Полный текст (3 875 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الْعِلْمِ يَعْنِي الْعَامِلِينَ، أَمْ رَضِيَ بِفِعْلِكَ الأَيْتَامُ والأرَامِلُ، أَمْ رَضِيَ بِذَلِكَ خَلْقٌ مِنْ رَعِيَّتِكَ.
فَشُدَّ يَا هَارُونُ مِئْزَرَكَ، وَأَعِدّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا وَلِلْبَلاءِ جِلْبَابًا، وَاعْلَمْ أَنَّكَ سَتَقِفُ بِيْنَ يَدَيِّ الْحَكَمِ الْعَدْلِ فَاتَّقِ اللهَ فِِي نَفْسِكَ إِذَ سُلِبْتَ حَلاوَةُ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَلَذَّةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَمُجَالَسَةِ الأَخْيَارِ، وَرَضِيتُ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ ظَالِمًا وَلِلظَّالِمِينَ إِمَامًا.
يَا هَارُونُ.. قَعِدْتَ عَلَى السَّرِيرِ، وَلَبِسْتَ الْحَرِيرِ، وَأَسْبَلْتَ سُتُورًا دُونَ بَابِكَ، وَتَشَبَّهْتَ بِالْحَجَبَةِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ أَقْعَدْتَ أَجْنَادَكَ دُونَ بَابِكَ، وَسَتْرك يَظْلِمُونَ النَّاسَ، وَلا يُنْصِفُونَ، وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيُحِدُّونَ الشَّارِبِ، وَيَزْنُونَ وَيُحِدُّونَ الزَّانِيَ، وَيَسْرَقُونَ السَّارِق، وَيَقْتُلُونَ وَيُحِدُّونَ الْقَاتِلِ.
أَفَلا كَانَتْ هَذِهِ الأَحْكَامُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمُوا بِهَا عَلَى النَّاسِ.
فَكَيْفَ بِكَ يَا هَارُونُ غَدًا إِذَا نَادَى الْمُنَادِي مِنْ قِبَلِ اللهِ احْشُرُوا الظَّلَمَةَ وَأَعْوَانَهُمْ، فَتَقَدَّمْتَ بَيْنَ يَدَيِّ اللهِ وَيَدَاكَ مَغْلُولَتَانِ إِلَى عُنُقِكَ لا يَفُكَّهُمَا إِلا عَدْلُكَ وَإِنْصَافُكَ، وَالظَّالِمُونَ حَوْلَكَ وَأَنْتَ لَهُمْ إِمَامٌ أَوْ سَائِقٌ إِلَى النَّارِ.
وَكَأَنِّي بِكَ يَا هَارُونُ وَقَدْ أُخِذْتَ بِضِيقِ الْخِنَاقِ، وَوَرَدْتَ الْمَسَاقَ وَأَنْتَ تَرَى حَسَنَاتِكَ فِي مِيزَانِ غَيْرِكَ، وَسَيِّئَاتِ غَيْرِكَ فِي مِيزَانِكَ عَلَى سَيِّئَاتِكَ، بَلاءٌ عَلَى بَلاءٍ، وَظُلْمَةً فَوْقَ ظُلْمَةٍ.
فَاتَّقِ اللهَ يَا هَارُونُ فِي رَعِيَّتِكَ، وَاحْفَظْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي أُمَّتِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ لَمْ يَصِرْ إِلَيْكَ إِلا وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى غَيْرِكَ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا تَفْعَلُ بِأَهْلِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَزَوَّدَ زَادَ نَفْعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَسِرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ، وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ بَعْدَ هَذَا، فَإِنِّي لا أُجِيبَكَ وَالسَّلام.
وَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ هبيرةً حُكْمُ الْعِرَاقِ جمَعَ فُقَهَاءَهَا وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ
стр. 702
إِذَا أَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالأَمْرِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ ظُلْمًا فَالآن لَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ.
وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصَرِيّ ﵀ إِلا أَنْ يَصْدَعَ بِالْحَقِّ وَيَنْقِذَ الشَّعْبَ مِنْ ظُلْمِ ابْن هَبِيرةً وينقذ ابن هبيرة مِنْ عَذَابِ اللهِ إِنْ أَطَاعَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ حَقَّ الرَّعِيَّةِ لازِمٌ لَكَ وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَحُوطَهُمْ بالنَّصِيحَة وَقَدْ قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةٌ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.
اعْلَمْ أَنَّ حَقَّ اللهِ أَلْزَمَ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُطَاعَ وَلا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ يَا ابْنَ هبيرة اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهُ يُوشُكُ أَنْ يَأْتِيَكَ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُزِيلُكَ عَنْ سَرِيرِكَ وَيُخْرِجُكَ مِنْ سِعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ فَتَدَعُ سُلْطَانِكَ وَدُنْيَاكَ خَلْفَ ظَهْرِكَ وَتَقْدُمُ عَلَى رَبِّكَ وَتَنْزِلَ عَلَى عَمَلِكَ.
يَا ابْن هَبِيرةَ إِنَّ اللهَ لَيَمْنَعُكَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلا يَمْنَعُكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللهِ وَإِنَّ أَمْرَ اللهِ فَوْقَ كُلِّ أَمْرٍ وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ بَأْسَهُ الَّذِي لا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.
