← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3851–3875 · переход к 3856.

стр. 3851

الإرشاد وقف على أفواه الطريق وفتح عينيه واستعمل فكره وتبصر في أمره وتدبر عواقب ما عليه القوم وأخذ لنفسه بأحوط الأحوال وأقربها إلى السلامة وجعل عينه متجهة للنظر إلى منازل الراحلين التي لا أنيس بها ولا جليس. وتأمل سرعة الرحيل وقصر أوقات الإقامة وتجنب الألعاب والملاهي وسلك سبيل المهتدين وإن كان ضيق الحضيرة قاصر النظر ضعيف الهمة ضائع العقل سيئ التصور فاقد الفكر خبيث الاستعداد لئيم الطبع لا يجد بداً من منازعة اللاعبين ومسابقة اللاهين وتغافل عن عاقبة أمره وسوء مصيره وتباعد عن صياح الناصحين وأصغى إلى مداهنة الغاوين أصبح من النادمين. وما ضربنا لك هذا المثل إلا لتعلم أنك أنت الغريب الَّذِي نزلت يوم ولدتك أمك بقومك وأنت ضعيف القوى لا تعلم شيئاً كما قَالَ تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ففرح بِكَ قومك وأكرموك إلى أن قويت الآت أعمالك وصرت تحسن الرحيل وحدك. ونريد بالرحيل هنا سلوك إحدى الطريقين إما طريق الكمالات وأما طريق النقائص لأنهما مسارب المكلفين الَّذِينَ لابد لهم من السير فيها للوصول إلى أحد الغايتين فإنه ما من طريق إلا ولها غاية ينتهي إليها مسير سالكها. وما نريد بالرجل العاقل المرشد إلا صاحب الرسالة ﵊ أو النائب عنه في تبليغها وما نريد بناديك من الأمام إلا السلف

стр. 3852

الصالح الَّذِينَ سبقونا بالإيمان وبينوا لنا طريق النجاة أو الأتقياء المقتفون لآثارهم الَّذِينَ ثبتت استقامتهم. وما نريد بالَّذِينَ ينادونك من خلفك إلا الَّذِينَ لا قدم لهم في طريق النبوة فلم يسلكوا سبيل المهتدين بل اعتمدوا في إرشادهم على مقال لا حال معه ولا عمل وهذا لا تصلح متابعته لأنهم أجهل الناس بطريق الاستقامة. وما أهل الاستقامة إلا الَّذِينَ راقبوا قلوبهم وأمسكوا ألسنتهم وطهروا أقلامهم فلا عزم لهم إلا على أعمال البر والمواساة ولا يقولون إلا الحق المنجي ولا يكتبون إلا ما لو سئلوا عنه يوم القيامة لأحسنوا الإجابة والَّذِينَ يذكرون الله كثيراً وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم والبكاؤون من خشية الله المقتفون لآثاره ? المخلصون لله في جميع أعمالهم. شِعْرً: ... لَعُمْرِي إِنَّ الْمَجْدَ وَالْفَخْرَ وَالْعُلا ... وَنَيْلَ الأَمَانِي وَاكْتِسَابَ الْفَضَائِلِ لِمَنْ يُخْلِصُ الأَعْمَالَ للهِ وَحْدَهُ ... وَيَدْعُو إِلَيْهِ بِالضُّحَى وَالأَصَائِلِ اللهُمَّ اجعلنا من عبادك المحبتين، والغر المحجلين الوفد المتقبلين. اللهُمَّ إنا نسألك حياة طيبة، ونفساً تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية، ومرداً غيرَ مخزٍ ولا فاضح. اللهُمَّ اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين. اللهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة عباد الله يجب عليكم أن تعلموا أنكم ما دمتم في هذه الدار فأنتم في دار

стр. 3853

المعاملات، وأن لكم دار أخرى أبدية، فيها تستوفون ما لكم على هذه المعاملات من جزاءات، فإن أحسنتم هنا أو أسأتم، كان جزاؤكم هناك إحساناً أو إساءات، هكذا وعدكم ربكم، وهو عليم بكل الأعمال، وعلى جزائكم عليها قدير، قَالَ الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ من هذا قطعاً تعلم أن شأن هذه المعاملات عظيم، عظماً لا يعرف قدره إلا الرجل العاقل، البعيد النظر الحكيم، فإن عليها يترتب غضب الله، وعقابه أو رضاه، والنعيم المقيم، وشيء هذا قدره لا يتوقف ولا يتردد في بذل العناية به رجل بصير، وهذه المعاملات تارة تكون بينكم وبين الله، وتارة تكون مع عباد الله، فأما المعاملة مع الله جل وعلا فبأن تسمع وتطيع فيما أمر ونهى، وأما معاملتك مع عباد الله المؤمنين، فبأن تحب لهم ما تحب لنفسك، وذلك بأن تجعل نفسك ميزاناً في معاملة كبيرهم وصغيرهم، أنت تكره إساءتهم لك وتحب إحسانهم، فاحذر إساءتهم، وعاملهم بالإحسان، وكما تكره أن يمسوا ما بسوء، فلتكن أموالهم منك في أمان، وكما تكره أن يتعرضوا لأولادك وأهلك وشخصك بشر فكن لهم خير حفيظ ونصر، وكما تحب أن يريحوك إذا جاوروك فأرحهم عند مجاورتك لهم، وكما تحب أن ينصحوك ويصدقوك في وعودهم وعقودهم وأخبارهم، فاسبقهم أنت إلى ذلك، وكما تحب أن يفرحوا لفرحك، ويحزنوا لحزنك، فكن أنت كذلك معهم، وكما تحب أن لا يتكلموا فيك إلا بخير، فلا تكن أنت معهم بضد ذلك، وقس على ذلك ما يتعلق بالموضوع وأما معاملتك مع نفسك فهي أن تعودها دائماً على الخير بلا ضجر.

