Полный текст (3 875 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وَكَذَلِكَ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ وَالقَولُ كَمَا يَقُولُ أَفْضَلُ مِنْ القِرَاءَةِ وَإِنْ كَانَ فَضْلُ القُرْآنِ عَلى كُلِ كَلامٍ كَفَضْلِ اللهِ تَعَالى عَلَى خَلْقِهِ لَكِن لِكُلِ مَقَامٍ مَقَالٍ مَتَى فَاتَ مَقَالَهُ فِيهِ وَعَدَلَ عَنْه إلى غيرِهِ اخْتَلَّتْ الْحَكِمةُ وَفُقِدَتِ الْمَصْلَحَةُ مِنْهُ.
عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فَإِنَّهُ ... بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فألْزَمْهُ تَسْعَدِ
آخر:
جَمْعُ الكُتْبِ يُدْرِك مَنْ قَرَاهَا ... مَلالٌ أَوْ فُتُورٌ أَوْ سَآمَةْ
سِوَى القُرْآنِ فَافْهَمْ وَاسْتَمِعْ لِي ... وَقَولِ الْمُصْطَفَى يَا ذَا الشَّهَامَةْ
وَهَكَذَا الأَذْكَارُ الْمُقَيَّدَةُ بِمَحَالٍ مَخْصُوصَةٍ أَفْضَلُ مِنْ القِرَاءَةِ الْمُطْلَقَةُ، وَالقِرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ أَفْضَلُ مِن الأَذْكَارِ الْمُقَيَّدَةِ بِمَحَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَالقِرَاءَةُ الْمُطْلَقَةُ أَفْضَلُ مِن الأَذْكَارِ الْمُطْلَقَةِ، اللَّهُمَّ إِلا أَنْ يَعْرُضَ لِلْعَبْدِ مَا يَجْعَلَ الذِّكْرَ أَوْ الدُّعَاءِ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ القُرْآنِ مِثَالُهُ أَنْ يَتَفَكَّرَ في ذُنُوبِهِ فَيُحْدِثُ لَهُ تَوْبَةً مِنْ اسْتِغْفَارٍ أَوْ يَعْرُضُ لَهُ مَا يَخَافُ أذَاهُ مِنْ شَيَاطِين الإنْسِ وَالْجِنِ فَيَعْدِلَ إِلى الأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ التِي تُحَصِّنُهُ وَتَحُوطُه.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَدْ يَعْرِضُ لِلْعَبْدِ حَاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ إِذَا اشْتَغَلَ عَنْ سُؤَالِهَا بِقَرَاءً وَذَكْرٍ لَمْ يَحْضُرْ قَلْبُهُ فِيهَا وَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى سُؤَالِهَا وَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا اجْتَمَعَ قَلْبُهُ كُلُهُ عَلَى اللهِ تَعَالى وَأَحْدَثَ لَهُ تَضَرُّعًا وَخُشُوعًا وَابْتِهَالاً فَهَذَا قَدْ يَكُونُ اشْتِغَالُهُ بالدُّعَاءِ وَالْحَالَةِ هَذِهِ أَنْفَعُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ القِرَاءَةِ وَالذِّكِرْ أَفْضَلُ وَأَعْظَمُ أَجْرًا.
شِعْرًا:
وَمَن يُنْفِقُ السَّاعَاتِ في ذِكْرِ رَبِّهِ ... يَعِيشُ حَمِيدًا وَهُوَ في الْحَشْرِ مُكْرَمُ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إن للهِ مَلائكةٌ يَطُوفُونَ في الطُّرُق يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهِ تَنَادُوا: هَلِمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ.
قَالَ: فَيَحُفُونَهُم بأجنِحَتِهِم إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلمُ بِهِم مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالَ: يَقُولونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ
стр. 527
ويُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْن؟ قَالَ: فَيَقُولُون: لا واللهِ ما رَأَوْكَ قَالَ: فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي.
قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبُّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا.
قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِن النارِ. قَالَ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا واللهِ يَا رَبُّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ: يَقُول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوَا أَشَدَّ فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً.
قَالَ: فَيَقُولُ: فأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهم إِنَّما جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ» . وَلِذَلِكَ حَثَّ ﷺ على الْجُلُوسِ في مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَشَبَّهَهُ بِرَوْضَةِ الْجَنَّةِ.
وَرَوَى التِّرمذُي عَنْ أَنَسِ ﵁ قال: قال رَسُولَ اللهِ ﷺ : «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا» . قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ» . وروى أبو داود عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» .
وروى مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ بن الربيع الأَسَدِي قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ، قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا.
قَالَ: أَبُو بَكْرٍ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ ذَلك. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى
стр. 528
رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ وَتُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِى الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِى طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ أَحَدُ العُلَمَاءِ: إِذَا حَصَلَ الأُنْسِ بِذِكْرِ اللهِ انْقَطَعَ عَنْ ذِكْرِ مَا سِوَى اللهِ ومَا سِوَى الله هُوَ الذِي يُفَارِقُ عِنْدَ الْمَوْتَ فَلا يَبْقَى مَعَهُ في القَبْرِ أَهْلٌ، وَلا مَالٌ، وَلا وَلَدٌ، ولا وِلايَةٌ، وَلا يَبْقَى إِلا عَمَلُهُ الصَّالِحُ ذِكْرُ الله وَمَا وَلاهُ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ أَنِسَ تَمَتَّعَ بِهِ وَتَلَذَّذَ بِانْقِطَاعِ العَوَائِقِ الصَّارَفَةِ عَنْهُ إِذْ ضَرُورَاتُ الحَاجَاتِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ولا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ عَائِقٌ فَكَأَنَّهُ جُلِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحْبُوبِهِ فَعَظُمَتْ غِبْطَتُهُ وَتَخَلَّصَ مِنْ السِّجْنِ الذي كان مَمْنُوعًا بِهِ عَمَّا أُنْسُهُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعَتِي أَحْبِبْ مَا أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ» . أَرَادَ بِهِ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَفْنِى بالموتِ في حَقِّهِ فَكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ. أهـ.
اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا مَا أَلْهَمْتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، وَأَيْقِظْنَا مِنْ رُقْدَةِ الغَافِلِينَ إِنَّكَ أَكْرَمُ مُنْعِمٍ وَأَعَزُّ مُعِين، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ الإِيمَانَ هَادِمًا لِلسيئات كَمَا جَعَلْتَ الكُفْرَ عَادِمًا للحَسَنَاتِ وَوَفِّقْنَا للأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلْيَكَ فَكَفيتَهُ، واسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأحَبْتَهُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 529
(نصيحة)
اسْمَعْ يَا مُضَيَّعَ الزَّمَانَ فِيمَا يَنْقُصُ الإِيمَان مُعْرضًا عن الأرباح وَمُتَعَرِضٌ للخُسْران لقد سُرَّ بِفِعْلِكَ الشامِتْ.
يَا مَنْ يَفْرحُ بالعِيدِ لِتَحْسِين لِبَاسِهِ، وَيُوقِنُ بالموتِ وما اسْتَعَدَّ لِبَأسهِ ويَغْتَر بإخوانهِ وَأَقْرانِه وَجُلاسِه، وكأنه قد أمِنَ سُرْعَةَ اخْتِلاسِهْ.
يَا غَافِلاً قَدْ طُلِبْ، وَيَا مُخَاصِمًا قَد غُلِبْ، ويا واثقًا قد سُلِبْ، إيَّاكَ والدُّنْيَا فما الدُّنْيَا بدَائِمة، لَقَدْ أبانَتْ لِلنَّوَاظِرِ عُيُوبَها وَكَشَفَتْ لِلْبصَائِرِ غُيُوبَها وَعَدَّدَتْ عَلَى المَسَامِهِ ذُنُوبَها، وَمَا مَرَّتْ حتى أَمَرَّتْ مَشْرُوبَهَا.
فلذاتُها مِثْلُ لمعَانِ البَرْق وَمُصِيبَتُهَا وَاسِعَةُ الْخَرْق، سَوَّتْ عَوَاقِبُهَا بَيْنَ سُلطانِ الغرب والشرق فما نجا منها ذو عَدَدْ ولا سلم فيها صاحبُ عُدَدْ مَزَّقَت الكُلَّ بكَفِّ البُدَدْ ثم وَلَّتْ فما أَلْوَتْ على أَحَدْ.
قال ﷺ : «سبعة يُظِِلِّهُمْ الله في ظِلِّه» منهم: «رجل دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ مَنْصِبٍ وجمال فقال: إنِّي أخافُ الله» .
اسْمَعْ يَا مَنْ أَجَابَ عَجُوزًا هَتْمَا عَمْيَا صَمًّا جَرْبَا سَودَاءَ شَوهَاء مُقْعَدة على مَزْبَلَةَ ولكن غَلَبَتْ عَليكَ مَحَبَّتُهَا عُرضَتْ على النبي ﷺ بطحاء مكة ذَهَبَا فَأبَى أَنْ يَقْبَلهَا.
مَا هذه الدنيا بدَارِ مَسَرَةٍ ... فَتَخَوَّفِي مَكْرًا لَهَا وَخِدَاعَا
بَيْنَا الفَتَى فيهَا يُسَرُّ بِنَفْسِهِ ... وَبِمَالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعَا
حَتَّى سَقَتْهُ مِنْ الْمَنِيَّةِ شَرْبةً ... وَحَمَتْهُ فيه بعدَ ذَاكَ رَضَاعَا
فَغَدًا بِمَا كَسَبَتْ يَداهُ رَهِينَةً ... لا يَسْتَطِيعُ لِمَا عَرَتْهُ دِفَاعَا
لَوْ كَانَ يَنْطِقُ قال مِنْ تَحْتَ الثرى ... فلْيُحْسِنِ العمَلَ الفَتَى مَا اسْتَطَاعَا
اللَّهُمَّ اجْعَلِ الإِيمَانَ هادِمًا لِلسيئات، كَمَا جَعَلْتَ الكُفْرَ هَادِمًا
стр. 530
لِلْحَسَنَاتِ وَوَفِّقْنَا للأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ تَوَكَّلَ عَلَيْكَ فَكَفيْتَهُ واسْتَهْدَاكَ فَهَدَيْتَهُ وَدَعَاكَ فَأجَبْتَهُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فصل في فوائِدِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى)
قال ابنُ القيم ﵀: وفي ذِكرِ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ مائةِ فَائِدَةٍ يرْضِي الرَّحْمَنَ وَيَطْرُد الشَّيْطَانَ وَيُزِيلُ الْهَمَّ وَيَجْلِبُ الرزقَ وَيَكْسِبُ الْمَهَابَةَ وَالْحَلاوَةَ وَيُورِثُ مَحَبَّةَ اللهِ التي هِيَ رُوحُ الإسْلامِ.
وَيُورِثُ الْمَعْرِفَةَ وَالإِنَابَةَ وَالقُرْبَ وَحَيَاةَ القَلْبِ وَذِكْرُ اللهِ لِلْعَبْدِ هُوَ قُوتُ القَلْبِ وَرُوحُهُ وَيَجْلِي صَدَاهُ وَيَحُطُ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ وَيُحْدِثُ الأُنْسَ وَيُزِيلُ الوَحْشَةَ.
وَيُذَكِّرُ بِصَاحِبِهِ وَيُنْجِي مِنْ عَذَابِ اللهِ وَيُوجِبُ تَنَزُّلَ السَّكِينَةَ وَغَشَيَانَ الرَّحْمَةِ وَحُفُوفَ الْمَلائِكَةِ بالذاكِرِ وَيَشْغَلُ عن الكَلامِ الضَّارِ وَيُسْعِدُ الذاكِرَ وَيُسْعِدُ بِهِ جَلِيسَهُ مِنَ الْحَسْرَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ وَهو مَعَ البُكَاءِ سَبَبُ لإِظلالِ اللهِ العبدَ يَوْمَ الْحَشْرِ الأَكْبَرِ في ظِلِ عَرْشِهِ.
وَأَنَّهُ سَبَبٌ لِعَطَاءِ الله لِلذَّاكِرِ أَفْضَلُ مَا يُعْطِي السَّائِلِينَ، وَأَنَّهُ أَيْسَرُ العِبَادَاتِ وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهَا وَأَفْضَلِهَا؛ وَأَنَّهُ غِرَاسُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ العَطَاءَ وَالفضل الذِي رُبِّبَ عليه لم يُرَتَّبْ على غَيْرِهِ، وَأَن دَوَامَ الذِكْرِ لِلرَّبِّ ﵎ يُوجِبُ الأَمَانَ مِنْ نِسْيَانِهِ الذِي هو سَبَبُ شَقَاءِ العَبْدِ في مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ.