فَقَالَ لَهُ ابن هبيرة: إرْبع عَلَى ظلعك أَيُّهَا الشَّيْخُ، وأعرض عَنْ ذكر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الْحُكْمِ وصَاحِبُ الْفَضْلِ وَإِنَّمَا وَلاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ لِعِلْمِهِ بِهِ وَمَا يَعْلَمُهُ مِنْ فَضْلِهِ وَنِيَّتِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا ابن هبيرة الْحِسَابُ وَرَائِكَ سَوْطٌ بِسَوْطٍ وَغَضَبٌ بِغَضَبٍ وَاللهُ بِالْمِرْصَادِ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَى مَنْ يَنْصَحُ لَكَ فِي دِينِكِ وَيَحْمِلُكَ عَلَى أَمْرِ آخِرَتِكَ خَيْر مِنْ أَنْ إن تَلْقَى رَجُلاً يَغُرُكَ وَيُمَنِّيكَ. فَقَامَ ابْن هبيرة مِنَ الْمَجْلِسِ وَقَدْ اصْفَرَّ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَعَلَيْهِ الْكَآبَة وَقَامَ الْحَسَنُ وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَرْضَى رَبَّهُ وَأَخَلَصَ لَهُ وَنَصَحَ لأُمَّتِهِ وَهَكَذَا الْعُلَمَاءُ يَنْبِغِي أَنْ يَكُونُوا.
شِعْرًا: ... لا شَيْءَ أَبْلَغُ مِنْ ذُلٍ يُجَرِّعُهُ ... أَهْلُ الْخَسِيسَةِ أَهْلَ الدِّينِ وَالْحَسَبِ
стр. 703
الْقَائِمِيَنَ بِمَا جَاءَ الرَّسُولُ بِهِ ... وَالْمُبْغِضِينَ لأَهْلِ الزَّيْغِ وَالرِّيَبِ
آخر: ... وَلا يَلْبَثُ الْجُهَّالُ أَنْ يَتَهَضَّمُوا ... أَخا الْحِلْمِ مَا لَمْ يَسْتَعِنْ بِسَفِيهِ
آخر: ... مَا إِنْ نَفَى عَنْكَ قَوْمًا أَنْتَ تَكْرَهُهُمْ ... كَمِثْلِ قَمْعُكَ جُهَّالاً بِجُهْالٍ
آخر: ... وَالْعَاقِلُ النَّحْرِيرُ مُحْتَاجٌ إِلَى ... أَنْ يَسْتَعِينَ بِجَاهِلٍ مَعْتُوه
آخر: ... وَمَنْ يَحْلُمْ ولَيْسَ لَهُ سَفِيهٌ ... يٌلاقِي الْمُعْضِلاتِ مِنَ الرِّجَالِ
آخر: ... تَعْدُوا الذِّئَابُ عَلَى مَنْ لا كِلابَ لَهُ ... وَتَتَّقِي مَرْبَضَ الْمُسْتَنْفِر الحامي
حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ فَدَعَا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ أَلَسْتُ أَعْمِلُ بِالْحَقِّ أَلَسْتُ تَرَانِي أَعْدِلُ.
فقال ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: أما إذا نشدتني بالله فأقول: اللهم لا أراك تعدل وإنك لجائر وإنك لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير.
قال محمد بن عمر فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ بن إِبْرَاهِيم بن يَحْيَى وَأُخْبِرْتُ عَنْ عيسى بن عّلِيٍّ قَالُوا: فَظَنَنَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَر سَيُعَاجِلَهُ بِالْعُقُوبَةِ فَجَعَلْنَا نَلِفُّ إِلَيْنَا ثِيَابَنَا مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنَا مِنْ دَمِّهِ.
فَجَزَعَ أَبُو جَعْفَرٍ وَاغْتَمَّ وَقَالَ لَهُ: قُمْ فأَخْرَجَ.
تَأَمَّلَ يَا أَخِي هَلْ يُوَجَدُ هَذَا الطّرَازَ مِمَّنْ لا تَأْخُذُهُمْ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، أَظُنُّهُ مَعْدُوم فِي هَذَا الوَقْت مَا فيه الْيَوْم مَنْ يَصْدَعُ بِالْحَقِّ فَلا حَوْلَ وَلا قُوَةَ إِلا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
دَخَلَ عَمْرُو بن عُبَيْدٍ عَلَى الْمَنْصُورِ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا بَأَسْرِهَا فَاشْتَرِ مِنْهُ نَفْسَكَ بِبَعْضِهَا وَإِنِّي لأُحَذِّرَكَ لَيْلَةً تَتَمَحْضُ صِبِيحَتُهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ عَنْ حَاشِيَتِهِ: إِنَّ هَؤُلاءِ اتَّخَذُوكَ سُلَّمًا لِشَهَوَاتِهِمْ.
فأَنْتَ الآخِذُ بِالْقَرْنَيْنِ وَهُمْ يَحْلِبُونَ.
стр. 704
فَاتَّقِ اللهَ فَإِنَّكَ مَيْتٌ وَحْدُكَ وَمُحَاسَبٌ وَحْدُكَ وَمَبْعُوثٌ وَحْدُكَ وَلَنْ يُغْنُوا عَنْكَ هَؤُلاءِ مِنْ رَبِّكَ شَيْئًا.
فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي بِأَصْحَابِكَ فَأَسْتَعِينُ بِهُمْ دُونَ هَؤُلاءِ فَرَدَّ عَلَيْهِ: أَظْهِرِ الْحَقَّ يَتْبَعُكَ أَهْلُهُ.