стр. 3854

شِعْرًا: يَا أَيُّهَا الَّذِي قَدْ غَرَّهُ الأَمَلُ ... وَدُونَ مَا يَا مَل التَّنْغِيصُ وَالأَجَلُ أَلا تَرَى إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... كَمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلَّّّّّّوْا ثُمَتَ ارْتَحَلُوا حُتُوفُهَا رَصْدٌ وَعَيْشُهَا نَكَدُ ... وَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَمُلْكُهَا دُوَلُ تَظَلُّ تُفْزِعُ بِالرُّوعَاتِ سَاكِنَهَا ... فَمَا يَلَذُ لَهُ عَيْشٌ وَلا جَذَلُ كَأَنَّهُ لِلْمَنَايَا وَالرَّدَى غَرَضٌ ... تَظَلُّ فِيهِ سِهَام الْوَقْتِ تَنْتَظِلُ وَالنَّفْسُ هَارِبَةٌ وَالْمَوْتُ يَتَبَعُهَا ... وَكُل عَثْرَةِ رِجْلٍ عِنْدَهَا جَلَلُ وَالْمَرْءُ يَسْعَى بِمَا يَسْعَى لِوَارِثِهِ ... وَالْقَبْرُ وَارِثُ مَا يَسْعَى لَهُ الرَّجُلُ اللهُمَّ إِنَّكَ تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمع كلامنا وترى مكاننا لا يخفى عَلَيْكَ شيء من أمرنا نحن البؤساء الفقراء إليك المستغيثون المستجيرون بِكَ نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات ويقيم علم الجهاد ويقمع أهل الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. [نختم هذا الكتاب بنبذة من زهده ?] كان رسول الله ? أزهد الناس، ويكفيك في تعريف ذلك أن فقره ? كان فقراً اختيارياً لا فقراً اضطرارياً. لأنه ? فُتِحَتْ عليه الفتوحُ وجُلِبَتْ إليه الأموالُ، ومات ودِرْعُهُ مَرهونةٌ عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو: اللهُمَّ اجعل رزق آل مُحَمَّد قوتاً. وقالت عائشة ﵂: ما شبعَ رسول الله ? ثلاثة أيام تِباعاً مِن خُبز حتَّى مَضى لِسَبِيلِه، ولو شاء لأعطاهُ الله ما لا يخطر ببالٍ.

стр. 3855

وعنها قالت: ما ترك رسول الله ? دِيناراً ولا شاة ولا درهماً ولا بعيراً ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذُو كبدٍ إلا شطر شعير في رَفٍّ لي. وَقَالَ لي: إني عَرَضَ عَليَّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلتُ: لا يا رب أجُوعُ يوماً وأشبعُ يوماً، فأما اليومُ الَّذِي أجُوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الَّذِي أشبعُ فيه فأحْمِدُكَ وأثْنِي عَلَيْكَ. وعنها قالت: إنْ كُنَّا آلُ مُحَمَّد لنمْكُثُ شهراً ما نَسْتَوقِدُ ناراً، إن هو إلا التمرُ والماء. وعنها قالت: لم يمتل جَوفُ النبي ? شِبَعاً قط، ولم يَبُث إلى أحدٍ شكوى. وكانت الفاقة أحَبَّ إليه من الغِنَى، وإنْ كان لَيَظَلُ جائعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيلته مِن الجوع، فلا يَمْنَعُه مِن صِيام يوم ولو شاء لَسَألَ ربه جَميعَ كُنُوزِ الأرضِ وثِمارِهَا ورغد عيشها. ولقد كنتُ أبكي له رحمة مِمَّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه مِمَّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك. فيقول: «يا عائشة ما لي وللدنيا إخواني أولو العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم وأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم. وأجدني استحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصرني غداً دونهم. وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي» . قالت: فما أقام بعد إلا شهراً ثم توفى ?. وعن عائشة ﵂ قالت: ما رفع رسول الله ? قط غداء لعشاء ولا عشاء قط لغداء.

стр. 3856

ولا اتخذ من شيء زوجين لا قميصين ولا ردائين ولا إزارين، ومن النعال ولا رئي قط فارغاً في بيته إما يخصف نعلاً لرجل مسكين أو يخيط ثوباً لأرملة. وعن أنس بن مالك أن فاطمة ﵍ جاءت بكسرة خبز إلى النبي ? فَقَالَ: «ما هذه الكسرة يا فاطمة» ؟ قالت: قرص خبزته فلم تطلب نفسي حتَّى أتيك بهذه الكسرة فَقَالَ: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام» . وروى مسلم عن النعمان قَالَ: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فَقَالَ: لقد رأيت رسول الله يظل يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه. وعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: إن كان ليمر بآل رسول الله ? الأهلة ما يسرج في بيت أحد منهم سراج ولا يوقد فيه نار إن وجدوا زيتاً ادهنوا به وإن وجدوا ودكاً أكلوه. رواه أبو يعلى ورواته ثقاتٌ. عن عبد الله بن مسعود قَالَ: نام رسول الله ? على حصير فَقَامَ وقد أثر في جنبه، قلنا: يَا رَسُولَ اللهِ لو اتخذنا لك وطاء. فَقَالَ: «مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» . رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه. قَالَ عمر بن الخطاب: دخلت على رسول الله ? وهو على حصير فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره وإذا الحصير قد أثر في جنبه. وإذا أنا بقبضةٍ من شعير نحو الصاع وقرظ في ناحية الغرفة وإذا إهاب معلق (الإهاب: الجلد) فابتدرت عيناي. فَقَالَ: «ما يبكيك يا ابن الخطاب» ؟ فقلت: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبِكَ، وهذه خزانتك لا أرى إلا ما أرى.

стр. 3857

وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. قَالَ: «يا ابن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا» . رواه ابن ماجة بإسناد صحيح والحاكم وَقَالَ: على شرط مسلم. روى مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ? وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ إِلا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. عن ابن عباس أن النبي ? كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاءً، وكان عامة خبزهم الشعير. عن أبي هريرة أن رسول الله ? كان يشد صلبه بالحجر من الغرث أي الجوع. بينما عائشة ﵂ تحدث ذات يوم إذ بكت قِيلَ لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام، فشئت أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله ? وما كان فيه من الجهد. وعنها أيضاً أن رسول الله ? كانت تأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز برٍّ. وعنها أيضاً قالت: ما شبع آل مُحَمَّد ثلاثاً من خبز برٍّ حتَّى قبض، وما رفع عن مائدته كسرة فضلاً حتَّى قبض. عن الحسن (البصري) قَالَ: خطب رسول الله ? فَقَالَ: «والله ما أمسى في آل مُحَمَّد صاعٌ من طعام وإنها لتسعة أبيات» . (بيوت زوجاته) . والله ما قالها استقلالاً لرزق الله، ولكن أَرَادَ أن تتأسى به أمته.

