدَانِي هَادٍ غَيْرَ نَفْسِي وَدَلَّنِي عَلَى اللهِ مَنْ طَرَّدْتَهُ كُلَّ مَطْرَدِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدْرَهُ، وَقَالَ: «أَنْتَ طَرَدْتَنِي كُلَّ مَطْرَدِ» ؟ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقَالَ: إِنَّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمَ، حَيَاءً مِنْهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّهُ وَشَهِدَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفاً مِنْ حَمْزَةَ» وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: (لا تَبْكُوا عَلَيَّ فَوَاللهِ مَا نَطَقْتُ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ) . (فَصْلٌ) عَادَ الْحَدِيثُ: فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ نَزَلَهُ عِشَاءً فَأَمَرَ الْجَيْشَ فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ فَأوْقِدَتْ عَشَرَةُ آلافِ نَارٍ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْحَرَسِ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ، وَرَكِبَ الْعَبَّاسُ بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَيْضَاءَ، وَخَرَجَ يَلْتَمِسُ، لَعَلَّهُ يَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ، أَوْ أَحَداً يُخْبِرُ قُرَيْشاً لِيَخْرُجُوا يَسْتَأْمِنُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً.

стр. 3370

قَالَ: (وَاللهِ إِنِّي لأَسِيرُ عَلَيْهَا إِذْ سَمِعْتُ كَلامَ أَبِي سُفْيَانَ بن حَرْبٍ وبديل بن وَرْقَاءَ، وَهُمَا يَتَرَاجَعَان، وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَاناً قَطْ وَلا عَسْكَراً. قَالَ: يَقُول بُدَيْلُ: هَذِهِ وَاللهِ خُزَاعَةُ خَمَشَتْهَا الْحَرْبُ، فَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَقَل وَأَذَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانها وَعَسْكَرُهَا. قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهَ فَقُلْتُ: أَبَا حَنْظَلَةَ؟ فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أَبَا الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَالَكَ؟ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: قُلْتَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ، وَاصبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللهِ، قَالَ: فَمَا الْحِيَلَةُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قُلْتُ: وَاللهِ لَئِنْ ظَفَرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنَقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُز هَذِهِ الْبَغْلَةِ، حَتَّى آتِي بِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَسْتَأْمِنْهُ لِكَ، فَرَكَبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِهِ عَلَى نَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَإِذَا رَأَوا بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا عَلَيْهَا، قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرِرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ. فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ عَدُّوُ اللهِ، الْحَمْدُ للهِ الذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلا عَهْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَكَضْتُ الْبَغْلَةَ، فَسَبَقْتُ فَاقْتَحَمْتُ عَنِ الْبَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنَقَهُ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، ثُمَّ

стр. 3371

جَلَسْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ دُونِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ، قُلْتُ: مَهْلاً يَا عُمَرُ، فَوَاللهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي عُدي بن كَعْبٍ مَا عَمِلْتَ مِثْلَ هَذَا، قَالَ: مَهْلاً يَا عَبَّاسُ، فَوَاللهِ لإِسْلامُكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إِلى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ» . فَذَهَبْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ بِهِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ» ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! ! لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئاً بَعْدُ. قَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ» ؟ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ! ! أَمَّا هَذِهِ: فَإِنَّ فِي النَّفْسِ حَتَّى الآن مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عُنُقُكَ، فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئاً، قَالَ: «نَعَمْ، مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُو آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ» . وَأَمَرَ الْعَبَّاسَ أَنْ يَحْبِسَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا، فَفَعَلَ فَمَرَّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ

стр. 3372

بِهِ قَبِيلَةٌ قَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَذِهِ؟ فَأَقُولُ: سُلَيْمٌ. قَالَ: فَيَقُولُ مَالِي وَلِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُر بِهِ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَأَقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُولُ: مَالِي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتَّى نَفَذَتْ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إِلا سَأَلَنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِمْ قَالَ: مَالِي وَلِبَنِي فُلانٍ، حَتَّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ، فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلا الْحَدَقُ مِنْ الْحَدِيدِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! يَا عَبَّاسُ، مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ. قَالَ: مَا لأَحَدٍ بِهَوُلاءِ قِبَلٌ وَلا طَاقَةٌ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابنِ أَخِيكَ الْيَوْمَ عَظِيماً. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سُفْيَان، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ، قَالَ: فَنِعَمْ إِذاً. قَالَ: قُلْتُ: النَّجَاء إِلى قَوْمِكَ، وَكَانَتْ رَايَةُ الأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بن عُبَادَةَ فَلَمَّا مَرَّ بَأَبِي سُفْيَانَ قَالَ لَهُ: الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْحَرْمَةُ، الْيَوْمَ أَذَلَّ اللهُ قُرَيْشاً. فَلَمَّا حَاذَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَان قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدٌ؟ قَالَ: «وَمَا قَالَ)) ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ الْيَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ، الْيَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللهُ فِيهِ قُرَيْشاً» . ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى سَعْدٍ، فَنَزَعَ مِنْهُ اللِّوَاءَ وَدَفَعَهَ إِلى قَيْسِ ابْنِهِ وَرَأَى أَنَّ اللِّوَاءَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَعْدٍ، إِذْ صَارَ إِلى ابْنِهِ،

стр. 3373

قَالَ أَبُو عُمَر: وَرُوِي (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَعَ مِنْهُ الرَّايَةَ دَفَعَهَا إِلى الزُّبَيْرِ) . وَمَضَى أَبُو سُفْيَانَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ قُرَيْشاً صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ فَقَالَتْ: اقْتُلُوا الْحُمَيْتَ الدَّسِمَ الأَحْمَشَ السَّاقَيْنِ، قُبِّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ. قَالَ: وَيْلَكُمْ، لا تَغُرَّنَكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ، وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟ قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُو آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ فَهُوَ آمِنٌ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلى دُورِهِمْ، وَإِلى الْمَسْجِدِ، وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلَ مَكَّة مِنْ أَعْلاها، وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَالِكَ قُبَّةٌ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِدَ بنَ الْوَلِيد أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا. وَكَانَ عَلَى الْمَجْنَبَةِ الْيُمْنَى وَفِيهَا أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ، وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الرِّجَالَةِ وَالْحُسَّرِ، وَهُمْ الذِينَ لا سِلاحَ مَعَهُمْ، وَقَالَ لِخَالِدِ وَمَنْ مَعَهُ: (إِنْ عَرَضَ لَكُمْ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْداً، حَتَّى تُوَافُونِي عَلَى الصَّفَا) فَمَا عَرَضَ لَهُمْ أَحَدٌ إِلا أَنَامُوهُ. وَتَجَمَّعَتْ سُفَهَاءُ قُرَيْش وَأَخفَّاؤُهَا مَعَ عِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانِ بن أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بن عَمْروٍ بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ ثَبَّتْ مَحَبَّتكَ في قُلُوبِنَا ثُبُوتَ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ وَجَنِّبْنَا الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ الْمُوبِقَاتِ وَوَفِّقْنَا لِلْعَمَلِ بِالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَأَلْهِمْنَا ذِكْركَ فِي

стр. 3374

جَمِيع الأَوْقَاتِ وَزَحْزِحْنَا عَنْ النَّارِ وَأَدْخِلْنَا فَسِيحَ الْجَنَّاتِ يَا رَفِيعَ الدَّرَجَاتِ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَمَ تَسْلِيْماً كَثِيْرَاً. (فَصْلٌ) : وَكَانَ حَمَاسُ بنُ قَيْسِ بن خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدُّ سِلاحاً قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لِمَاذَا تُعِدُّ مَا أَرَى؟ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْئاً، قَالَ: إِنِّي وَاللهِ لأَرْجُو أَنِّي أُخْدِمُكَ بَعْضَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ يَقْبَلُوا الْيَوْمَ فَمَالِي عِلَّهْ هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَإِلَّهْ وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعَ السَّلهَ ثُمَّ شَهِدَ الْخَندَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وَسُهَيْلِ بن عَمْرو، فَلََمَّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ نَاوَشُوهُمْ شَيْئاً مِنْ قِتَالٍ، فَقُتِلَ كُرْزُ بنُ جَابِرٍ الْفِهْرِي، وَخُنَيْسُ بنُ خَالِدِ بنِ رَبِيعَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ، فَشَذَّا عَنْهُ، فَسَلَكَا طَرِيقاً غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلا جَمِيعاً فَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَحْو اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، ثُمَّ انْهَزَمُوا، وَانْهَزَمَ حَمَّاسٌ صَاحِبُ السِّلاحِ، حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَقَالَ لامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، فَقَالَتْ: وَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ فَقَالَ: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَةْ إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَةْ وَأَبُو يَزِيدٍ قَائِمٌ كَالْمُؤْتَمَهْ وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ضَرْباً، فَلا يُسْمَعُ إِلا غَمْغَمَهْ