فَقَالَ لَهُ: أَلَكَ حَاجَةٌ قَالَ: نَعَمٌ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: أَن لا تَبْعَثَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيكَ. قَالَ: إِذَا لا نَلْتَقِي. قَالَ: عَنْ حَاجَتِي سَأَلْتَ ثُمَّ ذَهَبَ.
قَالَ الْحَجَّاجُ لِيَحْيَى بن يَعْمُرٍ: مَا تَقُولُ فِي وَاسِطٍ (مَدِينَةٌ بَنَاهَا الْحَجَّاجُ) فَقَالَ لَهُ: مَا أَقُولُ فِيهَا وَقَدْ بَنَيْتَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِكَ وَسَيَسْكُنُهَا غَيْرُ أَهْلِكَ.
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ فِي غَيْظٍ وَغَضَبٍ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا قُلْتَ. قَالَ: مَا أَخَذَ اللهُ تَعَالَى عَلَى الْعُلَمَاءِ مِنَ الْعَهْدِ أَلا يَكْتُمُوا النَّاسَ حَدِيثًا.
فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَخْشَ سَيْفَ الْحَجَّاجِ؟
فَقَالَ: لَقَدْ مَلأَتْنِي خَشْيَة اللهِ جَلَّ وَعَلا فَلَمْ تَدَعْ مَكَانًا لِخَشْيَةِ سِوَاهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: وَيْحُكَ يَا حَجَّاجٌ مَا أَصْفَقَ وَجْهكَ وَأَقَلَ حَيَاءكَ تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ وَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلامِ خبأتَ وَضَلَّ سَعْيُكَ.
فَقَالَ لِلْحَرَس: خُذُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خِطْبَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ أَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللهِ وَلا أَجْتَرِئُ عَلَيْكَ وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى لا أَجْتَرِئُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. فَأُطْلِقَ.
وَدَخَلَ الْعِزُّ بن عَبْد السَّلام عَلَى السُّلْطَانِ فَوَعَظَهُ وَشَدَّدَ فِي الْمَوْعِظَةِ فَعَاتَبَهُ
стр. 705
وَلَدُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَذَا إجْتِمَاعٌ للهِ فَلا أُكَدِّرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. يا بَنِي لَقَدْ رَأَيْتُ السُّلْطَانَ فِي تِلْكَ الْعَظَمَةِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُهِينَهُ لِئَلا تَكْبُر نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَتُؤْذِيهِ.
وَلَقَدْ اسْتَحْضَرْتَ هَيْبَةَ اللهِ تَعَالَى إِذْ أُخَاطِبُهُ، فَصَارَ السُّلْطَانُ أَقَلَّ مِنَ الْقِطِّ عِنْدِي.
وَلَوْ كَانَتْ بِنَفْسَي لَدَيْهِ حَاجَة مِنْ حَاجَاتِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُهُ الدُّنْيَا كُلَّهَا.
وَأُجْبِرَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مَلِكِ مِصْرَ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَلْبِسَ مَلابِسَ خَاصَّةً فَأَبَى وَقَالَ: كَيْفَ أَتَجَمَّلُ لَهُ بِلِبَاسٍ لا أَتَجَمَّلُ بِهِ لِرَبِّي فِي الصَّلاةِ.
وَدَخَلَ عباد الخواص عَلَى إِبْرَاهِيم بن صَالِح وَهُوَ أَمِير فَلَسْطِين فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ عِظْنِي. فَقَالَ: بِمَ أَعِظُكَ أَصْلَحَكَ اللهُ بَلَغَنِي أَنَّ أَعْمَالَ الأَحْيَاءِ تُعْرَضُ عَلَى أَقَارِبَهُمْ مِنَ الْمَوْتَى فَانْظُرْ مَا يُعْرَضُ عَلَى رَسِولِهِ ﷺ مِنْ عَمَلِكَ فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعَهُ عَلَى لَحْيَتَهُ.
فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ إِجْلالِ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ فَقَامَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيّ، قَالَ: فَقَالَ بَعْدَ مُدَّة يَا أَبَا عَبْد اللهِ تَوَاضعنا لِعِلْمِكَ فَانْتَفَعْنَا بِهِ، وَتَوَاضَعْ لَنَا عِلْم سُفْيَان بن عُيَيْنَة فَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمَهْدِيّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَاجًّا جَاءَهُ مَالِك فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ الْمَهْدِي ابْنَيْهِ الْهَادِي وَهَارُونَ الرَّشِيدِ أَنْ يَسْمَعَا مَنْهُ فَطَلَبَاهُ إِلَيْهِمَا فَامْتَنَعَ، فَعَاتَبَهُ الْمَهْدِي فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْعِلْمِ نَضَارَةٌ، يُؤتَى أَهْلُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الْعِلْمُ أَهْلٌ أَنْ يُوَقَرَ وَيُوَقَرَ أَهْلُهُ فَأَمَرَهُمَا وَالِدْهُمَا بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ مُؤَدِّبُهُمَا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ يَقْرَءُونَ عَلَى الْعَالِمِ كَمَا يَقْرَأُ الصِّبْيَانِ عَلَى الْمُعَلِّمِ فَإِذَا أَخْطُوا أَفْتَاهُم فَرَجَعُوا إِلَى الْخَلِيفَة فَعَاتَبَهُ
стр. 706
الْمَهْدِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ سَمِعْنَا هَذَا الْعِلْم مِنِ رِجَالٍ فِي الرَّوْضَة سَعِيد بن الْمُسَيّب وَأَبُو سَلَمَة وَعُرْوَة وَالْقَاسِم بن مُحَمَّد وَسَالِم بن عَبْد اللهِ وَعَدَّ آخَرِينَ كُلّ هَؤُلاءِ يُقْرَأُ عَلَيْهمْ وَلا يَقْرَؤُون. فَقَالَ الْمَهْدِيُّ فِي هَؤُلاءِ قُدْوَةٌ صِيرُوا إِلَيْهِ فَاقْرَؤا عَلَيْهِ.
