Полный текст (3 875 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، رواه أحمد بإسناد على شروط البخاري ومسلم والنسائي والله أعلم وصَلَّى اللهُ وَعَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ) عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ? «بعث جيشاً فيهم رجل يقال له: حدير، وكانت تلك السنة قد أصابتهم سنة من قلة الطعام، فزودهم رسول الله ? ونسي أن يزود حديراً.
فخرج حدير صابراً محتسباً وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نعم الزاد هو يا رب فهو يرددها وهو في آخر الركب
قال فجاء جبريل إلى النبي ? فَقَالَ له: إن ربي أرسلني إليك يخبرك أنك زودت أصحابَكَ ونسيت إن تزود حديراً، وهو في آخر الركب يقول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله
فدعا النبي ? رجلاً، فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له: إن رَسُولَ اللهِ ? يقرئك السلام ورحمة الله، ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وأن ربي ﵎ أرسل إلى جبريل يذكرني بِكَ، فذكره جبريل وأعلمه مكانك.
فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول: نعم الزاد هذا يا رب؛ فدنا منه، ثم قَالَ له: إن رَسُولَ الله ? يقرئك السلام ورحمة الله، وقد أرسلني أليك بزادٍ معي، ويقول: إني إنما نسيتك، فأرسل إلى جبريل من السماء يذكرني بِكَ؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ?.
стр. 3817
ثم قَالَ: الحمد لله رب العالمين، ذكرني ربي من فوق سبع سموات، ومن فوق عرشه، ورحم جوعي وضعفي. يا رب كما لم تنس حديراً فاجعل حديراً لا ينساك.
قَالَ: فحفظ ما قَالَ، ورجع إلى النبي ? فأخبره بما سمع منه حين أتاه، وبما قَالَ حين أخبره، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: أما أنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نوراً ساطعاً ما بين السماء والأرض.
عن مُحَمَّد بن سعد قَالَ: كان ذو البجادين يتيماً لا مال له. فمات أبوه ولم يورثه شيئاً، وكفله عمه حتَّى أيسر.
فلما قدم النبي المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه من عمه حتَّى مضت السنون والمشاهد. فَقَالَ لعمه: يا عم إني قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمداً، فأذن لي في الإسلام.
فَقَالَ: والله لئن اتبعت محمداً لاأترك بيدك شيئاً كنت أعطيتكه إلا نزعته منك، حتَّى ثوبيك.
قَالَ: فإنا والله متبع محمداً وتارك عبادة الحجر، وهذا ما بيدي فخذه ما أعطاه حتَّى جرده من إزاره.
فأتى أمه فقطعت له بجاداً لها باثنتين فاتزر بواحد وارتدى بالآخر ثم أقبل إلى المدينة وكان بورقان فاضطجع في المسجد في السحر.
وكان رسول الله ? يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فَقَالَ: «من أنت؟» فانتسب له وكان اسمه عبد العزي، فَقَالَ: «بل أنت عبد الله ذو البجادين» .
стр. 3818
ثم قَالَ: انزل مني قريباً فكان يكون في أضيافه حتَّى قرأ قرآناً كثيراً.
فلما خرج النبي ? إلى تبوك قَالَ: ادع لي بالشهادة. فربط النبي ? على عضده لحي سمرة قَالَ: اللهُمَّ إني أحرم دمه على الكفار.
فَقَالَ: ليس هذا أردت.
قَالَ النبي ? إنك إذا خرجت غازياً فأخذتك الحمى فقتلتك فأنت شهيد، أو وقصتكَ دابتك فأنت شهيد , فأقاموا بتبوك أياماً ثم توفي.
قَالَ بلال بن الحارث: حضرت رسول الله ? ومع بلال المؤذن شعلة من نار عند القبر واقفا بها.
وإذا رسول الله يقول: «أدنيا إلىَّ أخاكما. فلما هيأه لشقه في اللحد قَالَ: «اللهُمَّ إني أمسيت عنه راض فارض عنه» .
فَقَالَ ابن مسعود: ليتني كنت صاحب اللحد
وعن أبي وائل، عن عبد الله قَالَ: والله لكأني أري رسول الله ? في غزوة تبوك وهو في قبر عبد الله ذي البجادين، وأبو بكر وعمر يقول: أدنيا إليَّ أخاكما.
وأخذه من القبلة حتَّى أسكنه في لحده ثم خرج النبي ? وولياهما العمل.
فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعاً يديه يقول: «اللهُمَّ إني أمسيت عنه راض فارض عنه» .
وكان ذلك ليلاً فوالله لوددت إني مكانه، ولقد أسلمت قبله بخمس عشر سنة والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 3819
(فَصْلٌ) عن مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أتى واثلة رَسُولَ اللهِ ? فصلى معه الصبح. وكان رَسُولُ اللهِ إذا صلى وانصرف تصفح أصحابه. فلما دنا من واثلة قَالَ: من أنت؟ فأخبره.
فَقَالَ: ما جاء بِكَ؟ قَالَ: جئت أبايع. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ?: فيما أحببت وكرهت؟ قَالَ: نعم. قَالَ فيما أطقت؟ قَالَ: نعم. فأسلم وبايعه
وكان رَسُولُ اللهِ ? يتجهز يومئذ إلى تبوك فخرج واثلة إلى أهله فلقي أباه الأسقع فلما رأى حاله قَالَ: قد فعلتها؟ قَالَ: نعم. قَالَ أبوه: والله لا أكلمك أبداً.
فأتى عمه فسلم عليه فَقَالَ: قد فعلتها؟ قَالَ: نعم قَالَ: فلامه أيسر من ملامة أبيه وَقَالَ: لم يكن ينبغي لك أن تسبقنا بأمر.
فسمعت أخت واثلة كلامه فخرجت إليه وسلمت عليه بتحية الإسلام. فَقَالَ واثلة: أني لك هذا يا أخيه؟ قالت: سمعت كلامك وكلام عمك فأسلمت.
فَقَالَ: جهزي أخاك جهاز غاز فإن رَسُولَ اللهِ ? جناح سفر. جهزي فلحق برَسُولِ اللهِ ? قد تحمل إلى تبوك وبقي غبرات من الناس وهم على الشخوص.
فجعل ينادي بسوق بني قينقاع: من يحملني وله سهمي؟ قَالَ: كنت رجلاً لا رحلة بي.
قَالَ: فدعاني كعب بن عجرة فَقَالَ: أنا أحملك عقبة بالليل وعقبة بالنهار ويدك أسوة يدي وسهمك لي. قَالَ واثلة نعم.
стр. 3820
قَالَ واثلة: جزاه الله خيراً لقد كان يملني ويزيدني وآكل معه ويرفع لي حتَّى إذا بعث رَسُولُ اللهِ ? خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل.
(فَصْلٌ) خرج كعب في جيش خالد وخرجت معه فأصبنا فيئاً كثيراً فقسمه خالد بيننا فأصابني ست قلائص فأقبلت أسوقها حتَّى جئت بها خيمة كعب بن عجرة فقلت: اخرج رحمك الله فانظر إلى قلائصك فاقبضها.
فخرج وهو يبتسم ويقول: بارك الله فيها ما حملتك وأنا أريد أن آخذ منك شيئاً.
عن بشر بن عبد الله عن واثلة بن الأسقع ﵁ قَالَ: كنا أصحاب الصفة في مسجد رَسُولِ اللهِ ? وما فينا رجل له ثوب.
ولقد اتخذ العرق في جلودنا طرقاً من الغبار، إذ خرج علينا رَسُولُ اللهِ ? فَقَالَ: «لبشر فقراء المهاجرين» ثلاثاً.
(فَصْلٌ) عن نعيم بن ربيعة بن كعب قَالَ: كنت أخدم رَسُولَ اللهِ ? وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع، حتَّى يصلي رَسُولُ اللهِ ? العشاء الآخرة.
فأجلس على بابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تحدث لرَسُولِ اللهِ ? حاجة. فما أزال أسمعه سبحان الله، سبحان الله وبحمده حتَّى أمل فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد.
فَقَالَ لي يوما لما رأى من حفتي (أي العناية والخدمة) له وخدمتي إياه، يا ربيعة سلني أعطك. قَالَ: فقلت: أنظر في أمري يَا رَسُولَ اللهِ ثم أعلمك ذلك.
فَقَالَ: ففكرت فِي نَفْسِي فعلمت أن الدنيا منقطعة وزائلة
стр. 3821
وأن لي فيها رزقاً سأتيني، قَالَ: فقلت أسال رَسُولَ اللهِ ? لآخرتي فإنه من الله بالمنزل الَّذِي هو به.