شِعْرًا:
لا شَيْء مِثْلَ كَلامِ اللهِ تَحْفَظُهُ ... حِفْظًا رَصِينًا وَتَعْمَلْ فِيهِ مُجْتَهِدًا
شِعْرًا:
لَوْ يَعْلَم العَبْدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ ... أَمْضَى الْحَيَاةَ بِتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلِ
آخر: ... ما أَنعَمَ الْعِيشَةَ لَو أَنَّ الفَتَى ... يُلْهَمْ تَسْبِيحًا لِخَلاقِ الوَرَى
стр. 531
وَأَن الذِكْرَ يُسَيِّرُ العَبْدَ وَهُوُ في فِرَاشِهِ وَفِي سُوقِهِ، وأن الذِكْرَ نُورُ الذَّكِرِ في الدُّنْيَا وَنُورٌ لَهُ في قَبْرِهِ وَنُورٌ لَهُ في مَعَادِهِ وأن في القَلْبِ خَلَّةٌ وَفَاقَةٌ لا يَسُدُهَا شَيْءٌ البَتَّةَ إلا ذِكْرُ اللهِ .
وَأَن الذِكْرَ يَجْمَعُ مَا تَفَرَّق عَلَى العَبْدِ مِنْ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَهُمُومِهِ وَغَرْمِهِ وَالذِّكْرُ يُفَرِّقُ مَا اجْتَمَعَ عليه من الْهُمُومِ وَالغُمُومِ وَالأحزانِ وَالحَسَرَاتِ عَلى مَوْتِ حُظُوظِهِ وَمَطَالِبِه وَيُفَرِّقُ مَا اجْتَمَعَ عَلَى حَرْبِهِ مِنْ جُنْدِ الشَّيْطَانِ.
وَأَنْ الذِّكْرَ يُنَبَّهُ القَلْبَ مِنْ نَوْمِهِ وَيُوقِظْهُ، وَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ نَائِمًا فَاتَتْهُ الأَرْبَاحُ وَالْمَتَاجِرُ، وَأَن الذِكْرَ شَجَرَةٌ تُثْمِرُ الْمَعَارِفَ وَالأَحْوَالِ التِي شَمَّرَ إليها السَّالِكُونَ فَلا سَبِيلَ إلى نَيْلِ ثِمَارِهَا إلا مِنْ شَجَرَةَ الذِّكْرِ.
وَأَنَّ الذَّاكِرَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْكُورِهِ وَمَذْكُورِهِ مَعَهُ وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ مَعِيَّةٌ خَاصَةٌ، وَأَنَّ الذكرَ يَعْدِلُ عِتْقَ الرِّقَابِ وَنَفَقَةَ الأَمْوَالِ وَالْحَمْلَ عَلَى الْخَيْلِ في سَبِيلِ اللهِ وَإِنَّ الذِّكْرَ رَأَسُ الشُّكْرِ وَأَنَّ أَكْرَمَ الْخَلْقِ على اللهِ من الْمُتَّقِينَ مَنْ لا يَزَالُ لِسَانُهُ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ.
وَأَن في القَلْبِ قَسْوَةً لا يُذِيبُهَا إِلا ذِكْرُ اللهِ تعالى وَإِنّ الذِكْرَ شِفَاءُ القَلْبِ وَدَوَاؤُهُ وَالغَفْلَةَ مَرَضُهُ، وَأَن الذِكْرَ أَصْلُ مَوالاةِ اللهِ وَأَنَّهُ مَا اسْتُجْلِبَتْ نِعمُ اللهِ وَاسْتُدْفِعَتْ نِقَمُهُ بِمِثْلِ ذِكرِ اللهِ.
شِعْرًا: ... عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله في كُلِّ لَحْظَةٍ ... فما خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ
آخر:
فَجَالِسْ رِجَالَ العِلْمَ وَاحْفَظْ حَدِيثَهُمْ ... ولاتَكُ للجُهَّالِ يَوْمًا مُوَاخِيَا
وَلازِم فَتَىً في كُلِّ وَقْتٍ مُلازِمٌ ... لِذِكْرِ الذِي فَوْقَ السَّمَاوَاتِ عَالِيَا
لَعَلَّكَ أَنْ تَعْتَادَ لِلذِّكْرِ مِثْلَهُ ... فَتُحْرِز غُفْرَانًا وَأَعْلَى الأَمَانَينَا
وَأن الذِكْرَ يُوجِبُ صَلاةَ اللهِ وَمَلائِكَتِهِ عَلَى الذَّاكِرِ وَأَنَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَسْكُنَ رِيَاضَ الْجَنَّةِ في الدُّنْيَا فَلَيْسَتَوْطِنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ فَإِنَّهَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ،
стр. 532
وَأن مَجَالِسَ الذِّكْرِ مَجَالِسُ الملائِكَة.
وَأَنَّ اللهَ يُبَاهِي بِالذَّاكِرِينَ مَلائِكَتَهُ وَأَنَّ مُدْمِنَ الذِّكْر يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَضْحَكُ وَأَن جَمِيعَ الأَعْمَالِ إِنَّمَا شُرِعَتْ إِقَامَةً لِذِكْرِ اللهِ تعالى، وأن أَفْضَلَ أَهْلِ كلِ عَمَلٍ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ ذِكْرًا للهِ ، فَأَفْضَلُ الصُّوَامِ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا للهِ .
وأنَّ ذِكْرَ اللهِ يُسَهِّلُ الصَّعْبَ وَيُيَسِرُ العَسِيرَ وَيُخَفَّفَ الْمَشَاقَ، وَأَنَّ ذِكْرَ اللهِ يَذْهَبُ عَنْ القلبِ مَخَاوِفَهُ كُلَّهَا، وَلَهُ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حُصُولِ الأَمْنِ، وَأَن في الاشتغالِ بالذِكر اشْتِغَالاً عَنْ الكلام البَاطِلِ مِنْ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَاللَّغْوِ، وَأَنَّ عُمَّالَ الآخِرَةِ كُلُهُم في مَضْمَارِ السِّبَاقِ وَالذَّاكِرُونَ أَسْبَقُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَضْمَارِ وَلكِن الفَتَرَةُ وَالغُبَارُ يَمْنَعَانِ مِنْ رُوْيَةِ سَبْقِهِم.
فَإِذَا انْجَلَى الغُبَارُ وَانْكَشَفَ رَآهُمْ النَّاسُ، وَقَدْ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ وَأَنْ الذِّكْرَ سَبَبٌ لِتَصْدِيقِ الرَّبِّ عَبْدَهُ. فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عن اللهِ بأَوْصَافِ كَمَالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِهَا الْعَبْدُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ وَمَنْ صَدَّقَهُ اللهُ لَمْ يُحْشَرَ مَعَ الكَاذِبِينَ وَرُجِي لَهُ أَنْ يُحْشَرَ مَعَ الصَّادِقِينَ.
شعرًا:
وَدَاوِمْ وَلازِمْ قَرْعَ بابٍ مُؤَمِّلاً ... فَمَا خَيَّبَ الْمَوْلَى رَجَاءَ مُؤَمَّلِ
وَصَابِرْ فَمَا نَالَ العُلا غَيْرَ صَابِرٍ ... وَقُلْ وَاعِظًَا لِلنَّفْسِ عِنْدَ التَّمَلْمُلِ
مَعَ الصَّبْرِ إحْدَى الْحُسْنَيين مُنَاكِ أَوْ ... مُنَايَا كِرَامِ فَاصْبِري وَتَحَمَّلِ
وَدَاوِ لِسُقْمِ القَلْبِ واعْمُرْ خَرَابَهُ ... بِذِكْرِ الذي نَعْمَاهُ لِلْخَلْقِ تَشْمَلُ
آخر:
لَوْ يَعْلَم النَّاسُ مَا في الذِّكرِ مِنْ شَرَفٍ ... لَمْ يُلْهِهِمْ عَنْهُ تَجْمِيعُ الدَّنَانِيرِ
وَلَمْ يُبَالُوا بَأَوْرَاقٍ وَلا ذَهَبٍ ... وَلَوْ تَحْصَّل آلافُ القَنَاطِيرِ
اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِلْقِيَامِ بِحَقِّكَ وَبَارِكْ لَنَا فِي الْحلال مِنْ رِزْقَكَ وَلا تَفْضَحْنَا بَيْنَ خَلْقِكَ يَا خَيْرَ مَنْ دَعَاهُ دَاعٍ وَأَفْضَلَ مَنْ رَجَاهُ رَاجٍ يَا قَاضِيَ
стр. 533
الْحَاجَاتِ وَمُجِيب الدّعَواتِ هَبْ لَنَا مَا سَأَلْنَاهُ وَحَقِّقْ رَجَاءَنَا فِيمَا تَمَنَّيْنَاهُ يَا مِنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السَّائِلين وَيَعْلَمُ مَا فِي ضَمَائِر الصَّامِتِينَ أَذِقْنَا بِرْدَ عَفْوِكَ وَحَلاوَةَ مَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
فَصْلٌ وَمِنُ فَوَائِد الذِّكْر أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّم ﵀:
أَنَّ دُورَ الْجَنَّةِ تُبْنَى بالذِّكْرِ، فَإِذَا أَمْسَكَ الذَّاكِرُ عَنْ الذِّكْرِ أَمْسَكت الملائِكَةُ عن البنَاء، وَأنَّ الذِكْرَ سَدٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ جَهَنَّمَ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ إلى جَهَنَّمَ طريقُ عَمَلٍ مِن الأَعْمَالِ، كان الذِكْرُ سَدًّا في تِلْكَ الطريقِ، وَأَنَّ الملائِكَةِ تَسْتَغْفِر لِلذَّاكِر كَمَا تَسْتَغْفِرُ لِلتَّائِبِ، وَأَنَّ الْجِبَالَ والقِفَارَ تَتَبَاهَى وَتَسْتَبْشَرُ بِمَنْ يَذْكُر اللهَ عَلَيْهَا، وَأَنَّ كَثْرَةَ ذِكْرَ الله أمانٌ مِنْ النِّفَاقِ، فإنّ الْمُنَافِقِينَ قَلِيلُوا الذِّكْرِ للهِ .
قَالَ ﵎ في الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وَأَنَّ للذكْرَ مِنْ بَيْنَ الأعمَال لَذَّةً لا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلعَبْدِ مِنْ ثَوَابِهِ إلا اللَذَّةِ الْحَاصِلَةِ لِلذَّاكِرَ وَأَنَّهُ يَكْسُو الوجْه نَضْرَةً في الدُّنْيَا وَنُورًا في الآخِرَةِ وَأَنْ في دَاوَمَ الذِّكْرِ في الطَّرِيق والبيتِ والْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَالبِقَاعِ تَكْثِيرًا لِشُهُودِ العَبْدِ يومَ القِيَامَةِ فَإِنَّ البُقْعَةَ وَالدَّارَ وَالْجَبَل والأَرْضَ تَشْهَدُ للذَّاكرِ يَوْمَ القيامَة. وَإِنّ الذِّكْرَ يُعْطِي الذَّاكِرَ قُوةً حَتَّى أَنَّهُ لِيفَعَلُ مَعْ الذكْرِ مَا لَمْ يَظنَّ فِعْلَهُ بِدونِهِ قالَ: وَقَدْ شَاهَدتُ من قُوَّةِ شَيْخ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ في سُنَنِه وَكَلامِهِ وَإِقْدَامِهِ وَكِتَابَتَه أمْرًا عَجِيبًا فَكَانَ يَكْتُبُ في اليومِ مِنْ التَّصْنِيفِ ما يَكْتُبُه النَّاسِخُ في جُمْعَةٍ وَأَكْثَرْ.
ما دُمْتَ تَقْدِرْ فأكْثِرْ ذِكْرِ خَالِقِنَا ... وَأَدِّ وَاجِبَهُ نَحْوَ العِبَادَاتِ
فَسْوَفَ تَنْدَمُ إِنْ فَرطَّتَ في زَمنٍ ... مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِخَلاقِ السَّمَاوَاتِ
وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ فاطمةَ وعليًّا ﵄ أن يُسَبِّحَا كلّ
стр. 534
لَيْلَةِ إِذَا أَخَذَ مَضَاجِعُهُمَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، ويَحْمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِين، وَيُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاثِين، لَمَّا سَأَلْتُهُ الْخَادِمَ وَشَكَتْ إِلَيْهِ مَا تُقَاسِيهِ مِنْ الطَّحْنِ وَالسَّعْي والْخِدْمَةَ فَعَلَّمَهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادَم» .
فَقِيلَ إِنَّ مَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ وجَد قُوةً في عَمَله مُغْنِيَةً عَنْ خَادِمْ، قَالَ: وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةِ - رَحِمَهُ الله تعالى - يَذْكُر أَثَرًا في هَذَا البَابِ، وَيَقُول: إنّ الملائكة لَمَّا أُمِروا بِحَمْلِ العَرْشِ، قَالُوا: يَا رَبَّنَا كَيْفَ نَحْمِلُ عَرْشَكَ وَعَلَيْهِ عَظَمَتُكَ وَجَلالَكْ، فَقَالَ قُولُوا: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله.
فَلَمَّا قَالُوا حَمَلُوهُ حَتَّى رَأَيْتُ ابن أبي الدُّنْيَا قَدْ ذَكَر هَذَا الأَثَر بِعَيْنه عَنْ اللَّيْثِ بن سَعْد عَنْ مُعَاويةِ بن صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَشْيَخَتُنَا أَنَّهُ بَلَغَهُم أنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ حِين كانَ عَرْشُه على الماءِ حملة العَرْشِ قَالُوا: رَبَّنَا لِمَ خَلَقْتَنَا؟ قَالَ: خَلَقْتُكمْ لِحَمْلِ عَرْشِي. قَالُوا: رَبَّنَا وَمَنْ يَقْوَى عَلَى حَمْلِ عَرْشِكَ وَعَلْيِهِ عَظَمَتُكَ وَجَلالُكَ وَوَقَارِكَ؟ قَالَ: لِذَلِكَ خَلقْتكم، فَأَعادُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ مِرَارًا فَقَالَ: قُولُوا: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا بالله فَحَمَلُوه.
قَالَ: وَهَذِهِ الكَلِمَةُ لَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيب في مُعَانَاةِ الأَشْغَالِ الصَّعْبَةِ وَتَحَمُّلِ المشاقِّ والدُّخُولِ على الْمُلوكِ وَمَنْ يُخَافُ، وَرُكُوب الأَهْوَالِ، وَلَهَا أَيْضًا تَأْثِير في دَفْعِ الفَقْر، قَالَ: وَمَبْنَى الدِّينِ عَلَى قَاعِدَتَيْنَ: الذِّكْرِ، وَالشُّكْرِ.
إِذا رُمْتَ أَنْ تَحْظَى بِعِزِّ بِرِفعَةٍ ... بِدُنْيَاكَ وَالأُخْرَى لِنَيْلَ السَّعَادَةِ
عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله ﷻ ... وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْفُلْ وَلَوْ قَدْرَ لَحْظَةِ
آخر:
إِلَهُ الوَرَى حَتْمٌ عَلَى النَّاسِ حَمْدُهُ ... لِمَا جَادَ مِنْ فَضْلٍ عَلَيْهِمْ بِلا مَنِ
وَلَيْسَ الْمُرادُ بِالذِّكْرِ مُجَرّدَ ذِكْرِ اللسانِ بَلْ الذِّكْرُ لِقَلْبِي وَاللِّسَانِي وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَته وَالإيمانَ بِهِ وَبِصِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلالِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بأنواعِ اْلَمْدِح وَذَلِكَ لا يَتِمُّ إلا بِتَوْحِيدِهِ فَذِكْرُه الْحَقِيقِي يَسْتَلْزِمُ ذِكْرَ نِعَمِهِ وَآلائِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلى خَلْقِهِ.
стр. 535
وَأَمَّا الشُّكْر فَهُو القِيَامُ بِطَاعَتِهْ فَذِكْرُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَشُكْرُهُ مُتَضِمّنٌ لِطَاعَتِهِ وَهُمَا الغَايةُ التِي خُلَقَ لأَجْلِهَا الْجِنُّ وَالإِنْس.
(فائدة) : قَالَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّين: مَنْ ابْتُلِيَ بِبِلاءِ قَلْبٍ أَزْعَجَهُ فَأَعْظَمُ دَوَاءٍ لَهُ قُوّةُ الالْتِجَاءِ إلى اللهِ وَدَاومُ التَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ فَإِنْ يَتَعَلمّ الأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ وَيَتَوَخّى الدُّعاءِ في مَظَانِّ الإِجَابَةِ مِثْلُ آخِرَ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِ الآذَانِ وَالإِقَامَةِ وَفِي السُّجُودِ وَإدبارِ الصَّلَواتْ وَيَضُمُّ إِلى ذَلِكَ الاسْتِغْفَارِ.
وَلَيْتَخِّذُ وِرْدًا مِنْ الأَذْكَارِ طَرْفَي النَّهَارِ وَعِنْدَ النَّوْمِ وَلِيَصْبِرُ عَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْمَوَانِع والصَّوَارِفِ فَإِنَّهُ لا بد أَنْ يُؤَيّدَهُ اللهُ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيَكْتُبَ الإيمَانَ في قَلْبِه وَلِيْحَرْصَ عَلى عَمُودُ الدِّينِ، وَلِيَكُنْ هُجَيْرَاهُ لا حَوْلَ وَلا قِوَّةَ إلا بِاللهِ العَلي العظيمْ.
فَإِنَّهُ بِهَا يَحْمِلُ الأَثْقَالَ وَيُكَابِدُ الأَهْوَالَ، وَيَنَالُ رَفِيعَ الأَحْوَالِ وَلا يَسْأَمُ مِن الدُّعَاءِ وَالطَّلَبْ، فَإِنَّ العَبْدَ يُسْتَجَابُ لَهُ مَا لَمْ يَعْجَل وَلِيَعْلَمَ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَج مَعَ الكَرْب وَأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَا، وَلَمْ يَنَلْ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ عَمِيمِ الْخَيْرِ إلا بِالصَّبْرِ والله الموفق.
شِعْرًا: ... لا تَقْصُدِ النَّاسَ إِذَا أَدْبَرَتْ ... دُنْيَاكَ وَاقْصُدْ مِنْ جَوَادٍ كَرِيم
كيفَ يُرَجى الرِّزْقُ مِنْ عِنْدِ مَنْ ... يَطْلُبُ الرِّزْقَ مِنْ الرَّبِ الرَّحِيم
آخر:
يا أَيُّهَا الطَّالِبُ مِنْ مِثلِهِ ... رِزْقًا لَهُ جُرْتَ عَنِ الحِكمَةِ
لا تَطلُبَنَّ الرِّزْقَ مِنْ طَالِبٍ ... مِثْلُكَ مُحْتَاجُ إِلى الرَّحْمَةِ
وَاِرغَبْ إِلى اللهِ الَّذي لَمْ يَزَلْ ... في يَدِهِ النِّعْمَةُ وَالنِّقْمَةِ
شِعْرًا:
بِذِكْرِكَ يَا مَوْلَى الوَرَى نَتَنَعَّمُ ... وَقَدْ خَابَ قَوْمٌ عَنْ سَبِيلِكَ قَدْ عَمُوا
شَهِدْنَا يَقِينًا أَنَّ عِلْمَكُ وَاسِعٌ ... فَأَنْتَ تَرى مَا في القُلوبِ وَتَعْلَمُ
إِلَهِي تَحَمَّلْنَا ذُنُوبًا عَظِيمَةً ... أَسَأْنَا وَقَصَّرْنَا وَجُودُكَ أَعْظَمُ
стр. 536
وَحَقِّكَ مَا فِينَا مُسِيءٌ يَسُرُّهُ ... صُدُودُكَ عَنْهُ بَلْ يَخَافُ وَيَنْدَمُ
سَكَتْنَا عَنْ الشَّكْوَى حَيَاءً وَهِيبَةً ... وَحَاجَاتُنَا بِالْمُقْتَضَى تَتَكَلَّمُ
إِذَا كَانَ ذُلُّ العَبْدِ بالحال نَاطِقًا ... فَهَلْ يَسْتَطِيع الصَّبْرَ عَنْهُ وَيَكْتُمُ
إِلَهِي فَجُدْ واصْفَحَ وَأَصْلِحْ قُلُوبَنَا ... فَأَنْتَ الذِي تُولِي الْجَمِيلَ وَتُكْرِمُ
وَأَنْتَ الذِي قَرَّبْتَ قَوْمًا فَوَافَقُوا ... وَوَفَّقْتَهُم حَتَّى أَنَابُوا وَأَسْلَمُوا
وَقُلْتَ اسْتَقَامُوا مِنَّةً وَتَكَرُّمًا ... فَأَنْتَ الذِي قَوَّمْتَهُم فَتَقَوَّمُوا
لَهُمْ في الدُّجَى أُنْسٌ بِذِكْرِكَ دَائِمًا ... فَهُمْ في اللَّيَالِي سَاجِدُونَ وَقُوَّمُ
نَظَرْتَ إِلَيْهِمْ نَظْرَةً بِتَعَطُفٍ ... فَعَاشُوا بِهَا وَالنَّاسُ سَكْرَى وَنُوَّمُ
لَكَ الْحَمْدُ عَامِلْنَا بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ ... وَسَامِح وَسَلِّمْنَا فَأَنْتَ الْمُسَلِّمُ
اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرَكَ وَشُكْرَكَ وَوَفِّقْنَا لِمَا وَفِّقْتَ لَهُ الصَّالِحِينَ مِنْ خَلْقِكَ اللَّهُمَّ أحْي قُلُوبًا أَمَاتَهَا البُعْدُ عَنْ بَابِكَ، وَلا تُعَذّبْنَا بَأليمِ عِقَابِكَ يَا أَكْرَمَ مَنْ سَمَحَ بالنَّوَالِ وَجَادَ بَالأفْضَالِ، اللَّهُمَّ أَيْقَضْنَا مِنْ غَفْلَتِنَا بُلطْفِكَ وَإِحْسَانِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنْ جَرَائِمِنَا بَعَفْوِكَ وَغُفْرَانِكَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : قالَ في حَادِي الأَرْوَاحِ: وَلِمَّا عَلِمَ الْمُوَفّقُونَ مَا خُلِقُوا لَهُ وَمَا إِيجَادُهُمْ لَهُ رَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإِذَا عَلمُ الْجَنَّةِ قَدْ رُفِعَ لَهُمْ شَمَّرُوا إِلَيْهِ وَإِذَا صِرَاطُهَا الْمُسْتَقِيم قَدْ وَضَحَ لَهُمْ فاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ وَرَأَوْا مِنْ أَعْظَمِ الغَبَنِ بَيْعُ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَفِي أَبَدٍ لا يَزُول ولا يَنْفَذْ بِصُبَابهِ عَيْشٍ إِنَّمَا هُوَ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ أَوْ كَطِيفٍ زَارَ في الْمَنَامِ مَشُوبٍ بِالنَّغْص مَمْزُوجٍ بَالغُصَصِ إِنْ أَضْحَكَ قَلِيلاً أَبْكَى كَثِيرًا وَإِنْ سَرَّ يَوْمًا أحزَنَ شُهُورًا آلامُهُ تَزِيدُ عَلَى لَذّاتِهِ وَأَحْزَانُهُ أَضْعَافُ مَسَّرَاتِهِ أَوَّلُهُ مَخَاوِِفُ وَآخِرُهُ مُتَألِفُ.
стр. 537
فَيَا عَجَبًا مِنْ سَفِيهٍ في صُورةِ حَكيم وَمَعْتُوهٍ في مِسْلاخِ عاقِل آثرَ الحَضَّ الفانِي الخَسِيسَ على الحضّ الْبَاقي النَّفِيس باعَ جَنَّةٍ عَرْضُها الأَرْضُ والسَّمَاوَاتُ بِسِجْنٍ ضَيِّقٍ بَيْنَ أَرْبَابَ الْعَاهَاتِ وَالْبَلِّيَاتِ وَمَسَاكِنَ طَيَّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار بِأَعْطَانٍ ضَيِّقَةٍ آخِرُها الْخَرابُ وَالبَوارُ.
وأبكارَا عُرْبًا أَتْرابًا كَأنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ والْمَرْجَانُ بِقَذرَاتٍ دَنِسَاتٍ سَيِّئَاتِ الأخْلاقِ مُسَافِحَاتِ أَوْ مُتَّخِذَاتِ أَخْذانٍ وَحُورًا مقْصُوراتًا في الخِيامِ بِخَبْيثَاتِ مُسَيَّباتٍ بَيْنِ الأنام، وَأنْهَارًا مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبينَ بِشَرَابٍ نَجَسٍ مُذْهِبٍ لِلْعَقْلٍ مُفْسِدٍ لِلدُّنْيَا وَالدِّين، وَلَذَّةِ النَّظَرِ إِلى وَجْهِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ بِالتَّمَتُّعِ بِرُؤْيَةِ الْوَجْهِ القَبِيحْ الذَّميم.
وَسَمَاعَ الخِطَابِ مِن الرحمن بِسَماعَ الْمَعازِفِ وَالْغِنَاءِ وَالألْحَانِ، والجُلُوسِ على مَنَابِرِ اللُّؤْلؤ واليَاقُوتِ وَالمُرْجَانِ وَالزَّبَرْجَدِ وَيَوْمَ المزيدِ بالجُلُوسِ في مَجَالِسِ الفُسُوقِ مَعَ كُلِّ شيطانٍ مَرِيدٍ.
وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْغَبْنُ الفاحِشُ في هَذَا البيع يومَ القِيَامَةِ وَيَتَبَيَّنَ سَفهُ بَائِعِهِ يَوْمَ الْحَسْرَةِ والنَّدَامَةِ إَذَا حُشِرَ المُتَّقُونَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا وسِيقَ المُجْرِمُون إلى جَهَنَّم وِرْدًا وَنَادَى المُنَادِي عَلَى رُؤوس الأشْهادِ لِيَعْلَمَنَّ أَهْلُ المَوقف مَنْ أولى بِالكَرَمِ مِنْ بَيْنِ العَبَادْ.
فَلَوْ تَوَهَّمَ المُتَخَّلِّفُ عَنْ هَذِهِ الرِّفَقَةُ وَمَا أُعِدَّ لَهُم مِنَ الإكْرَامِ وَادُّخِرِ لَهُمْ مِنَ الفَضْلِ وَالإِنْعَامِ وَمَا أُخْفِى لَهُم مِنْ قُرَّةِ أَعْينٍ لَمْ يَقَعُ على مِثْلِها بَصَرٌ ولا سَمِعَتْهُ أُذنٌ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ عَلِمَ أَيُّ بِضَاعَةٍ أَضَاعْ وَأَنَّهُ لا خَيْرَ لَهُ في حَيَاتِهِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِن سَقَطِ الْمَتَاعُ.
وَأنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَوَسَّطُوا مُلْكًا كَبِيرًا لا تَعْتَرِيه الآفَاتُ وَلا يَلْحَقُه الزَّوَالُ وَفَازُوا بِالنَّعِيمِ المقيم في جِوَارِ الرَّبِ الكَبيرِ المُتَعَالِ فَهُمْ في رَوْضَاتِ الجَنَّاتِ
стр. 538
يَتَقَلَّبُونَ وَعَلى أَسِرَّتِهَا تَحْتَ الحِجَالِ يَجْلِسُونَ وعلى الفُرُشِ التي بَطَائِنُهَا مِن إسْتَبْرَقِ يَتَّكِئُونَ وبِالحُورِ العِينِ يَتَمَتَّعُونَ.
وبأنواع الثِّمارِ يَتَفَكَّهُونَ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ تاللهِ لقَدْ نُودِي عليها في سُوقِ الْكَسَادِ فَمَا قَلَّبَ وَلا اسْتَامَ إِلا أَفْرَادٌ مِنَ العِبَادِ. وقال ﵀ في النونية:
بِاللهِ ما عُذْرَ امْرِءٍ هُو مُؤْمِنٌ ... حَقًا بِهَذَا لَيْسَ بِالْيَقْظَانِ
بَلْ قَلْبُهُ في رَقْدَةٍِ فَإِذَا اسْتَفا ... ق فَلُبْسُهُ هُوَ حُلَّةُ الْكَسْلانِ
تَاللهِ لَوْ شَاقتْكَ جَنَّاتُ النَّعِيـ ... ـمِ طَلَبْتَهَا بِنَفَائِسِ الأَثْمَانِ
وَسَعَيْتَ جُهْدَكَ في وَصَالِ نَوَاعِمٍ ... وَكَوَاعِبٍ بِيضِ الوُجُوهِ حِسَانِ
جُلَيَتْ عَلَيْكَ عَرائسٌ والله َلْو ... تُجْلَى عَلَى صَخْرٍ مِنَ الصُّوَّانِ
رَقَّتْ حَواشِيهِ وَعاد لَوَقْتِهِ ... يَنْهَالُ مِثْلَ نَقَىً مِنَ الكُثْبَانِ
لَكِنَّ قَلْبَك في القَسَاوَةِ جَازَ حَدَّ ... الصَّخْرَةِ وَالْحَصْبَاءِ في أَشْجَانِ
لَوْ هَزَّكَ الشَّوْقُ المُقِيمُ وَكُنْتَ ذَا ... حِسٍّ لَمَا اسْتَبْدَلْتَ بِالأَدْوَانِ
أَوْ صَادَقَتْ مِنْكَ الصِّفَاتُ حَياةَ قَلْـ ... ـب كُنْتَ ذَا طَلَبٍ لِهَذَا الشَّانِ
حُورٌ تُزَفُّ إلَى ضَرِيرٍ مُقْعَدٍ ... يا مِحْنَةَ الحَسْنَاءِ بِالْعُمْيَانِ
شَمْسٌ لِعَنِّينٍ تَزَفُ إليه مَا ... ذَا حِيلَةُ الْعِنّيْنِ في الْغَشَيَانِ
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَسْتِ رَخِيصَةً ... بَل أَنْتِ غَالية على الْكَسْلانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ ليس يَنَالُهَا ... بالألْف إلا واحدٌ لا اثْنَانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ ماذا كَفُوهَا ... إلا أَولُو التَّقْوَى مَعَ الإِيمَانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ سُوقُكِ كَاسِدٌ ... بِيْنَ الأَرَاذِلِ سَفْلَةِ الْحَيَوَانِ
стр. 539
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ أَيْنَ المُشْتَرِي ... فَلَقَدْ عُرِضْتِ بِأَيْسَرِ الأَثْمَانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ هَلْ مِنْ خَاطِبٍ ... فَالْمَهْرُ قَبْلَ المَوْتِ ذُو إِمْكَانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَصَبُّرْ الْـ ... خُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذُوُو إِيمَانِ
يا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَوْلا أَنَّهَا ... حُجِبَتْ بَكُلِّ مَكَارِهِ الإِنْسَانِ
مَا كَانَ عَنْهَا قَطُ مِن مُتَخَلِّفٍ ... وَتَعَطّلتْ دَارُ الجَزَاءِ الثَّانِي
لَكْنَّهَا حُجِبَتْ بِكُلِّ كَرَيهَةٍ ... لِيَصُدَّ عَنْهَا المُبْطِلُ المُتَوْانِي
وَتَنَالُهَا الهِمَمُ التِي تَسْمُو إِلَى ... رَبِّ العُلَى بِمَشِيئَةِ الرَّحْمَنِ
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ الأبْرَارِ وَأَسْكِنَّا مَعْهمُ في دَارِ القَرارِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا بِحُسْن الإِقْبَالِ عَلَيْكَ وَالإِصْغَاءِ إِلَيْكَ وَوَفِّقْنَا لِلتَّعَاوُنِ فِي طَاعَتِكَ وَالْمُبَادَرَةِ إِلى خِدْمَتكَ وَحُسْن الآداب في مُعَامَلَتِكَ وَالتَّسْلِيم لأَمْرِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ وَالصَّبْر على بَلائِكَ وَالشُّكْر لِنَعْمَائِكَ، اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَأَخْلِصْ عَمَلَنَا مِنَ الرِّيَاء وَمَكْسَبَنَا مِنَ الرِّبَا وَنَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ وَثَبِّتْهَا عَلَى طَاعَتِكْ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) في فَضَائِل الاسْتِغْفَار
يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِن الاسْتِغْفَار في كُلِّ وَقْتٍ وَيتَأَكَّدُ في الزَّمَانِ الفَاضِل وَالمَكَانِ الفَاضِلْ، قال تَعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ ، وقال: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ؛ وقال تعالى مُخْبِرًا عن نوح: ﴿ ... فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ﴾ الآيَةْ، وقَالَ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ ،
стр. 540
وقَالَ تَعَالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
وَعَنْ شَدَّادٍ بنُ أوسٍ – ﵁ – عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: «سَيِّدُ الاسْتِغْفَارُ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلِي، وَأَبُوء بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ» .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ – ﵄ – قَال: إِنَّا كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ في المَجْلِسِ يَقُول: «رَبَّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَابُ الغَفُور» . مائةَ مَرَّةْ.
وَعَنْ عَبْدُ اللهِ بنْ بُسْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «طٌوبَى لِمَنْ وُجِدَ في صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَة لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ في الجَنَّة فَيَقُولُ: يَا رِبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكْ» .
شِعْرًا:
يِا ذَا المَعَارِجَ أَنْتَ الله أَسْألهُ ... وَأَنْتَ يَا رَبِّ مَدْعوٌّ وَمَسْئُولُ
أَدْعُوكَ أَدعُوكَ يَا قَيُّومُ فِي ظُلَمَ ... وَكُل دَعٍ بِحُلْوِ النَّوْمِ مَشْغُولُ
تُعْطِي لِمَنْ شِئْتَ مَنْ يَسْأَلُكَ مِنْ سَعَةٍ ... وَالخَيْرُ مِنْكَ لِمَنْ ناَدَاكَ مَبْذُولُ
تَغْفِرْ ذُنُوبِي وَتَخْتُمُ لِي بَخَاتِمِةٍ ... تُرْضِيكَ عَنِّي وَظَنِّي فِيكَ مَأمُولُ
وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب» .
стр. 541
وَعَنِ الأَغَرَّ الْمُزْنِي – ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» .
وَقَالَ حُذَيْفَةْ: كُنْتُ ذَرِبَ اللِّسَانِ عَلِى أَهْلِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُدْخِلَنِي لِسَانِي النَّارْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاسْتِغْفَار، فَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهُ في اليْوَمِ مِائَةَ مَرَّة» . أَخْرَجَهُ النِّسَائِي.
وَعَنْ زَيْدٍ مَوْلَى رَسول الله ﷺ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ.
وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالِجٍ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» . رَوَاهُ التِّرْمِذِي.
وعنْ أَنَسٍ ﵁ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ منك وَلاَ أُبَالِى، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِي. وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمِ.
(فَصْلٌ) : وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِي – ﵁ – عَنِ النَّبِيَ ﷺ قَالَ: «قَالَ إِبْلِيسُ: وَعِزَّتِكَ لا أَبْرَحُ أَغْوي عِبادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ في أَجْسَادِهُم، فَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ ما اسْتَغْفَرُونِي» .
وَعَنِ الزُّبَيْرِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ
стр. 542
تَسُرُّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِر فِيهَا مِنَ الاسْتِغْفَارْ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – ﵁ – عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قَال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئةً نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ، فَإِنْ هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَتْ، فَإِنْ عَادْ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُو قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ » .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ – ﵁ – أَنَّ رَسُول اللهُ ﷺ قَال: «إِنَّ لِلْقُلُوبِ صَدَأٌ كَصَدَأ النُّحَاسِ، وَجَلاؤُهَا الاسْتِغْفَارُ» .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ بنُ مَالِكٍ – ﵁ – قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَسِيرَةٍ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا الله» فَاسْتَغْفَرْنَا، فَقَالَ: «أَتِمُّوهَا سَبِعِينَ مَرَّة» . فَأَتْمَمْنَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ وَلا أَمَةٍ يَسْتَغِفِرُ اللهَ في يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةٌ إِلا غَفَرَ اللهُ لَهُ سَبْعُمِائَةَ ذَنْب، وَقَدْ خَابِ عَبْدُ أَوْ أَمَة عَمِلَ في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِمائَةِ ذَنْبٍ» .
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعَالَى فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانْ: «فاسْتَكْثِروا فِيهِ مِنْ خِصْلَتِيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمُ فَشَهَادَةُ أَنَّ لا إِلَهَ إَلا اللهَ، والاسْتِغْفَارُ، وَأَمَّا التِي لا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا فَتَسْأَلُونَهُ الجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارْ» .
فَهَذِهِ الخِصَالُ الأَرْبَعُ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ كُلٌّ مِنْهَا سَبَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَالعْتقِ مِنَ النَّار فَأمَّا كَلِمَةُ الإِخْلاصِ فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبِ وَتَمْحُوهَا مَحْوًا وَلا تُبِقِي ذَنْبًا، وَلا يَسْبِِقُهَا عَمَلٌ، وَهِي تَعْدِلُُ عِتْقُ الرِّقَابِ الذِي يُوجِبُ العِتْقَ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَتَى بِهَا حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي أَعْتَقَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا
стр. 543
خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» .
وَأَمَّا كَلِمَةُ الاسْتِغْفَارُ فَمِنْ أَعْظَمُ أَسْبَابِ المَغْفِرَةْ. فَإِنَّ الاسْتِغْفَارَ دُعَاءٌ بِالمَغْفِرَةِ، وَدُعَاءُ الصَّائِمِ إِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ الشُّرُوطُ وَانَتَفَتْ المَوَانِعَ مُسْتَجَابٌ حَالَ صِيَامِهِ وَعِنْدَ فِطْرِهِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: (وَيَغْفِرُ اللهُ إِلا لِمَنْ أَبِى، قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: يَأْبَى أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهُ) .
وَقَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ عَوِّدْ لِسَانِكَ الاسْتِغْفَارَ، فَإِنَّ لِلَّهِ سَاعَاتٍ لا يَرُدُّ فِيهِ سِائِلاً، وَقَدْ جَمَعَ اللهُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ والاسْتِغْفَارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ .
وَفِي بَعْضِ الآثَارْ: أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ: أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ وَأَهْلَكُونِي بِالاسْتِغْفَارِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ.
وَالاسْتِغْفَارُ خِتَامُ الأَعْمَال الصَّالِحَةِ كُلِّهَا فَيُخْتَمُ بِهِ الصَّلاةُ، والحَجُّ، وَالْقِيامُ في اللَّيْلِ، وَيُخْتَمُ بِهِ المَجَالِسُ، فَإِنْ كَانَتْ ذِكْرًا كَانَ كَالطَّابِعَ عَلَيْهَا وَإْنِ كَانَتْ لَغْوًا كَانَ كَفَّارَةٌ لَهَا، فَكَذَلِكَ يَنْبِغِي أَنْ يُخْتَتَم صِيَامُ رَمَضَانَ بالاسْتِغْفَارِ يُرَفِّعُ مَا تَخَرَّقَ مِنَ الصِّيَامِ بِاللَّغْوِ وَالرَّفَثِ (وَيَجْتَهِدُ في الإِكْثَارِ مِنَ الأَعْمَالِ وَالتَّقَلُّلِ مِنَ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا وَالإِقْبَالِ عَلَى الآخِرَةِ مَا دَامَ في قَيْدِ الحَياَةِ) .
وَمِنْ عِظَةِ الحَسَنَ الْبَصْرِي لِعُمَرَ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ ظَعَنِ لَيْسَتْ بَدَارَ إِقَامَة، لَهَا فِي كُلِّ حِينٍ قَتِيلٍ تُذِلَّ مِنْ أَعَزَّهَا وَتُفْقِرُ مَنْ جَمَعَهَا هِيَ كَالسُّمِّ يَأْكُله مَنْ لا يَعرِفُهُ وَفِيهِ حَتْفُهُ فَكُنْ فِيهَا كَالمُدَاوِي جِرَاحُهُ يَحْتَمِي قَلِيلاً مَخَافَةَ مَا يَكْرَهُ طَوِيلاً وَيَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الدَّوَاءِ مَخَافَةِ طُولِ الدَّاءِ، فَاحْذَرْ هَذِهِ الدُّنْيَا الخَدَّاعةَ الغَدَّارَةَ الخَتَّالَةَ التِي قَدْ تَزَيَّنَتْ بِخِدَعِهَا وَقَتَلَتْ بَغُرُورِهَا وَتَحَلَّتْ بِآمَالَهَا وَسَوَّفَتْ بِخُطَّابِهَا.
стр. 544
فَأَصْبَحَتْ كَالعَرُوسَ المَجْلِيَّةِ، العُيُونُ إِلَيْهَا نَاظِرَةٌ وَالْقُلُوبُ عَلَيْهَا وَالِهَةٌ وَهِي لأَزْوَاجِهَا كُلِّهِمْ قََالِيَة، فَلا الْبَاقِي بِالْمَاضِي مُعْتَبِرٌ وَلا الآخِرُ بِالأوَّلِ مُزْدَجِرٌ فَعَاشِقٌ لَهَا قَدْ ظَفِرَ مِنْهَا بِحَاجَتِهِ فَاغْتَرَّ وَطَغَى وَنَسِي المَعَادَ فَشَغَلَ فِيهَا لُبَّهُ حَتَّى زَلَّتْ بِهِ قَدَمُهُ فَعَظُمَتْ نَدَامَتُهُ وَكُثُرَتْ حَسْرَتُهُ وَاجْتَمَعْتَ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَتَأَلُمِهُ وَحَسَرَاتُ الفَوْتِ بِغُصَّتِهِ وَرَاغِبٌ فِيهَا لَمْ يُدْرِك مِنْهَا مَا طَلَبْ وَلَمْ يُرِجْ نَفْسَهُ مِنَ التَّعَبِ فَخَرَجَ بِغَيْرِ زَادٍ وَقَدَمَ عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ.
فَاحْذَرْهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَكُنْ أَسَرَّ مَا تَكُونُ فِيهَا أَحْذَرُ لَهَا فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَكْرُوهٍ وَضَارٍ وَقَدْ وَصَلَ الرَّخَاءُ مِنْهَا بِالْبَلاءِ وَجُعِلَ البَقَاء إلى فَناءِ فَسُرُورُهَا مُشُوبٌ بِالأَحْزَانْ، أَمَانِيهَا كَاذِبَةٌ وَآمَالُهَا بَاطِلَةٌ وَصَفْوهَا كَدَرٌ وَعَيْشُهَا نَكَدٌ وَابْنُ آدَمَ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ. أ. هـ.
شِعْرًا:
فَيَا أَيُّهَا النَّاسِي لِيَوْمِ رَحِيلِهِ ... أَرِاكَ عَنِ الموتِ المُفِرِّقِ لاهِيًا
أَلا تَعْتَبِرُ بِالرَّاحِلِينَ إِلَى الْبَلَى ... وَتَرْكِهُمُ الدُّنْيَا جَمِيعًا كَمَا هَيَا
وَلَمْ يَخْرُجُوا إِلا بِقُطْنٍ وَخِرْقَةٍ ... وَمَا عَمَّرُوا مِنْ مَنْزِلٍ ظَلَّ خَالِيَا
وَأَنْتَ غَدًا أَوْ بَعْدَهُ فِي جِوَارِهِمْ ... وَحِيدًا فَرِيدًا فِي المَقَابِر ثَاوِيَا
اللَّهُمَّ يا مَنْ لا تَضُرَّهُ الْمَعْصِيةُ ولا تَنْفَعَهُ الطَّاعَةِ أَيْقِظْنَا مِنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ وَنَبَّهْنَا لاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ الْمُهْلَةِ وَوِفِّقْنَا لِمَصَالِحْنَا وَاعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحْنَا وَذُنُوبنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا انْطَوَتَ عَلَيْهِ ضَمَائِرُنَا وَأَكَنَّتْهُ سَرائِرُنَا مِنْ أَنْوَاعِ القَبَائِحِ والْمَعَائِبِ التي تَعْلَمُهَا مِنَّا، وامنُنْ عَلَيْنَا يَا مَوْلانَا بِتَوْبَةٍ تمحو بها عنا كُلَّ ذَنْبٍ، اللَّهُمَّ أنْظُمْنَا فِي سِلْكِ الفَائِزِينَ بِرِضْوَانِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الْمُتَّقِينَ الذِينَ أَعْدَدْتَ لَهُمْ فَسِيحَ جِنَانِكَ، وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي دَارِ أَمَانِكَ وَعَافِنَا يَا مَوْلانَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مِنْ جَمِيعِ البَلايَا وَأَجْزِلْ لَنَا مِنْ مَوَاهِبِ فَضْلِكَ وَهِبَاتِكَ وَمَتِّعْنَا بَالنَّظَرِ إِلى وَجْهِكَ الكَرِيمِ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ
стр. 545
وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) في أَحْكَامِ الاعْتِكَافِ في المَسْجِدْ
الاعْتِكَافُ لُغَةً: لُزُومِ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي الشَّرْعِ: لُزُومِ مُسْلِمٍ لا غُسْلَ عَلَيْهِ، عَاقِلٍ وَلَوْ مُمَيَّزًا مَسْجِدًا وَلَوْ سَاعَةً مِن لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِطَاعَةِ اللهِ.
وَهُوَ سُنَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي رَمَضَانَ آكَدَهُ، وَآكَدَهُ عَشْرهُ الأَخِيرُ لِمَا وَرَدْ عَنْ عَائِشَةَ – ﵂ – قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانْ) .
وَعَنْ أَنَسٍ – ﵁ – قَالَ: (كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ) .
أَمَّا كَوْنُهُ لا يَصِّحُ مِنَ الكَافِرْ، فَلأَنَّهُ مَنْ فُرُوعِ الإِيمَانِ، وَلا يَصِحّ مِنْهُ كَالصَّوْمِ، وَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ كَالمَجْنُونِ فَلأنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلَِ العِبَادَاتِ فَلَمْ يَصِحّ مِنْهُ.
أَمَّا كَوْنُهُ لا غُسْلَ عَلَيْهِ فَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ – ﵂: «إِنّي لا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِحَائِضٍٍ وَلا جُنُبْ» .
وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي مَسْجِدٍ فَلِقَوْلِهِ تَعَالِى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَلا يَصِحُّ إِلا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الجَمَاعَةْ، لأَنَّ الاعْتِكَافَ في غَيْرِهِ يُفْضِي إِمَّا تَرْكِ الجَمَاعَةِ، أَوْ تَكَرُّرِ الخُرُوجِ إِلَيْهَا كَثِيرًا مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلاعْتِكَاف.
стр. 546
والاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الجُمَعُ أَفْضَلُ، لِئَلا يَحْتَاجَ إَلَى الخُروجِ إِلَيْهَا، وَلأنَّ ثَوَابَ الجَمَاعَةِ فِي الجَامِعِ أَكْثَرُ وِلأَنَّهُ ﷺ اعْتَكَفَ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ.
وَيَجِبُ الاعْتِكَافُ بِالنَّذْرِ، قَالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى أَنَّ الاعْتِكَافُ لا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا إِلا أَنْ يُوجِبَ المَرْءُ عَلىَ نَفْسِهِ الاعْتِكَافُ نُذْراً لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعِهُ» .
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَعْتَكِفَ بِصَوْمِ، وَلأَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ في شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِن اعْتَكَفَ بِغَيْرِ صَوْمٍ جَازَ، لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ – قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَال: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» .
وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا فِيهِ لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ، وَكَالصَّلاةِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ.
وَلا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الأَبْنَِيَةِ لأنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَلِحَدِيثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» .
وَمَنْ نَذَرَ الاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلاثَة، وَهِيَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، وَمَسْجِدُ المَدِينَةِ، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ لأنَّهُ لا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ لَزِمَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ – ﵁ – أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» .
وَلأنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ المَسَاجِدُ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ فَرْضَهُ بِمَا دُونَهُ.
стр. 547
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ جَازِ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ في المَسْجِدِ الحَرَامِ لأنَّهُ أَفْضَلَ مِنْهُ وَلِمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى لأنَّ مَسْجِدَ النَّبِيّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدَ الأَقْصَى جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي أَيِّ المَسْجِدَيْنِ أَحَبَّ لأنَّهُمَا أَفْضَلَ مِنْهُ. بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷺ : «صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفَ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا المَسْجِدَ الْحَرَامِ» .
وَلا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رَوْتَ عَائِشَةُ ﵂ – قَالَتْ: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلَ البَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا» .
وَعَنْهَا ﵂ – قَالَتْ: (السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أَنْ لا يُعُودَ مَرِيضًا، وَلا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلا يَمِسُّ امْرَأَةً وَلا يُبَاشِرَهَا، وَلا يَخْرُجَ لِحَاجِةِ إِنْسَانِ إِلا مِمَّا لا بُدَّ مِنْهُ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكَافُ إلا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ) .
فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطُلَ اعْتِكَافُهُ، لأنَّ الاعْتِكَافَ اللُّبْثُ في المَسْجِدِ فَإِذَا خَرَجَ فَقَدْ فَعَلَ مَا يُنَافِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ ذِاكِرًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ وَلا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَكَذَا إِنْ خَرَجَ مِنَ المَسْجِدَ نَاسِيًا لِمْ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلِ بِفعل القُرَبِ كَقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَالأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةِ، وَالصَّلاةِ وَذِكْرُ اللهِ وَنَحْوَ ذَلِكْ.
وَسُنَّ لَهُ اجْتِنَابُ مَا لا يَعْنِيهِ مِنْ جَدَلٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلامٍ لَمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي
стр. 548
هُرَيْرَةَ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ» .
(فائدة) : قيل للقمان: مَا بَلَغَ ما نَرى؟ يُرِيدُونَ الفَضْلَ، قال: صِدْقُ الحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانة، وَتركُ مَا لا يَعْنِي.
شِعْرًا:
عَلَى فِيكَ مِمَّا لَيْسَ يُغْنِيكَ شَأْنُهُ ... بِقُفِلٍ وَثَيقٍ مَا اسْتَطْعَتْ فَاقْفِلِ
اللَّهُمَّ يَا خَالِقَ الخَلْقِ يَا قَيُّومُ نَسْألُكَ بِأَسْمائِكَ الحُسْنَى أَنْ تنصُرَ الإِسْلامِ وَالمُسْلِمِينَ وَأَنْ تُعْلِي بِفَضْلِكَ كَلِمَةَ الحَقِّ وَالدِّينِ وَأْن تَشْمَلَ بِعَنَايَتِكَ وَتَوْفِيقِكِ كُلَّ نَصَرَ الدِّينَ وَأَنْ تَمْلأ قُلُوبَنَا بِمَحَبِّتَكَ وَمَحَبَّةِ مِنْ يُحبُّكَ وَأَنْ تَأْخُذَ بِنَوَاصِينَا إِلَى مَا تَرْضَاهُ وَأَنْ تَرْزُقْنَا الاسْتِعْدَادَ لِمَا أَمَامَنَا وَأَنْ تُهَوِّنَ أَمْرَ الدُّنْيَا عَلَيْنَا، وَأَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) في بِنَاءِ المسَاجِدِ وَآدَابِهَا
وَيَبْحَثْ فِي:
١- مَا وَرَدَ فِي الحَثِّ عَلَى بِنَاءِ المَسَاجِدِ وَثَوَابِهَا العَظِيم.
٢- مَا وَرَدَ فِي صِيَانَةِ المَسَاجِدِ عَنِ الأَقْذَارِ وَتَنْظِيفِهَا.
٣- مَا وَرَدَ فِي تَجَنُّبِ آكِلِ البَصَلِ وَالثَّوْمِ الصَّلاةِ في المَسَاجِدِ وَإِبْعَادِ الصَّغِيرِ والمجنون.
٤- يَنْبَغِي تَجْنِيبُ المَساجِدِ البيعَ وَالشِّرَاء وَرَفْعَ الصَّوْتِ وَنُشْدَانَ الضَّالَةِ فِيهَا.
٥- حُرْمَةُ المُبَالَغَةِ فِي زَخرَفَةِ المَسَاجِدِ.
٦- كَرَاهَةُ إلتْزَامُ مَوْضِعٍ مُعَيّنٍ مِنَ المَسْجَدِ لِلصَّلاةِ لِغَيْرِ الإمَامْ.
стр. 549
١- مَا وَرَدَ في الحَثِّ عَلَى بِنَاءِ المساجِدِ وَثَوَابِهَا العظيمْ:
بِنَاءُ المَسَاجِدِ في الأَمْصَارِ وَالقُرَى وَالمَحَالِّ وَنَحْوِهَا حَسَبِ الحَاجَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ المَسَاجِدِ فِي الدَّورِ، وَتنْظِيفِهَا وَتَطْييبِهَا، قَالَ تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ﴾ الآية. لما روت عائشة ﵂ – قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المَسَاجِدِ فِي الدّورِ، وَأَنْ تُنَظِّفَ وَتُطَيَّبْ.
شِعْرًا:
وَلَمْ أَرَى لِلْخَلائِقِ مِنْ مُرَبٍّ ... كَعْلْمِ الشَّرْعِ يُؤخَذُ عَنْ ثِقَاتِ
بِبَيْتِ اللهَ مَدْرَسَةِ الأَوَالَي ... لِمَنْ يَهْوَى العُلُومُ الرَّاقِيَاتَ
وَعَنْ عُثْمَانَ بنُ عَفَّانٍ ﵁ – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «مَنْ بِنْى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّة» .
وَعَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ – عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحِصَ قَطَاةٍٍ بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّة» .
وَعَنْ عُمَرَ بنُ الخَطَّابِ ﵁ – قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ الله، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجنة» .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَنَى بَيْتًا يُعْبَدُ اللهُ فِيهِ مِنْ مَالٍ حَلالٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّة» .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةٍ ﵂ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لا يُرِيدُ رِيَاءً وَلا سُمْعَةً بِنَى اللهُ لُهُ بَيْتًا فِي الجنة» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مَمَّا يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، أَوْ وَلَدًا صَالِحًا تَرَكَه، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صَحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، تَلْحَقُهُ بَعْدِ مَوْتِهِ» .
стр. 550
وَأَحَبُّ البِلادِ إِلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبغَضُ البلادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «أَحَبُّ البلادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ البِلادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» .
اللَّهُمَّ أَتْمِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتَكَ الوَافِيَةَ وَارْزُقْنَا الإخْلاصَ فِي أَعْمَالِنَا وَالصِّدْقَ في أَقْوَالِنَا وَعُدْ عَلَيْنَا بِإصْلاحِ قُلُوبِنَا، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : ٢- مَا وَرَدَ في صِيَانَةِ الْمَسَاجِدِ وَتَنْظِيفِهَا:
وَيُسَنُّ صِيَانَةُ المَسَاجِدِ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ، وَقَذَرٍ، وَقَذَاةٍ، وَمُخَاطٍ، وَبُصَاقٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إِبْطٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيّ أُجُورُ أَعْمَالِ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةَ يُخْرِجُهَا الرَّجُل مِنَ المَسْجِدِ» .
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «البُصَاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَة، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ – أَنَّ امرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدِ فَفَقْدِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: «فَهَلا أَذَنْتُمُونِي» ؟ فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا.
وَعَنْ سُمْرَةَ بنُ جُنْدَبٍ ﵁ – قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتْخِذَ الْمَسَاجِدِ فِي دِيَارِنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نُنَظِّفُهَا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ – قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمًا إِذَا رَأَى نُخَامَةً فِي قَبْلَةِ المَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاس ثُمّ حَكَّهَا - قَالَ: وَأَحْسِبْهُ قَالَ -: فَدَعَا بِزَعْفَران فَلَطَّخَهُ بِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِ
стр. 551
أَحِدِكُمْ إِذَا صَلَّى فَلا يُبْصُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ» .
وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَفَلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» . وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بنِ خَلادٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي القِبْلَةِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ: «لا يُصَلِّي لَكُمْ هَذَا» . فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّي لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رِسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فقال: «نَعَمْ» . وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكَ آذَيْتَ اللهَ وَرَسُولَهُ» .
٣- مَا وَرَدَ فِي تَجَنُّبِ آكِلِ البَصَلِ وَالثَّوْمِ الصَّلاةَ فِي المَسَاجِدِ وإبعادِ الصَّغِيرِ وَالمجنونِ عنهما:
يُسَنُّ صِيانَةُ المَساجِدِ عَنْ رَائحةٍ كريهةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاتٍ وَنَحْوهَا لِمَا وَرَدَ عَنْ أَنْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ مِنْ هِذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَا وَلا يُصَلّينَ مَعَنَا» .
وَعَنِ ابْنُ عُمَرِ ﵄ – أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مِنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ – يَعْنِي الثُّومَ – فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» .
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا – أَوْ -: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا» .
وَفِي رِوَايِةٍ لِمُسِلْمٍ: «مَنْ أَكَلَ البَصَلَ وَالثُّومَ وَالكُرَّاثَ، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا تَأَذّى مِنْهُ بَنُوا آدَمَ» .
وَعَنْ عُمَرَ بنُ الخَطَّاب ﵁ – أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَ الجُمُعَة فَقَالَ في خُطْبَتِهِ: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ، الْبَصَلُ، وَالثّومُ وَلَقَدْ رَأيتُ رَسولَ اللهَ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُل فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى البَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمْتُهَا طَبْخا) .
стр. 552
اللَّهُمَّ أعْطِنا من الْخَيْرِ فَوقَ ما نَرْجُو، واصْرِفْ عنَّا مِن السُّوءِ فَوقَ ما نَحْذَرُ. اللَّهُمَّ عَلِّقْ قُلُوبَنَا بِرَجائِكَ واقْطَعْ رَجَاءَنَا عَمَّنْ سِوَاكَ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ عُيُوبَنَا فاسْتُرْهَا وتَعْلَمَ حَاجَاتِنَا فَاقْضِهَا كَفَى بِكَ وليًّا وكَفَى بِكَ نَصِيرًا يا رَبَّ العالمينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ سَبِيلِ عِبَادِكَ الأَخْيارِ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسجِدِ عَنْ صَغِيرٍ لا يُمَيّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَأَنْ يُصَانَ عَنْ مُجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ، وَعَنْ لِغَطٍ، وَخُصُومَةٍ، وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاغٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وَعَنْ رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّعِبِ وَغَيْرِهِ، وَيُمْنَعَ فِيهِ اخْتِلاطُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِيذَاءُ المُصَلّينَ وَغَيْرِهِم بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَيُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ دُخُولِهِ. وَعَنْ وَاثِلَةَ بنُ الأُسْقعِ: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُم صِبْيَانِكُم وَمَجَانِينكَمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا المَطَاهِرَ وَجَمَّرُوهَا في الجُمَعِ» .
وَعَنْ عَبْدِ الله - يَعْنِي ابنُ مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَيَكُونُ في آخرُ الزَّمَانِ قُوْمٌ يَكونُ حَدِيثُهُمْ في مَسَاجِدِهِمْ لَيْسَ لِلِّهِ فِيهم حَاجِةٌ» .
رَأَى أَبُو مُسْلِم الخَوَلانِي جَمَاعَةً فِي المَسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهِمِ لِيَجْلِسَ مَعَهُمْ وَظَنَّ أَنَّهُمْ فِي ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فَوَجَدَهُمْ في ذِكْر الدُّنْيَا فَقَالَ: أَنْتُمْ في سُوقِ الدُّنْيَا وَحَسِبْتُ أَنكُم في سُوقِ الآخِرة وَأَعْرض عَنْهُمْ.
وَعَنْ حَكِيم بن حِزامٍ ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تُقَامُ الحدودُ في المَسَاجِدِ، وَلا يُسْتَقَادُ فِيهَا» .
وَعَنِ الحَسَنِ – ﵀ – مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَأْتِي
стр. 553
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُم في مَسَاجِدِهم في أَمْرِ دُنْيَاهُم فَلا تُجَالِسُوهُم فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهم حَاجَةْ» .
وَعَنْ السَّائِب بنُ يَزيدٍ قَالَ: (كُنْتُ نَائِمًا في الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بن الْخَطَّاب فقال: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْن فَجِئْتُهُ بِهِمَا فَقَالَ: مِمَّنْ أنْتُمَا - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفُ قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لأَوْجَعْتُكُمَا تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسولِ الله ﷺ ) .
وَعَنْ مَالِكِ قَالَ: بَنَى عُمَرُ ﵁ رَحَبَةٍ نَاحِيَةِ تُسَمَّى (البَطْحَاء) وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدِ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا، أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إلى هَذِهِ الرَّحَبَةِ.
وَعَنْ أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا اتَّخَذَ الفَيء دُولاً وَالأمانةُ مُغْنَمَا وَالزكاةُ مَغْرمًا وَتُعلّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَأطاعَ الرَّجُلٌ امْرَأتَهُ وَعَقَّ أُمَّهْ، وَأَدْنَى صَدِيقهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرِتِ الأَصْواتُ في الْمَسَاجِدِ وَسَادَ القبيلةَ فَاسْقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ القَومِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرَمَ الرّجُلُ مَخَافَةِ شَرِّه وظَهرتِ القَيْنَاتُ والمعازفُ، وشُرِبَتِ الخمورُ، ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةُ أَوْلَهَا فَارْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةَ وَخَسْفَا وَمَسَخَا، وَقَذْفَا وَآياتِ تَتَابَع كَنِظَامِ قُطِعَ سلْكه فَتَتَابَعْ» .
شِعْرًا:
قَدِّم لِنَفسِكَ تَوبَةً مَرجُوَّةً ... قَبلَ المَماتِ وَقَبلَ حَبسِ الأَلسُنِ
بادِر بِها عُلَقَ النُفوسِ فَإِنَّها ... ذُخرٌ وَغُنمٌ لِلمُنيبِ المُحسِنِ
٤- يَنْبَغِي تَجْنِيبُ الْمَسَاجِدِ البَيْع والشرّاء، ورَفْع الصّوتِ وَنَشْدَانْ الضَّالةِ فِيهَا. واللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم.
(فَصْلٌ) : وَيَحْرَمُ فِي الْمَسْجِد البيعُ وَالشِّرَاء، فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِحَدِيثِ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (نهى رسولُ الله ﷺ عن
стр. 554
البيع والابتياعِ وعَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَار في المساجِدِ) . رواهُ أحْمد، وأبو داود، والنِّسَائي، والترمذي وحَسّنه.
وَيُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى في المسجد: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَك، لِمَا وَرَدَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لاَ أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لاَ رَدَّها اللَّهُ عَلَيْكَ» . رواهُ الترمذي، والدارمي.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، والتحذيرُ عَنْهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ المساجدِ الكُتُبِ التِي فِيهَا صُورُ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ، كَالهِجَاءِ لِلسَّنَةِ الأولى الاِبْتِدَائِيَةِ، وَكَالمطالَعَةِ لِسَائِرِ السَّنَواتِ وَكالعلومِ، فإنَّ بَعْضَ التَّلامِيذِ يَأتُونَ بِهَا إِلى المسَاجدِ لِيُطَالِعوا فِيهَا وَإِذَا تَخَلَّقَتْ وَضَعَها في المسجد، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ – قَالَ: وَعَدَ رَسُولَ اللهِ جِبْرِيلُ أَن يَأْتِيَهُ فَرَاثَ عليهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى رَسُول الله ﷺ فخرَج فَلَقِيهَ جِبْرِيلُ فَشَكا إليه فقال: (إنَّا لا نَدْخُلِ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا سُورة) . رواهُ البُخَاري.
وَيُسَنُّ صَوْنُ المسجد عن إنْشَادِ شِعْرٍ قَبِيحٍ، وَإِنْشَادِ ضَالَّة وَنُشْدَانِهَا، وَيُسَنُّ لِسَامِع نُشْدَانِ الضَّالة أَنْ يَقُول: لا رَدّهَا الله عَلَيْكَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هريرة ﵁ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِ ﷺ : «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يُنْشِدُ فِي المسجدِ ضَالَّةً فَلَيْقُلْ: لا أَدَّاهَا الله إليكَ، فَإِنَّ المساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» . رَواهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِم، وابن مَاجَة.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَجُلاً نَشَدَ في المسجِدِ فَقَال: مَنْ دَعَا إلى الجَمَل الأحْمَر؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : «لا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ المساجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» . رواهُ أحْمَدُ، وَمُسْلِمُ، وابن ماجَة.
٥- حُرْمَةِ الْمُبَالَغةِ في زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدْ:
стр. 555
وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهَا بِنَقْشٍ وَصِبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّي عَنْ صَلاتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الوقْفِ حَرُمَ فِعْلُه، وَوَجَبَ ضَمَانُ مَالِ الْمُوْقَفِ الذي صُرِفَ فِيهِ لا لِمَصْلَحةٍ فِيهِ.
عَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أُمِرْتُ بِتَشيِدِ المساجد» . قَالَ ابن عَبَّاس ﵄: (لَتُزَخْرِفُنَّها كَمَا زَخْرَفَتِ اليهودُ والنّصارى» . رواه أبو داود.
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبي ﷺ قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاس في المساجد» . رواهُ الخمسةُ إلا الترمذي.
وقالَ البخارِي: ﵀ قالَ أبو سَعيد: كَانَ سَقْفُ المسجدِ مِنْ جَريدِ النَّخل وأمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ المسجِدِ وَقَال: أَكِنَّ الناسَ مِن المطر، وَإِيَّاكَ أن تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَيَنْبَغِي أَنْ لا يَسْتَعْمِلَ النَّاسُ حُصُرَ المسجدِ وَقَنَادِيلَهُ وَسَجَاجِيدَهُ وَبُسَطَهُ وَسَائِرَ ما وُقِفَ لِمَصَالِحِه في مَصَالِّهِمْ، كالأعراسِ وَيَجِبُ صَرْفُ الوَقْفِ لِلْجِهَةِ التِي عَيَّنَهَا الواقِفْ.
٦- كَراهةُ التِزَامِ مَوْضِع مُعَيَّنٍ مِنَ الْمَسْجِدِ للصَّلاةِ لِغيرِ الإمام:
وَيَكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ مُدَاوَمَةُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِن المَسجدِ لا يُصَلي إلا فِيه لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن شبل قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ: «نَقَرْةِ الغُرابْ، وَافْتِرَاشِ السَّبْع، وَأنْ يُوَطّنَ الرِّجلُ المكانَ في المسجد كَمَا يُوَطّنُ البَعِيرُ» . رواهُ أبو داود، والنِّسائي، والدّارمي. فَإِنْ دَاوَمَ عَلى الصلاة بموضعٍ فَلَيْسَ هو أَوْلَى مِنْ غَيْرهِ فَإِذَا قَامَ مِنْه فلغيره أجُلُوسُ فِيهِ لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلى مباحٍ فَهُوَ لَه» . قالَ في الاختِيَارَاتِ الفقهيةِ وَإِذَا فَرَشَ مُصلى وَلَمْ يَجْلِس عليه لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ في أَظْهَرِ قَوْلَي العُلَماء قُلْتُ: وَمِثْلُهُ وَضْعُ خِرْقَة أوْ عَصَا أو نَعْل أوْ تَقْدِيم خَادِمٍ أَوْ وَلَدٍ ثُمَّ إِذَا حَضَرَ قامَ عَنْهُ وَجَلَسَ فِيهِ فَهَذَا لا يَجوزُ. والله أعلم.
стр. 556
وَقَالَ في إِغَاثَةِ اللَّهْفَانْ: وَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللهِ ﷺ على سُجَّادَةٍ قَطْ وَلا كَانَتْ السُّجّادَةُ تُفْرَشُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَلْ كَانَ يُصَلّي عَلَى الأَرْض وَرُبَّمَا سَجَدَ على الطِّينِ وَكانَ يُصَلّي عَلى الْحَصِيرِ فَيُصَلي على ما اتَّفَقَ بَسْطُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ صَلَّى على الأَرض.
قَالَ النَّاظِمُ لاخْتِيَارَاتِ شَيْخِ الإِسْلام بن تَيْمِيَّةَ ﵀:
وَوَضْعُ الْمُصَلّي في الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ ... وَلَيْسَ مِنَ الْهَدْي القَوِيمِ الْمُحَمَّدِ
وَتَقْدِيمُهُ في الصّفِ حَجْرٌ لِرَوْضِةٍ ... وَغَصْبٌ لَهَا عَنْ دَاخِلٍ مُتَعَبِّدِ
وَيُشْبِهُهُ وَضْعُ العَصَاءِ وَحُكْمُهَا ... كَحُكْم الْمُصَلَّى في ابْتِدَاعِ التَّعَبُّدِ
بَلَى مُسْتَحَبَّ أَنْ يُمَاطَا وَيُرْفَعَا ... عَنْ الدَّاخِلينَ الرَّاكِعينَ بِمَسْجِدِ
لَئِنّ لَمْ يَكُنْ هَذَا بِنَص مُقَرَّرٍ ... وَلا فِعْلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
فَخَيْرُ الأُمُورِ السَّالِفَاتُ عَلى الْهُدَى ... وَشَرُّ الأمورِ الْمُحْدَثَاتُ فَبَعّدِ
اللَّهُمَّ أَلْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ الأَبْرَارْ، وَآتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) في الأيَّامِ التِي يُسَنّ أَوْ يَكْرَهُ صِيَامُها
وَيَبْحثُ في:
١- مَا وَرَدَ مِنَ الثَّوَابِ العظيم في صَوْم بَعْضِ الأَيَّام.
٢- بَيَانُ الأَيَّامِ التِي يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمَ صِيَامُهَا، وَالنَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بالغير.
١- مَا وَرَدَ مِنَ الثَّوَابِ العظيم في صَوْم بَعْضِ الأَيَّام:
يُسَنُّ صِيَامُ أَيَّامِ البيضْ، وَهِيَ الثَّالثُ عَشَرَ وَالرَّابعُ عَشَرَ والخامِسُ عشر، لِمَا
стр. 557
وَرَدَ عَنْ أَبَي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَا فَصُمْ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» . رواهُ الترمِذى.
وَعَنْ قَتَادَة بْنِ مِلْحَانُ ﵁ قالَ: (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يأمُرنا بِصِيَامِ أَيَّامِ الْبِيضِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ) . رواه أبو داود
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁: (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: (أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاَثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاَةِ الضُّحَى وَبِأَنْ لاَ أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيُسَنّ صِيامُ أَيَّامِ الاثنين والخَمِيسِ، وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يومِ الاثْنِينِ فَقَالَ: «ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ فِيهِ، وَأَنْزِلَ عَليَّ فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْم الاثْنَيْنِ والخَمِيس فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . رواهُ التّرمِذي، وَقَال: حَدِيثُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ صَوْم.
وَعَنْ أَبِي أَيُّوبٍ الأنْصَارِيّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَاسْتَحَبَّ صِيَامُ سِتَّةٍ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالِ أَكْثَرُ العُلَمَاء وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُوسٍ، والشَّعْبِي، وَمَيْمُونِ بْنِ مَهْرَان وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ الْمُبَارَكْ ﵏ وأكْثَرُ العُلَمَاء: عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صِيَامُها مُتَتَابَعة أولُ الشَّهْرِ ثَانِي الفُطْر وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوع: «مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرُ مُتَتَابِعَة فَكَأَنَّمَا صَامَ السَّنَة» . أخْرَجَهُ الطَّبَرَانِي وَغَيْرِهِ.
стр. 558
وَفِي حَدِيثِ عِمْرَان بنُ حُصَيْنٍ ﵁ عَنْ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قال لِرَجُل: «إِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ» . وَإِنَّمَا كَانَ صِيَامُ رَمَضَانَ وإتِّبَاعُهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوّالَ يَعْدِلُ صِيَامَ الدَّهْرِ لأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا.
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُفْسَّرًا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشْرَةِ أَشْهُر، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ» . يَعْنِي صِيَام رَمَضَانَ وَسِتّةِ أَيَّامٍ بَعْدَهْ. أَخْرَجَه: الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِي وَهَذَا لَفْظُ ْ. وَخَرَّجَهُ: ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، صَحَّحَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِي.
وَيُسَنُّ صِيَامُ يومِ عَرَفَة لِغَيْرِ حَاجٍّ بِهَا، وَشَهْرُ الْمُحَرَّمِ وَآكِدُهُ العَاشِرُ ثُمَّ التَّاسِعُ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانِ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدُ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَال: قال عمر ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ مَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كلَّه؟ قَالَ: «لاَ صَامَ وَلاَ أَفْطَرَ» . وقال: «لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ» . قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «وَيُطِيقُ أَحَدٌ» . قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذَلِكَ صَوْمُ دَاوُدَ» . قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّى طُوِّقْتُ ذَلِكَ» . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلاَثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ احْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابن عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاء وأَمَرَ بِصِيَامِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ ﵄: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
стр. 559
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ (نَهَى عَنْ صَوْم يومِ عَرَفَة بِعَرَفَةَ) . رَوَاهُ أَبُو دَاود، والنِّسَائِي، وابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِهِ.
وَيُسَنُّ صِيَامِ تَسْعُ ذِي الحِجَّةِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّام العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامْ» . يَعْنِي أَيَّامِ العَشْرِ قَالُوا: يَا رسولَ اللهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» . رَوَاهُ البُخَارِي.
شِعْرًا:
تَكَلَّمْ بِمَا يَنْفَعْكَ في الدِّينِ إِنَّمَا ... كَلامُكَ حَيُّ وَالسُّكُوتُ جَمَادُ
وَدَاوِمْ عَلَى ذِكْرِ الإِلَهِ فَإِنَّهُ ... شِفَاءُ لِقَلْبٍ قَدْ غَشَاهُ فَسَادُ
وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهَا مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ فِيهَا لَيَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، وَلَيْلَةٍ فِيهَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ» . رواهُ ابن ماجة، والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ غريب.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلَك التَّوبَةَ وَدَوامَها، وَنَعُوذُ بِكَ مِن المَعْصِيَةِ وأَسْبَابها، اللَّهُمَّ أفِضِ علينا مِن بَحْرِ كَرَمِكَ وَعَوْنِك حَتَى نَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا على السّلامَةِ مِن وَبَالِها وَارْأُفْ بِنَا رَأْفَةَ الحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ عِنْدَ الشّدَائِدِ وَنُزُولِها، وارْحَمْنا مِن هُمُومِ الدّنْيَا وَغُمومِها بالرَّوْحِ والرّيْحانِ إِلى الجنةِ وَنَعِيمِها، وَمَتَّعْنا بالنَّظَرِ إِلى وَجْهكَ الكريم في جَنَّاتِ النَّعيمْ مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصّدّيقينَ والشَّهداءِ والصّالِحين، واغْفِرْ لَنَا ولوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ المُسْلِمينَ، الأَحياءِ منهم والميتينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصحبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : في بَيَانِ الأَيَّامِ التِي يُكْرَه أَوْ يُحْرَم صِيَامُهَا وَالنَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّه بالغَيْرِ
стр. 560
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبَ بِالصَّوْمِ، وَالْجُمُعَةِ، وَالسَّبْتِ، أَمَّا رَجَبٌ: فَلما رَوى أَحْمد ﵀ عَنْ خَرْشَةَ بِنْ الْحُرِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ المُترِّجِبين حَتَّى يَضعُوها في الطَّعَامِ وَيَقُولُ: كُلُوا! فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ.