أَرَادَ الْوَلِيدُ أَنْ يُوَلِّي يزيد بن مِرثد الِقَضَاءِ فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيد فَلَبِسَ فروة وَقَلَبَهَا فَجَعَلَ الْجِلْدَ عَلَى ظَهْرِهِ وَالصُّوفَ خَارِجًا وَأَخَذَ بِيَدِهِ رَغِيفًا (أي خبزة) وَعِِرْقًا (آي عَظْم عَلَيْهِ لَحْم) وخَرَجَ بِلا رِدَاء وَلا قُلَنْسوة (أي أَصْلَع الرَّأْس) وَلا نَعْل وَلا خُفَّ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَيَأْكُلُ.
فَقِيلَ لِلْوَلِيد: إِنَّ يَزِيدَ قَدْ اخْتَلَطَ (أي خرف) وَأُخْبِر بِمَا فَعَلَ فَتَرَكَهُ الْوَلِيدُ.
قُلْتُ: وَفِعْلُ يَزِيد يَدُلُّ عَلَى وَرَعِهِ وَخَوْفِهِ مِنْ تَبِعَةِ الِقَضَاءِ لأَنَّ الِقَضَاءَ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَلهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لا يُحْسِنَهُ وَلَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ شُرُوطُه الدُّخُول فِيهِ.
وَقَالَ ﷺ : «الِقَضَاة ثَلاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانٌ فِي النَّارِ» .
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ وَلِيّ الِقَضَاءُ فقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» .
وَقَالَ ﷺ : «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْم الْقِيَامَةِ سَاعَة يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَط» .
وَفِي لَفْظٍ: يُدْعَى الْقَاضِي الْعَدْل يَوْم الْقِيَامَةِ فَيلقى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عمره قَط.
تَرَكَ خَلَفٌ الْبَزَار الرِّوَايَةَ عَنْ الْكِسَائِي فَلَمْ يَرْوِي عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أُسْتَاذُهُ وَهُوَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فِي تَصْنِيفِهِ كِتَاب الْقِرَاءَات وَلَمَّا أَنْ ضَايَقُوهُ لَمْ يَرْو عَنْهُ.
قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ، قَالَ لِي سَيِّدِي الرَّشِيدُ فَقُلْتُ: إِنَّ إِنْسَانًا مِقْدَارُ الدُّنْيَا عِنْدَهُ أَنْ يُجِلَّ أَهْلَهَا هَذَا الإِجْلال لَحَرِيٌّ أَنْ لا يُؤْخَذُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ.
стр. 707
قُلْتُ: للهِ درة حَيْثُ لَمْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ لِمَنْ يُعَظِّمُ الدُّنْيَا.
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللهُ إِلَى شِدَّةِ وَرَعِهِمْ وَتَرَفُّعِهِمْ وَتَنَزّهمْ عَنْ مُخَالَطَةِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ الدُّنْيَا، وَصِيانَةِ الْعِلْمِ وَإِعْزَازِهِ وَبِمِثْلِ هَذِهِ الأَخْلاق الْعَطِرَة وَالصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ عَظُمَ الإِسْلام وَأَهْله.
دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى الْمَأْمُونِ كَانَ يِمْشِي فِي النَّاسِ فَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ دُونَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ، فَاسْتَدْعَاهُ الْمَأْمُونُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَأْمُرُ وَتُنْهَى وَقَدْ جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ إِلَيْنَا وَنَحْنُ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ .
فَقَالَ الرَّجُلُ: صَدَقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ كَمَا وَصَفْتَ نَفْسَكَ مِنَ السُّلْطَانِ وَالتَّمَكُّنِ غَيْرَ أَنَّا أَوْلِيَاؤُكَ وَأَعْوَانُكَ فِيهِ.
وَلا يُنْكِرُ ذَلِكَ إِلا مَنْ جَهِلَ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ ، قَالَ الله جَلَّ وَعَلا وَتَقَدَّسَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ ، وَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ :" المُؤْمِن للمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» . فَأَعْجَبَ الْمَأْمُونُ بِكَلامِهِ وَسُرَّ بِهِ وَقَالَ: مِثْلُكَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ فَإمْضِ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ بِأَمْرِنَا وَعَنْ رَأْيِنَا. وَهَكَذَا حِين أَحْسَنَ الرَّجُلَ الاحْتِجَاج بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ انْقَطَعَتْ حُجَّة الْمَأْمُونِ، وَلَمْ يَجِدُ بُدًّا مِنْ إِقْرَارِ الرَّجُلَ عَلَى طَرِيقَتِهِ بِالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَعَكْسُ هَذَا الرَّجُل دَخَلَ وَاعِظٌ عَلَى الْمَأْمُون فوعظه واغلظ عليه في القول فقال له المأمون: يَا رَجُل ارْفِقْ فَإِنَّ اللهَ بَعَثَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي، وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ.