стр. 3858

عن ابن عباس قَالَ: والله لقد كان يأتي على آل مُحَمَّد ? الليالي ما يجدون فيها عشاء. عن عائشة ﵂ قالت: ما شبع رسول الله ? في يوم مرتين حتَّى لحق بالله، ولا عرفنا له فضل طعام عن شبع حتَّى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب فقِيلَ لها: ما كانت معيشتكم؟ قالت: الأسودان: الماء والتمر. وقالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب يسقوننا من لبنها، جزاهم الله خيراً. عن أنس بن مالك أن النبي ? لم يجمع غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف. عن أنس بن مالك قَالَ: شهدت للنبي ? وليمة ما فيها خبز ولا لحم. عن أنس بن مالك قَالَ: ما أعلم رسول الله ? رأى رغيفاً مرقّقاً بعينه حتَّى لحق بربه، ولا شاة سميطاً قط. عن عائشة ﵂ قالت: ما اجتمع في بطن النبي ? طعامان في يوم قط، إن أكل لحماً لم يزد عليه، وإن كان تمراً لم يزد عليه، وإن أكل خبزاً لم يزد عليه. وكان رجلاً مسقاماً، وكانت العرب تنعت له فيتدواى بما تنعت له العرب، وكانت العجم تنعت له فيتداوى. عن أبي نضر قَالَ: سمعت عائشة ﵂ تقول: إني لجالسة مع رسول الله ? في البيت فأهدى لنا أبو بكر رجل شاة فإني لأقطعها مع رسول الله ? في ظلمة البيت. فَقَالَ لها قائل: أما كان لكم سراج؟ فقالت: لو كان لنا ما يسرج به أكلناه. عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: لقد مات رسول الله ? وما شبع من خبز وزيت في يوم مرتين.

стр. 3859

عن عائشة قالت: بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتَّى يلتمس لذلك دواءً يمرئه. فذكرت نبيكم ? فذاك الَّذِي أبكاني خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز وإذ اشبع من الخبز لم يشبع من التمر. عن أنس بن مالك قَالَ: ما يرفع بين يدي رسول الله ? شيء قط، ولا حملت معه طِنفسة يجلس عليها. أخبرني الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ? كان يجوع. قلت لأبي هريرة: وكيف ذلك الجوع؟ قَالَ: لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاماً أبداً إلا ومعه أصحابه، وأهل الحاجة يتبعونه من المسجد. فلما فتح الله خيبر اتسع الناس بعض الاتساع وفي الأمر بعد ضيق والمعاش شديد. هي بلاد ظلف لا زرع فيها وإنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك قاموا. وروي عن جابر ﵁ قَالَ: حضرنا عرس علي وفاطمة فما كان عرساً كان أحسن منه حشونا الفراش يعني من الليف. وأوتينا بتمر وزيت فأكلنا وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش. رواه البزار. الإهاب: الجلد. عن عامر الشعبي قَالَ: قَالَ علي ﵁: لقد تزوجت فاطمة وما لها ولي فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه الناضح بالنهار، وما لي ولها خادم غيرها. وعن علي ﵁ أن رسول الله ? لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف روحيين وسقاء وجرتين. فَقَالَ علي لفاطمة ذات يوم: والله سنوت حتَّى اشتكيت صدري

стр. 3860

(المعنى تعبت من إخراج الماء من البئر) وقد جاء الله بسبي فاذهبي فاستخدميه (أي اطلبي منه خادماً) . فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتَّى مجلت يدي من العمل فأتت النبي ? فَقَالَ: «ما جاء بِكَ وما حاجتك أي بنية» . قالت: جئت لأسلم عَلَيْكَ واستحيت أن تسأله فرجعت. فَقَالَ علي: ما فعلت؟ قالت: استحيت أن أسأله فأتياه جميعاً فَقَالَ علي: يَا رَسُولَ اللهِ والله لقد سنوت حتَّى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: لقد طحنت حتَّى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا. فَقَالَ: «والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم» . فرجعا وأتاهما النبي ?، وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطيا رؤوسهما تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فَقَالَ: «مكانكما» . ثم قَالَ: «ألا أخبركم بخير مِمَّا سألتماني» ؟ قالا: بلى. قَالَ: «كلمات علمنيهن جبريل تسبحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً. وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين» . قَالَ: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ?. عن بريدة قَالَ: سمع النبي ? رجلاً يقول: اللهُمَّ إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الَّذِي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.

стр. 3861

فَقَالَ رسول الله ?: «والَّذِي نفسي بيدِهِ لقد سأل الله باسمه الأعظم الَّذِي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» . أخرجه أبو داود والترمذي. وعن أنس ﵁ قَالَ: دعا رجل فَقَالَ: اللهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فَقَالَ النَّبِيُّ ?: «أتدرون بما دعا» ؟ قَالُوا: الله ورسوله أعلم قَالَ: «والَّذِي نفسي بيدِهِ لقد دعا الله باسمه الأعظم الَّذِي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» . أخرجه أصحاب السنن. عن سعد بن أبي وقاص قَالَ: قَالَ رسول الله ?: «دعوة ذي النون إذ دعى وهو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له» . رواه الترمذي والنسائي والحاكم وَقَالَ: صحيح الإسناد. وعن معاوية بن أبي سفيان قَالَ: سمعت رسول الله ? يقول: «من دعا بهؤلاء الكلمات الخمس لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه لا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله» . رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن معاذ بن جبل قَالَ: سمع رسول الله ? رجلاً وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام فَقَالَ: «قد استجيب لك فسل» . رواه الترمذي.

стр. 3862

اللهُمَّ اجعلنا مكثرين لذكرك مؤدين لحقك حافظين لأجرك راجين لوعدك راضين في جميع حالاتنا عنك. راغبين في كل أمورنا إليك مؤملين لفضلك شاكرين لنعمك. يا من يحب العفو والإحسان، ويأمر بهما أعف عنا، وأحسن إلينا. فإنك بالَّذِي أنت له أهل من عفوك أحق منا بالَّذِي نحن له أهل من عقوبتك. اللهُمَّ ثبت رجاءك في قلوبنا، واقطعه عمن سواك، حتَّى لا نرجوا غيرك ولا نستعين إلا إياك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين. اللهُمَّ هب لنا اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عَلَيْكَ، والاستغناء عن خلقك. واجعل خير أعمالنا ما قارب آجالنا. اللهُمَّ أعنا بما وفقتنا له من العلم، وزينا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية. اللهُمَّ افتح مسامع قلوبنا لذكرك وارزقنا طاعتك وطاعة رسولك ووفقنا للعمل بكتابِكَ وسنة رسولك. اللهُمَّ إنا نسألك الهدى، والتقى والعافية والغنى، ونعوذ بِكَ من درك الشقاء، ومن جهد البلاء ومن سوء القضاء ومن شماتة الأعداء. اللهُمَّ لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله وعلانيته وسره، أهل الحمد والثناء أنت، لا إله إلا أنت سبحانك إنك على كل شيء قدير.