стр. 3375

لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَمَهْ لَمْ تَنْطَقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمَجْنَبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدَ بن الْوَلِيدِ عَلَى الْمَجْنَبَةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ عَلَى الْحُسَّرِ، وَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ. قَالَ: وَقَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشاً لَهَا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ، فَإِنْ كَانَ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)) . فَقُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: ((اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ، وَلا يَأْتِينِي إِلا أَنْصَارِيٌ)) . فَهَتَفَ بِهِمْ، فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَتَرَوْنَ إِلى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ)) ؟ ثُمَّ قَالَ بِيَدِيهِ - إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى احْصُدُوهُمْ حَصْداً حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا، فَانْطَلَقْنَا، فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْْتُلَ مِنْهُمِ إِلا شَاءَ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجَّهَ إِلَيْنَا شَيْئاً وَرَكَزْتُ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحُجُونِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْفَتْحِ. ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَالْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَأَقْبَلَ إِلى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَحَوْلَ الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ ثَلاثُمَائَةُ وَسِتُّونَ صَنَمَا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِالْقُوسِ، وَيَقُولُ: ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ جَاءَ الْحَقُّ، وَمَا

стр. 3376

يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدْ، وَالأَصْنَامُ تَتَسَاقَطُ عَلَى وُجُوهِهَا. وَكَانَ طِوَافُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمَاً يَؤْمَئِذٍ، فَاقْتَصَرَ عَلَى الطَّوَافِ، فَلَمَّا أَكْمَلَهُ دَعَا عُثْمَانَ بن طَلْحَة، فَأَخَذْ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، فَأَمَرَ بِهَا فَفُتِحَتْ، فَدَخَلَهَا بِالأَزْلامِ، فَقَالَ: «قَاتَلَهُمْ اللهُ، وَاللهِ إِنْ اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُ» . وَرَأَى فِي الْكَعْبَةِ حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ، فَكَسَّرَهَا بِيَدِهِ وَأَمَرَ بِالصُّوَرِ فَمُحِيَتْ، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ، وَعَلى أُسَامَةَ وَبِلالٍ فَاسْتَقْبَلَ الْجِدَارَ الذِي يُقَابِلُ الْبَابَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرُ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ وَقَفَ وَصَلَّى هُنَاكَ، ثُمَّ دَارَ فِي الْبَيْتِ وَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَوَحَّدَ اللهَ، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ وَقُرَيْشٌ قَدْ مَلأَتِ الْمَسْجِدَ صُفُوفاً، يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ، فَأَخَذَ بعِضَادَتَى الْبَابِ، وَهُمْ تَحْتَهُ، فَقَالَ: «لا إِلَهَ إِلا اللهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ ألا كلُ مَأْثَرَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دَمٍ: فَهُوَ تَحْتَ قَدَمِيَّ هَاتَيْنِ، إِلا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجّ، أَلا وَقَتْلُ الْخَطَأ شِبْهُ الْعَمْدِ: السَّوْطُ وَالْعَصَا، فَفِيهِ الدِّيَّةُ مُغْلَّظَةٌ (مَائَةٌ مِنْ الإِبِلِ) أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نِخْوَةَ الْجَاهِلَيَّةِ وَتَعْظُمَهَا بِالآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ تَلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ)) ؟ قَالُوا: خَيْراً أَخٌ كَرِيمٌ، وَابنُ أَخٍ كَرِيم. قَالَ: ((فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسفُ لإِخْوَتِهِ (١٢: ٩٢) : ﴿لاَ

стр. 3377

تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ اذْهَبُوا، فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ)) . ثُمَّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وِمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةَ صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أَيْنَ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ)) ؟ فَدُعِي لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاء» . وَذَكَر ابنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ عُثْمَانَ بن طَلْحَةَ قَالَ: (كُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأَقْبَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَوْماً يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النَّاسِ، فَأَغْلَظْتُ لَهُ، فَنِلْتُ مِنْهُ، فَحَلُمَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ((يَا عُثْمَانُ لَعَلَّكَ سَتَرى هَذَا الْمفْتَاحَ يَوْماً بِيَدِي، أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ)) . فَقُلْتُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وذَلَّتْ، فَقَالَ: ((بَلْ عَمَرَتْ وَعَزَّتْ يَوْمَئِذٍ)) . وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقعاً، ظَنَنْتُ يَوْمَئِذٍ أَنَّ الأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلى مَا قَالَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ قَالَ: ((يَا عُثْمَانُ، ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ)) . فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ مِنِّي، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلِيَّ، وَقَالَ: «خذوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً، لا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلا ظَالِمٌ، يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللهَ اسْتَأْمَنَكُمْ عَلَى بَيْتِهِ، فَكَلُوا مِمَّا يَصِلُ إِلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ بِالْمَعْرُوفِ)) . قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ نَادَانِي، فَرَجِعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَلَمْ يَكُنْ الذِي قُلْتُ لَكَ)) ؟ قَالَ: فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي بِمَكَّةَ قَبِيلَ الْهِجْرَةِ: «لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ» . فَقُلْتُ: بَلَى، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. وَذَكَرَ سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْعَبَّاسَ تَطَاوَلَ يَوْمَئِذٍ لأَخْذِ الْمِفْتَاحِ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى

стр. 3378

عُثْمَانَ بن طَلْحَةَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلالاً: أَنْ يَصْعَدَ فَيُؤَذِّنَ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَبُو سُفْيَانَ ابنُ حَرْبٍ وَعَتَّابُ بنُ أُسَيْدٍ، وَالْحَارِثُ ابنُ هِشَامٍ، وَأَشْرَافٌ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابٌ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أُسَيَّداً أَنْ لا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا، فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يُغِيظُهُ، فَقَالَ الْحَارِثُ: أَمَا وَاللهِ، لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ لاتَّبَعْتُهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَمَا وَاللهِ، لا أَقُولُ شَيْئاً، لَوْ تَكَلَّمْتُ لأَخْبَرَت عَنِّي الْحَصَبَاءُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمْ: ((قَدْ عَلِمْتُ الذِي قُلْتُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ)) . فَقَالَ الْحَرْثُ وَعَتَّابٌ: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَاللهِ مَا اطَّلعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا، فَنَقُولُ: أَخْبَرَكَ وَهِذِهِ مُعْجِزَةٌ حَيْثُ أَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالُوا ﷺ . اللَّهُمَّ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْخُذَ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ، وَاجْعَلْنَا يَوْمَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ آمِنِينَ، وَأَوْصِلْنَا بِرَحْمَتِكَ وَكَرَمِكَ إِلى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. (فَصْلٌ) ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَارَ أُمّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي بَيْتِهَا وَكَانَ ضُحَى، فَظَنَّها مَنْ ظَنَّهَا صَلاةَ الضُّحَى، وَإِنَّمَا هَذِهِ صَلاةُ الْفَتْحِ، وَكَانَ أُمَرَاءُ الإِسْلامِ إِذَا فَتَحُوا حِصْناً أَوْ بَلَداً صَلُّوا عَقِيبَ الْفَتْحِ هَذِهِ الصَّلاةَ اقْتِدَاءً برَسُولِ اللهِ ﷺ . وَفِي الْقِصَّةِ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بِسَبَبِ الْفَتْحِ، شُكْراً للهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ أُمَّ هَانِئٍ قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُهُ صَلاهَا قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا) وَأَجَازَتْ أُمُّ هَانِئٍ حَمْوَيْنِ لَهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أُجِرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» .