وَبِإسْنَادِهِ عَنْ ابن عُمَرْ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى النَّاس وَمَا يَعِدّونَهُ لِرَجَبْ كَرِهَه وَقَالَ: (صُومُوا مِنْهُ وَأَفْطِرُوا) .
وَأَمَّا الْجُمُعَة: فَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا تُخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةَ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، ولا تُخُصُّوا يَومَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ من بَيْن الأَيَّامِ إِلا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يَصُومَنّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَه» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا السَّبْتُ: لِمَا رَوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» . رواهُ الخمسَةُ إِلا النِّسَائِي.
وَيُكْرَهُ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا تَقْدِمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة ﵁ بِلَفْظِ: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ» .
стр. 561
وَيُكْرَهُ صَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ وَكُلَّ عِيدٍِ لِلْكُفَّارَ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الكُفَّار في تَعْظِيمِهَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ ﵄: مَنْ تَأَسَّى بِبِلادِ الأَعَاجِمِ نَيْرُوزِهِمْ وَمَهْرَجَانِهمْ وَتَشَبَّهَ بِهم حَتَّى يَمُوتُ حُشرَ مَعَهُمْ.
قَالَ الشَّيْخُ وَغَيْرِهِ: مَا لَمْ يُوافِقْ عَادَةً أَوْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرٍ وَنَحْوِهْ قَالَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ الذي يَكُونُ في آخِر صَوْمِهِمْ كَيَومِ (عيدِ المائِدَةِ) وَيَوْمِ الأَحد الذي يُسَمّونَهُ (عِيْدَ الفُصْحِ) و (عيد النُّورِ) و (العيدِ الكَبِيرِ) وَنَحْو ذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُسْلِمْ أَنْ يُشَابِهَهُمْ في أَصْلِهِ وَلا فِي وَصْفِهِ.
وَقَالَ: لا يَحِلّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا في شَيْء مِمَّا يَخْتَصُّ بأعْيَادِهِم لا مِنْ طَعامٍ، وَلا مِنْ لِبَاسٍ، وَلا اغْتِسَالٍ، وَلا إِيقَادِ نِيْرَانٍ، ولا تَبْطِيلِ عَادَةٍ مِنْ مَعِيشَةٍ أَوْ عِبَادَةٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَلا تُمَكَّنُ الصّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ مِن اللَّعِبَ التِي في الأَعْيَادِ، وَلا إِظْهَارِ زِينَةٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَخُصُّوا أَعْيَادَهُمْ بِشَيءٍ مِنْ شَعَائِرِهِمْ بَلْ يَكُونُ يَوْمَ عِيدِهم عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ الأَيَّامِ، لا يَخُصَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيءٍ مِنْ خَصَائِصَهِمْ.
وَتَخْصِيصُهُ بِمَا تَقَدَّمَ لا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءْ، بَلْ قَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ العُلَمَاءَ إلى كُفْرِ مَنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الأُمُورَ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ لأنهم أَعْدَاءٌ الله والمسلمين ولا يألون جهدًا فيما يَضُرُّ الْمُسْلِمِين.
شِعْرًا:
تَوق مُعَادَات الإلهِ فإنَّهَا ... مُكَدِّرةٌ لِلصَّفْوِ في كُلِّ مَشْرَبِ
آخر:
إِذا وَتَرتَ أمرًا فَاِحذَر عَداوَتَهُ ... مَن يَزرَعِ الشَوكَ لا يَحصُد بِهِ عِنَبا
إِنَّ العَدُوَّ وَإِن أَبدى مُسالَمَةً ... إِذا رَأى مِنكَ يَوماً غِرَّةً وَثَبا
آخر:
وَمَا غُرْبَةُ الإنْسَانِ في شُقَّةِ النَّوى ... وَلكنَّهَا وَاللهِ في بَلَدِ الكُفْر
стр. 562
وقَدْ اشْتَرَطَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين أَن لا يُظْهِرُوا أَعْيَادَهُمْ في دِيَارِ الْمُسْلِمِينْ فَكَيْفَ إِذَا أَظْهَرَها الْمُسْلِمُونَ؟ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بن الخَطَّاب: لا تَتَعَلَّمُوا رِطَانةَ الأَعَاجِمِ، وَلا تَدْخُلُوا عَلَى المشركين في كَنَائِسِهمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ الشُّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَفْعَلُ مَا يُسْخِطُ اللهِ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا هُوَ مِنْ شَعَائِرِهِمْ؟ وَقَالَ عُمَرُ: مَا تَعَلّمَ رَجُلٌ الفَارِسِيَّةَ إلا خَبَّ وَلا خَبَّ إلا نَقَضَتْ مَرُوءَتُهْ.
وَقَدْ قَالَ غَيْرُ واحد من السَّلَفِ في قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قَال: أَعْيَادُ الكُفَّارِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا في شُهُودِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْل فَكَيْفَ بِالأَفْعَالِ التِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِهَا؟!
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ في الْمُسْنَدِ وَالسُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَشَبّهَ بقومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» . وَفِي لَفْظ: «لَيْسَ مِنّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا» . وَهُوَ حَدِيثٌ جَيّدٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي التَّشَبُّهِ - وَإِنْ كَانَ مِنْ العَادَاتِ فَكَيْفَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ؟
وَقَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀: اعْتِيَادُ اللّغَةِ يُؤَثِّر في العَقْلِ والخُلُقِ والدِّينِ تَأْثِيرًا قَوِيًّا بَيِّنًا بِحَسَبِ تِلْكَ اللُّغَةِ. وَقَالَ في اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ المستقيم: عن نافِع عَنْ ابنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بالعَرَبِيّة فَلا يَتَكَلّمُ بالعُجْمَةِ فَإِنَّهُ يُوَرّثُ النِّفَاق» .
قَالَ ابنُ القيمِ ﵀ عَلَى حَدِيث: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أَي بالانْدِمَاجِ وَتَلاشَتْ شَخْصِيَّتُه فِيهم فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا عَنْ تَعْظِيمٍ وَإِكْبَارٍ لَهُمْ فَهُوَ لِذَلِكَ يُلْغِي شَخْصِيَّتَهُ وَيَتَلاشَى في شَخْصِيَّةِ الآخَرين، فَمَنْ تَشَبَّهَ بالرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِإلْغَاءِ شَخْصِيَّةِ الجاهليةِ السَّفِيهَةِ وَانْدِمَجِ في مَعْنَوِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عِلْمًا وَعَمَلاً وَاعْتِقَادًا وَأَدَبًا، فَهُوَ بِلا شَكٍ مِنْهُمْ.
стр. 563
وَمَنْ تَشَبَّعَ بالإِفْرِنْجِ فِي لِبَاسِهِم وَأَخْلاقِهِمْ وَنُظُمِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ فَهُوَ بِلا شَكّ إِفْرَنْجِي غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمْ، فَلِهَذَا التَّشَبُّهِ وَنَتَائِجِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ نَرَى الْمُعْظِّمِينَ للنَّصَارَى وَالوَثَنِيِّينَ الْحَرِيصِينَ عَلَى التَّشَبُّهِ بِهِمْ والانْدِمَاجِ فِيهِمْ يُعَاوِنُونَهُمْ على الضَّرَرِ بِدِينِهم وَبِلادِهِمْ وَأُمَمِهِم عَنْ قَصْد وَعَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. أهـ.
وَيُكْرَهُ وصَالٌ إِلا مِنَ النَّبِيّ ﷺ ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» . فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلاَلَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ» . كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ، حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلا يَجُوزُ صَوْمُ العِيدَيْن عَنْ فَرْضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهَا كَانَ عَاصِيًا وَلا يُجْزءُ عَنْ الفَرْضِ.
وَلا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّام التَّشْرِيقِ إِلا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقَرَانٍ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْد مَوْلَى أَزْهَرْ قَالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ ابنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: (هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسْكُكُمْ) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَلِمَا رُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةِ الهُذَلِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ » . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 564
وَعَنْ عَائِشَةِ وابن عُمَرَ ﵃ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ : (نَهَى عَنْ صَوْمِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ في السَّنَةِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَثَلاثَةِ أَيَّام التَّشْرِيق) . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي.
اللَّهُمَّ نَجَّنَا بِرَحْمَتِكَ مِن النَّارِ وَعَافِينَا مِنْ دَارِ الْخِزْيِ وَالبَوَارِ وَأَدْخِلْنَا بِفَضْلِكَ الْجَنَّةَ دارَ القَرارِ وَعَامِلْنَا بِكَرَمِكَ وَجُودِكَ يَا كَرِيمُ يَا غَفَّارُ، وَاغْفِرَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ والْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَوَائِدْ) : مُجَالَسةُ العَارِفِ الزَّاهِدِ تَدْعُو مِنْ سَتٍّ إلى سِتْ:
مِنَ الشَّكِ إلى اليَقِينْ.
وَمِنْ الرِّيَاءِ إِلى الإِخْلاصِ.
وَمِنْ الغُفْلَةِ إِلى الذِّكْرِ.
وَمِنْ الرَّغْبَةِ في الدُّنْيَا إِلى الرَّغْبَةِ في الآخِرَةِ.
وَمِنْ الكِبْرِ إِلى التَّوَاضُعِ.
وَمِنْ سُوءِ الطَّوِيَّةِ إلى النَّصِيحَةْ.
الأَفْضَلُ في أَوْقَاتِ السَّحَرِ الاشْتِغَالُ بِقِرَاءَةِ القُرْآن وَالصَّلاةُ وَالاسْتِغْفَارِ.
وفي وقت الأذان إجابة المؤذن والدعاء لأنه وقت إجابة.
وفي وقت الصلوات الخمس الاستعداد لها والجد والاجتهاد والحرص على طرد الأفكار الصادة عن تأمل معاني الآيات والتسبيح والتكبير.
والنصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إلى تأديتها في أول وقتها والخروج إلى الجامع وإن بعد كان أفضل لكثرة الخطا.
والأفضلُ في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالمال أو الجاه أو البدن، الاشتغالُ بمساعدته وإغاثَتِهِ.
والأفضلُ في وقتِ قراءة القُرآن الحرص على تدبره وتفهمه حتى كأَنَّ اللهَ
стр. 565
تعالى يخاطبه به وَيَعزِمُ على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
والأفضلُ في عشر ذو الحجة الاجتهاد والحرص على الإكثار من الأعمال الصالحة والدعاء والتضرع والإكثار من قراءة القرآن وذكر الله.
والأفضل في الوقوف بعرفة الاجتهاد في الدعاء والتضرع والإكثار من قول: لا إله إلا الله.
والأفضل في العشر الأخير من رمضان لزوم المساجد والخلوة والاعتكاف وتلاوة القرآن.
والإكثار من الباقيات الصالحات والحرص على إخراج الزكاة في هذا الشهر المبارك وإفطار الصوام.
والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادتهُ، وحُضُورُ جنازته وتشييعُه وتقديم ذلك على خلواتك وَجَمْعِيَّتِكَ.
والأفضل في وقت نزول النوازل وأذاةِ الناس لك أداءُ واجبِ الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم.
فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضلُ مِن الذي لا يخالطهم ولا يؤذونه.
والأفضلُ خلطتهم في الخير فهي خَيرٌ من اعْتِزَالِهِم فيه واعتزالهُم في الشر أفضل فإنْ علم أنه إذا خالطهم أزالهُ أو قلَّلَهُ فخلطتهم حينئذٍ أفضلُ من اعْتِزَالِهِم.
شِعْرًا:
إِنّي أَرِقتُ وَذِكرُ المَوتِ أَرَّقَني ... وَقُلتُ لِلدَّمْعِ أَسْعِدني فَأَسْعَدَني
يَا مَنْ يَمُوتُ فَلَمْ يَحْزَنْ لِمَيتَتِهِ ... وَمَنْ يَمُوتُ فَمَا أَوْلاهُ بِالحَزَنِ
تَبغي النَجاةَ مِنَ الأَحْدَاثِ مُحتَرِسًا ... وَإِنَّمَا أَنْتَ وَالعِلاتُ في قَرَنِ
يَا صَاحِبَ الرُّوحِ ذي الأَنْفَاسِ في البَدَنِ ... بَينَ النَهارِ وَبَينَ اللَّيْلِ مُرتَهَنِ
لَقَلَّما يَتَخَطّاكَ اِختِلافُهُمَا ... حَتّى يُفَرِّقَ بَينَ الرُّوحِ وَالبَدَنِ
следующие страницы →