← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تُوجِبُ القَطيعَةَ بينَ العبْدِ وَبينَ رَبِّهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَسْلُبُ صَاِحِبِهَا أَسْمَاءَ المَدْحِ والشرَفِ. وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَجْعَلُ صَاحِبهَا من السَفَلَةِ. انتهى. شعرًا: ... تَبِيتُ عَلَى المَعَاصِي والمَسَاوِي ... فَأَنْتَ بِغَفْلةٍ والله بِتَّا يُديمُ عليكَ إِحْسَانًا وفَضْلاً ... وَأْنَت تُدِيمُ لُؤْمًا أًيْنَ كُنْتَا وبالعِصْيَانِ تَخطُرُ باخْتيالٍ ... سَكِرْتَ مِنَ الغُرورِ وما صَحَوْتَا أَفِقْ مِنْ َغَفْلَةٍ وَأِنْب لِرَبٍّ ... تَنَلْ منهُ السَّماحَ إذَا أَنَبْتَا وتَظْفَرُ بِالقَبُولِ وبالأمَاني ... وفي الدَّارَيْن بالإِسْعَادِ فُزْتَا آخر ... أَلا أَيُّها المُسْتَطْرِفُ الذَّنْبَ جَاهِدًا ... هُوَ اللهُ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ السَّرَائِرُ فإنْ كُنْتَ لَمْ تَعْرِفْهُ حِينَ عَصَيْتَهُ ... فإنَّ الذِي لاَ يَعْرِفُ اللهُ كَافِرُ وإِنْ كُنْتَ عن عِلْمٍ وَمَعُرفَةٍ بِهِ ... عَصَيْتَ فَأَنْتَ المُسْتَهِينُ المُجَاهِرُ فَأَيَّةُ حَالَيْكَ اعْتَقَدْتُ فإنَّهُ ... عَليمٌ بِمَا تُطْوَى عَلَيْهِ الظَّمائِرُ آخر ... أَحذِرْكَ أَحذِرْكَ لا أَحذِرْكَ واحدةً ... عَنِ المَعَاصِي وخُصَّ الشِرْكَ باللهِ فإنَّهُ أَعْظَمُ الآثامِ أَجْمَعِهَا ... وَصَاحِبُ الشِّرْكِ أَعْدَى الناسِ لِلهِ ومِن عُقُوباتِ الذُنُوب أنها: تَصْرِفُ القَلْبَ عن صِحَّتِهِ واسْتِقَامَتِهِ إلى مَرَضِهِ وانْحِرَافِهِ، فَلا يَزَالُ مَرِيضًا مَعْلُولاً لا يَنتفعُ بالأغذيةِ التي بها حَياتُه وصَلاحهُ. فإن تأثير الذنوب في القلب كتأثير الأمراض في الأبدانِ، بل الذنوب أمراضُ القلوب ودَاؤُها، ولا دَواءَ لَهَا إلا تَركُها. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِسُلُوكِ مَنَاهِجَ المُتَّقِينِ، وَخُصَّنَا بِالتَّوْفيقِ المُبِينُ، وَاجْعَلْنَا بِفَضْلِكَ مِنَ المقَرَّبِينَ الذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. (فَصْلٌ) : وقد أجمع السائرون إلى الله أنَّ القلوبَ لا تُعطي مُنَاهَا حَتَّى تصل إلى

стр. 37

مَوْلاَهَا، وَلا تَصِلُ إِلَى مَوْلاَهَا حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً سَلِيمَةً، ولا تكون صَحِيحَةٌ سَلِيمَةً حَتَّى يَنْقَلِبَ دَاؤُهَا فَيَصِيرَ نَفْسَ دَوَائِهَا. ولا يَصِحُ لَهَا ذَلكَ إَلا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا، فهواها مرضُها، وشفاها مخالفتهُ، فإن استحكم المرض قتل أو كاد. وكما أنَّ مَن نَهَى نفسهُ عن الهوى كانت الجنة مأواه، كذلك يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نَعيمًا البتة. بل التفاوتُ الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نَعِيمَ الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا أمر لا يصدق به إلا من بَاشَرَ قلبه هذا وهذا. ولا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة كذلك. أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ . وأي عذابٍ أَشَدُّ مِنَ الخوفِ والهمَّ والحزنِ وضيقِ الصدرِ وإعراضِهِ عن الله والدار الآخرة وَتَعَلُّقِهِ بغيرِ اللهِ وانقطاعِهِ عن اللهِ؟ بكل واد منه شعبة، وكل شيء تعلق به وأَحَبَّهُ مِن دونِ اللهِ فإنه يَسُومُه سُوءَ العذاب. فَكُلُ مَنْ أَحَبَّ شيْئًا غيرَ اللهِ عُذِبَ به ثَلاثَ مَرَّات: في هذه الدار، فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل، فإذا حَصَل عُذِّبَ به حَال حُصولِهِ بالخوفِ مِن سَلْبِهِ وفواتِهِ والتنغيصِ والتنكيدِ عليه وأنواع المعارضات، فإذا سُلِبَهُ اشْتَدَّ عَذَابهُ عليه. فهذه ثلاثةُ أنواع من العذاب في هذه الدار. وأما في البرزخ فعذاب يقارنه أَلَمُ الفراق الذي لا يرجى عوده، وألم فوات ما فاته مِن النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحِجَابِ عن الله، وألم الحسرةِ التي تقطع الأَكباد.

стр. 38

فالهَمُ والغَمُ والحسرةُ والحزنُ تعمل في نفوسهم نظير ما تعمل الهوام والديدان في أبدانهم، بل عَمَلُها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله إلى أجسادها، فحينئذٍ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر. فأين هذا مِن نعيم مَنْ يرقص قلبه طربًا وفرحًا وأُنسًا بربه، واشتياقًا وارتياحًا بحبه وطمأنينة بذكره؟ حتى يقول بعضهم في حال نزعه: وأطرباه. ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال إِنهم لفي عَيْشٍ طيب. وقال الآخر: مَسَاكينُ أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا لَذيذَ العيشِ فيها وما ذاقوا أَطْيَبَ ما فيها. ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. ويقول الآخر: إِنَّ في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخر. فيا مَن باع حظه الغالي بأبخس الثمن، وغبن كُلَّ الغبنِ في هذا العقد وهو يرى أنه قد غَبَنَ، إذا لم تكن لك خبرة بقيمة السلعة فاسأل المقومين. فيا عجبًا مِن بِضَاعَةٍ مَعَكَ اللهُ مُشْتَرِيها، وثَمَنُها جَنَّةُ المأْوىَ، والسفيرُ الذي جرى على يده عقد التبايع وضمن الثمن عن المشتري هو الرسول ﷺ وقد بِعْتَهَا بغايةِ الهوان!! . هَل الدُّنْيَا وما فيهَا جَمِيعًا ... سِوَى ظِلٍّ يَزُولُ مَعَ النَّهَارِ تَفَكَّر أَيْنَ أَصْحَابُ السَّرَايَا ... وَأَرْبَابُ الصَّوافِنِ والعِشَارِ وَأَيْنَ الأَعْظَمُونَ يَدًا وَبَأْسًا ... وَأَيْنَ السَّابِقُونَ لِذِي الفِخَارِ وَأَيْنَ القَرْنُ بَعْدِ القَرْنِ مِنهُمْ ... مِنْ الخُلَفَاء والشُمِ الكِبَارِ كأَنْ لَمْ يُخْلَقُوا أَوْ لَمْ يَكُونُوا ... وهَلْ أَحَدٌ يُصَانُ مِنَ البَوارِ واللهُ أَعْلَمْ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

стр. 39

(فَصْلٌ) : ومن عقوباتها أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل فلا تَجدُ عاقِلين أَحَدهما مُطِيعٌ والآخرُ عاصٍ إِلا وَعَقْلُ المطيع منها أَوْفَرُ وأَكْمَلُ وفِكْرُهُ وَرَأَيُهُ أَسَدُّ والصوابُ قَرِينه. ولِهَذا تِجَدُ خِطاب القُرآن إنما هو مَعَ أولى الألباب والعقول كقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ونظائر ذلك كثيرة. وكيف يكون عاقلاً وَافِرَ العقل مَن يَعصِي مَن هو في قبضته وفي داره وهو يعلم أنه يراه ويشاهده فيعصيه، وهو بعينه غير متوار عنه ويستعين بنعمه على مَسَاخِطه ويَستدعِي كل وقت غَضَبَه عليه ولَعْنَتَهُ له وإِبعادَهُ مِن قُرْبِهِ، وطَرْدهُ من بابه وإعراضَه عنه وخذلانَه له والتخليةَ بينه وبين نفسه وعدوه وحرمانه من رضاه وحبه، وقرة العين بقربه والفوز بجواره والنظر إلى وجهه في زمرة أوليائه إلى أضعاف ذلك مِن كرامة أهل الطاعة وأضعاف أضعاف ذلك مِن عقوبة أهل المعصية. شِعْرًا ... يَا ذا الذي حَمَّلَهُ جَهْلُهُ ... مِن الْمَعَاصِي فَوْقَ ما يَقْوَى البَسْ مِنْ التَّوْبَةِ دِيباجةً ... مُعْلَمَةً بالنُسْكِ والتَقْوَى واعْلَمْ بأنْ لَسْتَ تُرَى نَاجِيًا ... إِنْ لَمْ تُطِعْ مَنْ يَعْلم السِّرَ والنَّجْوى آخر: قِفَا نَبْكي مِن عظمِ الذُنُوبِ وَفتكِها ... وَتَضْيِيْعِنا الأَوقات في غَيْر وَاجِبِ ونَسْتَدْركُ الماضِي بِتَوبَةِ صَادِقٍ ... وَنَسْتَقْبِل الآتِي بِجِدِّ المُوَاضِبِ وَنَعْمَلُ أَعْمَالاً حِسَانًا لَعَلّهَا ... تُكَفِّرُ عَنَّا مُفْضِعَات المَعَائِبِ آخر: ... إِذَا المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ لِبَاسًا من التُقَى ... تَقَلَّبَ عرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا وَخَيْرُ خِصَالِ المرءِ طَاعَةُ رَبِهِ ... ولا خَيْرَ في مَنْ كَان لِلَّهِ عَاصِيًا فأي عقل لمن آثر لذة أو يوم أو دهر ثم تنقضي كأنها حلم لم يكن على هذا النعيم المقيم والفوز العظيم؟ بل هو سعادة الدنيا والآخرة. ولولا العقل الذي تَقُوم عليه به الحجة لكان بمنزلة المجانين، بل قد يكون

стр. 40

المجانين أحسن حالاً منه وأسلم عاقبة، فهذا مِن هذا الوجه. وأما تأثيرها في نقصان العقل المعيشي فلولا الاشتراك في هذا النقصان لَظَهَرَ لِمُطِيعِنَا نُقْصَانُ عقل عاصينا، ولكن الجائحة عامة، والجنون فنون. ويا عجبًا لو صَحَّتِ العُقُولُ لَعَلمت أَنَّ الطرِيقَ الذي يحصل به اللذةُ والفرحةُ والسرورُ وطيّبُ العيشِ إنما هو في رضاء مَن النعيمُ كُلُه في رِضَاه والألمُ والعذابُ كله في سَخَطِهِ وغَضَبِهِ. ففي رضاه قرةُ العيون، وسرورُ النفوس، وحياةُ القلوب، ولَذَّةُ الأرواح، وطِيبُ الحياةِ ولذةُ العَيشِ وأَطْيَبُ النعيم ممَّا لَو وُزنَ منه مثقالُ ذَرةٍ بنعيم الدنيا لم تَفِ بِهِ بل إذا حَصلَ لِلقلْبِ مِن ذلكَ أَيْسَرُ نَصِيبٍ لم يَرْضَ بالدنيا وما فيها عَوضًا منه. ومَعَ هذا فهو يَنْعَمُ بنَصِيبِهِ أَعْظَمُ مِن تَنَعُّم المترفين فيها، ولا يَشُوبُ تَنَعُّمهُ بذلك الحظِ اليسيرِ ما يشوبُ تَنَعُمُّ المترفين مِن الهموم الغموم والأحزانِ والمعارضاتِ، بل قد حَصَلَ على النعيمين وهو ينتظر نعيمين آخرين أعظم منهما. انتهى. لِلَّهِ قَومٌ أَطَاعُوا الله خَالقَهُمْ ... فآمَنُوا واسْتَقامُوا مِثْلَ ما أَمروا والوَجُدُ والشوقُ والأفْكارُ قُوتُهمُوا ... ولازَمُوا الجِد والادْلاجَ في البُكَرِ آخر ... إِذا ما كَسَاكَ لله سِرْبَاك صِحَّةٍ ... وَلَمْ تَخْلُ مِنْ قُوتًا يَحِلٌ ويعذُبُ فلا تَغْبِطَنَّ المُتْرَفِينَ فَإِنَّهُمْ ... بِمِِقْدَارِ مَا يُكْسُونَ في الوْقَتِ يُسْلَبُ آخر: أَفادَتْني القَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍ ... وَأَيُّ غِنىً أعَزَ مِنَ القَنَاعَةْ فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِكَ رَأْسَ مَالٍ ... وصَيّرْ بَعْدَهَا التَّقْوى بضَاعَةْ تَحُزْ رِبْحَيْنِ تَغْنَى عن بَخِيلٍ ... وتَنْعَمُ في الجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَةْ آخر ... أَخَصُّ الناس بالإِيمانِ عَبْدٌ ... خَفِيفُ الحَاذِ مَسْكَنُهُ القِفَارُ لَهُ في اللِّيْلِ حَظٌ مِن صَلاةٍ ... ومِن صَوْمٍ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ

стр. 41

وقُوتُ النَفسِ يَأتِي في كَفَافٍ ... وكَانَ لَهُ على ذَاكَ اصْطِبَارُ وفيه عِفَّةُ وبِهِ خُمُولٌ ... إِليْهِ بالأَصَابعَ لا يُشَارُ وقَلَّ البَاكِيَاتُ عَليّه لَمَّا ... قَضَى نَحْبًا ولَيْسَ لَهُ يَسَارُ فَذَالِكَ قَدْ نَجا مِنْ كُلِّ شَرٍّ ... ولَمْ تَمْسَسْهُ يَوْمَ البَعْثِ نارُ اللَّهُمَّ قَوِ إِيمانَنَا بِكَ وبملائكتِكَ وَبِكُتُبِكَ وَبِرُسُلِكَ وباليومِ الآخر وبالقدرِ خيرِه وشرِّهِ اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِطَاعَتِكَ وَحُلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيتِكَ وألْهِمْنَا ذِكرَكَ وَشُكْرَكَ واجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِين واغْفِرْ لَنَا وَلِوالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلَّى اللهُ عََلَى نَبينا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبهِ أَجْمَعِينَ. الفصل الثالث: قَالَ ابنُ القَيّم رَحمَه اللهُ تعالى: ممَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الذنوبَ والمَعَاصيَ تَضُرُ ولا بُدَّ أَنَّ ضَرَرَهَا في القَلْبِ كَضَرِرِ السُّمُومِ في الأبدان على اختلاف دَرَجَاتِها في الضَرَرِ. وهَلْ في الدُنيا والآخِرَةِ شَرٌّ وداءٌ، إِلا بِسَبَبِ الذُنوبِ والمعاصي؟ إِلى أَنْ قالَ ﵀: فَمَا الذِي أَخْرَجَ الأَبَوَيْنَ مِنَ الجنةِ والنَعيمِ واللَّذةِ والبَهْجَةِ والسُرور إِلى دَارِ الآلام والأحْزَانِ والمصائِب وما الذي أَخْرجَ إبْليسَ مِنْ مَلَكوتِ السَمَاءِ وَطَرَدَهُ وَلَعَنَهُ وَمَسَخَ ظَاهِرَهُ وبَاطِنَهُ فَجَعَلَ صُورَتَهُ أَقْبَحَ صُورَة وأَشْنَعَهَا وبَاطنَهُ أَقْبَحَ مِنْ صُورَتِهِ وَأشْنَعَ وَبُدّلَ بالقُرْب بُعْدًا، وبالرَّحْمَةِ لَعْنَةً، وبالجَمَال قُبْحًا، وبالجنةِ نارًا تَلظَّى، وبالإيمانِ كُفْرًا، وَبِمْوَالاةِ الوَليّ الحَميدِ عَدَاوَةً وَمُشَاقّةً، وبزَجَلِ التَّسْبيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّهْلِيل زَجَلَ الكُفْرِ والفُسوقِ والعِصْيَانِ، فَهَانَ عَلى الله تعالى غَايَة الهَوَانِ وسَقطَ مِنْ عَيْنِهِ غايَةَ السُقوط وحَلَّ عليْهِ غَضَبُ الربِّ تعالى فأهْوَاهُ، وَمَقتهُ أَكْبَرَ المَقْتِ فأرْدَاهُ، فَصَارَ قَوَّادًا لِكُلِّ فاسِقٍ ومُجْرِمٍ رَضِيَ لِنَفْسِهِ بالقِيادِةِ بَعْدَ تِلْكَ العِبَادَةِ والسِّيادَةِ.

стр. 42

فَعِياذًا بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ مُخالفَةِ أَمْرِكَ وارْتِكَاب نَهْيِك. وَمَا الذِي أَغْرَقَ أَهْلَ الأَرْض كُلَّهمْ حَتَّى عَلا المَاءُ فَوقَ رُؤُوسِ الجِبَال. وَمَا الذي سَلّطَ الريحَ على قَومِ عادٍ حتى ألْقَتْهم مَوْتَى على وَجْهِ الأرض كأنَّهم أعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ودمَّرَتْ مَا مَرّتْ عليه مِنْ دِيارِهِمْ وحُرُوثِهِمْ وزُرُوعِهِمْ وَدَوابِّهِمْ حتى صارُوا عِبْرةً للأُمَمِ إلى يومِ القِيامة. وَمَا الذي أرْسل على قومِ ثَمُودَ الصَيْحَةَ حتى قَطَعَتْ قُلوبَهم في أَجْوَافِهِمْ وَماتُوا عن آخِرِهم، وما الذي رَفَعَ قُرى اللُوطيّةِ حتى سَمعتْ الملائكةُ نِبَاحَ كِلابِهم ثم قَلَبَها عليهم فَجَعَل عالِيها سافِلَها فأهلكهم جميعًا ثم أَتْبَعَهم حجارةً مِنْ السماءِ أَمرَها عليهم فجمع عليهم مِنْ العُقوبَةِ ما لم يَجْمعه على أًمَّةٍ غيرِهِم، ولإِخوانِهِم أمثالهُا قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ . وَمَا الذي أرسل عَلى قَوم شُعَيْبٍ سَحَابَ العذاب كالظُّلَل فَلَمَّا صَارَ فوقَ رؤوسِهمْ أَمْطَرَ عليهم نارًا تلظَّى. وَمَا الذي أَغْرَقَ فرعونَ وقومَهُ في البحر ثم نُقِلَتْ أرْوَاحُهُم إلى جَهَنَّمَ، فالأَجْسَادُ لِلْغَرَقِ والأَرواحُ لِلْحَرَقِ، وَمَا الذي خَسَفَ بقارُونَ ودَارِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ. وَمَا الذِي أهلَكَ القُرُونَ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بأنواع العُقوباتِ ودَمَّرها تدميرًا. وَمَا الذي أهلكَ قومَ صاحِبِ يس بالصيحِة حتى خَمَدُوا عنْ آخِرِهِم. وَمَا الذي بعثِ على بني إسْرائيلَ قومًا أُولي بأسٍ شديدٍ فجاسُوا خِلال الدِّيارِ وَقَتلوا الرِجالِ وسَبَوُا الذُرّيةَ والنساءَ، وأحْرقوا الديارَ ونَهبُوا الأموالَ، ثم بَعَثَهُم عليهم مَرَّةً ثانِيَةً فأَهْلَكُوا ما قَدِرُوا عليه وتَبَّروا ما عَلَوْا تتْبيرًا، وَمَا الذِي سَلَّط عليهم أنواعَ العُقوباتِ مَرَّةً بالقتل والسَّبْي وخَراب البلادِ ومِرَّةً بِجَور الملوكِ ومَرَّةً بمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخنازيرَ وآخِرُ ذلك أقسم الربُّ ﵎ لَيَبْعَثنَّ عليهم إلى يوم القيامة مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ العذاب. اللَّهُمَّ أتْمِمْ عَلَيْنَا نِعْمَتَكَ

стр. 43

الوَافِيَةَ وَارْزُقْنَا الإخْلاص فِيْ أعْمَالِنَا وَالصِّدْقَ في أَقْوَالِنَا وَعُدْ عَلَيْنَا بإصْلاح قُلُوبِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. شِعْرًا: دَعُونِي عَلَى نَفْسِيْ أَنُوحُ وأَنْدُبُ ... بِدَمْعٍ غَزِيرٍ وَاكِفٍ يَتَصَبَّبُ دَعُونِي عَلَى نَفْسِيْ أَنُوحُ فإِنَّني ... أَخُافُ على نَفْسِي الضَّعِيفةِ تَعْطَبُ وَإِنِي حَقِيقٌ بالتَضرُّع والبُكَا ... إذا مَا هَذَا النُّوامُ واللَّيْلُ غَيْهَبُ وَجَالَتْ دَوَاعِي الحُزِنِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ... وغَارَتْ نُجُومُ اللَّيْلِ وانْقضَّ كَوْكَبُ كَفَى أَنَّ عَيْنِي بِالدُمُوعِ بَخِيْلَةٌ ... وأَنِّي بآفَاتِ الذُنُوبِ مُعَذَّبُ فَمَنْ لِي إِذا نَادَىَ المُنادِي بِمَنْ عَصَى ... إِلَى أَيْنَ إِلْجَائِي إِلَى أَيْنَ أَهْرُبُ وَقَدْ ظَهَرَتْ تِلْكَ الفَضَائِحُ كُلُّهَا ... وَقَدْ قُرِّبَ المِيزانُ والنارُ تَلْهَبُ فَيَا طُولَ حُزْنِي ثُمَّ يَا طُولَ حَسْرَتِي ... لَئِنْ كُنْتُ في قَعْرِ الجحِيمِ أُعَذَّبُ فَقَد فَازَ بالمُلْكِ العَظيمِ عِصَابةٌ ... تَبيتُ قِيَامًا في دُجَى اللَّيلِ تَرْهَبُ إِذا أَشْرَفَ الجَبَّارُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ... وقد زُيِّنتْ حُورُ الجِنانِ الَكوَاعِبُ فَنَادَاهُمُ أَهْلاً وسَهْلاً وَمَرْحَبًا ... أَبَحْتُ لَكُمْ دَارِي وما شِئْتُمُ اطْلُبُوا قال العلماءُ: وتعظُمُ الصغيرةُ بأسبابٍ منها: أنْ يَسْتَصْغِرَها الإِنسانُ ويَسْتَهينَ بها فلا يَغْتمَّ بسبَبِها ولا يُبَالي، ولكنَّ المؤمنَ المُجِلَّ للهِ المُعَظِّمَ له هو المستعظمُ لِذَنْبِهِ وإنْ صَغُر فإنَّ الذنْبَ كُلَّما استعظَمَهُ العَبْدُ َصَغُرَ عِنْدَ اللهِ تعالى وكُلَّما استصغرَهُ كَبُرَ عِنْدَ اللهِ تعالى فإنَّ استعظامَهُ يَكونُ عَنْ نُفُورِ القلبِ مِنْهُ وكَراهيَتِهِ لَهُ. قال ابنُ مسعودٍ: إنَّ المؤمنَ يَرَى ذَنْبَهُ كَأَنَّهُ في أَصلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذَنْبَهُ كذُبابٍ وقَعَ على أنفِهِ فقال بِهِ هَكَذَا، أخْرجاه في الصحيحين. وفي البُخاري مِنْ حَديثِ أنسٍ ﵁:

стр. 44

إنكُمْ لَتَعْلَمون أَعْمَالاً هِي أَدَقُّ في أعْينِكُم مِنْ الشَّعْر كُنَّا لَنَعُدُّها على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ مِنَ المُوبِقَاتِ. وقَالَ بلالُ بنُ سعدٍ ﵁: لا تَنْظُرْ إِلى صِغَرِ الخَطِيئةِ ولكنْ انظُرْ إلى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ. ومنها: السُرورُ بِها والتَبَجُّجُ بسبَبها واعتِقَادُ التَّمَكُّنِ منها نِعْمةً حتى إنَّ المُذنِبَ المُجاهِر بالمَعَاصِي لَيَفْتخِرُ بها فيقولُ: ما رَأَيْتَنِي كَيف شَتَمتُهُ وكَيْفَ مَزَّقْتُ عِرْضَه وَكَيْفَ خَدَعْتُهُ في المُعَامَلةَ. ومنها: أن يَتَهَاونَ بِستْرِ اللهِ عَلَيهِ. ومنها: أن يُجاهِرَ بالذنْبِ ويُظْهِرَهُ وَيَذْكُرَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وقد قال ﷺ : «كلُ أُمَّتِي مُعًافى إِلا المُجاهِرُون» . ومِنها أنْ تَصْدُرَ الصغيرةُ عنْ عالمِ يُقْتَدَى بِهِ فَذَلِكَ عظيمٌ، لأَنه يَتْبَعُهُ عليها خَلْقٌ كثيرٌ، ويَبْقَى أثَرُهَا بَعْدَهُ. واللهُ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ أَيْقَظْنَا مِن نَوْم الغَفْلَةِ ونَبِّهْنَا لاِغْتِنَامِ أَوقَاتِ المُهْلَةِ وَوَفِّقْنَا لِمَصَالِحِنَا واعْصِمْنَا مِنْ قَبَائِحِنَا وَذُنُوبِنَا ولا تُوآخِذْنَا بِمَا انْطَوتْ عليه ضَمَائِرُنُا وَأَكَنَّتْهُ سَرَائِرَنَا واغفر لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وصلى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أجمعين. (فَصْلٌ) : مِن نَصِيحَةِ وَالدٍ لَوَلَدِهْ اعْلَمْ أَنَّ مَن تفكر في الدنيا قبلَ أن يُوجد رَأَى مُدَّةً طَوِيلَةً، فإذَا تَفَكَّرَ فيها بَعدَ أَن يَخْرُجُ منها رأيي مدةً طويلةً وعَلَمَ أن اللبُثَ في القبور طويل، فإذَا تفكر في يوم القيامة عَلَم أنه خمسون ألف سنَة. فإذا تفكرَ في اللبثِ في الجنةِ أو النار عَلِمَ أنه لا نهايةَ لَهُ. فإذا عَاد إلى النظر في مِقدار بَقَائِهِ في الدنيا فَرَضْنَا ستِين سنة مثلاً فإنه يَمضي منها ثلاثون سَنَة في النوم، ونحو مِن خمسَ عَشرَ في الصِبى.

стр. 45

فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعِم والمَكاسِبِ فإذا خَلَصَ ما لِلآخِرَةِ وَجَدَ فيه مِن الرياء والغَفْلَةِ كَثِيرًا، فبماذا تَشْتَري الحياةَ الأبديةَ وإنما الثمنُ هذهِ الساعات؟ فانتبه يا بُنَيَّ لنفسْك، واندم على ما مضى من تفريطك واجتهد في لحاق الكاملين ما دام في الوقت سعة. واسْقِ غُصْنَكَ، مادامتْ فيه رُطوبة، واذكر سَاعَتَكَ التي ضاعَتْ فكَفَى بها عِظَةٍ. ذَهَبتْ لَذةُ الكَسَلِ فيها وفاتَتْ مراتبُ الفضائل. وقد كان السلف الصالح ﵏ يُحِبُّونَ جَمْعَ كُلِ فَضيلة ويبكون على فواتِ واحدةٍ منها. قال إبراهيم بن أدهم ﵀: دَخَلنَا على عابد مَريض، وهو يَنْظُر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: مَالَكَ تَبْكي؟ فقال: ما اَغَبَرَّتا في سبيل الله. وَبَكىَ آخرُ، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: عليّ يوم مضى ما صمتُهُ وعلي ليلةَ ذَهبتْ ما قمتها. واعلم يا بُني أن الأيام تُبْسِطُ ساعات، والساعات تبسط أَنفَاسًا، وَكُلُ نَفَسٍ خِزَانَةٌ، فاحْذَرْ أَن يَذهبَ نَفَسٌ بغيرِ شَيء، فَتَرَى في القيامة خِزَانَةٌ فَاِرَغةً فَتَنْدَمَ وَلا ينفعكَ الندم. آخر ... وَالوَقْتَ أَنْفَسُ ما عُنِيْتَ بِحْفظِهِ ... وَأَرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليْكَ يضِيْعُ آخر: يَا جَامِعَ المَالِ الكثيرِ لِغَيرِهِ ... إِنَّ الصغِّيرَ مِن الذُّنُوبِ كَبِيرُ هَل في يَدَيْكَ عَلَى الحَوَادِثِ قُوَّةٌ ... أَمِ هَلِ عَليَكْ َمِنَ المنُونِ خَفَيرُ أَمْ مَا تَقُولُ إِذَا ضَعَنْتَ إِلى الليلِي ... وإِذَا خلا بك مُنْكَرٌ وَنَكِيرُ آخر: مَشَيبُ النَّوَاصِي لِلْمَنُونِ رَسُولُ ... يُخَبِّرُنَا أَنَّ الثَّواءَ قَلِيلُ فَصيحُ إِذا نَادىَ وإَِنْ كَانَ صَامِتًا ... مُثيرُ المعَانِي لِلنُّفوسِ عَذُولُ فُوا عَجَبًا مِن مُوقِنِ بِفَنَائِهِ ... وآمَالُه تَنْمُوا ولَيسَ يَحُولُ

