Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
وَسَارُوا لأَهْلِ الشِّرْكِ وَاسْتَسْلَمُوا لَهُمْ
وَجَاؤُا بِهِمْ مِنْ كُلِّ إِفْكٍ وَسَاحِرٍ
وَمُذْ أَرْسَلُوهَا أَرْسَلُوهَا ذَمِيمَةً
تُهَدِّمُ مِنْ رَبْعِ الْهُدَى كُلَّ عَامِرِ
وَبَاؤُا مِنْ الْخُسْرَانِ بِالصَّفَقَةِ الَّتِي
يَبُوءُ بِهَا مِنْ دَهْرِهِ كُلَّ خَاسِرِ
وَصَارَ لأَهْلِ الرُّفْضِ وَالشِّرْكِ صَوْلَةٌ
وَقَامَ بِهِمْ سُوقُ الرَّدَى وَالْمَنَاكِرِ
وَعَادَ لَدَيْهِمْ لِلَّوَاطِ وَلِلْخَنَا
مَعَاهِدُ يَغْدُو نَحْوَهَا كُلَّ فَاجِرِ
وَشُتِّتَ شَمْلُ الدِّينِ وَانْبِتَّ حَبْلُهُ
وَصَارَ مُضَاعاً بَيْنَ شَرِّ الْعَسَاكِرِ
وَأُذَّنَ بِالنَّاقُوسِ وَالطَّبْلِ أَهْلُهَا
وَلَمْ يَرْضَ بِالتَّوْحِيدِ حِزْبُ الْمَزَامِرِ
وَأَصْبَحَ أَهْلُ الْحَقِّ بَيْنَ مُعَاقَبٍ
وَبَيْنَ طَرِيدٍ فِي الْقَبَائِلِ صَائِرِ
فَقَلْ لِلْغَوِّي الْمُسْتَجِيرِ بِظُلْمِهِمْ
سَتُحْشَرُ يَوْمَ الدِّينِ بَيْنَ الأَصَاغِرِ
وَيَكْشَفُ لِلْمُرْتَابِ أَيَّ بِضَاعَةٍ
أَضَاعِ وَهَلْ يَنْجُو مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ
стр. 3397
.. وَيَعْلَمُ يَوْمَ الْجَمْعِ أَيَّ جِنَايَةٍ
جَنَاهَا وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ مَكْرِ مَاكِرِ
فَيَا أُمَّةً ضَلَّتْ سَبِيلَ نَبِيَّهَا
وَآثَارَهُ يَوْمَ اقْتِحَامِ الْكَبَائِرِ
يَعِزُّ بِكُمْ دِينُ الصَّلِيبِ وَأَهْلِهِ
وَأَنْتُمْ بِهِمْ مَا بَيْنَ رَاضٍ وَآمِرِ
وَتُهْجَرُ آيَاتُ الْهُدَى وَمَصَاحَفٌ
وَيُحْكَمُ بِالْقَانُونِ وَسْطَ الدَّسَاكِرِ
هَوَتْ بِكُمُ نَحْوُ الْجَحِيمِ هَوَادَةٌ
وَلَذَّاتُ عَيْشٍ نَاعِمٍ غَيْرَ شَاكِرِ
سَيَبْدُوا لَكُمْ مِنْ مَالِكِ الْمُلْكِ غَيْرُ مَا
تَظَنُّونَهُ بَعْدَ الثَّوَى فِي الْمَقَابِرِ
يَقُولُ لَكُمْ مَاذَا فَعَلْتُمْ بِأُمَّةٍ
عَلَى نَاهِجٍ مِثْلَ النُّجُومِ الزَّوَاهِرِ
سَلَلْتُمْ سَيُوفَ الْبَغْي فِيهِمْ وَعُطِّلَتْ
مَسَاجِدُهُمْ مِنْ كُلِّ دَاعٍ وَذَاكِرِ
وَوَالَيْتُمُ أَهْلَ الْجَحِيمِ سَفَاهَةً
وَكُنْتُمِ بِدِينِ اللهِ أَوَّلَ كَافِرِ
نَسِيتُمْ لَنَا عَهْداً أَتَاكُمْ رَسُولُنَا
بِهِ صَارِخاً فَوْقَ الذُّرَى وَالْمَنَابِرِ
فَسَلْ سَاكِنَ الأَحْسَاءِ هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ
стр. 3398
.. بِهِذَا وَمَا يَجْرِي صَحِيحُ الدَّفَاتِرِ
وَهَلْ نَافِعٌ لِلْمُجْرِمِينَ اعْتِذَارُهُمْ
إِذَا دَارَ يَوْمَ الْجَمْعِ سُوءُ الدَّوَائِرِ
وَقَالَ الشَّقِيُّ الْمُفْتَرِي كُنْتُ كَارِهاً
ضَعِيفاً مُضَاعاً بَيْنَ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ
أَمَانِيَّ تَلْقَاهَا لِكُلِّ مُتَبَّرٍ
حَقِيقَتُهَا نَبْذُ الْهُدَى وَالشَّعَائِرِ
تَعُودُ سَرَاباً بَعْدَ مَا كَانَ لامِعاً
لِكُلِّ جَهُولٍ فِي الْمَهَامهِ حَائِرِ
فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُحَضْى بِكُلِّ فَضِيلَةٍ
وَتَظْهَرَ فِي ثَوْبٍ مِنْ الْمَجْدِ بَاهِرِ
وَتَدْنُوا مِنْ الْجَبَّارِ ﷻ
إِلى غَايَةٍ فَوْقَ الْعُلَى وَالْمَظَاهِرِ
فَهَاجِرْ إِلى رَبِّ الْبَرِيَّةِ طَالِباً
رِضَاهُ وَرَاغِمْ بِالْهُدَى كُلَّ جَائِرِ
وَجَانِبِ سَبِيلَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ
ذَوِي الشِّرْكِ وَالتَّعْطِيلِ مَعَ كُلِّ غَادِرِ
وَبَادِرْ إِلى رَفْعِ الشِّكَايَةِ ضَارِعاً
إِلى كَاشِفِ الْبَلْوَى عَلِيمِ السَّرَائِرِ
وَكَابِدْ إِلى أنْ تَبَلُغَ النَّفْسُ عُذْرَهَا
وَتُرْفَعَ فِي ثَوْب مِن الْعَفْوِ سَاتِرِ
стр. 3399
.. وَلا تَيْأَسَنْ مِنْ صُنْع رَبِّكَ إِنَّهُ
مُجِيبٌ وَإِنَّ اللهَ أَقْرَبُ نَاصِرِ
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُبْدِي بِلُطْفِهِ
وَيُعَقِّبُ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْراً لِصَابِرِ
وَأَنَّ الدِّيَارَ الْهَامِدَاتِ يَمُدُّهَا
بِوَبْلٍ مِنْ الْوَسْمِي هَامٍ وَمَاطِرِ
فَتُصْبِحُ فِي رَغْدٍ مِنْ الْعَيْشِ نَاعِمٍ
وَتَهْتَزُ فِي ثَوْبٍ مِنْ الْحُسْنِ فَاخِرِ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ فَتَحَ بَابَهُ لِلطَّالِبِينَ وَأَظَهْرَ غِنَاءَهُ لِلرَّاغِبِينَ أَلْهِمْنَا مَا أَلْهَمْتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ وَأَيْقِظْنَا مِنْ رَقْدَةِ الْغَافِلِينَ إِنَّكَ أَكْرَمُ مُنْعِمٍ وَأَعَزُّ مُعِين وَاغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ وَوَفِّقْنَا لِصَالِحِ الأَعْمَالِ، وَنَجِّنَا مِنْ جَمِيعِ الأَهْوَالِ، وَأَمِّنَّا مِنْ الْفَزَعِ الأَكْبَر يَوْمَ الرَّحْفِ وَالزَّلْزَلالْ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قصة عبد الله بن عباس
عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسِ بنُ عَمِّ الْمُصْطَفَى ﷺ اجْتَمَعَ لَهُ ﵁ مَجْدُ الصُّحْبَةِ وَمَجْدُ الْقَرَابَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَمَجْدُ الْعِلْمِ وَمَجْدُ التُّقَى، فَقَدْ كَانَ صَوَّاماً بِالنَّهَارِ قَوَّاماً بِاللَّيْلِ بَكَاء مِنَ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى قِيلَ إِنَّ الدَّمْعَ حَفَرَ خَدَّيْهِ أَعْلَمُ الأُمَّةِ بِكِتَابِ اللهِ وَأَفْقَهُهَا بِتَأْوِيلِهِ وَأَقْدَرُهَا عَلَى النُّفُوذِ إِلى أَغْوَارِهِ وَإِدْرَاكِ مَرَامِيهِ وَأَسْرَارِهِ.
وُلِدَ ﵁ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سَنَوَاتٍ وَلَمَّا تُوِفِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَهُ ثَلاثَ عَشْرَة سَنَةَ فَقَطْ وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ حَفِظَ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ نَبِيِّهِمْ أَلْفاً وَسِتِّمَائَةً وَسِتِّينَ حَدِيثاً أَثْبَتَهَا الْبُخَارِيُ وَمُسْلِمُ فِي صَحِيحِهِمَا.
стр. 3400
وَلَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ حَمَلَتْهُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَنَّكَهُ بِرِيقِهِ ﷺ فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ النَّبِيَّ ﷺ مُلازَمَةَ الْعَيْنِ لأُخْتِهَا.
فَكَانَ يُعِدُّ لَهُ مَاءَ وُضُوئِهِ إِذَا هَمَّ أَنْ يَتَوَضَأَ وَيُصَلِّي خَلْفَهُ إِذَا وَقَفَ لِلصَّلاةَ وَيَكُونُ رَدِيفَه إِذَا عَزَمَ عَلَى سَفَرٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَحْمِلُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَلْباً وَذِهْناً صَافِياً.
حَدَّثَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: هَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْوُضَوءِ ذَاتَ مَرَّةٍ فَمَا أَسْرَع أَنْ أَعْدَدْتُ لَهُ الْمَاءَ فَسُرَّ بِمَا صَنَعْتُ وَلَمَّا هَمَّ بِالصَّلاةِ أَشَارَ إِلى أَنْ أَقِفَ بَازَائِهِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ الصَّلاةُ مَالَ عَلَيَّ وَقَالَ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكُونَ بَازِائِي ياَ عَبْدَ اللهِ)) . فَقُلْتُ: أَنْتَ أَجَلُ فِي عَيْنِي وَأَعَزُّ مِنْ أُوَارِيكَ يَا رَسُولَ الله.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ آتِهِ الْحِكْمَةَ» . وَقَدْ اسْتَجَابَ اللهُ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ فَآتَاهُ مِنْ الْحِكْمَةِ مَا فَاقَ بِهِ أَسَاطِينَ الْحُكَمَاءِ.
مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَزَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيّ بن أَبِي طَالِبٍ وَخَذَلُوهُ فِي نِزَاعِهِ مَعَ مُعَاوَيَةَ ﵄ قَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ لِعَلِّي ﵁: ائْذَنْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ آتِي الْقَوْمَ وَأَكَلِمَهُمْ فَقَالَ: إِنِّي أَتَخَوَّفَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ فَقَالَ: كَلا إِنْ شَاءَ اللهُ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرَ قَوْماً أَشَدَّ اجْتِهَاداً مِنْهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فَقَالُوا: مَرْحَباً بِكَ يَا ابنَ عَبَّاسٍ مَا جَاءَ بِكَ فَقَالَ: جِئْتُ أُحَدِّثُكُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تُحَدِّثُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَسْمَعُ مِنْكَ.
стр. 3401
فَقَالَ أَخْبِرُونِي مَا تَنْقِمُونَ عَلَى ابنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَزَوْجِ ابْنَتِهِ وَأَوَّلِ مَنْ آمَنَ بِهِ قَالُوا: نَنْقِمُ عَلَيْهِ ثَلاثَةَ أُمُورٍ أَوَّلُهَا أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ وَثَانِيهَا أَنَّهُ قَاتَلَ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ غَنَائِمَ وَلا سَبَايَا وَثَالِثُهَا أَنَّهُ مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ بَايَعُوهُ وَأَمَّرُوهُ.
فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ، إِنْ أَسْمَعْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ مَالا تُنْكِرُونَهُ أَفَتَرْجُعُونَ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنَّهُ حَكَمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللهِ فَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ .
أَنْشُدُكُمْ اللَه أَفَحُكْمَ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَحَقُّ أَمْ فِي أَرْنَب ثَمَنُهَا رُبْعُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالُوا: بَلْ فِي حَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصَلاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ. فَقَالَ: أَخَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ عَلِيّاً قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ - أَيْ لَمْ يَأْخُذْ سَبَايَا كَمَا سَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَفَكُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْبُوا أُمَّكُمْ عَائِشَةَ كَمَا تُسْتَحَلُّ السَّبَايَا فَإِنْ قُلْتُمْ: نَعَمْ كَفَرْتُمْ وَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمِّكُمْ كَفَرْتُمْ أَيْضاً فَاللهُ يَقُولُ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ مَا شِئْتُمْ ثُمَّ قَالَ: أَخَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إِنَّ عَلِيّاً مَحَا عَنْ نَفْسِهِ لَقَبَ إمْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَكْتُبُوا فِي الصُّلْحِ الذِي عَقَدَهُ مَعَهُمْ هَذَا مَا قَاضَى
стр. 3402
عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، قَالُوا: لَوْ كُنَّا نُؤْمِنْ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلا قَاتَلْنَاكَ وَلَكِنْ أُكْتُبْ مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ فَنَزَلَ عِنْدَ طَلَبِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: «وَاللهِ إِنِّي لِرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَهَلْ خَرَجْنَا مِنْ هَذِهِ» ؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
وَكَانَ مِنْ ثَمَرَةِ هَذَا اللَّقَاءِ وَمَا وَفَّقَ اللهُ فِيهِ عَبْدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ مِنْ حِكْمَةٍ وَحُجَّةٍ أَنْ عَادَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفاً إِلى صُفُوفِ عَلِي وَأَصَرَّ أَرْبَعَةُ آلافٍ عَلَى خُصُومَتِهِمْ لِعَلي، وَلَمَّا لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجِوَارِ رَبِّهِ اتَّجَه عَبْدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ إِلى الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ يَأْخُذُ عَنْهُمْ الْعِلْمَ وَيَتَلَقَّى عَنْهُمْ.
وَحَدَّثَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: كَانَ إِذَا بَلَغَنِي الْحَدِيثَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَتَيْتُ بَابَ بَيْتِهِ فِي وَقْتِ قَيْلُولَتِهِ وَتَوَسَّدْتُ رِدَائِي عِنْدَ عُتْبَةِ دَارِهِ فَتَسْفِي عَليَّ الرِّيحُ مِنْ التُّرَابِ مَا تَسْفِي وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَسْتَأَذِنَ عَلَيْهُ لأَذِنَ لِي.
وَإِنَّمَا كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ لأُطَيِّبَ نَفْسَهُ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ رَآنِي عَلَى هَذِهِ الْحَالَ وَقَالَ: «يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا جَاءَ بِكَ هَلا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ فَأَقُولُ أَنَا أَحَقُّ بِالْمَجِيءِ إِلَيْكَ فَالْعِلْمُ يُؤْتَى وَلا يَأْتِي ثُمَّ أَسْأَلُهَ عَنْ الْحَدِيثِ» .
وَكَمَا كَانَ ابنُ عَبَّاسِ يُذِلُ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَدْ كَانَ يُعْلِى مِنْ قَدرِ الْعُلَمَاءِ فَهَا هُوَ ذَا زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ كَاتِبُ الْوَحِي وَرَأْسُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْفَرَائِضِ يَهَمُّ بِرِكُوبِ دَابَّتِهِ فَقَالَ: «دَعْ عَنْكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ » . فَقَالَ ابنْ ُعَبَّاس: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا.
стр. 3403
اللَّهُمَّ يَا عَالَم الخَفياتِ وَيَا سَامِعَ الأَصْوَاتِ وَيَا بَاعِثَ الأَمْواتِ وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ وَيَا قَاضِي الحَاجَاتِ يَا خَالَق الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ أَنْتَ اللهُ الأحدُ الصمدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد، الوَهَّابُ الذي لا يَبْخَلُ وَالحِليمُ الذي لا يَعْجَلُ، لا رَادَّ لأمْركَ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكَمِكَ، نَسْأَلَكَ أَنْ تَغفرَ ذُنوبَنَا وَتُنَورَ قلوبنَا وَتُثَبِّتَ مَحَبَّتَكَ فِي قُلُوبِنَا وَتُسْكِنَنَا دَارَ كَرَامَتِكَ إِنك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) وَقَدْ اجْتَهد ابْنُ عَبَّاسٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ مَبْلَغاً وَأَدْهَشَ الْفُحُولَ فَقَالَ فِيهِ مَسْرُوقُ بنُ الأَجْدَعِ أَحَدُ التَّابِعِينَ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسَ فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ.
وَلَمْ يَكُنْ ابنُ عَبَّاسٍ مِنْ الذِينَ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ وَيَنْهَوْنَ وَلا يَنْتَهُون وَإِنَّمَا كَانَ صَوَّاماً بِالنَّهَارِ قَوَّاماً بِاللَّيْلِ.
أَخْبَرَ عَنْهُ عُبْدُ اللهِ بنُ مُلَيْكَةَ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ مَكَّةَ إِلى الْمَدِينَةِ فَكُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزلاً قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ مِنْ شِدَّةَ التَّعَبِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍِ يَقْرَأ: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ فَظَلَّ يُكَرِّرُهَا وَيَنْشُجُ حَتَّى طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ.
وَحَسْبُنَا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ نَعْلَمْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بن عَبَّاسٍ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَجْهاً فَمَا زَالَ يَبْكِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ حَتَّى أَحْدَثَ الدَّمْعُ عَلَى خَدَّيْهِ مَجْرَيَيْنِ شَبَّهَهُمَا بَعْضُهُمْ بِشَرَاكِي النَّعْلِ.
وَقَدْ بَلَغَ ابنُ عَبَّاسٍ مِنْ مَجْدِ الْعِلْمِ غَايَتَه ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بن أَبِي سُفْيَانَ خَرَجَ ذَاتَ سَنَةٍ حَاجّاً وَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ حَاجّاً أَيْضاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْلَةٌ وَلا أَمَارَةٌ فَكَانَ لِمُعَاوِيَةَ مَوْكِبٌ مِنْ رِجَالِ دَوْلِتِه وَكَانَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ مَوْكِبٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ يَفُوقُ مَوْكِبَ مُعَاوِيَةَ.
стр. 3404
رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِساً لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قَرَيْشٍ افْتَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا مَفْخَرَةٌ فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا فِي الطَّرُقِ الْمُؤَدِيَةِ إِلى بَيْتِهِ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِمْ وَسَدُّوهَا فِي وَجُوهِ النَّاسِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ بِاحْتِشَادِ النَّاسِ عَلَى بَابِهِ.
فَقَالَ: ضَعْ لِي وُضُوءاً فَتَوَضَأَ وَجَلَسَ وَقَالَ: أَُخْرُجْ وَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْقُرْآنِ وَحُرُوفهِ فَلْيَدْخَلْ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَؤُا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ فَمَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: افْسَحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكِمْ فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ: أَُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرَآنِ وَتَأْوِيلِهِ فَلَيْدْخُلْ فَقُلْتُ لَهُمْ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَؤُا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ فَمَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: افْسَحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكِمْ فَخَرَجُوا.
ثُمَّ قَالَ: أَُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْفَرَائِضَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلَيْدَخُلْ فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَؤُا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ فَمَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ وَأَكْثَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: افْسَحُوا الطَّرِيقَ لإِخْوَانِكِمْ فَخَرَجُوا.
стр. 3405
ثُمَّ قَالَ: أَُخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَغَرِيبِ كَلامِ الْعَرَبِ فَلَيْدَخُلْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَؤُا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ فَمَا سَأَلُوا عَنْ شَيْءٍ إِلا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ رَاوِي الْخَبَرِ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشاً كُلَّهَا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ لَهَا فَخْراً.
وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَأَى أَنْ يُوَزِّعَ الْعُلُومَ عَلَى الأَيَّامِ حَتَّى لا يَحْدُثَ عَلَى بَابِهِ مِثْلُ ذَلِكَ الزَّحَامِ فَصَارَ يَجْلِسُ فِي الأُسْبُوع يَوْماً لا يَذْكُرُ فِيهِ إِلا التَّفْسِيرَ وَيَوْماً لا يَذْكُرُ فِيهِ إِلا الْفِقْهَ وَيَوْماً لا يَذْكُرُ فِيهِ إِلا الْمَغَارِي وَيَوْماً لا يَذْكُرُ فِيهِ إِلا أَيَّامَ الْعَرَبِ.
وَقَدْ غَدَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِفَضْلِ مَا وَهَبَهُ اللهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفِقهِ مُسْتَشَاراً لِلْخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِهِ فَكَانَ إِذَا عَرَضَ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَمْرٌ وَوَاجَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ دَعَا جِلَّةَ الصَّحَابَةِ وَدَعَا مَعَهُمْ عَبْدَ اللهِ بن عَبَّاسٍ فَإِذَا حَضَرَ رَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَدْنَى مَجِلِسَهُ وَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَعْضَلَ عَلَيْنَا أَمْرٌ أَنْتَ لَهُ وَلأَمْثَالِهِ.
وَقَدْ عُوتِبَ عُمَرُ مَرَّةً فِي تَقْدِيمِهِ لابْنِ عَبَّاسٍ وَجَعَلِهِ مَعَ الشُّيُوخِ وَهُوَ مَا زَالَ فَتَىً فَقَالَ: إِنَّهُ فَتَىَ الْكُهُولِ لَهُ لِسَانٌ وَقَلْبٍ عَقُول أ. هـ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَذِنَ لَهُمْ يَوْماً وَأَذِنَ لِي مَعَهُمْ فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالُوا: أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ إِذْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَأَنْ يَتُوبَ إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ بِحُضُورِ أَجَلِهِ فَقَالَ: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَتْحُ مَكَّةَ وَرَأَيْتَ النَّاسَ
стр. 3406
يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ أَيْ فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلامَةُ مَوْتِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ .
فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَرَوْنَهُ وَقِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمِ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَؤوْلٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ وَقَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ مُجَاهِدُ كَانَ ابِنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ.
عَلَى أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ حِينَ انْصَرَفَ إِلى الْخَاصَّةِ لِيُعَلِّمَهُمْ وَيُفَقِّهَهُمْ لَمْ يَنْسَ حَقَّ الْعَامَّةِ فَكَانَ يَعْقِدُ لَهُمْ مَجَالِسَ الْوَعْظِ وَالإِرْشَادِ وَالتَّذْكِيرِ.
فَمِنْ مَوَاعِظِهِ قَوْلُهُ مُخَاطِباً أَصْحَابَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي: يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ لا تَأْمَنَ عَاقِبَةَ ذَنْبِكَ وَأَعْلَمْ أَنَّ مَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ نَفْسِهِ فَإِنَّ عَدَمَ اسْتِحْيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى يَمِينِكَ وَعَلَى شِمَالِكَ وَأَنْتَ تَقْتَرِفُ الذَّنْبِ لا يَقِلُّ عَنْ الذَّنْبِ.
وَإِنْ ضِحْكَكَ عَنْدَ الذَّنْبِ وَأَنْتَ لا تَدْرِي مَا اللهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ وَإِنَّ حُزْنَكَ عَلَى الذَّنْبَ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبَ وَإِنَّ خَوْفَكَ مِنْ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَكَ وَأَنْتَ تَرْتَكِبُ الذَّنْبِ مَعَ كَوْنِكَ لا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ.
يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ مَا كَانَ ذَنْبُ أَيُّوبَ ﵇ فَابْتَلاهُ اللهُ بِجَسَدِهِ وَمَالِهِ إِنَّمَا كَانَ ذَنْبُهَ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ مِسْكِينٌ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الظُّلْمَ فَلَمْ يُعِنْهُ.
وَكَانَ يَقُولُ: أَعُولُ أَهْلَ بَيْتٍ مِن الْمُسْلِمِينَ شَهْراً أَوْ جُمْعَةً أَوْ مَا شَاءَ اللهُ أَحِبُّ إِِلَيَّ مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ وَلَطَبَقٌ بِدَانِقٍ أَهْدِيهِ إِلى أَخٍ لِي فِي اللهِ أَحَبَّ إِلِيَّ مِنْ دِينَارٍ أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ.
стр. 3407
وَكَانَ يَقُولُ آخِرُ: شِدَّةً يَلْقَاهَا الْمُؤْمِنُ الْمَوْتَ وَيَقُولُ: خُذْ الْحِكْمَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ بِحَكِيمٍ فَتَكُونُ كَالرَّمِيَةِ خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ رَامِي، عُمِّرَ ابنُ عَبَّاسٍ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً مَلأ فِيهَا الدُّنْيَا عِلْماً وَفِهْماً وَحِكْمَةً وَزُهْداً وَتُقَىً.
وَلَمَّا سَقَطَ فِي عَيْنَيْهِ الْمَاءُ وَذَهَبَ بَصَرُهُ قِيلَ لَهُ: خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَيْنَيْكَ نُسِيلُ مَاءَهُمَا وَلَكِنَّكَ تُمْسِكْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ لا تَسْجُدُ فَقَالَ: لا وَاللهِ وَلا رَكْعَةً وَاحِدَةً إِنِّي حُدِّثْتُ أَنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّداً لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ.
قَالَ مَيْمُونُ بِنُ مِهْرَانَ: شَهِدْتُ جَنَازَةَ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَلَمَّا وُضِعَ ليُصَلَّى عَلَيْهِ جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ حَتَّى دَخَلَ فِي أَكْفَانِهِ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَمَّا سُوِيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ سَمِعْنَا صَوْتاً وَلا نَرَى شَخْصاً ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ . أ. هـ. بِتَصَرُّف بِزِيَادَة وَنَقْص. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قِصَّةُ سَلْمَان الْفَارِسِي
قَالَ سَلْمَانُ: كُنْتُ رَجُلاً فَارِسِيّاًًً مِنْ أَهْلِ أَصْبهَانِ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جَيَّانِ، وَكَانَ أَبِي دَهْقَانُ الْقَرْيَةِ وَأَغْنَى أَهْلِهَا وَأَعْلاهُمْ مَنْزِلَةً، وَكُنْتُ أَحَبُّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْهِ مُنْذُ وَلِدْتُ ثُمَّ مَا زَالَ حُبُّه لِي يَشْتَدُّ وَيَزْدَادُ حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ خَشْيَةً عَلَيَّ كَمَا تُحْبَسُ الْفَتَيَاتُ.
قَالَ سَلْمَانُ: وَقَدْ اجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى غَدَوْتُ قِيَمَ النَّارِ الَّتِي كُنَّا نَعْبُدُهَا قَالَ سَلْمَانُ: وَأَنِيطَ بِي أَمْرُ إِضْرَامِهَا حَتَّى لا تَخْبُو سَاعَةً في
стр. 3408
لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَكَانَ لأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ - الأَرْضُ الْمُغِلَّةُ - تُدِرُّ عَلَيْنَا غَلَّةً كَبِيرَةً وَكَانَ أَبِي يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَجْنِي غَلَّتَهَا.
وَفِي ذَات مَرَّةٍ شَغَلَهُ عَنْ الذَّهَابِ إِلى الْقَرَيْةِ شَاغِلٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ عَنْ الضَّيْعَةِ بِمَا تَرَى فَاذْهَبْ إِلَيْهَا وَتَوَلَّى الْيَوْمَ عَنِّي شَأْنَهَا فَخَرَجْتُ أَقْصُدُ ضَيْعَتَنَا.
وَبَيْنَمَا أَنَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ فَلَفَتَ ذَلِكَ انْتِبَاهِي وَذَلِكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرَفُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى وَلا أَمْرَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الأَدْيَانِ لِطُولِ مَا حَجَبَنِي أَبِي عَنْ النَّاسِ فِي بَيْتِنَا.
فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ لأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا تَأَمَّلْتُهُمْ أَعَجَبَتْنِي صَلاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي دِينِهِمْ وَقُلْتُ: وَاللهِ هَذَا خَيْرٌ مِن الذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ أَذْهَبْ إِلى ضَيْعَةِ أَبِي ثُمَّ سَأَلْتُهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: فِي بِلادِ الشَّامِ.
وَلَمَّا أَقْبَلَ اللَّيْلُ عُدْتُ إِلى بَيْتِنَا فَتَلَقَّانِي أَبِي يَسْأَلُنِي عَمَّا صَنَعْتُ فَقْلُتْ: يَا أَبَتِ إِنِّي مَرَرْتُ بأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ وَمَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَذُعِرَ أَبِي مِمَّا صَنَعْتٌ.
وَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قُلْتُ: كَلا - وَاللهِ - إِنَّ دِينَهُمْ لِخَيْرٌ مِنْ دِينَنَا، فَخَافَ أَبِي مِمَّا أَقُولُ وَخَشِيَ أَنْ أَرْتَدَّ عَنْ دِينِي وَحَبَسَنِي بِالْبَيْتِ وَوَضَعَ قَيْداً فِي رِجْلِي.
وَلَمَّا أُتِيحَتْ لِي الْفُرْصَةُ بَعَثْتُ إِلى النَّصَارَى أَقُولُ لَهُمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ يُرِيدُ الذَّهَابَ إِلى بِلادِ الشَّامِ فَأَعْلِمُونِي فَمَا هُوَ إِلا قَلِيلٌ
стр. 3409
حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مُتَّجِهَةٌ إِلى الشَّامِ فَأَخْبَرُونِي بِهِ فَاحْتَلْتُ عَلَى قَيْدِيْ حَتَّى حَلَلْتُهُ وَخَرَجْتُ مَعَهُمْ مُتَخَفِّياً حَتَّى بَلَغْنَا بِلادَ الشَّامِ.
فَلَمَّا نَزَلْنَا فِيهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ قَالُوا الأَسْقُفْ - مَرْتَبَةٌ فَوْقَ الْقِسِيسِ عِنْدَ النَّصَارَى - رَاعِي الْكَنِيسَةِ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي رَغِبْتُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَلْزَمَكَ وَأَخْدِمَكَ وَأَتَعَلَّمَ مِنْكَ، وَأُصَلِّي مَعَكَ، فَقَالَ: أُدْخُلْ فَدَخَلْتُ عِنْدَهُ وَجَعَلْتُ أَخْدِمُهُ.
ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّجُلَ رَجُلُ سُوءٍ فَقَدْ كَانَ يَأْمُرُ أَتْبَاعَهُ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ بِثَوَابِهَا فَإِذَا أَعْطُوهُ مِنْهَا شَيْئاً لِيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ مِنْهُ شَيْئاً، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلالٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضاً شَدِيداً لِمَا رَأَيْتُهُ مِنْهُ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ مَاتَ فَاجْتَمَعَتْ النَّصَارَى لِدَفْنِهِ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ صَاحِبَكُمْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئاً، قَالُوا: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ.
قَالُوا: نَعَمْ دُلَّنَا عَلَيْهِ فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَباً وَفِضَّةً فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللهِ لا نَدْفُنُهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ وَرَمُوهُ بِالْحِجَارِةِ ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ حَتَّى نَصَّبُوا رَجُلاً آخِرَ مَكَانَهُ، فَلَزِمْتُهُ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَزْهَدَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَلا أَرْغَبَ مِنْهُ فِي الآخِرَةِ وَلا أَدْأَبَ مِنْهُ عَلَى الْعِبَادَةِ لَيْلاً وَلا نَهَاراً فَأَحْبَبْتُهُ حُبّاً جَمّاً وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَاناً.
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: إِلى مَنْ تُوصِي بِي وَمَعَ مَنْ تَنْصَحُنِي أَنْ أَكُونَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ لا أَعْلَمُ أَحَداً عَلَى مَا كُنْتُ
стр. 3410
عَلَيْهِ إِلا رَجُلاً بِالْمُوصِلِ هُوَ فُلانٌ لَمْ يُحَرِّفْ وَلَمْ يُبَدِّلْ فَألحَقْ بِهِ فَلَمَّا مَاتَ صَاحِبِي لَحَقْتُ فِي الْمُوصِلِ فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرِي وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فُلاناً أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقُ بِكَ وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ مُتَمَسِّكٌ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى خَيْرِ حَالٍ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلانُ لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِي مَا تَعْلَمُ فَإِلى مَنْ تُوصِي فَإِلى بِي وَمَنْ تَأْمُرُنِي بِاللِّحَاقِ بِهِ فَقَالَ: أَيْ بُنَيّ وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلاً عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلا رَجُلاً بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلانٌ فَأَلْحَقْ بِهِ فَلَمَّا غيبَ الرَّجُلُ فِي لَحْدِهِ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدَنَا فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مَا كَانَ صَاحِبَاهُ مِنْ الْخَيْرِ.
فَوَاللهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: لَقَدْ عَرَفَتْ مِنْ أَمْرِي مَا عَرَفْتَ فَإِلى مَنْ تُوصِي بِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللهِ إِنِّي مَا أَعْلَمُ أَحَداً بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا إِلا رَجُلاً بِعَمُورِيَّةَ هُوَ فُلانٌ فَألْحَقْ بِهِ فَلَحِقْتُ بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَ رَجُلٍ كَانَ - وَاللهِ - عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ اكْتَسَبْتُ وَأَنَا عِنْدَهُ بَقَرَاتٍ وَغَنِيمَةً.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ مَا نَزَلَ بَأصْحَابِهِ مِنْ أَمْرُ اللهِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ قُلْتُ لَهُ: إِنِّكَ تَعْلَمْ مِنْ أَمْرِي مَا تَعْلَمْ فَإِلَى مَنْ تُوصِى بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللهِ - مَا أَعْلَمُ أن هُناكَ أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَقِيَ عَلى ظَهْرِ الأرْض مًسْتَمْسِكًا بِمَا كَنَّا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانٌ يَخْرُجُ فِيهِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ نَبِيٌّ يبْعَثُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ يُهَاجِرُ مِنْ أَرْضِهِ إِلَى أَرْضٍ
стр. 3411
ذَات نَخْلٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ وَلَهُ عَلامَاتٌ لاَ تَخْفَى فَهُو يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ فَافْعَلْ.