стр. 3863

اللهُمَّ اغفر لنا جميع ما سلف منا من الذنوب، واعصمنا فيما بقى من أعمارنا، ووفقنا لعمل صالح ترضى به عنا. اللهُمَّ سامع كل صوت، ويا بارئ النفوس بعد الموت، يا من لا تشبه عليه الأصوات، يا عظيم الشأن، يا واضح البرهان، يا من هو كل يوم في شأن، اغفر ذنوبنا إنك أنت الغفور الرحيم. اللهُمَّ يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لنا العافية في الدنيا والآخرة. اللهُمَّ يا حي ويا قيوم فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكلفت لنا به، واجعلنا ممن يؤمنن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك. اللهُمَّ اجعل رزقنا رغداً، ولا تشمت بنا أحداً. اللهُمَّ رغبنا فيما يبقى، وزهدنا فيما يفنى، وهب لنا اليقين الَّذِي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه. اللهُمَّ إنا نسألك بعزك الَّذِي لا يرام وملكك الَّذِي لا يضام وبنورك الَّذِي ملأ أركان عرشك أن تكفينا شر ما أهملنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. اللهُمَّ يا عليم يا حليم يا قوي يا عزيز يا ذا المن والعطا والعز والكبرياء يا من تعنوا له الوجوه وتخشع له الأصوات. وفقنا لصالح الأعمال وأكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك إنك على كل شيء قدير. اللهُمَّ إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها

стр. 3864

شملنا، وتلم بها شعثنا، وترفع بها شاهدنا، وتحفظ بها غائبنا، وتزكى بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء يا أرحم الراحمين. اللهُمَّ ارزقنا من فضلك، واكفنا شر خلقك، واحفظ علينا ديننا وصحة أبداننا. اللهُمَّ يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقِيلَ عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين. اللهُمَّ يا عالم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أنت إليك المصير. نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، يا أرحم الراحمين وأرأف الرائفين وأكرم الأكرمين. اللهُمَّ اعتقنا من رق الذنوب، وخلصنا من أشر النفوس، وأذهب عنا وحشة الإساءة، وطهرنا من دنس الذنوب، وباعد بيننا وبين الخطايا وأجرنا من الشيطان الرجيم. اللهُمَّ طبِّعنا للقائك، وأهلنا لولائك وأدخلنا مع المرحومين من أوليائك، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. اللهُمَّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتلاوة كتابِكَ، واجعلنا من حزبِكَ المفلحين، وأيدنا بجندك المنصورين، وارزقنا مرافقة الَّذِينَ أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهُمَّ يا فالق الحب والنوى، يا منشئ الأجساد بعد البلى يا مؤي المنقطعين إليه، يا كافي المتوكلين عليه، انقطع الرجاء إلا منك، وخابت

стр. 3865

الظنون إلا فيك، وضعف الاعتماد إلا عَلَيْكَ نسألك أن تمطر محل قلوبنا من سحائب يرك وإحسانك وأن توفقنا لموجبات رحمتك وعزائم مغفرتك إنك جواد كريم رؤوف غفور رحيم. اللهُمَّ نسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً، وعملاً متقبلاً، ونسألك بركة الحياة وخير الحياة، ونعوذ بِكَ من شر الحياة، وشر الوفاة. اللهُمَّ إنا نسألك نفساً مطمئنةً، وتؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك، يا أرأف الرائفين، وأرحم الراحمين. اللهُمَّ إنا نسألك التوفيق لما تحبه من الأعمال، ونسألك صدق التوكيل عَلَيْكَ، وحسن الظن بِكَ يا رب العالمين. اللهُمَّ اجعلنا من عبادك المخبتين، الغر المحجلين الوفد المتقبلين. اللهُمَّ إنا نسألك حياة طيبة، ونفساً تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية ومرداً غير مخزٍ ولا فاضح. اللهُمَّ اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك. موعظة قَالَ ابن الجوزي رحمة الله: الحذر الْحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة، فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عند التذاذهِ يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه الناهي وهو الله فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه

стр. 3866

سكر الهوى كان القلب متنغضاً بهذه المراقبات وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم وبكاء متواصل وأسف على ما كان مع طول الزمان حتَّى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقيح آثارها وأسوء أخبارها انتهى. فيا أيها الْمُسْلِمُونَ اتقوا الله ربكم وحافظوا على صلاتكم وقوموا لله خاضعين خاشعين لتفوزوا برضوان الله وتكونوا من المفلحين. اللهُمَّ قوى إيماننا بِكَ وبملائكتك وبكتبِكَ وبرسلك وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. اللهُمَّ ثبت محبتك في قلوبنا وقوها وألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا صيانة أوقاتنا وحفظها عن المعاصي ووفقنا بالباقيات الصالحات وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اعْلَمْ وَفَّقَنا اللهُ وَإيَّاكَ وَجَمِيْعَ المُسْلِميْنَ أنَّهُ لَم يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وتَابِعْيِهْم بإِحْسَانٍ تَعْظِيْمُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَالمُوَالِيْنَ لأَهْلِ البِدَعِ وَالمُنَادِيْنَ بِمُوَالاتِهمْ، لأَنّ أَهْلِ البِدَعِ مَرْضَى قُلُوب، وَيُخْشَى عَلَىَ مَنْ خَالطَهُمْ أَو اتَّصَلَ بِهِمْ أَنْ يَصِلَ إِلِيْهِ مِنْ مَا بِهِِِمْ مِنَ هَذَا الدَّاءِ العُضَال، لأِنّ المَرِيْضَ يُعْدِي الصَّحَيْحَ وَلاَ عَكسْ، فَالْحَذَرَ الحذرَ مِنْ جَمِيعِ أهْلِ البدَعِ، وَمِنْ أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَجِبُ البُعْدُ عَنْهُمْ وَهِجَرانُهُمْ: الجَهْمِيَّةُ، والرَّافضَةُ، وَالْمُْعَتِزلَةُ، والْمَاتُرِيْدِيَّةُ، وَالخَوَارُِج، والصُّوْفِيَّةُ، والأَشَاعَرة، وَمَنْ عَلَىَ طَريْقَتِهمْ مِنَ الطَّوَائِف المُنْحَرِفَةِ عن طريقة السَّلَفْ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْذّرَهُمْ وَيُحَذِرَّ عَنْهُمَ وصلى الله على مُحَمَّد وآله وسلم. عبد العزيز بن مُحَمَّد بن سلمان