فجئته فَقَالَ: ما فعلت يا ربيعة؟ فقلت: أسالك يَا رَسُولَ اللهِ أن تشفع لي إلى ربِكَ فيعتقني من النار.
فَقَالَ: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ فقلت: لا والَّذِي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الَّذِي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقاً سيأتيني.
فقلت أسال رَسُولَ اللهِ ? لآخرتي. قَالَ: فصمت رَسُولُ اللهِ ? طويلاً ثم قَالَ لي: إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود.
(فَصْلٌ) وأخرجا في الصحيحين، من حديث قَيْسِ بْنِ عبادٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ
فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ?.
فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ خُشُوعٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا: ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَدَخَلْتُ فأخْبَرتُه.
فَقَالَ لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لاَ يَعْلَمُ، وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهُ ? فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ.
رَأَيْتُني فِي رَوْضَةٍ، وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلاَهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلاَهُ عُرْوَةٌ.
فَقِيلَ لَهُ ارْقَهْ. فقُلْتُ: لاَ أَسْتَطِيعُ. فَجاءنِي مِنْصَفٌ، يعني خادماً فَقَالَ بثِيَابِي مِنْ خَلْفِي، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ.
فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ? فَقَالَ: «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلاَمُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلاَمِ، وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ العُرْوَةُ
стр. 3822
الْوُثْقَى، وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلاَمِ حتَّى تَمُوتَ» . وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ.
وعن أبي بردة ابن أبي موسى قَالَ: قدمت المدينة فأتيت عبد الله بن سلام، فإذا رجل متخشع، فجلس إليه فَقَالَ: يا ابن أخي إنك جلست إلينا وقد حان قيامنا، أفتأذن؟ والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
بعث عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد عاملاً على حمص فمكث حولاً لا يأتيه خبر فَقَالَ عمر لكاتبه: أكتب إلى عمير: فو الله ما أراه إلا قد خاننا إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا
قَالَ: فأخذ عمير جرابه فوضع فيه زاده وقصعته وعلق أدواته وأخذ عنزته ثم أقبل يمشي من حمص حتَّى قدم المدينة.
قَالَ: فقدم وقد شحب لونه واغبر وجهه وطالت شعرته فدخل على عمر فَقَالَ: السلام عَلَيْكَ يا أمير المؤمنين ورحمة الله.
قَالَ عمر: ما شأنك؟ قَالَ ما ترى شأني ألست تراني صحيح البدن ظاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرونها؟
قَالَ عمر: وما معك؟ وظن عمر أنه قد جاء هـ بمال. قَالَ معي جرابي اجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها. وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي وعنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدواً إن عرض لي، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي.
قَالَ عمر: فجئت تمشي؟ قَالَ: نعم قَالَ: أما كان لك أحد يتبرع لك بداية لك تركبها؟ قَالَ: ما فعلوا وما سألتهم ذلك.
فَقَالَ عمر: بئس الْمُسْلِمُونَ خرجت من عندهم.
стр. 3823
فَقَالَ عمير: اتق الله يا عمر قد نهاك الله عن الغيبة وقد رأيتهم يصلون صلاة الغداة. قَالَ عمر: فأين نصيبِكَ وأي شيء صنعت؟ قَالَ وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟
قَالَ عمر: سبحان الله. فَقَالَ عمير: أما أني لولا أني أخشى أن أغمك ما أخبرتك بعثتني حتَّى أتيت البلد فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم حتَّى إذا جمعوا مواضعه ولو نالك منه شيء لأتيتك به.
قَالَ: فما جئتنا بشيء؟ قَالَ لا. قَالَ: جددوا لعمير عهداً. قَالَ إن ذلك شيء لا عمله لك ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني أخزاك الله فهذا ما عرضني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلفت معك
ثم استأذنه فأذن له فرجع إلى منزله وبينه وبين المدينة أميال. فَقَالَ عمر حين انصرف عمير: ما أراه إلا قد خاننا.
فبعث رجلاً يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار وقال: انطلق إلى عمير حتَّى تنزل به كأنك ضيف فإن رأيت أثر شيء فأقبل. وإن رأيت حالاً شديدةً فادفع إليه هذه المائة دينارا.
فانطلق الحارث فإذا هو بعمير جالس يفلي قميصه إلى جنب الحائط فَقَالَ له عمير: انزل رحمك الله. فنزل ثم سأله فَقَالَ: من أين جئت؟ فَقَالَ: من المدينة.
فَقَالَ كيف تركت أمير المؤمنين؟ فَقَالَ صالحاً. قَالَ: فكيف تركت المسلمين؟ قَالَ: صالحين قَالَ أليس يقيم الحدود؟
قَالَ بلى ضرب ابناً له على فاحشة فمات من ضربه. فَقَالَ عمير: اللهُمَّ أعن عمر فاني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك.
стр. 3824
قَالَ فنزل ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصونه بها ويطوون حتَّى أتاهم الجهد. فَقَالَ له عمير إنك قد أجعتنا فان رأيت أن تتحول عنا فافعل.
قَالَ: فأخرج الدنانير فدفعها إليه فَقَالَ: بعث بها أمير المؤمنين فاستعن بها قَالَ: فصاح وَقَالَ: لا حاجة لي فيها فردها.
فقالت له امرأته إن احتجت إليها وإلا فضعها في مواضعها.
فَقَالَ عمير: والله مالي شيء أجعلها فيه. فشقت امرأته أسفل درعها فأعطته خرقة فجعلها فيها ثم خرج فقسمها على بين أبناء الشهداء والفقراء.
ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئاً فَقَالَ له عمير أقرئ مني لأمير المؤمنين السلام.
فرجع الحارث إلى عمر فَقَالَ ما رأيت؟ فَقَالَ رأيت يا أمير المؤمنين حالاً شديداً. قَالَ: فما صنع بالدنانير؟ قَالَ: لا أدري
قَالَ: فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتَّى تقبل. فأقبل إلى عمر فدخل عليه فَقَالَ له عمر: ما صنعت بالدنانير؟ قَالَ صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها؟ قَالَ أنشد عَلَيْكَ لتخبرني ما صنعت بها
قَالَ: قدمتها لنفسي. قَالَ رحمك الله. فأمر له بوسقٍ من طعام وثوبين. فَقَالَ: أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صاعين من شعير
إلى أن آكل ذلك قد جاء الله بالرزق ولم يأخذ الطعام. وأما
стр. 3825
الثوبان فإن أم فلان عارية. فأخذهما ورجع إلى منزله.
فلم يلبث أن هلك ﵀ فبلغ عمر ذلك فشق عليه وترحم عليه وخرج يمشي ومعه المشاؤون إلى بقيع الغرقد.
فَقَالَ لأصحابه: ليتمن كل رجل منكم أمنية. فَقَالَ رجل: يا أمير المؤمنين وددت أن عندي مالاً فأعتق لوجه الله كذا وكذا.
وَقَالَ آخر: وددت أن لي قوة فأميح بدلو زمزم لحجاج بيت الله.
قَالَ عمر بن الخطاب: وددت أن لي رجلاً مثل عمير بن سعدٍ استعين به في أعمال المسلمين. ﵀ ورضي الله عنه.
والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
[فصل يحتوي على قصصٍ مفيدة]
عن ابن قمادين قَالَ: لم يكن أحد من كبراء قريش، الَّذِينَ تأخر إسلامهم فأسلموا يوم فتح مكة، أكثر صلاة ولا صوماً ولا صدقة.
ولا أقبل على ما يعنيه من أمر الآخرة، من سهيل بن عمرو حتَّى إن كان لقد شحب لونه. وكان كثير البكاء رقيقاً عند قراءة القرآن.
لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل حتَّى يقرئه القرآن وهو بمكة، حتَّى خرج معاذ من مكة.
فَقَالَ له ضرار بن الخطاب: يا أبا يزيد، تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك القرآن؟ ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك من قريش؟
стр. 3826
فَقَالَ: يا ضرار هذا الَّذِي صنع بنا ما صنع (يشير إلى الكبر والعجب) حتَّى سبقنا كل السبق.
أي لعمري أختلف [إليه] لقد وضع الإسلام أمر الجاهلية ورفع الله بالإسلام قوماً كانوا لا يذكرون في الجاهلية فليتنا كنا مع أولئك فتقدمنا.
وعن الحسن قَالَ: حضر باب عمر بن الخطاب ﵁ سهيل بن عمرو، والحارث وبلال، وتلك الموالي الَّذِينَ شهدوا بدراً. فخرج آذن عمر فأذن لهم، وترك هؤلاء.