ثُمَّ وَافَاهُ الأَجَلُ فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ زَمَناً إِلَى أَنْ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ تُجَّار الْعَرَبِ مِنْ قَبِيلَةِ كَلْبٍ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَمَلْتُمُونِي مَعَكُمْ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ أَعْطِيتُكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي فَقَالُوا: نَعَمْ نَحْمِلُكَ فَأَعْطَيْتُهُم إِيَّاهَا وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا وَادي الْقُرَى غَدَرُوا بِي وَبَاعُونِي لِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودَ فالْتَحَقْتُ بِخِدْمَتِهِ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ زَارَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ بَنِي قُرَيْظَةَ فاشْتَرَانِي مِنْهُ وَنَقَلنِي مَعَهُ إلَى يَثْرِبَ فَرَأيتُ النَّخْلَ الذي ذَكَرَهُ لِي صَاحِبِي بِعَمُّورِيَّةَ وَعَرَفْتُ الْمَدِيَنةَ بالْوَصْفِ الذي نَعَتَهُا بِهِ فَأَقَمْتُ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ يَدْعُو قَوْمَهُ بِمَكَّةَ لَكَنِّ لَمْ أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ لانْشِغَالِي بِمَا يُوجِبُهُ عَلَيَّ الرِّقِّ.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ هَاجَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى يَثْرِبَ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهَا بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتَهَا إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ وَقَالَ لَهُ: قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ الْيَومَ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَقَالَتَهُ حتَّى مَسَّنِي مَا يُشْبِهُ الْحُمَّى واضْطَرَبْتُ اضْطِرَاباً شَدِيداً حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَسْقُطَ عَلَى سَيِّدِي وَبَادَرْتُ إِلَى النُّزُولِ عَنِ النَّخْلَةِ وَجَعَلْتُ أَقُولُ للرَّجَل: مَاذَا تَقُولُ؟ أَعِدْ عَلَيَّ الْخَبَرَ فَغَضِبَ
стр. 3412
سَيِّدِي وَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً وَقَالَ لِي: مَالَكَ وَلِهَذَا؟ عُدْ إِلَى مَا كُنْتَ فِيهِ مِنْ عَمَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ أَخَذْتُ شَيْئاً مِنْ تَمَراتٍ كُنْتُ جَمَعْتُهُ وَتَوَجَّهْت إِلَى حَيْثُ يَنْزِلُ الرَّسُولُ ﷺ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ وَهَذَا كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ ثُمَّ قَرَّبْتُهُ إِليهِ.
فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا» . وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ انْصَرَفْتُ وَأَخذْتُ أَجْمَعُ بَعْضَ التَّمْرِ فَلَّمَا تَحَوَّلَ الرَّسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ جِئْتُه فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا فأَكَلَ مِنْهَا وأَمَر أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ الثَّانِيَةُ.
ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ حَيْثُ كَانَ يُوارِي أَحَدَ أَصْحَابِهِ فَرَأيْتُهُ جَالِساً وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ فَسَلَّمْتُ عَليهِ ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي فِي عَمُّورِيَّةَ.
فَلَمَّا رَآنِي أَنْظُرُ إلى ظَهْرِهِ عَرَفَ غَرَضِي فألْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ فَانْكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا خَبَرُكَ» ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قَصَّتِي فَأَعْجَبَ بِهَا وَسُرُّوا بِهَا أَنْ يَسْمَعْهَا أَصْحَابُهُ فأَسْمَعْتُهُمْ إِيَّاهَا فَعَجِبُوا مِنْهَا أَشَّدَ الْعَجَبِ وسُرُّوا بِهَا أَعْظَمَ السُّرور. أ. هـ. بِتَصَرِّفَ يَسِير.
اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفَعَهُ الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبَّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوِفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائِحِ والْمَعَائِبِ التي تَعْلَمُهَا
стр. 3413
مِنَّا، وامنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا عَنَّا كُلَّ ذَنْبٍ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ بَدْرٌ وَأُحُدٌ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ» . فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلاَثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقَرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: «أَعِينُوا أَخَاكُمْ» . فَأَعَانُونِي حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلاثُمَائَةٌ.
قالَ سَلْمَان: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اذْهَبْ فَفَقِّرْ لَهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ» . قال: فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، فَوَالَّذِى نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَبَقِيَ عَلَىَّ الْمَالُ.
فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ حَيْثُ لَمْ يَمُتْ مِمَّا غَرَسَهُ ﷺ وَلا وَاحِدَةٌ قَالَ سَلْمَانُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ سَلْمَانُ الْفَارِسيُّ الْمُكَاتَبُ» ؟ فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ: «هَذِهِ أَدِّبِهَا مَا عَلَيْكَ» . قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَىَّ؟ قَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ» .
فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَعُتِقْتُ فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ واحدٌ وَهَذِه أيضاً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَكَانَ سَلْمَانُ ﵁ وَرِعاً زَاهِداً قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عَطَاءُ سَلْمَانَ خَمْسَةُ آلافٍ وَكَانَ أَمِيراً عَلَى زُهَاء ثَلاثِينَ أَلْفاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ
стр. 3414
وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي عَبَاءَةٍ يَفْتَرِشُ بَعْضَهَا وَيَلْبَسُ بَعْضَهَا فَإِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ أَمْضَاهُ - يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِوَصِيفَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَأْكُلُ مِنْ سَفِيفِ يَدَيْهِ أَيْ يَسِفُ الْخُوْصَ وَيَأْكُلُ مِنْ قِيمَتِهِ إِذَا بَاعَهُ.
وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: اشْتَرِي خُوصاً بِدِرْهَمٍ فَأَعْمَلُهُ فَأَبِيعُهُ بِثَلاثَةِ دَرَاهِمَ فَأُعِيدُ دِرْهَماً فِيهِ وَأُنْفِقُ دِرْهَماً عَلَى عِيَالِي وَأَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ وَكَانَ سَلْمَانُ أَمِيراً عَلَى الْمَدَائِنِ فَجَاءَ رَجُلٌ مَعَهُ حِمْلُ تِبْنٌ وَعَلَى سَلْمَان عَبَاءَةٌ فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ احْمِلْ وَهُوَ لا يَعْرِفُهُ فَحَمَلَ فَرَآهُ النَّاسُ فَقَالُوا: هَذَا الأَمِيرُ فَقَالَ الرَّجُلُ لِسَلْمَانَ: لَمْ أَعْرِفْكَ؟ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنِّي قَدْ نَوَيْتُ فِيهِ نِيَّةً فَلَنْ أَضَعَهُ حَتَّى أَبْلُغَ بَيْتَهُ، هَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ سِيرَةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِي ﵁.
كَمْ ذَا أُؤمِّلُ عَفْواً لَسْتُ أَكْسَبُهُ ... وَيْلٌ لِجِلْدِيَ يَوْمَ النَّارِ مِنْ أَمَلِي
قَوْلٌ جَمِيلٌ وَأَفْعَالٌ مُقَبَّحَةٌ ... يَا بُعدَ ذَا الْقَوْلِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعَمَلِ
يَا بُؤْسَ لِلْعَيْشِ غُرَّ الْعَالِمُونَ بِهِ ... وَالْجَاهِلُونَ مَعاً فِي الأَعْصُرِ الأُوَلِ
مَضَوْا جَمِيعاً فَلا عَيْنٌ وَلا أَثَرٌ ... حَانُوا وَحَالُوا وَهَذَا الدَّهْرُ لَمْ يَحُلِ
كَأَنَّهَمْ بَعْدَ مَا اسْتَمْطَوْا جَنَائِزَهُمْ ... لَمْ يَمْتَطُوا صَهَوَاتِ الْخَيْلِ وَالإِبْلِ
قَالُوا فَرَغْتَ مِنْ الأَشْغَالِ قُلْتُ لَهُمْ ... لَوْ لَمْ أَكُنْ باِنْتِظَارِ الْمَوْتِ فِي شُغُلِ
إِنِّي لأَعْلَمُ عِلْماً لا يُخَالِجُه ... شَكٌّ فَأَطْمَعُ لِلدُّنْيَا وَيُطْمَعُ لِي
بَأَنَّه لا مَحِيصٌ عَنْ مَدَى سَفَرِي ... وَلا دَوَاءٌ لِمَا أَشْكُوهُ مِنْ عِلَلِي
وَأَنَّنِي سَوْفَ أَلْقَى مَا يُطِيحُ بِهِ ... كَيْدِي وَتَذْهَبُ عَنْهُ ضُلَّلاً حِيَلي
وَكَيْفَ يُطْبِقُ جَفْناً بِالْكَرَى رَجَلٌ ... وَرَاءَهُ لِلرَّدَى حَادٍ مِنْ الأَجَلِ؟
أَمْ كََيْفَ يُصْبِحُ جَذْلاناً وَلَيْسَ لَهُ ... عِلْمُ الإلهِ بِعُقْبَى ذَلِكَ الْجَذَلِ؟
يَا رَاقِداً وَنِدَاءُ الله يُوقظُهُ ... ألا تَزَوَّدتَ فِينَا زَادَ مُرْتَحِلِ؟
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِكَ تَهْدِي بِهَا قُلُوبَنَا، وَتَجْمَعُ بِهَا شَمْلَنَا،
стр. 3415
وَتَلُمُّ بِهَا شَعْثَنَا، وَتَرْفَعُ بِهَا شَاهِدَنَا، وَتَحْفَظُ بِهَا غِائِبَنَا، وَتُزكِّي بِهَا أَعْمَالِنَا، وَتُلْهِمْنَا بِهَا رُشْدَنَا، وَتَعْصِمْنَا بِهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين.
اللَّهُمَّ قَوِ إِيمَانَنَا بِكَ وبملائكتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَبِالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَثَبِّتْنَا عَلى قَولِكَ الثَّابِتِ في الحَياةِ الدُّنيا وَفي الآخِرَة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ الْمُسْلمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
قصة: كَانَ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَكَانَتْ الْوِلايَةُ فِي الْيَمَنِ إِذْ ذَاكَ لِمُحَمَّدِ بن يُوسُفَ الثَّقَفِي أَخِي الْحَجَّاجِ بن يُوسُفُ أَرْسَلَهُ الْحَجَّاجُ وَالِياً عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ عَظُمَ أَمْرُه ... وَقَوِيَتْ شَوْكَتهُ ... وَاشْتَدَّتْ هَيْبَتُهُ إِثْرَ قَضَائِهِ عَلَى حَرَكَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ يَجْمَعُ فِي ذَاتِهِ كَثِيراً مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ الْحَجَّاجِ وَلَكِنَّهُ مَا يَتَحَلَّى بِشَيْءٍ مِنْ حَسَنَاتِهِ.
وَفِي غَدَاةِ يَوْمٍ بَارِدٍ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ دَخَلَ عَلَيْهِ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ وَمَعَهُ وَهْبُ بنُ مُنَبِّه.
فَلَمَّا أَخَذَا مَجْلَسَيْهِمَا عِنْدَهُ طَفِقَ طَاوُوسٌ يََعِظُهُ وَيُرَغِّبُهُ وَيُرَهِّبُهُ. وَالنَّاسُ جُلُوسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَقَالَ الْوَالِي لأَحَدِ حُجَّابه: يَا غُلامُ أَحْضِرْ طَيْلَسَاناً وَأَلْقِهِ عَلَى كَتِفَيْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
فَعَمَدَ الْحَاجِبُ إِلى طَيْلَسَانٍ ثَمِينٍ وَأَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَي طَاوُوس فَظَلَّ طَاوُوسٌ مُتَدَفِّقاً فِي مَوْعِظَتِهِ.
وَجَعَلَ يُحَرِّكُ كَتِفَيْهِ فِي تُؤَدَةٍ حَتَّى أَلْقَى الطَّيْلَسَانَ عَنْ عَاتِقِهِ، وَهَبَّ وَاقِفاً وَانْصَرَف ...
стр. 3416
فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ غَضَباً ظَهَرَ فِي احْمِرَارِ عَيْنَيْهِ وَاحْتِقَانِ وَجْهِهِ.. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً.
فَلَمَّا صَارَ طَاوُوسٌ وَصَاحِبُهُ خَارِجَ الْمَجْلِس قَالَ وَهْبٌ لِطَاوُوس: وَاللهُ لَقَدْ كُنَّا فِي غِنَى عَنْ إِثَارَةِ غَضَبِهِ عَلَيْنَا فَمَاذَا كَانَ يُضِيُركَ لَوْ أَخَذْتَ الطَّيْلَسَانَ مِنْهُ ثُمَّ بِعْتَهُ وَتَصَدَّقْتَ بِثِمَنِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين؟!
فَقَالَ طَاوُوسٌ: هُوَ مَا تَقُولُ.