стр. 3867

فائدة عظيمة النفع قَالَ أحد العلماء رحمه الله تعالى عَلَيْكَ يا أخي بمحاربة الشيطان وقهره، وذلك لخصلتين أحدهما أنه عدو مظل مبين، لا مطمع فيه بمصالحة واتقاء شره أبداً، لأنه لا يرضيه ويقنعه إلا هلاكك أصلاً فلا وجه إذا للأمن من هذا العدو والغفلة عنه، قَالَ الله جل وعلا: ﴿لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ والخصلة الثانية أنه مجبول على عداوتك ومنتصب لمحاربتك، في الليل والنهار يرميك بسهامه، وأنت غافل عنه، ثم هو له مع جميع المؤمنين عداوة عامة، ومع المجتهد في العبادة والعلم عداوة خاصة، ومعه عَلَيْكَ أعوان نفسك الأمارة بالسوء، والهوى، والدنيا وهو فارغ وأنت مشغول، وهو يراك وأنت لا تراه، وأنت تنساه وهو لا ينساك، فإذاً لابد من محاربته، وقهره، وإلا فلا تأمن الفساد والهلاك والدمار، ومحاربته بالاستعاذة بالله والإكثار من ذكره. شِعْرًا: ... مَا لِي أَرَاكَ عَلَى الذُّنُوبِ مُوَاظِبًا ... أَأَخَذْتَ مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ أَمَانَا لا تَغْفَلَنَّ كَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَى ... وَلَعَلَّ عُمْرَكَ قَدْ دَنَا أَوْ حَانَا وَمَضَى الحَبِيبُ لِحَفْرِ قَبْرِكَ مُسْرِعًا ... وَأَتَى الصَّدِيقُ فَأَنْذَرَ الْجِيرَانَا وَأَتوا بِغَسَّال وَجَاءُوا نَحْوَهُ ... وَبَدَا بِغُسْلِكَ مَيِّتًا عُرْيَانَا فَغُسِّلْتَ ثُمَّ كُسِيتَ ثَوْبًا لِلْبَلَى ... وَدَعَوا لِحَمْلِ سَرِيرَكَ الإِخْوَانَا وَأَتَاكَ أَهْلُكَ لِلْوَدَاعِ فَوَدَّعُوا ... وَجَرَتْ عَلَيْكَ دُمُوعهُمْ غُدْرَانَا فَخَفِ الإِلَهِ فَإِنَّهُ مِنْ خَافَه ... سَكَنَ الْجِنَانَ مُجَاوِرًا رِضْوَانَا جَنَّاتِ عَدْنٍ لا يَبْدُ نَعِيمُهَا ... أَبَدًا يُخَالَطُ رُوحَهُ رَيْحَانَا وَلِمَنْ عَصَى نَارًا يُقَالُ لَهَا لَظَى ... تَشْوِي الْوُجُوهُ وَتَحْرِقُ الأَبْدَانَا نَبْكِي وَحَقّ لَنَا الْبُكَى يَا قَوْمَنَا ... كَيْ لا يُؤَاخِذُنَا بِمَا قَدْ كَانَا

стр. 3868

موعظة عباد الله إن طاعة الله صلاح في الأرض لهذا أمر بالطاعات، وهذه الطاعات ترضي الله سبحانه لأنها شكر له على نعمه المتواليات، فينبغي لنا أن نحث عليها وأن نأمر من ترك الطاعة أن يعود إليها إذا كانت من فرائض الدين كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأن ننكر على من رأيناه يقترف معصية من المعاصي، لأن المعاصي بكل أنواعها شرور وأضرار وفساد ولها شؤم قد يعم الدنيا ويفعل الأفاعيل العظام في بني الإنسان ومن آثارها المضرة بالقلب والبدن: أنها إفساد للعقل فإن العقل نور والمعصية تطفئ نور العقل ومنها أن المعاصي مدد من الإنسان يمد بها عدوه عليه وجيش يقويه به على حربه ومنها أنها توهن القلب والبدن ومنها أنها تزرع أمثالها من المعاصي ومنها أنها تمحق بركة العمر ومنها أنها تسبب شماتة الأعداء، ومنها أنها تعسر على الإنسان أموره، ومنها أنها تسبب الوحشة بين العاصي وبين أهل الخير ومنها أنها تذهب الحياء ومنها أن تستدعي نسيان الله لعبده وتركه، ومنها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ومنها أنها تضعف في القلب تعظيم الرب ومنها أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره ومنها أنها تسقط الجاه والمنزلة عند الله إلا مالا نهاية له من الأضرار لهذا يجب علينا أن ننهي عن المعاصي لاسيما إذا كانت من كبار المعاصي، ولا تنس أن بني إسرائيل لعنهم الله لما فقدوا الغيرة على انتهاك الحرمات ولا تناهو عن المنكر وتأمل أحوال الأمم وما حل بها من العقوبات بأسباب الذنوب قَالَ تعالى: ﴿فكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ .

стр. 3869

موعظة عباد الله سرور المؤمنين يوم يعبرون القناطر ويأمنون العوائر فذلك يوم عيدهم وما داموا في دار الغرور فلا غبطة ولا سرور. وأي سرور لمن الموت معقود بناصيته والذنوب راسخة في آنيته والنفس تقوده إلى هواها والدنيا تتزين في عينه بمشتهاها. والشيطان مستبطن فقار ظهره لا يفتر عن الوسوسة في صدره ونفسه وماله بعرضه للحوادث ولا يدري في كل نفس ما عليه حادث. قَالَ بعضهم: إِنِّي بُلِيتُ بِأَرْبَعٍ مَا سُلِّطُوا ... إِلا لأَجْلِ شَقَاوَتِي وَعَنَائِي إِبْلَيْسَ وَالدُّنْيَا وَنَفْسِي وَالْهَوَى ... كَيْفَ الْخَلاصُ وَكُلُّهُمْ أَعْدَائِي ومن ورائه المغير ومسأله منكر ونكير ويتوسد التراب إلى يوم النشور ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يوم لا يبلغ وصف أهواله ولا شرح أحواله ما لا يسع المؤمن به أن يستقر له قرار ولا يخلد إلى هذه الدار ولا يكون له في هذه الدنيا إلا التقرب بأنواع القرب واجتناب الفواحش والريب وإقامة الدين الَّذِي في إقامته النجاة وفي تضييعه العطب العظيم. يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ ... لَفَرَرْتَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ أَوْطَانِ يَوْمٌ تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ لِهَوْلِهِ ... وَتَشِيبُ فِيهِ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ شَرُّهُ ... فِي الْخَلْقِ مُنْتَشِرٌ عَظِيمُ الشَّأنِ يَوْمٌ يَجِيءُ الْمُتَّقُونَ لِرَبِّهِمْ ... وَفْدًا عَلَى نُجُبٍ مِنَ الْعِقْيَاتِ وَيَجِيءُ فِيهِ الْمُجْرِمُونَ إِلَى لَظى ... يَتَلَمَّظُونَ تَلَمُّظَ الْعَطْشَانِ وَالْجَنَّةُ الْعُلْيَا وَنَارُ جَهَنَّمِ ... دَارَانِ لِلْخَصْمَيْنِ دَائِمَتانِ اللهُمَّ اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقى ويا منجي

стр. 3870

الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. موعظة عباد الله طلب الرزق الحلال فريضة على كل مسلم فالتمس الرزق أيها المسلم من حله وإياك وما نهاك الله عنه وحرمه فمتاع الدنيا قليل؛ أيها المسلم إن جمعك للمال من حله عبادة إذا كنت تريد به إعفاف نفسك، والقيام بما أوجبه الله عَلَيْكَ من الحقوق، واحذر من ترك العمل، وافعل الأسباب التي بها يحصل الرزق بإذن الله، واعلم أن من ترك العمل وغلب عليه الكسل حتَّى صار كلا على الخلق يعده أهله ثقلاً ويراه صاحبه بغيضاً ولا يلقاه أحد إلا وكره لقياه قَالَ تعالى حاثاً على طلب الرزق ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ وَقَالَ تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾ والمؤمن المحترف الكسوب الَّذِي يأكل من عمل يده مكرم محبوب محترم عند أهله، والأولاد، وكان نوح وداود يحترفان التجارة ومُحَمَّد ﷺ رعى الغنم، وموسى كان أجيراً عند صاحب مدين وكان إدريس خياطاً، وما أبعد هذه الأعمال الشريفة عن الكسل والبطالة وكان السلف ﵃ عمالاً مكتسبين فكلهم ما بين غني شريف وفقير شريف عفيف، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة ولا يمنهم الدين عن طلب الكسب والقيام بالواجبات وهم مع هذا من أقوى الناس توكلاً على الله ورضىً بما قدر الله وقضاه ولله در القائل:

стр. 3871

وَكُنْ بِالَّذِي قَدْ خَطَّ بِاللَّوْحِ رَاضِيًا ... فَلا مَهْرَبٌ مِمَّا قَضَاهُ وَخَطَّهُ وَإِنَّ مَعَ الرِّزْقِ اشْتِرَاطُ الْتِمَاسِهِ ... وَقَدْ يَتَعَدَّى إِنْ تَعَدَّيْتَ شَرْطَهُ فَلَوْ شَاءَ أَلْقَى فِي فَمِ الطَّيْرِ قُوتَهُ ... وَلَكِنَّه أَوْحَى إِلَى الطَّيْرِ لَقْطَهُ موعظة: إخواني تفكروا في مصارع الَّذِينَ سبقوا، وتدبروا مصيرهم أين انطلقوا؟ واعلموا أن القوم انقسموا وافترقوا، قوم منهم سعدوا ومنهم قوم شقوا. إخواني: إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة فبالله عليكم تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد وأصلحوا من أعمالكم ما فسد، وكونوا من آجالكم على رصدٍ فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب، وأنتم تلعبون بالآجل وبين أيديكم يوم الحساب. شِعْرًا: وَالْمَرْءُ مِثْلُ هِلالَ عِنْدَ طَلْعَتِهِ ... يَبْدُو ضَئِيلاً لَطِيفًا ثُمَّ يَتَّسِقُ يَزْدَادُ حَتَّى إِذَا مَا تَمَّ أَعْقَبَهُ ... كِرُّ الْجَدِيدَيْنِ نَقْصًا ثُمَّ يَنْمَحِقُ كَانَ الشَّبَابُ رِدَاءً قَدْ بُهْجَتَ بِهِ ... فَقَدْ تَطَايَرَ مِنْهُ لِلْبَلَى خِرَقُ وَبَاتَ مُنْشَمِرًا يَحْدُو الْمَشِيبُ بِهِ ... كَاللَّيْلِ يَنْهَضُ فِي أَعْجَازِهِ الْفَلَقُ عَجِبْتُ وَالدَّهْرُ لا تَفْنَى عَجَائِبُهُ ... لِلرَّاكِنِينَ إِلَى الدُّنْيَا وَقَدْ صَدَقُوا وَطَالَ مَا نُغِّصُوا بِالْفَجْعِ ضَاحِيَةٍ ... وَطَالَ بِالْفَجْعِ وَالتَّنْغِيصِ مَا طُرِقُوا دَارٌ تَغُرُّ بِهَا الآمَالُ مُهْلِكَةٌ ... وَذُو التَّجَارُبِ فِيهَا خَائِفٌ فَرِقُ يَا لِرِّجَّالِ لِمَخْدُوعٍ بِزُخْرُفِهَا ... بَعْدَ الْبَيَانِ وَمَغْرُورٌ بِهَا يَثِقُ أَقُولُ وَالنَّفْسُ تَدْعُونِي لِبَاطِلِهَا ... أَيْنَ الْمُلُوكُ مُلُوكُ النَّاس وَالسَّوْقُ أَيْنَ الَّذِينَ إِلَى لَذَّاتِهَا رَكَنُوا ... قَدْ كَانَ فِيهَا لَهُمْ عَيْشٌ وَمُرْتَفَقُ أَمْسَتْ مَسَاكِنُهُمْ قَفْرًا مُعَطَّلَةً ... كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَبْلَهَا خُلِقُوا