فَقَالَ أبو سفيان: لم أر كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد ونحن على بابه لا يلتفت إلينا؟
فَقَالَ سهيل بن عمرو: وكان رجلاً عاقلاً: أيها القوم إني والله لقد أرى الَّذِي في وجوهكم، إن كنتم غضاباً فاغضبوا على أنفسكم.
دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم؟
أما والله لما سبقوكم إليه من الفضل مِمَّا لا ترون أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الَّذِي كنتم تنافسونهم عليه. قَالَ: ونفض ثوبه وانطلق.
قَالَ الحسن: وصدق والله سهيل، لا يجعل الله عبداً أسرع إليه كعبد أبطأ عنه» .
وعن أبي قدامة السرخسي قَالَ: قام العمري للخليفة على الطريق فَقَالَ له: فعلت وفعلت. فَقَالَ له: ماذا تريد؟ قَالَ: تعمل بكذا وتعمل بكذا. فَقَالَ له هارون: نعم يا عم، نعم يا عم.
стр. 3827
وعن سعيد بن سليمان قَالَ: كنت بمكة في زقاق الشطوى وإلى جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري وقد حج هارون الرشيد.
فَقَالَ له إنسان: يا أبا عبد الرحمن هو ذا أمير المؤمنين يسعى قد أخلى له المسعى. قَالَ العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيراً، كلفتني أمراً كنت عنه غنياً. ثم تعلق نعليه (أي لبسهما) .
وقام فتبعته وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا فصاح به: يا هارون! فلما نظر إليه قَالَ: لبيك يا عم. قَالَ ارق الصفا: فلما رقيه.
قَالَ: ارم بطرفك إلى البيت. قَالَ: قد فعلت. قَالَ: كم هم؟ قَالَ: ومن يحصيهم؟ قَالَ: فكم في الناس مثلهم؟ قَالَ: خلق لا يحصيهم إلا الله.
قَالَ: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم فانظر كيف تكون؟ قَالَ: فبكى هارون وجلس وجعلوا يعطونه منديلاً منديلاً للدموع.
قَالَ العمري: وأخرى أقولها. قَالَ: قل يا عم. قَالَ والله إن الرجل ليسرف في ماله فيسحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في مال المسلمين؟ ثم مضى وهارون يبكي» .
قَالَ مُحَمَّد بن خلف: سمعت مُحَمَّد بن عبد الرحمن يقول: بلغني أن هارون قَالَ: إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلا رجل من ولد عمر ثم يسمعني ما أكره.
وقد روى لنا من طريق آخر أنه لقيه في المسعى فأخذ بلجام دابته فأهوت إليه الأجناد فكفهم عنه الرشيد فكلمه فإذا دموع الرشيد تسيل على معرفة دابته.
стр. 3828
ثم انصرف. وأنه لقيه مرة فَقَالَ: يا هارون فعلت وفعلت. فجعل يسمع منه ويقول: مقبول منك يا عم، على الرأس والعين. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين من حال الناس كيت وكيت فَقَالَ: عن غير علمي وأمري وخرج العمري إلى الرشيد مرة ليعظه فلما نزل الكوفة زحف العسكر حتَّى لو كان نزل بهم مائة ألف من العدو ما زادوا على هيبته. ثم رجع ولم يصل إليه.
وعن أبي يحيى الزهري قَالَ: قَالَ عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: بنعمة ربي أحدث أني لم أصبح أملك إلا سبعة دراهم من لحاء شجر فتلته بيدي، وبنعمة ربي أحدث: لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي ما يمنعني أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها؛ ما أزلتها.
استسقى موسى بن نضير في الناس في سنة ٩٣ حين أقحطوا بإفريقية فأمرهم بصيام ثلاثة أيام ثم خرج بهم وميز أهل الذمة عن المسلمين وفرق بين البهائم وأولادها ثم أمر بالبكاء وارتفاع الضجيج وهو يدعو الله تعالى حتَّى انتصف النهار ثم نزل فقِيلَ له إلا دعوت لأمير المؤمنين؟ فَقَالَ: هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله فسقاهم الله لما قَالَ ذلك.
كتب زر بن حبيش إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يعظه فيه فكان في آخر: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به الأولون.
إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلادُهَا ... وَبليت مِنْ كِبَرِ أَجْسَادُهَا
وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا ... فَذِي زُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا
فلما قرأ عبد الملك الكتب بكى حتَّى بل طرف ثوبه بدموعه ثم قَالَ: صدق زر ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق بنا
стр. 3829
آخر: ... إِذَا رَأَيْتَ بُرُوقُ الشَّيْبِ قَدْ بَسَمَتْ ... بِمَفْرِقٍ فَمُحَيَّا الْعَيْشِ قَدْ كَلَحَا
يَلْقَى الْمَشِيبَ بِإِجْلالٍ وَتَكْرِمِةٍ ... مِنْ قَدْ أَعَدَّ مِن الأَعْمَالِ مَا صَلِحَا
اللهُمَّ يا من عم العباد فضلُهُ ونعماؤه، ووسع البرية جوده وعطاؤه نسأل منك الجود والإحسان، والعفو والغفران، والصفح والأمان. والعتق من النيران، وتوبة تجلو أنوارها ظلمات الإساءة والعصيان، يا كريم يا منان، وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
(فَصْلٌ)
وعن الفضل بن الربيع قَالَ: حج أمير المؤمنين الرشيد: فأتاني فخرجت مسرعاً فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فَقَالَ: ويحك قد حاك فِي نَفْسِي شيء فانظر لي رجلاً أسأله. فقلت: ها هنا سفيان بن عيينة.
فَقَالَ: امض بنا إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فَقَالَ: من ذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعاً فَقَالَ: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. فَقَالَ له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
فحدثه ساعة ثم قَالَ له: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم فَقَالَ: أبا عباس اقض دينه فلما خرجنا قَالَ: ما أغنى عني صاحبُكَ شيئاً انظر لي رجلاً أسأله.
فقلت له: ههنا عبد الرزاق بن همام قَالَ: امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الباب فَقَالَ من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين.
فخرج مسرعاً فَقَالَ: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك. قَالَ: خذ لما جئناك له.
فحادثه ساعة ثم قَالَ له: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم قَالَ:
стр. 3830
أيا عباس اقض دينه. فلما خرجنا قَالَ: ما أغنى عني صاحبُكَ شيئاً انظر لي رجلا أسأله» .
قلت: ههنا فضيل بن عياض قَالَ: امض بنا إليه فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها. فقال: اقرع الباب فقرعت فَقَالَ: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فَقَالَ: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أو ما عَلَيْكَ طاعة؟
أليس قد روى النبي ? أنه قَالَ «ليس لمؤمن أن يذل نفسه» فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ المصباح ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت.
فدخلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه. فَقَالَ: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله .
فقلت فِي نَفْسِي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فَقَالَ له: خذ لما جئناك له رحمك الله.
فَقَالَ: إن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومُحَمَّد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فَقَالَ لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا على. فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابُكَ نعمة.
فَقَالَ له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك من الموت.
وَقَالَ له مُحَمَّد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير المسلمين عندك أباً وأوسطهم أخاً وأصغرهم عندك ولداً فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.
стр. 3831
وَقَالَ له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت.
وإني أقول لك إني أخاف عَلَيْكَ أشد الخوف يوم تزل فيه الأقدام فهل معك رحمك الله من يشير عَلَيْكَ بمثل هذا؟
فبكى هارون بكاءً شديداً حتَّى غشي عليه فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين. فَقَالَ: يا ابن أم الربيع تقتله أنت وأصحابُكَ وأرفق به أنا ثم أفاق فَقَالَ له: زدني رحمك الله.
فَقَالَ: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا إليه: فكتب إليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بِكَ من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء.
قَالَ: فلما قرأ الكتاب طوي البلاد حتَّى قدم على عمر بن عبد العزيز فَقَالَ له: ما أقدمك؟ قَالَ: خلعت قلبي بكتابِكَ لا أعود إلى ولاية أبداً حتَّى ألقى الله .
قَالَ: فبكى هارون بكاءً شديداً ثم قَالَ له: زدني رحمك الله. فَقَالَ: يا أمير المؤمنين إن العباس عم المصطفى ? جاء النبي ? فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أمِّرني على إمارة فَقَالَ له النبي ?: «إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميراً فافعل» .
فبكى هارون بكاءً شديداً وَقَالَ له: زدني رحمك الله فَقَالَ: يا حسن الوجه أنت الَّذِي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقى هذا الوجه من النار فافعل، وإياك
стр. 3832
أن تصبح وتمسى وفي قلبِكَ غش لأحد من رعيتك فإن النبي ? قَالَ: «من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة» .