لَوْلا أَنّنِي خَشِيتُ أَنْ يَقُولُ الْعُلَمَاءُ مِنْ بَعْدِي: نَأْخُذُ كَمَا أَخَذَ طَاوُوسٌ ... ثُمَّ لا يَصْنَعُونَ فِيمَا أَخَذُوه مَا تَقُولُ.
وَكَأَنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ أَنْ يَرُدَّ لِطَاوُوسٍ الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ ... فَنَصَبَ لَهُ شَرَكاً مِنْ شِرَاكِهِ حَيْثُ أَعَدَّ صُرَّةً فِيهَا سُبْعُمَائَةِ دِينَارٍ ذَهَباً.
وَاخْتَارَ رَجُلاً حَاذِقاً مِنْ رِجَالِ حَاشِيَتِهِ وَقَالَ لَهُ: امْضِ بِهَذِهِ الصُّرَّةِ إِلى طَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ وَاحْتَلْ عَلَيْهِ فِي أَخْذِهَا فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْكَ أَجْزَلْتُ عَطِيَّتَكَ وَكَسَوْتُكَ وَقَرَّبْتُكَ.
فَخَرَجَ الرَّجُلُ بِالصُّرَّةِ حَتَّى أَتَى طَاوُوساً فِي قَرْيَةٍ كَانَ يُقِيمُ بِهَا بِالْقُرْبِ مِنْ صَنْعَاءَ يُقَالُ لَهَا: (الْجَنَد) فَلَمَّا ثَارَ عِنْدَهُ حَيَّاهُ وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَذِهِ نَفَقَةُ بَعْثَ بِهَا الأَمِيرُ إِلَيْكَ فَقَالَ: مَا لِي بِهَا مِنْ حَاجَةٍ.
فَاحْتَالَ عَلَيْهِ بِكُلَّ طَرِيقٍ لِيَقْبَلَهَا فَأَبَى ... وَأَدْلَى لَهُ بِكُلِّ حُجَّةٍ فَرَفَضَ.
فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلا أَنْ اغْتَنَمَ غَفْلَةً مِنْ طَاوُوسِ وَرَمَى بِالصُّرَّةِ فِي كُوَّةٍ كَانَتْ بِجِدَارِ الْبَيْتِ وَعَادَ رَاجِعاً إِلى الأَمِيرِ وَقَالَ: لَقَدْ أَخَذَ طَاوُوسٌ الصُّرَّةَ أَيَّهُا الأَمِيرُ فَسُرَّ لِذَلِكَ مُحَّمَدُ بنُ يُوسُفَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ.
стр. 3417
فَلَمَّا مَضَتْ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامٌ عِدَّةٌ أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ أَعْوَانِهِ، وَمَعَهُمَا الرَّجُلُ الذِي حَمَلَ إِلَيْهِ الصُّرَّةِ ... وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقُولا لَهُ: إِنَّ رَسُولَ الأَمْيَرِ قَدْ أَخْطَأَ فَدَفَعَ إِلَيْكَ الْمَالَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لِغَيْرِكَ، وَقَدْ أَتَيْنَا لِنَسْتَرِدَّهُ مِنْكَ وَنَحْمِلَهُ إِلى صَاحِبِهِ.
فَقَال َطاَوُوسٌ: مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِ الأَمِيرِ شَيْئاً حَتَّى أَرُدَّهُ إِلَيْهِ.
فَقَالَ: بَلْ أَخَذْتَهُ.
فَالْتَفَتَ إِلى الرَّجُلِ الذِي حَمَلَ إِلَيْهِ الصُّرَّةِ وَقَالَ لَهُ: هَلْ أَخَذْتَ مِنْكَ شَيْئاً؟!
فَأَصَابَ الرَّجُلُ ذُعْرٌ وَقَالَ: كَلا، وَإِنَّمَا وَضَعْتُ الْمَالَ فِي هَذِهِ الْكُوَّةِ فِي غَفْلَةٍ مِنْكَ. فَقَالَ طَاوُوسٌ: دُونَكُمَا الْكُوَّةَ فَانْظُرَا فِيهَا: فَنَظَرَا فِي الْكَوَّةِ، فَوَجَدَا فِيهَا الصُّرَّةَ كَمَا هِيَ وَقَدْ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْعَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهِ فَأَخَذَاهَا وَعَادَا بِهَا إِلى الأَمِيرُ.
حَدَّثَ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا فِي مَكَّةَ حَاجّاً بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ بِنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِي وَأَدْنَى مَجْلِسِي مِنْهُ ... وَطَرَحَ لِي وِسَادَةً وَدَعَانِي لأَنْ أتَّكِئُ عَلَيْهَا ... ثُمَّ رَاحَ يَسْأَلُنِي عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا.
وَفِيمَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعَ الْحَجَّاجُ مُلَبِّياً يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَلَهُ نَبْرَةٌ تَهُزُّ الْقُلُوبَ هَزّاً.
فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الْمُلَبِّي.
فَأُتِيَ لَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ: مِمَّنْ الرَّجُلُ؟
فَقَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 3418
فَقَالَ: لَمْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا، وَإِنَّمَا سَأَلْتُكَ عَنْ الْبَلَدِ؟
فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ.
فَقَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ أَمِيرَكُمْ (يَعْنِي أَخَاهُ) ؟
فَقَالَ: تَرَكْتُهُ عَظِيماً، جَسِيماً ... لَبَّاساً، رَكَّاباً ... خَرَّاجاً، وَلاجاً ...
فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ ذَا سَأَلْتُكَ؟
فَقَالَ: عَمَّ سَأَلْتَنِي إِذَنْ؟
فَقَالَ: سَأَلْتُكَ عَنْ سِيرَتِهِ فِيكُمْ؟
فَقَالَ: تَرَكْتُهُ ظَلُوماً غَشُوماً ... مُطِيعاً لِلْمَخْلُوقِ عَاصِياً لِلْخَالِقِ.
فَاحْمَرَّ وَجْهُ الْحَجَّاجِ خَجَلاً مِنْ جُلَسَائِهِ وَقَالَ لِلرَّجُلُ:
مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ فِيهِ مَا قُلْتَهُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَكَانَهُ مِنِّي؟!
فَقَالَ: أَتَرَاهُ بِمَكَانِهِ مِنْكَ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَانِي مِنَ اللهِ ؟
وَأَنَا وَافِدُ بَيْتِهِ ... وَمُصَدِّقُ نَبِيِّهِ ... وَقَاضِي دِينِهِ ...
فَسَكَتَ الْحَجَّاجُ وَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً.
قَالَ طَاوُوسٌ: ثُمَّ مَا لَبِثَ الرَّجُلُ أَنْ قَامَ، وَانْصَرَفَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْذِنَ أَوْ يُؤْذَنَ لَهُ.
فَقُمْتُ فِي إِثْرِهِ وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ الرَّجُلَ صَالِحٌ فَاتْبَعْهُ وَاظْفَرْ بِهِ قَبْلَ أَنْ تُغَيِّبَه عَنْ عَيْنَيْكَ جُمُوعُ النَّاسِ.
فَتَبِعْتُهُ فَوَجَدْتُه قَدْ أَتَى الْبَيْتَ وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى جِدَارِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِكَ أَعُوذُ ... وَبِجَنَابِكَ أَلُوذُ ... اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي الاطْمِئْنَانِ إِلى جُودِكَ وَالرِّضَا بِضَمَانِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ وَغِنَىً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فَرَجَكَ الْقَرِيب ... وَمَعْرُوفَكَ الْقَدِيم وَعَادَتَكَ الْحَسَنَة يَا رَبَّ الْعَالَمِين.
стр. 3419
ثُمَّ ذَهَبَتْ بِهِ مَوْجَةٌ مِنَ النَّاسِ وَأَخْفَتْهُ عَنْ عَيْنِي فَأَيْقَنْتُ أَنَّهُ لا سَبِيلَ إِلى لِقَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ عَرَفَة رَأَيْتُهُ وَقَدْ أَفَاضَ مَعَ النَّاسِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ حِجِّي، وَتَعَبِي، وَنَصَبِي، فَلا تُحْرِمْنِي الأَجْرَ عَلَى مُصِيبَتِي، بِتَرْكِكَ الْقَبُولَ مِنِّي ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ، وَسَتَرَهُ الظَّلامُ عَنِّي فَلَمَّا يَئِسْتُ مِنْ لِقَائِهِ قُلْتُ:
اللَّهُمَّ اقْبَلْ دُعَائِي وَدُعَاءَهُ وَاسْتَجِبْ رَجَائِي وَرَجَاءَهُ وَثَبِّتْ قَدَمِيَّ وَقَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزلُّ الأَقْدَامِ، وَاجْمَعْنِي مَعَهُ عَلَى حَوْضِ الْكَوْثَرِ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (قِصَّة لِطَاوُوس) .
قِصَّة لِطَاوُوس
مَا كَادَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الْمَلِكَ يُلْقِي رِحَالَهُ فِي أَكْنَافِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ... وَيُقِلُّ أَشْوَاقَهُ إِلى الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ حَتَّى الْتَفَتَ إِلَى حَاجِبِهِ وَقَالَ:
ابْتَغْ لَنَا عَالِماً يُفَقِّهُنَا فِي الدِّينِ وَيُذَكِّرُنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الأَغَرِّ مِنْ أَيَّامِ اللهِ .
فَمَضَى الْحَاجِبُ إِلى وُجُوهِ أَهْلِ الْمُوسِمِ وَطَفَقَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ بُغْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقِيلَ لَهُ:
هَذَا طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ سَيِّدُ فُقَهَاءِ عَصْرِهِ ... وَأَصْدَقُهُمْ لَهْجَةً فِي الدَّعْوَةِ إِلى اللهِ ... فَعَلَيْكَ بِهِ.
стр. 3420
فَأَقْبَلْ الْحَاجِبُ علَىَ طَاوُوسِ وَقَالَ: أَجِبْ دَعْوَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَاسْتَجَابَ طَاوُوسٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِبْطَاء.
ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ بَأَنَّ عَلَى الدُّعَاةِ إِلى الله تَعَالى أَلا تَعْرِضَ لَهُمْ فُرْصَةٌ إِلا اغْتَنَمُوهَا ... وَأَلا تَسَنْحَ لَهُمْ بَادِرَةٌ إِلا ابْتَدَرُوهَا.
وَكَانَ يُوقِنُ أَنَّ أَفْضَلَ كَلِمَةٍ تُقَالُ هِيَ كَلَمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا تَقْوِيمُ اعْوِجَاجِ ذَوِي السُّلْطَانِ ... وَتَجْنيبُهُمْ الْحَيْفَ وَالْجُور ... وَتَقَرِيبُهُمْ مِنْ الله تعالى ...
مَضَى طَاوُوسٌ مَعَ الْحَاجِبِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَيَّاهُ فَرَدَّ الْخَلِيفَةُ التَّحِيَّةَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا ... وَأَكْرَمَ اسْتِقْبَالَ زَائِرِه، وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ ثُمَّ أَخَذَ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَيَنْصِتُ إِلَيْه فِي تَوْقِيرٍ وَإِجْلال.
قَالَ طَاوُوس: فَلَمَّا شَعَرْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَغَ بُغَيْتَهِ وَلَمْ يَبْقَ لَدَيْهِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ قُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الْمُجْلِسَ لِمَجْلِسٌ يَسْأَلُكَ اللهَ عَنْهُ يَا طَاوُوس.. ثُمَّ تَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ صَخْرَةً كَانَتْ عَلَى شَفِيرِ بِئْرٍ فِي قَعْرِ جَهَنَّم ...
وَقَدْ ظَلَّتْ تَهْوِي فِي هَذِهِ الْبِئْرِ سَبْعِينَ خَرِيفاً حَتَّى بَلَغَتْ قَرَارَهَا.