стр. 46

أَمِن بَعْدِما بعد جَاوَزْتَ سَبْعين حَجَّةً ... وقد آنَ مِنِّي لِلقُبورِ رَحِيلُ أُئَمِلُ آمَالاً وأَرْغَبُ في الغِنَى ... بِدارٍ غنَاهَا يَنْقَضِي وَيزُولُ وإِنَّ إمْرًا دُنْيَاهُ أَكْبَرُ هَمهِ ... وَيُؤْثِرُهَا حُبًا لَهَا لَجَهُولُ فَكَمْ عَالِمٍ والجَهْلُ أَوْلَى بِعِلْمِهِ ... لَهُ مَقْوَلٌ عِنْدَ الخِطَابَ طَوِِيلُ وَكَمْ مِنْ قَصِيرٍ في عُلُوم كَثِيرَةٍ ... لَهُ مَخْبَرٌ لِلصَّالِحَاتِ وَصُولُ فَمَا العِلْمُ إلا خَشْيَةُ الله والتُقَى ... فكلُ تِقِي في العُيونِ جَلَيلُ فيا رَبِ قَدْ عَلَّمْتَنِي سُبُلَ الهُدَى ... فأصْبَحْتُ لا يَخْفَى عَلّي سَبِيلُ ويَا رَبَّ هَبْ لي مِنْكَ عَزمًا على التُقى ... فَأَنْتَ الذِي مَا لي سِوَاهُ يَنِيلُ آخر: المرءُ يَجْمعُ والدُّنيا مُفرِّقَةٌ ... والعُمْرُ يَذْهَبُ والأَيَّامُ تُخْتَلِسُ ونَحْنُ نَخْبطُ في ظَلْمَاءَ لَيسَ بها ... بَدْرٌ يُضِيءُ ولا نَجْمٌ ولا قَبَسُ فَكَمْ نُرِتِّقُ خَرْقًا لَيسَ مُرتَتِقًا ... فِيها ونَحْرُسُ شَيئًا لَيس يَنْحَرسُ وكَمْ نَذِلُّ وفِينَا كلُّ ذِي أَنَفٍ ... وَنَسْتَكِينُ وفِينَا العزُّ والشَّوَسُ وكيفَ يَرْضَى لَبِيبٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ ... ثُوْبٌ نَقِيٌ وعِرْضٌ دُونَه دَنِسُ اللَّهُمَّ أَلْهِمْنَا القيامَ بحقِك، وباركْ لنا في الحلالِ مِنْ رِزقِكَ، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خيرَ مَنْ دعاه داعٍ وأفضلَ مَنْ رجاه راج يا قاضِيَ الحاجات ويا مجيبَ الدعواتِ هَبْ لنا ما سألناه وحَقِّقْ رجاءَنا فيما تمنيناه وأمّلْناه يا مَنْ يملكُ حوائجِ السائلينَ ويعلمُ ما في ضَمائر الصامتين، أذنا بِردَ عفوك، وحلاوة مَغْفِرَتِك، يا أرحمَ الراحمين. اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبِنَا واجْعَلِ الإيمانَ لَنَا سِراجًا ولا تَجْعَلَهُ لَنَا اسْتِدْرَاجًا واجْعَلْهُ لَنَا سُلَّمًا إلى جَنَّتِكْ ولا تَجْعلهُ لنا مَكْرًا مِنْ مَشيئَتِكْ إِنَّك أنْتَ الحليمُ الغفورُ الشَّكُورُ يا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 47

الفصل الرابع واعلمْ أََنَّ التوبة إذا صحتْ بأَن اجْتمعتْ شروطُها وانْتفَتْ مَوانِعُها قُبِلتْ بلا شكٍ إذا وَقَعتْ قبلَ نزولِ الموتِ، لو كانتْ عن أيّ ذنْبٍ كانَ، وقبلَ طُلوع الشمسِ مِنْ مغْرِبِها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ . وأخرجَ الإِمامُ أحمدُ، والترمذيُّ عن ابن عُمَر أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «إنّ الله تعالى يَقْبَلُ توبةَ العبْدِ ما لمْ يُغَرْغِرْ» . أيْ ما لم تَبْلُغْ روحُهُ حُلْقومَهُ فيكونُ بمَنْزلةِ الشيءِ الذي يَتَغَرغْر بِهِ المَرِيضُ، والغَرْغَرةُ أَنْ يُجْعلَ المَشْرُوبُ في الفمِ ويُرَدَّدَ إلى أصْل الحَلْقِ ولا يُبْلَعَ، فهذه الحالُة حَالَةُ حُضور الموتِ وبعدَ حُضوِر الموتِ لا يُقْبَلُ من العاصِين تَوبةٌ ولا مِنَ الكَافرينَ رُجوعٌ كما قال تعالى عن فِرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ . ومِنَ المُعَوّقاتِ الضَّارَّةِ التَّسْويفُ بالتَّوْبَةِ فَمِنْ أَيْنَ يَعْلمُ الإِنسانُ أنَه يَبْقَى إلى أنْ يَتوبَ فَتارِكُ المُبَادَرَةِ بالتوِبة بَيْن خَطَرَيْن عَظِيمَين، أحَدُهُما: أَنْ تَتَرَاكَمَ الظُلْمَةُ على قَلْبِهِ مِنَ المَعَاصِي حتى تَصِير رَيْنًا وَطَبْعًا، وثانِيهمَا:أنْ يُعَاجِلَهُ المَرَضُ فلا يَجِدَ مُهْلةً لِلاشْتِغالِ بِمَحْوِ مَا وَقعَ مِنَ الظلمةِ في القَلْبِ فَيَأتي رَبَّه بقلبٍ غيرِ سَليمٍ ولا يَنْجُو إلا مَنْ أتى الله بقلبٍ سليمٍ. ويَجبُ على الإِنسانِ أنْ لا يَمْتَنِعَ مِنَ التوبةِ خَشْية الوُقُوعِ في ذَنْبٍ مَرّةً أُخْرَى فإِنّ هذا ظنٌ يُدْخِلُهُ الشَّيْطَانُ في قلْبِهِ ليُؤخِرَ التوبةَ وَلَرُبَّمَا يَقُولُ في نَفْسِهِ سَأسْتَمِرُّ في المعاصِي أياَّمَ شَبَابي وصِحَّتي ثُمَّ أتوبُ بعدَ ذلك، وهكذا يُسَوِّفُ ويُؤخِّرُ، وإذا بالموتِ أو المرضِ يُفاجئُهُ فلا يَجدُ مُتَّسعًا للتوبةِ

стр. 48

والرّجوع إلى الله. نعوذُ باللهِ مِنْ سوءِ الخاتِمَةِ. ولِذَلكَ كان السَّلَفُ الصالحُ تكَادُ تنخلعُ قلوبُهم في كلِ مَرْضةٍ يَمْرَضُونَها، لاحْتِمالِ أنْ تكون تلك المَرْضَةُ إخراجًا لهم مِنَ الدُنيا قبلَ أن يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَدارُكِ ما فاتَ مِنَ الهَفَواتِ بالتوبة النّصُوحِ ولِلاسْتِكْثَارِ مِنَ الباقياتِ الصالحاتِ. ومَرِضَ مرةً بعضُ الصالحينَ فدخَلَ عليهِ أصحابُهُ يَعُودُونَهُ فقالوا له: كيفَ تجدُكَ؟ قال: مُوَقِّرًا بالذنوبِ، فقالوا: هَلْ تَشْتَهي شيئًا؟ قال: نعم! أنْ يَمُنَّ عليَّ ربي بالتوبةِ عن كلِ ما يَكَرَهُ قبلَ موتي. وقد قال العلماءُ: ما مِثالُ المُسَوّفِ بالتوبةِ إلا مثال مَنْ احتاج إلى قلْع شجرةٍ فرآها قَويةً لا تنقلعُ إلا بمشقةٍ شديدةٍ فقال: أوْ أَخِّرُها سنة ثُم أعودُ إليها وهو يعلمُ أنّ الشجرة كُلما بَقِيتْ ازدادتْ قوةً لرُسُوخِها وكلما طال عُمُرُهُ ازْدَادَ ضَعْفُه فلا حَماقةَ في الدنيا أعظمُ مِن حَماقِتهِ إذْ عَجَزَ معَ قُوَّتِهِ عن مُقاومةِ ضعيفٍ فأخَذَ يَنْتَظِرْ الغَلَبَةَ عليه إذا ضعُفَ هو في نفسِهِ وقويَ الضعيفُ. قال ابُن القيمِ ﵀: إذا أرادَ اللهُ بعبدِهِ خَيْرًا فَتَحَ لهُ أبوابَ التوبةِ والندَمِ والانكِسارِ والذُلِ والافتقارِ والاستِعانَةِ بِهِ وصِدْق اللجأ إليهِ ودوامَ التضرُّع والدعاءِ والتقرب إليه بما أمكنَ مِنَ الحسنات ما تكون تلكَ السَّيئَةُ به سببَ رحمتِهِ حتى يقولَ عدُوُّ اللهِ: يالَيتَني تركتُهُ ولمْ أُوقِعْهُ وهذا معنى قول بعض السلفِ: إنّ العبدَ لَيَعْمَلُ الذنبَ يَدْخُلُ بِهِ الجنةَ، ويَعملَ الحسنةَ يدخلُ بها النارَ، قالوا: كيفَ؟ قال: يعملُ الذنبَ فلا يزالُ نُصْبَ عينيهِ خائفًا منهُ مُشْفِقًا وَجلاً باكيًا نادِمًا مُسْتَحْيًا مِنْ رَبِّهِ تعالى ناكِسَ الرأسِ بَينَ يدَيهِ مُنْكسرَ القَلْبِ له فيكونُ ذلك الذنبُ أنفعَ له مِنْ طاعات كثيرةٍ بما ترتَّبَ عليه مِنْ هذه الأموِر التي بها سعادُة العبدِ وفلاحُهُ حتى يكونَ ذلك الذنبُ سبَبَ دخولِ الجنةِ. ويَفْعَلُ الحَسَنةَ فلا يَزَالُ يَمُنُّ بها على ربِّهِ ويَتَكَبَّرُ بها وَيَرَى نَفْسَهُ شيئًا

стр. 49

ويُعجَبُ بها ويَسْتَطيلُ بها ويقولُ بها ويقولُ: فَعَلْتُ وفَعَلْتُ، فيُورِثُهُ مِنَ العجبِ والكِبْرِ والفجْرِ والاسْتِطالَةِ ما يكونُ سبَبَ هلاكِهِ. فإذا أرادَ اللهُ تعالى بهذا المسكينِ خيْرًا ابْتَلاهُ بأمرٍ يَكْسرُهُ به ويُذِلُّ به عُنقَهُ ويُصَغِّرُ بِهِ نَفْسَهُ عندَه، وإذا أراد بهِ غيرَ ذلك خَلاهُ وعجبهُ وكبرهُ وهذا هو الخذْلانُ المُوجِبُ لِهَلاكِهِ فإنَّ العارفينَ كلَّهمْ مُجْمعون على أن التوفيقَ: هو أنْ لا يَكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسِكَ، والذلَّ أنْ يَكِلَكَ الله إلى نفسِكَ. انتهى. يا مَنْ يُغِيْثُ الوَرَى مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ارْحَمْ عِبادًا أَكُفَّ الفَقْر قَدْ بَسَطُوا عَوَّدْتَهُمْ بَسطَ أرْزَاقٍ بِلا سَببٍ سِوى جَمِيلِ رَجَاءٍ نَحْوَهُ انْبَسَطُوا وَعَدْتَ بالفَضْلِ في وِرْدٍ وفي صَدَرٍ بالجُودِ إنْ أَقْسَطُوا والحِلْمِ إنْ قَسَطُوا عَوارِفُ ارْتَبَطَتْ شُمُّ الأُنُوفِ بها وكُلُّ صَعْبٍ بقَيْدِ الجُودِ يَرْتَبِطُ يا مَنْ تَعَرّفَ بالمَعْرُوفِ فاعْتَرَفَتْ بِجَمِّ إنْعامِهِ الأَطْرافُ والوَسَطُ وعَالِمًا بخَفِيَّات الأُمُورِ فلا وَهْم يَجُوزُ عليهِ لا ولا غَلَطُ عَبْدٌ فَقِيرٌ بِبَابِ الجُودِ مُنْكَسِرًا مِنْ شأنِهِ أنْ يُوافي حِينَ يَنْضَغِطُ مَهْمَا أَتَى لِيَمُدَّ الكَفَّ أخْجَلهُ قَبَائِحٌ وخَطايَا أَمْرُها فَرَطُ

стр. 50

يا واسِعًا ضَاقَ خَطْوُ الخَلْقِ عنْ نِعَمٍ مِنْهُ إذا خَطبُوا في شُكْرِها خَبَطُوا وناشِرًا بِيَدِ الإِجْمالِ رَحْمَتَهُ فلَيْسَ يَلْحَقُ منه مُسْرِفًا قَنَطُ ارْحَمْ عِبادًا بضَنْكِ العَيشِ مَا لَهُمُوا غَيرُ الدُجْنةِ لُحْفٌ والثَّرى بُسُطُ لَكِنَّهُمُ مِنْ ذُرَي علْياكَ في نَمَطُ سَامٍ رفيع الذُرَى ما فَوقَه نَمَطُ وَمَنْ يَكُنْ بالذِي يَهْواهُ مُجْتمِعًا فما يُبالي أقَامَ الحَيُّ أَمْ شَحَطُوا نَحْنُ العَبِيدُ وأَنْتَ المَلكُ لَيْسَ سِوَى وكُلُّ شَيءٍ يُرَجَّى بَعْدَ ذا شَطَطُ اللَّهُمَّ وَفّقْنَا لِصاَلح الأَعْمَالَ، ونَجِّنَا من جميعِ الأَهْوَالِ، وأَمنا مِنَ الفَزَع الأكْبَر يومَ الرْجْفِ والزلْزَالْ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ منْهُمْ وَالمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : كان سَلَفُنَا الصالحُ حَرِيصينَ على الوقتِ وعلى حِفْظِ الكَلامِ فلا يَصرفونَ أوقاتَهم إلا للآخِرة ولا يَتَكَلَمُون إِلا لَهَا مُبْتَعِدِينَ عن النِفَاقِ والرِياءِ والكَلامِ الفَارِغِ. فقد كان الفضيل ﵀ جالسًا وَحْدَهُ في المسجد الحرام فجاء إليه أَخٌ له فقال له: ما جَاءَ بكَ؟ قال: المؤانَسَةِ يا أَبَا عَلي. فقال: هِيَ والله بالمواحَشَةِ أَشْبَهْ. هَلْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَزَيَنَ لِي وأتَزَينُ لَكَ، وتَكْذِبُ لِي وأكْذِبُ لَكَ، فإِمَّا أَنْ تَقُومَ عَنِي أو أقومَ عَنْك.