فبكي هارون وَقَالَ له: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم ألهم حجتي قَالَ: إنما أعني دين العباد.
قَالَ: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره، فَقَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ .
فَقَالَ له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقوَّ بها على عبادتك. فَقَالَ: سبحان الله أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك.
ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب قَالَ هارون: أبا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، وهذا سيد المسلمين.
فدخلت عليه امرأة من نسائه فَقَالَ: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال فتفرجنا به. فَقَالَ لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قَالَ: ندخل فعسى أن يقبل المال فلما علم الفضل خرج فجلس في السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجبيبه فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد أتعبت الشيخ منذ الليلة فانصرف رحمك الله فانصرف. تأمل يا أخي هل يوجد في
стр. 3833
زمننا من يرد حطام الدنيا إذ عرض عليه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
اللهُمَّ اختم بالأعمال الصالحات أعمارنا وحقق بفضلك آمالنا وسهل لبلوغ رضاك سبلنا وحسن في جميع الأحوال أعمالنا يا منقذ الغرقي ويا منجي الهلكى ويا دائم الإحسان أذقنا برد عفوك وأنلنا من كرمك وجودك ما تقر به عيوننا من رؤيتك في جنات النعيم وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
دخل سليمان بن عبد الملك المدينة فأقام بها ثلاثاً فَقَالَ: أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله ? يحدثنا؟ فقِيلَ له ها هنا رجل يقال له أبو حازم.
فبعث إليه فجاء فَقَالَ سليمان: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ فَقَالَ له أبو حازم: وأي جفاء رأيت مني؟ فَقَالَ له: أتاني وجوه المدنية كلهم ولم تأتني.
فَقَالَ: ما جرى بيني وبينك معرفة أتيك عليها، قَالَ: صدق الشيخ يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قَالَ: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم فأنتم تكرهون أن تنقلوا من العمران إلى الخراب، قَالَ: صدقت.
يا أبا حازم فكيف القدوم على الله تعالى؟ قَالَ: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله فرحاً مسروراً، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه خائفاً محزوناً.
فبكى سليمان وَقَالَ: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم فَقَالَ أبو حازم: إعراض نفسك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله.
стр. 3834
قَالَ: يا أبا حازم وأني أصيب تلك المعرفة من كتاب الله قَالَ عند قوله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ .
قَالَ: يا أبا حازم فأين رحمة الله، قَالَ: قريب من المحسين.
قَالَ: يا أبا حازم من أعقل الناس؟ قَالَ: من تعلم الحكمة وعلمها الناس.
قَالَ: فمن أحمق الناس؟ قَالَ: من حط نفسه في هوى رجل وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره.
قَالَ: فما أسمع الدعاء؟ قَالَ: دعاء المخبتين. قَالَ: فما أزكا الصدقة؟ قَالَ: جهد المقل.
قَالَ: يا أبا حازم ما تقول فيما نحن فيه. قَالَ: أعفني من هذا. قَالَ سليمان: نصيحة تلقيها.
قَالَ أبو حازم: إن ناساً أخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة المسلمين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا فيها الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قَالُوا وما قِيلَ لهم.
فَقَالَ بعض جلسائهم: بئس ما قلت يا شيخ.
فَقَالَ أبو حازم: كذبت إن الله أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
قَالَ سليمان: يا أبا حازم اصحبنا تصب منا ونصب منك قَالَ: أعوذ بالله من ذلك. قَالَ: ولم. قَالَ: أخاف أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات.
стр. 3835
قَالَ: فأشر علي. قَالَ: اتق الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك.
قَالَ: يا أبا حازم ادع لنا بخير فَقَالَ: اللهُمَّ إن كان سليمان وليك فيسره للخير وإن كان غير ذلك فخذ إلى الخير بناصيته.
فَقَالَ: يا غلام هات مائة دينار ثم قَالَ: خذ هذا يا أبا حازم، قَالَ لا حاجة لي بها لي ولغيري في هذا المال أسوة فإن واسيت بيننا وإلا فلا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي أي ثمن له.
فكأن سليمان أعجب بأبي حازم فَقَالَ الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط.
فَقَالَ أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، قَالَ الزهري: أتشتمني؟
قَالَ سليمان: بل أنت شتمت نفسك أما علمت أن للجار على الجار حقاً.
قَالَ أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء.
فلما رأى قوم من أراذل الناس تعلموا العلم وأتوا به الأمراء استغنت الأمراء عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وهلكوا.
ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم لكانت الأمراء تهابهم وتعظمهم. فَقَالَ الزهري: كأنك إياي تريد وبي تعرض، وَقَالَ: هو ما تسمع» .أ. هـ.
стр. 3836
أحضر الرشيد رجلاً ليوليه القضاء فَقَالَ له: أني لا أحسن القضاء ولست بفقيه.
قَالَ الرشيد: فيك ثلاث خلال: لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة.
وفيك حلم يمنعك من العجلة ومن لم يعجل قل خطؤه. وأنت تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فنظم إليك من تتفقه عليه فولاه فما وجد فيه مطعناً» .
دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فَقَالَ له: عظني يا يزيد.
قَالَ: يا أمير المؤمنين ليس بينك وبين آدم إلا أب ميت فبكى عمر وَقَالَ: زدني يا يزيد قَالَ: يا أمير المؤمنين ليس بين الجنة والنار منزلة فسقط عمر مغشياً عليه ﵀» .
وَقَالَ الرشيد لابن السماك: عظني وكان في يد الرشيد شربة من ماء فَقَالَ: يا أمير المؤمنين أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: لا خير في ملك لا يساوي شربة ماء ولا بولة فبكى الرشيد.
وَقَالَ علي ﵁ لأسقف قد أسلم: عظني فَقَالَ: يا أمير المؤمنين
قَالَ: إن كان الله معك فمن تخاف. قَالَ: أحسنت زدني
стр. 3837
قَالَ: هب إن الله غفر ذنوب المسيئين أليس قد فاتهم ثواب المحسنين. قَالَ: حسبي حسبي.
وَقَالَ سليمان بن عبد الملك لحميد الطويل: عظني. قَالَ: يا أمير المؤمنين إن كنت إذا عصيت الله تعالى ظننت أنه يراك فقد اجترأت على رب عظيم وإن كنت تظن أنه لا يراك فقد كفرت برب كريم. والله أعلم وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
عن أبي هريرة عن النبي ? أنه قَالَ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله» يعني دمعة مثل رأس الذباب.
قَالَ ابن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قَالَ لامرأته (أكرمي مثواه) ، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ ، وأَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقِ حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.
قَالَ شقيق البلخي لحاتم الأصم: قد صحبتني مدة فماذا تعلمت مني؟ قَالَ: ثمان مسائل.
الأولى: نظرت إلى الخلق فإذا كان لشخص محبوب، عندما يصل إلى القبر يفارقه، فجعلت محبوبي حسناتي لتكون معي في القبر.
والثانية: نظرت إلى قول الله تعالى ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ فاجتهدت في دفع الهوى حتَّى استقرت على طاعة الله تعالى.
стр. 3838
وأما الثالثة: فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه، فنظرت في قوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ فكلما وقع معي شيء له قيمة وجهته إليه ليبقى عنده.
وأما الرابعة: فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف، فنظرت إلى قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فعملت بالتقوى لأكون عنده كريماً.
وأما الخامسة: فإني رأيت الناس يتحاسدون فنظرت في قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ فتركت الحسد.
وأما السادسة: فإني رأيتهم يتعادون فنظرت في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ فتركت عداوتهم واتخذت الشيطان عدواً.
والسابعة: رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق فنظرت في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ فاشتغلت بما له علي وتركت ما لي عنده.
وأما الثامنة: فإني رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم فتوكلت على الله تعالى.
[فائدة]
اعلم أن ذكر الله تارة يكون لعظمته فيتولد منه الهيبة فالإجلال، وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن، وتارة لنعمته فيتولد منه الحمد والشكر ولذلك قِيلَ ذكر النعمة شكرها وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العِبَر، فحق على المؤمن أن لا ينفك أبداً من ذكره على أحد هذه الأوجه.
سأل بعضهم وكيعاً عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فَقَالَ: كان أول من دعا به أنا.
стр. 3839
فَقَالَ لي هارون: يا وكيع إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وسموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي.
فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة. فَقَالَ هارون: اللهُمَّ غفراً خذ عهدك أيها الرجل وامض.
فقلت: يا أمير المؤمنين والله لئن كنت صادقاً إنه لينبغي أن لا يقبل مني ولئن كاذباً فما ينبغي أن تولي القضاء كذاباً فَقَالَ: أخرج فخرجت.
ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك وما سمعناه يسلم إلا سلاماً خفياً.
فَقَالَ له هارون: أتدري لما دعوتك؟ قَالَ لا. قَالَ: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وإنهم سموك لي فيمن سموا.
وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة فخذ عهدك وامض.
فَقَالَ له ابن إدريس: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك فخرج. ثم دخل حفص فقبل عهده فأتى خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف.
فَقَالَ إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول لكم قد لزمتكم في شخوصكم مؤنة فاستعينوا بهذه في سفركم.
قَالَ وكيع فقلت: أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له قد وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين وأنا مستغن عنها.
وأما ابن إدريس فصاح به مُرَّ من هاهنا أي ردها وقبلها حفص.
وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا عافانا الله وإياك
стр. 3840
سألناك لآن تدخل في أعمالنا فلم تفعل ووصلناك من أموالنا فلم تقبل.
فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله.
فَقَالَ للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله» .
قام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي، فَقَالَ: إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء عنهم، وعن رَسُولِ اللهِ ?.
بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي، عند انقطاع عذر الكتمان، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووعدت الله وحملة كتابه بإيثار الحق على ما سواه
فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص، ليتم مؤدينا على موعود الأداء وقابلنا على موعود القبول، أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية ويحلينا حلية الكذابين.
وقد كان أصحاب رَسُولِ اللهِ ? يقولون من حجب الله عنه العلم عذبه الله على الجهل وأشد منه من أقبل عليه العلم وأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علماً فلم يعمل به، فقد رغب عن هدية الله وقصر بها.
فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل، لا قبول سمعة ورياء، فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل أو مواطئة على ما تعمل أو تذكير من غفلة.
فقد وطن الله نبيه ? على نزولها تعزيةً عما فات وتمحيصاً من التمادي ودلالة من المخرج فَقَالَ جل وعلا: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ .
اللهُمَّ اجعلنا بتذكيرك منتفعين ولكتابِكَ ورسولك متبعين وعلى طاعتك
стр. 3841
مجتمعين وتوفنا ربنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(نظم الكبائر لابن عبد القوي)
وَكُنْ عَالِمًا إِنَّ الذُّنُوبَ جَمِيعَهَا ... بِكُبْرَى وَصُغْرَى قُسِّمَتْ في الْمُجَوَّدِ
فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا أَوْ تَوَعُّدُ
بِأُخْرَى فَسِمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ
وَزَادَ حَفِيدُ الْمَجْدِ أَوْ جَا وَعِيدُهُ
بِنَفْيٍ لإِيمَانٍ وَلَعْنٍ لِمُبْعَدِ
كَشِرْكٍ وَقَتْلِ النَّفْسِ إِلا بِحَقِّهَا
وَأَكْلِ الرِّبَا وَالسِّحْرِ مَعْ قَذْفِ نُهَّدِ
وَأَكْلُكَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِبَاطِلٍ
تَوَلِيكَ يَوْمَ الزَّحْفِ فِي حَرْبِ جُحَّدِ
كَذَاكَ الزِّنَا ثُمَّ اللَّوَاطُ وَشُرْبُهُمْ
خُمُورًا وَقَطْعٌ لِلطَّرِيقِ الْمُمَهَّدِ
وَسِرْقَةُ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ أَكْلُ مَالِهِ
بِبَاطِلِ صُنْع الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْيَدِ
شَهَادَةُ زُورٍ ثُمَّ عَقٌّ لِوَالِدٍ
وَغَيْبَةُ مُغْتَابٍ نَمِيمَةُ مُفْسِدِ
يَمِينٌ غُمُوسٌ تَارِكٌ لِصَلاتِهِ
مُصَلٍّ بِلا طُهْرٍ لَهُ بِتَعَمُّدِ
مُصَلٍّ بِغَيْرِ الْوَقْتِ أَوْ غَيْرِ قِبْلَةٍ
стр. 3842
.. مُصَلِّ بِلا قُرْآنِهِ الْمُتَأَكِّدِ
قُنُوطُ الْفَتَى مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ثُمَّ قُلْ
إِسَاءَةً ظَنِّ بِالإِلَهِ الْمُوَحَّدِ
وَأَمْنٌ لِمَكْرِ اللهِ ثُمَّ قَطِيعَةٌ
لِذِي رَحِمٍ وَالْكِبْرُ وَالْخُيَلا اعْدُدِ
كَذَا كَذِبٌ إِنْ كَانَ يَرْمِي بِفِتْنَةٍ
أَوْ الْمُفْتَرِي يَوْمًا عَلَى الْمُصْطَفَى أَحْمَدِ
قِيَادَةُ دَيُّوثٍ نِكَاحٌ مُحَلِّلٍ
وَهِجْرَةُ عَدْلٍ مُسْلِمٍ وَمُوَحِّدِ
وَتَرْكُ لِحَجٍ مُسْتَطِيعًا وَمَنْعُهُ
زَكَاةً وَحُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُتَقَلِّدِ
بِحَقِّ لِخَلْقِ وَارْتِشَاهُ وَفِطْرُهُ
بِلا عُذْرِهِ فِي صَوْمِ شَهْرِ التَّعَبُّدِ
وَقَوْلٌ بِلا عِلْمٍ عَلَى اللهِ رَبِّنَا
وَسَبٌّ لأَصْحَابِ النَّبِي مُحَمَّدِ
مُصِرٌّ عَلَى الْعِصْيَانِ تَرْكُ تَنَزُّهٍ
مِنَ الْبُولِ فِي نَصِّ الْحَدِيثِ الْمُسَدَّدِ
وَإِتْيَانُ مَنْ حَاضَتْ بِفَرْجٍ وَنَشْزُهَا
عَلَى زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مُهَمَّدِ
وَإِلْحَاقُهَا بِالزَّوْجِ مَنْ حَمَلَتْهُ مِنْ
سِوَاهُ وَكِتْمَانُ الْعُلُومِ لِمُجْتَدِ
стр. 3843
.. وَتَصْوِيرُ ذِي رُوحٍ وَإِتْيَانُ كَاهِنٍ
وَإِتْيَانُ عَرَّافٍ وَتَصْدِيقُهُمْ زِدِ
سُجُودٌ لِغَيْرِ اللهِ دَعْوَةٌ مَنْ دَعَا
إِلَى بِدْعَةٍ أَوْ لِلضَّلالَةِ مَا هُدِي
غُلُولٌ وَنَوْحٌ وَالتَّطيُّرُ بَعْدَهُ
وَأَكْلٌ وَشُرْبٌ فِي لُجَيْنٍ وَعَسْجَدِ
وَجَوْرٌ لِمُوصٍ فِي الْوَصَايَا وَمَنْعُهُ
لِمِيرَاثِ وُرَّاثٍ إِبَاقٍ لأَعْبُدِ
وَإِتْيَانِهَا فِي الدُّبُر بَيْعٌ لِحُرَّةٍ
وَمَنْ يَسْتَحِلُّ الْبَيْتَ قِبْلَةَ مَسْجِدِ
وَمِنْهَا اكْتِسَابُ لِلرِّبَا وَشَهَادَةُ
عَلَيْهِ وَذُو الْوَجْهَيْنِ قَلَّ لِلتَّوَعُّدِ
وَمَنْ يَدَّعِي أَصْلاً وَلَيْسَ بِأَصْلِهِ
يَقُولُ أَنَا ابنُ الْفَاضِلِ الْمُتَمَجِّدِ
فَيَرْغَبُ عَنْ آبَائِهِ وَجُدُودِهِ
وَلاسِيَّمَا أَنْ يَنْتَسِبْ لِمُحَمَّدِ
وَغِشُّ إِمَامٍ لِلرَّعِيَّةِ بَعْدَهُ
وُقُوعٌ عَلَى الْعَجْمَا الْبَهِيمَةِ يُفْسِدِ
وَتَرْكٌ لِتَجْمِيعٍ إِسَاءَةً مَالِكٍ
إِلَى الْقَنِّ ذَا طَبْعٍ لَهُ فِي الْمُعَبَّدِ
(موعظة) إخواني إنكم في دار هي محل العبر والآفات وأنتم على سفر والطريق
стр. 3844
كثيرة المخافات، فتزودوا من دنياكم قبل الممات، وتدار هفواتكم قبل الفوات، وحاسبوا أنفسكم وراقبوا الله في الخلوات، وتفكروا فيما أراكم من الآيات، وبادروا بالأعمال الصالحات، واستكثروا في أعماركم القصيرة من الحسنات، قبل أن ينادي بكم مناد الشتات، قبل أن يفاجئكم هادم اللذات، قبل أن يتصاعد منكم الأنين والزفرات قبل أن تنقطع قلوبكم عند فراقكم حسرات قبل أن يغشاكم من غم الموت الغمرات، قبل أن تزعجوا من هذه الحياة قبل أن تتمنوا رجوعكم إلى الدنيا وهيهات.