стр. 3872

يَا أَهْلَ لَذَّاتِ دَارٍ لا بَقَاءَ لَهَا ... إِنْ اغْتِرَارًا بِظِلِّ زَائِلٍ حُمُقٌ اللهُمَّ اغفر لنا ولا تعذبنا ووفقنا ولا تخذلنا ولا تسلب الإيمان منا لا ملجأ لنا إلا إليك ولا معول لنا إلا عَلَيْكَ يا أرحم الراحمين. اللهُمَّ يا من فتح بابه للطالبين، وأظهر غناه للراغبين نسألك أن تسلك بنا سبيل عبادك الصادقين، وأن تلحقنا بعبادك الصالحين، اللهُمَّ أحْي قُلُوباً أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تَعذِّبْهَا بَأَلِيمٍ عِقَابِكَ، يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ، يَا مَنْ جَادَ عَلَى عِبَادِهِ بالأنْعَامِ وَالأفضَالِ، اللهُمَّ أَيْقِظْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلُطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمْنَا بِعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَارْزُقْنَا مَا رَزَقْتَ أَوْلِيَاءِكَ، مِنْ نَعِيم قُرْبِكَ، وَلَذَّةِ مُنَاجَاتِكَ، وَصِدْقِ حُبِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِوالديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ. خاتمة، وصية، نصيحة اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه الله ويرضاه أن مِمَّا يجب الاعتناء به حفظاً وعملاً كلام الله جل وعلا وكلام رسوله ?. وأنه ينبغي لمن وفقه الله تعالى أن يحث أولاده على حفظ القرآن وما تيسر من أحاديث النبي ? المتفق على صحتها عنه كالبخاري ومسلم. ومن الفقه مختصر المقنع ليتيسر له استخراج المسائل ويجعل لأولاده ما يحثهم على ذلك. فمثلاً بجعل لمن يحفظ القرآن على صدره حفظاً صحيحاً عشرة آلاف أو أزيد أو أقل حسب حاله في الغنى. ومن الأحاديث عقود اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الإمامان البخاري ومسلم، يجعل لمن يحفظ ذلك ستة آلاف (٦٠٠٠) .

стр. 3873

فإن عجزوا عن حفظها فالعمدة في الحديث يجعل لمن حفظها ثلاثة آلاف (٣٠٠٠) أو الأربعين النووية ويجعل لمن يحفظها ألفاً (١٠٠٠) . ويجعل لمن يحفظ مختصر المقنع في الفقه ألفين (٢٠٠٠) من الريالات فالغيب سبب لحفظ المسائل وسبب لسرعة استخراج ما أريد من ذلك وما أشكل معناه أو يدخلهم في مدارس تحفيظ القرآن في بيوت الله أو البيوت المعدة لذلك فمدارس تعليم القرآن والسنة هي مدارس التعليم العالي الممتاز الباقي النافع في الدنيا والآخرة أو يدخلهم في حلقات تحفيظ القرآن الكريم الموجودة في المساجد. فمن وفقه الله لذلك وعمل أولاده بذلك كان سبباً لحصول الأجر من الله وسبباً لبرهم به ودعائهم له إذا ذكروا ذلك منه ولعله أن يكون سبباً مباركاً يعمل به أولاده مع أولادهم فيزيد الأجر له ولهم. نسأل الله أن يوفق الجميع لحسن النية. وَلَمْ أَرَى لِلْخَلائِقِ مِنْ مُرَبٍّ ... كَعْلْمِ الشَّرْعِ يُؤخَذُ عَنْ ثِقَاتِ بِبَيْتِ اللهَ مَدْرَسَةِ الأَوَالَي ... لِمَنْ يَهْوَى العُلُومُ الرَّاقِيَاتَ آخر: أَيْقِظْ جُفُونَكَ يَا مِسْكِينُ مِنْ سِنَةٍ ... وَانْظُرْ بِعَقْلِكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ عِبَرِ بِالأَمْسِ كُنْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ في لَعِبٍ ... غَضِّ الشَّيَابِ قَلِيلِ الْهَمِّ وَالْفِكَرِ وَقَدْ كَبِرْتَ وَحَانَ الشَّيْبُ مِنْكَ وَلا ... أَرَاكَ تَنْظُرُ يَا مَغْرُورُ فِي الْكِبَرِ تَبِعْتَ وَيْحَكَ دُنْيَا لا بَقَاءَ لَهَا ... تُمْسِي وَتُصْبِحُ مَسْرُورًا عَلَى النُّكُرِ أَمَا اعْتَبَرْتَ بِمَا شَيَّعْتَ مِنْ سَلَفٍ ... إِلَى الْقُبُورِ مِنَ الأَشْيَاخِ وَالصِّغَرِ وَأَنْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ زَائِدًا أَمَلاً ... وَالدَّهْرُ يَهْدِمُ مِنْكَ الْعُمْرَ فَابْتَدِرِ يَا مَنْ مَضَى عُمْرُهُ الْمَكْنُونُ في سَفَه ... وَفِي الْمَحَالِ وَفِي اللَّذَاتِ وَالْبَطَرِ أَيْنَ الشَّبَابُ الَّذِي قَدْ كُنْتَ تَحْمِدُهُ ... مَضَى سَرِيعًا كَمِثْلِ اللَّمْحِ فِي الْبَصَرِ وَقَدْ أَتَى لَكَ شَيْبٌ لا زَوَالَ لَهُ ... إِلا بِمَوْتِكَ يَا مَغْرُورُ فَانْتَظِرِ