أَتَدْرِي لِمَنْ أَعَدَّ الله هَذِهِ الْبِئْرَ مِنْ آبَارِ جَهَنَّمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمَنِينَ؟
فَقَالَ: مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ: لا.
ثُمَّ عَادَ إِلى نَفْسِهِ وَقَالَ:
وَيْلَكَ لِمَنْ أَعَدَّهَا؟!
فَقَالَ: أَعَدَّهَا اللهَ جَلَّ وَعَزَّ لِمَنْ أَشْرَكَهُ فِي حُكْمِهِ فَجَارَ ...
стр. 3421
فَأَخَذَتْ سُلَيْمَانَ لِذَلِكَ رَعْدَةٌ ظَنَنْتُ مَعَهَا أَنَّ رُوحَهُ سَتَصْعَدُ مِنْ بَيْنِ جَنْبِيهِ.
وَجَعَلَ يَبْكِي، وَلِبُكَائِهِ نَشِيجٌ يُقَطِّعُ نِيَاطَ الْقُلُوبَ ... فَتَرَكْتُهُ وَانْصَرَفْتُ ... وَهُوَ يَجْزِينِي خَيْراً.
وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلافَةَ بَعَثَ إِلى طَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ يَقُولُ: أَوْصِنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ طَاوُوسٌ رِسَالَةً فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ قَالَ فِيهَا: (إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُكَ خَيْراً كُلَّهُ فَاسْتَعْمِلْ أَهْلَ الْخَيْرِ، وَالسَّلام) .
فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ الرِّسَالَةَ قَالَ: كَفَى بِهَا مَوْعِظَةً كَفَى ... بِهَا مَوْعِظَةً.
وَلَمَّا آلَتِ الْخِلافَةُ إِلى هِشَامِ بنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَتْ لِطَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ مَعَهُ مَوَاقِفُ مَشْهُورَةٌ مَأْثُورَة ... مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هِشَاماً قَدِمَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ حَاجّاً فَلَمَّا صَارَ فِي الْحَرَمِ قَالَ لِخَاصَّتِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: الْتَمِسُوا لَنَا رَجُلاً مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﵊.
فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ - يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ - قَدْ تَلاحَقُوا بِرِبِّهِمْ وَاحِداً إِثْرَ آخَرَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَد.
فَقَالَ: إِذَنْ فَمِنَ التَّابِعِينَ.
فَأُتِيَ بِطَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ بِحَاشِيَةِ بِسَاطِهِ ... وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُوهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ... وَخَاطَبَهُ بِاسْمِهِ دُونَ أَنْ يُكَنِّيهِ ... وَجَلَسَ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالْجُلُوسِ ...
فَاسْتَشَاطَ هِشَامٌ غَضَباً حَتَّى بَدَا الْغَيْظُ فِي عَيْنَيْهِ.
стр. 3422
ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي تَصَرُّفَاتِهِ تِلْكَ اجْتِرَاءً عَلَيْهِ، وَنَيْلاً مِنْ هَيْبَتِهِ أَمَامَ جُلَسَائِهِ، وَرِجَالِ حَاشِيَتِهِ ...
بَيْدَ أَنَّهُ مَا لَبِثَ أَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ فِي حَرَمِ اللهِ .
فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَالَ لِطَاوُوس: مَا حَمَلَكَ يَا طَاوُوسُ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟!
فَقَالَ: وَمَا الذِي صَنَعْتُهُ؟!
خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ بِحَاشِيَةِ بِسَاطِي ...
وَلَمْ تُسَلِّمْ عَلَيَّ بِإمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ...
وَسَمَّيْتَنِي بِاسْمِي وَلَمْ تُكَنِّنِي ...
ثُمَّ جَلَسْتُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِي.
فَقَالَ طَاوُوسٌ بِهُدُوء: أَمَّا خَلْعُ نَعْلِي بِحَاشِيَةِ بِسَاطِكَ فَأَنَا أَخْلَعُهُمَا بَيْنَ يَدَيْ رِبِّ الْعِزَّةِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّات ...
وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنِّي لَمْ أُسَلِّمْ عَلَيْكَ بِإمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ... فَلأَنَّ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا رَاضِينَ بِإمْرَتِكَ ...
وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ كَاذِباً إِذَا دَعَوْتُكَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا مَا أَخَذْتَهُ عَلَيَّ مِنْ أَنِّي نَادَيْتُكَ بِاسْمِكَ وَلَمْ أُكَنِّكَ ... فَإِنَّ اللهَ نَادَى أَنْبِيَاءَهُ بِأَسْمَائِهِمْ فَقَالَ: يَا دَاوُود ... يَا يَحْيَى ... يَا عِيسَى ...
وَكَنَّى أَعْدَاءَهُ فَقَالَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنِّي جَلَسْتُ قَبْلَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَإِنِّي سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بنِ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ:
(إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلى رَجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَانْظُرْ إِلى رَجُلٍ جَالِسٍ، وَحَوْلَهُ قَوْمٌ قِيَامٌ بَيْنَ يَدَيْهِ) .
فَكَرِهْتُ أَنْ تَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الذِي عُدَّ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
стр. 3423
فَأَطْرَقَ هِشَامٌ إِلى الأَرْضِ خَجَلاً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: عِظْنِي يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ: (إِنَّ فِي جَهَنَّمَ حَيَّاتٍ كَالْقَلال ... وَعَقَارِبَ كَالْبِغَال ... تَلْدَغُ كُلَّ رَاعٍ لا يَعْدِلُ فِي رَعِيَّتِهِ) .
ثُمَّ قَامَ وَانْصَرَفَ.
وَكَمَا كَانَ طَاوُوسٌ يُقْبِلُ عَلَى بَعْضِ أُوِلي الأَمْرِ تَذْكِيراً لَهُمْ وَتَوْجِيهاً ... فَقَدْ كَانَ يُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهِمْ الآخَرَ تَبْكِيتاً وَتَأْنِيباً.
حَدَّثَ ابْنُهُ قَالَ: خَرَجَّنَا ذَاتَ سَنَةٍ مَعَ أَبِي حُجَّاجاً مِنْ الْيَمَنِ فَنَزَلْنَا فِي بَعْضَ الْمُدُنِ وَعَلَيْهَا عَامِلٌ يُقَالُ لَهُ: ابنُ نَجِيح وَكَانَ مِنْ أَخْبَثِ الْعُمَّالِ، وَأَكْثَرِهِمْ جُرْأَةٌ عَلَى الْحَقِّ، وَأَشَدِّهِمْ إِيغَالاً فِي الْبَاطِلِ.
فَأَتَيْنَا مَسْجِدَ الْبَلَدِ نُرِيدُ أَدَاءَ الْمَكْتُوبَةِ، فَإِذَا ابْنُ نَجِيحٍ قَدْ عَلِمَ بِقُدُومِ أَبِي فَجَاءَ إِلى الْمَسْجِدِ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ.
فَلَمْ يُجِبْهُ أَبِي، وَأَدَارَ لَهُ ظَهْرَه ...
فَأَتَاهُ عَنْ يَمِينِهِ وَكَلَّمَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَعَدَلَ إِلى يَسَارِهِ وَكَلَّمَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَيْضاً فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُمْتُ إِلَيْهِ، وَمَدَدْتُ يَدِي نَحْوَه وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبِي لَمْ يَعْرِفْكَ.
فَقَالَ: بَلْ إِنَّ أَبَاكَ يَعْرِفُنِي ... وَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ بِي هِيَ الِّتِي جَعَلَتْهُ يَصْنَعُ مَا رَأَيْتُ ... ثُمَّ مَضَى وَهُوَ سَاكِتٌ لا يَقُولُ شَيْئاً فَلَمَّا عُدْنَا إِلى الْمَنْزِلِ الْتَفَتَ إِلِيَّ أَبِي وَقَالَ: يَا لُكَع ... تَسْلِقُ هَؤُلاءِ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ فِي غَيْبَتِهِمْ ... فَإِذَا حَضَرُوا خَضَعْتَ لَهُمْ بِالْقَوْلِ، وَهَلْ النِّفَاقُ غَيْرُ هَذَا؟!
стр. 3424
لَمْ يَخُصَّ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ الْخُلَفَاءَ وَالْوُلاةَ بِمَوَاعِظِهِ وَِإِنَّمَا بِذَلَهَا لِكُلِّ مِنْ أنسَ بِهِ حَاجَةً إِلَيْهَا أَوْ رَغْبَةً فِيهَا.
مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بنُ رَبَاحٍ قَالَ: رَآنِي طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ فِي مَوْقِفٍ لَمْ يَرْتَحْ لَهُ فَقَالَ:
يَا عَطَاءُ إِيَّاكَ أَنْ تَرْفَعَ حَوَائِجَكَ إِلى مَنْ أَغْلَقَ فِي وَجْهِكَ بَابَه ... وَأَقَامَ دُونَكَ حُجَّابه وَإِنَّمَا أَطْلُبُهَا مِمَّنْ أَشْرَعَ لَكَ أَبْوَابَهُ ... وَطَالَبَكَ أَنْ تَدْعُوهُ ... وَوَعَدَكَ بِالإِجَابَة.
وَكَانَ يَقُولُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ صَاحِبِ الْعُقَلاءَ تُنْسَبْ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ ...
وَلا تُصَاحِبِ الْجُهَّالَ فَإِنَّكَ إِنْ صَحِبْتَهُمْ نُسِبْتَ إِلِيْهَمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُمْ ...
وَاعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ غَايَة وَأَنَّ غَايَةَ الْمَرْءِ تَمَامُ دِينِهِ وَكَمَالُ خُلُقِهِ.
وَقَدْ نَشَأ ابْنُهُ عَبْدُ الله عَلَى مَا رَبَّاهُ عَلَيْهِ وَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقِهِ، وَسَارَ بِسَيرتَه.
مِنْ ذَلَكِ أَنْ الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ اسْتَدْعَى وَلَدَهُ عَبْدَ الله، وَمَالِكَ بنَ أَنَسٍ لِزيَارَتِهِ فَلَمَّا دَخَلا عَلَيْهِ وَأَخَذَا مَجْلِسَيْهِمَا عِنْدَهُ الْتَفْتَ إِلى عَبْدِ الله بن طَاوُوسِ وَقَالَ: ارْوِ لِي شَيْئاً مِمَّا كَانَ يُحَدِّثُكَ بِهِ أَبُوكَ.
فَقَالَ: (حَدَّثِنِي أَبِي أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَشْرَكَهُ الله فِي سُلْطَانِهِ فَأَدْخَلَ الْجَوْرَ فِي حُكْمِهِ) .
قَالَ مَالِكُ بنُ أَنَسِ: فَلَمَّا سَمِعْتَ مَقَالَتَهُ هَذِهِ ضَمَمْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي خَوْفاً مِنْ أَنْ يُصِيبَنِي شَيْءٌ مِنْ دَمِهِ.
стр. 3425
بَيْدَ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ أَمْسَكَ سَاعَةً لا يَتَكَلَّم ... ثُمَّ صَرَفَنَا بِسَلام.
وَقَدِ امْتَدَّتِ الْحَيَاةُ بِطَاوُوسِ بنِ كَيْسَانَ حَتَّى بَلَغَ الْمَائَةَ أَوْ جَاوَزَهَا قَلِيلاً غَيْرَ أَنَّ الْكِبَرَ وَالشَّيْخُوخَةَ لَمْ يَنَالاَ شَيْئاً مِنْ صَفَاءِ ذِهْنِهِ وَحِدَّةِ خَاطِرِهِ وَسُرْعَةِ بَدِيهَتِهِ.
حَدَّثَ عَبْدُ الله الشَّامِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ طَاوُوساً فِي بَيْتِهِ لآخُذَ عَنْهُ، وَأَنَا لا أَعْرِفُهُ فَلَمَّا طَرَقْتُ الْبَابَ خَرَجَ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ فَحَيَّيْتُهُ وَقُلْتُ: أَأَنْتَ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَان؟
فَقَالَ: بَلْ أَنَا ابْنُهُ ...
فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتُ ابْنُهُ فَلا آمَنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ قَدْ هَرِمَ وَخَرِفَ وَإِنِّي قَصَدْتُهُ مِنْ أَمَاكِنَ بِعِيدَةٍ لأفِيدَ مِنْ عِلْمِهِ.
فَقَالَ: وَيْحَكَ ...
إِنَّ َحَمَلَةَ كِتَابِ الله لا يَخْرَفُون.
أُدْخُلْ عَلَيْهِ.
فَدَخَلْتُ وَسَلَّمْتُ، وَقُلْتُ:
لَقَدْ أَتَيْتُكَ طَالِباً عِلْمَكَ رَاغِباً فِي نُصْحِكَ.
فَقَالَ: سَلْ وَأَوْجِزْ.
فَقُلْتُ: سَأَوجِزُ مَا وَسِعَنِي الإِيجَاز إِنْ شَاءَ الله.
فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ أَجْمَعَ لَكَ صَفْوَةَ مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَالزَّبُورِ، وَالإِنْجِيلِ، وَالْقُرْآن؟
فَقُلْتُ: نَعَم.
فَقَالَ: خِفِ الله تَعَالى خَوْفاً بِحَيْثُ لا يَكُونُ شَيْءٌ أَخْوَفَ لَكَ مِنْهُ ...
стр. 3426
وَارْجُهُ رَجَاءً أَشَدَّ مِنْ خَوْفِكَ إِيَّاهُ ...
وَأحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ.
وَفِي لَيْلَةِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَمائَة أَفَاضَ الشَّيْخُ الْمُعَمَّرُ طَاوُوسُ بنُ كَيْسَانَ مَعَ الْحَجِيجِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلى الْمُزْدَلِفَةِ لِلْمَرَّةِ الأَرْبَعِينَ فَلَمَّا حَطَّ رِحَالَهُ فِي رِحَابِهَا الطَّاهِرَةِ، وَأَدَّى الْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ، وَأَسْلَمَ جَنْبَيْهِ إِلى الأَرْضِ يَلْتَمِسُ شَيْئاً مِنْ الرَّاحَةِ، أَتَاهُ الْيَقِينُ، فَلَمَّا طَلَعَ عَلَيْهِ الصُّبْحُ وَأَرَادُوا دَفْنَهُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إِخْرَاجِ جَنَازَتِهِ لِكَثْرَةِ مَا ازْدَحَمَ عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ مَكَّةَ حَرَساً لِيَذُودوا النَّاسَ عَنِ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُتَاحَ لَهُمْ دَفْنُهَا.
وَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لا يحْصِي عَدَدَهُمْ إِلا الله، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْمُصَلِّينَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ هِشَامُ بن عَبْدِ الْمَلِكِ.
اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا عَنِ الْمخالفةِ وَالْعِصْيَانِ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّان وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(غَزْوَةُ تَبُوك)
أَوِ الْعُسْرَةِ
تَبُوكُ مَوْضِعُ بَيْنَ وَادِي الْقُرَى وَالشَّامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَة وَبَيْنَ دِمَشْقٍ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرْحَلَةً وَهِيَ غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ أَخَذاً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ .
وَكَانَتْ فِي رَجَبَ سَنَةَ ٩ هـ مِنْ الْهِجْرَةِ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِهِ ﷺ وَهِيَ الَّتِي افْتَضَحَ الْمُنَافِقُونَ فِيهَا وَكَانَ الْوَقْتُ حِينَ خُرُوجِهِ ﷺ حَرّاً شَدِيداً وَقَحْطاً شَدِيداً وَكَانُوا مِنْ
стр. 3427
شِدَّةِ الْعَطَشِ وَالْحَرِّ يَنْحُرُونَ الْبَعِيرَ فَيَعْصِرُونَ فَرْثَهُ الذِي فِي الْكِرْشِ وَيَشْرَبُونَهُ فَلِذَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ الْعُسْرَةِ أَيْ الشَّدَّةِ وَالضَّيْقِ.
وَسَبَبُهَا أَنَّ الرُّومَ قَدْ جَمَعَتْ جُمُوعاً كَثِيرَةً بِالشَّامِ وَأَنَّ هِرَقْلَ قَدْ رَزَقَ أَصْحَابَهُ لِسَنَةٍ وَأَجْلَبَتْ مَعَهُ لَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسَّانُ وَزَحَفُوا وَقَدَّمُوا مُقَدِّمَاتِهِمْ إِلى الْبَلْقَاءِ وَعَسْكَرُوا بِهَا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَدَبَ النَّاسَ إِلى الْخُرُوجِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ الأَمْرَ لِيَتَأَهَّبُوا لِذَلِكَ أُهْبَتَهُمْ وَأَخْبَرَهَمُ بِالْوَجْهَ الذِي يُرِيدُ وَبَعَثَ إِلى الْقَبَائِلِ مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُهُمْ إِلى عَدُّوِهِمْ وَخَطَبَ ﵊ فِي النَّاسِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادُ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَحَثَّهُمْ عَلَى النَّفَقَةِ وَرَغَّبَ أَهْلَ الثَّرْوَةِ بِالْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ وَحَثَّ الْمُوسِرِينَ عَلَى تَجْهِيزِ الْمُعْسِرِينَ.
فَتَبَادَرَ الْمُسْلِمُونَ وَجَاءُوا بِصَدَقَاتٍ كَثِيرَةٍ وَتَنَافَسُوا فِي تَجْهِيز جَيْشِهِمْ فَكَانَ أَوَّل مَنْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((هَلْ أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ شَيْئاً)) ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهَ وَرَسُولَهُ. وَجَاءَ عُمَرُ ﵁ بِنِصْفِ مَالِهِ فَسَأَلَهُ ﷺ : ((هَلْ أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ شَيْئاً)) ؟ قَالَ: نَعَمْ نِصْفَ مَالِي. وَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْفٍ ﵁ بِمَائَةِ أَوْقِيَة فِضَّةً.
وَجَاءَ الْعَبَّاسُ بِمَالٍ كَثِيرٍ وَجَاءَ طَلْحَةُ بِمَالٍ وَجَهَزَّ عُثْمَانُ بن عَفَّانَ ثُلُث الْجَيْشِ وَجَاءَ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ بِمَالٍ وَجَاءَ مُحَمَّد بنُ مَسْلَمَةَ بِمَالٍ وَجَاءَ عَاصِمُ بنُ عُدِيٍ بِتِسْعِينَ وَسقَا مِنْ تَمْرٍ وَبَعَثَ النِّسَاءُ كُلَّ مَا قَدِرْنَ عَلَيْهِ مِنْ مِسْكٍ وَحُلِيٍ مَعَاضِدَ وَخَلاخِلَ وَأَقْرَاطٍ وَخَوَاِتَم.
стр. 3428
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ فَذَكَرَ لَنَا الزُّهْرِيُّ وَيَزِيدُ بنُ رُومَانَ وَعَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْقَوْمِ يُحَدِّثُ مَا يُحَدَّثُ بَعْضٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ وَشِدَّةٍ مِنْ الْحَرِّ وَجُدْبٍ مِنْ الْبِلادِ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمَقَامَ وَيَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَلَى حَالٍ مَنَ الزَّمَانِ الذِي هُمْ عَلَيْهِ.
وَكَانَ رَسُولٌُ اللهِ ﷺ قَلَّ مَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلا كَفَا عَنْهَا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الْوَجْهِ الذِي يَعْمِدُ إِلَيْهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَإِنَّهُ بَيَّنَهَا لِلنَّاسِ لِبُعْدِ الْمَشَقَّةِ وَشِدَّةِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ الذِي يَعْمِدُ لَهُ لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ.
فَأَمَرَ النَّاسِ بِالْجِهَازِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ فَقَالَ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جَهَازِهِ ذَلِكَ لِلْجَدِ بنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي سَلَمَةَ: ((يَا جَدُّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جَلادِ بَنِي الأَصْفَرِ)) .
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ تَأْذَنُ لِي وَلا تَفْتِنِي، فَوَاللهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ أَشَدَّ عُجْباً بِالنِّسَاءِ مِنِّي وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الأَصْفَر أَنِّي لا أَصْبِرُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ((قَدْ أَذَنْتُ لَكَ)) . فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ .
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ. زَهَادَةً فِي الْجِهَادِ وَشَكّاً فِي الْحَقِّ وَارْجَافاً بِالرَّسُولِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ .
стр. 3429
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَدَّ فِي سَفَرِهِ وَعَجِزَ نَفَرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ تَجْهِيزِ أَنْفُسِهِمْ وَهُمْ الْبَكَّاؤُونَ وَهُمْ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِن الأَنْصَارِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَمْرو بن عَوْفٍ وَسَالِم بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُلَيَّة بن زَيْدٍ، أَحَد بَنِي حَارِثَةَ، وَأَبُي لَيْلَى عَبْد الرَّحْمَن أَخُي بَنِي مَازِنْ بنِ النَّجَّارِ، وَعَمْرُو بن الْحُمَامِ، وَعَبْد اللهِ بن مُغَفَّلٍ الْمَازِنِي وَبَعْض النَّاسِ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْروٍ الْمَازِنِي وَهِرْمِيُ بنُ عَبْدُ اللهِ وَعِرْبَاضُ بنُ سَارِيَةَ.
فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَقَالَ: ((لا أَجِدُ مَا أُحَمِّلُكُمْ عَلَيْهِ)) . فَتَوَلَوُا يَبْكُونَ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حُزْناً أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ.
وَقَامَ عُلَيَّةُ بنُ يَزِيد فَصَلَّى مِنْ اللَّيْلِ وَبَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَبَّتْ فِيهِ ثُمَّ لَمَ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَّوَى بِهِ مَعَ رَسُولِكَ وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ.
ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ النَّبِيَّ ﷺ : ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ)) ؟ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ)) . فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَبْشِرْ فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ)) . فَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ وَذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ الْمُتَصَدِّق.
فَلَقَيَ اثْنَانِ مِنْهُمَا يَامِينَ بن عُمَيْرِ بنِ كَعْبِ النَّفَرِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكمَا؟ قَالا: جِئْنَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَحْمِلَنَا فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ وَنَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ تَفُوتَنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحاً لَهُ،
стр. 3430
الْبَعِيرَ الذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَارْتَحَلاهَ وَزَوَّدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَحَمَلَ الْعَبَّاسُ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلب رَجُلَيْنِ وَحَمَلَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ مِنْهُمْ ثَلاثَةً.
أَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ أَخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ وَيَنْتَحِلُونَ الأَعْذَارَ لِيَتَخَلَّفُوا عَنْ الرَّكْبِ وَكَانُوا مِنْ الأَغْنِيَاءِ الْقَادِرِينَ عَلَى تَجْهِيزِ أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَلَكِنَّ النِّفَاقَ ضَرَبَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَجَأوُا إِلى الْحِيلَةِ يَعْتَذِرُونَ وَجَعَلُوا يَسْتَأْذَنُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْقُعُودِ فَيَأْذَنُ لَهُمْ وَيُعْرِضْ عَنْهُمْ.
وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْمُنَافِقُونَ عَلَى تَخَلُّفِهِمْ وَقُعُودِهِمْ بَلْ بَثُّوا شُرُورَهُمْ وَجَعَلُوا يُثَبِّطُونَ النَّاسَ وَيُخَوِّفُونَهُمْ لِقَاءَ الرُّومِ وَيُرْجِفُونَ برَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَقُولُونَ فِيمَا يَقُولُونَ: يَغْزُو مُحَمَّدٌ بَنِي الأَصْفَرِ مَعَ جُهْدِ الْحَالِ وَالْحَرِّ وَالْبَلَدِ الْبَعِيدِ أَيَحْسَبُ مُحَمَّدٌ أَنَّ قِتَالَ بَنِي الأَصْفَرِ بَسِيطٌ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضَا وَاللهِ لَكَأَنَّكُمُ بِأَصْحَابِهِ غَداً مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ.