стр. 3379

(فَصْلٌ) وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْفَتْحُ أَمَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ كُلَّهُمْ، إِلا تِسْعَةَ نَفَرٍ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُمْ: عَبْدُ اللهِ بنُ سَعْدِ أَبِي سَرْحٍ، وَعِكْرِمَةُ ابنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ الْعَزَّى بنُ خَطَلٍ، وَالْحَارِثُ بنُ نُفَيْلٍ بنُ وَهْبٍ، وَمَقْيَسُ بنُ صُبَابَةَ، وَهَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ، وَقَيْنَتَانِ لابنِ خَطَلٍ، كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَارَةُ مَوْلاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. فَأَمَّا ابنُ أَبِي سَرْحٍ، فَأَسْلَمَ فَجَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَبِلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ رَجَاءَ أَنْ يَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَيَقْتُلََهُ. وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَاجَرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَرَجَع إِلى مَكَّةَ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ أَنْ فَرَّ فَأَمَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ وَأَمَّا ابنُ خَطَلٍ وَالْحَارِثُ وَمِقْيَسُ وَإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ، فَقُتِلُوا وَكَانَ مَقِيسُ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَتَلَ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينِ، وَأَمَّا هَبَّارُ بنُ الأَسْوَدِ فَهُوَ الذِي عَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَتْ، فَنَخَسَ بَطْنَهَا حَتَّى سَقَطَتْ عَلَى صَخْرَةٍ وَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا فَفَرَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ. وَاسْتُؤمِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَارَةَ وَلإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ فَأَمَّنَهُمَا فَأَسْلَمَتَا.

стр. 3380

فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيباً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُه ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَماً أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، فَلْيُبَلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)) . وَلَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِهِ - وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلِدُهُ - قَالَ الأَنْصَارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ: أَتَرَوْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ، يُحِبُّ أَنْ يُقِيمَ بِهَا وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الصَّفَا، رَافِعًا يَدَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: «مَاذَا قُلْتُمْ)) ؟ قَالُوا: لا شَيْء يَا رَسُول اللهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى اخْبَرُوه فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَعَاذَ اللهِ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مِمَاتُكُمْ» . شِعْرًا: ... إِذَا كُنْتَ في دَارٍ وَضَامَكَ أَهْلُهَا ... وَقَلْبُكَ مَشْغُوفٌ بِهَا فَتَغَرَّبِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ ... بِمَكَّةَ أَمْرٌ فَاسْتَقَامَ بِيَثْرِبِ وَقَالَ آخر مُتَذَكِّراً وَطَنَهُ وَمَسْقطَ رَأْسِهِ في الْقَصِيم في عُنَيْزَةَ: وَأَذْكُرُ أَيَّامَ الْقَصِيمِ فَأَنْثَنِي ... عَلَى كَبَدِي مِنْ خَشْيِةَ أَنْ تَصَدَّعَا بَكَتْ عَيْنِي الْيُمْنَى فَلَمَّا نَهَيْتُهَا ... عَنِ الْجَهْلَ بَعْدَ الْحِلْم أَسْبَلَتَا مَعَا فَلَيْتَ عَشِيَّاتِ الْقَصِيمِ رَوَاجِعٌ ... عَلَيَّ وَلَكِنْ خَلِّ عَيْنَيْكَ تَدْمَعَا وَلا سِسَّمَا دَاراً تُسَمَّى عُنَيْزَةً ... قَضَيْتَ بَهَا عَشْراً وَأَرْبَعَا آخر: ... إِذَا خِفْتَ مِنْ دَارٍ هَوَاناً فَوَلِّهَا ... سِوَاكَ وَعَنْ دَارِ الأَذَى فَتَحَوَّلِ

стр. 3381

وَهُمَّ فَضَالَةُ بنُ عُمَيْرِ بنِ الْمُلَوِّحِ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَفَضَالَةَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَضَالَةَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ)) ؟ قَالَ: لا شَيْءَ كُنْتُ أَذْكُرُ اللهَ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: ((اسْتَغْفِر اللهِ)) . ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَسَكَنَ قَلْبُهُ. وَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ: (وَاللهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ) قَالَ فَضَالَةُ: فَرَجَعْتُ إِلى أَهْلِي، فَمَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلُمَّ إِلى الْحَدِيث، فَقُلْتُ: لا، وَانْبَعَثَ فضالة يقولُ: قَالَتْ: هَلُمَّ إِلى الْحَدِيثِ، فَقُلْت: لا يَأْبَى عَلَيْكِ اللهُ وَالإِسْلامُ لَوْ قَدْ رَأَيْتِ مُحَمَّداً وَقَبِيلَهُ بِالْفَتْحِ يَوْمَ تَكُسَّرُ الأَصْنَامُ لَرَأَيْتِ دِينَ اللهِ أَضْحَى بَيِّناً وَالشِّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الإِظْلامُ وَفَرَّ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، فَأَمَّا صَفْوَانُ، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بنُ وَهْبٍ الْجُمَحِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّنَهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مَكَّةَ، فَلَحِقَهُ عُمَيْرٌ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ، فَرَدَّهُ فَقَالَ: اجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ: أَنْتَ باِلْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرْ. وَكَانَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بنِ هَشَامٍ تَحْتَ عِكْرَمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ

стр. 3382

فَأَسْلَمَتْ، وَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَمَّنَهُ، فَلَحِقَتْهُ بِالْيَمَن، فَأَمَّنَتْهُ فَرَدَّتْهُ، وَأَقَرَّهَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ وَصَفْوَانُ عَلَى نِكَاحِهَا الأَوَّل. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَمِيمَ بنَ أُسَيْدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَ أَنْصَابَ الْحَرَم. وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرَايَاهُ إِلى الأَوْثَانِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَكُسِّرَتْ كُلُّهَا مِنْهَا اللاتُ، وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ الثَّالِثَةُ الأُخْرَى، وَنَادَى مُنَادِيه بِمَكَّةَ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدَعْ فِي بَيْتِهِ صَنَماً إِلا كَسَرَهُ) . وَبَعَثَ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ إِلى الْعُزَّى لِخَمْسِ لَيَالٍ بِقَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِيَهْدِمَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فِي ثَلاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى انْتَهُوا إِلَيْهَا فَهَدَمَهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتُ شَيْئاً)) ؟ قَالَ: لا قَالَ: ((فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا، فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَاهْدِمْهَا)) . فَرَجَعَ خَالِدُ - وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ - فَجَرَّدَ سَيْفَهُ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ نَاشِرَةٌ الرَّأْسَ، فَجَعَلَ السَّادِنُ يَصِيحُ بِهَا فَضَرَبَهَا خَالِدُ، فَجَزَلَهَا بِاثْنَتيْنِ، وَرَجَعَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((نَعَمَ، تِلْكَ الْعُزَّى، وَقَدْ أَيَسَتْ أَنْ تُعْبَدَ فِي بِلادِكُمْ أَبَداً» . وَكَانَتْ بِنَخْلَة، وَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَجَمِيعِ بَنِي كِنَانَةَ، وَكَانَتْ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ، وَكَانْ سَدَنَتُهَا مِنْ بَنِي شَيْبَانَ. فَفِي هَذِهِ مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ . ثُمَّ بَعَثَ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ إِلى سُوَاعٍ - وَهُوَ صَنَمٌ لِهَذِيلٍ - لِيَهْدِمَهُ، قَالَ عَمْرٌو: (فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُ السَّادِنُ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَمَرَنِي

стр. 3383

رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أُهْدِمَهُ، فَقَالَ: لا تَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: تُمْنَعُ، قُلْتُ حَتَّى الآنَ أَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ؟ وَيْحَكَ، فَهَلْ يَسْمَعَ أَوْ يُبْصِرُ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَكَسَّرْتُهُ، وَأَمَرْتُ أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خَزَّانَةَ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ شَيْئاً، ثُمَّ قُلْتُ لِلسَّادِنْ: كَيْفَ رَأَيْت؟ قَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ. ثُمَّ بَعَثَ سَعْدَ بنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِي إِلى مَنَاة وَكَانَتْ بِالْمُشَلَّلِ، عِنْدَ قُدَيْدٍ لِلأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَغَسَّانَ وَغَيْرِهِمْ، فَخَرَجَ فِي عِشْرِينَ فَارِس، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا، وَعِنْدَهَا سَادِنٌ، فَقَالَ السَّادِنُ: مَا تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَهْدِمُ مَنَاةَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَأَقْبَلَ سَعْدٌ يَمْشِي إِلَيْهَا، وَتَخْرُجُ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عِرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ، ثَائرَةٌ الرَّأْسَ، تَدْعُو بِالْوَيْلِ، وَتَضْرِبُ صَدْرَهَا، فَقَالَ لَهَا السَّادن: مَنَاةُ، دُونَكَ بَعْضُ عَصَاتِكَ، فَضَرَبَهَا سَعْدٌ فَقَتَلَهَا وَأَقْبَلَ إِلى الصَّنَمِ فَهَدَمَهُ وَكَسَّرَهُ وَلَمْ يَجِدُوا فِي خِزَانَتِهِ شَيْئاً. شِعْراً فِي الْحَثِّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَتَدَبُّرِهِ وَتَفَهَّمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ: وَبِالتَّدْبُرِ وَالتَّرْتِيلِ فَاتْلُ كِتَا ب اللهِ لاسِيَّمَا فِي حِنْدِسِ الظُّلْمِ حَكِّمْ بَرَاهِينَهُ وَاعْمَلْ بِمُحْكَمِهِ حِلاً وَحَظْراً وَمَا قَدْ حَدَّهُ أَقِمِ وَاطْلُبْ مَعَانِيهِ بِالنَّقْلِ الصَّرِيحِ وَلا تَخُضْ بِرَأَيْكَ وَاحْذَرْ بَطْشَ مُنْتَقِمِ فِيمَا عَلِمْتَ بِمَحْضِ النَّقْلِ مِنْهُ فَقُلْ وَكِلْ إِلى اللهِ مَعْنَى كُلِّ مُنْبَهِمِ

стр. 3384

ثُمَّ الْمِرَا فِيهِ كُفْرٌ فَاحْذَرَنْهُ وَلا يَسْتَهْوِيَنَّكَ أَقْوَامٌ بِزَيْغِهِمِ وَعَنْ مَنَاهِيهِ كُنْ يَا صَاحِ مُنْزِجِراً وَالأَمْرَ مِنْهُ بِلا تَرْدَادَ فَالْتَزِمِ وَمَا تَشَابَهَ فَوِّضْ لِلإلَهِ وَلا تَخُضْ فَخَوْضُكَ فِيهِ مُوْجِبُ النَّقَمِ وَلا تُطِعْ قَوْلَ ذِي زَيْغٍ يُزَخْرِفُهُ مِنْ كُلَّ مُبْتَدِعٍ فِي الدِّينِ مُتَّهَمِ جَيرَانَ ضَلَّ عَنْ الْحَقِّ الْمُبِينِ فَلا يَنْفَكُّ مُنْحَرِفاً مُعَوّجَ لَمْ يَقُمِ هُوَ الْكِتَابُ الذِي مَنْ قَامَ يَقْرَؤُهُ كَأَنَّمَا خَاطَبَ الرَّحْمَنَ بِالْكَلِمِ هُوَ الصِّرَاطُ هُوَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ هُوَ الْـ مِيزَانُ وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى لِمُعْتَصِمِ هُوَ الْبَيَانُ هُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ هُوَ التَّـ تَفْصِيلُ فَاقَنَعْ بِهِ فِي كُلِّ مُنْبَهِمِ هُوَ الْبَصَائِرُ وَالذِّكْرَى لِمُدَكِّرٍ هُوَ الْمَوَاعِظُ وَالْبُشْرَى لِغَيْر عَمِي هُوَ الْمُنَزَّلُ نُوراً بَيِّناً وَهُدَى وَهُوَ الشِّفَاءُ لِمَا في الْقَلْبِ مِنْ سَقَمِ لَكِنَّهُ لأُولِي الإِيمَانِ إِذْ عَمِلُوا

стр. 3385

.. بِمَا أَتَى فِيهِ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ حِكَمِ أَمَّا عَلَى مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ فَهُوَ عَمَى لِكَوْنِهِ عَنْ هُدَاهُ الْمُسْتَنِيرُ عَمِي فَمَنْ يُقِمْهُ يَكُنْ يَوْمَ الْمَعَادِ لَهُ خَيْرُ الإِمَامِ إِلى الْفِرْدَوْسِ وَالنِّعَمِ كَمَا يَسُوقُ أُولِي الأَعْرَاضِ عَنْهُ إِلى دَارِ الْمَقَامِعِ وَالأَنْكَالِ وَالأَلَمِ وَقَدْ أَتَى النَّصُّ فِي الطُّوْلَيْنِ أَنَّهُمَا ظِلاً لِتَالِيْهِمَا فِي مَوْقِفِ الْغَمَمِ وَأَنَّهُ فِي غَدٍ يَأْتِي لِصَاحِبِهِ مُبَشِّراً وَحَجِيجاً عَنْهُ إِنْ يُقِمِ وَالْمُلْكَ وَالْخُلْدَ يُعْطِيهِ وَيُلْبِسُه تَاجَ الْوَقارِ الإِلهُ الْحَقُّ ذُو الْكَرَمِ يُقَالُ اقْرَأْ وَرَتِّلْ وَارْقَ فِي غرَفِ الْـ جَنَّاتِ كَيْ تَنْتَهِي لِلْمَنْزِلِ النَّعِمِ وَحُلَّتَانِ مِنْ الْفِرْدَوْسِ قَدْ كُسِيتْ لِوَالِدَيْهِ لَهَا الأَكْوَانُ لَمْ تَقُمْ قَالا بِمَاذَا كَسَيْنَاهَا فَقِيلَ بِمَا أَقْرَأْتُمَا ابْنَكُمَا فَاشْكُرْ لِذِي النِّعَمِ كَفَى وَحَسْبُكَ بِالْقُرْآنِ مُعْجِزةً دَامَتْ لَدَيْنَا دَوَاماً غَيْرَ مُنْصَرِمِ

стр. 3386

.. لَمْ يَعْترِهْ قَطُّ تَبْدِيلٌ وَلا غِيْرٌ وَجَلَّ فِي كَثْرَةِ التَّرْدَادِ عَنْ سَأْمِ مُهَيْمِناً عَرِبِياً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ مُصَدِّقاً جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ فِي الْقِدَمِ فِيهِ التَّفَاصِيلُ لِلأَحْكَامِ مَعْ نَبَأٍ عَمَّا سَيَأْتِي وَعَنْ مَاضٍ مِنْ الأُمَمِ فَأنْظُرْ قَوَارِعَ آيَاتِ الْمَعَادِ بِهِ وَانْظُرْ لِمَا قَصَّ عَنْ عَادَ وَعَنْ إِرْمِ وَانْظُرْ بِهِ شَرْحَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ هَلْ تَرَى بِهَا مِنْ عَوِيصٍ غَيْرِ مُنْفَصِمِ أَمْ مِن صَلاحٍ وَلَمْ يَهْدِ الأَنَامَ لَهُ أَمْ بَابِ هُلْكٍ وَلَمْ يَزْجُرْ وَلَمْ يَلُمِ أَمْ كَانَ يُغْنِي نَقِيراً عَنْ هِدَايَتِهِ جَمِيعُ مَا عِنْدَ أَهْلِِ الأَرْضِ مِنْ نُظُمِ أَخْبَارُهُ عِظَةٌ أَمْثَالُهُ عِبَرٌ وَكُلُّهُ عَجَبٌ سُحْقاً لِذِي صَمِمِ لَمْ تَلْبِثِ الْجِنُّ إِذْ أَصْغَتْ لِتسْمَعَهُ أَنْ بَادَرُوا نُذْراً مِنْهُمْ لِقَوْمِهِمِ اللهُ أَكْبَرُ مَا قَدْ حَازَ مِنْ عِبَرٍ وَمِنْ بَيَانٍ وَإِعْجَازٍ وَمِنْ حِكَمِ وَاللهُ أَكْبَرُ إِذْ أَعْيتْ بَلاغَتُهُ