شِعْرًا: ... مَا دَارُ دُنْيًا لِلْمُقِيمِ بِدَارِ ... وَبِهَا النُّفُوسُ فَرِيسَةُ الأَقْدَارِ
مَا بَيْنَ لَيْلٍ عَاكِفٍ وَنَهَارِهِ ... نَفْسَانِ مُرْتَشِفَانِ لِلأَعْمَارِ
طُولُ الْحَيَاةِ إِذَا مَضَى كَقَصِيرِهَا ... وَالْيُسْرُ لِلإِنْسَانِ كَالإِعْسَارِ
وَالْعَيْشُ يَعْقِبُ بِالْمَرَارَةِ حُلْوَهُ ... وَالصَّفْوُ فِيهِ مُخَلَّفُ الأَكْدَارِ
وَكَأَنَّمَا تَقْضِي بُنِيَّاتُ الرَّدَى ... لِفَنَائِنَا وَطَرًا مِنْ الأَوْطَارِ
وَالْمَرْءُ كَالطَّيْفِ الْمُطِيفِ وَعُمْرُهُ ... كَالنُّومِ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالأَسْحَارِ
خَطْبٌ تَضَاءَلَتَ الْخُطُوبُ لِهَوْلِهِ ... أَخْطَارُهُ تَعْلُو عَلَى الأَخْطَارِ
نُلْقِي الصَّوَارِمَ وَالرِّمَاحَ لِهَوْلِهِ ... وَنَلَوْذُ مِنْ حَرْبٍ إِلَى اسْتِشْعَارِ
إِنَّ الَّذِينَ بَنُو مَشِيدًا وَانْثَنَوْا ... يَسْعَوْنَ سَعْيَ الْفَاتِكِ الْجَبَّارِ
سُلُبوا النَّضَارَةَ وَالنَّعِيمَ فَأَصْبَحُوا ... مُتَوَسِّدِينَ وَسَائِدَ الأَحْجَارِ
تَرَكُوا دِيَارَهُمُ عَلَى أَعْدَاهِم ... وَتَوَسَّدُوا مَدَرًا بِغَيْرِ دِثَارِ
خَلَطَ الْحِمَامُ قَويَّهُمْ بِضَعِيفِهِمْ ... وَغَنِيَّهمُ سَاوَى بِذِي الإِقْتَارِ
وَالْخَوْفُ يُعْجِلُنَا عَلَى آثَارِهِمْ ... لا بُدَّ مِنْ صُبْحٍ الْمُجِدِّ السَّارِي
وَتَعَاقُبُ الْمَلَوَيْن فِينَا نَاثِرٌ ... بَأَكَرِّ مَا نَظَمَا مِنْ الأَعْمَارِ
ثم اعلم يا أخي أن الدنيا لا تذم لذاتها وكيف يذم ما منَّ الله به على عباده وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في إعانته على تحصيل العلم والعبادة من مطعم ومشرب
стр. 3845
وملبس ومسجد يصلي فيه وإنما المذموم أخذ الشيء من غير حِلِّهِ أو تناوله على وجه السرف لا على مقدار الحاجة ويصرف النفس فيه بمقتضى رعوناتها لا بإذن الشرع فالعاقل يجعلها مطية للآخرة فينفقها في سبيل الله في المشاريع الدينية من طباعة مصاحف وكتب دينية وعمارة مساجد وبذل للفقراء الَّذِينَ لا موارد لهم ونفقات على طلبة العلم الشرعي.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سمع رجلاً يسب الدنيا فَقَالَ له: إنها لدار صدق لمن صدقها، ودار عافيه لمن فهم عنها، ودار غني لمن تزود منها.
مسجد أحباب الله، ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه. اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى أهل السرور.
فذمها قوم الندامة ومدحها آخرون، وحدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا.
فيا أيها المعتز بالدنيا المغتر بغرورها، متى استلأمت إليك الدنيا، بل متى غرتك أبمضاجع آبائك تحت الثرى، أم بمصارع أمهاتك من البلى. كم قلبت بكفيك ومرضت بيدك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تسعف بطلبتك قد مثلت لك الدنيا بمصرعه مصرعك غداً ولا يغني عنك بكاءك ولا ينفعك أحبابك.
وَقَالَ ابن رجب ﵀ على كلام علي بن أبي طالب ﵁. فبين أمير المؤمنين ﵁ أن الدنيا لا تذم مطلقاً وأنها تحمد بالنسبة إلى من تزود منها الأعمال الصالحة وأن فيها مساجد ومهبط الوحي.
وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا بها الجنة فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفته.
وأما ما ذكر من أنه تغر وتخدع فإنها تنادي بمواعظها وتنصح بعبرها وتبدي عيوبها بما ترى من أهلها من مصارع الهلكى.
وتقلب الأحوال من الصحة إلى السقم ومن الشبيبة إلى الهرم ومن الغنى إلى الفقر ومن العز إلى الذل ولكن محبها قد أعماه وأصمه حبها. انتهى أهـ.
стр. 3846
موعظة
عباد الله لا شيء أغلى عليكم من أعماركم وأنتم تضيعونها فيما لا فائدة فيه. ولا عدو أعدى لكم من إبليس وأنتم تطيعونه، ولا أضر عليكم من موافقة النفس الأمارة بالسوء، وأنتم تصادقونها لقد مضى من أعماركم الأطايب، فما بقي بعد شيب الذوائب.
يا حاضر الجسم والقلب غائب، اجتماع العيب مع الشيب من أعظم المصائب، يمضي زمن الصبا في لعب وسهو وغفلة، يا لها من مصائب، كفى زاجراً واعظاً تشيب منه الذوائب، يا غافلاً فاته الأرباح وأفضل المناقب، أين البكاء والحزن والقلق لخوف العظيم الطالب أين الزمان الَّذِي فرطت فيه ولم تخش العواقب، أين البكاء دماً على أوقات قتلت عند التلفزيون والمذياع والكرة والسينما والفيديو والخمر والدخان والملاعب.
كم في يوم الحسرة والندامة من دمع ساكب على ذنوب قد حواها كتاب الكاتب، من لك يوم ينكشف عنك غطاؤك في موقف المحاسب، إذا قِيلَ لك ما صنعت في كل واجب، كيف ترجو النجاة وأنت تلهو بأسر الملاعب، لقد ضيعتك الأماني بالظن الكاذب، أما علمت أن الموت صعب شديد المشارب، يلقي شره بكأس صدور من النوائب فقد بنيت كنسج العنكبوت بيتاً أين الَّذِينَ علوا فوق السفن والمراكب أين الَّذِينَ علو على متون النجائب، هجمت عليهم المنايا فأصبحوا تحت النصائب وأنت في أثرهم عن قريب عاطب، فانظر وتفكر واعتبر وتدبر قبل هجوم من لا يمنع عنه حرس ولا باب ولا يفوته هربُ هارب.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 3847
موعظة
إخواني إن في مواعظ الأيام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثم تحمل إلى مضائق القبور، فكم قد شاهدتم من شخصيات في الأرض، قد وضعت، وكم قد عانيتم من أبدان ناعمة في الأكفان قد لفت وإلى مضيق الإلحاد قد زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا له من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا له من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر في موقف مهيل موقف فيه تنقطع الأنساب وتخضع فيه الرقاب وتنسكب فيه العبرات وتتصاعد فيه الزفرات ذلك موقف تنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، ويمد فيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس في النار.
شِعْرًا: ... مَا لِي أَرَاكَ عَلَى الذُّنُوبِ مُوَاظِبًا ... أَأَخَذْتَ مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ أَمَانَا
لا تَغْفَلَنَّ كَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَى ... وَلَعَلَّ عُمْرَكَ قَدْ دَنَا أَوْ حَانَا
وَمَضَى الحَبِيبُ لِحَفْرِ قَبْرِكَ مُسْرِعًا ... وَأَتَى الصَّدِيقُ فَأَنْذَرَ الْجِيرَانَا
وَأَتوا بِغَسَّال وَجَاءُوا نَحْوَهُ ... وَبَدَا بِغُسْلِكَ مَيِّتًا عُرْيَانَا
فَغُسِّلْتَ ثُمَّ كُسِيتَ ثَوْبًا لِلْبَلَى ... وَدَعَوا لِحَمْلِ سَرِيرَكَ الإِخْوَانَا
وَأَتَاكَ أَهْلُكَ لِلْوَدَاعِ فَوَدَّعُوا ... وَجَرَتْ عَلَيْكَ دُمُوعهُمْ غُدْرَانَا
فَخَفِ الإِلَهِ فَإِنَّهُ مِنْ خَافَه ... سَكَنَ الْجِنَانَ مُجَاوِرًا رِضْوَانَا
جَنَّاتِ عَدْنٍ لا يَبْدُ نَعِيمُهَا ... أَبَدًا يُخَالَطُ رُوحَهُ رَيْحَانَا
وَلِمَنْ عَصَى نَارًا يُقَالُ لَهَا لَظَى ... تَشْوِي الْوُجُوهُ وَتَحْرِقُ الأَبْدَانَا
نَبْكِي وَحَقّ لَنَا الْبُكَى يَا قَوْمَنَا ... كَيْ لا يُؤَاخِذُنَا بِمَا قَدْ كَانَا
موعظة
عباد الله مضى رجال من هذه الأمة كانوا يخشون ربهم خشية العارفين
стр. 3848
الموقنين لذلك كانت أقوالهم وأفعالهم موزونة بما للشرع من موازين كانوا يزنون كلامهم قبل أن يلفظوا به لأنهم يوقنون أن خالقهم سمعها وشهد عليها وهو تعالى خير شاهد.
كانوا إذا أظلم الليل يقفون في محاريبهم باكين متضرعين لهم أنين كأنين المرضى ولهم حنين كحنين الثكلى وكانوا ربما مروا بالآية من كتاب الله فجعلوا يرددونها بقلب حزين فأثرت عليهم ومرضوا بعدها مات أولئك السلف الصالح الَّذِينَ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً.
وماتت تلك الخشية وأعقبها قسوة أذهلت العباد عن طاعة الله فصاروا يأتون ويذرون دون سؤال عن سخط الله ورضاه.
وغدت جوارحهم مطلقة في كل ما يغضب الله وصارت أفعالهم فوضى ليس لها ضوابط ولا قيود العين تجول في المناظر المحرمة من نساء سافرات إلى سينما إلى تلفزيون إلى الفيديو معلم الفساد إلى كوره إلى مجلات في طيها الشرور إلى صورة مجسدة وغير مجسدة إلى كتب هدامة للأخلاق إلى غير ذلك من المحرمات التي تجرح القلوب.
والفرج يسرح كما شاء إلى الفواحش الدين ضعيف والخلق فاسد والأذن لا تشبع من سماع ما يسخط ربها والبطن يستزيد من سحت الأقوات.
وأما اليد فحدث ولا حرج في تعدي الحدود وأما اللسان فليله ونهاره يتحرك ويتقلب في منكر القول وزوره ولا كأن ربه السميع البصير العليم موجود وتراه يطعن في أعراض الغوافل ويمزق جلودهم في السب والغيبة والبهت والكذب ولا ولا يعف عن عرض أي بشر.
ويحلف بالله العلي العظيم كل يوم مرات ولا يهمه أبر في يمينه أم فجر وأما وعوده وعهوده وعقوده فتهمل ولا كأنه مكلف باحترامها فهذا وأمثاله قد
стр. 3849
انهمكوا في المعاصي وتوغلوا فيها فصارت عندهم عادات وشيء طَبَعِي مألوف لهم.
ولذلك إذا مررت بهم أو مررت حول بيوتهم استوحشت من سماع الأغاني والرقص والمطربين والسبب واللعن والقذف والاستهزاء بالدين وأخذت في العجب بين هؤلاء وأولئك الَّذِينَ في أوقات الجليات في حنادس الظلم يناجون ربهم راغبين في رضوان العزيز الجبار خائفين من سخط المنتقم القهار متفكرين في سرعة حلول المنايا التي تسارع الأيام والليالي في اقترابها وموقنين بأنهم محاسبون على الفتيل والنقير والقطمير عالمين بأنهم مكلفون بواجبات عبودية ما قاموا بالقليل منها وهم عنها مسؤلون وعلى ما قدموه من خير وشر قادمون.
وهل حال هؤلاء السعداء في جانب أولئك التعساء الأشقياء الإكحال المصاب بالجنود في جانب أوفر الناس عقلاً وأكملهم وقاراً فأكثر يا أخي من قولك الحمد لله الَّذِي عافانا مِمَّا ابتلاهم الله يعافيهم ولا يبلانا قَالَ تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
وَكُل كَسْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَجْبُرُهُ
وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ
فتنبه أيها المؤمن واعلم أنك مسؤل عن كل ما تعمل لا مهمل كالأنعام فانهج الاستقامة وراقب ربَّكَ في مصادرك ومواردك لتقف عند الحدود قَالَ بعض المرشدين إلى معالم الرشد ضارباً لذلك مثلاً.
واعلم أن الإنسان في تقلبه في أطوار حياته كمثل غريب ألقت به المقادير إلى قوم استقبلوه بترحاب وتكريم وكان ذلك النازل فاقد القوى غير عالم بما عليه القوم من الشؤن ولا يدري من أين أتي ولا إلى أين يذهب.
стр. 3850
فَقَامَ القوم بواجبات خدمته وإكرامه حتَّى قويت حواسه وجوارحه ومداركه وأخذ يعمل كما يعمل القوم فجاء رجل من عقلائهم قائلاً يا هذا إن هذه الدار توطنها مكرموك ما هي دار إقامة ولا هي مملوكة لأحد من الخلق ولكنهم أمثالك نزلاء من كانوا يعمرون هذه الدار قبلهم ثم رحلوا وتركوها وما كان رحيلهم إلى مكان بعيد ولكنه كان إلى سجن ضيق ومكان مظلم لو أرسلت ببصرك لرأيته وقد فقدوا تلك القوى وتناسوا ذلك النعيم.
ثم أخذ بيدِهِ إلى مكان قفر وأعني المقبرة وَقَالَ له هذا مراح القوم ومسقط رؤسهم وإن الطريق التي توصلك إلى هؤلاء القوم هي الطريق التي سلكها مكرموك وإنها لطريق ذات عقبات مهلكة ولها أوحال من تورطها هلك ولا مخلص من تلك الأوحال إلا بتجنب تلك العقبات أو تجاوزها عدواً.
فإن رمت السلامة فسر فريداً متحفظاً من تخاصم القوم وتنازعهم ومن ملاهيهم وألعابهم ولا تصغ لمن يناديك من خلفك فإن الَّذِي يناديك من خلفك في طريق النجاة هو أجهل منك بها ولا تخالف من ناداك من الأمام فإنهم أدرى منك بمفاوز الطريق.
وإياك أن تشتبه عَلَيْكَ الطريق وأصوات المنادين فإن طريق السلامة لها أعلام ومصابيح نيرة على رأس كل مرحلة من مراحلها وأما باقي الطريق فإنها مظلمة موحشة مهلكة وما هي إلا طريق واحدة ولكنها ذات شعب ومسارب كثيرة.
فاحذر إن تتهاون بنفسك كما تهاون القوم بنفوسهم فهلكوا وهم لا يشعرون فإن كان النازل الغريب على استعداد لتعقل النصائح وذا قابلية تقبل
стр. 3851
الإرشاد وقف على أفواه الطريق وفتح عينيه واستعمل فكره وتبصر في أمره وتدبر عواقب ما عليه القوم وأخذ لنفسه بأحوط الأحوال وأقربها إلى السلامة وجعل عينه متجهة للنظر إلى منازل الراحلين التي لا أنيس بها ولا جليس.
وتأمل سرعة الرحيل وقصر أوقات الإقامة وتجنب الألعاب والملاهي وسلك سبيل المهتدين وإن كان ضيق الحضيرة قاصر النظر ضعيف الهمة ضائع العقل سيئ التصور فاقد الفكر خبيث الاستعداد لئيم الطبع لا يجد بداً من منازعة اللاعبين ومسابقة اللاهين وتغافل عن عاقبة أمره وسوء مصيره وتباعد عن صياح الناصحين وأصغى إلى مداهنة الغاوين أصبح من النادمين.
وما ضربنا لك هذا المثل إلا لتعلم أنك أنت الغريب الَّذِي نزلت يوم ولدتك أمك بقومك وأنت ضعيف القوى لا تعلم شيئاً كما قَالَ تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ففرح بِكَ قومك وأكرموك إلى أن قويت الآت أعمالك وصرت تحسن الرحيل وحدك.
ونريد بالرحيل هنا سلوك إحدى الطريقين إما طريق الكمالات وأما طريق النقائص لأنهما مسارب المكلفين الَّذِينَ لابد لهم من السير فيها للوصول إلى أحد الغايتين فإنه ما من طريق إلا ولها غاية ينتهي إليها مسير سالكها.