وَكَانَ الْعَرَبُ يَنْظُرُونَ إِلى دَوْلَةِ الرُّومِ حِينَذَاكَ كَنَظَر كَثِيرٍ مِن النَّاسِ الْيَوْمَ إِلى دُوَلِ الْكُفْرِ دُوَلَ أُورُبَّا وَأَمْرِيكَا وَرُوسِيَا، قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْ يُعِدُّوا لِلْخُرُوجِ عُدَّتَهُ.
وَتَتَابَعَ النَّاسُ يَتَوَافَدُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ حَتَّى زَادَ عَدَدُهُمْ عَلَى ثَلاثِينَ أَلْفاً وَضَرَبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَسْكَرَهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةْ.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَهَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُفْلِحِينَ الذِينَ نَوَّرْتَ قُلُوبَهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ، وَأَهَّلْتَهُمْ لِخِدْمَتِكَ، وَحَرَسْتَهُمْ مِنْ عَدُوِّكَ، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ
стр. 3431
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَهْلِهِ عَليَّ بنَ أَبِي طَالِب وَأَمَرَهُ بِالإِقَامَةِ فِيهِمْ فَأُرْجِفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَّفَهُ إِلا اسْتِشْقَالاً لَهُ وَتَخَفُفاً مِنْهُ فَلَمَّا قَالَ الْمُنَافِقُونَ ذَلِكَ أَخَذَ عَلِيٌّ سِلاحَهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجُرْفِ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي أَنَّكَ اسْتَثْقَلْتَنِي وَتَخففْتَ مِنِّي فَقَالَ: ((كَذِبُوا وَلَكِنِّي إِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَائِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِكَ أَفَلا تَرْضَي يَا عَلِيّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي)) . فَرَجَعَ عَلِيٌّ.
وَعَقَدَ الأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ فَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلى أَبِي بَكْرٍ وَدَفَعَ رَايَتَهُ إِلى الزُّبَيْرِ وَدَفَعَ رَايَةَ الأَوْسِ إِلى أُسَيْدِ بنِ خُضَيْرٍ وَرَايَةَ الْخَزْرَجِ إِلى الْحَبَّاب بن الْمُنْذِرِ وَأَمَرَ كُلَّ بَطْنٍ مِنْ الأَنْصَارِ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ يَتَّخِذُوا لِوَاءً أَوْ رَايَةً.
وَخَرَجَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ قَاصِداً نَاحِيَةَ الشَّامِ فِي ثَلاثِينَ أَلْفاً مِنْ النَّاسِ وَالْخَيْلُ عَشْرَةُ آلافِ فَرَسٍ وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ رَئِيسَ الْمُنَافِقِينَ خَرَجَ فِي حُلَفَائِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ فَعَسْكَرَ بِهِمْ إِزَاءَ عَسْكَرِ رَسُولِ ِاللهُ ﷺ .
فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّيْرِ تَخَلَّفَ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بِنُ أُبَيّ وَمن كَانَ مَعَهُ كَمَا تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي غَزْوَة أُحُدٍ وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ سَهْلاً وَلا السَّفَرُ قَرِيباً وَلا الْوَقْتُ مُلائِماً لِلسَّيْرِ إِنَّمَا كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ زَمَانُ عُسْرَةٍ وَشِدَّةِ حَرٍّ وَجُدْبٍ وَحِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ وَالظِّلالَ فَالنَّاسُ يُحِبُّونَ الْمَقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلالِهِمْ.
стр. 3432
وَلَكِنَّ الْجِهَادَ لِدَفْعِ عَدُوِّ مُهَاجِمٍ وَرَدِّ خَطَرٍ جَاثِمٍ عَلَى الأَبْوَابِ فَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ أَهْلُ الدَّعْوَةِ وَحُمَاتُهَا لِيَنْكُلُوا عَنْ الْجِهَادِ مَهْمَا تَكُنِ الأَسْبَابُ غَيْرَ مُوَاتِيَةٍ وَمَهْمَا تَكُنِ الظُّرُوفُ غَيْرُ مُلائِمَةِ قَالَ تَعَالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَدْ قَاسَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً وَعَنْتاً وَنَصْباً كَثِيراً قَالَ قَتَادَةٌ: خَرَجُوا إِلى الشَّامِ عَامَ تَبُوكَ فِي لَهَبَانِ الْحَرِّ عَلَى مَا يَعْلمُ اللهُ مِنْ الْجُهْدِ فَأَصَابَهُمْ فِيهَا جُهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَشُقَّانِ التَّمْرَةِ بَيْنَهُمَا وَكَانَ النَّفَرُ يَتَدَاوَلُونَ التَّمْرَةِ بَيْنَهُمْ يَمُصُهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَمُصُهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ فَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْنَا إِلى تَبُوكَ فِي قَيْضٍ شَدِيدٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً وَأَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ وَحَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبَهُ ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْراً فَادْعُ اللهَ لَنَا فَقَالَ: ((أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ)) ؟ قَالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى قَالَتْ السَّمَاءُ - أَيْ
стр. 3433
آذنَتْ بِمَطَرٍ فَأطَلَّلتْ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَؤُا مَا مَعَهُمْ ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَرَهَا جَاوَزَتْ الْعَسْكَرَ.
وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ أَيْضاً وَلَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَشَقَّةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي عَانَاهَا الْمُسْلِمُونَ فِي السَّيْرِ إِلى تَبُوكَ امْتِحَاناً مِن اللهِ لَهُمْ أَرَادَ بِهِ تَمْحِيصَ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِخْلاصَهُمْ وَإِعْدَادَهُمْ لاحْمِاَلِ مَشَاقِّ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وليَنْظِرُ مَبْلَغَ صَبْرَ الصَّابِرِينَ وَصِدْق الصَّادِقِينَ فِي سَبِيلِ الذَّبَ عَنْ دِينِهِمْ.
فَكَانَ لا يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَشَقَّاتُ إِلا الذِينَ لَهُمْ إِيمَانٌ عَمِيقٌ رَاسِخَةٌ عَقِيدَتُهُمْ أَمَا الذِينَ نَافَقُوا وَتَظَاهَرُوا بِالإِيمَانِ فَقَدْ تَضَعْضَعُوا وَضَعُفُوا وَخَارَتْ عَزَائِمُهُمْ فَكَانُوا يَتَسَلَّلُونَ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوف رَاجِعِينَ.
وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَمَ
مَوْعِظَة: عِبَادَ اللهِ إِنَّ الْحَيَاءَ كَمَا عَلِمْتُمْ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ وَإِنَّهُ خُلُقُ الإِسْلامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجُرُّ إِلى الْكَمَالاتِ وَالْفَضَائِلِ وَهُوَ خُلُقُ الْكِرَامِ وَسِمَةُ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ وَعُنْوَانُ الْفَضْل وَالنُّبْل.
وَالْحَيَاءُ بَاعِثُهُ إِحْسَاسٌ رَقِيقٌ وَشُعُورٌ دَقِيقٌ يَبْدُو فِي الْعَيْنِ مَظْهَرُهُ وَعَلَى الْوَجْهِ أَثَرُهُ وَمَنْ حُرِمَهُ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَمَنْ تَحَلَّى بِهِ ظَفِرَ بِالْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ وَنَالَ الْخَيْرَ أَجْمَع.
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ هُمْ أَهْلُ الْحَيَاءِ فَعَلَيْنَا أَنْ نَفْتَدِيَ بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْخُلُقِ الْجَمِيل وَلَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمْ مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِنَّ إِذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ لا يُرَى مِنْهَا شَيْئاً أَبَداً وَتَبْتَعِدُ عَن الرِّجَالِ لاصِقَةً بِالْجِدَارِ مُرْخِيَةً ثَوْبَهَا شِبْراً أَوْ ذِرَاعاً فِي ثَوْبِ رَثٍّ خَلِقٍ وَعَبَاءَةٍ كَذَلِكَ.
стр. 3434
مَضَى عَلَى هَذَا مُدَّةٌ من الزَّمَنِ ثُمَّ لَمَا غَشَوْنَا الأَجَانِبُ وَكَثِرُوا عِنْدَنَا وَهُمْ لا يَرَوْنَ فِي التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ بَأْساً ضَعُفَ دَاعِي الْحَيَاءِ وَأَثَّرُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ.
وَلا شَكَّ أَنَّ التَّبَرُّجَ وَإِبْدَاءَ الزِّينَةِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِبْدَاءَهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ إِنْكَارُهَا وَمَنْعُهَا لِمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي وَإِفْسَادِ الأَخْلاقِ وَإِلَيْكَ الأَدِلَّةُ الدَّالَةُ عَلَى تَحْرِيم السُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ.
قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ الاحْتِجَابُ عَن الرِّجَالِ.
وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ الآيةَ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهَا تَشَوُّقٌ إِلى النِّكَاحِ بَأَنْ كَانَتْ تَرْجُوهُ عَلَيْهَا جُنَاحٌ وَهُوَ الإِثْمُ إِنْ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا وَرَآهَا الأَجَانِبُ مِنْهَا فَالشَّابَاتُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى لا يَجُوزُ لَهُنَّ وَضْعُ ثِيَابِهِنَّ لأنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ وَإِثْمُهُنَّ أَعْظَمُ فَتَأَمَّلْ.
وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآيَةَ. وَأَعْظُمُ مَا تَبْدُو بِهِ الزِّينَةُ الْوَجْهُ.
стр. 3435
وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ وَوَجْهُ الدَّلالَةِ عَلَى الاحْتِجَابِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَنْ تَضْرِبَ بِرِجْلِهَا إِذَا مَشَتْ لِيُسْمَعَ صَوْتُ خِلْخَالِهَا مِنْ يَسْمَعُهُ مِنْ الرِّجَالِ فَتَتَحَرَّكَ الشَّهْوَةُ فَكَيْفَ بِإبْدَاءِ الْوَجْهِ الذِي فِتْنَتُهُ أَعْظَمُ وَتَحْرِيكُهُ لِلشَّهْوَةِ أَشَدُّ وَهُوَ الذِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ أَقْدَم أَوْ أَحْجَمَ.
وَقَالَ تَعَالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ . قَالَ فِي فَتْح الْقَدِير: وَفِي هَذِهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلى غَيْرِ مَنْ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ. أهـ.
وَمِنْ الأَدِلَّةِ قَوْلُهُ تَعَالى نَاهِياً لأَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ .
هَذَا النَّهْيُ وَهَذَا التَّحْذِيرُ فِي عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ فِي عَهْدِ الصَّفْوَةِ الْمُخْتَارَةِ مِنْ الْبَشَرِ لِصُحْبَةِ رَسُولِهِ اللهُ ﷺ فَكَيْفَ بِهَذَا الْمُجْتَمَعِ الذِي نَعِيشُ فِيهِ الْيَوْمَ فِي عَصْرِنَا الْمَرِيضِ الدَّنِسِ الْهَابِطِ الذِي تَهِيجُ فِيهِ الْفِتَنُ وَتَثُورُ فِيهِ الشَّهَوَاتِ وَتَرِفُ فِيهِ الأَطمَاعُ نَسْأَلَ الله أَنْ يُفِيضَ لِدِينِهِ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَبِالإِجَابَةِ جَدِير.
ثُمَّ مِنْ الأَدِلَّةِ الدَّالَةِ عَلَى وُجُوبِ الْحِجَابِ وَالسَّتْرِ عَنْ الأَجَانِبِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ حُمَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ إِمْرَأَةً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُر إِلَيْهَا لِخُطْبَةٍ وَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمْ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ.
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِطَاعَتِكَ وَأَلْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَارْزُقْنَا الإِنَابَةَ إِلَيْكَ وَحُسْنَ التَّوَكُّلِ عَلَيْكَ وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
следующие страницы →