стр. 3387

.. وَحُسْنُ تَرْكِيبِهِ لِلْعُرْبِ وَالْعَجَمِ كَمْ مُلْحِدٍ رَامَ أَنْ يُبْدِي مُعَارَضَةً فَعَادَ بِالذُّلِّ وَالْخُسْرَانِ وَالرَّغَمِ هَيْهَاتَ بُعْداً لِمَا رَامُوا وَمَا قَصَدُوا وَمَا تَمَنَّوْا لَقَدْ بَاؤُوا بِذُلِّهِمِ خَابَتْ أَمَانِيهُمُ شَاهَتْ وُجُوهُهُمْ زَاغَتْ قُلُوبُهُمُ عَنْ هَدِيهِ الْقَيمِ كَمْ قَدْ تَحَدَّى قُرَيْشاً فِي الْقدِيمِ وَهُمْ أَهْلُ الْبَلاغَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ بِمِثْلِهِ وَبِعَشْرٍ ثُمَّ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يَرُومُوهُ إِذْ ذَا الإِمْرَ لَمْ يُرَمِ الْجِنُّ وَالإِنْسُ لَمْ يَأْتُوا لَوْ اجْتَمَعُوا بِمِثْلِهِ وَلَوْ انْضَمُّوا لِمِثْلِهِمِ أَنَّى وَكَيْفَ وَرَبُّ الْعَرْشِ قَائِلُهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ عَنْ شِبْهٍ لَهُ وَسَمِي مَا كَانَ خَلْقاً وَلا فَيْضاً تَصَوَّرَهُ نَبِيُّنَا لا وَلا تَعْبِيرَ ذِي نَسَمِ بَلْ قَالَهُ رَبُّنَا قَوْلاً وَأَنْزَلَهُ وَحْياً عَلَى قَلْبِهِ الْمُسْتَيْقِظِ الْفَهِمِ وَاللهُ يَشْهَدُ وَالأَمْلاكُ شَاهِدَةٌ وَالرُّسْلُ مَعْ مُؤْمِنِي الْعُرْبَانِ وَالْعَجَمِ

стр. 3388

اللَّهُمَّ ارزقْنَا عِلْماً نَافِعاً وَعَمَلاً مُتَقبَّلاً وَرِزْقًا وَاسِعاً نَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ وَقَلْباً خَاشِعاً وَلِسَاناً ذَاكِراً وَإيمَاناً خَالِصاً وَهَبْ لَنَا إِنَابَةَ الْمُخْلِِصِينَ وَخُشُوعَ الْمُخْبِتِينَ وَأَعْمَالَ الصَّالِحِينَ وَيَقِينَ الصَّادِقِينَ وَسَعادَةَ الْمُتَّقِين وَدَرَجَاتِ الْفَائِزِينَ يَا أَفْضَلَ مَنْ رُجِي وَقُصِدَ وَأَكْرَمَ مَنْ سُئِلَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قصة عبد الله بن مسعود كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٌ فَتَىً لَمْ يُجَاوِز الْحُلُمَ وَكَانَ يَسْرَحُ فِي شِعَابِ مَكَّةَ بَعِيداً عَنِ النَّاسِ وَمَعَهُ غَنَمٌ يَرْعَاهَا لِعُقْبَةَ بنِ مُعَيْطٍ وَكَانَ النَّاسُ يُنَادُونَهُ (ابنَ أُمَّ عَبْدٍ) . أَمَّا اسْمُهُ فَهُو عَبْدُ اللهِ وَأَمَّا اسْمُ أَبِيهِ فَمَسْعُودٌ كَانَ الْغُلامُ يَسْمَعُ بِأَخْبَارِ النَّبِيّ ﷺ فَلا يَأْبَهُ لَهَا لِصِغَرِ سِنِّهِ مِنْ جِهَةٍ وَلِبُعْدِهِ عَنْ الْمُجْتَمَعِ الْمَكِّي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَقَدْ دَأَبَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِغَنَمِ عُقْبَةَ مُبَكِّراً ثُمَّ لا يَعُودُ بِهَا إِلا إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ. وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ أَبْصَرَ عَبَدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ كَهْلَيْنِ عَلَيْهِمَا الْوَقَارُ يَتَّجِهَانِ نَحْوَهُ مِنْ بَعِيدٍ وَقَدْ أَخَذَ الْجُهْدُ مِنْهُمَا كُلَّ مَأْخَذٍ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا الظَّمَأُ حَتَّى جَفَّتْ مِنْهُمَا الشِّفَاهُ وَالْحُلُوقُ. فَلَمَّا وَقَفَا عَلَيْهِ سَلَّمَا وَقَالا: يَا غُلامُ احْلِبْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الشِّيَاهِ مَا نُطْفِئُ بِهِ ظَمَأَنَا وَنَبُلُّ بِهِ عُرُوقَنَا فَقَالَ: لا أَفْعَلُ فَالْغَنَمُ ليَسْتَ لِي وَأَنَا عَلَيْهَا مُؤْتَمَنٌ فَلَمْ يُنْكِرَ الرَّجُلانِ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَبَدَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا الرِّضَاءُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: دُلَّنِي عَلَى شَاةٍ لَمْ يَنْزُو عَلَيْهَا فَحْلٌ فَأَشَارَ عَبْدُ اللهِ بن مَسْعُودٍ إِلى شَاةٍ صَغِيرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ وَاعْتَقَلَهَا وَجَعَلَ يَمْسَحُ

стр. 3389

ضَرْعَهَا بِيَدِهِ وَهُوَ يَذْكُرُ عَلَيْهَا اسْمَ اللهِ فَنَظَرَ عَبْدُ اللهِ فِي دَهْشَةٍ قَائِلاً فِي نَفْسِهِ: وَمَتَى كَانَتْ الشَّاةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَنْزُو عَلَيْهَا الْفُحُولُ تُدِرُّ لِبَناً. لِكِنَّ ضَرْعَ الشَّاة لَمْ يَلْبَثْ أَنْ انْتَفَخَ مِنْ اللَّبَنِ وَطَفِقَ اللَّبَنُ يَنْبَثِقُ مِنْهُ ثَراً غَزِيراً. فَأَخَذَ الرَّجُلُ الآخَرُ حَجَراً مُجَوَّفاً مِنْ الأَرْضِ وَمَلأَهُ بِاللَّبَنِ وَشَرِبَ مِنْهُ هُوَ وَصَاحِبُهُ ثُمَّ سَقَيَانِي مَعَهُمَا وَأَنَا لا أَكَادُ أُصَدِّقُ مَا أَرَى، فَلَمَّا ارْتَوَيْنَا قَالَ الرَّجُلُ الْمُبَارِكُ لِضَرْعِ الشَّاةِ: انْقَبِضْ فَمَا زَالَ يَنْقَبِضُ حَتَّى عَادَ إِلى مَا كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ قُلْتُ لِلرَّجُلُ الْمُبَارِكْ: عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الذِي قُلْتَهُ فَقَالَ لِي: إِنَّكَ غُلامٌ مُعَلَّمٌ. كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةُ قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ مَعَ الإِسْلام وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُبَارَكَ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَّا الذِي مَعَهُ فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَقَدْ نَفََرَا فِي ذَلِكَ إِلى شِعَابِ مَكَّةَ لِفَرْطِ مَا أَرْهَقَتْهُمَا قُرَيْشٌ وَلِشِدَّةِ مَا أُنْزِلَتْ بِهِمَا مِنْ الْبَلاءِ. وَكَمَا أَحَبَّ الْغُلامُ الذِي هُوَ عَبْدُ اللهِ بن مَسْعُودٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَهُ وَتَعَلَّقَ بِهِمَا فَقَدْ أَعْجَبَ ﷺ وَصَاحِبُهُ بَعَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ وَأَكْبَرَا أَمَانَتَهُ وَحَزْمَهُ وَتَوَسَّمَا فِيهِ الْخَيْرَ وَلَمْ يَمْضِ إِلا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِيّ ﷺ لِيَخْدِمَهُ فَقَبِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَوَضَعَهُ فِي خِدْمَتِهِ. وَلَزِمَ عَبْدُ الله بنُ مَسْعُودٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ يُرَافِقُهُ فِي حِلِّهِ وَتِرْحَالِهِ يُوقِظُهُ إِذَا نَامَ وَيَسْتُرُهُ عِنْدَ الْغُسْل وَيُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَيَخْلَعَهُا مِنْ قَدَمَيْهِ إِذَا أَرَادَ الدُّخُولَ وَيَحْمِلُ لَهُ عَصَاهُ وَسِوَاكَهُ وَيَلِجُ الْحَجَرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا آوَى إِلى حُجْرَتِهِ. اللَّهُمَّ اهْدِنَا بِهُدَاكَ إِلى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ يَا كَرِيمِ وَاجْعَلْنَا يَا مَوْلانَا مِمَّنْ أَتَاكَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا

стр. 3390

وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. فَتَرَبَّى عَبْدُ اللهِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِِ ﷺ فَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ وَتَخَلَّقَ بِشَمَائِلِهِ وَتَابَعَهُ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ وَتَعَلَّمَ ابنُ مَسْعُودٍ فِي مَدْرَسَةِ النَّبِيّ ﷺ فَكَانَ مِنْ أَقْرَأِ الصَّحَابَةِ لِلْقُرْآنِ وَأَفْقَهِهِمْ لِمَعَانِيهِ وَمِنْ أَعْلَمِهِمْ بِشَرْعِ اللهِ. وَلا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حِكَايَةِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الذِي أَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ وَاقفٌ بِعَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ: جِئْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْكُوفَةِ - وَتَرَكْتُ بِهَا رَجُلاً يُمْلِي الْمَصَاحِفَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ فَغَضَبَ عُمَرُ غَضَباً شَدِيداً وَقَالَ: مَنْ هُوَ وَيْحَكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُود فَمَا زَالَ عُمَرُ يَنْطَفِي غَضَبُهُ وَيُسَرَّى عَنْهُ حَتَّى عَادَ إِلى حَالِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْهُ وَسَأْحَدِّثُكَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْمُرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ - أي يَتَحَدَّثَان وَيَتَفَاوَضَانِ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَكُنْتُ مَعَهُمَا ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَرَجْنَا مَعَهُ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ لَمْ نَتَبَيَّنْهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْمَعُ إِلَيْهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا وَقَالَ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رَطْباً كَمَا نَزَلَ فَلْيَقْرَأ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)) . ثُمَّ جَلَسَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُو فَجَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ لَهُ: ((سَلْ تُعْطَهْ سَلْ تُعْطَهْ)) . قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي وَاللهِ لأَغْدُوَنَّ عَلَى عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ لأُبَشِّرَّنَهُ بِتَأْمِين رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى دُعَائِهِ فَغَدَوْتَ عَلَيْهِ فَبَشَّرْتُهُ فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقِنِي إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ. لا وَاللهِ مَا سَابَقْتُ أَبَا بَكْرٍ إِلى خَيْرٍ قَطُ إِلا سَبَقَنِي إِلَيْهِ وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ عِلْمِ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ بِكِتَابِ اللهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاللهِ الذِي لا آلهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ

стр. 3391

مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلا وَأَنَا أَعْلمُ أَيْنَ نَزَلَتْ وَأَعْلَمُ فِيمَا نَزَلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَداً أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تَنَالُهُ الْمَطِيُّ لأَتَيْتُهُ. وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ مُبَالِغاً فِيمَا قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَهَذَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَلْقَى رَكْباً فِي سَفَرٍ مِنْ أَسْفَارِهِ وَاللَّيْلُ مُخَيِّمٌ يَحْجِبُ الرَّكْبَ بِظَلامِهِ وَكَانَ فِي الرَّكْبِ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ فَأَمَرَ عُمَرُ رَجُلاً أَنْ يُنَادِيهِمْ مَنْ أَيْنَ الْقَوْمِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: مِنْ الْفَجِّ الْعَمِيقِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ فِيهِمْ عَالِماً وَأَمَرَ رَجُلاً فَنَادَاهُمْ أَيُّ الْقُرْآنِِ أَعْظَمُ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بِنُ مَسْعُودٍ ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآيةَ قَالَ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَحْكَمُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ . فَقَالَ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَجْمَعُ فَقَالَ عَبْدُ الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَخْوَفُ فَقَالَ عَبْدُ الله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. فَقَالَ عُمَرُ: نَادِهِمْ أَيُّ الْقُرْآنِ أَرْجِي فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فَقَالَ: نَادِهِمْ أَفِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. وَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ قَارِئاً عَالِماً عَابِداً زَاهِداً فَحَسْبِ وَإِنَّمَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَوِيّاً حَازِماً مُجَاهِداً مِقْدَاماً شُجَاعاً إِذَا جَدَّ الْجِدُّ فَحَسْبُهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمٍ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .

стр. 3392

فَقَدْ اجْتَمَعَ يَوْماً أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَكَّة وَكَانُوا قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ فَقَالُوا: وَالله مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ بِهِ قَطْ فَمَنْ رَجُلٌ منْكُمْ يُسْمِعُهُمْ إِيَّاهُ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ: أَنَا أَسْمِعُهُمْ إِيَّاهُ فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ إِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلاً لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيه وَتَمْنَعِهُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادُوهُ بِشَرٍ. فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ اللهَ سَيَمْنَعُنِي وَيَحْمِينِي ثُمَّ غَدَا إِلى الْمَسْجِدِ حَتَّى أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فِي الضُّحَى وَقُرَيْشٌ جُلُوسٌ فَوَقَفَ عِنْدَ الْمَقَامِ وَقَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَافِعاً صَوْتَهُ ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ . وَمَضَى يَقْرَؤُهَا فَتَأَمَّلَتْهُ قُرَيْشٌ وَقَالَتْ: مَاذَا قَالَ ابنُ أُمَّ عَبْدٍ تَبّاً لَهُ ... إِنَّهُ يَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَقَامُوا إِلَيْهِ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَهُوَ يَقْرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَبْلُغَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلى أَصْحَابِهِ وَالدَّمُّ يَسِيلُ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الذِي خَشَيْنَا عَلَيْكَ فَقَالَ: وَاللهِ مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللهِ أَهْوَنَ فِي عَيْنِي مِنْهُمْ الآنَ وَإِنْ شِئْتُمْ لأُغَادِيَنَّهُمْ بِمِثْلِهَا غَداً قَالُوا: لا حَسْبُكَ لَقَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ. وَمِنْ كَلامِهِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينِهِ فَيَخْرُجُ وَلا دِينَ مَعَهُ لأَنَّهُ مُعَرَّضٌ أَنْ يَعْصِي اللهَ تَعَالى إِمَّا بِفِعْلِهِ وَإِمَّا بِسُكُوتِهِ وَإِمَّا بِاعْتِقَادِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ يَعْبُدُ اللهَ تَعَالى سَبْعِينَ سَنَةً وَهُوَ يُحِبُّ ظَالِماً لَبَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ يُحِبُّ وَسَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ وَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَصْحَاب

стр. 3393

الْيَمِينَ فَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: هَا هُنَا رَجُلٌ يَوَدُّ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لا يُبْعَثُ يَعْنِي نَفسَه ﵁. وَخَرَجَ مَرَّة مَعَهُ نَاسٌ يُشَيِّعُونَهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَلَكُمْ حَاجَةٌ؟ قَالُوا: لا. فَقَالَ: ارْجَعُوا فَإِنَّهُ ذُلٌّ لِتَابِعٍ وَفِتْنَه لِلْمَتْبُوعِ وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرِةِ الرِّوَايَةِ إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالْخَشْيَةِ. وَكَانَ يَقُولُ ذَهَبَ صَفْوُ الدُّنْيَا وَبَقِيَ كَدْرُهَا وَالْمَوْتُ الْيَوْمَ تُحْفَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمِنْ كَلامِهِ إِنِّي لا أَبْغَضُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغاً لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا وَلا عَمَلِ الآخِرَةِ. مَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ الصَّلاةُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِن اللهِ إِلا بُعْدَاً، إِنَّكُمْ تَرَوْنَ الْكَافِرَ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ جِسْماً وَأَمْرَاضِهِمْ قَلْباً وَتَلْقَوْنَ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَصَحِّ النَّاسِ قَلْباً وَأَمْرَضِهِمْ جِسْماً وَأَيْمُ اللهِ لَوْ مَرِضَتْ قُلُوبُكُمْ وَصَحَّتْ أَبْدَانُكُمْ لَكُنْتُمْ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِن الْجُعْلانِ. يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ أَفْضَلُ أَعْمَالِهِمْ التَّلاوُمُ بَيْنَهُمْ يُسَمَّوْنَ الأَنْتَانَ. عَاشَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ إِلى زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁ فَلَمَّا مَرَِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ جَاءَهُ عُثْمَانُ عَائِداً فَقَالَ لَهُ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: رَحْمَةُ رَبِّي. قَالَ: أَلا آمُرُ لَكَ بِعَطَائِكَ الذِي امْتَنَعْتَ عَنْ أَخْذِهِ مُنْذُ سِنِينَ. فَقَالَ: لا حَاجَة لِي بِهِ. فَقَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ فَقَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ إِنِّي أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ قَرَأَ الْوَاقِعَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَداً)) . وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ تُوِفِِّي عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَلِسَانُهُ رَطْبٌ

стр. 3394

بِذِكْرِ اللهِ نَدِيّ بِآيَاتِهِ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَلَهُ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً ﵁. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلوكِ سَبِيلِ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَارْزُقْنَا الثَّبَاتَ عَلَيْهِ وَالاسْتِقَامَةَ وَعَافِنَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ وَأَمِّنَّا مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْراً: فِيمَا جَرَى عَلَى الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ مِنْ الظُّلْمَةِ وَالطُّغَاة وَالْمُجْرِمِينَ: جَازَاهمُ اللهُ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ: وَدَارَتْ عَلَى الإِسْلامِ أَكْبَرُ فِتْنَةٍ وَسُلَّتْ سُيُوفُ الْبَغْيِ مِنْ كُلِّ غَادِرِ وَذُلَّتْ رِقَابُ مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ وَكَانُوا عَلَى الإِسْلامِ أَهْلََ تَنَاصُرِ وَأَضْحَى بَنُو الإِسْلامِ فِي كُلِّ مَأْزِقٍ تَزُورُهُمُوا غَرْثَى السِّبَاعِ الضَّوَامِرِ وَهُتِّكَ سِتْرٌ لِلْحَرَائِرِ جَهْرَةً بَأَيْدِي غُوَاتٍ مِنْ بَوَادٍ وَحَاضِرِ وَجَاءُوا مِنْ الْفَحْشَاءِ مَا لا يَعُدُّهُ لَبِيبٌ وَلا يُحْصِيهِ نَظْمٌ لِشَاعِرِ وَبَاتَ الأَيَامَى فِي الشِّتَاءِ سَوَاغِباً يَبْكِينَ أَزْوَاجاً وَخَيْرَ الْعَشَائِرِ وَجَاءَتْ غِوَاشٍ يَشْهَدُ النَّصُّ أَنَّهَا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الْغُوَاةِ الْغَوَادِرِ

стр. 3395

وَجَرَّ زَعِيمُ الْقَوْمِ لِلتُّرْكِ دَوْلَةً عَلَى مِلَّةِ الإِسْلامِ فِعْلَ الْمُكَابِرِ وَوَازَرَهُ فِي رَأْيِهِ كُلُّ جَاهِل يَرُوحُ وَيَغْدُو آثِماً غَيْرَ شَاكِرِ وَآخَر يَبْتَاعُ الضَّلالةَ بِالْهُدَى وَيَخْتَالُ فِي ثَوْبٍ مِنْ الْكِبْرِ وَافِرِ وَثَالِثُهُمْ لا يَعْبُؤُ الدَّهْرِ بِالَّتِي تَبِيدُ مِنْ الإِسْلامِ عَزْمَ الْمَذَاكِرِ وَلَكِنَّهُ يَهْوَى وَيَعْمَلُ لِلْهَوَى وَيُصْبِحُ فِي بَحْرٍ مِنْ الرَّيْبِ عَامِرِ وَقَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا مَضَى خَيْرُ نَاصِحٍ إِمَامُ هُدىً يَبْنِي رَفِيعَ الْمَفَاخِرِ وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ قَعْرِ ظَلْمَا مُضِّلِّةٍ لِسَالِكِهَا أَوْ مِنْ لَظَى وَالْمَسَاعِرِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ السَّلامَةَ فِي الَّتِي عَلَيْهَاَ خِيَارُ الصَّحْبِ مِنْ كُلِّ شَاكِرِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ وَاحْتَوَى أَكَابِرُهُمْ كَنْزَ اللُّهَى وَالذَّخَائِرِ سَعَوْا جُهْدَهُمْ فِي هَدْمِ مَا قَدْ بَنَى لَهُمْ مَشَائِخُهُمْ وَاسْتَنْصَرُوا كُلَّ دَاغر

стр. 3396

وَسَارُوا لأَهْلِ الشِّرْكِ وَاسْتَسْلَمُوا لَهُمْ وَجَاؤُا بِهِمْ مِنْ كُلِّ إِفْكٍ وَسَاحِرٍ وَمُذْ أَرْسَلُوهَا أَرْسَلُوهَا ذَمِيمَةً تُهَدِّمُ مِنْ رَبْعِ الْهُدَى كُلَّ عَامِرِ وَبَاؤُا مِنْ الْخُسْرَانِ بِالصَّفَقَةِ الَّتِي يَبُوءُ بِهَا مِنْ دَهْرِهِ كُلَّ خَاسِرِ وَصَارَ لأَهْلِ الرُّفْضِ وَالشِّرْكِ صَوْلَةٌ وَقَامَ بِهِمْ سُوقُ الرَّدَى وَالْمَنَاكِرِ وَعَادَ لَدَيْهِمْ لِلَّوَاطِ وَلِلْخَنَا مَعَاهِدُ يَغْدُو نَحْوَهَا كُلَّ فَاجِرِ وَشُتِّتَ شَمْلُ الدِّينِ وَانْبِتَّ حَبْلُهُ وَصَارَ مُضَاعاً بَيْنَ شَرِّ الْعَسَاكِرِ وَأُذَّنَ بِالنَّاقُوسِ وَالطَّبْلِ أَهْلُهَا وَلَمْ يَرْضَ بِالتَّوْحِيدِ حِزْبُ الْمَزَامِرِ وَأَصْبَحَ أَهْلُ الْحَقِّ بَيْنَ مُعَاقَبٍ وَبَيْنَ طَرِيدٍ فِي الْقَبَائِلِ صَائِرِ فَقَلْ لِلْغَوِّي الْمُسْتَجِيرِ بِظُلْمِهِمْ سَتُحْشَرُ يَوْمَ الدِّينِ بَيْنَ الأَصَاغِرِ وَيَكْشَفُ لِلْمُرْتَابِ أَيَّ بِضَاعَةٍ أَضَاعِ وَهَلْ يَنْجُو مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ

стр. 3397

.. وَيَعْلَمُ يَوْمَ الْجَمْعِ أَيَّ جِنَايَةٍ جَنَاهَا وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ مَكْرِ مَاكِرِ فَيَا أُمَّةً ضَلَّتْ سَبِيلَ نَبِيَّهَا وَآثَارَهُ يَوْمَ اقْتِحَامِ الْكَبَائِرِ يَعِزُّ بِكُمْ دِينُ الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ وَأَنْتُمْ بِهِمْ مَا بَيْنَ رَاضٍ وَآمِرِ وَتُهْجَرُ آيَاتُ الْهُدَى وَمَصَاحَفٌ وَيُحْكَمُ بِالْقَانُونِ وَسْطَ الدَّسَاكِرِ هَوَتْ بِكُمُ نَحْوُ الْجَحِيمِ هَوَادَةٌ وَلَذَّاتُ عَيْشٍ نَاعِمٍ غَيْرَ شَاكِرِ سَيَبْدُوا لَكُمْ مِنْ مَالِكِ الْمُلْكِ غَيْرُ مَا تَظَنُّونَهُ بَعْدَ الثَّوَى فِي الْمَقَابِرِ يَقُولُ لَكُمْ مَاذَا فَعَلْتُمْ بِأُمَّةٍ عَلَى نَاهِجٍ مِثْلَ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ سَلَلْتُمْ سَيُوفَ الْبَغْي فِيهِمْ وَعُطِّلَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ كُلِّ دَاعٍ وَذَاكِرِ وَوَالَيْتُمُ أَهْلَ الْجَحِيمِ سَفَاهَةً وَكُنْتُمِ بِدِينِ اللهِ أَوَّلَ كَافِرِ نَسِيتُمْ لَنَا عَهْداً أَتَاكُمْ رَسُولُنَا بِهِ صَارِخاً فَوْقَ الذُّرَى وَالْمَنَابِرِ فَسَلْ سَاكِنَ الأَحْسَاءِ هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ

стр. 3398

.. بِهِذَا وَمَا يَجْرِي صَحِيحُ الدَّفَاتِرِ وَهَلْ نَافِعٌ لِلْمُجْرِمِينَ اعْتِذَارُهُمْ إِذَا دَارَ يَوْمَ الْجَمْعِ سُوءُ الدَّوَائِرِ وَقَالَ الشَّقِيُّ الْمُفْتَرِي كُنْتُ كَارِهاً ضَعِيفاً مُضَاعاً بَيْنَ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ أَمَانِيَّ تَلْقَاهَا لِكُلِّ مُتَبَّرٍ حَقِيقَتُهَا نَبْذُ الْهُدَى وَالشَّعَائِرِ تَعُودُ سَرَاباً بَعْدَ مَا كَانَ لامِعاً لِكُلِّ جَهُولٍ فِي الْمَهَامهِ حَائِرِ فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُحَضْى بِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَتَظْهَرَ فِي ثَوْبٍ مِنْ الْمَجْدِ بَاهِرِ وَتَدْنُوا مِنْ الْجَبَّارِ ﷻ إِلى غَايَةٍ فَوْقَ الْعُلَى وَالْمَظَاهِرِ فَهَاجِرْ إِلى رَبِّ الْبَرِيَّةِ طَالِباً رِضَاهُ وَرَاغِمْ بِالْهُدَى كُلَّ جَائِرِ وَجَانِبِ سَبِيلَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ ذَوِي الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ مَعَ كُلِّ غَادِرِ وَبَادِرْ إِلى رَفْعِ الشِّكَايَةِ ضَارِعاً إِلى كَاشِفِ الْبَلْوَى عَلِيمِ السَّرَائِرِ وَكَابِدْ إِلى أنْ تَبَلُغَ النَّفْسُ عُذْرَهَا وَتُرْفَعَ فِي ثَوْب مِن الْعَفْوِ سَاتِرِ

стр. 3399

.. وَلا تَيْأَسَنْ مِنْ صُنْع رَبِّكَ إِنَّهُ مُجِيبٌ وَإِنَّ اللهَ أَقْرَبُ نَاصِرِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُبْدِي بِلُطْفِهِ وَيُعَقِّبُ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْراً لِصَابِرِ وَأَنَّ الدِّيَارَ الْهَامِدَاتِ يَمُدُّهَا بِوَبْلٍ مِنْ الْوَسْمِي هَامٍ وَمَاطِرِ فَتُصْبِحُ فِي رَغْدٍ مِنْ الْعَيْشِ نَاعِمٍ وَتَهْتَزُ فِي ثَوْبٍ مِنْ الْحُسْنِ فَاخِرِ اللَّهُمَّ يَا مَنْ فَتَحَ بَابَهُ لِلطَّالِبِينَ وَأَظَهْرَ غِنَاءَهُ لِلرَّاغِبِينَ أَلْهِمْنَا مَا أَلْهَمْتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ وَأَيْقِظْنَا مِنْ رَقْدَةِ الْغَافِلِينَ إِنَّكَ أَكْرَمُ مُنْعِمٍ وَأَعَزُّ مُعِين وَاغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ وَوَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَنَجِّنَا مِنْ جَمِيعِ الأَهْوَالِ، وَأَمِّنَّا مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَر يَوْمَ الرَّحْفِ وَالزَّلْزَلالْ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. قصة عبد الله بن عباس عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسِ بنُ عَمِّ الْمُصْطَفَى ﷺ اجْتَمَعَ لَهُ ﵁ مَجْدُ الصُّحْبَةِ وَمَجْدُ الْقَرَابَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَمَجْدُ الْعِلْمِ وَمَجْدُ التُّقَى، فَقَدْ كَانَ صَوَّاماً بِالنَّهَارِ قَوَّاماً بِاللَّيْلِ بَكَاء مِنَ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ الدَّمْعَ حَفَرَ خَدَّيْهِ أَعْلَمُ الأُمَّةِ بِكِتَابِ اللهِ وَأَفْقَهُهَا بِتَأْوِيلِهِ وَأَقْدَرُهَا عَلَى النُّفُوذِ إِلى أَغْوَارِهِ وَإِدْرَاكِ مَرَامِيهِ وَأَسْرَارِهِ. وُلِدَ ﵁ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سَنَوَاتٍ وَلَمَّا تُوِفِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَهُ ثَلاثَ عَشْرَة سَنَةَ فَقَطْ وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ حَفِظَ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَلْفاً وَسِتِّمَائَةً وَسِتِّينَ حَدِيثاً أَثْبَتَهَا الْبُخَارِيُ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِمَا.

стр. 3400

وَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ حَمَلَتْهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَنَّكَهُ بِرِيقِهِ ﷺ فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ النَّبِيَّ ﷺ مُلازَمَةَ الْعَيْنِ لأُخْتِهَا. فَكَانَ يُعِدُّ لَهُ مَاءَ وُضُوئِهِ إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَوَضَأَ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا وَقَفَ لِلصَّلاةَ وَيَكُونُ رَدِيفَه إِذَا عَزَمَ عَلَى سَفَرٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْباً وَذِهْناً صَافِياً. حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: هَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْوُضَوءِ ذَاتَ مَرَّةٍ فَمَا أَسْرَع أَنْ أَعْدَدْتُ لَهُ الْمَاءَ فَسُرَّ بِمَا صَنَعْتُ وَلَمَّا هَمَّ بِالصَّلاةِ أَشَارَ إِلى أَنْ أَقِفَ بَازَائِهِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ. فَلَمَّا انْتَهَتِ الصَّلاةُ مَالَ عَلَيَّ وَقَالَ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ بَازِائِي ياَ عَبْدَ اللهِ)) . فَقُلْتُ: أَنْتَ أَجَلُ فِي عَيْنِي وَأَعَزُّ مِنْ أُوَارِيكَ يَا رَسُولَ الله. فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ» . وَقَدْ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ فَآتَاهُ مِنْ الْحِكْمَةِ مَا فَاقَ بِهِ أَسَاطِينَ الْحُكَمَاءِ. مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَزَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ وَخَذَلُوهُ فِي نِزَاعِهِ مَعَ مُعَاوَيَةَ ﵄ قَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ لِعَلِّي ﵁: ائْذَنْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ آتِي الْقَوْمَ وَأَكَلِمَهُمْ فَقَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ فَقَالَ: كَلا إِنْ شَاءَ اللهُ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرَ قَوْماً أَشَدَّ اجْتِهَاداً مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فَقَالُوا: مَرْحَباً بِكَ يَا ابنَ عَبَّاسٍ مَا جَاءَ بِكَ فَقَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُحَدِّثُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَسْمَعُ مِنْكَ.
следующие страницы →