Полный текст (3 875 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
موارد الظمآن لدروس الزمان
خطب وحكم وأحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأخلاق حسان
تَأْلِيفُ
الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ
عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض - سابقاً
الطبعة: الثلاثون، ١٤٢٤ هـ
стр. 2
وَقْفٌ للهِ تَعَالَى
تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ
عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض
سابقاً
الجزء الأول
بالله يا ناظرًا فيه ومنتفعًا ... مِنْهُ سَلِ اللهَ تَوْفِيقًا لِجَامِعِهِ
وَقُلْ أنلْهُ إِلَهَ الْعَرْشِ مَغْفِرَةً ... وَاقْبَلْ دُعَاه وَجَنِّبْ عن مَوَانِعِهِ
وَخُصَّ نَفْسَكَ مِنْ خَيْرٍ دَعَوْتَ بِهِ ... ومَن يَقُومُ بِمَا يَكْفِي لِطَابِعِهِ
وَالْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا مَا بَدَا قَمَرٌ ... أَو كَوْكَبٌ مُسْتَنِيرٌ مِن مَطَالِعهِ
آخر:
وما اكْتَسبَ المَعَالِيَ طَالِبُوْهَا ... بِمِثْلِ أَداءِ مَا افْتَرَضَ الجَلِيْلُ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فوائد عَظِيمَة النفعِ
قال بعضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سَبِيْلِ النُصْحِ والإِرْشَادِ: يَا هَذَا إنَّمَا خُلِقَتِ الدُّنْيَا لِتَجُوزَهَا لا لِتَحُوزَهَا، ولِتَعْبُرَها لا لِتَعْمُرها فاقْتُلْ هَوَاكَ الْمَائِلَ إِلَيْهَا ولا تُعَوّلْ عَلَيهَا. واعْلَمْ أَنَّ الدُنْيَا مَزْرعةُ النَّوائِبِ ومَشْرَعَةُ المَصَائِبِ ومُفَرّقَةُ المَجَامِعِ ومُجْرِيَةُ المَدَامِعْ.
(١)
اللِّيْلُ والنَّهار يَعْمَلان فِيْكَ فاعْمَلْ فيهما أَعْمَالاً صَالِحَةً تَرْبَحَ وتَحْمَدِ العَاقِبةَ الحَمَيْدَة إن شاء الله تعالى.
فائدة: حفْظُ الأَوْقَاتِ تُفيْد الأَعْمَارَ وَتُكْثِرُ الآثارْ والله الموفق.
وَالوَقْتَ أَنْفَسُ ما عُنِيْتَ بِحْفظِهِ ... وَأرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليْكَ يضِيْعُ
آخر: ... والعُمر أنفسُ مَا لإنسان مُنْفِقُهُ ... فاجْعَلْهُ في طَاعَةِ الرحمنِ مَصْرُوْفًا
(٢)
المَلائِكةُ يَكْتُبَان مَا تَلفَّظُ به، فَاحْرَصْ عَلَى أنْ لا تَنْطِقَ إلاَّ بِمَا يَسُرُّكَ يَوم القِيَامِة مِن ذِكر الله وما وَلاه.
(٣)
اعْلَم أنَّ قِصَرَ الأمَلِ عليه مَدِارٌ عظيم وحِصْنُ قِصَرِ الأمَلِ ذِكْرُ الموِتِ وحِصْنُ حِصْنِهِ ذِكْرُ فِجْأَةِ الموتِ وَأخْذُ الإِنسان على غِرَّةٍ وغَفْلةٍ، وهُوَ في غِرُرٍ وفُتُور عن العمل للآخرة، فأحفظ هذه الفوائد وأعمل بها تُفْلح وتَربَحْ إنْ شاءَ الله تعالى.
стр. 4
وَقَالَ بَعْضهم: الواجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ المُبَادَرَةُ إلَى الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ عَلَى أَيَّ حَالٍ كَانْ وَأنْ يَنْتَهِزَ فُرصْةَ الإمْكَانِ قَبْلَ مُفَاجأَةِ هَادِمِ اللَّذَاتِ وأَنْ يَتَوكِّلَ عَلَى اللهِ وَيَطْلُبَ مِنْهُ العَوْنَ في تَيْسِيْرهَا إلَيْهِ وَصَرْفِ المَوانِعِ الحَائِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
آخر: ... مُنَايَ مِن الدُّنْيَا عُلُومٌ أبثُهَا ... وأنْشُرُهَا في كُلِ بَادٍ وحَاضِرِ
دُعَاءً إِلَى القُرْآنِ والسُنَّةِ الَّتِي ... تَنَاسَى رِجُالٌ ذِكْرَهَا في المَحاضِرِ
وَقَدْ أبْدِلُوهَا الجَرَائِد تَارةً ... وتِلْفَازِهِمْ رأَسُ الشُرور المنَاكِرِ
ومِذْيَاعهِمْ أيْضًِا فلا تَنْس شَرَّهُ ... فكَمْ ضَاعَ مِن وَقْتٍ بِهَا بالخَسَائِرِ
آخر: ... كُلُ امْرئٍ فِيمَا يَدِينُ يُدَانُ ... سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَخْلُ مِنْ عِلْمِهِ مَكَانُ
يَا عَامِرَ الدُّنْيَا لِيَسْكُنَها وَمَا ... هِيَ باللَّتي يَبْقَى بِهَا سُكَّانُ
تَفْنَى وتَبْقَى الأَرضُ بَعْدَكِ مِثْلَمَا ... يَبْقَى المَكَانُ وتَرْحَلْ الرُّكْبَانُ
أَأُسَرُّ بالدنيا بكُلِّ زِيَادَةٍ ... وزِيَادَتِيْ فِيهَا هِيَ النُقْصَانٌ
آخر: ... كَأَنَّكَ لم تَسْمعْ بأخْبَار مَن مَضَى ... ولمْ تَرَ في البَاقِينَ مَا يَصْنَعُ الدَّهرُ
فِإِنْ كُنِتَ لا تَدري فَتِلْكَ دِيَارُهُم ... عَليها مَجَالُ الرِّيحِ بَعَدكَ والقَطْرُ
وَهَلْ أَبْصَرَتْ عَينَاكَ حيًّا بِمنزِلٍ ... عَلَى الأَرضِ إِلاَّ بالفَنَاءِ لَهُ قَبْرُ
وَأَهْلُ الثَّرَى نَحْوَ المَقَابِرِ شُرّعٌ ... وَلَيْسَ لَهْمُ إِلاَّ إِلَى رَبَّهمْ نَشْرُ
على ذَاكَ مَرُّوا أجْمَعُونَ وهكذا ... يَمُرُّونَ حتّى يَسْتَردُّهُم الحَشْرُ
فَلاَ تَحْسَبنَّ الوَفْرَ مَالاً جَمْعَتَهُ ... ولكنَّ مَا قَدَّمْتَ مِن صَالِحِ وَفْرُ
وَلَيْسَ الذِي يَبْقَى الذِي أَنْتَ جَامعٌ ... ولكنَّ مَا أَوْلَيْتَ مِنْهُ هُوَ الذُّخْرُ
قَضَى جَامِعُوا الأَمْوَالِ لَمْ يَتَزَوَّدُوا ... سِوَى الفَقْرِ يَا بُؤْسًا لِمَنْ زَادُهُ الفَقْرُ
بَلَى سَوفَ تَصْحُو حِيْنَ يَنْكَشِفُ الغَطَا ... وَتَذْكرُ قَوْلي حِيْنَ لا يَنْفَعُ الذِّكْرُ
وَمَا بَيْنَ مِيُلادِ الفَتَى وَوَفَاتِهِ ... إِذَا نَصَحَ الأَقْوَامُ أَنْفسَهُمْ عُمْرُ
لأَنَّ الذِي يَأْتِي كَمِثْلِ الذِي مَضَى ... وما هُو إِلاَّ وَقْتُكَ الضَّيِّقُ النَّزْرُ
فصَبْرًا على الأَوقاتِ حَتَّى تَحُوْزَهَا ... فَعَمَّا قَلِيْلٍ بَعْدَهَا يَنْفَعُ الصَّبْرُ
تَقْضِي المآربَ والسَّاعَاتُ سَاعِيَةٌ ... كأنَّهُنَّ صِعَابٌ تَحتَنَا ذُلُلُ
آخر: ... طالَ التَّبَسُط مِنَّا في حَوَائِجنَا ... وَإنَّمَا نَحْنُ فَوق الأرض أَضْيَافُ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ أَحَدُ العُلَماءِ رَحِمَهُ الله تَعالى: عَلَيْكَ يَا أَخِي بمُحَارَبَةِ الشَّيْطَانِ، وقَهْرِهِ، وذَلِكَ لِخَصْلَتَيْن أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَدُوٌ مُظلٌ مُبين، لا مَطْمَعَ فِيهِ بِمُصَالحَة وَاتَّقَاءِ شَرّه أَبَدًا، لأِنَّه لاَ يُرْضِيْهِ وَيُقْنِعُهُ إِلاَّ هَلاَكُكَ أَصْلاً، فَلا وَجْهَ إِذًا للأَمْنِ مِنْ هَذَا الْعَدُوْ وَالْغَفْلَةِ عَنْهِ، قَالَ اللهُ جَلَّ وعَلاَ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ ، وَالخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى عَدَاوَاتِكَ، ومُنْتَصِبٌ لِمُحَارِبَتِكَ، في اللَّيْلِ والنَّهَارِ يَرْمِيْكَ بسِهَامِهِ، وأَنْتَ غَافِلٌ عَنْهُ، ثُمَّ هُوَ لَهُ مَعَ جَمِيْعِ المؤمِنِيْنَ عَدَاوَةٌ عَامَةٌ، وَمَعَ المُجْتَهِدِ في العِبَادَةِ وَالعِلْمِ عَدَاوَةٌ خَاصَةٌ، ومَعَهُ عَلَيْكَ أَعْوَانُ: نَفْسُكَ الأمَّارَةِ بالسَّوْء، والهَوَى، والدُّنْيَا، وَهُوَ فارِغٌ وَأَنْتَ مَشْغُول، وَهُوَ يَرَاكَ وَأَنْتَ لاَ تَرَاه، وأَنْتَ تَنْسَاهُ وَهَوَ لاَ يَنْسَاكَ، فَإِذًا لاَ بُدَّ مِن مُحَارَبَتِهِ وَقَهْرِهِ، وَإِلاَّ فَلا تَأَمَنْ الفَسَادَ وَالهَلاكَ وَالدَّمَار، وَمُحَارَبَتُهُ بالاسْتِعَاذَةِ باللهِ والإِكثارِ من ذِكْرِهِ.
شعرًا: ... إِذَا شئتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا ... فَتُحْرِقَهُ حُزُنًا وَتَقْتُلَهُ غَمًّا
فَعَلَيْكَ بالإِخْلاصِ وَالزُّهْدِ والتُّقَى ... فَمَنْ فَازَ فِيهَا مَاتَ حُسَّادُهُ هَمًّا
آخر: ... وَلِمَ أَرَى كَالإِخْلاصِ للهِ وَحَدَهُ ... وَلا مِثل تقوْاهُ وَإكْثَارِ ذِكْرِهِ
فَصْلٌ
اعْلَمْ وَفَّقَنا اللهُ وَإيَّاكَ وَجَمِيْعَ المُسْلِميْنَ أنَّهُ لَم يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وتَابِعْيِهْم بإِحْسَانٍ تَعْظِيْمُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَالمُوَالِيْنَ لأَهْلِ البِدَعِ وَالمُنَادِيْنَ بِمُوَالاتِهمْ، لأَنّ أَهْلِ البِدَعِ مَرْضَى قُلُوب، وَيُخْشَى عَلَىَ مَنْ خَالطَهُمْ أَو اتَّصَلَ بِهِمْ أَنْ يَصِلَ إِلِيْهِ مِنْ مَا بِهِِِمْ مِنَ هَذَا الدَّاءِ العُضَال، لأِنّ المَرِيْضَ يُعْدِي الصَّحَيْحَ وَلاَ عَكسْ، فَالْحَذَرَ الحذرَ مِنْ جَمِيعِ أهْلِ
стр. 6
البدَعِ، وَمِنْ أهْلِ البِدَعِ الذَيْنَ يَجِبُ البُعْدُ عَنْهُمْ وَهِجَرانُهُمْ: الجَهْمِيَّةُ، والرَّافضَةُ، وَالْمُْعَتِزلَةُ، والْمَاتُرِيْدِيَّةُ، وَالخَوَارُِج، والصُّوْفِيَّةُ، والأَشَاعَرة، وَمَنْ عَلَىَ طَريْقَتِهمْ مِنَ الطَّوَائِف المُنْحَرِفَةِ عن طريقة السَّلَفْ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَحْذّرَهُمْ وَيُحَذِرَّ عَنْهُمَ وصلى الله على محمد وآله وسلم.
فائدة: وَقْتُ الإِنسان هُو عُمره وَمَادَة حَيَاتِه الأبدِيَّة في النَّعِيم المقيم وَمَادةُ المعِيْشَةِ الضَّنْكِ في العَذَابِ الأَلِيْم وَهو يَمَرُ مَرَّ السِّحَابْ.
شعرًا: ... إني أَبُثُّكَ مِنْ حَدِيثِي ... إِنَّ الحَدِيثَ لَهُ شُجُونُ
غَيَّرْتَ مَرْقَدَ نَوْمِي ... لَيلاً فَفَارَقَنِي السُّكُونُ
قُلْ لِي فَأَوَّلَ لَيْلَةٍ ... في القَبْرِ كَيْفَ تَرَى يَكُونُ
آخر: ... يَا مَنْ سِينَا عَنْ بَنِيهْ ... جَاءَ اليَقِينُ فَوَجَّهُوهْ
مَثِّلْ لِنَفْسِكَ قَوْلَهُمْ ... جَاءَ اليَقِينُ فَوَجَّهُوهْ
وَتَحَلَّلُوا مِنْ ظُلْمِهِ ... قِبْلَ المَمَاتِ وَحَلِّلُوهُ
آخر: ... أَعْوامُ لَهْوٍ كَانَ يُحْزِنُ ذِكْرُهُا ... قَلْبُ اللَّبِيبُ لِفَقْدِهَا لِلطَّاعَةِ
لَوْ أَنَّهَا مُلِئَتْ بِذِكْرِ إِلهِنَا ... وَتِلاَوَةِ القُرْآنِ زَالَتْ نَدَامَتِي
آخر: ... بِطَاعَتِكَ الإله تَنَالُ عِزًا ... وَتَسْعَدُ يَا فَتَى يَوْمَ الجَزَاءِ
آخر: ... عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ
لَوْ يَعْلَمُ العَبْدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ ... أَمْضَى الحَيَاةَ بِتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ
فائدة: العِلْمُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ ﷻ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤهُ وَمَا جَاءَ عَن رَسُولِهِ ﷺ خَيْرُ مِيْرَاثٍ والتَّوفيقُ مِن اللهِ خَيْرُ قاَئِدْ، والاجْتِهَادُ في طاعَةِ اللهِ خَيْرُ بِضَاعَة، ولا مَالَ أَحْسَنُ مِن عَمِل الرَّجُلِ في يَدِهُ، ولا مُصِيْبَةَ أَعْظم مِن الكُفْرِ باللهِ ولا عَوِينَ أَوْثَقَ من الاعْتِمَادِ على اللهِ ﷻ ، ثم مُشَاوَرَةِ
стр. 7
أَصْحَابِ الرَّأْي السَّدِيد مِن المُؤْمِنِيْن، وَلا أَوْحَشَ مِن الكِبْرِ، والكُفْرِ والعُجْبِ، والنَّفَاق، والإِلْحَادْ.
وقال يحيى بنُ معاذ: عَجِبْتُ مِن ثلاثة: رجُل يَرائي بَعِمْلِهَ مخُلوقًا مِثْلَه وَيتركُ أنْ يَعْمَلَهُ للهِ، وَرَجُل يَبْخَلُ بِمالهَ وَربهُ يستقرْضُه مِنه فلا يُقْرِضُهُ مِنه شَيْئًا، وَرَجُل يَرغَبُ في صُحْبةِ المخُلوقَين وَمَوَّدتِهَم والله يَدْعِوهُ إِلَى صُحْبَتِهِ وَمَودَتهِ.
ملاحظة: لا يسمح لأي إنسان أن يَخْتَصِرَهُ أوْ يَتَعَّرضَ له بما يُسَمُّونَه تَحقِيقًا لأِنَّ الاختصار سَبَبٌ لِتعطيِلٍ الأصْلِ والتحقيق أرَى أَنَّهُ اِتِهَامٌ لِلْمُؤُلِف، ولا يُطْبع إلا وقفًا لله تعالى على مَن يَنْتَفِعُ بِهِ مِن المسلمين.
فائدة عَظِيْمَةُ النَّفَعْ لِمَْن وَفَّقَهُ الله
ما أَنْعَم الله على عَبْدٍ نِعْمَةً أَفْضَلَ مِنْ أنْ عَرَّفَه لا إِلهَ إِلا الله، وفهَّمَهُ مَعْنَاهَا، وَوَفَّقَهُ لِلَعَمِلِ بِمُقْتَضَاهَا، والدَّعْوَةِ إِليْهَا.
شعرًا: ... عَلَيكَ مِنَ الأُمورِ بِما يُؤَدِي ... إِلى سُنَنِ السَلامَةِ وَالخَلاصِ
وَما تَرْجُو النَجاةَ بِهِ وَشيكاً ... وَفَوزاً يَومَ يُؤخَذُ بِالنَواصِي
آخر:
عَجِبْتُ لِمَنْ يَعْمُرُ قُصُورًا فَسِيحَةً ... لِيَسْكُنَهَا وَقْتًا قَلِيلاً وَيَرْحَلُ
وَيَتْرُكَ قَبْرًا فِِيهِ يَسْكُنُ وُحْدَهُ ... زَمَانًا طَوِيلاً ثُمَّ يَأْتِي يُهَرْوِلُ
إِلِى مَوْقِفٍ فِيهِ يِشِيبُ وَلِيدُهُ ... وَتُسْقِطُ ذَاتَ الحَمْلِ فِيهِ وَتَذْهَلُ
وَمِنْ بَعْدِهِ الأَهْوَالُ لَوْ قَدْ رَأَيْتَهَا ... لَطَلَّقْتَ دُنْبًا بِالثَلاَثِ مُعَجِّلُ
فَلِلِهِ دُرُّ الزَّاهِدِينَ بِجَيْفَةٍ ... عَلَيْهَا أُنَاسٌ جَاهِلُونَ وَغُفَّلُ
آخر:
آخِرُ يُسَّرُ بِصَفْوِ عَيْشَتِهِ الجَهُولُ ... وَتُعْجِبُهُ الإقَامَةُ وَالحُلُولُ
وَدُونَ مُقَامُه حَادٍ حَثِيثٌ ... عَنِيفُ السَّوْقِ وَالمَوْتُ السَّبِيلُ
стр. 8
سَبِيل مَا تَوَجَّهَ فِيهِ سَفُرٌ ... فَكَانَ لهُمْ إَلَى الدُّنْيَا قُفُولُ
طَرِيقٌ يَسْتَوِي لِلْخَلْقِ فِيهِ ... مَسَالِكَهم وَيَخْتَلِفُ المُقِيلُ
يُطَافُ عَلَيهِمُ بكُؤوس لَهْوِ ... وَمَزْجُ كُؤُوسِهَا الدَّاءُ الدَّخِيلُ
وَتَصْقَلُ وَجْهَهَا لَهُمُ خِدَاعًا ... وَتَحْتَ صِقَالِهَا السَّيفُ الصَّقِيلُ
آخر: ... أَكَبَّ بَنُوا الدُّنْيَا عَلَيهَا وَإِنَّهُمْ ... لَتَنْهَاهُمْ التَّقْوىَ عَنْهَا لَو انْتَهَوْا
أَيُّهَا النَّاظِرُ بَعْدِي في كِتَابِي ... مُسْتَفِيدًا مِنْهُ مَرْغُوبَ الطُّلاَبِ
قَاطِفًا مِنْهُ ثِمَارًا نُسِّقَتْ ... بِاجْتِهَادِي بِمَشِيبِي وَالشَّبَابِ
اهْدِ لِي مِنْكَ دُعَاءً صًالحًِا ... وَتَحَرَّى فِيهِ أَوْقَاتَ الإِجَابِ
آخر: (تَضَرُّعٌ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلاَ)
قَرُبَ الرَّحِيلُ إِلى دِيَار الآخرة ... فَاجْعَلْ بِفَضْلِكِ خَيْرُ عَمْرِي آخِرَهْ
وَارْحَمْ مَقِيلِي في القُبُور وَوِحْدَتِي ... وَارْحَمْ عِظَامِي حِينَ تَبْقَى نَاخِرَةْ
فَأَنَا الْمُسَيَكينُ الذي أَيَامُهُ ... وَلَّتْ بِأَوْزَارٍ غَدَتْ مُتَوَاتِرْةْ
فَلَئِنْ طُرِدْتُ فَمَنْ يَكُنْ لِي رَاحِمًا ... وَبِحَارُ جُودِكَ يَا إَلهِي زَاخِرَةْ
يَا مَالِكِي يِا خِالِقِي يِا رِازِقِي ... يِا رَاحِمِي الشيخ الكَبِيرِ وَنِاصِرُهْ
مَا لِي سِوَى قَصْدِي لِبَابِكَ سَيِّدِي ... فَاجْعَلْ بِفَضْلِكَ خَيْرَ عُمْرِي آخِرَهْ
آخر: ... دَعْ عَنْكَ ذِكْرَ فُلانَةً وَفُلانِ ... وَاتْرُكْ لِمَا يُلْهِي عَنِ الرَّحْمَنِ
وَاعْلَمْ بَأَنَّ المَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً ... وَجِمِيعَ مَا فَوْقَ البَسِيطَةِ فَانِ
فَإِلى مَتَى تَلْهُو وَقَلْبُكَ غَافِلٌ ... عَنِ ذِكْرِ يَوْمِ الحَشْرِ وَالِميزَانِ
أَتَرَاكَ لَمْ تَكُ سَامِعًا مَا قَدْ أَتَى ... في النَّصِ في الآيَاتِ بِالقُرْآنِ
فَانْظُرْ بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ وَلا تَكُنْ ... ذَا غَفْلَةٍ عَنْ طَاعَةِ الدَّيَانِ
(فَصْلٌ)
(١) (فوائدُ عظيمةُ النفعَ جِدًّا مما قاله العلماء: إعْلَمْ أنَّ قِصَرَ الأمل عليه مَدَارٌ
стр. 9
عظيم، وَحِصْنُ قِصَرِ الأمَلِ ذكْرُ الموت، وحِصْنُ حصْنِهِ ذكر فجأة الموت وَأخْذُ الإَنْسَانِ على غِرَّةٍ وغِفْلُةٍ وفي غُرور وفُتُورِ عن العمل للآخِرةْ) .
(٢) (اللَّيْلُ والنَّهارُ يَعْمَلان فيْكَ، فاعْمَلْ فيهما أعْمَالاً صَالِحَةً تَرْبَح وَتَحْمِدَ العَاقِبةَ الحَمِيْدَة إنْ شاءَ الله تَعالى) . والله الموفق.
وقال عيسى بن مريم ﵇: عَجبْتُ لِثلاثةٍ: لِغَافل ولَيْسَ بِمَغْفُولِ عَنْهْ، ومُؤَمِّلٍ دُنْيَاهُ والموتُ يَطلُبه، وبَانٍ قَصْرًا والقَبْرُ مَسْكَنُهُ.
(٣) (الملائكةُ يَكْتُبَان مَا تلَفَّظُ به، فاحْرَصْ عَلَى أن لا تَنْطِقَ إلا بِمَا يَسُرَّكَ يَوْمَ القِيَامَةْ كالْباقِيَاتِ الصَّالِحاتِ وَمَا وَالاهَا) .
شِعرًْا: ... وَإِنَّ أَحْسَنَ بَيْتٍ قَالَهُ رَجُلٌ ... بَيْتٌ تَضَمَّنَ تَوحِيدَ الذِّي خَلَقَ
آخر:
إِذَا المرءُ لَمْ يَعْصِي الإلَهَ بِفِعْلِهِ ... وَلا قَوْلِهِ فَهُوَ الأَدِيبُ المُهَذَّب
آخر:
تَمْضِي حَيَاتُكَ ثُمَّ تَبْقَى صَفْحَةٌ ... كَتَبْتَ يَدَاكَ سُطُورُهَا قَبْلَ الرَّدَى
مَهْمَا مَكَثْتَ فَأَنْتَ ضَيْفٍ رَاحِلٌ ... عَنْ ذِي الدِّيَار اليومَ حَتْمًا أَوْ غَدَا
فَاتْرُكْ إِذًا أَثَرًا لِذِكْرِكَ صَالحًا ... إِنْ كُنْتَ تَبْغِي أَنْ يَدُومَ مُخَلَّدا
(وَاسْأَلْ بِمَا سَأَلَ الخَلِيلُ إَلَهَهُ ... فِي سُورَةِ الشُّعَرَاء سُؤَالاً مُسَدَّدًا)
(فصل)
ومَن أرادَ طِبَاعَتِهِ ابْتغَاءَ وَجْه الله تَعَالى لا يُريْدُ به عرضًا مِن الدُّنيا، فقد أُذِنَ لَه في ذلك وَجَزَى الله خيرًا مَن طَبََعَهُ وَقْفًا لِلَّهِ، أو أعانَ على طبعِهِ، أو تَسَبَّبَ لِطَبْعِهِ وتوزيعه على إخوانه المسلمين. فقد وَرَدَ عنه ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله يُدْخِلُ في السَّهْمِ الوَاحِدِ ثلاثة نَفَرٍ الجَنَّة: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخيْرَ، والرَّامِيْ بِهِ، ومُنْبِلَه» الحديث. رواه أبو دود.
وورد عنه ﷺ أنه قال: «إِذَا مَاتَ الإِنسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له» . الحديث رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
стр. 10
وَعَنْ زَيْدْ بن خَالد ﵁ أنّ رسُول الله ﷺ قال: «مَنْ جَهَزَ غَازيًا في سَبيلِ الله فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلف غازيًا في أهْله بِخَير فَقَدْ غزا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِمَّا يلحَقُ المؤْمِن مِن عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ ونَشَرهُ، وَوَلدًا صَالحًا ترَكَهُ، أو مُصْحَفًا ورَّثهُ، أو مَسْجِدًا بَنَاهُ، أوْ بَيْتًا لاِبْن سَبِيْل بَنَاه، أوْ نَهْرًا أجْرَاهُ، أوْ صَدَقَةَ أخْرِجَهَا مِنْ مَالِهِ في صِحَّتِهِ وحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِن بَعْدِ مَوْتِهِ» . رواه ابن ماجَة، وابن خُزَيْمَة.
وَرَوَاهُ البَزَّارُ مِن حَدِيث أنسٍ إِلا أَنَّهُ قال: «سَبْعٌ تَجْرِي للْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ وهو في قبره: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أوْ كَرى نهَرًا، أَوْ حَفَرَ بئرًا، أوْ غَرسَ نَخْلاً، أوْ بَنَى مَسْجِدًا، أوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ له بَعْدَ مَوْتِهِ» .
فائدة عظيمة النَّفع
وَقَفَ قومَ على عَالِمَ فَقَالوا: لَهُ إِنَّا سَائِلِوُكَ أفَمُجِيبُنَا أَنْتَ قَالَ: سَلُوا وَلا تُكْثُرُوْا فإِنَّ النَّهار لَنْ يَرْجِعَ، والعُمَرَ لَنْ يَعُودْ، والطَّالِبَ حَثْيث في طَلَبَه، قالوا: فأوْصِنَا، قال: (تَزوَّدُوا عَلَى قَدْرِ سَفرِكْمْ، فَإنَّ خَيْرَ الزَّاد مَا أبْلَغَ البُغْيَةَ، ثُمَّ قَالَ:الأيَّامُ صَحَائِفَ الأعمال فخلِدُهْا أحْسَنَ الأعمال، فإنَّ الفُرصَ تَمرُّ مَرَّ السَّحَاب والتَّوانِيَ مِن أخْلاق الكُسالى، ومنَ اسْتَوطْنَ مَرْكَبَ العَجْز عَثَرَ بِه، وتَزَوَّجَ التَّوانِيَ بالكَسل فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا الخُسْران) أ. هـ.
شعرًا:
مَا مَضَى فَاتَ وَالمُؤَمَّلُ غَيْبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ التي أَنْتَ فِيهَا
فائدة عظيمة النَّفع
أَشْرَفُ الأشْيَاءِ قَلْبُكَ وَوَقْتُكَ، فإذَا أَهْمَلْتَ قَلْبَكَ وضيَّعْتَ وَقْتَكَ، فَمَاذَا بَقِيَ مَعَك، كلُ الفَوَائِدِ ذَهَبَتْ.
شعرًا:
وَذَكِّرْ بَالْتُقَى قَلْبًا غَفُولاً ... فَلَوْلا السَّقْيُ مَا نَمَتْ الزُّرُوعُ
стр. 11
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خُطْبَةِ الْكِتَاب
الحمدُ للهِ الذي تَفَرَّدَ بالجلالِ والعظمةِ والعِِزِ والكبرياءِ والجَمَالِ وأَشْكرُهُ شُكرَ عَبدٍ مُعْترفٍ بالتقصيرِ عن شكرِ بعض ما أوليهُ مِن الأنعام والأفضال وأَشهد أنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيَكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ .
وَبَعْدُ فَبِمَا أَنِي رَأَيتُ كِتَابَ المَنَاهلِ الحسان مطلوبًا ومرغوبًا فيه ورأَيتُ أَني أَوّسِعُهُ وَأَزِيدُ فيهِ زِيادَاتٍ كَثِيْرَةً مَا بَيْنَ حِكَمٍ وأَحْكامٍ وَقَوَاعِدَ وَمَوَاعظَ وآدابٍ وأخلاقٍ وقصائِدَ زُهْدياتٍ لِيَكُونَ جَامِعًا نَافِعًا صَالِحًا ومُنَاسِبًا لِرَمَضَانَ وَغَيْرِهِ وِللْعَالِمِ والمُتَعَلِّمِ وِللأئَمَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَبَذَلْتُ وُسْعِي وَاعْتَنَيْتُ جُهْدِي في تَهْذِيْبِهِ وَتَنْقِيْحِهِ وَتَرْتِيْبِهِ وَقَدْ أكْمَلتُ تَشْكِيْلَهُ لِيَعْذُبَ لِلسِّامِعِ والقَارِئِ وَيَسْهُلَ عَلَيهِ.
وأَسْأَلُ اللهَ الحَيَّ القَيُّومَ العَلِيَّ العَظِيمَ القَويَّ العَزِيزَ ذَا الجَلالِ والإِكرامِ الوَاحدَ الأحدَ الفردِ الصَّمدَ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفْوًا أَحَدْ الحَلَيمَ الكَريمَ القَريبَ المُجِيْبَ أَنْ يَجْعَلَ عَملَنَا خَالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ مُقَرِّبًا لَنَا وَلِمنْ قَرَأَهُ وَسَمِعَهُ لَدَيْهِ في جَناتِ النَعِيْمِ وأَنْ يَأَجرَ مَنْ طَبَعَهَ وَمَنْ أَعَانَ عَلى طَبْعِهِ وَمَنْ تَسَبَّبَ لِطَبْعِهِ مَدَى اللَّيَالي والأَيَّام وأَنْ يَغْفِرَ لَنَا وَلَهُ وَلِوَالِدِيْنَا وَوَالِدَيْهِ، وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنهُمْ والمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِهِ إِنَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين، وصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
عبد العزيز بن محمد السَّلمان
стр. 12
آخر:
لا تَبْكِ للدُّنْيَا وَلا أَهْلَهَا ... وَابْكِ لِيوْمٍ تَسْكُنِ الْحَافِرَةْ
وَابْكِ إِذَا صِيحَ بأَهْلِ الثَّرَى ... فاجْتَمَعُوا في سَاعَةِ السَّاهِرَةْ
وَيْلَكِ يَا دُنْيَا لَقَدْ قَصَّرَتْ ... آمَالُ مَنْ يَسْكُنُكِ الآخِرَةْ
آخر:
قِفْ دُونَ دِينِكَ فِي الْحَيَاةِ مُجَاهِدًا ... إِنَّ الْحَيَاة عَقِيدَةٌ وَجِهَادُ
آخر:
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرِكَ فَاحْتَرِزْ ... عَلَيْهِ مِن الإِنْفَاقِ في غَيْرِ وَاجِبِ
وَسَمَّيْتُ هَذَا الكِتَابَ الجَامِعَ المُسَلِّي لِقَاِرِئِه وَسَامِعِهِ:
(مَوَارِدَ الظَّمْآنِ لِدُرِوْسِ الزَّمَان)
حِكَم وأَحْكَام وَقَواعِد وَمَوَاعِظ وآداب وأَخْلاق حِسان
أَسِيرِ خَلْفَ رِكَابِ النُّجْبِ ذَا عَرَجٍ
>
مُؤَمَّلاً جَبَرَ مَا لاقَيْتُ مِنْ عِوَجِ
فَإِنَّ لَحِقْتُ بِهِمْ مِنْ بَعدِ مَا سَبَقُوا
>
فَكَمْ لِرَب السَّمَا فِي النَّاسِ مِنْ فَرجِ
وَإِنْ ظَلَلْتُ بقَفْرِ الأرضِ مُنْقَطِعًا
>
فَمَا عَلَى عَرَجٍ فِي ذَاكَ مِنْ حَرَجِ
(هَذَا الكِتَاب وقف لله تَعَالى عَلَى طَلبة العلمْ) وَغَيرهمْ مِمَنْ يُريد الانتفَاع به واحْذر أُيُّهَا الأخ من بَيْعِهِ أوْ تَعْطِيْلِهِ.
بِاللهِ يَا قَارِئًا كُتُبِي وَسَامِعَهَا ... أَسْبِلْ عَلَيْهَا رِدَاءَ الْحُكْمَ والْكَرَمِ
وَاسْتُرْ بِلُطْفِكَ مَا تَلْقَاهُ مِنْ خَطَاءٍ ... أَوْ أَصْلِحَنْهُ تُثَبْ إِنْ كُنْتَ ذَا فَهَمِ
فَكَمْ جَوادٍ كَبَى والسَّبْقُ عَادَتُه ... وَكَمْ حُسَامٍ نَبَا أَوْ عَادَ ذُو ثُلْمٍ
وَكُلُّنَا يَا أَخِي خَطَآءُ ذُو زَلَلٍ ... والْعُذْر يَقْبَلُهُ ذُو الْفَضْلِ والشِّيَمِ
стр. 13
آخر:: ... مَن الذِّي مَا سَاءَ قَطْ ... وَمَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ
آخر:
أَخَا الْعِلْمِ لا تَعْجَلْ لَعِيْب مُصَنِّفٍ ... وَلَمْ تَتَيَقَّنْ زَلَّةً مِنْهُ تَعْرَفُ
فَكَمْ أَفْسَدَ الرَّاوِي كَلامًا بِنَقْلِهِ ... وَكَمْ حَرَّفَ الْمَنْقُول قَوْمٌ وَصَحَّفُوا
وَكَمْ نَاسِخٍ أَضْحَى لِمَعْنَى مُغَيَّرًا ... وَجَاءَ بِشَيْءٍ لَمْ يُرِدْهُ الْمُصَنَّفِ
آخر ... سَلِ الإِلَهَ إِذَا نَابَتُكَ نَائِبَةٌ ... فَهُوَ الذِيِ يُرْتَجَى مِنْ عِنْدِهِ الأَمَلُ
فَإِنْ مُنِحَتَ فَلا مَنٌ وَلا كَدَرٌ ... وَإِنْ َرَدِدْتَ فَلا ذِلٌ وَلا خَجَلُ
(فصل)
الأركان الستة وكيفية الإيمان بها:
الأولُ: الإيمانُ بالله ﷻ :
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله رَبَّ كُلّ شَيءٍ ومَلِيكهُ وأنَّه الخَالِق الرازق المُحْيِي المِمُيْت المُدَبِّر لِجمَيع الأُمور.
وأنه المستحق لأنْ يُفْرَدَ بالعُبُودِيَّةِ والذَّلِ والخُضُوعِ وجَمِيعِ أَنواع العِبادة، وأنه المتصفُ بصفاتِ الكمال المنزه عن كل عيبٍ ونقص، وهذا هو الأساس الأول الذي يَقُوم بِنَاء شَخْصِيَّةِ المُسْلِمِ عليه.
شعرًا: ... عَلَيْكَ بِتَوْحِيدِ الإِلِهِ فَإِنَّهُ ... هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى بِهَا يُتَمَسَّكُ
آخر ... تَأَمَّلْ صحِيفَاتِ الْوُجُود فَإِنَّهَا ... مِنْ الْجَانِبِ السَّامِي إِلَيْكَ رَسَائِلُ
وَقَدْ خَطَّ فِيهَا لَوْ تَأَمَّلْتَ خَطَّهَا ... أَلا كُلَّ شَيْء مَا خَلا الله بَاطِلُ
٢- الركن الثاني: الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة: هو التصديقُ الجازمُ بأَنَّ لله ملائكةً مَوْجُودِينَ مَخلوقِينَ مِن نُور، وأنهم كَما وصَفَهم الله عبادٌ مُكْرمُونَ يُسبحونَ الليلَ والنهارَ لا يَفْتُرون وأنهم لا يَعْصُون الله ما أَمرهم وَيَفعلون مَا يُؤَمَرون، وأنَّهم قَائِمِونُ بِوَظائِفهم التِي أَمَرَهَمُ الله بالقيام بها.
стр. 14
ويِجبُ الإِيمانُ على التفصيَلِ بمن وَرَدَ تَعْيينهُ باسمهِ المخصوصِ كَجبرِيل ومكيائيل وإسرافيل ورضوان ومَالك، فَجبريلُ هو الموكلُ بأَداءِ الوَحْي وهو الروحُ الأمين، ومِيْكَائِيلُ المُوكلُ بالقَطْرِ، وإسرافيلُ الموكلُ بالصورِ، ومَلَكُ الموتِ الموكلُ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ.
ومنهم الموكلُ بأعمالِ العِباد، وهُمْ الكرَامُ الكَاتُبِون، ومنهم الموكلُ بِحفْظِ العَبْدَ مِن بينَ يديهِ ومن خَلْفهِ وهُمُ المعَقّبَاتُ، ومنهم الموكلُ بالجنةِ ونَعيْمِهَا وهُمْ رِضوانُ ومَن مَعَهُ.
ومنهم الموكلُ بالنَّارِ وعَذابها وهُمْ ماَلِكُ ومَن مَعَه، ومنهم الموكلُ بِفتنةِ القبر وَهم مُنْكَرٌ ونكِير، ومنهم حملةُ العرشِ.
ومنهم الموكلُ بالنُّطَف في الأرحامِ وكتابة ما يراد بها، ومنهم ملائكةٌ يَدخُلُون البيَتَ المعمورَ يَدخُلُه كُلَّ يومٍ سَبْعُونَ ألفًا ثم لا يَعُودُون، ومنهم ملائكةٌ سَيَّاحُونَ يَتّبعُون مَجالِسَ الذِكرِ وغير ذلك.
ويَجِبُ الإِيمانُ بِمن لم يَردْ تعْيِينهُ باسمهِ المخصوصِ أو تَعْيِينُ نوعِهِ المخصوصِ إجمالاً والله أعلم بعَدَدِهَم، قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ﴾ الآية.
فجعل الإيمانَ هو الإيمانُ بهِذِه الجملةِ، وسَمَّى مَن آمنَ بهذه الجملةِ مُؤْمِنين كما جَعَلَ الكافرين مَن كَفَر بهِذِه الجُملةِ بقوله: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ﴾ الآية.
وفي حديث جبريل: «أن تُؤْمِنَ باللهِ وملائكتهِ وكُتُبِه» الحديث فهذه الأصول اتَّفقَتْ عليها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا الرسلُ وَأتباع الرسل.
стр. 15
إيمَانُنَا بالله ثُمَّ برُسلِهِ ... وَبِكُتبِهِ وَقِيَامَةِ الأبدَانِ
وَبِجُندِهِ وَهُم الملاَئِكَةُ الأولَى ... هُم رُسلُهُ لمصَالِحِ الأكوَانِ
هَذِي أصُولُ الدِّين حَقًّا لاَ أصُـ ... ـولُ الخَمسِ للقَاضِي هوَ الهَمَدَانِ
آخر ... وَبَعْدَ حَمْد الله أنّي أَشْهَدُ ... أنْ لا إله مُسْتَحِقًا يُعْبَدُ
إِلا إِلا لَهُ الْوَاحدُ الْفَردُ الصَّمَدْ ... مَن جَلَّ عَنْ زَوْجٍ وَكُفْء وَوَلَدْ
وَأَنَّ طَه خَيْرُ مَنْ قَدْ أَرْسِلا ... يَدْعُو إِلى التَّوْحِيد سَائِرَ المَلا
صَلَّى عَلَيْهِ الله ذو الجلالِ ... مَا دَامَتِ الأَيْام والليالي
وآله وصَحْبهِ الْكِرَامِ ... السَّادَةِ الأَئمَّةِ الأَعلامِ
(فصل) :
٣- الركن الثالث: الإيمان بكتب الله:
الإيمان بكتب الله هو التصديق الجازم بأن لله كتبًا أنزلها على أنبيائه ورسله وهي من كرمه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق وصدق ولا يعلمن عددها إلا الله.
وأنه يجب الإِيمان بها جملة إلا ما سمي منها وهي التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وصحف إبراهيم وموسى فيجب الإيمان بها على التَّفْصِيل.
قال الله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ ، وقال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ ، وقال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ فيجب الإيمان بها على التفصيل والبقية إجمالاً.
ويجب مع الإيمان بالقرآن وأنه منزل من عند الله الإيمان بأن الله تكلم به حقيقة، كما تكلم بالكتب المنزلة على أنبيائه ورسله، وأنه المخصوص بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
стр. 16
ومنزلة القرآن من الكتب المتقدمة كما ذكر الله فيه قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ، وقال: ﴿َمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
قال المفسرون: مهيمنًا مؤتمنًا وشاهدًا على ما قبله من الكتب، ومصدقًا لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتغيير وتبديل، فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو المردود.
وله يخضع كل متمسك بالكتب المتقدمة ممن لم ينقلب على عقبيه. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ .
ويجب على كل أحد إِتباعُه ظاهرًا وباطنًا والتمسك به والقيام بحقه، قال الله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ، وقال: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ .
وأوصى النبي ﷺ بكتاب الله فقال: «خذوا بكتاب الله وتمسكوا به» . وفي حديث علي مرفوعًا: «إنها ستكون فتن» . قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله» وذكر الحديث.
ومعنى التمسك به والقيام بحقه حفظه وتلاوته، والقيام به آناء الليل والنهار، وتدبر آياته وإحلال حلاله وتحريم حرامه، والانقياد لأوامره، والانزجار بزواجره، والاعتبار بأمثاله والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه،
стр. 17
والإيمان بمتشابهه، والوقوف عند حدوده، والذب عنه لتحريف الغالين المبطلين والنصيحة له بكل معانيها والدعوة إليه على بصيرة.
وفي جواب أهل العلم والإيمان: السلف متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب، وهو أعلى منها درجة، فإنه قرر ما فيها من الخبر عن الله وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك بيانًا وتفصيلاً.
وبين الأدلة والبراهين على ذلك وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل، وجادل المكذبين بالكتب والرسل بأنواع الحجج والبراهين.
وبين عقوبات الله لهم ونصره لأهل الكتب المتبعين لها وبين ما حرف منها وبدل وما فعله أهل الكتاب في الكتب المتقدمة، وبين أيضًا ما كتموه مما أمر الله بِبَيَانِهِ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ إليه القَوْم وأَيْقِظْنَا من سِنة الغَفْلَةِ والنَّوم وارزِقْنَا الاستعدادَ لِذَلِكَ اليَوْمِ الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنانِكَ واجعلنا من عِبادِكَ الذينَ لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تحرمنا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبنا، واغْفِرْ لَنِا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ.
مِنْ أَهْمَلَ الدِّيْنَ لا تَأْمَن عَقَارِبَهُ ... وَلَوْ تَسَمَّى بإِخْلاصِ بِنِيَّاتِ
لآِدَمَ جَاءَ إِبْلِيْسٌ وَقَال لَهُ ... إِنّيْ لَكُمْ نَاصِحٌ فاسْمَعْ مَقَالاتِي
فَاقْسَمَ الخُبْثُ في رَبِيْ وَنَزَلَّهُمْ ... مِن الجِنَانِ إِلىَ دَارِ الأَذَيَّاتِيْ
وصلى الله عَلَى محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.
стр. 18
(فصل) :
٤- الركن الرابع: الإيمان بالرسل:
الإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بأن لله رسلاً أرسلهم لإِرشاد الخلق في معاشهم ومعادهم. اقتضت حكمة اللطيف الخبير أن لا يهمل خلقه، بل أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين.
فيجب الإيمان بمن سمى الله منهم في كتابه على التفصيل، والإِيمان جملة بأن لله رسلاً غيرهم، وأنبياء لا يحصى عددهم إلا الله ولا يعلم أسماءهم إلا هو جل وعلا.
قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وعَدَدُ المذكورين في القرآن خمسة وعشرون وهم: آدم، نوح، إدريس، صالح، إبراهيم، هود، لوط، يونس، إسماعيل، إسحق، يعقوب، يوسف، أيوب، شعيب، موسى، هارون، اليسع، ذو الكفل، داود، زكريا، سليمان، إلياس، يحيى، عيسى، محمد ﷺ .
اللَّهُمَّ أَتْمِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتَكَ الوَافِيَةَ وَارْزُقْنَا الإخْلاصَ فِي أَعْمَالِنَا وَالصِّدْقَ في أَقْوَالِنَا وَعُدْ عَلَيْنَا بِإصْلاحِ قُلُوبِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِه.
(فَصْلٌ) : وَمَوْضُوعُ الرِّسَالةِ: التَّبْشِيرُ والتَّنْذِير، قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
والحكمةُ في ذلك دعوةُ أُممهم إِلى عِبادةِ اللهِ وَحْدَهُ. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ وأفضل المرسلين أولو العزم، وهم المذكورون في سورة الشورى.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
стр. 19
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ .
وأفضل أولياء الله أنبياؤه، وأفضل أنبيائه المرسلون، وأفضل المرسلين أولوا العزم، وأفضل أولي العزم محمد ﷺ خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا.
صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد والحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس.
وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرق فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقًا وأولهم بعثًا، ومن حين بعثه الله جعله الفاروق بين أوليائه وبين أعدائه.
فلا يكون وليًا لله إلا من آمن به وبما جاء وابتعه ظاهرًا وباطنًا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أوليائه، بل من خالفه كان من أعدائه وأولياء الشيطان. أ. هـ. واللهُ أعْلَمْ، وَصَلى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمْ.
(فَصْلٌ)
مَا يَجُوز عَلَى الرُسُلِ وما يَجِبُ عَلَينا نَحْوهمْ
الواجب علينا نحو الرسل والأشياء التي تجوز عليهم والأدلة على صدقهم وما أيدهم الله به: يجب علينا تصديقهم وأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمروا به وبينوه بيانًا واضحًا شافيًا كافيًا لا يسع أحدًا ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه.
стр. 20
قال الله تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ ، وقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية، ويجب علينا الإيمان بأنهم معصومون من الكبائر.
وأما الصغائر فقد تقع منهم، والكتاب والسنة يدلان على ذلك ولكن لا يقرون عليها، بل يوفقون للتوبة منها ويجب احترامهم وأن لا يفرق بينهم.
ومَن كَفَر بنبيٍّ مِِن الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض.
فمن رد نبوته للحسد أو للعصبية أو للتشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا وإنما هو عن غرض وهوى وعصبية. أ. هـ.
ويجب الاهتداء بهديهم والائتمار بأمرهم، والكف عن ما نهوا عنه، ويجب الاعتقاد أنهم أكمل الخلق علمًا وعملاً، وأصدقهم وأبرهم وأكملهم أخلاقًا، وأن الله خصهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، وبرأهم من كل خلق رذيل.
ويجب محبتهم وتعظيمهم، ويحرم الغلو فيهم ورفعهم فوق منزلتهم، ويجوز في حقهم شرعًا وعقلاً: النوم، والنكاح، والأكل، والشرب، والجلوس، والمشي، والضحك، وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العالية.
فهم بشر يَعْتَرِيهم ما يعتري سائر أفراده فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام وتمتد إليهم أيدي الظلمة وينالهم الاضطهاد، وقد يقتل الأنبياء، كما أخبر الله بذلك في كتابه بقوله سبحانه: ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ .
ومن الأدلة على ما ذكرنا أولاً من أنه يجوز في حقهم أشياء قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي
стр. 21
الْأَسْوَاقِ﴾ وقال عز من قال: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ .
وقال ﷺ : «لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء» ، وكان ﷺ يمرض ويتألم ويشتكي، وكان يصيبه الحر والبرد، والجوع والعطش والغضب والضجر والتعب، ونحو ذلك مما لا نقص عليه فيه.
شِعْرًا:
وَأَهَوَى مِن الفِتْيَان كُلَّ مُوَحِّدٍ ... مُلازِم ذِكْرِ الله في كُلِّ لَحْظَةِ
لَهُ هِمَّةٌ تَعلوُ عَلَى كُلِّ هِمَّةٍ ... كَمَا قَدْ عَلاَ القُطْبُ النُّجُوم العَلِيَّةِ
اللَّهُمَّ إِنَا نَسأَلُكَ باسْمِكَ الأَعْظم الأَعَز الأَجَلَ الأَكرمِ الذي إذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ، وإذَا سُئِلْتَ بِهِ أعْطَيْتَ، ونَسْأَلُكَ بوجهِكَ الكَريم أكْرَمَ الوُجُوه وأَعَزَّ الوُجُوه، يَا مَنْ عَنَتْ لَهُ الوُجُوهُ، وخَضَعَتْ لَهُ الرّقابُ، وخَشَعَتْ لَهُ الأَصْواتُ، يا ذَا الجَلال والإِكرام، يَا حَيُّ يا قَيُّوم يا مَالِكَ الملك يا مَن هُو على كل شيء قدير، وبكُلّ شيءٍ عليم، وبكل شيءٍ مُحِيط، يا مَن لا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، نسأَلُكَ أن تَغْفِر سِيئاتِنَا وتُبَدْلْهَا بِحَسَنَات يا أكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ أنظِمْنَا في سِلْكِ عِبَادكَ المخلصينَ ووفقْنَا للقِيَامِ بأَرْكانِ دِينكِ القَويمِ وَنَجِّنَا مِن لَفَحَاتِ الجَحِيمِ وأَسْكِنَّا في جَناتِ النَّعيم، واغفرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنهُم وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى مُحمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الأَدِلَّةُ عَلَى صِدْقِ الرُسُلِ فَكَثِيرة، وأَعْظَمُهَا شَهَادَةُ اللهِ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ صَادِقون. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ، وقال عز شأنه: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ .
стр. 22
وقال عز من قائل عن إسماعيل ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ، وقال عن إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ ، وقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
فسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب إلى غير ذلك من الأدلة، فهم أصدق الخلق على الإطلاق، عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأيدهم بالدلائل الدالة على صدقهم في دعواهم الرسالة.
فمن أعلام نبوته ﷺ القرآن العظيم الذي أعجز الورى كلهم، ومثل انشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب ومعراجه إلى السماء، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكفاية الله أعداءه وعصمته من الناس، وإجابة دعائه، وإعلامه بالمغيبات الماضية، والمستقبلة.
فالقرآن جاء به ذكر عن آدم ونشأته وما وسوس به إليه إبليس وما وقع له من الهبوط إلى الأرض بعد أن كان في الجنة وحدثنا عن نوح ﵇ وما لقيه من قومه من أذى وسخرية.
وما دعا الله به وما أرشده الله إليه من صنع الفلك وركوبه وإنجائه وأصحاب السفينة ودعوته لابنه وعصيانه له، وانهمار السماء، وتفجر الأرض عيونًا، وغرق الكافرين، ونجاة المؤمنين.
وأخبر القرآن عن موسى ﵇، وما تم عند ولادته، وما وقع له في مصر، وما حدث له في مدين، وما رآه في جبل طور، وما كف به من أعباء الرسالة، وما دار بينه وبين فرعون من حوار، وما جرى من السحرة، وما انتهى إليه أمر فرعون وملئه وموسى وقومه.
وأخبر القرآن الكريم عن عيسى وأمه ﵉، وما وقع لهما من
стр. 23
الخوارق، وما صنعه لهما بنوا إسرائيل من مكائد، وأخبره عن غيرهم من الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الآيات.
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ﴾ الآية. وقال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ .
فالنبي ﷺ لم يعلمها عن مشاهدة ولكن أعلمه إياها الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وقال تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ .
وأخبر ﷺ بأمور غيبية عن القرآن. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وتحقق الوعد وقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ الآية. وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، فكان ما أخبر به على أتم الوجوه.
ومن هذا الباب إخباره عن مكنون الضمائر فيما أتى به من القرآن فقال: ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
قال الشيخ: ومثل إخبار أهل الكتاب قبله، وبشارة الأنبياء به. ومثل إخبار الكهان والهواتف به، ومثل قصة الفيل، التي جعلها الله آية في عام مولده من العجائب الدالة على نبوته.
ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين، بخلاف
стр. 24
ما كانت العادة عليه قبل مبعثه، وبعد مبعثه، ومثل إخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم الله من غير أن يعلمه إياها بشر. أ. هـ.
وكما أيد الله موسى بالآيات البينات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وكما أيد الله سائر رسله، مع انضمام ذلك إلى أحوالهم الجليلة، وأخلاقهم الفاضلة الجميلة، من سلامة الفطرة والعفاف، والكرم والشجاعة، والعدل والنصح.
وقال: ولا ريب من أن من لقي الله بالإِيمان بجميع ما جاء به الرسول مجملاً مقرًا بما بلغه من تفصيل الجملة غير جاحد لشيء من تفاصيلها أن يكون بذلك من المؤمنين، إذ الإِيمان بكل فرد من تفصيل ما أخبر به الرسول وأمر به غير مقدور للعباد، إذ لا يوجد أحد إلا وقد خفي عليه بعض ما قاله الرسول. أ. هـ.
وقال: ضمن الله السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك، فطاعة الرسول هي مناط السعادة وجودًا وعدمًا، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار ومحمد ﷺ فرق بين الناس فدل الخلق بما بينه لهم.
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فمن اجتهد بطاعة الله ورسوله بحسب الاستطاعة كان من أهل الجنة والله يرفع درجات المتقين المؤمنين بعضهم على بعض بحسب إيمانهم وتقواهم. أ. هـ.
أَلا إِنَّ السِباقَ سِباقُ زُهدٍ ... وَما في غَيرِ ذَلِكَ مِن سِباقِ
وَيَفنى ما حَواهُ المُلكُ أَصلاً ... وَفِعلُ الخَيرِ عِندَ اللَهِ باقِ
سَتَألَفُكَ النَدامَةُ عَن قَريبٍ ... وَتَشهَقُ حَسرَةً يَومَ المَساقِ
أَتَدري أَيُّ ذاكَ اليَومِ فَكِّر ... وَأَيقِن أَنَّهُ يَومُ الفِراقِ
стр. 25
فِراقٌ لَيسَ يُشبِهُهُ فِراقٌ ... قَدِ اِنقَطَعَ الرَجاءُ عَنِ التَلاق
آخر:
إني أبثك من حديثي ... إن الحديث له شجونُ
فارقت موضع نومي ... ليلاً ففارقني السكونُ
قل لي فأولَ ليلةٍ ... في القبر كيف تَرى تَكُونُ
اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِمهَا وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ لِقَائِكَ، اللَّهُمَّ ثَبّتْنَا عَلَى قَوْلِكَ الثّابِتِ وَأَيدنَا بِنَصْرِكَ وَارْزُقْنَا مِنْ فَضْلِكَ وَنَجِّنَا مِنْ عَذَابِكَ.
اللَّهُمَّ وَفِقنا لِمَا وَفَّقْتَ إِلَيْهِ القَوْم وأيْقِظْنَا مِن سِنةِ الغَفْلَةِ وَالنَّوْم وَأرزِقْنَا الاستعدادَ لذَلِكَ اليَوْم الذي يَرْبَحُ فيه المُتَّقُونَ، اللَّهُمَّ وعامِلنَا بإِحْسَانِكَ وَجُدْ علينا بِفَضْلِكَ وامْتِنَانِكَ واجعلنا مِن عِبادِكَ الذين لا خَوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُون، اللَّهُمَّ ارحَمْ ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْكَ واجعلْ رَغْبَتَنَا فِيما لَدَيْكَ، ولا تَحرِمِنَا بِذُنوبنا، ولا تَطْرُدْنَا بعُيوبِنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : ٥- الركن الخامس: الإيمان بالبعث:
البعث لغة: التحريك والإثارة. وشرعًا: إعادة الأبدان وإدخال الأرواح فيها، فيخرجون من الأَجْداث أحياء مهطعين إلى الداعي، كما ذكر الله تعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ .
وقال: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ الآيتين.
وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ .
﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُل كُونُواْ
стр. 26
حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
وقال: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ .
وقال: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ .
وقال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ .
وقال: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ الآيتين.
وقال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ ، وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ .
وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ .
وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ .
وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ .
وقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾ .
٦- الركن السادس: الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر: التصديق الجازم بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره، وأنه الفعال لما يريد لا يكون شيء إلا بإرادته ولا يخرج عن مشيئته.
وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المقدور ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ، وأن الله خالق أفعال العباد من الطاعات والمعاصي.
ومع ذلك فقد أمر العباد ونهاهم وجعلهم مختارين لأفعالهم غير مجبورين
стр. 27
عليها، بل هي واقعة بحسب قدرتهم وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وبهذا الركن تتم الأركان.
أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ لله ... لَكِنَّها كَسْبٌ لَنا يَا لاهِيْ
وكُلَُّ مَا يَفْعَلُه العَبادُ ... مِن طَاعَةٍ أو ضِدّهَا مُرَادُ
لِرَبِّنَا مِن غَيْرِ ما اضْطِرارِ ... مِنْهُ لَنَا فافْهَمْ وَلا تُمارِي
(فائدة عظيمة النفع)
ما أَنْعَم الله على عَبْدٍ نِعْمَةً أًفْضَلَ مِنْ أنْ عَرَّفَه لا إِلهَ إِلا الله، وفهَّمَهُ مَعْنَاهَا، وَوَفَّقَهُ لِلَعَمِلِ بِمُقْتَضَاهَا، والدَّعْوَةِ إِليْهَا. قَال بَعْضُهُمْ:
شِعْرًا:
فَقُمْ وَحقّقْ دِينَكَ القَوِيمَا ... بِفَهْمِ مَعْنَاهَا لِتَسْتَقِيمَا
وَهُوَ بِأَنْ ثُثبِتَ مَا قَدْ أَثْبَتَتْ ... لِرَبِنَا كَذَاك تَنْفِي ما نَفَتْ
اللَّهُمَّ إِلَيْكَ بِدُعَائِنَا تَوَجَّهْنَا وَبِفنائكَ أَنَحْنَا وَإِيَّاكَ أَمَّلْنَا وَلِمَا عِنْدَكَ مِن الكَرَمِ وَالجُودِ وَالإحْسَانِ طَلَبْنَا وَمِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْنَا وَلِغُفَرانِكَ تَعَرَّضْنَا فاغَفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ وَصَلَى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
الفصل الأول
في التوبة من المعاصي
اعْلَمْ وَفَقَنَا اللهُ وإياكَ وَجَميعَ المُسلمينَ: أن الذنوبَ حجابٌ عن اللهِ، والانصرافُ عن كِلِ ما يُبْعِدُ عن اللهِ واجبٌ، وإنما يَتمُ ذلكَ بالعلم والندمِ والعزمِ، فإنَه مَتَى لَمْ يَعْلَمْ أَنْ الذنوبَ أسْبابُ البُعْدِ عن اللهِ لَمْ يَنْدَم على الذنوب ولم يَتَوَجَّعْ بِسَبَبِ سُلُوكِهِ طَرِيقَ البُعْدِ، وإِذَا لَمْ يَتَوَجَّعْ لَمْ يَرْجِعْ، والتَّوْبَةُ: الرجوعُ عَن المَعْصِيةِ إلى الطاعةِ وهِيَ واجبةٌ مِنْ كل
стр. 28
ذَنْبٍ، فإن كانت المعصية بينَ العبدِ وبينَ ربِهِ تَعالى لا تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدمِيٍ، فلها ثَلاثَةُ شُروطٍ:
الأولُ: الإِقلاعُ عَنْ المعْصِيةِ التي هُو مُتَلَبِّسٌ بِهَا، وَعَلامَتُهُ مُفَارَقَةُ الذنب فَوْرًا.
الثاني: النَّدَمُ عَلَى فِعْلَها، وَعَلامَتُهُ طُوْلُ الحُزْنِ على مَا فَاتَ وورد عن ابن مسعودِ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «النَدمُ تَوبة» .