بَعَثَ مُوَسَى وَهَارُون إِلَى فِرْعَون، فَأَوْصَاهُمَا بِقَوْلِهِ " ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً
стр. 708
لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ، وَهُنَا كَانَ مَوْقِفُ الْمَأْمُونِ هُوَ الأَقْوَى لأَنَّ الدَلِيلَ مَعَهُ.
بَعَثَ الأَمِيرُ طَاهِر بن عَبْد اللهِ إِلَى مُحَمَّد بن رافع بِخَمْسَةِ آلافِ دِرْهَمْ عَلَى يَدِ رَسُولِهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْد صَلاة الْعَصْرِ وَهُوَ يَأْكُلُ الْخُبْزَ مَعَ الْفِجْلِ، فَوَضَعَ كَيْس الدَّرَاهِم بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَقَالَ: بَعَثَ الأَمِيرُ طَاهِر بِهَذَا الْمَالِ إِلَيْكَ لِتُنْفِقَهُ عَلَى أَهْلِكَ. فَقَالَ: خُذْهُ خُذْهُ لا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِنَّ الشَّمْسَ قَدْ بَلَغَتْ رُؤُوس الْحِيطَان وَإِنَّمَا تَغْرُبُ بِعْدَ سَاعَةٍ وَأَنَا قَدْ جَاوَزْتُ الثَّمَانِينَ سَنَة إِلَى مَتَى أَعِيشُ.
فَرَدَّ الْمَالَ وَلَمْ يَقْبَلْ فَأَخَذَ الرَّسُولُ الْمَالَ وَذَهَبَ وَدَخَلَ عَلَى الشَّيْخِ ابْنَهُ وَقَالَ: يَا أَبَتِ لَيْسَ لَنَا اللَّيْلَة خُبْزٌ. قَالَ: فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ خَلْفَ الرَّسُولَ لَيَرُدَّ الْمَالَ إِلَى صَاحِبِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَذْهَبَ ابْنَهُ خَلْفَ الرَّسُولِ فَيَأْخُذَ الْمَالَ، هَذَا مِنْ رَقَمِ وَاحِد فِي الزُّهْدِ.
وَقَالَ أَحَدُ الزُّهَادُ لِلْمَنْصُورِ: اذْكُرْ لَيْلَةً تَبِيتُ فِي الْقَبْرِ لَمْ تَبِتْ لَيْلَةً مَثْلَهَا، وَاذْكُرْ لَيْلَةً تَمخض عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا لَيْلَةَ بَعْدَهَا.
فَأَفْحَمَ الْمَنْصُور قَوْلُهُ فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ فَرَدَّهُ وَقَالَ: لَوْ احْتَجْتُ إِلَى مَالِكَ مَا وَعَظْتُكَ. (للهِ دَرُّهُ مَا أَزْهَدُهُ بِالْحُطَامِ الْفَانِي) .
وَقَالَ لابْنِهِ لَمَّا وَلاهُ الْعَهْدَ: إسْتَدِمْ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ، وَالْقُدْرَةَ بِالْعَفْوِ، وَالنَّصْرَ بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّآلِفَ بِالطَّاعَةِ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ من الدُّنْيَا، وَنَصِيبَكَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَقَالَ لِلرَّبِيعِ: وَيْحَكَ لَقَدْ رَأَيْتُ مَنَامًا هَالَنِي رَأَيْتُ قَائِلاً وَقَفَ فِي بَابِ هَذَا الْقَصْرِ يَقُولُ:
كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرُ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ ... وَأَوْحَشَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَنَازِلُهُ
وَصَارَ رَئِيسُ الْقَصْرِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ ... إِلَى جَدَثٍ يُبْنَى عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ
стр. 709
وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِي الشَّرِيفِ فِي الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِي فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلا قَامَ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَمْ يَقُمْ.
قَالَ الْمُسَيب بن زهير: قُمْ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرّبِّ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ الْمَهْدِي: دَعْهُ فلَقَدْ قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِي.
فَهَكَذَا الْعُلَمَاءُ الْمُخْلَصُونَ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهُمْ الإِسْلامَ وَيَرْفَعُ اللهُ بِهُمْ الْمُسْلِمِينَ.
تَأَمَّلْ يَا أَخِي هَلْ يُوَجَدُ فِي زَمَنِنَا مِثْلَ هَؤُلاءِ مَا أَظُنُّ يُوَجَدُ وَلا رَقَم ثَلاثَة لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ.
فَإِنْ قُلْتُ زَنْدَ الْعِلْمِ كَابٍ فَإِنَّمَا ... كَبَى حَيْثُ لَمْ تُحْمَى حِمَاهُ وَأَظْلَمَا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوُه صَانَهُمُ ... وَلَوْ عَظَّمُوُه فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَهَانُوُه فَهَانُوا وَدَنَّسُوا ... مَحْيَاهُ بِالأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَمَا
وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
عَنْ جَعْفَر بن يَحْيَى بن خَالِد الْبَرْمَكِيّ قَالَ: مَا رَأَيْنَا فِي الْقُرَاءِ أَحَدًا مِثْلَ عِيْسَى بن يُونس أَرْسَلْنَا إِلَيْه فَأَتَانَا بِالرِّقَةِ فَاعْتل قَبْل أَنْ يَرْجِعَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرو وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِعَشرة آلاف فَقَالَ: هِيَ فَقُلْتُ خمسون ألفًا، قَالَ: لا حَاجَة لي فيها، فَقُلْتُ: لِمَ وَاللهِ لأهنئنكها هِيَ وَاللهِ مائة ألف.
قَالَ: لا وَاللهِ لا يُتَحَدثُ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّي أَكَلْتُ لِلسُّنَّةِ ثَمَنًا، أَلا كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيَّ، فَأَمَّا عَلَى الْحَدِيثِ فَلا وَاللهِ وَلا شَرابة مَاء وَلا هليلجة.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمُرْوَزِيّ سَمِعْتُ أحمد بن حَنْبَل وَذَكَرَ وَرَعَ عَيْسَى بن يُونُس، قَالَ: قَدِمَ فَأُمِرَ لَهُ بِمَائَةِ أَلْفٍ أَوَ قَالَ بِمَالٍ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَتَدْرِي ابْن كَمْ كَانَ عِيسَى أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ حَدَثَ السِّنّ.
стр. 710
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدِرِ حَجَّ الرَّشِيدُ فَدَخَلَ الْكُوفَةَ فَرَكِبَ الأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ إِلَى عِيْسَى ابن يُونُس فَحَدَثَهُمَا فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ.
فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا فَظَنَّ أَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا، فَأَمَرَ لَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ عِيسَى: لا وَاللهِ ولا إهليلجه ولا شربة ماء عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوْ مَلأَتَ لِيَ هَذَا الْمَسْجِد ذَهَبًا إِلَى السَّقْفِ. للهِ دُرَّهُ هذا مِنْ رَقَمِ (١) فِي الزُّهْدِ.
طَلَبَ الْخَلِيفَةُ هُشَام بن عَبْد الملك ذَاتَ يَوْمٍ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا هُشَام ثُمَّ خَلَعَ نعَلَيْهِ وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ.
فَغَضِبَ هُشَام وَهَمَّ بِقَتْلِهِ وَلَمَّا تَحَدَّقَ مَعَهُ وَجَدَهُ عَالِمًا كَبِيرًا.
فَلَمَّا انْتَهى الْحَدِيث عَاتَبَهُ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ سَمَّيْتَنِي بِاسْمِي وَلَمْ تُكَلِّمْنِي أَوْ تَدعُنِي بِالْخِلافَةِ وَخَلْعَتَ نعَلَيْكَ وَجَلَسْتَ بِجَانِبِي فَلَمْ فَعَلْتَ ذَلِكَ. قال له: لم أدعك بالخلافة لأن الناس لم ينتخبوك كلهم، وَسَميتك ولم أكنك، لأن الله جَلَّ وَعَلا وَتَقَدَّسَ نَادَى الأَنْبِيَاءَ بِأَسْمَائِهِمْ، فَقَالَ: يَا عِيْسَى، يَا إِبْرَاهِيم، يا موسى، يَا نُوح، يَا دَاوُودُ. وَكَنَّى عَدُوَّهُ فَقَالَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
وَخَلَعْتُ نَعْلِي بِجَانِبِكَ وَأَنَا اخْلَعْهُمَا لَمَّا أَدْخُلُ بِيْتَ رَبِّي. وَجَلَسْتُ بِجَانِبِكَ لأَنِّي سَمِعْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:" مَنْ سَرَّهُ أَنْ يمثل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا فَلْيَتَبَوَءُ مَقْعِدَهُ مِنَ النَّارِ» . فَكَرِهْتُ لَكَ النَّارَ فَأَمَرَ لَهُ هُشَام بِمَالٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَانْصَرَفَ.
تَأَمَّلْ يَا أَخِي هَذَا الْوَرَعُ عَنْ أَخْذِ شَيْء مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا عَلَى مَا حَدَّثَهما بِهِ وَقَالَ: لا يُتَحَدَّثُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّي أَكَلْتُ لِلسُّنَّةِ ثَمَنًا.
فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَأْكُلُ بِالْكُتُبِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ بِاسْمِ تَحْقِيقٍ أَوْ نَشْرٍ وَيَحْتَكِرُهَا نَسْأَلَ اللهُ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة. نَعُوذُ بِاللهِ
стр. 711
مِنْ عَمَى الْبَصِيرَةِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ وَأَكْثِرْ يَا أَخِي مِنْ قَوْلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَنَا مِمَّا ابْتَلاهُمْ، اللهُ يُعَافِيهِمْ وَلا يُبلانَا.
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي عَمْرو الزَّاهِد صَاحِب أَبِي العَبَّاس أَنَّ بَعْضَ الْوُزَرَاءِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَبْلَغ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَيَجْرِِيَ عَلَيْهِ كِفَايَتَهُ فَقَالَ لِلرَّسُولِ الَّذِي أرسله أحد الوزراء قل لصاحبك أنا في جراية الذي مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا عَلَيْهِ رِزْقُهَا وَإِذَا غَضِبَ عَلَيَّ لَمْ يَقْطَع عَنِّي مَا يَجْرِيهُ عَلَيَّ " للهِ دُرَّهُ هَذَا مِنْ رَقَم (١) فِي الْعَفَافِ وَالزُّهْدِ» .
اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ أَعْمَارَنَا وَحَقِّقْ بِفَضْلِكَ آمَالَنَا وَسَهِّلْ لِبُلُوغِ رِضَاكَ سُبُلَنَا وَحَسِّنْ فِي جِمِيعِ الأَحْوَالِ أَعْمَالَنَا، يَا مُنْقِذَ الْغَرْقَى وَيَا مُنْجِيَ الْهَلْكَى وَيَا دَائِمَ الإِحْسَانِ أَذِقْنَا بَرْدَ عَفْوِكَ وَأَنِلْنَا مِنْ كَرَمِكَ وَجُودِكَ مَا تَقِرُّ بِهِ عُيُونُنَا مِنْ رُؤْيَتِكَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
شِعْرًا: ... قُلْ الْحُمَاةُ وَمَا فِي الْحِيِّ أَنْصَارُ ... وَدَبَّرَ الأَمْرَ أَحْدَاثٌ وَأَعْمَارُ
وَأَصْبَحَتْ دَارُنَا تَبْكِي لِفُرْقَتِهَا ... كُلَّ الْكِرَامِ الَّذِي بِالْجِدِّ قَدْ سَارُوا
سَارُوا جَمِيعًا فَصَارُوا لِلْوَرَى سَمَرًا ... يَتْلُوا لِذِكْرَاهُمُ فِي الْحَي سَمَّارُ
لَهْفِي عَلَيْهِمْ لَوْ أَنَّ الَّلْهفَ يَنْفَعُنِي ... جَدَّدْتُ لَهْفِي وَدَمْعَ الْعَيْنِ مِدْرَارُ
مَا فِي الزَّمَانِ فَتَىً نَرْجُوهُ فِي حَدَثٍ ... وَلا رِجَالاً لَهُمْ فِي الْمَجْدِ إِخْطَارُ
وَلا مُعِينًا عَلَى بَلْوَى يُدَافِعُهَا ... إِذَا الْغَرِيبُ جَفَاهُ الصَّحْبُ وَالْجَارُ
سِوَى لِئَامٍ لَهُمْ بِالْغِشِّ سَرْبَلَةٌ ... وَفِي الْقُلُوبِ لَهُمْ بِالضِّعْنِ إِعْصَارُ
وَالْحِقْدُ وَالْغِلُّ وَالْبَغْضَاءُ بَيْنَهُمُ ... لا يُفْلِحُوا أَبَدًا وَالْخَيْرُ يَنْهَارُ
وَيَحْسُدُونَ عَلَى النَّعْمَاءِ صَاحِبَهَا ... وَيَشْمَتُونَ إِذَا مَا حَلَّ إِعْسَارُ
وَالَّلمْزُ فِيهِمْ وَكُلَّ الْقُبْحِ قَدْ جَمَعُوا ... وَفِي الْقُلُوبِ مِنَ الأَحْقَادِ أَوْغَارُ
لا خَيْرَ فِيهِمْ وَلا نُصْحًا نُؤَمِّلُهُ ... قَدْ فَارَقُوا الرُّشْدَ إِنْ حَلُّو وَإِنْ سَارُوا
وَإِنْ بَدَا لَكَ أَمْرٌ بِالْمُنَى خَلِعٌ ... أَوْلَوْكَ غَدْرًا وَفِي أَفْعَالِهِمْ جَارُوا
стр. 712
.. لا تَقْرَبَنَّ لَهُمْ لا زِلت مُدَّرِعًا ... ثَوْبَ الْعَفَافِلَ وَحُطَّتْ عَنْكَ آصَارُ
وَأَطْلُبْ جَلِيسًا كَرِيمَ النَّفْسِ مُلْتَمِسًا ... حُسْنَ الطِّبَاعِ وَلا تَعْرُوهُ أَغْيَارُ
إِنْ غِبْتَ حَاذَ وَلا تُلْقِيهِ مُنْتَقِصًا ... لِلْعِرْضِ مِنْكَ وَلِلزَّلاتِ غَفَّارُ
هَذَا هُوَ الْخِلُّ فَالْزَمْ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ ... وَمِثْلُ هَذَا لأَهْلِ اللُّبِّ مُخْتَارُ
وَقَلَّ مِثْلا وَمَا ظَنِّي تُحَصِّلُهُ ... قَدْ قَلَّ فِي النَّاسِ هَذَا الْيَوْمَ أَحْرَارُ
فَأْنَسْ بِرَبِّكَ قََعْرَ الْبَيْتِ مُلْتَزِمًا ... إلى الْمَمَاتِ فَهَذَا الْيَوْمَ إِبْرَارُ
وَلِلصَّلاةِ فَلا تُهْمِلْ جَمَاعَتَهَا ... مَعَ جُمْعَةِ فَرْضُهَا مَا فِيهِ إِنْكَارُ
وَالصِّدْقَ وَالْبِرَّ لا تَعْدُوهُمَا أَبَدًا ... مَنْ نَالَ ذَا فَلَهُ فِي الْحَمْدِ أَذْكَارُ
وَأَلْزَمْ عَفَافًا وَلا تَتْبَعْ طَرِيقَ هَوَىً ... إِنَّ الْهَوَى لِلْوَرَى يَا صَاحِ غَرَّارُ
وَأَذْكُرْ إِلَهًا فِي خَلْقِهِ مِنَنٌ ... تَجْرِي عَلَى النَّاسِ مِنْ جَدْوَاهُ أَنْهَارُ
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ عَنْ لَغْوٍ وَعَنْ رَفَثٍ ... مَا نَالَ فَضْلاً مَدَى الأَيَّامِ مِهْذَارُ
وَأَرْحَمْ يَتِيمًا غَدَا بِالْيُتْمِ مُتَّصِفًا ... وَامْنَحْهُ لُطْفًا تُنَحَّى عَنْكَ أَوْزَارُ
وَصِلْ قَرِيبًا وَلا تَقْطَعُ لَهُ رَحِمًا ... إِنَّ الْقَرِيبَ لَهُ بِالْحَقِّ إِيثَارُ
وَبِرَّ جَارًا وَلا تَهْتِكْ مَحَارِمَهُ ... قَدْ جَاءَ فِيهِ مِنَ الآثَارِ إِخْبَارُ
وَكُنْ حَلِيمًا وَلا تَغْضَبْ عَلَى أَحَدٍ ... فَالْحلُم فِيهِ لأَهْلِ الْحِلْمِ إِسْرَارُ