стр. 3874

.. إِنَّ الرَّحِيلَ حَقِيقٌ فَاسْتَعِدَّ لَهُ ... وَقَدْ أَتَاكَ نَذِيرُ الشَّيْبِ فَازْدَجِرْ بَادِرْ مَتَابَكَ يَا مِسْكِينُ فِي عَجَلِ ... قَبْلَ الْمَنُونِ وَبَادِرْ فُسْحَةَ الْعُمُرِ حَافِظْ عَلَى الْخَمْسِ في الأَوْقَاتِ إِنَّ لَهَا ... فَضْلاً وَقُلْ يَا إِلَهِي نَجِّ مِنْ سَقَرِ طُوبَى لِعَبْدٍ تَقِيٍّ خَائِفٍ وَجِلٍ ... خَافَ الذُّنُوبَ وَبَاعَ النَّوْمَ بِالسَّهَرِ وَقَامَ بِاللَّيْلِ لِلرَّحْمَنِ مُبْتَهِلاً ... يَتْلُو الْكِتَابَ وَدَمْعُ الْعَيْنِ كَالْمَطَرِ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا ... مَعَ الْحِسَانِ ذَوَاتِ الْغُنْجِ وَالْحَورِ تُسْقَى بِهَا سَلْسَبِيلاً طَابَ شَارِبُهَا ... مِنْ كَفٍّ غَانِيَةٍ أَضْوَى مِنَ الْقَمَرِ فِي قُبَّةٍ مِنْ لُجَيْنٍ جَلَّ صَانِعُهَا ... قَدْ خَصَّهَا بِاخْتِلالِ النَّخْلِ وَالنَّهْرِ وَالطَّيْرُ فِيهَا عَلَى الأَغْصَانِ عَاكِفَةٌ ... أَصْوَاتُهَا كَحَنِينِ الْعُودُ وَالْوَتَرِ وَالْحُورُ يَمْشِينَ فِي حُلْي وَفِي حُلَلٍ ... كَمَا أَتَى فِي بَيَانِ الذِّكْرِ وَالسُّورِ وَأعْكِفْ عَلَى سُنَّةِ الْهَادِي وَتَابِعِهِ ... وَاتْبَعْ طَرِيقَتَهُمْ تَقْفُوا عَلَى الأَثَرِ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ عَنْ أَهْلِيكَ مُرْتَحِلٌ ... عَمَّا قَلِيلٍ لِبَيْتِ الدُّودِ وَالْمَدَرِ لا تَأَمَنَّنَ مِن الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... لأَنَّهَا كَسِرَاجٍ لاحَ لِلْبَصَرِ أَيْنَ الأَحِبَّةُ وَالْجِيرَانُ مَا صَنَعُوا ... صَارُوا لَنَا خَبَرًا مِنْ أَعْظَمِ الْخَبَرِ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِي عَاشَرْتَهُمْ زَمَنًا ... صَارُوا جَمِيعًا إِلَى الأَجْدَاثِ وَالْحُفَرِ أَيْنَ الْقُصُورُ الَّتِي كَانَتْ مُعَمَّرَةً ... حُصُونُهَا مُلِئَتْ بِالْبُسْطِ وَالسُّرُرِ أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُنَعَّمَةً ... أَيْنَ الْخُدُودُ الَّتِي تَسْبِي أولي النَّظَرِ صَارُوا جَمِيعًا إِلَى ضِيقِ الْقُبُورِ وَقَدْ ... صَارَتْ مَحَاسِنُهُمْ مِنْ أَقْبَحِ الصُّوَرِ وَنَحْنُ عَمَّا قَلِيلٍ لاحِقُونَ بِهِمْ ... فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَاحْذَرْ غَايَةَ الْحَذَرِ آخر: ... يَا مُحِبَّ الدُّنْيَا الْغَرُورِ اغْتِرَارًا ... رَاكِبًا فِي طِلابِهَا الأَخْطَارَا يَبْتَغِي وَصْلَهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ ... وَتَرَى أُنُسْهُ فَتُبْدِي نِفَارَا ... خَابَ مَنْ يَبْتَغِي الْوِصَالَ لَدَيْهَا ... جَارَةٌ تَزَلْ تُسِيءُ الْجِوَارَا

стр. 3875

كَمْ مُحِبٍّ أَزَتْهُ أُنْسًا فَلَمَّا ... حَاوَلَ الزَّوْرَ صَيَّرَتْهُ ازْوِرَارَا شِيبَ حُلْوُ اللَّذَاتِ مِنْهَا بِمُرٍّ ... إِنْ حَلَتْ مَرَّةً أَمَرَّتْ مِرَارَا فِي اكْتِسَابِ الْحَلالِ مِنْهَا حِسَابٌ ... وَاكْتِسَابُ الْحَرَامِ يُصْلِي النَّارَا وَلِبَاغِي الأَوْطَارِ مِنْهَا عَنَاءٌ ... سَوْفَ يَقْضِي وَمَا قَضَى الأَوْطَارَا كُلُّ لَذَّاتِهَا مُنَغَّصَةُ الْعَيْشِ ... وَأَرْبَاحُهَا تَعُودُ خَسَارَا وَلَيَالِي الْهُمُوم فِيهَا طِوَالٌ ... وَلَيَالِي السُّرُورِ تَمْضِي قِصَارَا وَكَفَى أَنَّهَا تَظُنُّ وَإِنْ جَادَتْ ... بِتَرْرٍ أَفْتَتْ بِهِ الأَعْمَارَا وَإِذَا مَا سَقَا خُمُورَ الأَمَانِي ... صَبَّرَتْ بَعْدَهَا الْمَنَايَا خِمَارَا كَمْ مَلِيكٍ مُسَلَّطٍ ذَلَّلَتْهُ ... بَعْدَ عِزٍّ فَمَا أَطَاقَ انْتِصَارَا وَنَعِيمٍ قَدْ أَعْقَبَتْهُ بِبُؤْسٍ ... وَمَغَانٍ قَدْ غَادَرَتْهَا قِفَارَا أَيُّهَا الْمُسْتَعِيرُ مِنْهَا مَتَاعًا ... عَنْ قَلِيلٍ تَسْتَرْجِعُ الْمُسْتَعَارَا عَدِّ عَنْ وَصْلِ مَنْ يُعِيرُكَ مَا ... يَفْنَى وَيَبْقَى إِثْمًا وَيَكْسِبُ عَارَا قَدْ أَرَتْكَ الأَمْثَالَ فِي سَالِفِ الدَّ ... هْرِ وَمَا قُدْرَاتُكَ فِيكَ اعْتِبَارَا وَجَدِيرٌ بِالْعُذْرِ مَنْ قَدَّمَ الأَ ... عْذَارَ فِيمَا جَنَاهُ وَالإِنْذَارَا فَتَعَرَّضْ مِنْهَا بِخُلَّةِ صِدْقٍ ... وَالْتَمِسْ غَيْرَ هَذِهِ الدَّارِ دَارَا وَالْبِدَارَ الْبِدَارَ بِالْعَمَلِ الصَّا ... لِحِ مَا دُمْتَ تَسْتَطِيعُ الْبِدَارَا اللهُمَّ نور قلوبنا بنور الإيمان وثبتها على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة واجعلنا هداة مهتدين وتوفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين يا أكرم الأكرمين وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينْ.