Полный текст (3 875 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وَيُكْرَهُ صَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَكُلَّ عِيدٍِ لِلْكُفَّارَ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الكُفَّار في تَعْظِيمِهَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ ﵄: مَنْ تَأَسَّى بِبِلادِ الأَعَاجِمِ نَيْرُوزِهِمْ وَمَهْرَجَانِهمْ وَتَشَبَّهَ بِهم حَتَّى يَمُوتُ حُشرَ مَعَهُمْ.
قَالَ الشَّيْخُ وَغَيْرِهِ: مَا لَمْ يُوافِقْ عَادَةً أَوْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرٍ وَنَحْوِهْ قَالَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الذي يَكُونُ في آخِر صَوْمِهِمْ كَيَومِ (عيدِ المائِدَةِ) وَيَوْمِ الأَحد الذي يُسَمّونَهُ (عِيْدَ الفُصْحِ) و (عيد النُّورِ) و (العيدِ الكَبِيرِ) وَنَحْو ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُسْلِمْ أَنْ يُشَابِهَهُمْ في أَصْلِهِ وَلا فِي وَصْفِهِ.
وَقَالَ: لا يَحِلّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا في شَيْء مِمَّا يَخْتَصُّ بأعْيَادِهِم لا مِنْ طَعامٍ، وَلا مِنْ لِبَاسٍ، وَلا اغْتِسَالٍ، وَلا إِيقَادِ نِيْرَانٍ، ولا تَبْطِيلِ عَادَةٍ مِنْ مَعِيشَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَلا تُمَكَّنُ الصّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ مِن اللَّعِبَ التِي في الأَعْيَادِ، وَلا إِظْهَارِ زِينَةٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَخُصُّوا أَعْيَادَهُمْ بِشَيءٍ مِنْ شَعَائِرِهِمْ بَلْ يَكُونُ يَوْمَ عِيدِهم عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ الأَيَّامِ، لا يَخُصَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيءٍ مِنْ خَصَائِصَهِمْ.
وَتَخْصِيصُهُ بِمَا تَقَدَّمَ لا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءْ، بَلْ قَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ العُلَمَاءَ إلى كُفْرِ مَنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الأُمُورَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ لأنهم أَعْدَاءٌ الله والمسلمين ولا يألون جهدًا فيما يَضُرُّ الْمُسْلِمِين.
شِعْرًا:
تَوق مُعَادَات الإلهِ فإنَّهَا ... مُكَدِّرةٌ لِلصَّفْوِ في كُلِّ مَشْرَبِ
آخر:
إِذا وَتَرتَ أمرًا فَاِحذَر عَداوَتَهُ ... مَن يَزرَعِ الشَوكَ لا يَحصُد بِهِ عِنَبا
إِنَّ العَدُوَّ وَإِن أَبدى مُسالَمَةً ... إِذا رَأى مِنكَ يَوماً غِرَّةً وَثَبا
آخر:
وَمَا غُرْبَةُ الإنْسَانِ في شُقَّةِ النَّوى ... وَلكنَّهَا وَاللهِ في بَلَدِ الكُفْر
стр. 562
وقَدْ اشْتَرَطَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين أَن لا يُظْهِرُوا أَعْيَادَهُمْ في دِيَارِ الْمُسْلِمِينْ فَكَيْفَ إِذَا أَظْهَرَها الْمُسْلِمُونَ؟ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بن الخَطَّاب: لا تَتَعَلَّمُوا رِطَانةَ الأَعَاجِمِ، وَلا تَدْخُلُوا عَلَى المشركين في كَنَائِسِهمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ الشُّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَفْعَلُ مَا يُسْخِطُ اللهِ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا هُوَ مِنْ شَعَائِرِهِمْ؟ وَقَالَ عُمَرُ: مَا تَعَلّمَ رَجُلٌ الفَارِسِيَّةَ إلا خَبَّ وَلا خَبَّ إلا نَقَضَتْ مَرُوءَتُهْ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قَال: أَعْيَادُ الكُفَّارِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا في شُهُودِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْل فَكَيْفَ بِالأَفْعَالِ التِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِهَا؟!
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ في الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبّهَ بقومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . وَفِي لَفْظ: «لَيْسَ مِنّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا» . وَهُوَ حَدِيثٌ جَيّدٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّشَبُّهِ - وَإِنْ كَانَ مِنْ العَادَاتِ فَكَيْفَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ؟
وَقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀: اعْتِيَادُ اللّغَةِ يُؤَثِّر في العَقْلِ والخُلُقِ والدِّينِ تَأْثِيرًا قَوِيًّا بَيِّنًا بِحَسَبِ تِلْكَ اللُّغَةِ. وَقَالَ في اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ المستقيم: عن نافِع عَنْ ابنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بالعَرَبِيّة فَلا يَتَكَلّمُ بالعُجْمَةِ فَإِنَّهُ يُوَرّثُ النِّفَاق» .
قَالَ ابنُ القيمِ ﵀ عَلَى حَدِيث: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أَي بالانْدِمَاجِ وَتَلاشَتْ شَخْصِيَّتُه فِيهم فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا عَنْ تَعْظِيمٍ وَإِكْبَارٍ لَهُمْ فَهُوَ لِذَلِكَ يُلْغِي شَخْصِيَّتَهُ وَيَتَلاشَى في شَخْصِيَّةِ الآخَرين، فَمَنْ تَشَبَّهَ بالرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِإلْغَاءِ شَخْصِيَّةِ الجاهليةِ السَّفِيهَةِ وَانْدِمَجِ في مَعْنَوِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عِلْمًا وَعَمَلاً وَاعْتِقَادًا وَأَدَبًا، فَهُوَ بِلا شَكٍ مِنْهُمْ.
стр. 563
وَمَنْ تَشَبَّعَ بالإِفْرِنْجِ فِي لِبَاسِهِم وَأَخْلاقِهِمْ وَنُظُمِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ فَهُوَ بِلا شَكّ إِفْرَنْجِي غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ، فَلِهَذَا التَّشَبُّهِ وَنَتَائِجِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ نَرَى الْمُعْظِّمِينَ للنَّصَارَى وَالوَثَنِيِّينَ الْحَرِيصِينَ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ والانْدِمَاجِ فِيهِمْ يُعَاوِنُونَهُمْ على الضَّرَرِ بِدِينِهم وَبِلادِهِمْ وَأُمَمِهِم عَنْ قَصْد وَعَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. أهـ.
وَيُكْرَهُ وصَالٌ إِلا مِنَ النَّبِيّ ﷺ ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» . فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلاَلَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ» . كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ، حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلا يَجُوزُ صَوْمُ العِيدَيْن عَنْ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهَا كَانَ عَاصِيًا وَلا يُجْزءُ عَنْ الفَرْضِ.
وَلا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّام التَّشْرِيقِ إِلا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقَرَانٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْد مَوْلَى أَزْهَرْ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ ابنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: (هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسْكُكُمْ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَلِمَا رُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةِ الهُذَلِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 564
وَعَنْ عَائِشَةِ وابن عُمَرَ ﵃ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ : (نَهَى عَنْ صَوْمِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ في السَّنَةِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَثَلاثَةِ أَيَّام التَّشْرِيق) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي.
اللَّهُمَّ نَجَّنَا بِرَحْمَتِكَ مِن النَّارِ وَعَافِينَا مِنْ دَارِ الْخِزْيِ وَالبَوَارِ وَأَدْخِلْنَا بِفَضْلِكَ الْجَنَّةَ دارَ القَرارِ وَعَامِلْنَا بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ يَا كَرِيمُ يَا غَفَّارُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَوَائِدْ) : مُجَالَسةُ العَارِفِ الزَّاهِدِ تَدْعُو مِنْ سَتٍّ إلى سِتْ:
مِنَ الشَّكِ إلى اليَقِينْ.
وَمِنْ الرِّيَاءِ إِلى الإِخْلاصِ.
وَمِنْ الغُفْلَةِ إِلى الذِّكْرِ.
وَمِنْ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيَا إِلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ.
وَمِنْ الكِبْرِ إِلى التَّوَاضُعِ.
وَمِنْ سُوءِ الطَّوِيَّةِ إلى النَّصِيحَةْ.
الأَفْضَلُ في أَوْقَاتِ السَّحَرِ الاشْتِغَالُ بِقِرَاءَةِ القُرْآن وَالصَّلاةُ وَالاسْتِغْفَارِ.
وفي وقت الأذان إجابة المؤذن والدعاء لأنه وقت إجابة.
وفي وقت الصلوات الخمس الاستعداد لها والجد والاجتهاد والحرص على طرد الأفكار الصادة عن تأمل معاني الآيات والتسبيح والتكبير.
والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إلى تأديتها في أول وقتها والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل لكثرة الخطا.
والأفضلُ في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالمال أو الجاه أو البدن، الاشتغالُ بمساعدته وإغاثَتِهِ.
والأفضلُ في وقتِ قراءة القُرآن الحرص على تدبره وتفهمه حتى كأَنَّ اللهَ
стр. 565
تعالى يخاطبه به وَيَعزِمُ على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
والأفضلُ في عشر ذو الحجة الاجتهاد والحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة والدعاء والتضرع والإكثار من قراءة القرآن وذكر الله.
والأفضل في الوقوف بعرفة الاجتهاد في الدعاء والتضرع والإكثار من قول: لا إله إلا الله.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المساجد والخلوة والاعتكاف وتلاوة القرآن.
والإكثار من الباقيات الصالحات والحرص على إخراج الزكاة في هذا الشهر المبارك وإفطار الصوام.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادتهُ، وحُضُورُ جنازته وتشييعُه وتقديم ذلك على خلواتك وَجَمْعِيَّتِكَ.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاةِ الناس لك أداءُ واجبِ الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم.
فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضلُ مِن الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضلُ خلطتهم في الخير فهي خَيرٌ من اعْتِزَالِهِم فيه واعتزالهُم في الشر أفضل فإنْ علم أنه إذا خالطهم أزالهُ أو قلَّلَهُ فخلطتهم حينئذٍ أفضلُ من اعْتِزَالِهِم.
شِعْرًا:
إِنّي أَرِقتُ وَذِكرُ المَوتِ أَرَّقَني ... وَقُلتُ لِلدَّمْعِ أَسْعِدني فَأَسْعَدَني
يَا مَنْ يَمُوتُ فَلَمْ يَحْزَنْ لِمَيتَتِهِ ... وَمَنْ يَمُوتُ فَمَا أَوْلاهُ بِالحَزَنِ
تَبغي النَجاةَ مِنَ الأَحْدَاثِ مُحتَرِسًا ... وَإِنَّمَا أَنْتَ وَالعِلاتُ في قَرَنِ
يَا صَاحِبَ الرُّوحِ ذي الأَنْفَاسِ في البَدَنِ ... بَينَ النَهارِ وَبَينَ اللَّيْلِ مُرتَهَنِ
لَقَلَّما يَتَخَطّاكَ اِختِلافُهُمَا ... حَتّى يُفَرِّقَ بَينَ الرُّوحِ وَالبَدَنِ
стр. 566
طِيبُ الحَياةِ لِمَنْ خَفَّتْ مَئُونَتُهُ ... وَلَمْ تَطِبْ لِذَوِي الأَثقالِ وَالمُؤَنِ
لَم يَبقَ مِمّن مَضَى إِلا تَوَهُّمُهُ ... كَأَنَّ مَنْ قَدْ مَضَى بِالأَمْسِ لَمْ يَكُنِ
وَإِنَّمَا المَرءُ في الدُّنْيَا بِسَاعَتِهِ ... سَائِلْ بِذلِكَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزَمَنِ
مَا أَوْضَحَ الأَمْرَ لِلْمُلْقِي بِعِبرَتِهِ ... بَيْنَ التَفَكُّرِ وَالتَجْرِيبِ وَالفِطَنِ
أَلَسْتَ يَا ذَا تَرَى الدُّنْيَا مُوَلِّيَةً ... فَمَا يَغُرُّكَ فِيهَا مِنْ هَنٍ وَهَنِ
لأَعْجَبَنَّ وَأَنّى يَنْقَضي عَجَبِي ... النَّاسُ في غَفلَةٍ وَالْمَوْتُ في سَنَنِ
وَظاعِنٍ مِن بَياضِ الرَّيْطِ كُسْوَتُهُ ... مُطَيَّبٍ لِلْمَنايا غَيْرِ مُدَّهِنِ
غادَرتُهُ بَعدَ تَشيِيعَيهِ مُنجَدِلاً ... في قُربِ دارٍ وَفي بُعدٍ عَنِ الوَطَنِ
لا يَستَطيعُ اِنتِقاصاً في مَحَلَّتِهِ ... مِنَ القَبيحِ وَلا يَزدادُ في الحَسَنِ
الحَمدُ لِلَّهِ شُكراً ما أَرى سَكَنًا ... يَلوي بِبَحبوحَةِ المَوتى عَلى سَكَنِ
ما بالُ قَومٍ وَقَد صَحَّت عُقولُهُمُ ... فيما اِدَّعوا يَشتَرونَ الغَيَّ بِالثَمَنِ
لِتَجذِبَنّي يَدُ الدُنيا بِقُوَّتِها ... إِلى المَنايا وَإِن نازَعتُها رَسِني
وَأَيُّ يَومٍ لِمَن وافى مَنِيَّتَهُ ... يَومٌ تَبَيَّنُ فيهِ صورَةُ الغَبَنِ
لِلَّهِ دُنيا أُناسٍ دائِبينَ لَها ... قَدِ اِرتَعَوا في رِاضِ الغَيِّ وَالفِتَنِ
كَسائِماتٍ رَواعٍ تَبتَغي سِمنًا ... وَحَتفُها لَو دَرَت في ذَلِكَ السِمَنِ
اللَّهُمَّ اسْلُكْ بِنَا مَسْلَكَ الصَّادِقِينَ الأَبْرَارْ، وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الْمُصْطَفِينَ الأَخْيَار، وَآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ أحْي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تُعَذّبْنَا بَأليمِ عِقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بالنَّوَالِ وَجَادَ بَالإِفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقَظْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنَا بَعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 567
(فَصْلٌ) : في الْحَثِّ عَلَى تَقْوَى اللهِ
عِبَادَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ فَإِنَّهَا وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ فَمَا مِنْ خَيْرٍ عَاجِلٍ وَلا آجِلٍ ظَاهِرٍ وَلا بَاطِنٍ إِلا وَتَقْوَى اللهِ سَبِيلٌ مُوصِلٌ إِلَيْهِ وَوَسِيلَةٌ مُبْلِغَةٌ لَهُ وَمَا مِنْ شَرٍّ عَاجِلٍ وَلا آجِلٍ ظَاهِرٍ وَلا بَاطِنٍ إلا وَتَقْوَى اللهِ حِرْزٌ مَتِينٌ وَحُصْنٌ حَصِينٌ لِلسَّلامَةِ مِنْهُ وَالنَّجَاةِ مِنْ ضَرَرِهِ.
شِعْرًا:
خِصَالٌ إِذَا لَمْ يَحْوِهَا المرء لَمْ يَنَلْ ... مَنَالاً مِنْ الأُخْرَى يَكُونُ لَهُ ذُخْرَا
يَكُونُ لَهُ تَقْوَى وَزُهْدٌ وَعِفَّة ... وَإِكْثَارُ أَعْمَالٍ يَنَالُ بِهَا أَجْرَا
آخر:
لَيْسَ يَبْقَى عَلَى الْجَدِيدَيْنِ إِلا ... عَمَلٌ صَالِحٌ وَذِكْرٌ جَمِيلْ
آخر: ... وَمَا في النَّاس أَحْسَنُ مِنْ مُطِيعٍ ... لِخَالِقِهِ إِذَا عُدَّ الرَّجَالُ
آخر:
لَنِعْمَ فَتَى التَّقْوَى فَتَى طَاهر الْخُطَا ... خَمِيصٌ مِنْ الدُّنْيَا تقيُّ الْمَسَالِكِ
فَتَىً مَلَكَ الأَهْوَاءَ أَنْ يَعْتَبِدْنَهُ ... وَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ لَهُنَّ بِمَالِكِ
وَكَمْ عَلَّقَ اللهُ العظيمُ في كِتَابِهِ العَزِيزِ عَلَى التَّقْوَى مِنْ خَيْرَاتٍ عَظِيمَةٍ وَسَعَادَاتٍ جَسِيمَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَعِيَّةُ الخاصَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ للحفظ والعِنَايَةِ والنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ الْمَحَبَّةُ لَمِنَ اتَّقَى اللهَ، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ التَّوْفِيقُ لِلْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنِ المُتَّقِي المُصْلِح قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ الفُرْقَانُ عِنْدَ الاشْتِبَاهِ وَوَقُوعِ الإشْكَالِ وَالكَفَّارَةِ لِلسَّيِّئَاتِ وَالمَغْفِرَةِ لِلذُّنُوبِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ .
стр. 568
وَمِنْ ذَلِكَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَخْرَجُ مِنْ الشَّدَائِدِ وَالرِّزْقُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ اليُسْرُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ، وَمِنْ ذَلِكَ عِظَمُ الأَجْرِ، قَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ، وَمِنْ ذَلِكَ الوَعْدُ مِنَ اللهِ بِالْجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ الآيَاتْ، إِلى قَوْلِهِ: ﴿مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ .
شِعْرًا:
وَأَحْسَنُ وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُتَّقٍ ... وَأَقْبَحُ وَجْهٍ فِيهِمْ وَجْهُ كَافِرِ
آخر:
وَمِنْ أَضْيَعِ الأَشْيَاءِ مُهْجَةُ ذِي التُّقَى ... يَجُوزُ عَلَى جَوْبَائِهَا حُكْمُ جَائِرِ
وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالى: ﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ الكَرَامَةُ عِنْدَ اللهِ بالتَّقْوَى، قَالَ تَعَالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، إِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ امْتِثَالُ الأَوَامِرْ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي، فَالْمُتَّقُونَ هُمُ الذِّينَ يَرَاهُم اللهُ حَيْثُ أَمْرَهُمْ وَلا يُقْدِمُونَ عَلَى مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ.
الْمُتَّقُونَ هُمُ الذين يَعْتَرِفُونَ بالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ وَيَعْرِفُونَهُ وَيُؤَدُّونَهُ، وَيُنْكِرُونَ البَاطِلَ وَيَجْتَنِبُونَهُ وَيَخَافُونَ الرَّبَّ الْجَلِيلَ الذِي لا تُخْفَى عَلَيْهِ خَافِيةٌ، الْمُتَّقُونَ يَعْمَلُونَ بِكِتَابِ اللهِ فَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَهُ وَيُحِلُّونَ مَا أَحَلَّهُ.
стр. 569
وَلا يَخُونُونَ فِي أَمَانَةٍ، وَلا يَرْضُونَ بِالذُّلِّ وَالإِهَانَةِ، وَلا يَعْقُونَ وَلا يَقْطَعُونَ، وَلا يُؤْذُونَ جِيرَانَهُمْ، وَلا يَضْرِبُونَ إِخْوَانَهُمْ، يَصِلُونَ مَنْ قَطَعَهُمْ، وَيُعْطُونَ مَنْ حَرَّمَهُمْ، وَيَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، الْخَيْرُ عِنْدَهُمْ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْ جَانِبِهِمْ مَأْمُونٌ، لا يَغْتَابُونَ، وَلا يَكَذِبُونَ، وَلا يُنَافِقُونَ.
وَلا يَنمُّونَ، وَلا يَحْسِدُونَ، وَلا يُرَاءُونَ، وَلا يُرَابُونَ، وَلا يَقْذِفُونَ، وَلا يَأْمُرُونَ بِمُنْكَرِ وَلا يَنْهَوْنَ عَنْ مَعْرُوفْ، بَلْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَ عَنِ الْمُنْكَرْ، تِلْكَ صِفَاتُ الْمُتَّقِينَ حَقًّا الذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُون.
إِخْوَانِي لَوْ تَحَلَّى كُلِّ مِنَّا بِالتَّقْوَى لِحَسُنَ عَمَلُهُ، وَخَلُصَتْ نِيّتُه، وَاسْتَقَامَ عَلَى الْهُدَى، وَابْتَعَد عَنِ الْمَعَاصِي وَالرَّدَى، وَكَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ النَّاجِينَ.
شعرًا:
لَحَى اللهُ قَلبًا باتَ خِلْوًا مِنَ التُّقَى ... وَعَينًا عَلَى ذَنْبٍ مَضَى لَيْسَ تَذرِفُ
وَإِنّي أُحِبُّ كُلَّ مَنْ كَانَ ذَا تُقَى ... وَيَزْدَادُ في عَيْنِي جَلالاً وَيَشْرُفُ
شِعْرًا:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى الله إلا مَا أَرَادَا
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقْوَى الله أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا
آخر:
عَلَيكَ بِتَقْوَى اللهَ في كُل حَالَةٍ ... تَجِدْ نَفْعَهَا يَوْمَ الحِسَابِ الْمُطَوُّلِ
أَلا إِنَّ تَقْوَى الله خَيْرُ بِضَاعَةٍ ... وَأَفْضَلُ زَادِ الظاعِنِ الْمُتَحَمِّلِ
وَلا خَيْرَ في طُولِ الْحَيَاةِ وَعَيْشِهَا ... إِذِ أَنْتَ مِنْهَا بِالتُّقَى لَمْ تَزَوَّدِ
آخر:
لَعَمرُكَ مَا مَالُ الفَتَى بِذَخِيرَةٍ ... وَلَكِنَّ تَقْوَى الله خَيْرُ الذَّخَائِرِ
وَأَنْفَعُ مَنْ صَافَيْتَ مِنْ كان مُخْلِصًا ... لِمَنْ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ خَفَايَا الظَّمَائِرِ
آخر:
وَمَا رَفَع النَّفْسَ الْحَقِيرَةَ كالتُّقَى ... وَلا وَضَعَ النَّفْسَ الرَّفِيعَةِ كَالْكُفْرِ
стр. 570
(فَصْلٌ) : وَصْفُ المؤمنِ التَّقِي لِلإِمَامِ عَلَيَّ ﵁
الْمُتَّقُونَ هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمْ الصَّوَابُ وَمَلْبَسُهُمْ الاقْتِصَادُ وَمَشْيُهُمْ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَوَقَّفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ، نَزَلَتْ أَنْفُسهم مِنْهُمْ في البَلاءِ كَمَا نَزَلَتْ في الرَّخَاءِ وَلَوْلا الأَجَلُ الذي كَتَبَ اللهُ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقًا إِلى الثَّوَابِ وَخَوْفًا مِنَ الْعِقَابِ.
عَظُمَ الْخَالِقَ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ في أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنْعِمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُون قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَشُرُورَهُمْ مَأْمُونَةٌ وَأَجْسَادُهُمْ نَحِفَةٌ وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّامًا قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةٌ طَوِيلَةٌ وَتِجَارَةٌ مُرِيحَةٌ يَسّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ.
آخر:
لَعَمْرِي مَا مَالُ الفَتَى بِذَخِيرَةً ... وَلَكِنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ الذَّخَائِرِ
آخر:
وَمَا رَفَعَ النَّفْسَ الْحَقِيرَةَ كَالتَّقُىَ ... وَلا وَضَعَ النَّفْسَ النَّفِيسَة كَالْكُفْرِ
أَرَادَتْهُمْ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَأَسَرتْهُمْ فَفَدُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِين لأَجْزَاءِ القُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلاً يُحْزِنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَائِهِمْ.
فَإِذَا مَرُّوا بِآيةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعًا وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقًا وَظَنُّوا أَنَّهَا نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَإِذَا مَرُّوا بِآيةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ زَئِيرَ جَهَنَّم وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِم فَهُم حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهم مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِم وَأَكُفِّهِم وَرُكَبِهِم وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِم يَطْلُبُونَ إِلى اللهِ تَعَالى في فَكَاكِ رِقَابِهم وَأَمَّا النَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ.
قَدْ بَرَاهم الْخَوفٌ بَرْيَ القِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَمَا
стр. 571
بالقَوْمِ مِن مَرَضٍ وَيَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَلَقَدْ خَالَطَهُم أَمْرٌ عَظِيمٌ؟ لا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهم القَلِيلَ وَلا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ فَهُمْ لأَنْفُسِهِم مُتَّهَمُونَ وَمِن أَعْمَالِهِم مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِيَ أَحَدُهُم خَافَ مِمَّا يُقَالُ فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَرَبِي أَعْلَمُ بِي مِنْ نَفْسِي اللَّهُمَّ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ.
فَمِنْ عَلامَةِ أَحَدِهِم أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً في دِينٍ وَحَزْمًا في لِيْنٍ وَإِيمَانًا فِي يَقِينٍ وَحَرْصًا في عِلْمٍ، وَعِلْمًا في حِلْمٍ وَقَصْدًا في غِنَى وَخُشُوعًا في عِبَادَةٍ وَتَحَمُّلاً في فَاقَةٍ وَصَبْرًا في شِدَّةٍ وَطَلبًا في حَلالٍ وَنَشَاطًا في هُدَى وَتَحَرُّجًا عن طَمَعٍ.
شِعْرًا:
وَإِذا بَحَثتُ عَنِ التَقِيِّ وَجَدتُهُ ... رَجُلاً يُصَدِّقُ قَولَهُ بِفِعالِه
وَإِذا اِتَّقى اللَهَ اِمرُؤٌ وَأَطاعَهُ ... فَيَدَاهُ بَينَ مَكارِمٍ وَمَعالِي
وَعَلى التَقِيِّ إِذا تَرَسَّخَ في التُقى ... تاجانِ تاجُ سَكينَةٍ وَجَمَالِ
وَإِذَا تَنَاسَبَتِ الرِّجَالُ فَمَا أَرَى ... نَسَبًا يَكُونُ كََصَالِحِ الأَعْمَالِ
آخر: ... تَجَمَّل بالتَّقَى إِنْ رُمْتَ عِزًا ... فَتَقْوَى اللهِ أَشْرَفُ ما اقْتَنَيْتَا
وَأَكْثِرْ ذِكْرَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ... لِتَسْعَدَ في الْمَعَادٍ إِذَا أَتَيْتَا
آخر: ... تَزَوَّدْ وَمَا زَادَ اللَّبِيبِ سَوَى التَّقْوَى ... عَسَاكَ عَلَى الْهَوْلِ العَظِيم بِهَا تَقْوَى
فَمَنْ لَمْ يُعَمِّرْ بالتُّقَى جَدَثًا لَهُ ... فَمَنْزِلُهُ فِي خُلْدِهِ مَنْزِلٌ أَوْهَى
آخر: ... وَمَا لِبَسَ الإنْسَانُ أَبْهَى مِنْ التُّقَى ... وَإِنْ هُوَ غَالَى فِي حِسَانِ الْمَلابِسِ
آخر: ... يَقُولُونَ لي هَلْ للمكَارِمِ وَالعَلى ... قِوَامٌ فَفِيهِ لَوْ عَلِمْتَ دَوَامُهَا
فَقُلْتُ لَهُمْ وَالصَّدْقُ خُلْقٌ أَلِفْتُهُ ... عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ فَهِيَ قَوَامُهَا
(فَصْلٌ)
التَّقَيُّ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ وَهُوَ عَلَى وَجْلٍ يُمْسِي وَهْمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِرًا وَيُصْبِحُ فَرِحًا، حَذِرًا لِمَا حَذِرَ مِن الغَفْلَةِ
стр. 572
وَفَرِحًا بِمَا أَصَابَ مِنْ الفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، إِنْ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ، لَمْ يُعْطِهَا سُؤلَهَا فِيمَا تُحِبُّ.
قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لا يَزُولُ، وَزَهَادَتُه فِيمَا لا يَبْقَى، يَمْزِجُ الْحِلْم بالعِلْم، وَالقَولَ بالعَمَلَ، تَرَاهُ قَرِيبًا أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعًا قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُه، مَنْزُورًا أَكْلُهُ سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزًا دِينُهُ، مَيَّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُومًا غَيْظُهُ، الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَالشَّرُ مِنْهُ مَأْمُونٌ.
إِنْ كَانَ فِي الغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِي مِنْ حَرَمَهُ وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيدًا فُحْشَهُ، لِينًا قَوْلُهُ، غَائِبًا مُنْكَرُهُ، حَاضِرًا مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِرًا شَرُّهُ، في الزَّلازِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ.
لا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ، يَعْتَرِفُ بالْحَقِّ قََبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ، لا يُضَيّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلا يَنْسَى مَا ذُكِرَ، وَلا يُنَابِزْ بِالأَلْقَابِ، وَلا يُضَارَّ بِالْجَارِ، وَلا يَشْمُتُ بِالْمُصَابِ، وَلا يَدْخُلُ في البَاطِلِ، وَلا يَخْرُجُ مِنْ الْحَقِّ.
إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمُّه صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحَكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هَوْ الذي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآخِرَتِهِ وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ.
شِعْرًا:
لا خَيْرَ فِيمَنْ لا يُرَاقِبُ رَبَّهُ ... عِنْدَ الْهَوَى وَيُحَاذِرُ النِّسْيَانَا
إِنَّ الذِي يَبْغِي الْهَوَى وَيُريدُهُ ... كَمُواخِي شَيْطَانُهُ شَيْطَانَا
حَجَبَ التُّقَى بَابَ الْهَوَى فَأَخ التُّقَى ... عَفُّ الْخَلِيقَةِ زَائِدٌ إِيْمَانَا
آخر:
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ أَسْنَى الفَضَائِل ... تُعَدُ مِنْ القَومَ الكِرَام الأَمَاثِلِ
فَمَا الْمَرءُ إلا بالتُّقَى يَرْتَقِي إِلى ... سَنَامِ الْمَعَالِي فِي مَقَامِ الأَفَاضِلِ
стр. 573
آخر: ... الْعِلْمُ وَالتَّقْوَى وَطَاعَة رَبّنَا ... تَكْسُ الرِّجَال مَهَابَةً وَجَلالا
وَهيَ الطَّرِيقُ لِمَنْ أَرَادَ السَّلامَة ... وَهِيَ السَّلاحُ لِمَنْ أَرَادَ جِدَالا
بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ وَنَزَاهَةً، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُه بِكبْرٍ وَعَظَمَةٍ، وَلا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ.
قَالَ: فَصَعَقَ هَمَّامُ صَعْقَةً كَانْتَ نَفْسُهُ فِيهَا. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ﵇: أَمَّا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَصْنَهُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ لِكِلِّ أَجَلٍ وَقْتًا لا يَعْدُوهُ وَسَبَبًا لا يَتَجَاوَزُه. أ. هـ.
شِعْرًا:
عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ لا تَتْرُكُونَهَا ... فَإِنَّ التُّقَى أَقْوَى وَأَوْلَى وَأَعْدَلُ
لِبَاسُ التُّقَى خَيْرُ الْمَلابس كُلِّهَا ... وَأَبْهَى لِبَاسًا في الوُجُودِ وَأَجْمَلُ
فَمَا أَحْسَنَ التَّقْوَى وَأَهْدَى سَبِيلَها ... بِهَا يَنْفَعُ الإِنْسَانَ مَا كَانَ يَعْمَلُ
فَيَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ بادِر إلى التُّقَى ... وَسَارِعْ إلى الْخَيْرَاتِ مَا دُمْتَ مُمْهَلُ
وَأَكْثِرْ مِن التَّقْوَى لِتَحْمِدَ غِبَّهَا ... بِدَارِ الْجَزَاء دَارٍ بِهَا سَوْفَ تَنْزِلُ
وَقَدِّمْ لِمَا تَقْدَمْ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ... غَدًا سَوْفَ تُجْزَى بالذِي سَوْفَ تَفْعَلُ
وَأَحْسِنْ وَلا تُهْمِلْ إِذَا كُنْتُ قَادِرًا ... فَأَنْتَ عَنْ الدُّنْيَا قَرِيبًا سَتَرْحَلُ
وَأَدِّ فُرُوضَ الدِّينِ وَأتْقِنْ أَدَاءَهَا ... كَوَامِلَ في أَوْقَاتِهَا وَالتَّنفل
وَسَارِعْ إِلى الْخَيْرَاتِ لا تَهْمِلنَّهَا ... فَإِنَّكَ إِنْ أَهْمَلْتَ مَا أَنْتَ مُهْمَلُ
وَلَكِنْ سَتُجْزَى بالذي أَنْتَ عَامِلٌ ... وَعَنْ مَا مَضَى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سَتُسْأَلُ
وَلا تُلْهِكَ الدُّنْيَا فَرَبُّكَ ظَامِنٌ ... لِرِزْقِ البَرَايَا ظَامِنٌ مُتَكَفِلُ
وَدُنْيَاكَ فَاعْبُرْهَا وَأخْرَاكَ زِدْ لَهَا ... عَمَارًا وَإِيثَارًا إِذَا كُنْتَ تَعْقِلُ
فَمَنْ آثرَ الدُّنْيَا جَهُولٌ وَمَنْ يَبِعْ ... لأُخْرَاهُ بِالدُّنْيَا أَضَلُّ وَأَجْهَلُ
وَلَذَّاتُهَا وَالْجَاهُ وَالعِزُ وَالغِنَى ... بَأَضْدَادِهَا عَمَّا قَلِيلٍ تَبَدَّلُ
стр. 574
فمَنْ عَاشَ في الدُّنْيَا وَأَطَالَ عُمْرُهُ ... فَلا بُدَّ عَنْهَا رَاغِمًا سَوْفَ يُنْقَلُ
وَيَنْزِلُ دَارًا لا أَنِيسَ لَهُ بِهَا ... لِكُلِ الوَرَى مِنْهُمْ مَعَادٌ وَمَوْئِلُ
وَيَبْقَى رَهِينًا بالترابِ بِمَا جَنَى ... إلى بَعْثِهِ مِنْ أَرْضِهِ حِينَ يَنْسِلُ
يُهَالُ بَأَهْوَالٍ يَشِيبُ بِبِعْضِهَا ... وَلا هَوْلَ إلا بَعْدَهُ الْهَوْلَ أَهْوَلُ
وَفِي البَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَشْرُ صَحَائِفِ ... وَمِيزَانُ قِسْطٍ طَائِشٍ أَوْ مُثَقَّلُ
وَحَشْرٌ يَشِيبٌ الطفْلُ مِنْهُ لِهَوْلِهِ ... وَمِنْهُ الْجِبَالِ الرَّاسِيَاتُ تَزَلْزَلُ
وَنَارٌ تَلَظَّى في لَظَاهَا سَلاسِلٌ ... يُغَلُّ بِهَا الفُجَارُ ثُمَّ يُسَلْسَلُ
شَرَابُ ذَوِي الإِجْرَامِ فِيهَا حَمِيمُهَا ... وَزقُومُهَا مَطْعُومُهُمْ حَيْنَ يُؤَكَلُ
حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِثْلُهُ ... مِنْ الْمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ وَيَشْعَلُ
يَزِيدُ هَوْانًا مِنْ هَوَاهَا وَلا يَزَلْ ... إِلى قَعْرِهَا يَهْوِي دَوَامًا وَيَنْزِلُ
وَفِي نَارِهِ يَبْقَى دَوَامًا مُعَذَّبًا ... يَصِيحُ ثُبُورًا وَيْحَهُ يَتَوَلْوَلُ
عَلَيْهَا صِرَاطٌ مَدْحَضٌ وَمَزَلَّةٌ ... عَلَيْهِ البَرَايَا فِي القِيَامَةِ تُحْمَلُ
وَفِيهِ كَلالِيبٌ تَعَلَّقُ بالوَرَى ... فَهَذَا نَجَا مِنْهَا وَهَذَا مُخْرَدَلُ
فَلا مُذِيبٌ يَفْدِيهِ مَا يَفْتَدِي بِهِ ... وَإِنْ يَعْتَذِرْ يَوْمًا فَلا الْعُذْرُ يُقْبَلُ
فَهَذَا جَزَاءُ الْمُجْرِمِينَ عَلَى الرَّدَى ... وَهَذَا الذِي يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْصُلُ
أَعُوذُ بِرَبِّي مِن لَظَى وَعَذَابِهَا ... وَمِنْ حَالِ مَنْ يَهْوي بِهَا يَتَجَلْجَلُ
وَمَنِ حَالِ مَنْ فِي زَمْهَرِيرٍ مُعَذَّبٍ ... وَمِن كَانَ في الأَغْلالِ فِيهَا مُكَبَّلُ
وَجَنَّاتُ عَدْنٍ زُخْرِفَتْ ثُمَّ أُزْلِفَتْ ... لِقَوْمٍ عَلَى التَّقْوَى دَوَامًا تَبَتَّلُ
بِهَا كُلُّ مَا تَهْوَى النُّفُوسُ وَتَشْتَهِي ... وَقُرَّةُ عَيْنٍ لَيْسَ عَنْهَا تَرَحَّلُ
مَلابِسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَسُنْدُسٌ ... وَإِسْتَبْرَقٌ لا يَعْتَرِيهِ التَّحَلُّلُ
وَمَأْكُولُهم مِنْ كُلِّ مَا يَشْتَهُونَهُ ... وَمِنْ سَلْسَبِيلٍ شُرْبُهُم يَتَسَلْسَلُ
وَأَزْوَاجُهُم حُورٌ حِسَانٌ كَوَاعِبٌ ... عَلَى مِثْلِ شَكْلِ الشَّمْسِ بَلْ هُوَ أَشْكَلُ
يُطَافُ عَلَيْهِم بِالذِي يَشْتَهُونَهُ ... إِذَا أَكَلُوا نَوْعًا بآخَرَ بُدِّلُوا
стр. 575
فَوَاكِهُهَا تَدْنُوا إلى مَنْ يُريدُهَا ... وَسُكَّانِهَا مَهْمَا تَمَنُّوهُ يَحْصُلُ
وَأَنْهَارِهَا الأَلْبَانِ تَجْرِي وَأَعْسَلٌ ... تَنَاوُلُهَا عِنْدَ الإِرَادَةِ يَسْهُلُ
بِهَا كُلَّ أَنْوَاعِ الفَوَاكِهِ كُلَّهَا ... وَخَمْرٌ وَمَاءٌ سَلْسَبِيلٌ مُعَسَّلُ
يُقَالُ لَهُمْ طِبْتُمْ سَلِمْتُمْ مِن الأَذَى ... سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِالسَّلامَةِ فَادْخُلُوا
بَأَسْبَابِ تَقْوَى اللهِ والعَمَلِ الذِي ... يُحِبُّ إلى جَنَّاتِ عَدْنٍ تَوَصَّلُوا
إِذَا كَانَ هَذَا وَالذِي قَبْلَهُ الْجَزَاء ... فَحَقٌّ عَلَى العَيْنَيْنِ بِالدَّمْعِ تُهْمِلُ
وَحَقٌّ عَلَى مَنْ كَانَ بِاللهِ مُؤْمِنًا ... يُقَدِّمْ لَهُ خَيْرًا وَلا يَتَعَلَّلُ
وَأَنْ يَأْخُذَ الإِنْسَانُ زَادًا التُّقَى ... وَلا يَسْأَمِ التَّقْوَى وَلا يَتَمَلْمَلُ
وَإِنَّ أَمَامَ النَّاسِ حَشْرٌ وَمَوْقِفٌ ... وَيَوْمٌ طَوِيلٌ أَلْفُ عَامٍ وَأَطْوَلُ
يَا لَكَ من يَوْمٍ عَلَى كُلَّ مُبْطِلٍ ... فَضِيعٍ وَأَهْوَالُ القِيَامَةِ تُعْضِلُ
تَكُونُ به الأَطْوَادُ كَالعِهْنِ أَوْ تَكُنْ ... كَثِيبًا مَهِيلاً أَهْيلاً يَتَهَلْهَلُ
بِهِ مِلَّةُ الإِسْلامِ تُقْبَلُ وَحْدَهَا ... وَلا غَيْرَهَا مِنْ أَي فَيَبْطُلُ
بِهِ يَسْأَلُونَ النَّاسُ مَاذَا عَبَدْتُمُوا ... وَمَاذَا أَجَبْتُم مَن دَعَا وَهُوَ مُرْسَلُ
حِسَابُ الذي يَنْقَادُ عَرْضٌ مُخَفَّفٌ ... وَمَن لَيْسَ مُنْقَادًا حِسَابٌ مُثَقَّلُ
وَمِنْ قَبْلِ ذَاكَ الْمَوْتُ يَأْتِيكَ بَغْتَةً ... وَهَيْهَاتَ لا تَدْرِي مَتَى الْمَوْتُ يَنْزِلُ
كُؤُسُ الْمَنَايَا سَوْفَ يَشْرَبُهَا الوَرَى ... عَلَى الرَّغْمِ شُبَّانٌ وَشِيبٌ وَأَكْهُلُ
حَنَانَيْكَ بَادِرْهَا بِخَيْرٍ فَإِنَّمَا ... عَلَى الآلةِ الْحَدْبَا سَرِيعًا سَتُحْمَلُ
إِذَا كُنْتَ قَدْ أَيْقَنْتَ بِالْمَوْتِ وَالْفَنَا ... وَبِالْبَعْثِ عَمَّا بَعْدَهُ تَغْفُلُ
أَيَصْلُحُ إِيمَانُ الْمَعَادِ لِمُنْصِفٍ ... وَيَنْسَى مَقَامَ الْحَشْرِ مَنْ كَانَ يَعْقِلُ
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنْ التُّقَى ... ابن لِي ابن يَوْمَ الْجَزَا كَيْفَ تَفْعَلُ
أَتَرْضَى بأَنْ تَأْتِي القِيَامَةَ مُفْلِسًا ... عَلَى ظَهْرِكَ الأَوْزَارُ بِالْحَشْرِ تَجْمِلُ
إِلَهِي لَكَ الفَضْلُ الذي عَمَّمَ الوَرَى ... وَجُودٌ عَلَى كُلِ الْخَلِقْيَةِ مُسْبَلُ
وَغَيْرُكَ لَوْ يَمْلِكْ خَزَائِنَكَ التِي ... تَزِيدُ مَعَ الإِنْفَاقِ لا بُدَّ يَبْخَلُ
стр. 576
.. وَإِنِّي بِكَ اللَّهُمَّ رَبِّي لَوَاثِقٌ ... وَمَا لِي بِبَابٍ غَيْرِ بَابِكَ مَدْخَلُ
وَإِنِّي اللَّهُمَّ لَكَ بِالدِّينِ مُخْلِصًا ... وَهَمِّي وَحَاجَاتِي بِجُودِكَ أُنْزِلُ
أُعوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِن سُوءِ صُنْعِنَا ... وَأَسْأَلُكَ التَّثْبِيتَ أُخْرَى وَأَوَّلُ
إِلَهِي فَثَبِّتْنِي عَلَى دِينكَ الذِي ... رَضِيتَ بِهِ دِينًا وَإِيَّاهُ تَقْبَلُ
وَهَبْ لِي مِنْ الفِرْدَوْسِ قَصْرًا مُشَيَّدًا ... وَمُنَّ بِخَيْرَاتٍ بِهَا أَتَعَجَّلُ
وَللهِ حَمْدٌ دَائِمٌ بِدَاوَمِهِ ... مَدَى الدَّهْرِ لا يَفْنَى وَلا الْحَمْدُ يَكْمُلُ
يَزِيدُ على وَزْنِ الْخَلائِقِ كُلِّهَا ... وَأَرْجَحُ مِن وَزْنِ الْجَمِيعِ وَأَثْقَلُ
وَإِنِّي بِحَمْدِ اللهِ في الْحَمْدِ أَبْتَدِي ... وَأَنْهِي بِحَمْدِ اللهِ قَوْلِي وَأَبْتَدِي
صَلاةً وَتَسْلِيمًا وَأَزْكَى تَحِيَّةً ... تَعُمُّ جَمِيعَ الْمُرْسِلِينَ وَتَشْمَلُ
وَأَزْكَى صَلاة اللهِ ثُمَّ سَلامُهُ ... عَلَى الْمُصْطَفَى أَزْكَى البَرِيَّةِ تَنْزِلُ
آخر: ... مَطَالبُ النَّاسِ في دُنْيَاكَ أَجْنَاسُ ... فَاقْصُدْ فَلا مَطْلَبٌ يَبْقَى وَلا نَاسُ
وَارْضَى القَنَاعَةَ مَالاً وَالتُّقَى حَسَبًا ... فَمَا عَلَى ذِي تُقىً مِنْ دَهْرِه بَاسُ
وَإِنْ عَلَتْكَ رُؤُوْسٌ وَازْدَرَتْكَ فِفِي ... بِطْنِ الثَّرَى يَتَسَاوَى الرِّجْلُ وَالرَّاسُ
آخر: ... عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ واقْتَنَعْ بِرِزْقِهِ ... فَخَيْرُ عِبَادِ اللهِ مِنْ هُوَ قَانِعُ
وَلا تُلْهِكَ الدُّنْيَا وَلا طَمَعٌ لَهَا ... فَقَدْ يُهْلِكُ الْمُغْرُورَ فِيهَا الْمَطَامِعُ
وَصَبْرًا عَلَى نَوْبَاتِ مَا نَابَ وَاعْتَرِفُ ... فَمَا يَسْتَوِي حُرٌ صَبُورٌ وَجَازِعُ
أَعَاذلُ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنْ الفَتَى ... إِذَا حَشْرَجَتْ بِالنَّفْسِ مِنْهُ الأَضَالعَ
آخر:
للهِ قَوْمٌ أَطَاعُوا اللهِ خَالِقَهُمْ ... فَآمَنُوا وَاسْتَقَامُوا مِثْلَ مَا أَمُرُوا
وَالوَجْدُ وَالشَّوقُ وَالأَفْكَارُ قُوتُهُمُوا ... وَلازَمُوا الْجِدَّ وَالإِدْلاجَ في البُكَرِ
وَبَادِرُوا لِرِضَا مَوْلاهُمُوا وَسَعَوْا ... قَصْدَ السَّبِيل إِليهِ سَعْيَ مُؤْثمِرِ
وَشَمَّرُوا وَاسْتَعَدُّوا وِفْقَ مَا طُلِبُوا ... وَاسْتَغْرُقُوا وَقْتَهُمْ فِي الصَّوْمِ وَالسَّهَرِ
وَجَاهَدُوا وَانْتَهَوْا عَمَّا يُبَاعِدُهُمْ ... عَنْ بَابِهِ وَاسْتَلانُوا كُلَّ ذِي وَعَرِ
стр. 577
.. جَنَّاتُ عَدْنٍ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ بِهَا ... فِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ بَيْنَ الرَّوْضِ وَالزَّهَرِ
لَهُمْ مِنَ اللهِ مَالا شَيْءَ يَعْدِلُهُ ... سَمَاعُ تَسْلِيمِهِ وَالفَوْزُ بِالنَّظَرِ
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا تَوْفِيقًا يَقِينًا عَنْ مَعَاصِيكَ وَأَرْشِدْنَا إِلى السَّعْيِ فِيمَا يُرْضِيكَ، وَأَجِرْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ خِزْيكَ وَعَذَابِكَ وَهَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ وَأَحْبَابِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قال اللهُ ﵎ وَتَقَدَّس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ .
قال بعض أهل العلم: في هذه الآية فوائد منها: أنَّ أصْل أَمْرِ المتَّقِين السَّلامَةُ وَإِنْ عَرِضَ طَيْفٌ بَعْضِ الأَحْيَان.
ومنها: إذَا مَسَّهم والْمَسَّ مُلامَسَة مِن غيرِ تمكُنٍ كالكفار فإن الشيطان يَتَجَرَّد عليهم ويَخْتَلس مِن قُلُوب المتَّقِينِ المؤمنين حِينَ تَنَامُ العُقُولُ الْحَارِسَةِ لِلْقُلُوب.
فإذا اسْتَيْقَظُوا انْبَعَثَ مِن قلوبهم جُيُوشُ الاسْتِغْفَار والذلَةِ إلى اللهِ تعالى والافتقار فاْسَترجَعُوا مِن الشيطان ما اختلسَهُ وأخذوا منه ما افَترِسَه.
ومنها: أَنَّهُ أشارَ بالطيف إلى أَنَّهُ لا يُمْكِنُهُ أَنْ يأتي القلوبَ الدائمة الْمُسْتَيْقِظَةِ إنما يأتِي القُلُوبَ في حِينَ منامِها يَرْجُو غَفْلَتَهَا ومن لا نوم لَهُ فَلا طَيف يَردُ عليه.
ومنها: أنَّ الطَيْفِ الذي في مَنَامِكَ فإذا اسْتَيْقَظْتَ فلا وُجُودَ لَهُ.
ومنها: أَنَّهُ قال: تَذَكَّرُوا ولم يَقلْ ذَكَرُوا إِشَارَةً إِلى أَنَّ الغَفْلَةَ لا يَطْرُدُهَا الذكر مِن غَفْلَةِ القلب إِنَّمَا يَطْرُدُهَا التذكر والاعتبار لأَنَّ الذكر مَيْدَانُه اللسان والتذكر مَيْدَانُه القلب.
стр. 578
ومنها أنه قال: تذكروا فحذف مُتَعَلَّقِةِ ولم يَقُلْ تذكَّرُوا الجنةَ والنار والعقوبة لأن التذكر الماحي لِطَيف الْهَوى مِن قلوب المتقين على حساب مَرَاتِبِ المتقين.
وَمَرْتَبَة التَّقوى يَدْخُلُ فيها الرسُل والأنبياء والصِّديقُونَ والأولياء والصالحون والمسلمون فتقوى كل أحد على حسب مقامه.
لذلك يَذْكَرُ كُلُ واحِدٍ على حَسَب مَقَامِهِ فلو ذكر قِسْمًا مِن أَقْسَام التَّذَكْرِ لم يدخُلْ فيه إلا أَهْلُ ذَلِكَ القِسْم.
شِعْرًا:
أَعْلَى الْمَمَالِكِ مَا التَّقْوَى لَهُ أُسُسٌ ... وَطَاعَةُ الله في سِرٍ وَإِعْلانِ
وَالعَدْلُ بَيْنَ عِبَادِ اللهِ كُلِّهمُوا ... لا فَرْقَ بَيْنَ شَرِيفٍ مِنْهُمْ أَوْ أَنِي
ومنها: قولُه سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ كَأَنَّهُ لم يَذْكُر أَعْلَى ذَلِكَ مِنَّا مِنْه سُبْحَانَه عليهم كَأَنَّهُم لَمَّا اسْتَيْقَظُوا ذَهَبَتْ سَحَابَةُ الغَفْلَةِ فأَشْرَقَتْ شمسُ البَصِيرَةِ.
ومنها التَّوْسِيعُ عَلَى المتقين لأنه لو قال إنَّ الذِينَ اتَّقَوْا لا يَمَسُّهُم طَيْفٌ من الشيطان خَرَجَ كل أَحَدٍ إِلا أَهْل العِصْمَةِ فَأَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوَسِّعَ دَائَرَة رَحْمَتِهِ. انتهى.
ثم اعلم وفقنا اللهُ وَإِيَّاك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أَنَّ التقوى التي أَعَدَّ اللهُ الجنة لأهلها قيلَ: إِنَّهَا امْتثالُ الأوامر واجتنابُ النواهي.
وقيل: هِيَ اتقاءُ الشَّركِ فَمَا دُونَهُ مِنْ ذَنْبٍ مِنْ كُلَّ مَا نَهَى الله عنه واتقاءَ تَضْيِيعِ وَاجِبٍ مِمَّا افْتَرَضَ الله.
وهي وَصِيَّةُ لِلأوَّلين والآخِرِين، قَالَ الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللهَ﴾ .
стр. 579
وقال جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ .
وقد روى في الحديث إن المنادي يُنَادِي يوم القيامة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَتَرْفَعُ الْخَلائِقُ رؤوْسَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عِبَادُ الله .
ثم يُنَادِي الَّثانية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَيُنَكِسُ الكُفَّارُ رَؤُوْسَهُمِ، وَيَبْقَى الْمُوَحِدُون رَافِعِي رُؤوسَهُم.
وَيَبْقَى أَهْلُ التَّقْوَى رَافِعِي رُؤُوْسَهُمْ قَدْ أَزَالَ عَنْهُمْ الرِّبُ الكَرِيمُ الْخَوِفَ والْحَزَنَ كَمَا وَعَدَهُمْ وَهُوَ أَصْدَقُ القائِلِينَ وَأَوْفَى الْوَاعِدِين وَأَكْرَمُ الأَكْرَمِين لا يَخْذُلُ وَلِيَّهُ ولا يُسْلِمُهُ عِنْدَ الْهَلَكَة.
شِعْرًا:
لَوْ أَنَّنِي خُيّرتُ كُلَّ فَضِيلَةٍ ... ما اخْتَرْتُ إِلا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ
كَُلُّ الأُمُورِ تَزُول عَنْكَ وَتَنْقَضِي ... إلا التُّقَى وَفَضَائِلُ الإيمَانِ
آخر:
حَقُّ التُّقَى وَإِنْ لَمْ يُدْنِهِ نَسَبٌ ... فَرَضٌ عَلى كُلِّ مَنْ لِلدِّينَ يَنْتَسِبُ
(مَوْعِظَةٌ) : عِبَادَ اللهِ لَقَدْ ضَاعَتْ أَعْمَارِنَا فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، والْمُدَاهَنَةِ، وَالانْهِمَاكِ في الدُّنْيَا، إِلى أَنْ اسْتَلْحَقَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ مُضَافًا إِلى النَّهَارِ، وَكَأَنَّنَا لَمْ نُخْلَقْ إِلا لِهَذِهِ الأَعْمَالِ، أَفَلا نَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِنَا، وَنَحْفَظُ أَلْسِنَتِنَا عَنْ نَهْشِ أَعْرَاضِ الغَوَافِلِ، وَالطَّعْنِ فِي الأَحْسَابِ وَالأَنْسَابِ، وَنَصْرِفَ جُلَّ الأَوْقَاتِ، إِلى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، التِي هِيَ خَيْرٌ عِنْدَ رِبِّنَا ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدا، وَنَذْكُرَ مَوْلانَا الذِي فَضْلُهُ عَلَيْنَا مِدْرَارٌ، فَإِنَّ الذِّكْرَ عَاقِبَتُهُ الْجَنَّةُ دَارُ الكَرَامَةِ وَالْقَرَارِ، مَعَ رِضَى رَبِّنَا الذِي دُونُهُ كُلُّ ثَوَابٍ، تَاللهِ لَوْ عَرَفْتُم قِيمَةِ هَذِهِ النَّصِيحَةِ لَبَادَرْتُمْ إِلى الْعَمَلِ بِهَا كُلَّ البِدَارِ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ تَذْكُرُ الله أَفْضَلِ مِمَّنْ يُفَرِّقُ الذَّهَبَ وَالفِضَّةِ وَسَائِرَ الأَمْوَالِ
стр. 580
وَأَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُجَاهِدَ العَدُو فَيَضْرِبَ عُنُقَكَ، أَوْ تَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتَكُونَ مِنْ الشُّهَدَاءِ الأَبْرَارِ، كَيْفَ لا وَالذِّكْرُ خَيْرِ الأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا، وَأَرْفَعَهَا لِلدَّرَجَاتِ عِنْدَ مَوْلانَا الوَّهَّابُ حَسْبُ الذَّاكِرِ أَنْ تَحُفَّهُ الْمَلائِكَةُ، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَتَغْشَاهُ الرَّحماتُ، وَمَنْ في الوُجُودِ مِثْلُ الذَّاكِرُ، وَهُوَ وَقْتُ ذِكْرِهِ للهِ بَارِي الكَائِنَاتِ، وَمَنْ مِثْلُهُ في الدُّنْيَا وَهُوَ بالذِّكْرِ في حِصْنٍ يَحْفَظَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسَهِ الفَاتِنَاتِ، وَمَنْزِلَةُ الذَّاكر بَيْنَ الغَافِلِينَ كَمَنْزِلَةِ الْحَيّ بَيْنَ الْمَيِّتِينَ، ذِكْرُ الله يُنِيرُ القلبَ، وَيُوقِظَهُ وَيُحْييهِ وَيُزِيلُ رَانَهُ وَيَهْدِيهِ إِلى الْحَقِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ .
شِعْرًا:
مَا مَاتَ مَنْ يَتْلُوا الْقُرْآنَ دَوَامَهُ ... يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ مِنْ الأَحْكَامِ
آخر:
يَا لَيْتَ أَلْفُ لِسَانٍ أَسْتَعِينُ بِهَا ... عَلَى قِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَتَهْلِيلِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خَاتِمَةٌ، وَصِيَّةٌ، نَصِيحَةْ
اعْلَمْ وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُحِبَّهُ الله وَيَرْضَاهُ أَنَّ مِمَّا يَجِبُ الاعْتِنَاءُ بِهِ حِفْظًا وَعَمَلاً كلام الله جَلَّ وَعَلا وَكَلام رسول الله ﷺ .
وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ وَفَّقَهُ الله تعالى أَنْ يَحُثَّ أَوْلادَه عَلَى حِفْظ القُرآن وما تَيَسَّرَ مِن أَحَادِيث النَّبِيّ ﷺ الْمُتَّفَق على صحَّتِها عنه كَالبُخَارِي وَمُسْلِم.
وَمِنْ الفقه مُخْتصرَ المقنِع لِيَيسَّرَ لَهُ اسْتِخْرَاجُ المسائل وَيَجْعَلُ لأَوْلادِهِ مَا يَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
فَمَثلاً يَجْعَلُ لِمَنْ يَحْفَظُ القُرآنَ على صَدْرِهِ حِفْظًا صَحِيحًا عَشَرَةَ آلافِ أَوْ أَزْيَد أَوْ أَقَلْ حَسَبَ حَالِهِ في الغِنَى.
стр. 581
ومِن الأحَادِيث عُقُودَ اللُؤلؤ والمرجَان فيما اتفق عَلَيْهِ الإِمَامَان البُخَارِي ومسلم، يَجْعَلُ لِمَنْ يَحْفَظٌ ذَلِكَ سِتَّة آلاف.
فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ حِفْظِهَا فالعُمدة في الحديث يَجْعَلُ لِمَنْ حَفِظَها ثلاثة آلاف، أَوْ الأربعين النَّوَوِيَّةِ وَيَجْعَل لمن يَحْفَظْهَا أَلْفًا.
وَيَجْعَلُ لِمَنْ يَحْفَظُ مُخْتَصَرَ المقنع في الفقه أَلْفَيْن مِن الرَّيَالاتِ فالغَيْبُ سَبَبٌ لِحِفِظِ المسائل وَسَبَبٌ لِسُرعَةِ اسْتِخْرَاج ما أُرِيدَ مَن ذَلِكَ وَمَا أَشْكَلَ مَعْنَاه أَوْ يُدَخِّلُهُم في مَدَارِسِ تَحْفِيظِ القُرْآنِ فَمَدَارِسُ تَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ هَيِ مَدَارِسُ التَّعْلِيم العَالي الْمُمْتَازِ البَاقِي النَّافِعِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَوْ يُدْخلهم في حَلَقَاتِ تَحْفِيظِ القُرْآن الكرِيم الموجودة في الْمَسَاجِد.
شِعْرًا:
وَلَمْ أَرَى لِلْخَلائقِ مِنْ مُرْبٍّ ... كَعِلْمٍ الشَّرْعِ يُؤخَذُ عَنْ ثِقَاتِ
بِبَيْتِ اللهِ مَدْرَسَةِ الأَوَالِي ... لِمَنْ يَهْوَى الْعُلُومَ الرَّاقِيَاتِ
فَمَنْ وَفَّقَهُ الله لِذَلِكَ وَعَمِلَ أَوْلادُهُ بِذَلِكَ كَانَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأَجْرِ مِنْ الله وَسَببًا لِبِرِّهِم بِهِ وَدُعَائِهِم لَهُ إِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ مِنْهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ سَببًا مُبَارَكًا يَعْملُ بِهِ أَوْلادُهُ مَعَ أولادهم فَيزيدُ الأَجْرُ لَهُ وَلَهم. نَسَأْل اللهُ أَنْ يُوَفِّق الْجَمِيع لِحُسْنِ النَّيَة.
(فَائِدَةٌ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الأَوْلادَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الذَّكَاءَ وَعُلوِّا الْهِمَّةِ فيُعْطَى كُلِّ وَاحِدٍ مَنْزِلَتَه، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتَياراتِهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ الصِّبْيَانَ يَجْتِمَعُونَ لِلَّعِبِ فَيَقُولُ عَالِي الْهِمَّةِ: مَنْ يَكُونُ مَعِي؟ وَيَقُولُ: قَاصِر الْهِمَّةِ: مَنْ أَنَا مَعَهْ؟
شِعْرًا:
الْعِلْمُ أَعْلَى وَأَحْلَى مَالَهُ اسْتَمَعَتْ ... أُذْنٌ وَأَعْرَبَ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
الْعِلْمُ غَايَتُه القُصْوَى وَرُتْبَتُهُ ... الْعُلْيَاءُ فَاسْعَوا إِلَيْهِ يَا ذَوِيْ الْهِمَمِ
لَلْعِلْمُ أَشْرَفُ مَطْلُوبٍ وَطَالَبُهُ ... للهِ أَكْرَمُ مَن يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
стр. 582
الْعِلْمُ نُورٌ مُبِينٌ يَسْتَضِيءُ بِهِ ... أَهْلُ السَّعَادَةِ وَالْجُهَالُ في الظُلَمِ
الْعِلْمُ أَعْلَى حَيَاةٍ لِلْعِبَادِ كَمَا ... أَهْلُ الْجَهَالَةِ أَمْوَاتٌ بَجَهْلِهم
الْعِلْمُ وَاللهِ مَيراثُ النُّبُوةِ لا ... مِيراثَ يُشْبِهُهُ طَوْبَى لِمُتْسَمِ
لأَنَّهُ إِرْثُ حَقٍ دَائِمٍ أَبَدًا ... وَمَا سَوَاهُ إِلى الإِفْنَاءِ وَالْعَدَمِ
الْعِلْمُ مِيزَانُ شَرْعُ اللهِ حَيْثُ بِهِ ... قِوَامُهُ وَبِدُونِ الْعِلْمِ لَمْ يَقُمِ
وَسُلْطَةُ الْعِلْمِ تَنْقَادُ الْقُلُوبُ لَهَا ... إلى الْهُدَى وَإلى مَرْضَاةِ رَبِهِم
وَيَذْهَبُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ العِـ ... ـلْمُ الذِي فِيهِ مَنْجَاةٌ لِمُعْتَصِمِ
الْعِلْمُ يَا صَاحِ يَسْتَغْفِرْ لِصَاحِبِهِ ... أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِينَ مِن لمَمِ
كَذَاكَ تَسْتَغْفِرُ الْحِيتَانُ في لِجَجٍ ... مَنْ البِحَارِ لَهُ فِي الضَّوءِ وَالظُّلَمِ
وخارجَ في طِلابَ العِلْمِ مُحْتَسِبًا ... مُجَاهدٌ في سَبِيلِ اللهِ أَيَّ كَمِي
وأَنَّ أَجْنِحَةَ الأَمْلاكِ تَبْسُطُها ... لِطَالِبِيهِ رَضِىً مِنْهُمْ بِصُنْعِهِمْ
وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْعِلْمِ يُسْلِكُهُمْ ... إِلى الْجِنَانِ طَرِيقًا بَارِئَ النَّسَمِ
وَالسَّامِعُ الْعِلْمَ وَالوَاعِي لِيَحْفَظهُ ... مُؤْذِيا نَاشِرًا إِيَّاهُ في الأُمَمِ
فَيَا نَضَارَتَهُ إِذَا كَانَ مُتصفًا ... بِذَا بِدَعْوَةِ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهْمُ
كَفَاكَ فِي فَضْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ رُفِعُوا ... مِنْ أَجْلِهِ دَرَجَاتٍ فَوْقَ غَيْرِهِمُ
وَكَانَ فَضْلِ أَهْلِ أَبِينَا في القَدِيمِ عَلَى ... الأَمْلاكِ بالْعِلْمِ مِنْ تَعْلِيمِ رَبِهمُ
كَذَالِكَ يُوسُفُ لَمْ تَظْهَرْ فَضِيلَتُهُ ... لِلْعَالِمِينَ بِغَيْرِ الْعِلْمِ وَالْحِكم
وَقَدَّمَ الْمُصْطَفَى بِالْعِلْمِ حَامِلَهُ ... أَعْظَمْ بِذَلِكَ تَقْدِيمًا لِذِي قَدم
كَفَاهُمُوا أَنْ غَدَوْا لِلْوَجى أَوْعِيَةُ ... وَاضْحَتِ الآي مِنْهُ فِي صُدُورِهِم
وَأَنْ غَدَوْا وُكلاءٌ في القِيَامِ بِهِ ... قَوْلاً وَفِعْلاً وَتَعْلِيمًا لِغَيْرِهِم
وَخَصَّهُم رَبُّنَا قَصْرًا بِخَشْيَتِهِ ... وَعَقْلِ أَمْثَالِهِ فِي أَصْدَقِ الْكَلِمِ
وَمَعْ شَهَادَتِهِ جَاءَتْ شَهَادَتُهُمْ ... حَيْثُ اسْتَجَابُوا وَأَهْلُ الْجَهْلِ فِي صَمَمِ
وَالعَالِمُونَ عَلَى العُبَّادِ فَضْلِهِمُ ... كَالْبَدْرِ فَضْلاً عَلَى الدُّرِي فَاغْتَنِمِ
стр. 583
.. وَبَالْمِهُمِّ الْمُهِمِّ ابْدَأْ لِتَدْرِكَهُ ... وَقَدِّمِ النَّصَ عَلَى الآرَاءِ فَافْتَهِمِ
قَدِّمْ وُجُوبًا عُلُومَ الدِّينِ إِنْ رِهَا ... يَبْيِنُ نَهْجُ الْهُدَى مِنْ مُوجِبِ النَّقْمِ
وَكُلُّ كَسْرِ الفَتَى فَالدِّينُ جَابُرهُ ... وَالْكَسْرُ في الدِّينِ صَعْبٌ غَيْرُ مُلْتَئِمِ
مَا الْعِلْمِ إلا كِتَابُ اللهِ أَوْ أَثَرٌ ... يَجْلُوا بِنُورِ هُدَاهُ كُلَّ مُنْبِهِمِ
مَا ثَمَّ عِلْمٌ سِوَى الوَحْيِ الْمُبِينِ وَمَا ... مِنْهُ اسْتُمِدَّ إِلا طُوبَى لِمُغْتَنِمِ
وَالكَتْمُ لِلِعِلْمِ فَاحْذَرْ إِنَّ كَاتِمَهُ ... فِي لَعْنَةِ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهُمِ
وَمِنْ عُقُوبَتِهِ أَنْ في الْمَعَادِ لَهُ ... مِنْ الْجَحِيمِ لِجَامًا لَيْسَ كَاللُّجُمِ
وَكَاتِمُ العِلْمِ عَمَّنْ لَيْسَ يَحْمِلُهُ ... مَاذَا بِكِتْمَانْ بِلا صَوْنٌ فَلا تُلمِ
وَإِنَّمَا الْكَتْمُ مَنْعُ العِلْمِ طَالِبُهُ ... مِن مُسْتَحِقٍ لَهُ فَافْهَمْ ولا تَهِمِ
وَاتْبِعِ الْعِلْمِ بِالأَعْمَالِ وَادْعُ إِلى ... سَبِيلِ رَبَّكَ بِالتِّبْيَانِ وَالْحِكَمِ
وَأَصْبَره عَلَى لاحِقٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَأَذَى ... فِيهِ وَفِي الرُّسْلِ ذِكْرَى فَاقْتَدِهْ بِهِم
لِوَاحَدٌ بِكَ يَهْدِيهِ الإِلِهُ لِذا ... خَيْرٌ غَدًا لَكَ مِن حُمْرٍ مِن النَّعَمِ
وَاسْلُكْ سَواءَ الصَّراطِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا ... تَعْدلْ وَقُلْ رَبِّي الرَّحْمَنُ وَاسْتِقمِ
يَا طَالبَ الْعِلْمِ لا تَبْغِي بِهِ بَدَلاً ... فَقد ظِفْرت وربِّ اللوحِ والقلمِ
وَقَدِّسِ الْعِلْمَ وَاعْرِفْ قَدْرَ حُرْمَتِهِ ... في القَوالِ وَالفِعل والآدابِ فالتَزمِ
وَاجْهَدْ بِعَزْمٍ قَوي لا انِثنَاءَ لَهُ ... لَوْ يَعَلْمَ ُالمرءُ قَدْرَ الْعِلْمِ لَمْ يَنَمِ
وَالنُّصْحَ فابْذِلْهُ لِلطُّلابِ مُحْتَسِبًا ... فِي السِّرِ وَالْجَهْرِ وَالأَسْتَاذَ فَاحْتَرِمِ
ومَرْحَبًا قُلْ لِمَنْ يَأْتِيكَ يَطْلُبِهُ ... وَفِيهِمْ احْفَظْ وَصَايَا الْمُصْطَفَى بِهِم
وَالنِّيَةُ اجْعَلْ لِوَجْه اللهِ خَالِصَةٌ ... إِنْ البِنَاءُ بِدُونِ الأَصْلِ لَمْ يَقُمِ
وَمَنْ يَكُنْ لِيَقُولُ الناسُ يَطْلُبِهُ ... أَخْسِرْ بِصَفُقُتِهِ فِي مَوْقِفِ النَّدَمِ
وَمَنْ بِهِ يَبْتَغِي الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهُ ... يَوْمَ القِيَامَةِ مِن حَظ ولا قِسمِ
إِيَّاكَ وَاحْذَرْ مماراتِ السَّفِيهِ بِهِ ... كَذَا مُبَاهَاتٍ أَهْلِ العِلْمِ لا ترم
فَإِنْ أَبْغَضَ كُلِّ الْخُلْقِ أَجْمَعُهُمْ ... إِلى الإِلهِ أَلَدَّ النَّاسِ في الْخِصَمِ
стр. 584
.. وَالعُجْبَ فَاحْذَرْهُ إِنَّ العُجْبَ مُجْتَرِفٌ ... أَعْمَالَ صَاحِبِهِ فِي سُيْلِهِ العَرِمِ
آخر:
ضَيَّعْتَ عُمْرِكَ يَا مَغْرُورُ في غَفَلِ ... قُمْ لِلتَّلاقِي فَأَنْتَ اليَوْمَ فِي مَهَلِ
وَاسْتَفْرِغِ الدَّمْعَ مِمَّا فَاتَ مِنْ زَمَنٍ ... وانْدُبْ بِتَوْبَة عَلَى أَيَّامِكَ الأُولِ
بَادِرْ إِلى صَالِحِ الأَعْمَالِ مُجْتَهِدًا ... فَالنُّجْعُ فِي الْجِدِّ وَالحِرْمَانُ فِي الكَسَلِ
كُنْ لا محالةَ في الدُّنْيَا كَمُغْتَرِب ... عَلَى رَحِيلِ دَنَى أَوْ عَابِرِ السُّبُلِ
دَارُ الْخُلُودِ مَقَامًا دَارُ آخِرَةٍ ... إِنَّ الإقَامةَ في الدُّنْيَا إِلى أَجَلِ
وَكُلُّ مِن حَلَّ في الدُّنْيَا فَمُرْتَحِلٌ ... يَوْمًا لِمَنْزِلَةٍ في إثْرِ مُرْتَحِلِ
هَلا اعْتَبَرْتُ فَكَمْ حَلُّوا وكَمْ رَحَلُوا ... وَإِنَّما النَّاسُ في حِلٍّ وَمُرْتَحِلِ
إِذَا تَجَهَّمَ أَمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ ... لَمْ يُغْنِ عَنْكَ اقْتِنَاءُ الْمَللِ وَالْحُلَلِ
يَقُومُ عَنْكَ الأطِبَّاءِ وَالصِّدِيقُ إِذًا ... وَقَدْ طَوَوْا صُحُفَ التَّدْبِيرِ وَالْخُيَلِ
فَيُدْرِجُونَكَ في الأَكْفَانِ مُنْتَزِعًا ... عَنْكَ الثِّيَابُ مِنْ الأَبْرَادِ وَالْحُلَلِ
وَيُودِِعُونَكَ تَحْتَ الأَرْضِ مُنْفَرِدًا ... وَيَتْركُونَكَ مَحْجُوبًا مِنْ الْمُقَلِ
وَقَائِلٌ مِنْهُمْ قَدْ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ... وَقَائِلٌ مِنْهُمُ قَدْ كَانَ خَيْرُ وُلِي
فَبَعْدَ ذَلِكَ لا يَدْرُونَ مَا فَقَدُوا ... وَهَمُّهُمْ في اقْتِسَامِ الإِرْثِ بِالْجَدَلِ
وَبَعضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ مُخَاصَمَةٍ ... وَإِنَّهُمْ بَيْنَ مَنْصُورٍ وَمُنْخَذِلِ
وَيَأْخُذُونَ قَرِيبًا فِي مَعَايِشِهِمْ ... لا يَذْكُرونَكَ في خِلْوٍ وَمُحْتَفَلِ
يَا أَيُّهَا الغِرُّ لا تَغْرُرْكَ صُحْبَتُهُمْ ... خَيْرُ الْمَصَاحِبِ عِنْدي صَالِحُ العَمَلِ
فِيمَ التَّغَافُلُ وَالأَيَّامُ دَائِرَةٌ ... فِيمَ التَّكَاسُلْ وَالأَحْوَالُ في حِوَلِ
فِيمَ العَوِيلُ لَدَى دَارٍ خَلَتْ وَعَفَتْ ... فِيمَ البُكَاءُ عَلَى الآثَارِ وَالطُّلَل
وَفِيمَ التَّصَابِي وَأَيَّامُ الصِبَا غَبَرَتْ ... فِيمَ النَّسِيبُ وَلا إِبَانُ لِلْغَزَلِ
فَكَيْفَ تَلْعَبُ وَالْخَمْسُونَ قَدْ كَمُلَتْ ... وَكَيْفَ تَلْهُو وَنَارُ الشَّيْبِ في شُعَلِ
دَعْ ذِكْرَ لَيْلَى وَلُبْنَة وَازْدِيَادِهِمَا ... ثُم ارتَحِالهما من هَذِهِ الْحُلَلِ
стр. 585
.. تِلْكَ الْعَوَانِي وَإِنْ أَخْلَصْنَ خُلَّتَها ... وَاللهِ لَسْنَ بَرِيئَاتٍ مِنْ الدَّخَلِ
طحُبُّ الأَحِبَّةِ حُرْمَانٌ وَمَنْدَمَةٌ ... فَالْغُولُ عَاقَبَةٌٌ لِلشَّارِبِ الثَّمِلِ
يَا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِمًا أَبَدًا ... عَلَى نَبِيِّكَ طه سَيّدِ الرُّسُلِ
(فَصْلٌ)
قال أحد العلماء: لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه وإتقانه وتحسينه، فإن العبد قد يُصَلي وهو يَعْصِي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يَعْصِي الله في صيامه.
وقيل لآخر: كيفَ أَصْبَحْتَ؟ فبكى، وقال: أصبحتُ في غَفْلَةٍ عَظِيمَةِ عن الموت مَعَ ذُنُوب كثيرة قد أحاطت بي، وأجلٌ يسرع كل يوم في عمري، ومَوْئِلِ لستُ أدري علامَا أهجم، ثم بكى.
وقال آخر: لا تَغْتَم إلا مِن شيء يَضُرك غدًا (أي في الآخرة) ولا تفرح بشيءٍ لا يَسُركَ غدًا، وأنفعُ الخوف ما حَجَزَكَ عن المعاصي، وأطال الْحُزْنَ مِنْكَ على ما فاتك من الطاعة، وَأَلْزَمَكَ الفِكْرَ في بَقِيةِ عُمرك.
وقال الآخر: عليك بصحبة من تُذَكِّرُك الله رُؤيَتُه، وتقع هَيْبَتُه على باطنك، ويزيُدُ في عَملك مَنْطِقُه، ويُزْهِدُكَ في الدُّنْيَا عَمله، ولا تعصي الله ما دُمْتَ في قُربه، يَعِظكَ بِلِسَانِ فِعْلِهِ ولا يَعِظُكَ بِلِسَانِ قَوْلِهِ.
قال إِسرافيل: حضرتُ ذي النون المصري وهو في الحبس وقد دَخل الشُرطي بطعام له، فقام ذُو النون فنفض يده (أي قبضها عن الطعام) .
فقيل له: إن أخاك جَاءَ به فقال: إنه على يَدَيْ ظالم، قال: وسمعتُ رجلاً سأله ما الذي أتعبَ العبادَ وأضْعَفَهُم؟
فقال: ذكر المقام، وقلةُ الزاد، وخوفُ الحساب، ولم لا تذوبُ أبدانُ العمال وتذهلُ عُقولُهم، والعرضُ على الله جل وعلا أمامَهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم.
والملائكة وقوفٌ بين يدي الجبار يَنْتَظِرونَ أَمْرَهُ في الأخبار والأشرار، ثم مَثَّلوا هذا في نفوسهم وَجَعَلُوه نُصْبَ أَعْيُنِهِم.
стр. 586
وقال: سَقَمُ الجسد في الأوجاع وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب.
وقال: مَن لم يعرف قدر النعم، سُلِبَهَا مِن حَيثُُ لا يعلم.
ما خلع الله على عبد خلعة أحسنَ ولا أشرفَ مِن العقل ولا قلده قلادة أجمل من العلم ولا زينه بزينة أفضل من الحلم وكمال ذلك التقوى.
وقال آخر: أدركتُ أقوامًا يَسْتَحْيُونَ مِن الله في سَوادِ الليل مِن طُول الْهَجْعَةِ، إِنَّمَا هو على الجنب فإذا تَحَرَّك قال لنفسه: لَيْسَ لك قومي خُذِي حَظَّكِ مِن الآخِرَةِ.
وقال أبو هاشم الزاهد: إن الله وَسَمَ الدنيا بالوحشة، ليكن أنْسُ المريدين به دونها، وليُقْبل المطيعُونَ له بالإعراض عنها، وأهْلُ المعرفة بالله فيها مُسْتَوْحِشُون، إلى الآخرة مُشْتَاقُون.
ونظر أبو هاشم إلى شريك القَاضي يَخْرجُ مِن دَارِ يحيى بن خالد فبكى وقال: أعوذ بالله من عِلْمٍ لا ينفع.
وقال أسود بن سالم: ركعتان أصليهما أحب إلي من الجنة بما فيها. فقيل له: هذا خطأ، فقال: دَعُونَا من كلامكم، رَأَيْتُ الْجَنَّةَ رضا نَفْسِي، وركعتين أصليهما رضا رَبي، ورضاء ربي أَحَبُّ إِليَّ مِن رضا نفْسِي، تأمل يا أخي دقَّةَ هذا الفهم لله دره.
وقال وهيب: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهُما حَرون، فإذا قادَ القائدُ ولن يَسُقِ السَّائِقُ لم يُغن ذلك شيئًا.
وإذا سَاقَ السائقُ ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئًا، وإذا قادَ القَائِدُ وساقَ السائقُ اتَّبَعَتْهُ النفسُ طوعًا وكرهًا وطابَ العملَ.
قال بعضهم يوبخ نفسه ويعظها: يا نَفْسُ بادري بالأوقاتِ قبل انصرامها، واجتهدِ في حراسة لَيَالي الحياة وأيامها، فكأنكِ بالقبور قد تشَقَّقَتْ وبالأمور وقد تَحَقَّقَت، وبوجوه المتقين وقد أشرقت، وبرؤوس العصاة وقد أطرقت، قال تعالى وتقدس: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ، يا نفس أما الوَرعُونَ فقد
стр. 587
جَدُّوا، وأما الخائفون فقد استعدوا، وأما الصالحون فقد فرحوا وراحوا وأما الواعظون فقد نصحوا وصاحوا.
العلم لا يحصل إلا بالنصب والمال لا يجمع إلا بالتعب، أيها العبد الحريص على تخليص نفسه إن عزمت فبادر وإن هممت فثابر واعلم أنه لا يدرك العز والمفاخر من كان في الصف الآخر.
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينِ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ. وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
قال ابن مسعودٍ ﵁ الصراطُ المستقيمُ، تَرَكَنَا مُحمدٌ في أَدْنَاهُ وَطَرَفُه في الْجَنَّةِ، وعن يمينه جَوَادٌ وثَمّ رجالٌ يدعونَ مَنَ مَرَّ بِهم، فمَن أخذَ في تلك الْجَوادِ انتهتْ به إلى النار، ومَن أخذ على الصِّراطِ انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ خرجه ابن جرير وغيره.
فالطريقُ الموصلُ إلى الله واحدٌ، وهو صراطهُ المستقيمُ، وبقيةُ السُّبُلِ كُلَّها سُبُل الشيطانِ، مَن سَلَكَها قَطَعَتْ بِهِ عن الله، وأوصَلَتْهُ دَارَ سَخَطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِه، فربما سَلكَ الإنسانُ في أولِ أمرِهِ على الصراطِ المستقيم ثم يَنْحَرِفُ عَنه آخِرَ عُمُرِه فيسلكُ سُبُلَ الشيطانِ فيقطعُ عن الله فَيَهلكُ.
«إن أحدَكُم ليعملُ بعملِ أهل الجنةِ حتى ما يكونُ بينه وبينهَا إلا ذراعٌ أَوْ باعٌ فيعمُل بعملِ أَهل النار فَيَدخلُ النَّارَ» . وربما سلكَ بالرجل أولاً بعض سُبُلِ الشيطَان ثم تُدركُه السعادةُ فيسلكُ الصراطَ المستقيمَ في آخر عُمُرِهِ فيصلُ به إلى الله.
стр. 588
والشأنُ كُلَّ الشأنِ في الاستقامةِ على الصراطِ المستقيمِ مِن أول السير إلى الله ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ ، ﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ . ما أكثرَ مَن يَرْجِعُ أثناءَ الطريق وَيَنْقَطِعُ، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ .
شِعْرًا:
خَلِيلِيَّ قُطَّاعٌ الطَّرِيقِ إِلى الْحِمَا ... كَثِيرٌ وَأَمَّا الوَاصِلُونَ قَلِيلُ
وفي الحديث الصحيح الإلهي (القدسي) يقول الله : (مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة) .
وفي المسند زيادة: (والله أعلا وأجل، والله أعلا وأجل) . وفيه أيضًا يقول الله: (ابنَ آدمَ قُمْ إِليَّ وَامْش إِليَّ أَهُرْوِلْ إِلَيْكَ) .
(فَصْلٌ)
وقال ﵀: الوصولُ إلى الله نَوعان: أحَدُهما: في الدنيا، والثاني: في الآخِرَةِ. فأما الوصولُ الدنيويُ فالمَرادُ به: أن القلوبَ تصلِ إلى مَعْرفَتِهِ، فإذا عَرَفَتْهُ أحبته، وأنِسَتْ به فوجَدْتُه منها قريبًا وَلِدُعَائِها مُجيبًا، كَما في بعض الآثار: (ابنَ آدمَ اطلبني تجدني فإن وجَدتني وجدتُ كُلَّ شيءٍ، وإن فِتُكَ فَاتكَ كُلّ شيءٍ) .
الصراطُ المستقيمُ في الدنيا يشتملُ على ثلاثِ درجاتٍ: درجةِ الإسلامِ، ودرجةِ الإيمان، ودرجةِ الإحسان. فمن سَلَكَ دَرَجَةَ الإِسلامِ إلى أن يَمُوتَ عليها مَنَّعتْهُ مِن الخلودِ في النارِ، ولم يَكُنْ له بُدُّ مِن دُخُولِ الجنة، وإن أصابَهُ قبلَ ذلكَ مَا أَصَابَهُ.
стр. 589
ومَن سَلَكَ على دَرَجَةِ الإيمانِ إلى أن يموتَ عليها مَنَعْتهُ مِن دخولِ النارِ بالكليةِ فإن الإيمانِ يُطْفِئُ لَهَبَ نارِ جهنم حتى تقولَ: يا مُؤْمَنُ جُزْ فَقَدْ أطفأ نُورُكَ لَهَبِي.
وفي المسند عن جابر ﵁ مرفوعًا: «لا يَبْقى بَرٌ ولا فاجِرٌ إلا دَخَلها فتكونُ على المؤمنِ بَرْدًا وَسَلامًا كَمَا كانَتْ على إبراهيم، حَتَّى إن لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِن بَرْدِهِم، هذَا مِيرَاثٌ وَرِثَه المحبون مِن حَالِ أبِيهم إبراهيم ﵇» .
ومَن سلك على درجة إحسان إلى أن يموت عليها وَصِلَ بعدَ الموتِ إلى الله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . وفي الحديث الصحيح: ((إذَا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادَى: يا أهل الجنةِ إن لكم عند الله مَوعدًا يُريدُ أن يُنْجِزَكُمُوهُ.
فيقولون ما هو: ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟) . فوالله ما أعطاهُم الله شيئًا أَحَبَّ إليهم ولا أقرّ لأعينهم من النظر إليه)) ، وهو الزيادةُ ثم تلا: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ .
كُلُّ أهلِ الجنةِ يَشْتَرِكُونَ في الرُّوَايةِ ولكن يَتَفَاوتُون في القُربِ في حال الرؤيةِ. عُمُومُ أهلِ الجنةِ يَرَوْنَ رَبَّهم يومَ المزيدِ وهو يوم الجمعة، وخواصُهم يَنْظُرونَ إلى وجه الله في كُلَّ يَوْمٍ مَرتَين بكرةً وعَشِيًا. العارفونَ لا يُسَلِّيهِم عن مَحْبُوبِهم قَصْرٌ ولا يُرْويهمِ دونَه نَهْرٌ.
شِعْرًا:
وَيَرونَهُ سُبحانَهُ مِن فَوقِهم ... نَظَر العِيانِ كَمَا يُرَى القَمَرانِ
هذا تَواتَر عن رسولِ اللهِ لم ... يُنْكِرهُ إلا فَاسِدُ الإيمانِ
وأتى به القُرآنُ تَصْرِيحًا وَتَعْـ ... ـريضًا هُمَا بِسِياقِهِ نَوْعانِ
وَهِيَ الزيادةُ قَدْ أَتَتْ في يُونُسٍ ... تَفْسِيرَ مَنْ قَدْ جاءَ بالقرآن
وهو المزِيدُ كذاكَ فَسِّرِهُ أبو ... بَكرٍ هو الصديقُ ذُو الإيمان
стр. 590
وعليه أصحابُ الرسول تَتَابَعُوا ... هم بعدهم تَبِعِيّةَ الإحسان
وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
وفي المسند عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «أن أَدنَى أَهلِ الجنةِ مَنزلةً لَيَنْظُرُ في مُلْكه أَلفَي سنة يَرى أقصاه كما يرى أدناه، يَنْظرُ إلى أَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ، وَإِنْ أفضَلهُم مَنزلةً لمن يَنْظُرْ إلى وجْهِ الله ﵎ كُلَّ يَومٍ مَرَّتين» . وخرجه الترمذي ولفظه: «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ ونَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ» .
وأكرمُهم على الله من ينظرُ إلى وَجْههِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا ثم قرأ رسولُ الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . ولهذا المعنى قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح حديث جرير بن عَبْدِ اللهِ البَجَلي: «إنكم سَتَرونَ رَبَّكُم يومَ القيامة كما ترونَ القمرَ ليلةَ البدرِ لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِه» ، قال: «فإن اسْتَطَعْتُم أَن لا تُغْلِبُوا على صلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ وَصَلاةٍ قَبْل غُروبِها فَافْعَلُوا» ، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ .
ولما كان هذانِ الوَقْتَانِ في الجنة وقتان للرؤية في خواصِ أهلِ الجنةِ، خَصَّ الرسول ﷺ على المحافظة على الصلاة في هذين الوقتين في الدنيا فَمَنْ حَافَظَ على هاتين الصلاتين في الدنيا في هذين الوقت وصلاهُما على أكمل وُجُوهِمَا وخُشُوعِهِمَا وَحُضُورِهما وأدَبِهِما فإنه يُرْجَى له أن يكونَ مِمَّن يَرَى الله في هذين الوقتين في الجنة، لاسيما إن حافظ بعدَهُما على الذكر وأنواعِ العِبادات حتى تطلعَ الشمسُ أو تغربَ.
فإنَ وَصَلَ العبدُ ذَلِكَ بدُلجةِ آخر الليلِ فَقَدْ اجتمعَ له السيرُ في الأوقات الثلاثة وهي: الدُلْجَةُ، والغَدوةُ، والرَّوْحَةُ، فيوشكُ أن يَعْقِبَه الصِدقُ في هذا
стр. 591
السيرِ الوصول الأعظم إلى ما يطلبه في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
مَن لَزِمَ الصِّدق في طلبهِ أداهُ الصِّدْقُ إلى مَقْعَدِ الصِّدْق ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ .
المحبُ لا يَقْطَعُ السؤالَ عَمَّنْ يُحِبُّ وَيَتَحَسَّس الأخبارَ وينْسِمُ الرِّيَاحَ وَيَسْتَدِلُ بآثار السلوكِ على الطريق إلى محبوبه.
لقد كَبُرتْ هِمَّةٌ الله مَطلوبُهَا وشرفَتْ نفسٌ الله مَحْبُوبُها ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ .
شِعْرًا:
ما للمحبِ سوى إرادة حِبه ... إنّ المحبَّ بكُلِ بَرٍ يُصْرَعُ
قيمةُ كلِ امرئٍ ما يَطْلُبُ فَمَن كَانَ يَطْلُبُ الله فلا قِيمَةَ له من طَلَبَ الله فَهُو أَجَلّ مَنْ أن يُقَوَّمَ، ومن طَلَب غَيْرَهُ فهو أخَسُّ مِن أن يكونَ لهُ قِيمَة.
قال الشبلي: مَن ركن إلى الدُّنْيَا أحْرَقَتْهُ بِنَارِهَا فصارَ رمادًا تَذْرُوهُ الرياحُ، ومَن ركن إلى الآخرِة أحرقته بنورِها فصار سبيكةَ ذهبٍ ينتفعُ به، ومَن ركن إلى الله أحرقه نُورُ التوحيد فصارَ جَوْهَرًا لا قيمة لَهُ.
واللهُ أَعْلَم. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ)
في قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ هذه الآية كانت تَشْتَدُ على الخائفين من العارفين فإنها تَقْتَضِي أن من العباد مَن يَبْدُو له عندَ لِقَاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلاً عما بين يديه مُعْرِضًا غير مُلتفتٍ إليه ولا يَحْتِسِبُ له ولهذا قال عمر ﵁: لو أن لِي مُلْكَ الأرض لافتديتُ به مِن هَوْلِ المطلعِ.
стр. 592
وفي الحديث: «لا تمنوا الموتَ فإن هولَ المطلعِ شديد، وإن مِن سعادةِ المرءِ أن يطَولَ عُمره ويَرزقه الله الإنابة» .
وقال بعضُ حكماء السلف: كم مَوقِفِ خِزيٍ يومَ القيامةِ لم يَخْطُر على بالك قط. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ .
واشتملَ على ما هو أعم مِن ذلك وهو أن يكون له أعمالٌ يرجو بها الخيرَ فتصيرُ هباءً منثورًا وتبدلُ سيئات وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
وقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ .
وقال الفضيلُ في هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقَرِيبٌ من هذا أن يعملَ الإنسانُ ذنبًا يَحْتَقِرُهُ وَيَسْتَهوِنُ به فيكون هو سَبَبَ هلاكِهِ. كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ .
وقال بعضُ الصحابةِ: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدقُ مِن الشعر، كنا نعهدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، وأصعبُ مِن هذا من زُيّنَ له سوءُ عمله فرآه حسنًا. قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
قال ابن عيينة: لَمَّا حَضَرَتْ مُحمدَ بنَ المنكدر الوفاةُ جَزِعَ فَدَعُوا له أبا حازم فجاءَ فقال له: ابن المنكدر: إن الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ فأخاف أن يبدوَ لي من الله ما أكن أحتسب. فجعلا يبكيان جميعًا. خرجه ابن أبي حاتم، وزاد ابن أبي الدنيا. فقال له أهله: دعوناك لتخفف عليه فزدته فأخبرهم بما قال.
стр. 593
وقال الفضيلُ بنُ عياض: أُخبِرتُ عن سليمان التيمي أنه قِيلَ له: أنتَ أنت ومن مثلك؟ فقال: مه لا تقولوا هذا لا أدري ما يَبْدُو لي من الله. سمعتُ الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويلٌ لأَهْلِ الرياء من هذه الآية، وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أولُ من تَسُعّرُ بهم النار، العالم، والمتصدق، والمجاهد. وكذلك من عَمِل أعمالاً صالحةً وكانت عليه مظالمِ فهو يظن أن أعماله تنجيه فيبدو له ما لم يكن يحتسب، فيقتسمُ الغرماءُ أعماله كلّها ثم يفضلُ لهم فضلٌ فيطرحُ من سيئَاتهم عليه ثم يطرح في النار.
وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكرُ النعم فتقوم أصغر النعم فتستوعب أعماله كلها وتبقى بقيةٌ فيطالب بشكرها فيعذب. ولهذا قال ﵊: «مَن نوقش الحساب عذب أو هلك» . وقد يكون له سيئات تحبط بعضَ أعماله أو أعمال جوارحه سوى التوحيد فيدخل النار.
وفي سنن ابن ماجة من رواية ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَجِيءُ بَأَعْمَالٍ أَمْثَال الجِبَالْ فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا» . وَفِيهِ: «وَهُمِ قَومٌ مِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ وَلَكِّنَهُمْ قَومٌ إِذَا خَلُوا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهكُوهَا» .
وَخَرَّجَ يَعْقُوبُ بنُ أبي شُعْبَةِ، وابنُ أبي الدُّنْيَا في حَدِيثِ سَالِمٍ مَوْلى أبي حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «ليَجاءُ يَوْمَ القِيَامَةِ بَأَقْوَامٍ مَعَهُمْ مِن الْحَسَنَاتِ مِثْلُ جِبَالِ تِهَامَةَ حَتَّى إِذَا جِيءَ بِهِمْ جَعَلَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ هَبَاءً ثُمَّ أَكَبَّهُمْ في النَّارِ» .
قال سَالِمٌ: خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مِنْهُمْ. فَقَالَ: «أَمَّا إِنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَأْخُذُونَ هُنَيْهةً من اللَّيْلِ، ولَعَلَّهُم كَانُوا إِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ سِرًّا حَرَامًا أَخَذُوهُ فَأَدْحَضَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ» . وَقَدْ يُحْبِطُ العَمَلُ بآفِةٍ مِنْ رِيَاءٍ خَفِيٍّ أَوْ عُجْبٍ بِهِ ونحوِ ذَلِكَ ولا يَشْعُرُ بهِ صَاحِبُه.
стр. 594
قال ضَيْغَمُ العابِدُ: إن لم تأتِ الآخرةُ بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: هَمُّ الدُّنْيَا، وشَقَاءُ الآخِرَة. فقيل له: كيفَ لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعبُ في دار الدنيا ويدَأب؟ قال: كيف بالقَبُول، كيف بالسلامة.
ثم قال: كم مِن رجل يَرى أنه قد أصلحَ عَمَلَهُ يُجمَعُ ذلك كلّه يومَ القيامة ثم يضربُ به وَجْهَهُ ومِن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون مِن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وقال ابنُ عَون: لا تثق بكثرةِ العملِ، فإنك لا تَدْرِي يُقْبَلُ منكَ أم لا؟ ولا تأمن ذُنوبَك فإنك لا تَدري هَلْ كفّرتْ عنكَ أم لا؟ لأن عَمَلَكَ عنكَ مُغَيَّب كُلُه لا تَدْرِي ما الذي صَانِع به. وبكَى النَّخعي عندَ الموتِ وقال: أنتظرُ رَسُولَ رَبي ما أدري أيُبَشِّرُني بالجنة أو النار.
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى قَوْلِكَ الثَّابِتْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينِ وَأَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينِ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ. وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ)
وعن أنس ﵁ قال: دعا رجل فقال: اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.
فقال النبي ﷺ : «أتدرون بما دعا» ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «والذي نفسي بيده لقد دعا باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» . أخرجه أصحاب السُّنَن.
عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : «دعوة ذي النون إذْ
стр. 595
دَعَى وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سُبْحَانكَ إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له» . رواه الترمذي، والنسائي، والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعن معاوية بن أبي سُفيان قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَن دَعَا بهؤلاء الكلمات الخمس لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» . رواه الطبراني بإسناد حسن.
وعن معاذ بن جبل قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال: «قد اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ» . رواه الترمذي.
اللَّهُمَّ اجعلنا مُكْثِرينَ لِذِكرِك مُؤدِّينَ لِحَقِّك حافظين لأمرك راجين لِوَعْدِكَ راضين في جميع حالاتنا عَنك، راغبين في كُلِّ أمُورنا إليك مُؤمِّلِينَ لِفَضْلِك شاكرين لِنِعَمِك، يا مَن يحب العفو والإحسان، ويأمر بهما اعفُ عنا، وأحْسنْ إلينا، فإنكَ بالذي أنت له أهلٌ من عَفوك أحق منا بالذي نحن له أهل مِن عُقُوبتك.
اللَّهُمَّ ثَبّتْ رَجَاءَكَ في قلوبنا، واقطعه عَمَّنْ سِوَاك، حتى لا نَرْجُو غيرَكَ ولا نستعين إلا إياك، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ هب لنا اليقين والعافية، وإخلاص التوكل عليك، والاستغناء عن خلقك، واجعل خير أعمالنا ما قارب آجالنا.
اللَّهُمَّ اغننا بما وفقتنا له من العلم، وزينا بالحلم وأكرمنا بالتقوى وجَمِّلْنَا بالعافية.
اللَّهُمَّ افتح مَسَامِعَ قلوبنا لِذِكرك وارزُقْنا طاعتك وطاعةَ رسولك ووفقنا للعمل بكتابك وسنة رسولك.
اللَّهُمَّ إنا نسألك الهدى، والتُّقَى والعَافِيَةَ وَالغِنَى، ونعوذ بكَ مِن دَرَكِ
стр. 596
الشقَاءِ ومن جهْدِ البَلاء ومن سُوءِ القَضَاء ومن شَمَاتَةِ الأعداء.
اللَّهُمَّ لك الْحَمْدُ كُلَّه، ولك الملك كُلَّه، وبِيدِكَ الخير كلّه، وإليك يَرْجِعُ الأمر كله عَلانِيتُه وسرِهُ، أهلُ الحمدِ والثناءِ أَنْتَ، لا إله إلا أنت سُبحانك إنك على كل شيء قدير.
اللَّهُمَّ اغفر لنا جميع ما سَلَف منا مِن الذنوب، واعْصِمْنَا فيما بَقى مِن أعمارنا، ووفقنا لِعَمَل صَالِحٍ تَرضَى به عنا.
اللَّهُمَّ يا سامعِ كل صوت ويا بارئ النفوس بعد الموت، يا مَن لا تشتَبهُ عليه الأصوات، يا عظيم الشأن، يا واضحِ البرهان، يا مَن هو كل يوم في شأن اغفر لنا ذنوبنا إنكَ أنت الغفور الرحيم.
اللَّهُمَّ يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام هب لنا العافية في الدنيا والآخرة.
اللَّهُمَّ يا حيُّ ويا قيُّوم فَرِّغْنَا لِمَا خَلَقْتَنَا له، ولا تُشْغِلْنَا بِمَا تَكَفَّلْتَ لنا به، واجعلنا مِمَّنْ يُؤمِنُ بِلِقَائِك، ويَرْضَى بقَضَائِك، ويقنعُ بعطائك، ويخشاكَ حَقَّ خَشْيَتِك.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَنَا رَغَدَا، ولا تشمِتْ بِنَا أحَدَا.
اللَّهُمَّ رَغِّبْنَا فيما يبقى، وزهدنا فيما يَفْنَى، هب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يُعَوَّلُ في الدين إلا عليه.
اللَّهُمَّ إنا نسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به وأن تعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
اللهم يا عليم يا حليم يا قوي يا عزيز يا ذَا المن والعطا والعز والكبرياء يا من تَعْنُوا له الوجُوه وتخشع له الأصوات، وفقنا لصالح الأعمال واكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك إنك على كل شيء قدير.
стр. 597
اللَّهُمَّ إنا نسألك رحمة من عندك تَهْدِي بها قُلُوبَنَا، وَتَجْمِعُ بها شَمْلَنَا، وتَلمُ بها شَعْثَنَا، وترفع بها شاهدنا، وتَحفَظُ بها غَائِبنًا، وتزكي بها أعمالنا، وتلهمنا بها رشدنا، وتعصمنا بها من كل سوء يا أرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ ارزقنا من فضلك، واكفنا شر خلقك، واحفظ علينا دِينَنَا وصحةَ أبداننا.
اللَّهُمَّ يا هادِي المضلين ويا راحم المذنبين، وَمُقِيل عثراتِ العاثرين، نسألك أن تُلْحِقْنا بعبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين.
اللَّهُمَّ يا عالم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، ويا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أنت إليك المصير، نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يا أرحم الراحمين، وأَرْأفَ الرائفين وأكرمَ الأكرمين.
اللَّهُمَّ اعْتِقْنَا مِن رِقِّ الذُّنُوب وَخَلِّصْنَا مِن أَشَرِّ النُّفُوسْ، وَأَذْهِبْ عَنَّا وَحْشَةَ الإِسَاءَةْ، وَطَهِّرْنا مِن دَنَسِ الذنوب، وباعِدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَطَايَا وأجرْنا من الشيطان الرجيم.
اللَّهُمَّ طَيِّبْنَا لِلقَائِكَ، وأهِّلْنَا لِوَلائِكَ وَأَدْخِلْنَا مَعَ الْمَرْحُومِينَ مِن أَوْلِيَائِكَ، وَتَوفّنَا مُسْلِمِين وألحقنَا بالصالحين.
اللَّهُمَّ أعِنَّا على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكْ، وتِلاوَةِ كِتَابِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ حِزْبِكَ الْمُفْلِحِينَ، وَأَيِّدْنَا بِجُنْدِكَ المَنْصُورين، وارْزُقْنَا مُرافَقَةَ الذينَ أَنْعَمْتَ عليهم مِن النبيينَ والصِّدِيقين والشهداء والصَّالحين.
اللَّهُمَّ يا فالقَ الحب والنَّوَى، يا مُنْشِئ الأجْسَادِ بَعْدَ البلى يا مُؤْوي المنْقَطِعِينَ إليه، يا كافي المُتَوَكِّلينَ عليه، انقطَعَ الرَّجَاءُ إلا مِنْكَ، وخابَت الظُّنُون إلا فِيكْ، وضَعُفَ الاعْتِمَاد إلا عَلَيْكَ نَسْأَلُكَ أَنْ تُمْطِرَ مَحْل قُلُوبِنَا مِن سَحَائِبِ بِرِّكْ وإحْسَانِكَ وَأَنْ توفقنا لِموجِبَاتِ رحمتك وعَزَائِم مغفرتك إنكَ جواد كريم رؤوف غفور رحيم.
стр. 598
اللَّهُمَّ إنا نسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، وعملاً متقبلاً، ونسألك بركة الحياة وخير الحياة، ونعوذ بك من شر الحياة، وشر الوفاة.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ باسْمِكَ الأَعْظَمَ الأَعَزَّ الأَجَلَّ الأَكْرمِ الذي إِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ وَإِذَا سُئِلْتَ بهِ أَعْطَيْتَ.
ونَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الكَرِيمِ أَكْرَمَ الوُجُوه، يا من عَنَتْ لَهُ الوجُوهُ وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ، وَخَشَعَتْ لَهُ الأَصْوَاتُ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ.
يا حيُّ يَا قَيُّومُ، يا مَالكَ الملكِ، يَا مَنْ هُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، وَبِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمِ لا إله إلا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثْ، ومِن عَذَابِكَ نَسْتَجِير.
اللَّهُمَّ اجعلنا نَخْشَاكَ حَتَّى كَأَننا نَرَاك وَأسعِدْنَا بِتَقْوَاك، ولا تُشْقِنَا بِمِعْصِيَتك.
اللَّهُمَّ إِنك تسمعُ كلامَنَا، وترى مَكاننا، وَتَعْلم سِرِّنَا وَعَلانِيتَنَا لا يَخْفَى عَلَيْكَ شيءٌ من أمرنا نحن البؤساءُ الفُقراءُ إليك، المُسْتَغِيثُون الْمُسْتَجِيرُونَ الوجلُونَ المشفقُونَ المعترفُون بِذُنُوبنا، نَسْأَلُك مَسألةَ المسكين، وَنَبْتَهلُ إليك ابْتِهَالَ الْمُذْنبِ الذَّليِل ِ، وَنَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِف الضرير.
اللَّهُمَّ يا مَن خَضَعَتْ لَهُ رقَابنَا، وفاضَتْ لَهُ عبَارَاتُنَا، وَذَلَّت له أَجْسَامُنَا، وَرَغِمَتْ له أُنُوفُنَا، لا تَجْعَلْنَا بِدُعَائِكَ أَشْقِيَاء، وكن بنا رؤوفًا يا خَير المَسْؤُلِين.
اللَّهُمَّ إنا نَسْأَلُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤْمِنُ بِلِقَائِكْ وَتَرْضَى بِقَضَائِكَ، وَتَقْنَعُ بِعَطَائِكَ، يا أرأف الرائفين، وأرحم الراحمين.
اللَّهُمَّ إنا نَسْأَلُكَ التوفيق لِمَا تُحِبُّه مِن الأعمال، ونسألُكَ صِدْقَ التوكلِ عليكْ، وَحُسْنَ الظَّنْ بِكَ يَا رَبَّ العَالمين.
اللَّهُمَّ اجعلنا من عِبَادِكَ الْمُخْبِتِينَ، الغُرِّ الْمُحَجَّلِين الوَفْدِ الْمُتَقَبلِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حَيَاةً طَيِّبةً، وَنَفْسًا تَقِيَّةً، وَعِيشَةٍ نَقِيَّةً، وَمَيَّتَةً سَويَّةً، وَمَرَدًا غَيْرَ مُخْزِي وَلا فاضح.
стр. 599
اللَّهُمَّ اجعلنا من أهل الصلاح والنجاح والفلاح، ومن المؤيدين بنصرك وتأييدك ورضاك يا رب العالمين.
(اللَّهُمَّ مَالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تَشَاء وتُعِز مَن تشاء وتُذِلُ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنّكَ على كل شيءٍ قدير) .
يا وَدُودُ يَا ذَا العرش المجيد يا مُبْدِئُ يَا مُعِيدِ يَا فَعَّالٌ لِمَا تُرِيدِ نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عَرشك وبقُدرتك التي قدرت بها على جميع خلقكَ وبرحمتك التي وسِعَت كل شيء لا إله إلا أنت أن تغفر ذنوبنَا وَسَيئاتِنَا وَأَنْ تبدلها لنا بحسنات إنك جوادٌ كريم رؤوفٌ رحيم.
اللَّهُمَّ افتح لدعائنا باب القبول والإجابة، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
عبد العزيز بن محمد بن سلمان
شِعْرًا:
تَزَوَّجَت البَطَالةُ بالتَّوانِي ... فَأَوْلَدَهَا غُلامًا مَع غُلامَهْ
فَأَمَّا الابْنُ سَمَّوْهُ بِفَقْرٍ ... وَأَمَّا البِنْتُ سَمَّوْهَا نَدَامَةْ
آخر:
أُقِلِّبُ كُتُبًا طَالَما قَدْ جَمَعْتُهَا ... وَأَفْنَيْتُ فيها العَيْنَ والعَيْنَ وَالْيَدَا
وَأَصْبَحْتُ ذَا ظَنٍ بِهَا وَتَمَسُّكٍ ... لِعِلْمِي بِمَا قَدْ صُغْتُ فِيهَا مُنْضَّدَا
وَأحْذَرُ جُهْدِي أَنْ تَنَالَ بِنَائِلٍ ... مَهِينٌ وَأَنْ يَغْتَالَهَا غَائِلُ الرَّدَى
وَاعْلَمْ حَقًّا أَنَّنِي لَسْتُ بَاقِيًا ... فَيَالَيْتَ شِعْرِي مَنْ يُقَلِّبُهَا غَدَا
آخر: ... نَصِيبكُ مِمَّا تَجْمَعَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ... رِدَاءانِ تُلْوَى فِيمَا وَحُنُوطُ
آخر: ... تَجرّدْ مِنَ الدُّنْيَا فإنّك إنّما ... خَرجْتَ إلى الدُّنيا وأنتَ مُجَرَّدُ
آخر: ... فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ ... سِوَى حَنُوطٍ غَداةَ البَيْن في خِرَقِ
وَغَيْرَ نَفْحَةِ أعوادٍ تُشَبُّ لَهُ ... وقلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ
стр. 600
ومن أراد طباعته ابتغاء وجه الله لا يريد به عرضًا من الدنيا فقد أُذِنَ له وجزى الله خيرًا من طبعه وقفًا أو أعان على طبعته أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه من المسلمين فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» وورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله» الحديث رواه أبو داود، وورد عنه ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له» . الحديث. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الجزء الأول: تَمَّ هَذَا الْجُزْءُ بِعَوْنِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ وَنَسْأَلُ اللهُ الْحَيَّ القَيَّومُ العَلِيُّ العَظِيمَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ الوَاحِد الفَرْدَ الصَّمَدَ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أَحَد أنْ يُعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَخْذُلَ الكَفَرَةَ والْمُشْرِكِينَ وَأَعْوَانَهُمْ وَأَنْ يُصْلِحَ مَنْ في صلاحه صَلاحٌ لِلإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَيُهْلِكَ منْ في هَلاكِهِ عز وصلاح للإِسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَلُمَّ شَعَثِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجْمَعَ شَمْلَهُمْ وَيُوَحِّدَ كَلِمَتَهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ بِلادَهُمْ وَيُصْلِحَ أَوْلادَهُمْ وَيَشْفِ مَرْضَاهُمْ وَيُعَافِي مُبْتَلاهُمْ وَيَرْحَمَ مَوْتَاهُمْ وَيَأْخُذَ بَأَيْدِينَا إِلى كُلِّ خَيْرٍ وَيَعْصِمَنَا وَإِيَّاهُمْ مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَيَحْفَظْنَا وَإِيَّاهم مِن كُلِّ ضُرٍ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
والله المسئول أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به نفعًا عامًا إنه سميع قريب مجيب على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثرًا.
عبد العزيز المحمد السلمان
شِعْرًا ... مَثِّلْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ ... يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ
قَدْ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وَأُضْعِفَتْ ... حَرَّا عَلَى رُؤوسِ العِبَاد تَفُورُ
следующие страницы →