стр. 51

لِقَاءُ الناسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيئًا ... سِوَى الهَذَايانِ مِن قِيل وقَال فَاقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ الناسِ إِلا ... لأَخْذِ العِلْمِ أَوْ إِصْلاحِ حَالِ وهكذا كان السلف لا يَتَلاقَون إلا لله ويحترزون في جميع أعمالهم وأقوالهم حتى كيف أصبحتَ وكيفَ أمسيتَ وكيفَ حَالُكَ وفي الجواب عن ذلك. فقد قال حاتمُ الأَصَمُ لِحَامِدُ اللَّفَافِ: كَيفَ أَنْتَ في نَفْسِكَ؟ فقال: بسلامَةٍ وعَافِية. فَكَرِهَ حَاتمُ جَوابَهُ وقال: يا حَامِدُ السلامةُ مِن وَرَاءِ الصِّرَاطِ، والعافية في الجَنة. وكان إذا قَيلَ لِعيسَى ﵇: كَيفَ أصبحَت؟ يَقُولُ: أَصْبَحْتُ لا أَمْلِكُ تقدَيمَ ما أَرْجُوا ولا أسْتطيعُ دَفْعَ ما أُحَاذِرُ وأَصْبَحتُ مُرْتَهنًا بعَمَلِي والخَيْرُ كلهُ في يَدِ غيري ولا فقيرَ أفقَر مِني (أيْ إلى الله صَاحبُ الخير والغِنى) . وكان الربيعُ بنُ خيثم إذا قِيل لَهُ: كَيفَ أَصبحتَ؟ قال: ضَعِيفًا مُذْنِبًا أَسْتَوفي رزْقِي وأنتظُر أَجَلي. وقِيلَ لأُوَيْس القَرْنِي: كَيْفَ أَصْبَحَتَ؟ قال: كَيفَ يُصِحُ رَجُلٌ إذا أمْسَى لا يدْرِي أنه يُصْبِحُ، وَإِذَا أَصْبَحَ لا يَدْري أَنَّهُ يمُسِي. وهكذا كانَ سَلَفُنا الصالحُ ﵃ ومع هذا فقد كانوا دائمًا يَسْأَلُونَ اللهَ العَونَ والنَّصْرَ والرُشْدَ والتَّوفِيقَ لِمَا يُحُبِهُ وَيَرضَاه. شِعْرًا: إِذَا لَمْ يُعنكَ اللهُ فِيمَا تُرِيدُهُ ... فَلَيْسَ لِمَخْلُوق إِليهِ سَبِيلُ وَإِنْ هُوَ لم يَنْصُرْكَ لم تَلْقَ نَاصِرًِا ... وإِنْ عَزَّ أنْصَارٌ وجَلَّ قَبِيلُ وإِنْ هُو لَمْ يُرْشِدْكَ في كُلِّ مَسْلَكٍ ... ضَلَلْتَ وَلَو أنَّ السِّمَاكَ دَلْيلُ قال بَعْضُ العُلمَاء: أَعْظَمُ المعاقَبةِ أَنْ لا يُحِسَّ المعاقَبُ بالعقوبة، وأشَدُ مِن ذلك أَنْ يَقَعَ السرورُ بما هو عُقُوبة، كالفَرَحِ بالمِالِ الحَرامِ، والتَّمكُّنِ مِن الذُنُوب، ومَن هَذِهِ حَالُه لا يَفُوزُ بطاعَةْ. وقال آخر: الغُمُومُ ثَلاثَةْ: (١) غَمُّ الطَّاعَةْ أَنْ لا تُقْبَلْ، (٢) غَمُّ المَعْصِيةِ أنْ لا تُغْفَر، (٣) غَمُّ المَعْرِفَة أَنْ تُسْلَبْ. وقال آخِر: إذا عَصَيْتَ الله في مَوْضعِ فلا تفارقَ الموضعَ حَتَّى تعمل فيه

стр. 52

طَاعة وَتقيم فيه عِبَادَة فَكَما يشهد عَلَيْكَ إِذَا اسْتُشْهِدْ يَشهد لك، وكذَلِكَ ثوبك إِنْ عَصَيْتَ الله فِيه فكن كما ذكرته لك. شِعْرًا ... يا نَاظِرًا يَرْنوا بِعَيْنِيَ راقِدِ ... ومُشَاهِدِ لِلأَمْرِ غَيْرَ مُشَاهِدِ تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلى الذُّنُوبِ وتَرتَجي ... فَوْزَ الجِنَانِ ونَيْل أَجْرِ العَابِدِ ونَسِيتَ أنَّ اللهَ أَخْرجَ آدَمًا ... مِنْهَا إِلىَ الدُنْيَا بِذَنْبٍ واحِدِ وَقَال: وَإنِّي تَدَبَّرْتُ أَحْوالَ أَكْثَرِ العُلَماءِ المُتَزهِّدِين فَرأَيتُهمْ في عُقوباتٍ لا يحُسُّونَ بها، وَمُعْظَمُهَا مِن قِبَل طَلَبِهم لِلرِّيَاسَةِ. فالعَالِمُ مِنهم يَغْضَبُ أَنْ رُدَّ عليه خَطَؤُه، وَالوَاعظُ مُتَصَنَّعٌ بِوَعْظِهِ، والمُتَزَهِّدُ مُنَافِقٌ أَوْ مُرَاءٍ. فأولُ عُقُوباتِهم إعراضُهم عن الحَقِ شُغْلاً بالخَلقِ، ومن خفيِّ عُقوباتِهم سَلبُ حَلاوةِ المناجاةِ، ولَذةِ التَّعَبُدِ. إلا رجَالٌ مُؤمنونَ ونساءٌ مؤمنات، يَحفظُ الله بهم الأرضَ، بَواطِنُهم كَظَوارِهِم بل أَحْلى، وسرَائُرهم كَعَلانِيتِهمْ بل أحلى، وهِمَمُهُمْ عند الثُريَا أعلى. إن عُرفَوا تَنَكَّرُوا، وإن رُئِيُتْ لهم كرامةٌ أنكَرُوا. فالناسُ في غَفَلاتِهم، وهم في قَطْعِ فَلاتِهم تُحِبُّهُم بِقَاعُ الأرضِ، وتَفْرَحُ بِهم أَمْلاكُ السماء. نسأل الله التوفيقَ لإتباعهم، وأَن يَجْعَلَنَا مِن أتباعهم. شِعْرًا ... خُذْ مِنْ شَبَابِكَ قَبْل الموتِ والهَرَم ... وَبَادِرِ التَّوبَ قَبْلَ الفَوتِ والنَّدَمِ واعْلَمْ بأنَكَ مَجْزِيٌّ ومُرْتَهُنٌ ... وَرَاقَب الله واحْذَرْ زلَّةَ القَدمِ فَلَيْسَ بَعْدَ حُلُولِ المَوْتِ مَعْتَبةٌ ... إلا الرُّجاءُ وعَفْوُ اللهِ ذِي الكَرَمَ آخر ... يَقَولُون: أسْبَابُ الحَيَاةِ كَثِيرةٌ ... فَقُلْتُ: وأَسْبَابُ المَنُونِ كَثِيرُ وما هَذِهِ الأَيَّامُ إِلا مَصَائِدٌ ... وأَشْرَاكُ مَكْرُوه لَنَا وغُرورُ يُسَارُ بِنا فِي كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ ... فكَمْ ذَا إِلى ما لاَ نُريدُ نَسِيرُ وما الدَّهرُ إلا فَرْحَةٌ ثُمَّ تَرْحَةٌ ... وما النَّاسُ إلا مُطْلَقٌ وأَسِيرُ اللَّهُمَّ ألْهِمْنَا ذِكْرِكَ وشُكْركَ وَوَفِقْنَا لِمَا وَفّقْتَ لَهُ الصّالحين من خَلْقِكَ،

стр. 53

واغْفَرْ لَنَا وَلِوالدينَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) : قال أحد العلماء وأما زَمَانَنَا فقد قَيَّدَ الطَّمَعُ أَلْسُنَ العُلماء فَسَكَتُوا إذْ لَمْ تُسَاعِدْ أقْوَالَهُم أفْعَالُهُم ولو صَدُقوا الله لكانَ خيرًا لهم. فإذا نَظَرْنا إلى فَسَادِ الرَّعِيَّةِ وَجَدْنا سَبَبَهُ فَسَادَ المُلُوكِ. وَإِذَا نَظرْنَا إِلَى فَسَادِ المُلوكِ وَجَدْنا سَبَبَهُ فسادَ العُلماء والصَّالِحين. وإِذَا نَظَرْنَا إِلى فَسَادِ العُلماءِ والصَّالِحِينَ وَجَدْنَا سَبَبَهُ ما اسْتَولى عَلَيْهم مِن حُبِّ المالِ والجاهِ وانْتِشَارِ الصِّيْتِ ونَفَاذِ الكَلِمةِ ومُداهَنَةِ المَخْلُوقِين وَفَسَادِ النِّياتِ في الأقْوال والأَعْمالِ. فإذِا أرَادَ وَاحِدٌ منهم أَنْ يُنْكِرَ على وَاحِدٍ مِن الرَّعِيةِ لم يَسْتَطِعْ ذلك. وقال وُهَيْبُ بنُ الوَرْدِ: لَو أَنَّ عُلمَاءَنا عَفَا الله عنا وعنهم نَصَحُوا لله في عِبَادِهِ، فَقَالُوا: يَا عِبَادَ الله اسْمَعُوا ما نُخْبركُمْ عن نبيكم ﷺ وصالح سَلَفِكم مِن الزُّهْدِ في الدنيا فاعْمَلُوا بِهِ. ولا تَنْظُروا إِلى أَعْمَالِنَا هَذِهِ الفَسْلَةِ، كانُوا قد نصَحُوا لِلَّهِ في عِبَادِهِ، ولَكّنِهم يَأْبَونَ إلا أَنْ يَجُرُّوا عِبادَ اللهِ إِلى فِتنهِم وما هُم فيه. وقال بعضُ العُلماء: اعْلَمْ أنَّ لِلْعَالِِمِ العَامِلِ بِعِلْمِهِ حَقِيقَةً عَلاماتَ وَأَمَارَات تُفَرِّقُ بينَه وبَيْنَ عُلماءِ اللِّسَانِ المُخَلِّطِينَ المُتِبعِين لِلْهَوى المَؤثَرين للدنيا على الآخرة. فَمِن عَلاماتِ العَالِمِ الحَقِيقِي المُمْتَاز أَنْ يَكُونَ مُتَواضِعًا خَائِفًا وَجَلاً مُشْفِقًا مِن خَشَيَةِ اللهِ زَاهِد في الدنيا قَانِعًا باليَسِير مِنها هَمُّهُ وشُغْلُه فِيمَا يُصْلحُ آخِرَتَه. مُلْتَمِسًا لِلْفُقَراءِ المُتَمَسِّكِينَ بِدينِهِم الخَالِية بُيُوتُهم مِن المَلاهِي والمُنكراتِ الذِين لَيْسَ لَهم مَوَارِد ولا مَسَاكِن لِيُسْعِفَهم بِمَا يَقْدِرُ عَليه مِن مال وَجَاه مُخْلِصًا لِلَّهِ في ذلك لا يُريدُ مِنه جَزَاءً ولا شكورًا.

стр. 54

ناصِحًا لِعبادِ الله شَفيقًا عليهم رَحِيمًا بِهم، آمرًا بالمعروف فاعِلاً لَهُ وناهيًا عن المنكر، ومُجْتَنَبًا لَهُ ومُسارعًا في الخَيرات ملازمًا للعبادات ليلاً ونهارًا، سِرًا وجهارًا وملازمًا لذكر الله وحمده وشكره. دالاً على الخير داعيًا إلى الهدى، ذَا صَمْتٍ وتَوأدَة وَوَقار وسَكينَةِ محبًا لأهل الطاعة سالكًا طريق أهل السنة والجماعة، حَسَنُ الأخلاق، واسِعَ الصَّدْر، ليِّن الجَانِب، مَخْفُوض الجنَاح للمؤمنين، لا متكبرًا، ولا مُتَجَبرًا، ولا طامعًا في الناس، ولا حريص على الدنيا، ولا مؤثرًا لها على الآخرة. ولا منهمكًا بجمع المال، ولا مانعًا عن حقه، ولا فظًا ولا غليظًا، ولا مُمَاريًا، ولا مُخاصمًا بالباطل، ولا سَيء الأخلاق، ولا ضَيِّقَ الصدر محبًا لأولياء الله ومبغضًا لأعدائه. ولا مُدَاهَنًا، ولا مُخَادعًا، ولا غشَّاشًا، ولا مُقَدِّمًا للأغنياء على الفقراء، ولا مُرائِيًا، ولا مُحبًا للْولايات والرياسات. وبالجملة فيكون مُتَّصفًا بجميع ما يحثُّه عليه الكتاب والسنة مُؤْتَمِرًا بما يأمُرانِهِ به مِن الأخلاقِ المحمودةِ والأعمالِ الصالحةِ. مُجَانِبًا لما يَنْهى عنه كتابُ الله وسنةُ رسول الله ﷺ مِن الأخلاقِ والأعمالِ المذمومةِ، وهذه صفاتٌ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِفَ وَيَتَحَلَّى بها كُلُ مُؤمنٍ، إلا أنَّ العالمَ وطَالبَ العِلم أَوْلَى أن يتصفَ بها ويحافظ عليها ويدعوَا إليها لأنه قدوةٌ يُقْتَدَى به. ويَنْبَغِي لِلْعَالِمَ أَنْ يَكُونَ حَديثهُ مَعَ العَامَّةِ في حَالِ مُخَالَطَتِهِ لَهمُ في بيان الواجباتِ والمحرماتِ ونوافلَ الطاعاتِ وذكِرِ الثوابِ والعقابِ على الإحسانِ والإِساءَة لِيَصُونَ وقْتَهُ وَوَقْتَهُم عَمَّا لا يَنْفَعُ فيه، ويكونُ كلامهُ بعِبارةٍ يَعْرَفُونَها ويَفْهَمُونَها، ويُبَيِّنُ لهَمُ الأمُورَ التِّي هم مُلابسُونَ لها ولا يَنْبَغِي له أنْ يَسْكُتَ حتى يُسْأَل وهو يَعْلَمُ أَنّهمُ مُحَتاجُونَ إليهِ أَوْ مُضْطَرُّون.

стр. 55

إلَهِي لا تُعَذّبْنِي فَإنِّي ... مُقِرٌّ بالذّي قَدْ كانَ مِنِّي وَمَا لِي حِيْلَةٌ إلا رَجَائِي ... وَعَفْوكَ إنْ عَفَوْتَ، وَحُسْنُ ظَني فكَمْ مِنْ زَلّةٍ لِي في البَرايَا ... وأَنْتَ عَليّ ذُو فَضْلٍ وَمَنٍّ يَظُنُّ النّاسُ بِي خَيْرًا، وإِنِّيْ ... لشَرُّ النّاسِ إنْ لم تَعْفُ عَني أُجَنُّ بِزهْرَةِ الدّنْيَا جُنُونًا ... وَأُفِِنْي العُمْرَ فيها بالتَّمَني وَبَيْنَ يَدَيَّ مُحْتَبسُ ثَقِيلٌ ... كأنِّي قد دُعِيْتُ لَهُ كَأنِّي وَلَوْ أَنِّي صَدَقْتُ الزُّهْدَ فيها ... قَلَبْتُ لأَهْلِهَا ظَهْرَ المِجَنِّ اللَّهُمَّ إنا نَسْأَلُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤمِنُ بِلقَائِكْ وتَرْضَى بِقَضائِكْ، وتَقْنَعُ بِعَطَائِكْ، يا أرْأفَ الرائفين، وأرحم الراحمين. اللَّهُمَّ إنا نَسْأَلُكَ التوفيق لما تُحِبُّه مِن الأعمال، ونسألُكَ صِدْقَ التوكلِ عليكْ، وحُسْنَ الظَنِّ بِكَ يَا رَبَّ العالمين. اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك المُخْبِتِين، الغُرِّ المُحَجَّلِين الوَفْدِ المُتَقَبِّلين. اللَّهُمَّ إنا نَسْأَلُكَ حَيَاةً طَيِّبةً، ونَفْسًا تَقِيَّةً، وعِيْشَةً نَقِيَّةً ومِيْتَةً سَويَّةً، ومَرَدًّا غَيْرَ مُخْزِي ولا فاضح. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أهلِ الصَّلاحِ والنَّجَاحِ والفَلاحِ، ومِن المُؤَيَّدِينَ بِنَصْرِكَ وتَأْييدِكَ ورِضاكَ. اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنا بابَ القَبُولِ والإِجَابةِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (فَصْلٌ) قال ابنُ رجب ﵀: مِن لَطَائِفِ البَلايَا وفوائِدِها تكفيرُ الخطايا بها والثواب على الصبر عليها، وهل يثاب على البلاء نَفْسِهِ، فيه اختلاف بين العلماء. ومنها: تذكير العبد بذنوبه فربما تاب ورجع منها إلى الله . ومنها: زوالُ قسوة القلوب وحدوثُ رقَّتِها. قال بعضُ السلف إن العبدَ

стр. 56

لَيُمْرضُ فيذكرُ ذُنُوبَهَ فَيَخْرُجَ منه مثلُ رَأَسِ الذباب من خشيةِ اللهِ فيغفرُ له. ومنها: انْكِسارُهُ لِلَّهِ وذِلَّهُ وذلك أَحَبُ إلى اللهِ مِن كثيرٍ مِن طاعاتِ الطائعين. ومنها: أنها تُوجِبُ لِلعبدِ الرجُوعَ بِقلبه إلى الله والوقوفَ ببابه والتضرعَ لَهُ والاستكانة وذلك مِن أعظَمِ فوائِدِ البَلاءِ وقد ذَمَّ اللهُ مَن لا يَسْتكينُ لَهُ عند الشدائد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٦) وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (الأنعام: ٤٢) . وفي بعضِ الكتبِ السابقةِ: إِن الله لَيبتلِي العبدَ وهو يُحبُّه لِيَسْمَعَ تَضَرُعَه. وقال سعيدُ بنُ عبد العزيز قال داودُ ﵇: سبحانَ مُستخرجِ الدعاء بالبَلاء وسبحانَ مُستخرجِ الشكرِ بالرَّخَاءِ. ومَرَّ أبو جعفر محمدُ بنُ علي بمحمدِ بن المنكدر وهو مَغْمُومٌ فسأل عن سبب غمه فقيل له: الديْنَ قَد فَدحَه. فقال أَبو جعفر: أفِتحَ له في الدعاء؟ قِيلَ: نعم، قال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر منها من دعاء ربه كائنه ما كانت. وكان بعضهم في الدعاء عند الشدائد يحب تعجيل إجابته خشية أن يُقطع عما فتح له. وقال ثابت: إذا دعا الله المؤمنُ بدعوة وكلَّ الله جبريل بحاجته فيقول الله: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمعَ صوتَ عبدِي المؤمن. وَرُوِيَ مرفوعًا من وجوه ضعيفة: رأى بعضُ السلف رب العزة في نومه فقال: يا رب كم أدعوك ولا تجيبني. قال: إني أحب أن أسمع صوتك. ومنها أن البلاء يوصل إلى قلبه لذة الصبر عليه أو الرضا به وذلك مقام عَظِيم جدًا. وقد تقدمت الإشارة إلى فضل ذلك وشرفه. ومنها أن البلاء يقطع قلب

стр. 57

المؤمن عن الإلتفات إلى المخلوق ويوجب له الإقبال على الخالق وحده. وقد حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد فكيف بالمؤمنين. شِعْرًا: لَحَىَ الله مَنْ لا يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ ... ومَنْ حَبْلُهُ في الدِّينْ غَيرِ مَتِينِ ومَن هُو ذُوْ لَوْنَيْنِ شَرُّ مُنَافِقٍ ... ومَنْ هُو للأسْرَارِ غير مَكِينِ والبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه وذلك على أعلى المقامات وأشرف الدرجات. وفي الإِسرائيليات يقول الله : البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك. وإذا اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذٍ قريبًا في الغالب. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا﴾ (يوسف ١١٠) . وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة ٢١٤) . وأخبر عن يعقوب ﵇ أنه لم ييأس من لقاء يوسف وقال لإخوته: ﴿اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ﴾ . وقال: ﴿عَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ (يوسف ٨٣) . ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب، أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وجُدِ الإِياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق استجاب له وكشف عنه. فإن التوكل هو قطع الاستشراف باليأس من المخلوقين كما قال الإمام أحمد. واستدل عليه بقول إبراهيم ﵇ لما عرض عليه جبريل في الهواء وقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا.

стр. 58

والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال: ﴿َمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق ٣) . قال الفضيل والله ولو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئًا لأعطاك مولاك كما تريد، قال بعضهم: قَالُوا حُظُوضٌ وَأَقسَامٌ فقُلَتُ لَهُمْ ... نَعَمْ ولَكِنْ عَلَيْنَا السَّعْيُ والطَّلَبُ ولِلْمَطَالِبِ أَسْبَابٌ مُقَدَّرةٌ ... وَبَذْلُ سَعيِكَ في مَطْلُوبِكَ السَّبَبُ آخر: عَلامَ سُؤَالُ الناسِ والرِّزْقُ وَاسعٌ ... وأَنْتَ صَحِيحٌ لم تَخُنْكَ الأصَابعُ فَكُنْ طَالِبًا لِلرِّزْقِ من رَازِقِ الغِنَى ... وخَلِّ سُؤالَ الناسِ فالله صَانِعُ ومنها: أن العبد إذا اشتد عليه الكرب فإنه يحتاج حينئذٍ إلى مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنطه ويسخطه فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه فيكون في مجاهدة عدوه ودفعه دفع البلاء عنه. ولهذا في الحديث الصحيح: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي فيدع الدعاء» . ومنها: أن المؤمن إذا استبطأ الفرج وأيس منه ولاسيما بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر له أثر الإِجابة رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أُتِيتُ من قِبلِك ولو كان فيك خير لأجبت. وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله. على قدر الكسر يكون الخير. قال وهب: تعبد رجل زمانًا ثم بدت له إلى الله حاجة فصام سبعين سبتًا يأكل في كل سبت أحد عشرة تمرة ثم سأل الله حاجته فلم يعطها فرجع إلى نفسه فقال منك أُتيت، لو كان فيك خير لأعطيت حاجتك.

стр. 59

فنزل إليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك. أهين لهم نفسي لكي يكرمونها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها فمن تحقق هذا وعرفه وشاهده بقلبه علم أن نعم الله على عبده المؤمن في البلاء أعظم من نعمه عليه في الرخاء. وهذا تحقيق معنى الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له وليس ذلك إلا للمؤمن» . ومن ها هنا كان العارفون بالله لا يختارون إحدى الحالتين على الأخرى بل أيهما قدر الله رضوا به وقاموا بعبوديته اللائقة. وفي المسند، والترمذي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : «عرض علي ربي بطحاءِ مكة ذهبًا فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، فإن جعت تضرعت إليك وذكرتك وإن شبعت شكرتك وحمدتك» . قال عمر: ما أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره. وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر. وَكَنُ بالذي قد خَطَّ باللوح رَاضِيًا ... فلا مَهْرَبٌ مِمَّا قَضَاهُ وَخَطَّهُ وإنَّ مَعَ الرِزْقِ اشْتراطُ التِمَاسِهِ ... وقد يَتَعَدَّى إن تَعَدَّيْتَ شَرْطَهُ فلو شاء ألْقَى في فِمَ الطيْرَ قُوتَهُ ... ولكنَّّهُ أوْحَى إلى الطَّيْرِ لَقْطَهُ فائدة عظيمة النفع: التَّوحِيدْ مَفْزَعُ أَعْدَاءِ اللهِ وَأَوْلِيائِهِ فَأمَّا أَعْدَاؤُه فيُنجِيهِم مِن كربِ الدنيا. قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وَأَمَّا أَوْلِيَاؤُهُ فَيُنَجِيهِم بِهِ مِن كربِ الدنيا والآخرة وَشدَائدِها.

стр. 60

ولِذَلِكَ فَزِعَ إِليه يُونُسُ فنجَّاه الله مِن تِلكَ الظُلماتِ وفَزِعَ إِليهِ أَتْبَاعُ الرُسُل فنجَو به مِمَّا عَذَّبَ بِِهِ المشركون في الدنيا وما أَعَدَّ لَهُمْ في الآخِرة. ولما فَزِعَ إِليه فِرْعون عندَ مُعَايَنة الهَلاك وإدْرَاكِ الغَرقِ لَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ. لأِنَّ الإِيمانَ عِنْدَ المعاينة لا يُقْبَل هذه سنة الله في عِبادِهِ. فما دُفِعَتْ شَدَائِدُ الدنيا بِمِثْلِ التَّوْحِيدْ. ولذلِكَ كَان دُعَاء الكَرْبِ التوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فَرَّج اللهُ كَرْبَهُ بالتوحيد. فلا يُلْقِي في الكرَبِ العَظائم إلا الشِّرك. ولا يُنْجِي منها إلا التوحيد. فهو مَفْزعُ الخَلِيقَةِ ومَلْجَؤهَا وحِصْنُها وغِيَاثُها. شِعْرًا: ... عَلَيْكَ بِتَوحِيدِ الإِله فَإِنَّهُ ... نَجَاةٌ فَلا تُهْمِلْ كَلامي وَخُذْ بِهِ شِعْرًا: أذَلّ الحَرْصُ والطّمَعُ الرِّقابَا ... وقَد يَعْفو الكَريمُ إذا اسْتَرَابًا إذا أتَّضَحَ الصّوابُ فلا تَدَعْهُ ... فإِنّكَ قَلّمَا ذُقتَ الصَّوابًا وَجَدْتَ لَهُ على اللَّهَواتِ بَرْدًا ... كَبَرْدِ الماءِ حِينَ صَفَا وطابًا ولَيس بحاكِمٍ مَنْ لا يُبَالي ... أأخطَأ في الحُكُومَةِ أَمْ أصابًا وإن لِكُلِّ تَلْخِصٍ لَوجْهًا ... وإنَّ لِكُلّ ذِي عَمَلٍ حِسَابًا وإنَّ لِكُلِّ مُطّلَع لَحَدا ... وإنَّ لِكُلّ ذِي أجَلٍ كِتابًا وكُلُّ سَلامَةٍ تَعِدُ المنَايَا ... وكُلُّ عِمارَةٍ تَعِدُ الخَرابًا وكُلُّ مُمَلَّكٍ سَيَصِيرُ يَوْمًا ... وما مَلَكَتْ يَدَاهُ مَعًا تُرابًا أَبَتْ طَرَفَاتُ كُلِّ قَريرِ عَين ... بها إلا اضْطِرابًا وانْقِلابًا كَأَنَّ مَحَاسِنَ الدّنْيا سَرابٌ ... وأيُّ يَدٍ تَنَاوَلتِ السرَّابًا وإنْ يَكْ مُنْيَةٌ عَجِلَتْ بِشَيءٍ ... تُسَرُّ به فإِنَّ لَهَا السَّرابًا فَيا عَجَبًا تَمُوتُ، وأَنتَ تَبْني ... وتَتَّخِذ المَصَانِعَ والقِبابًا

стр. 61

أَرَاكَ وكُلَّمَا فَتَّحْتَ بَابًا ... مِنَ الدّنْيا فَتَحْتَ عَلَيْكَ نَابًا ألمْ تَرَ أنّ غُدْوَةَ كُلِّ يَوْمٍ ... تَزِيدُكَ مِن مَنِيَّتِكَ اقْتِرَابًا وحُقّ لِمُوقِنٍ بالمَوْتِ أَنْ لا ... يُسَوِّغَهُ الطَّعامَ ولا الشّرَابًا يُدَبِّرُ ما تَرَى مَلِكٌ عَزِيزٌ ... بِهِ شَهِدَتْ حَوادِثُهُ وغَابًا أَلَيْسَ اللهُ في كُل قَريبًا؟ ... بَلَى! مِن حَيثُ مَا نُودِي أَجَابًا ولم تَرَ سَائِلاً لِلَّهِ أَكْدَى ... ولمْ تَرَ راجِيًا لِلَّهِ خَابًا رَأَيْتَ الرُّوحَ جَدْبَ العَيشِ لَمَّا ... عَرفتَ العَيشَ مَخْضبًا واحْتِلابًا وَلسْت بِغَالِب الشَّهَوَاتِ حَتَّى ... تُعِدَّ لَهُنَّ صَبْرًا واحْتِسَابًا فَكُلُّ مُصِيبَةٍ عَظُمَتْ وَجَلّتْ ... تَخِفُّ إذا رَجَوْتَ لَها ثَوَابًا كَبرنا أَيُّهَا الأَتْرابُ حتى ... كأنا لم نَكُنْ حِينًا شَبَابًا وَكَنَّا كالغُصُونِ إذا تَثَنَّتِ ... مِنَ الرّيحانِ مُونِعَةً رِطَابًا إلى كَمْ طُولُ صَبْوتَنا بِدارٍ ... رَأْيَتَ لها اغْتِصابًا واسْتِلابًا ألا ما لِلكُهُولِ ولِلتَّصَابِي ... إذا مَا اغْتَرَّ مُكْتَهِلٌ تَصَابَى فَزعْتُ إلى خِضَابِ الشّيِبِ مِنّي ... وإنَّ نُصُولَهُ فَصَحَ الخِضَابَا اللَّهُمَّ يا عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لنا العافية في الدنيا والآخرة. اللَّهُمَّ يا حيُّ ويا قيُّوم فَرِّغْنَا لما خَلَقْتَنَا له، ولا تُشْغِلْنَا بما تَكَفَّلْتَ لنا به واجعلنا مِمَّن يُؤمِنُ بلقَائِك ويَرْضَى بقَضَائِك، ويقنعُ بعطائك ويخشَاكَ حَقَّ خَشْيَتك وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ المُسْلِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. حكم وفوائد قال أحدُ العُلَمَاءِ: لا يَكُنْ همُّ أحدِكم في كثرةِ العَمَلَ، ولكن ليكن هَمُّه في إحكامِهِ وإتقانِهِ، وتحسينِهِ.

стр. 62

فإن العبدَ قد يُصَلِّي وهو يَعْصِي الله في صلاتِهِ، وقد يَصومُ وهو يَعْصِي الله في صِيامِهِ. وقِيل لآخر: كيفَ أصْبَحتَ؟ فبكى، وقال: أَصْبَحتُ في غفْلةٍ عن الموتِ مَعَ ذُنُوبٍ كثيرةٍ قد أحَاطَتْ بِي وأجلٍ يُسْرِعُ كُلَّ يومٍ في عُمُري، ومَوئْل لَسْتُ أدْرِي علامَا أَهْجِمُ ثم بَكَى. وقال آخر: لا تَغْتَم إلا مِن شيءٍ يَضُرُكَ غَدًا (أَيْ في الآخرة) ولا تَفْرَحْ بشيءٍ لا يَسرُكَ غدًا، وأنفعُ الخوفِ ما حَجزَكَ عن المعاصي، وأطالَ الحُزْنَ مِنْكَ على ما فاتَكَ مِن الطاعِة، وألْزَمَكَ الفِكْرَ في بَقيةِ عُمُرِكَ. وقال آخر: عليكَ بصُحْبةِ مَن تُذَكِّرُكَ اللهَ رُؤيَتُهُ، وتَقَعُ هَيْبَتُه على باطِنِكَ، ويَزيُدُ في عَمَلِكَ مَنْطِقُه. ويُزَهِّدُكَ في الدنيا عَمَلهُ، ولا تَعْصِي اللهِ مادُمْت في قُرْبِهِ يَعِظكَ بلِسانِ فِعْلِهِ ولا يَعِظُكَ بِلِسانِ قَوْلِهِ. قال إسرافيل: حَضَرتُ ذِي النون المِصِري وهو في الحَبْسِ وقد دَخَلَ الشُرطِيُّ بِطعامٍ لَهُ فقامَ ذُو النونِ فَنَفَضَ يَدَهُ (أيْ قَبضها عن الطعام) . فقيل له: إن أخاك جَاءَ به، فقال: إنه على يَدَيْ ظالم، وقَالَ بعضُهم يُوبِّخُ نَفْسَهُ وَيَعِظُها: يا نَفْسُ بادِرِي بالأوقاتِ قبلَ انْصِرامها، واجْتَهدي في حَراسَةِ لَيَالي الحَياةِ وأَيَّامِهَا. فكأنَّكِ بالقُبورِ قد تَشَقَّقَتْ، وبالأمُوُر وقد تَحَقَّقَتْ، وبِوجُوُه المتقينَ وقد أشْرَقَتْ، وبرُؤُوسِ العُصَاةِ وقدَ أَطْرَقَتْ قال تعالى وتقدس: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يا نفس أمَّا الوُّرعون فقد جَدَّوا، وأما الواعظُون فقد نَصَحُوا. انْتَهى.

стр. 63

واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) اعلَمْ أنَّ صَاحِبَ البصِيرةِ إذا صَدَرَتْ من ه الخَطِيئةُ فلهُ نَظَرٌ إلى أُمور أَحَدُهَا: أنْ ينظرَ إلى أمرِ اللهِ ونَهْيِهِ فيُحْدِثَ له ذلك الاعترافَ بكونِهَا خَطِيئَةً، والإِقْرَارَ على نفسِه بالذَنْب، والثاني: أنْ ينظرَ إلى الوعدِ والوعيدِ فيُحِدَث له ذَلِكَ خوفًا وخشْيةً تحْمِلُهُ على التوبةِ، والثالثُ: أَنْ يَنْظُرَ إلى تَمْكِينِ اللهِ لَهُ مِنهَا وَتَخْلِيَتِهِ بَيْنَه وَبَيْنَها وَتَقْدِيرِها عليه وأنه لو شاء لَعَصَمَهُ مِنْهَا فَيُحْدثَ له ذلك أنواعًا مِنَ المعرفِة باللهِ وأسمائِهِ وصِفَاتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ وعَفوِهِ وحِلمِهِ وكرمِِهِ وتوجبُ له هذه المعرفةُ عُبوديةً بهذه الأسماءِ لا تحصُلُ بِدُونِ لَوَازِمِهَا البَتَّةَ وَيَعْلَمُ ارتباطَ الخلق والأمرِ والجزاءِ والوعْدِ والوعيدِ بأسمائِهِ وصِفَاتِهِ وأنَّ ذلك بموجبِ الأسماءِ والصفاتِ وأثرها في الوجودِ وأنَّ كلَ اسم وصِفةٍ مُقْتَضٍ لأثَرهِ وَمُوجِبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا بُدَّ منه. وَهَذَا المَشْهَدُ يُطْلِعُهُ على رِياضٍ مُونِقَةً مِن المَعَارِفِِ والإيمانِ وأسْرَارِ القَدَرِ والحِكمَةِ يَضِيقُ عن التعبيرِ عنها نِطاقُ الكَلِمِ فَمِنْ بَعضِهَا ما ذكره الشيخُ (يُريدُ صاحِبَ المنازلِ) : أنْ يَعْرِفَ العبدُ عِزَّتَهُ في قَضَائِهِ وَهُوُ أنَّهُ سُبْحَانَهُ العَزِيز الذي يَقْضِي بما يشاءُ وأنه لِكمالِ عزتِهِ حَكَمَ على العبدِ وقضى عليهِ بأنْ قلبَ قَلْبِهُ وصرَّفَ إرَادَتَه على ما يَشَاءُ وحالَ بين العَبْدِ وقلبِهِ وَجَعَلَهُ مُريدًا شائِيًا لِمَا شَاءَ مِنْهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ وهذا مِنْ كَمالِ العِزَّةِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلى ذلِكَ إلا اللهُ وغايةُ المَخْلُوقِ أَنْ يَتَصَرَّفَ في بَدَنِكَ وظاهِرِكَ، وأمَّا جَعْلُكَ مُرِيدًا شائيًا لِمَا يَشَاؤُهُ مِنْكَ وَيُرِيدُهُ فلا يَقْدرُ عليهِ إلا ذُو العِزَّةِ البَاهِرَةِ. فإذا عرف العبدُ عِزَّ سيدِهِ ولا حظَ بقلبِهِ وتمكَّنَ شهودُهُ مِنْهُ كان الاشتغالُ بهِ عن ذُلِّ المَعصيةِ أولى بهِ وأنفعَ له لأِنَّهُ يَصِيرُ مَعَ اللهِ لا مَعَ

стр. 64

نَفْسِهِ، ومِنْ مَعْرِفِة عِزتِهِ في قَضَائِهِ أنْ يَعْرِفَ أنه مُدَبَّر مَقْهُورٌ ناصيتُهُ بِيدِ غيرِهِ لا عِصْمَةَ لَه إلا بِعِصْمَتِهِ ولا تَوفيقَ له إِلا بِمَعُونَتِهِ فهُوَ ذَليلٌ حقيرُ في قبضةِ عَزيزٍ حميدٍ. وَمِنْ شُهودِ عزَّتِهِ في قَضَائِهِ أنْ يَشْهَدَ أنَّ الكَمَالَ والحَمْدَ والغِنَى التامَّ والعزةَ كلهَا لِلهِ وأنَّ العَبْدَ نَفْسَهُُُ أوْلى بالتقصيرِ والذمِ والعَيبِ والظُلمِ والحَاجةِ وكُلَّمَا ازدادَ شُهودُهُ لِذِلّهِ وَنَقْصِهِ وَعَيْبِهِ وَفَقْرِهِ ازدادَ شهودُهُ لِعزَّةِ اللهِ وَكَمالِهِ وَحَمْدِهِ وَغِنَاهُ وكذلك بالعكسِ فنقْصُ الذنْبِ وذِلتُهُ يُطْلعُهُ على مَشْهَدِ العِزّةِ. ومنها: أن العبدَ لا يُريدُ مَعْصِيَةَ مَوْلاهُ مِنْ حَيثُ هِيَ مَعْصِيةٌ فإذا شَهِدَ جَرَيَانَ الحُكْمِ وَجَعْلَهُ فَاعلاً لِمَا هُوَ مُختارٌ، له مُرِيدًا بإرَادتِهِ وَمَشيئِتِه واختيارِهِ فكأنَهُ مُخْتَارٌ غَيْرُ مُخْتَارٍ مُرِيدٌ شاءٍ غيرُ شاءٍ فهذا يَشْهَدُ عِزةَ اللهِ وعَظَمَتَهُ وكَمَالَ قُدْرَتِهِ. شعرًا: أَحْسِنْ بربِّك ظَنًا إنَّهُ أَبَدًا ... يَكْفي المُهِمَّ إِذا مَا عَزَّ أَوْ نابًا لا تَيأَسَنَّ لِبَابَ سُدَّ في طَلَبٍ ... فالله يَفْتَحُ بَعْدَ البَابِ أَبْوابًا ومِنْ ذلك أن يَعرفَ بِرَّهُ سبحانَه في سَتْرِهِ عليهِ حالَ ارتكابِ المعصيةِ معَ كمالِ رؤيتِهِ لهُ ولو شاء لَفَضَحَهُ بينَ خَلْقِهِ فَحَذِرُوه وهذا مِن كمالِ بِرِّهِ ومِنْ أسمائِه البَرُّ، وهذا البرُّ من سيدِهِ كان عن كمالِ غِنَاهُ وَكمالِ فقْرِ العبدِ إليهِ فيشتغلُ بمطالعَةِ هذه المِنةَ وَمُشَاهَدَةِ هَذَا البِرِّ والإحسانِ والكرم فيَذهَلُ عن ذِكرِ الخَطِيئَةِ فَيَبْقَى مَعَ اللهِ سبحانه وذلك أَنْفَعُ لهُ مِن الاشتغالِ بجنايَتِهِ وَشُهُودِ ذُلِّ المَعْصِيَةِ فإنَّ الاشْتِغَالَ باللهِ والغَفْلةَ عَمَّا سِوَاهُ هُوَ المَطْلَبُ الأعلى والمقصَد الأسْنَى.

стр. 65

ومنها: شُهودُ حِلْمِ اللهِ في إمْهَالِ رَاكِبِ الخَطِيئَةِ مُطْلقًا ولو شاءَ لَعاجَلَه بالعُقُوبَةِ ولكِنَهُ الحَلِيمُ الذي لا يَعْجَلُ فَيُحْدِثُ له ذلك مَعْرِفةَ رَبِهِ سبحانه باسْمِهِ الحليمِ ومُشَاهَدَةَ صفةِ الحِلْمِ والتَّعَبُدِ بهذا الاسمِ. والحكمةُ والمصلحةُ الحاصلةُ ومن ذلك بتوسّطِ الذَنْبِ أحبُّ إلى اللهِ وأصلحُ للعبدِ وأنفَعُ من فَوْتِها، ووجودُ الملزومِ بدونِ لازمِهِ مُمْتَنِعٌ ومنها مَعْرِفَةُ العَبْدِ كَرَمَ رَبِهِ في قُبولِ العذرِ منه إذا اعتذرَ إليهِ بنحْوِ ما تقدم مِن الاعتذارِ لا بالقَدَرِ فإنه مخاصَمَتُه وَمُحَاجّة. ومنها: أنْ يَشهدَ فضلَهُ في مَغفرتِهِ فإن المَغْفِرَةَ فضْلٌ مِن اللهِ وإلا فَلَو أَخَذَ بمحْض حَقِّهِ كان عادِلاً مَحْمُودًا. وإِنَّمَا عَفْوُهُ بِفَضْلِهِ لا باسْتِحْقاقِكَ فَيُوجِبُ ذَلِكَ شُكرًا وَمَحَبةً وإنابَةً إليه وفَرَحًا وابْتِهَاجًا بِهِ ومَعْرِفَةً لَهُ باسْمِهِ الغَفَّارِ وَمُشَاهَدَةً لِهَذِهِ الصِّفَةِ وَتَعَبُّدًا بِمُقْضَاهَا وَذَلِكَ أَكْمَل ُفي العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ والمَعْرِفَة. وَمِنْهَا: أَنْ يُكْمِلَ لِعبدِهِ مَرْتَبَةَ الذُلِ والخُضُوعِ والانْكِسَارِ بَينَ يَدَيْهِ والافتقارِ إِليه. إِنِّ الشَّرَائِعَ أَلْقَتْ بَيْنَنَا حِكَمًا ... وَأَوْرَثَتَنَا أَفَانِينَ المُوَدَّاتِ وَهَلْ رَأيْتَ كَمِثْلِ الدِّينِ مَنْفَعَةً ... لِلْعَبْدِ تُوصِلُهُ أَعْلَى الكَرَامَاتِ اللَّهُمَّ أَيْقظَ قُلُوبَنَا وَنَوِّرْهَا بِنُورِ الإِيمَان وَثَبَّتْ مَحَبَّتكَ في قُلُوبِنَا وَقَوِّهَا وَارْزُقْنَا الْمَعْرفَةَ بكَ عَنْ بَصِيرَةً وَأَلْهِمَنَا ذِكْرَكَ وَشُكْركَ وَوَفّقْنَا لِطَاعَتِكَ وامْتِثَالِ أَمْرِكْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِديْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَم الرَّاحِمِينَ، واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) : ومنها: أنَّ أَسْمَاءَ الربِ تَقْتَضِي آثارَها اقْتضاءَ الأَسْبَابِ التَّامَّةِ لِمُسبَّباتِها فاسمُ السميعِ البصيرِ يَقْتَضِي مسْمُوعًا وَمُبْصرًا واسْمُ الرَّزَّاقِ

стр. 66

يَقْتَضِي مَرْزُوقًا واسْمُ الرحيمِ يَقْتَضِي مَرْحُومًا وكذلك أسماء: (الغَفورِ، والعَفُوِّ، والتوابِ، والحَليم) يَقْتَضِي مَنْ يَغْفِرُ لَهُ وَيَتُوبُ عليه وَيَعْفو وَيَحْلُم وَيَسْتَحِيلُ تَعْطِيْلُ هَذِهِ الأسْمَاءِ والصفاتِ إذْ هِيَ أَسْمَاءٌ حُسْنَى وَصِفَاتُ كَمَالٍ وَنُعوتُ جَلالٍ وأَفعالُ حِكمةٍ وإحسانٍ وَجُودٍ فلا بدّ مِن ظهورِ آثارِها في العالَم. وإلى هذا أشار أعلمُ الخلقِ باللهِ صلواتُ اللهِ وسلامهُ عليهِ حيثُ يَقولُ «لو لم تُذْنبوا لذهب الله بكمْ وَلَجَاء بقوم يُذْنِبُونَ ثم يسْتَغْفرُونَ فَيَغْفِرُ لهم» وأَنْتَ إذا فرضْتَ الحيوان بجُمْلَتِهِ مَعْدُومًا فَمَنْ يَرْزُقُ الرَّزَّاقُ سبحانه وإذا فَرَضَتْ المَعْصِيَةَ والخَطِيئَةَ مُنْتَفِيةً عن العالَم فلِمَنْ يغفرُ؟ وعمَّنْ يَعْفُو؟ وعلى مَن يتوبُ وَيَحْلَم؟ وإذا فرضْتَ الفاقات كُلَها قد سُدَّتْ والعبيدَ أغنياءَ مُعَافِين فأَيْنَ السُؤالُ والتَّضَرُّعُ والابْتِهَالُ والإِجَابةُ وَشُهودُ المنةِ والتخصيصُ بالإنعام والإكرامِ فسُبْحانَ مَنْ تَعرَّف إلى خَلقِهِ بجميعِ أنواعِ التعرّفاتِ وَدَلّهم عليه بأنواعِ الدلالاتِ. انتهى. شعرًا: دَع المَعَاصِي عَنْكَ في مَعْزلٍ ... وتُبْ إلى مَن هو نِعْمَ الغِيَاثْ فليْسَ يُحْظَ بِجَدِيد الرّضَا ... عَبْدٌ عَلَيه حَسَنَاتٌ رِثَاثْ آخر: وذُقْتُ مَرَارةَ الأشْيَاطُرًا ... فما طَعْمٌ أَمَرّ مِنَ المعَاصِي آخر: حَتَّى مَتَى تُسْقَى النُفوسُ بكأسِها رَيْبَ المَنونِ وأَنْتَ لاهٍ تَلْعَبُ عَجَبًا لأَمْنِكَ والحَيَاةُ قَصِيرَةٌ وَبِفَقْدِ إلفٍ لا تَزَالُ تُرَوَّعُ أَفَقَدْ رَضِيتَ بأنْ تُعلّلَ بالمُنَى وإِلَى المنِيَّةِ كُلَّ يَومٍ تُدْفَعُ

стр. 67

لا تَخْدعَنَّكَ بَعْدَ طُولِ تَجارُبٍ دُنْيًا تَغُرُّ بوصْلِهَا وسَتُقْطَعُ أَحْلامُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَايلٍ إِنّ اللَّبيبَ بِمِثْلِها لا يُخْدَعُ وَتَزَوَّدَنَّ لِيَومَ فَقْرِكَ دَائِمًا أَلِغَيْر نَفْسِكَ لا أَبَا لَكَ تَجْمَعُ آخر: ... يا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِن ذَنْبٍ وَمَعْصِيةٍ ... إنْ كُنْتَ نَاسِيهَا فالله أحْصَاها يا عَبْدُ لا بُدَّ مِنِ يومٍ تَقَوم لَهُ ... وَوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي الكَفَّ ذِكْرَاها إذَا عَرَضْتُ على نَفسي تَذكُرَهَا ... وَسَاءَ ظنَّي قُلْتُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ آخر: ما زُخْرُفُ الدُّنْيَا وزُبْرُجُ أَهْلِهَا ... إلا غُرُورٌ كُلُّهُ وَحُطَامُ ولَرُبَّ أَقْوَام مَضَوا لِسَبِيلِهمْ ... ولَتمضِينَّ كَمَا مَضَى الأقْوَامُ ولَرُبَّ ذِي فُرشٍ مُمَهَّدَة لَهُ ... أَمْسَى عَلَيْهِ مِن التُّرَابِ رُكَامُ والموتُ يَعمل والعُيونُ قَريرةٌ ... تلْهُوا وتَلْعَبُ بالمنَى وتَنَامُ كُلٌ يَدُورُ على البَقَاء مُؤَملاً ... وَعَلى الفَنَاءِ تُدِيرُهُ الأيامُ والدَّائِمُ الملكوتِ رَبٌ لم يَزَلْ ... مَلِكًا تَقَطَّعُ دُونَهُ الأوهَامُ فالحمدُ لله الذِي هُوَ دَائِمٌ ... أَبَدًا ولَيْسَ لِمَا سواهُ دَوَامُ اللَّهُمَّ اعْتقْنَا مِن رقِّ الذُّنُوبْ، وخَلِّصْنَا مِن أَشَرِ النُّفوسْ، وأَذْهِبْ عَنَّا وَحْشَةَ الإِسَاءَةْ وطَهِّرْنا مِن دَنَسِ الذُّنُوبَ، وباعِدْ بَيْنَنا وبَيْنَ الخَطَايَا وأجِرْنا مِن الشيطان الرجيم. آخر ... أَقُولٌ وطَرْفي غَارقٌ بِدُمُوعِهِ ... لِمَا قَدْ جَرَى لِي في الذُنُوب تَمادِي فَهَلْ مِن تَلافي سَاعَةٍ أَشْتَفِي بهَا ... أُجَدِّدُ فيهَا تَوْبَةَ بِسَدَادِ وأَسْأَلُ مَوْلاي القَبُول لِدْعوتِيْ ... فَغَايَةُ سُؤْلي هَذِهِ وَمُرَادِي

стр. 68

آخر: ... يا أَيُهَا الزاهِدُ بالزُّهْدِ ... عَرِّجْ مِن الهَزْلِ إلى الجِدِّ فَبَعْدَ نُورِ الشَيْبِ لا يُرْتَجى ... لِلْمَرءِ إِلا ظُلْمَةُ اللّحْدِ فاحْتَلْ مِن التَّوبةِ في أجْرِه ... إن شِئْتَ سُكْنى جَنّةِ الخُلْدِ اللَّهُمَّ يا فالقَ الحب والنَّوَى، يا مُنْشِئَ الأجْسَادِ بَعْدَ البلَى يا مُؤْوي المنْقَطِعِينَ إِليْه، يا كَافِي المُتَوَكِّلينَ عليه، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ إلا مِنْكَ، وخابَتِ الظُنُونُ إلا فِيكَ، وضَعُفَ الاعْتمادُ إِلا عَلَيْكَ نسألُكَ أنْ تُمْطَرَ مَحْلَ قُلُوبِنَا مِن سَحائِبِ بِرِّكَ وإحْسَانِكْ وأَنْ تُوِفقَّنا لِمُوجِباتِ رَحْمَتِكَ وعَزَائِم مَغفرتِكَ إنكَ جَوادٌ كريم رؤوفٌ غفور رحيم. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. (فَصْلٌ) وقالَ ﵀: لِلتَوْبةِ المقبولةِ علاماتٌ: مِنْهَا: أنْ يكونَ بعدَ التوبةِ خيرًا مِمّا قبلَها. ومنها: أنَّه لا يزالُ الخوفُ مُصَاحِبًا لهُ لا يأمنُ مكرَ اللهِ طرْفةَ عيْنٍ، فخوفُهُ مُسْتَمِرُّ إلى أنْ يَسْمَعَ قولَ الرُسُلَ لِقبِض رُوُحِهِ (٤١: ٣٠) ﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فهُنا يَزُوْلُ الخوفُ. ومنها: انْخِلاعُ القَلْبِ وَتَقَطُّعُهُ نَدَمًا وَخَوْفًا وهذا على قَدْرِ عِظَمَ الجِنَايةِ وَصِغَرهَا. وهذا تأويلُ ابنُ عُيَيْنةَ لقولِهِ تعالى (٩: ١١٠) : ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ . قال: تَقْطعُها بالتَّوْبَةِ. وَلا رَيْبَ أنَّ الخَوفَ الشدِيدَ مِنَ العُقوبةِ العَظيمَةِ يُوجِبُ انْصِداعَ القَلْبِ وانْخِلاعَهُ. وهذا هُوَ تَقَطُعُهُ وهذا حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ لأَنَهُ يَنْقَطِعُ قَلْبُهُ حَسْرَةً على ما فَرَطَ منهُ وَخَوفًا مِنْ سُوء عاقَبتِهِ فمَنْ لم يَنْقَطِعْ قَلْبُهُ في الدنيا على مَا فَرَّطَ حَسْرةً وَخَوْفًا تَقَطَّعَ في الآخِرَةِ إذا حُقَّتِ الحَقَائِقُ وعايَنَ ثَوابَ المُطِيعينَ وَعِقَابَ العاصينَ فلا بُدَّ مِنْ تَقَطّعَ القَلْبِ إما في الدُنيا وإما في الآخرة. إِذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ من التُقى ... وأَبْصَرْتَ بَعْدَ المَوْتَ مَنْ قَدْ تَزَّوَدَا نَدِمْتَ عَلَى أنْ لا تكُون كَمِثْلِهِ ... وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَان أَرْصَدَا

стр. 69

آخر: وما أقَبَحَ التفّرْيط في زَمَنِ الصّبَا ... فكيَفْ به والشّيْبُ في الرَّأس شَامِلٌ تَرَحَّلْ مِنَ الدنْيَا بِزَاد مِن التّقَى ... فَعُمْرَكَ أَيْامٌ تُعَدٌّ قَلائِلُ آخر: وَإِذَا رُزِقْتَ مِن الحَلال تجاةً ... فابْذِلَ لَهَا في مَرَاضي الله مُجْتَهِدًا ومِنْ مُوْجِباتِ التوبةِ الصحيحةِ أَيْضًا كَسْرَةٌ خاصَّةُ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لا يشْبِهْهَا شَيءٌ، ولا تكونُ لِغَيْرِ المُذْنِبِ لا تَحْصُلُ بجُوعٍ ولا رِياضَةٍ ولا حُبٍ مُجرَّدٍ وإنَّمَا هِيَ أمْرٌ، وَرَاءَ هذا كُلِّهِ تُكَسِّرُ القَلْبَ بَيْنَ يَدَي الرَّب كَسْرةً تامةً قد أَحَاطَتْ بهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ وألقَتْهُ بين يَدَي رَبِهِ طَرِيحًا ذَلِيلاً خَاشِعًا كََحَالِ عَبْدٍ جَانٍ أَبَقَ مِنْ سَيّدِهِ فَأُخِذَ فأُحضِرَ بينَ يَدَيهِ ولم يَجدْ مَنْ يُنِجيهِ مِن سَطْوتِهِ وَلَم يَجْدْ منه بُدًا ولا عنه غَناءً ولا مِنْهُ مَهْرَبًا وَعَلِمَ أنّ حَيَاتَهُ وَسعادَتَه وفلاحَه ونجاحَه في رِضَاهُ عنهُ، وقدْ عَلِمَ إحاطةَ سَيّدِهِ بِتَفَاصِيلِ جِنَايَاتِهِ، هذا مَع حُبِّهِ لِسَيّدِهِ وشِدَّةِ حاجتهِ إليهِ وعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَعَجَزِهِ وَذُلِّهِ وَقُوَّةِ سيدِهِ وَعِزَّتِهِ. فَيَجْتَمِعُ في هَذِه الأَحْوَالِ كَسْرَةٌ وذُلٌ وَخُضُوعٌ ما أنفعَهَا لِلْعَبِدِ وما أجْدَى عائِدَتُهَا عليهِ وما أعظمَ جبْرُهُ بها وما أقرَبَهَ بها مِن سَيِّدِهِ فليْسَ شَيءٌ أحَبَّ إلى سَيِّدِهِ مِن هذِهِ الكسْرةِ والخُضوعِ والتذللِ والإخْباتِ والانطِراحِ بَيْنَ يَدَيْهِ والاسْتِسْلامِ لَهُ. فلِلهِ مَا أَحْلَى قَوْلَهُ في هذِهِ الحَالِ أَسْأَلُكَ بعِزّكَ وَذُلِي إلا رَحِمْتَنِي. أسألك بقٌوتكِ وَضعْفِي، وبِغِنَاكَ عَنّي وَفَقْرِي إليكَ هذِهِ ناصِيَتِي الكاذبةُ الخاطئةُ بينَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوَايِ كثيرٌ وليسَ لي سَيِّدٌ سِوَاكَ لا مَلجأَ ولا مَنْجَى مِنْكَ إلا إليكَ أسْأَلُكَ مَسْألةِ المِسكينِ، وأبْتَهِلُ إليكَ ابْتِهَالَ الخَاضِعِ الذليل، وأدعُوكَ دُعاءَ الخائِفِ الضَرِيرِ سُؤالَ مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبتُهُ، وَرَغِمَ لك أنفُه، وفاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ. فَهَذَا وأمثالُه مِنْ آثَارِ التَوبةِ المَقْبُولَةِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ذلِك في قَلْبِهِ

стр. 70

فَليتَّهِمْ تَوبَتَهِ وَلْيَرْجِعْ إلى تَصْحِيحِها فَمَا أصْعَبَ التَوبةَ الصَّحِيحَةَ بالحَقِيقَةِ وَمَا أَسْهَلَها باللسانِ والدَّعْوَى، وَمَا عَالجَ الصَّادِقُ بِشيءٍ أَشَدّ عَلَيهِ مِنَ التَّوْبَةِ الخالِصةِ الصَّادِقةِ ولا حَوْلَ وَلا قُوةَ إِلا باللهِ. وَحَقائِقُ التَّوْبَةِ ثَلاثَةٌ: وَعَدَّ منها اتْهامَ التوبةِ قال: لأنها حقٌ عليهِ لا يَتَيَقّنُ أنه أدَّى هذا الحقَ على الوجهِ المطلوبِ مِنْهُ الذي يَنْبَغِي لهُ أَنْ يُؤدّيِهُ عليه، فيخافُ أنه ما وفَّاها حَقَها وأنها لم تُقبلْ منه وأنه لمْ يبذلْ جُهدَه في صِحَّتِها، وأنها تَوْبَةُ عِلّةٍ وهو لا يَشْعُرُ بها كَتَوْبةِ أرْبَابِ الحَوَائِجِ والإِفلاسِ والمُحَافِظِينَ على حَاجَاتِهِم وَمَنازِلِهمْ بينَ النَّاسِ. أَوْ أَنَّهُ تَابَ مُحَافَظَةً على حَالِهِ فَتَابَ لِلْحَالِ لا خَوْفًا مِن ذِي الجَلال، أو أنه تَابَ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ مِنَ الكدِّ في تَحْصِيلْ الذنْبِ أو اتِّقاءِ ما يَخافُهُ على عِرْضِهِ وَمَالِهِ وَمَنْصِبِهِ أو لِضَعْفِ داعِي المعصيةِ في قلبِهِ وَخُمُودِ نارِ شَهْوتِهِ أو لِمُنافاةِ المعصِيَةِ لِمَا يَطْلِبُهُ مِنَ العلمِ والرزقِ وَنَحْوِ ذلك مِنَ العِلَلِ التي تَقْدَحُ في كونِ التَّوْبةِ خَوْفًا مِنَ اللهِ وتعظيمًا لَهُ ولِحُرُمَاتِهِ وإجْلالاً لَهُ وَخَشْيَةً مِنْ سُقُوطِ المنْزِلةِ عندَهُ وعن البُعْدِ والطردِ عَنْهُ والحِجابِ عن رُؤْيةِ وَجْهِهِ في الدَارِ الآخِرَةِ فَهَذِهِ التَوْبَةُ لَوْنٌ وَتَوْبَةُ أَصحابِ العِللِ لَوْن قال: ومِنَ اتّهِامِ التَّوْبَةِ ضَعْفُ الْعَزِيمَةِ والتِفَاتُ الْقَلْب إِلى الذَّنْبِ الْفَيْنَةَ بَعدَ الفينةِ وتذكُّرُ حَلاوَةِ مُوَاقَعَتِهِ. ومِنَ اتّهَامِ التَّوْبَةِ طُمَأْنِينَتُهُ وَوثوقُهُ مِنْ نفسِهِ بأنَهُ قَدْ تَابَ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مَنْشُورًا بالأمانِ فَهَذِهِ مِن عَلامَاتِ التُّهْمَةِ. وَمِنْ عَلامِاتِهَا جُمُودُ الْعَيْنِ واسْتِمْرَارُ الْغَفْلَةِ وأنْ لا يَسْتَحْدَثَ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَعْمَالاً صَالِحةُ لَمْ تَكُنْ له قَبْلَ الْخَطِيئةِ. شِعْرًا: خُذْ مِن شَبَابِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ والْهَرَمِ ... وَبَادِرِ التَّوبَ قَبْلَ الْفَوتِ وَالنَّدَمِ واعْلَمْ بأنَّكَ مَجْزِيٌ وُمرْتَهَنٌ ... وَرَاقِب الله واحْذَرْ زلَّةِ الْقَدَمِ

стр. 71

فَلَيْسَ بَعْدَ حُلُولِ الموتِ مَعْتَبَةٌ ... إِلا الرَّجاَءُ وعَفْو الله ذِي الكَرَمِ آخر: احْفَظْ مَشِيبَكَ مِنْ عَيْبٍ يُدَنِّسُهُ ... إِنَّ البَيَاضَ سَرِيعُ الحَمْلِ لِلدَّنَسِ واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. (فَصْلٌ) فِي وَصَايَا وَفَوَائِدَ وَمَوَاعِظَ وَآدَابْ أَوْصَى بَعضُهم، فقال: إذا عَصَيْتَ الله بِمَوضعٍ بأن حَصل مِنكَ ذَنْبٌ فاعْمَلْ في ذَلِكَ الموضعِ طَاعةً كاسْتِغْفَارٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فكما يَشْهَدُ عَليكَ يَشهَدُ لَكَ. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ . وَكُلَّمَا تَذَكَّرْتَ ذَنْبًا صَدَرَ مِنْكَ فَتُبْ عَقِبَ ذِكْركَ إَيَّاهُ تَوبةً نَصُوحًا وأَكْثِرْ مِنَ الاستغفار. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ . احْرِصْ عَلى أن تَنْوِيَ فِعْلَ الخير، وإذا حَدَّثَتْكَ نفسُكَ بِشَرٍ فاعْزِمْ على تَرْكِهِ لِلَّهِ. فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال الله : (إِذَا تَحَدَّثَ عَبدي بَأَنْ يَعمل حَسَنَةً فأنا أكتُبُها له حَسَنَةً ما لم يعمل، فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبُها بعَشْرِ أَمْثالِها) . وإذا تَحَدَّثَ بأن يَعْمَلَ سَيِئَةً فأنا أغْفِرُهَا لَهُ ما لم يَعْمَلْها فإذا عَمِلَهَا فأنا أكتُبَها له بِمِثْلِهَا. ومما أوصَى به بعضُهم قال عَلَيكَ بِذِكْرِ اللهِ قَائمًا وقَاعدًا وعَلى جَنْبِكَ في السر والعلانية وفي الملا. قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ

стр. 72

جُنُوبِهِمْ﴾ . وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ . شِعْرًا: عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله في كُلِّ سَاعَةٍ ... فَمَا خَابَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَذْكُرُ آخر: ... عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله دَوْمًا فإنَّهُ ... بِهِ يَطْمَئِنُّ القَلْبُ فالْزَمْهُ تَسْعَدِ فلا تُبق في يَوْمِ السلامَةِ لحَظَةً ... تفوتُكَ لم تذكُر به الله وَحْدَهُ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إِنْ ذَكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في مَلأ ذكْرته في مَلأ خَيرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا، وإن تَقَرَّبَ إِليّ ذراعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإن أَتانِي يَمْشِي أَتَيْتًه هَرْولَةِ» . احْرِصْ على صِيَانَةِ الوَقْتِ وَثابْر على إتْيَانِ جَميعِ مَا يُقَرِّبُك إلى الله مِن الأعمال وبالأخص الإكثار مِن كلمة الإخلاص وهي: لا إلهَ إلا الله. واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق. وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمةً أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفَهَّمَهُ مَعْنَاهَا وَوَفَّقَهُ لِلْعَملِ بِمُقْتَضَاهَا وعليكَ بالقِيامِ بما افْتَرضَ اللهُ عَلَيْكَ ومُلاَزَمَتِهِ على الوَجهِ الأكمَلِ الذي أمركَ اللهُ جَلَ وَعَلاَ أن تقومَ فيه. قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلتُ: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غَيْركَ قال: «قل آمنتُ بالله ثم اسْتَقِمْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: «اسْتَقِيمُوا ولن تُحْصُوا وأعلموا

стр. 73

أَنَّ خَيرَ أَعْمَالِكم الصلاة ولا يُحَافِظ على الوضوءِ إلا مُؤمن» . وفي روايةٍ للإِمام أحمد: «سَدِدُوا وقاربُوا ولا يُحَافِظُ على الصلاة إلا مُؤمنِ» . وعليكَ بمراعاةِ أَقْوَالِكَ كَما تُرَاعِي أَعْمَالَك فإنَّ أَقوالَكَ مِن جملةِ أَعْمَالِكَ قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ واحْذّرْ الإقامةَ بينَ أَظْهُرِ الكفار فإن في ذلك تشجيعًا للكفار وإهانةً لِدين الإسلام وإعلاءً لِكَلِمَةِ الكفر. نسأل اللهُ العافية، فَعَلى المسلم أنْ يَحْفَظَ أولادَهُ عن الذهاب إلى بلاد الكفار ويَنْصَحَ مَنْ يَقْبَلَ منه مِن قَرَابَتِهِ وأصْدِقائِهِ وجميع المسلمين. قال النبي ﷺ : «أنا بَريءٌ مِن كل مسلم يُقِيمُ بين أظهُر المشركين لا تَرَآءى نَارَاهُما» . رواه أبو داود، والترمذي. وقال ﷺ : «مَن جَامَعَ المشركَ وَسَكَنَ مَعَهُ فإنه مثلُه» . رواه أبو داود. وعليك بتلاوة القرآن بِتَفَهُّمٍ وتَدَبُرَّ وتَفكُرٍ ونَظَرٍ فيما تَتْلُوهُ إلى ما حُمِدَ فيه مِنَ النُعُوتِ والصِفاتِ التي وَصَفَ اللهُ جَلَّ وَعَلا بها مَن أَحَبَّهُ مِن عِبَادِهِ فاتَّصِفْ بها. وما ذَمَّهُ اللهُ في القرآن مِن الصفاتِ فاجْتَنِبْهَا فإنَّ الله جَلَ وَعَلاَ ما أنْزَلَهَا في كتابِهِ وذَكَرَهَا لك وَعَرَّفَكَ بِهَا إلا لِتَعْمَلَ بِهَا. فإذا قَرَأْتَ القُرآنَ فاجْمَعْ قَلْبَكَ وحَضِّرْه وفَكِّرْ فِيمَا تَتْلُو وما أشكلَ عَلَيْكَ فَطَالِعْ مَعْنَاهُ في التَّفْسِيرْ إِنْ كُنْتَ تُحْسِنُ ذَلِكَ وإلا فاسْأل أهْل الذِكْرِ. قال الله جَل وَعَلاَ وتقَدس: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . ولا أفضلَ مِن تِلاوَةِ كلامِ اللهِ فأفْضَلُ الكلامِ كلامُ الملكِ العَلاَّم جل وعلا وتقدس. وكُلُ ذِكْرٍ وَرَدَ فَضْلُهُ في خَبرَ أَوْ أَثَرٍ فهو بعدَ كلام الله فالتَّسْبِيحُ والتهليلُ والتكبيرُ والتحميدُ بَعْدَ التِلاوةِ وَبعدَهُنَّ الصلاةُ على رسَول ﷺ . وعليك بمُجَالَسَةِ مَن تَنْتَفِعُ بمُجَالَستِهِ في دِينِكَ مِن عِلْمِ تَسْتَفيِدُهُ أو عَمَل

стр. 74

يَكونُ فيهِ أوْ خُلُق حَسَن يكون عليه تَكْسِبُهُ مِن صُحْبَتِِهِ. وعَلَيْكَ بالبَذَاذَهة فإنها مِن الإِيمَانِ وهيَ تَرْكُ الزِّينَةِ وعَدَمُ التّرَفُّهِ ورثَاثَةُ الهَيْئَةِ والرِضَا بالدُونِ مِن الثِياب لِمَا وَرَدَ في الحديث: «إن البَذَاذَةَ مِن الإيمان» وفي الحديث الآخر: «إن الله يُحِبُّ المُتَبَذِّلَ الذِي لا يُبَالِي مَا لَبسَ» وفي الحديث الآخر: «ومَن تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ وهو يَقْدِرُ عليهِ - أَحْسِبُهُ قال تواضعًا - كَسَاهُ الله حلة الكرامة» . رواه أبو داود. شِعْرًا: ومَن يَرْتَضِِي أَدْنَى اللِّباسِ تَواضُعًا ... سَيُكْسَى الثِّيَابَ العَبْقَرِيَّاتِ في غَدِ آخر: اطْلُبْ كَفافًا فما في الأرض مِنْ أَحَدٍ ... نَالَ الكَفَافَ عَلى تَقْوَى وإِرْشَادِِ مِنْ مَلْبَسٍ وَشَرَابٍ بَعْدَ مَطْعَمِهِ ... في حَيْثُ خَيَّمَ في غَوْرِ وإنْجَادِ إِلا حَوَى الفَوْزَ في الدنيا وَآجِلِهَا ... إذا أَعِينَ بِنَفْسٍ شِحُّّّهَا زَادِ لاَ تَتْعَبَنَّ فإنَّ الرِّزْقَ عَنْ قَدَرٍ ... يَأْتِيكَ طَالِبُهُ مِنْ غير مِيعَادِ واللهُ أَعْلَمْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. [فائدة عظيمة النفع] اعْلَمْ أَنَّ مَن كان دَاؤُهُ المعصية فَشِفَاؤهُ الطاعة، وَمَن كان دَاؤهُ الغَفْلَةُ فشِفاؤه اليَقَظة، ومَن كان داؤهُ كَثْرةُ الأشغال فشفاؤه في تفريغ البال. فمن تَفَرَّغَ مِن هُموم الدنيا قلبُه، قَلَّ تَعَبُه وتَوَفَّر مِنَ العِبَادة نصيبه، واتصل إلى الله مَسِيرهُ، وارتفع في الجنة مَصيره، وتمكن مِن الذِكر والفِكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس والشيطان، وغوائل النفس. ومن كثر في الدنيا هَمُّه، أظلم طريقُهْ، ونصَبَ بَدَنُه، وضَاعَ وَقتُه، وتَشَتَّتَ شملُه، وطاشَ عَقْلُه، وانعقد لِسَانُه عن الذكر لِكثَرْة هُمومه

стр. 75

وغمُومه، وصار مُقَيَّدَ الجوارح عن الطاعة، مِن قلبِه في كل وادٍ شُعْبَة، ومِن عُمرِه لكل ِ شغل حِصَّة. فاستعذ بالله من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضى مَولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة، وانظر لو أن طبيبًا نصرانيًا نهاك عن شرب الماءِ البارد لأجل مَرضِ في جَسَدِك لأطعتَه في ترك ما نهاك عنه، وأنتَ تعلم أن الطبيب قد يَصْدُق وقد يكذب وقد يُصْيبُ وقد يخُطئ وقد يَنصَحُ وقد يَغشُ، فما بالك لا تترك ما نهاك عنه أنصحُ الناصحين وأصدق القائلين وأوفى الواعدين لأَجْلِ مَرَضِ القلب الذي إذا لم تشفَ منه فأنتَ من أهْلَكِ الهالكين. تَبْغِيْ الوُصُولَ بسَيْرَ فيه تَقْصِيْرُ ... لاَ شَكَّ أنَّكَ فِيْما رُمْت مغْرُوْرُ قَدْ سَار قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُواْ ... هَذا وفي سَيْرهَمْ جِدٌ وَتَشْمِيْرُ يا مُدَّعِي الحُبَّ في شَرْعِ الغَرامِ وَقَدْ ... أَقَامَ بَيَّنَةً لَكِنّهَا زُوْرُ أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ ... هَذَا وَأَنْتَ بَعْيدُ الدَّارِ مَهْجُوْرُ لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَيًا ذُبْتَ مِنْ كَمَدٍ ... مَا لِلْجرَاح بَجِسْمِ المَيْتِ تَأْثِيْرُ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ نَفْسًا مُطْمئنةً تُؤمِنُ بِلقَائِكَ وَتَرضَى بقَضَائك، اللَّهُمَّ إنا نَسأَلُكَ باسْمِكَ الطاهِرِ الطَّيبِ المُبَارَكِ الأحَبِّ إليك الذي إذا دُعِيتَ به أَجَبْتَ، وإذا سُئِلْتَ به أعْطَيْتَ، وإذا اسْتُرْحِمْتَ به رَحِمْتَ، وإذا استفرجْتَ به فَرَّجَتْ أَنْ تَغْفِرَ سَيئاتنا وتُبدلها لنا بِحَسَنات يَا أَرْحَم الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. (١) موعظة كَتَبَ عَليُّ بنُ أبي طالبِ ﵁ إلى وَلَدِهِ الحُسَيْن مِنْ عبدِ اللهِ
следующие страницы →