وما نريد بالرجل العاقل المرشد إلا صاحب الرسالة ﵊ أو النائب عنه في تبليغها وما نريد بناديك من الأمام إلا السلف
стр. 3852
الصالح الَّذِينَ سبقونا بالإيمان وبينوا لنا طريق النجاة أو الأتقياء المقتفون لآثارهم الَّذِينَ ثبتت استقامتهم.
وما نريد بالَّذِينَ ينادونك من خلفك إلا الَّذِينَ لا قدم لهم في طريق النبوة فلم يسلكوا سبيل المهتدين بل اعتمدوا في إرشادهم على مقال لا حال معه ولا عمل وهذا لا تصلح متابعته لأنهم أجهل الناس بطريق الاستقامة.
وما أهل الاستقامة إلا الَّذِينَ راقبوا قلوبهم وأمسكوا ألسنتهم وطهروا أقلامهم فلا عزم لهم إلا على أعمال البر والمواساة ولا يقولون إلا الحق المنجي ولا يكتبون إلا ما لو سئلوا عنه يوم القيامة لأحسنوا الإجابة والَّذِينَ يذكرون الله كثيراً وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم والبكاؤون من خشية الله المقتفون لآثاره ? المخلصون لله في جميع أعمالهم.
شِعْرً: ... لَعُمْرِي إِنَّ الْمَجْدَ وَالْفَخْرَ وَالْعُلا ... وَنَيْلَ الأَمَانِي وَاكْتِسَابَ الْفَضَائِلِ
لِمَنْ يُخْلِصُ الأَعْمَالَ للهِ وَحْدَهُ ... وَيَدْعُو إِلَيْهِ بِالضُّحَى وَالأَصَائِلِ
اللهُمَّ اجعلنا من عبادك المحبتين، والغر المحجلين الوفد المتقبلين.
اللهُمَّ إنا نسألك حياة طيبة، ونفساً تقية، وعيشة نقية، وميتة سوية، ومرداً غيرَ مخزٍ ولا فاضح.
اللهُمَّ اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
اللهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة وَاْغِفرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
موعظة
عباد الله يجب عليكم أن تعلموا أنكم ما دمتم في هذه الدار فأنتم في دار
стр. 3853
المعاملات، وأن لكم دار أخرى أبدية، فيها تستوفون ما لكم على هذه المعاملات من جزاءات، فإن أحسنتم هنا أو أسأتم، كان جزاؤكم هناك إحساناً أو إساءات، هكذا وعدكم ربكم، وهو عليم بكل الأعمال، وعلى جزائكم عليها قدير، قَالَ الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ من هذا قطعاً تعلم أن شأن هذه المعاملات عظيم، عظماً لا يعرف قدره إلا الرجل العاقل، البعيد النظر الحكيم، فإن عليها يترتب غضب الله، وعقابه أو رضاه، والنعيم المقيم، وشيء هذا قدره لا يتوقف ولا يتردد في بذل العناية به رجل بصير، وهذه المعاملات تارة تكون بينكم وبين الله، وتارة تكون مع عباد الله، فأما المعاملة مع الله جل وعلا فبأن تسمع وتطيع فيما أمر ونهى، وأما معاملتك مع عباد الله المؤمنين، فبأن تحب لهم ما تحب لنفسك، وذلك بأن تجعل نفسك ميزاناً في معاملة كبيرهم وصغيرهم، أنت تكره إساءتهم لك وتحب إحسانهم، فاحذر إساءتهم، وعاملهم بالإحسان، وكما تكره أن يمسوا ما بسوء، فلتكن أموالهم منك في أمان، وكما تكره أن يتعرضوا لأولادك وأهلك وشخصك بشر فكن لهم خير حفيظ ونصر، وكما تحب أن يريحوك إذا جاوروك فأرحهم عند مجاورتك لهم، وكما تحب أن ينصحوك ويصدقوك في وعودهم وعقودهم وأخبارهم، فاسبقهم أنت إلى ذلك، وكما تحب أن يفرحوا لفرحك، ويحزنوا لحزنك، فكن أنت كذلك معهم، وكما تحب أن لا يتكلموا فيك إلا بخير، فلا تكن أنت معهم بضد ذلك، وقس على ذلك ما يتعلق بالموضوع وأما معاملتك مع نفسك فهي أن تعودها دائماً على الخير بلا ضجر.
стр. 3854
شِعْرًا:
يَا أَيُّهَا الَّذِي قَدْ غَرَّهُ الأَمَلُ ... وَدُونَ مَا يَا مَل التَّنْغِيصُ وَالأَجَلُ
أَلا تَرَى إِنَّمَا الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... كَمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلَّّّّّّوْا ثُمَتَ ارْتَحَلُوا
حُتُوفُهَا رَصْدٌ وَعَيْشُهَا نَكَدُ ... وَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَمُلْكُهَا دُوَلُ
تَظَلُّ تُفْزِعُ بِالرُّوعَاتِ سَاكِنَهَا ... فَمَا يَلَذُ لَهُ عَيْشٌ وَلا جَذَلُ
كَأَنَّهُ لِلْمَنَايَا وَالرَّدَى غَرَضٌ ... تَظَلُّ فِيهِ سِهَام الْوَقْتِ تَنْتَظِلُ
وَالنَّفْسُ هَارِبَةٌ وَالْمَوْتُ يَتَبَعُهَا ... وَكُل عَثْرَةِ رِجْلٍ عِنْدَهَا جَلَلُ
وَالْمَرْءُ يَسْعَى بِمَا يَسْعَى لِوَارِثِهِ ... وَالْقَبْرُ وَارِثُ مَا يَسْعَى لَهُ الرَّجُلُ
اللهُمَّ إِنَّكَ تعلم سرنا وعلانيتنا وتسمع كلامنا وترى مكاننا لا يخفى عَلَيْكَ شيء من أمرنا نحن البؤساء الفقراء إليك المستغيثون المستجيرون بِكَ نسألك أن تقيض لدينك من ينصره ويزيل ما حدث من البدع والمنكرات ويقيم علم الجهاد ويقمع أهل الزيغ والكفر والعناد ونسألك أن تَغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
[نختم هذا الكتاب بنبذة من زهده ?]
كان رسول الله ? أزهد الناس، ويكفيك في تعريف ذلك أن فقره ? كان فقراً اختيارياً لا فقراً اضطرارياً.
لأنه ? فُتِحَتْ عليه الفتوحُ وجُلِبَتْ إليه الأموالُ، ومات ودِرْعُهُ مَرهونةٌ عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو: اللهُمَّ اجعل رزق آل مُحَمَّد قوتاً.
وقالت عائشة ﵂: ما شبعَ رسول الله ? ثلاثة أيام تِباعاً مِن خُبز حتَّى مَضى لِسَبِيلِه، ولو شاء لأعطاهُ الله ما لا يخطر ببالٍ.
стр. 3855
وعنها قالت: ما ترك رسول الله ? دِيناراً ولا شاة ولا درهماً ولا بعيراً ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذُو كبدٍ إلا شطر شعير في رَفٍّ لي.
وَقَالَ لي: إني عَرَضَ عَليَّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلتُ: لا يا رب أجُوعُ يوماً وأشبعُ يوماً، فأما اليومُ الَّذِي أجُوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الَّذِي أشبعُ فيه فأحْمِدُكَ وأثْنِي عَلَيْكَ.
وعنها قالت: إنْ كُنَّا آلُ مُحَمَّد لنمْكُثُ شهراً ما نَسْتَوقِدُ ناراً، إن هو إلا التمرُ والماء.
وعنها قالت: لم يمتل جَوفُ النبي ? شِبَعاً قط، ولم يَبُث إلى أحدٍ شكوى.
وكانت الفاقة أحَبَّ إليه من الغِنَى، وإنْ كان لَيَظَلُ جائعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيلته مِن الجوع، فلا يَمْنَعُه مِن صِيام يوم ولو شاء لَسَألَ ربه جَميعَ كُنُوزِ الأرضِ وثِمارِهَا ورغد عيشها.
ولقد كنتُ أبكي له رحمة مِمَّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه مِمَّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك.
فيقول: «يا عائشة ما لي وللدنيا إخواني أولو العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم وأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم.
وأجدني استحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصرني غداً دونهم.
وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي» . قالت: فما أقام بعد إلا شهراً ثم توفى ?.
وعن عائشة ﵂ قالت: ما رفع رسول الله ? قط غداء لعشاء ولا عشاء قط لغداء.
следующие страницы →