شِعْرًا:
يَتُوبُ عَلَى يَدِي قَوْمٌ عُصَاةُ ... أَخَافَتْهُم مِنَ البَارِي ذُنُوبُ
وَقَلْبِي مُظْلِمٌ فِي طُولِ مَا قَدْ ... جَنَى فَأَنَا عَلَى يَدِ مَن أتُوبُ
كَأنِّي شَمْعَةٌ مَا بَيْنَ قَوْمٍ ... تُضِيء لَهُمْ وَيُحْرِقُهَا اللَّهِيبُ
آخر:
أَلا مَنْ لِقَلبٍ في الهَوى غَيرَ مُنتَهِ ... وَفي الغَيِّ مِطواعٍ وَفي الرَشدِ مُكرَهِ
أُشاوِرُهُ في تَوبَةٍ فَيَقولُ لا ... وَإِِْن قُلتُ تَأتي فِتنَةٌ قالَ أَينَ هي
آخر:
عَلامَةُ مَنْ يَخْشَى الإِلهِ فؤادُهُ ... إذا صَدَرَتْ مِنْه المعاصِي تألْمَا
وأتَبْعَهَا حَالاً بِتَوبَةِ صَادِقٍ ... عن الذَّنْبِ في عَزْمٍ لهُ مُتَنَدِّمَا
الغَفْلة عن ذِكر الله وما ولاه أشد الأعداء ضَررًا على الإِنسان فإيَّاك أن تغفل عن ذكر الله ولا لحظة.
الثالثُ: العَزْمُ أَنْ لا يَعُوْدَ إلى معْصِيةٍ أبَدًا، وَعَلامَتُهُ التَّدَارُكُ لِمَا فَاتَ وَإصْلاحُ مَا يَأتي، فإنْ كَانَ المَاضِيْ تَفْرِيطًا في عِبادةٍ قَضَاهَا، أَوْ مَظْلَمةٍ أدَّهَا، أَوْ خَطِيئَةٍ لا تُوجِبُ غَرَامَةً حَزِنَ إِذْ تَعَاطَاهَا.
فإن فُقِدَ أَحَدُ الشُرُوطِ الثَّلاثِةِ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ. وإنْ كَانَتْ المعصيَةُ تَتَعَلَّقُ بآدميٍ، فَشُرُوطُها أرْبَعَةُ: الثلاثةُ الشُروطُ المذكورةُ، والرابعُ: أن يَبْرَأَ مِنْ حَقّ صَاحِبها، فإنْ كَانتْ مالاً أو نحوَهُ رَدَّهُ إِليهِ، إِنْ كانَ مَوْجُودًا
стр. 29
أَوْ رَدَّ بدَلَهُ عندَ تَلَفِهِ مِن قِيْمَةٍ أو مِثْلٍ، وإنْ كَانَتْ حَدَّ قذفٍ وَنَحْوَه مَكّنَهُ مِنْهُ أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وإنْ كَانَتْ غِيْبَةٍ اسْتَحَلَّهُ مِنْهَا إنْ كَانَ عَاقِلاً حَلِيمًا، يَغْلِبُ عَلَى الظَن أَنَّهُ إِذَا جَاءَهُ أخُوُهُ المُسْلِمُ نادِمًا تائبًا عَفَا عَنْهُ وَسَامَحَهُ، وَإِلا فَلْيَسْتَغْفرَ لَهُ. لِمَا وَرَدَ عَن أنس قال: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ مِنْ كَفَّارَةِ الغِيْبَةِ أَنْ تَستغفرَ لِمن اغْتَبْتَهُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِنَا وَلَهُ» .
وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَاْنَتْ عِنْدَهُ مظلمةٌ لأخِيهِ ِمْن عِرْضٍ أَوْ مَالٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منهُ اليومَ قَبلَ أنْ لا يكونَ دِرْهَمٌ ولا دينارٌ، إنْ كانَ له عملٌ صالحٌ أُخِذَ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِئآتِ صَاحِبِهِِ فَحُمِلَ عَليه» .
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالتَّوْبَةْ، وَبيَّنَ مَا لِلِتَّائِبِينَ مِنَ الكَرَامَةِ والأِجْرِ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ .
(فَائِدَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ)
مِنْ أَصُولِ النِّعَم نِعمةَ العِلْمِ فَهْيَ نِعْمَةٌ كُبْرَىَ يتَوقَّفُ عَليهَا رُقِيُّ الإِنْسَانِ وَسَعَادَتُهُ فَتَحْصِيلُهُ نِعْمَة والانتِفَاعُ بِهِ نِعْمَةْ، وَالنَّفْعُ بِهِ نِعْمَةْ، وتَخْلِيدُهُ وَنَقْلُهُ لِلأَجْيَال نِعْمَةْ، وَنَشْره للِنَّاسِ نِعْمَةْ، والدَّعْوَةُ إِلَيْهِ نِعْمَةْ، وَهَكَذَا ... إلخ. واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَسَلَّمَ.
(فَصْلٌ) : قال ابنُ القَيّم ﵀: والنُّصْحُ في التوبِة يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أَشْيَاء: الأَولُ: تَعْمِيمُ جَمِيْعَ الذُنُوبِ واستغْراقُهَا بها بِحَيْثُ لا تَدَعُ ذَنْبًا إِلا تَنَاوَلَتْهُ، وَالثاني: إجماعُ العَزْم والصِّدْقِ بَكُلِّيَتِهِ عَلَيْهَا بحَيْثُ لا يَبْقَى تَرَدُدٌ ولا تَلَوُّمٌ ولا انْتظِارٌ بَلْ يُجْمِعُ كلَّ إِرَادَتِهِ وَعَزِيْمَتِهِ مُبَادِرًا بِهَا.
стр. 30
الثالثُ: تَخْلِيصُهَا مِن الشَّوَائِبِ والعِلَلِ القَادِحَةِ في إخْلاصِهَا وَوُقُوعِهَا لِمَحْضِ الخَوْفِ مِن خَشْيَةِ اللهِ، والرَّغْبَةِ فِيمَا لَديْهِ، والرَّهْبَةِ مِمَّا عِندَهُ لا كَمَنْ يَتُوبُ لِحِفْظِ جَاهِهِ وحرْمَتِهِ وَمَنْصِبهِ ورياسَتِهِ، أو لِحفْظِ حَالِهِ أو لِحِفْظِ قُوَّتِهِ وَمَالِهِ أو اسْتِدْعَاء حَمْدِ النَّاسِ أو لِهَربٍ مِن ذَمِّهمْ أَوْ لِئَلا يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِ السُفَهَاءُ أو لِقَضَاءِ نَهْمَتِهِ مِن الدنيا أو لإِفلاسِهِ وَعَجْزِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن العِلَلِ التي تَقدَح في صِحَّتِهَا وَخُلُوصِهَا لِلَّهِ . أ. هـ.
وأخْبَرَ أَنَّهُ غَفَّارٌ لِذُنُوبِ التَّائِبينَ، فقال عَزَّ شأَنُه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأخبرَ سبحانَه أنه يُحِبُ التوابين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ .
وقال النَبي ﷺ : «يا أيُها النَّاسُ تُوبُوا إلى اللهِ واستَغْفِرُوهُ فإني أَتُوبُ في اليوم مائةَ مَرة» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وقال ﷺ : «والله إني لأستغفرُ اللهِ وأَتُوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة» . رواه البخاري.
شعرًا:
لَيْسَ الظَرِيفُ بِكَامِلٍ في ظَرْفِهِ ... حَتَّى يَكُونَ عَن الحَرَام عَفِيفًا
فإذا تَوَرَّعَ عَنْ مَحَارِمِ رَبِهِ ... فَهُنَاكَ يُدْعَى في الأنامِ ظَرِيفًا
وقال ﷺ : «اللهُ أَشَدُ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِليهِ مِنْ أَحدِكُم كانَ على رَاحِلتِه بأرض فلاةٍ فانفَلَتَتْ منه وَعَليهَا طَعامُه وَشَرَابُه فأَيس منها، فأتَى شَجرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا وَقَدْ أَيسَ مِن رَاحلَتِهِ فَبَيْنَمَا هُو كَذَلِكَ
стр. 31
إِذْ هُوَ بِهَا قائِمةً عندهُ فأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَال مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وأنا رَبُكَ، أخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ» . الحديث رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وقال ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالى يَبْسُطُ يَدَهِ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسيءُ النهارِ ويَبْسُطُ يَدَهَ بالنهار ليَتُوبَ مُسِيءُ الليلُ حتَّى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغُرِبِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
والأحاديثُ في هذا كَثِيرةٌ، والإجماعُ مُنْعَقِدٌ عَلى وُجُوبِ التَّوبَةِ لأَمْرِ اللهِ ورسولِهِ بها، ولأن الذنوبَ مُهْلِكاتٌ مُبْعداتٌ عن اللهِ فَيَجِبُ الهَرَبُ مِنْها على الفَورِ ولْيَحْذَرْ الإِنسانُ كُلَّ الحذرِ مِن الذنوبِ الكبَائِر والصَّغائِر. وُوُجُوبُ التوبةِ مِن الكبائر أَهَمُّ وآكدُ، والإصْرارُ على الصغيرةِ أيضًا كبيرةٌ، فلا صَغِيرةَ مع الإِصْرارِ ولا كَبيرةَ مَعَ التوبةِ والاسْتِغْفارِ. وَتَواتُرُ الصَّغَائِرِ عظيمُ التأْثيرِ في تسْويدِ القلب وهوَ كَتَواتُر قَطَراتِ الماءِ على الحَجَر، فإِنه يُحْدِثُ فيهِ حُفْرَةً لا مَحَالةَ مَعَ لِينَ الماءِ وَصَلابةِ الحجرِ فَعَلَى العاقِل أن يَسْتَرصِدَ قَلبَهُ باسْتِمْرَارٍ ويُراقِبَ حركاتِهِ وَيُسجّلَ تَصَّرُفَاتِهِ ولا يَتَسَاهلَ ولا يقولَ إنها مِن التوافِهِ الصِغارِ وَصَدَقَ رسولُ اللهِ ﷺ حيثُ يقولُ: «إِياكُمْ وَمُحَقّراتِ الذُنُوب فإِنهنَّ يجْتمعْنَ عَلَى الرَّجُل يُهْلكنَهْ» .
فوائد: انبَسَطَ آدَمُ في أكْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فيهَا فَكَانَتْ سَبَبَ نُزُولِهِ مِنَ الجَنِّة وَنوح كَلِمَة وَاحِدَةٌ عَلَى غَيْرَ وجْههَا نُوْدِي ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ﴾ - الآية، وخليل الرَّحمنُ لَم يَكُن منه إلا هَفْوةٌ وَاحِدَةٌ فكَم تضرع واسْتَغْفَر، ثم يُونُسَ غَضْبَةٌ واحِدة فَسُجِنَ في بَطْن الحُوتْ. أ. هـ.
شِعْرًا:
ولا تَحِتقر كيدَ الضعِيف فربما ... تِموت الأفاعي من سُمُوم العَقَارِبِ
وقد هدَّ قَدْمًا عَرشَ بِالْقِيس هُدهُدٌ ... وَخرب حَفر الفأر سَدَّ مآربِ
آخر:
لا تَحْقِرَنَّ عَدُوًا لأنَ جَانِبُهُ ... وَلَوْ يَكُونُ قَلِيلَ الْبَطْشِ والْجَلَدِ
فَلِذُبَابَةِ في الْجُرْحِ الْمَدِيدِ يَدٌ ... تَنَالَ مَا قَصَّرَتْ عنه يَدُ الأسَدِ
стр. 32
آخر: ... ولا تَحْقِرَنَّ عَدوًا رَمَا ... ك وإنْ كان في سَاعِدَيْهِ قِصَرْ
فَإنَّ السُّيُوفَ تَحُزُّ الرِّقَا ... بَ وَتَعْجَزُ عَمَّا تَنَالُ الإِبَرْ
آخر: ... لا تَهَاوَنْ بِصَغِيرٍ من عَدَا ... فَقَدِيمًا كَسَرَ الرُّمْحَ الْقَلَمُ
آخر ... لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرًا في مُخَاصَمَةٍ ... إِنَّ الْبَعُوضَةَ تُدْمِي مُقْلَةَ الأَسَدِ
وكما أنَّ خيرَ الأعْمالِ الصالحةِ أدْوَمُها وإنْ قَلَّ، وأيضًا الكبائرُ قَلَّما تَقَعُ مِن غِير سَوابِقَ وَمُقَدِّماتٍ من الصَغَائِر، فَمَثَلاً الزنا - والعِياذُ باللهِ - قَلّمَا يَقَعُ فَجَأَةً بل تَتَقَدَّمُ عليهِ مُرَاوَدَةٌ أو قُبْلَةٌ أو لمسٍ.
شعرًا ... أَأَحُورُ عَنْ قََصْدِي وَقَد بَرَحَ الخَفا ... وَوَقََفْتُ مِنْ عُمْرِي القَصِيرِ عَلى شَفا
وَأَرَى شُؤونَ العَينِ تُمسِكُ ماءَهَا ... وَلَقَبلَ ما حَكَتِ السَحابَ الوُكَّفا
وَأَخالُ ذاكَ لِعِبرَةٍ عَرَضَت لَها ... مِن قَسوَةٍ في القَلبِ أَشبَهتِ الصَفا
وَلَقَلَّ لي طولُ البُكاءِ لِهَفوَتي ... فَلَرُبَّما شَفَعَ البُكاءُ لِمَن هَفا
إِنَّ المَعاصِيَ لا تُقيمُ بِمَنزِلٍ ... إِلا لِتَجعَلَ مِنهُ قاعاً صَفصَفا
وَلَو أَنَّني داوَيتُ مَعطَبَ دائِها ... بِمَراهِمِ التَقوى لَوافَقتِ الشِفا
وَلَعِفتُ مَورِدَها المَشوبَ بِرَنقِها ... وَغَسَلتُ رَينَ القَلبِ في عَينِ الصَفا
وَهَزَمتُ جَحفَلَ غَيِّها بِإِنابَةٍ ... وَسَلَلتُ مِن نَدَمٍ عَلَيها مُرهَفا
وَهَجَرتُ دُنيا لَم تَزَل غَرّارَةً ... بِمُؤَمِّليها المُمحِضينَ لَها الوَفا
سَحَقَتهُمُ وَدِيارَهُم سَحقَ الرَحا ... فَعَلَيهُمُ وَعَلى دِيارِهُم العَفا
وَلَقَد يُخافُ عَلَيهِمُ مِن رَبِّهِم ... يَومَ الجَزاءِ النارَ إِلا إِن عَفا
إِنَّ الجَوادَ إِذا تَطَلَّبَ غايَةً ... بَلَغَ المَدى مِنها وَبَذَّ المُقرِفا
شَتّانَ بَينَ مُشَمِّرٍ لِمَعادِهِ ... أَبَداً وَآخَرَ لا يَزالُ مُسَوِّفا
إِنّي دَعَوتُكَ مُلحِفاً لِتُجيرَني ... مِمّا أَخافُ فَلا تَرُدَّ المُلحِفا
قال بَعضُ العُلمَاء: مِن عَجيب ما نقَدْتُ مِن أَحْوالِ الناس كَثْرةَ ما
стр. 33
ناحُوا على خرَابِ الدِّيارِ ومَوتِ الأقارِب والأسلافِ والتَّحَسُّرِ على الأرْزَاقِ بذمِ الزمانِ وأهلهِ وذِكرِ نكدِ العَيْشِ فيه.
وقَدْ رَأوَا مِن انهدامِ الإِسلامِ وَشعَثِ الأَديانِ وموت السُّننِ وظهورِ البدع وارتكاب المعاصِي وتقضي العُمَر في الفارغِ الذي لا يُجْدِي والقبيحِ الذي يُؤبق ويُؤذِي.
فلا أجدُ منهم مَن ناح على دِينِه ولا بَكى عَلى فارِطِ عُمِرهِ ولا آسَى على فائتِ دَهِره.
وما أرَى لذَلك سَبَبًا إلا قِلةَ مُبَالاتِهم في الأديان وعظمَ الدنيا في عُيونهم ضِدَّ ما كان عليه السلفُ الصالحُ يَرْضَون بالبلاغِ وَيَنُوحُونَ على الدين. أ. هـ.
وكُلُ كَسْرٍ فإِنْ اللهِ يَجْبُرُهُ ... وما لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ
آخر:
تُفَكّرُ في نُقْصَان مَالِك دَائِمًا ... وتَغْفل عن نُقْصَانِ دِينَكَ والعُمْرِ
وَيَثْنِيكَ خَوْفُ الفَقْرِ عن كُلِّ طاعةٍ ... وخِيفَةُ حَالٍ الفَقْرِ شَرٌ مِن الفَقْرِ
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا تَوفيقًا يَقِينًا عَنْ مَعَاصِيكِ وَأَرَشِدْنَا إلى السَّعْيِ فِيمَا يُرْضِيكَ وأَجِرْنَا يَا مَوْلانَا مِنْ خِزْيكَ وَعَذَابِكَ وَهَبْ لَنَا مَا وَهَبْتَهُ لأَوْلِيَائِكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلَك التَّوبَةَ وَدَوامَها، وَنَعُوذُ بِكَ مِن المَعْصِيَةِ وأَسْبَابها، اللَّهُمَّ أفِضِ علينا مِن بَحْرِ كَرَمِكَ وَعَوْنِك حَتَى نَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا على السّلامَةِ مِن وَبَالِها وَارْأُفْ بِنَا رَأْفَةَ الحَبِيبِ بِحَبِيبِهِ عِنْدَ الشّدَائِدِ وَنُزُولِها، وارْحَمْنا مِن هُمُومِ الدّنْيَا وَغُمومِها بالرَّوْحِ والرّيْحانِ إِلى الجنةِ وَنَعِيمِها، وَمَتَّعْنا بالنَّظَرِ إِلى وَجْهكَ الكريم في جَنَّاتِ النَّعيمْ مَعَ الذين أَنْعَمْتَ عليهم من النبيينَ والصّدّيقينَ والشَّهداءِ والصّالِحين، واغْفِرْ لَنَا ولوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعَ المُسْلِمينَ، الأَحياءِ منهم والميتينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصحبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 34
الفَصْلُ الثَّاني: قال ابنُ القَيمِ ﵀: وللمَعَاصِي من الآثارِ المُضِرَّةِ بالقلبِ والبَدَن في الدنيا والآخرةِ ما لا يَعْلمُهُ إلا الله، فمنها: أنها مَدَدٌ مِنَ الإِنسانِ يَمُدُّ بِهِ عَدُوَّهُ عليهِ وَجَيْشٌ يُقَوِّيهِ بهِ على حَرْبِهِ ومِن عُقُوباتِها أَنَّهَا تَخُونُ العَبْدَ أَحْوَجَ ما يكون إلى نفْسِهِ. ومنها: أنها تُجَرِّئُ العبدَ على مَنْ لم يكُنْ يَجْتَرئُ عَليهِ. وَمنها: الطَبْعُ على القلب إذا تكاثَرَتْ حتى يَصيرَ صَاحبُ الذَنْب منَ الغافِلين، كما قال بعضُ السَلَفِ في قوله تَعَالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ هو الذَنْبُ بعدَ الذنْب، وقال: هو الذَنْبُ على الذنْبِ حتى يَعْمَى القلبُ. وأصْلُ هذا أنَّ القَلْبَ يَصْدأُ مِنَ المعصيةَ فإِذا زادَتْ غَلَبَ الصدأُ حتى يَصيرَ رَانًا ثم يغلبُ حتى يَصِيرَ طَبْعًا وَقَفْلاً وَخَتْمًا فَيَصِيرَ القلبُ في غِشَاوةٍ وَغِلافٍ.
ومنها: إفْسادُ العقلِ فإنَّ العقلَ نُورٌ والمعصيةُ تُطْفئُ نُورَ العقلِ.
ومنها: أن العبدَ لا يَزالُ يَرْتَكِبُ الذُنوبَ حتى تَهونَ عليهِ وَتَصْغُرَ في قلبِهِ.
ومنها: أنْ يَنْسَلخَ مِنَ القلبِ اسْتِقْباحُها فتصيرَ لهُ عادةً.
ومنها: أنَّ المعاصِيِ تَزْرَعُ أَمْثَالَها وَيُوَلِّدُ بعضُها بَعضًا.
ومنها: ظُلْمَةٌ يَجِدُها في قلبِهِ يُحِسُّ بِها كما يُحِسُّ بِظُلْمَةِ الليلِ.
ومنها: أَنَّ المعاصِيَ تُوهنُ القلبَ والبَدَنَ أَمّا وَهَنُها لِلْقِلب فَأمْرٌ ظاهِرٌ بل لا تَزَالُ تُوهِنُهُ حتى تُزيلَ حَيَاتَهُ بالكُلِّيةِ وأمَّا وَهَنُها للبَدَنِ فإنّ المؤمن قُوتُهُ في قلبِهِ وكُلّما قَويَ قلبُهُ قَوِيَ بَدَنُه.
ومَنْها: أَنّ المعاصِيَ تَمْحَقُ بَرَكَةَ العُمْرَ إذْ أنَّ المَعاصِيَ كُلَّها شُرُورٌ.
وَمِنْهَا: شَمَاتةُ الأَعْدَاءِ فَإِنّ المَعَاصِيَ كُلَّها أَضْرارٌ في الدِّينِ والدُّنْيَا وَهَذَا مَا يُفَرِّحُ العَدُوَّ وَيُسِيءُ الصَّديقَ.
стр. 35
وَمِنْهَا تَعْسِيرُ أُمُوِرِهِ فَلا يَتَوَجَّهُ لأِمْرٍ إِلا يَجِدُهُ مغْلَقًًَا دُوْنَه أَوْ مُتَعسِّرًا عَلَيْه.
وَمِنْهَا الْوَحْشَةُ التي تَحْصُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس وَلاسِيَّمَا أَهلُ الخَيْر. وَمِنْهَا حِرْمَانُ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَدَعُوَةِ الملائِكَةِ لِلَذِيْنَ تَابُوا وَمِنْهَا أنَّ الذُنُوبَ تَدْخُلُ العَبْدَ تَحْتَ لَعْنَةِ رَسُولِ الله ﷺ .
شِعْرًا:
ألا طُوبَى لِمَنْ أَمْسَى وأضْحَى ... خَفِيفَ الظَّهْرِ مِنْ ثِقْلِ الذُنُوبِ
يَغِيْبُ عَنِ الأباعِدِ والأدَانِيْ ... لِخَلْوتِهِ بِعَلام الغُيُوبِ
آخر:
لا تَقْنَطَنْ مِن عِظَمِ الذُنُوب ... فَرَبُّ العباد رحِيمٌ رؤوف
ولا تَمْضِيَنَّ عَلَى غَيْرِ زَادْ ... فإنَّ الطَّرِيقُ مَخَوْفٌ مَخُوفْ
وَمِنْهَا: أَنَّها تُحْدِثُ في الأرْضِ أَنَواعًا مِنَ الفَسَادِ في المِيَاهِ وَالهَوَاءِ والزّروِع وَالثَّمَارِ والمَسَاكِن.
وَمِنْهَا: أَنَّها تُطْفِئُ مِنَ الْقَلْبِ نارَ الغَيرَةِ.
وَمِنْهَا: ذَهَابُ الحيَاءِِ الذِي هُوَ مَادَّةُ حَيَاةِ القلبِ.
وَمِنْهَا: أَنَّها تُضْعِفُ في القلبِ تَعْظِيمَ الرّبِّ وَتُضْعِفُ وَقَارهُ في قَلْبِ العَبْدِ.
وَمِنْهَا: أَنّها تَسْتَدْعِي نِسْيَانَ اللهِ لِعَبْدِهِ وَتَركهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُخْرِجُ العَبْدَ مِنْ دَائِرةِ الإِحْسَانِ وَتَمْنَعُهُ ثَوابَ المُحْسِنِين.
وَمِنْهَا: أَنَّها تُضْعِفُ سَيْرَ القَلبِ إلى اللهِ والدّارِ الآخِرَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّّها تَصْرِفُ القلب عنْ صِحَّتِهِ واسْتِقَامَتِهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّها تُعْمِي بَصِيرَةَ القلبِ وَتَطْمِسُ نُورَهُ وَتَسدُّ طُرقَ العِلْم.
وَمِنْهَا: أَنَّها تُصَغِّرُ النَفْسَ وَتَحْقِرُهَا وَتَقْمَعُهَا عن الخير.
وَمِنْهَا: أنَّ العَاصِيَ في أَسْرِ شَيْطَانِهِ وَسِجْنِ شَهَواتِهِ.
وَمِنْهَا: سُقُوطُ الجَاهِ والمَنْزلَةِ والكَرَامَةِ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّها
стр. 36
تُوجِبُ القَطيعَةَ بينَ العبْدِ وَبينَ رَبِّهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَسْلُبُ صَاِحِبِهَا أَسْمَاءَ المَدْحِ والشرَفِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَجْعَلُ صَاحِبهَا من السَفَلَةِ. انتهى.
شعرًا: ... تَبِيتُ عَلَى المَعَاصِي والمَسَاوِي ... فَأَنْتَ بِغَفْلةٍ والله بِتَّا
يُديمُ عليكَ إِحْسَانًا وفَضْلاً ... وَأْنَت تُدِيمُ لُؤْمًا أًيْنَ كُنْتَا
وبالعِصْيَانِ تَخطُرُ باخْتيالٍ ... سَكِرْتَ مِنَ الغُرورِ وما صَحَوْتَا
أَفِقْ مِنْ َغَفْلَةٍ وَأِنْب لِرَبٍّ ... تَنَلْ منهُ السَّماحَ إذَا أَنَبْتَا
وتَظْفَرُ بِالقَبُولِ وبالأمَاني ... وفي الدَّارَيْن بالإِسْعَادِ فُزْتَا
آخر ... أَلا أَيُّها المُسْتَطْرِفُ الذَّنْبَ جَاهِدًا ... هُوَ اللهُ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ السَّرَائِرُ
فإنْ كُنْتَ لَمْ تَعْرِفْهُ حِينَ عَصَيْتَهُ ... فإنَّ الذِي لاَ يَعْرِفُ اللهُ كَافِرُ
وإِنْ كُنْتَ عن عِلْمٍ وَمَعُرفَةٍ بِهِ ... عَصَيْتَ فَأَنْتَ المُسْتَهِينُ المُجَاهِرُ
فَأَيَّةُ حَالَيْكَ اعْتَقَدْتُ فإنَّهُ ... عَليمٌ بِمَا تُطْوَى عَلَيْهِ الظَّمائِرُ
آخر ... أَحذِرْكَ أَحذِرْكَ لا أَحذِرْكَ واحدةً ... عَنِ المَعَاصِي وخُصَّ الشِرْكَ باللهِ
فإنَّهُ أَعْظَمُ الآثامِ أَجْمَعِهَا ... وَصَاحِبُ الشِّرْكِ أَعْدَى الناسِ لِلهِ
ومِن عُقُوباتِ الذُنُوب أنها: تَصْرِفُ القَلْبَ عن صِحَّتِهِ واسْتِقَامَتِهِ إلى مَرَضِهِ وانْحِرَافِهِ، فَلا يَزَالُ مَرِيضًا مَعْلُولاً لا يَنتفعُ بالأغذيةِ التي بها حَياتُه وصَلاحهُ.
فإن تأثير الذنوب في القلب كتأثير الأمراض في الأبدانِ، بل الذنوب أمراضُ القلوب ودَاؤُها، ولا دَواءَ لَهَا إلا تَركُها.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ مَنَاهِجَ المُتَّقِينِ، وَخُصَّنَا بِالتَّوْفيقِ المُبِينُ، وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ مِنَ المقَرَّبِينَ الذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
(فَصْلٌ) : وقد أجمع السائرون إلى الله أنَّ القلوبَ لا تُعطي مُنَاهَا حَتَّى تصل إلى
стр. 37
مَوْلاَهَا، وَلا تَصِلُ إِلَى مَوْلاَهَا حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، ولا تكون صَحِيحَةٌ سَلِيمَةً حَتَّى يَنْقَلِبَ دَاؤُهَا فَيَصِيرَ نَفْسَ دَوَائِهَا.
ولا يَصِحُ لَهَا ذَلكَ إَلا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا، فهواها مرضُها، وشفاها مخالفتهُ، فإن استحكم المرض قتل أو كاد.
وكما أنَّ مَن نَهَى نفسهُ عن الهوى كانت الجنة مأواه، كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نَعيمًا البتة.
بل التفاوتُ الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نَعِيمَ الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا أمر لا يصدق به إلا من بَاشَرَ قلبه هذا وهذا.
ولا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة كذلك.
أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ .
وأي عذابٍ أَشَدُّ مِنَ الخوفِ والهمَّ والحزنِ وضيقِ الصدرِ وإعراضِهِ عن الله والدار الآخرة وَتَعَلُّقِهِ بغيرِ اللهِ وانقطاعِهِ عن اللهِ؟ بكل واد منه شعبة، وكل شيء تعلق به وأَحَبَّهُ مِن دونِ اللهِ فإنه يَسُومُه سُوءَ العذاب.
فَكُلُ مَنْ أَحَبَّ شيْئًا غيرَ اللهِ عُذِبَ به ثَلاثَ مَرَّات: في هذه الدار، فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل، فإذا حَصَل عُذِّبَ به حَال حُصولِهِ بالخوفِ مِن سَلْبِهِ وفواتِهِ والتنغيصِ والتنكيدِ عليه وأنواع المعارضات، فإذا سُلِبَهُ اشْتَدَّ عَذَابهُ عليه.
فهذه ثلاثةُ أنواع من العذاب في هذه الدار. وأما في البرزخ فعذاب يقارنه أَلَمُ الفراق الذي لا يرجى عوده، وألم فوات ما فاته مِن النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحِجَابِ عن الله، وألم الحسرةِ التي تقطع الأَكباد.
стр. 38
فالهَمُ والغَمُ والحسرةُ والحزنُ تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم، بل عَمَلُها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها، فحينئذٍ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر.
فأين هذا مِن نعيم مَنْ يرقص قلبه طربًا وفرحًا وأُنسًا بربه، واشتياقًا وارتياحًا بحبه وطمأنينة بذكره؟ حتى يقول بعضهم في حال نزعه: وأطرباه. ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال إِنهم لفي عَيْشٍ طيب.
وقال الآخر: مَسَاكينُ أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لَذيذَ العيشِ فيها وما ذاقوا أَطْيَبَ ما فيها. ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
ويقول الآخر: إِنَّ في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخر. فيا مَن باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كُلَّ الغبنِ في هذا العقد وهو يرى أنه قد غَبَنَ، إذا لم تكن لك خبرة بقيمة السلعة فاسأل المقومين.
فيا عجبًا مِن بِضَاعَةٍ مَعَكَ اللهُ مُشْتَرِيها، وثَمَنُها جَنَّةُ المأْوىَ، والسفيرُ الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول ﷺ وقد بِعْتَهَا بغايةِ الهوان!! .
هَل الدُّنْيَا وما فيهَا جَمِيعًا ... سِوَى ظِلٍّ يَزُولُ مَعَ النَّهَارِ
تَفَكَّر أَيْنَ أَصْحَابُ السَّرَايَا ... وَأَرْبَابُ الصَّوافِنِ والعِشَارِ
وَأَيْنَ الأَعْظَمُونَ يَدًا وَبَأْسًا ... وَأَيْنَ السَّابِقُونَ لِذِي الفِخَارِ
وَأَيْنَ القَرْنُ بَعْدِ القَرْنِ مِنهُمْ ... مِنْ الخُلَفَاء والشُمِ الكِبَارِ
كأَنْ لَمْ يُخْلَقُوا أَوْ لَمْ يَكُونُوا ... وهَلْ أَحَدٌ يُصَانُ مِنَ البَوارِ
واللهُ أَعْلَمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
стр. 39
(فَصْلٌ) : ومن عقوباتها أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تَجدُ عاقِلين أَحَدهما مُطِيعٌ والآخرُ عاصٍ إِلا وَعَقْلُ المطيع منها أَوْفَرُ وأَكْمَلُ وفِكْرُهُ وَرَأَيُهُ أَسَدُّ والصوابُ قَرِينه.
ولِهَذا تِجَدُ خِطاب القُرآن إنما هو مَعَ أولى الألباب والعقول كقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ونظائر ذلك كثيرة.
وكيف يكون عاقلاً وَافِرَ العقل مَن يَعصِي مَن هو في قبضته وفي داره وهو يعلم أنه يراه ويشاهده فيعصيه، وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين بنعمه على مَسَاخِطه ويَستدعِي كل وقت غَضَبَه عليه ولَعْنَتَهُ له وإِبعادَهُ مِن قُرْبِهِ، وطَرْدهُ من بابه وإعراضَه عنه وخذلانَه له والتخليةَ بينه وبين نفسه وعدوه وحرمانه من رضاه وحبه، وقرة العين بقربه والفوز بجواره والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه إلى أضعاف ذلك مِن كرامة أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك مِن عقوبة أهل المعصية.
شِعْرًا ... يَا ذا الذي حَمَّلَهُ جَهْلُهُ ... مِن الْمَعَاصِي فَوْقَ ما يَقْوَى
البَسْ مِنْ التَّوْبَةِ دِيباجةً ... مُعْلَمَةً بالنُسْكِ والتَقْوَى
واعْلَمْ بأنْ لَسْتَ تُرَى نَاجِيًا ... إِنْ لَمْ تُطِعْ مَنْ يَعْلم السِّرَ والنَّجْوى
آخر:
قِفَا نَبْكي مِن عظمِ الذُنُوبِ وَفتكِها ... وَتَضْيِيْعِنا الأَوقات في غَيْر وَاجِبِ
ونَسْتَدْركُ الماضِي بِتَوبَةِ صَادِقٍ ... وَنَسْتَقْبِل الآتِي بِجِدِّ المُوَاضِبِ
وَنَعْمَلُ أَعْمَالاً حِسَانًا لَعَلّهَا ... تُكَفِّرُ عَنَّا مُفْضِعَات المَعَائِبِ
آخر: ... إِذَا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ لِبَاسًا من التُقَى ... تَقَلَّبَ عرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا
وَخَيْرُ خِصَالِ المرءِ طَاعَةُ رَبِهِ ... ولا خَيْرَ في مَنْ كَان لِلَّهِ عَاصِيًا
فأي عقل لمن آثر لذة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم؟ بل هو سعادة الدنيا والآخرة.
ولولا العقل الذي تَقُوم عليه به الحجة لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون
стр. 40
المجانين أحسن حالاً منه وأسلم عاقبة، فهذا مِن هذا الوجه.
وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيشي فلولا الاشتراك في هذا النقصان لَظَهَرَ لِمُطِيعِنَا نُقْصَانُ عقل عاصينا، ولكن الجائحة عامة، والجنون فنون.
ويا عجبًا لو صَحَّتِ العُقُولُ لَعَلمت أَنَّ الطرِيقَ الذي يحصل به اللذةُ والفرحةُ والسرورُ وطيّبُ العيشِ إنما هو في رضاء مَن النعيمُ كُلُه في رِضَاه والألمُ والعذابُ كله في سَخَطِهِ وغَضَبِهِ.
ففي رضاه قرةُ العيون، وسرورُ النفوس، وحياةُ القلوب، ولَذَّةُ الأرواح، وطِيبُ الحياةِ ولذةُ العَيشِ وأَطْيَبُ النعيم ممَّا لَو وُزنَ منه مثقالُ ذَرةٍ بنعيم الدنيا لم تَفِ بِهِ بل إذا حَصلَ لِلقلْبِ مِن ذلكَ أَيْسَرُ نَصِيبٍ لم يَرْضَ بالدنيا وما فيها عَوضًا منه.
ومَعَ هذا فهو يَنْعَمُ بنَصِيبِهِ أَعْظَمُ مِن تَنَعُّم المترفين فيها، ولا يَشُوبُ تَنَعُّمهُ بذلك الحظِ اليسيرِ ما يشوبُ تَنَعُمُّ المترفين مِن الهموم الغموم والأحزانِ والمعارضاتِ، بل قد حَصَلَ على النعيمين وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما. انتهى.
لِلَّهِ قَومٌ أَطَاعُوا الله خَالقَهُمْ ... فآمَنُوا واسْتَقامُوا مِثْلَ ما أَمروا
والوَجُدُ والشوقُ والأفْكارُ قُوتُهمُوا ... ولازَمُوا الجِد والادْلاجَ في البُكَرِ
آخر ... إِذا ما كَسَاكَ لله سِرْبَاك صِحَّةٍ ... وَلَمْ تَخْلُ مِنْ قُوتًا يَحِلٌ ويعذُبُ
فلا تَغْبِطَنَّ المُتْرَفِينَ فَإِنَّهُمْ ... بِمِِقْدَارِ مَا يُكْسُونَ في الوْقَتِ يُسْلَبُ
آخر:
أَفادَتْني القَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍ ... وَأَيُّ غِنىً أعَزَ مِنَ القَنَاعَةْ
فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِكَ رَأْسَ مَالٍ ... وصَيّرْ بَعْدَهَا التَّقْوى بضَاعَةْ
تَحُزْ رِبْحَيْنِ تَغْنَى عن بَخِيلٍ ... وتَنْعَمُ في الجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَةْ
آخر ... أَخَصُّ الناس بالإِيمانِ عَبْدٌ ... خَفِيفُ الحَاذِ مَسْكَنُهُ القِفَارُ
لَهُ في اللِّيْلِ حَظٌ مِن صَلاةٍ ... ومِن صَوْمٍ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ
следующие страницы →