وَتَمَّ نَظْمِي وَصَلَّى خَالِقِي أَبَدًا ... عَلَى الْمُشَفَّعِ مَنْ بِالرُّشْدِ أَمَّارُ
وَآلِهِ الْغُرِّ مَعْ صَحْبٍ أَوْلَى كَرَمٍ ... مَا هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ مَا سَارَ سَيَّارُ
اللَّهُمَّ قَنِّعْنَا مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ، وَسَهِّلْ عَلَيْنَا كُلَّ أَمْرٍ عَسِيرٍ وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَسْكِنَّا دَارَ كَرَامَتِكَ يَا مَنْ هُوَ مَلْجَؤُنَا وَمَلاذُنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا. وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 713
" فَصْلٌ "
وَعَنْ أَبِي قُدَامَةَ السَّرْخَسِيّ قَالَ: قَامَ الْعمريُّ لِلْخَلِيفَةِ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُ: فَعَلْتَ وَفَعْلْتَ. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ؟ قَالَ: تَعْمَلُ بِكَذَا وَتَعْمَلُ بِكَذَا. فَقَالَ لَهُ هَارِون: نَعْم يَا عَم نَعَم يَا عم.
وَعَنْ سَعِيد بن سُلَيْمَان قَالَ: كُنْتُ بِمَكَّة فِي زُقَاقِ الشّطوي وَإِلَى جَنْبِي عَبْد اللهِ بن عَبْد الْعَزِيز الْعُمَرِيِّ وَقَدْ حَجَّ هَارُون الرَّشِيد.
فَقَالَ لَهُ إِنْسَانٌ: يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَنِ هُوَ ذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى قَدْ أُخْلِيَ لَهُ الْمَسْعَى. قَالَ الْعُمَرِيُّ لِلرَّجُلِ: لا جَزَاكَ اللهُ عَنِّي خَيْرًا، كَلَفْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ عَنْهُ غَنِيًا. ثُمَّ تَعَلَّقَ نعَلَيْهِ (أَي لَبِسَهُمَا) .
وَقَامَ فَتَبِعته وَأَقْبَلَ هَارُونُ الرَّشِيد مِنَ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا فَصَاحَ بِهِ: يَا هَارُونُ! فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا عَمّ. قَالَ: ارْقِ الصَّفَا. فَلَمَّا رَقِيَهُ.
قَالَ: ارْمِ بِطَرْفِكِ إِلَى الْبَيْتِ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: كَمْ هُمْ؟ قَالَ: وَمَنْ يَحْصِيهُمْ؟ قَالَ: فَكَمْ فِي النَّاسِ مِثْلِهِمْ؟ قَالَ: خَلْقٌ لا يُحْصِيهُمْ إِلا اللهُ.
قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسهُ وَأَنْتَ وَحْدُكَ تُسْأَلُ عَنْهُمْ كُلّهمْ فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ؟ قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ وَجَلَسَ وَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ مِنْدِيلاً مِنْدِيلاً لِلدُّمُوعِ.
قَالَ الْعُمَرِيًّ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا. قَالَ: قُلْ يَا عَمّ. قَالَ: وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسْرِفَ فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسْرِفُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ ثُمَّ مَضَى وَهَارُونُ يَبْكِي.
قَالَ مُحَمَّد بن خَلَف: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَنِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيد قَالَ: إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ أَحِجُّ كُلَّ سَنَةٍ مَا يَمنعنني إِلا رَجُل مِنْ وَلَدِ عُمَر ثُمَّ يُسْمِعُنِي مَا أَكْرَهُ.
стр. 714
وَقَدْ رَوِيَ لَنَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرٌ أَنَّهُ لَقِيَهُ فِي الْمَسْعَى فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتُهُ فَأَهْوَتْ إِلَيْهِ الأَجْنَادُ فَكَفَّهُمْ عَنْهُ الرَّشِيدُ فَكَلَّمَهُ فَإِذَا دُمُوع الرَّشِيد تَسِيلُ عَلَى مَعْرِفَةِ دَابَّتِهِ.
ثُمَّ انْصَرَفَ. وَأَنَّهُ لَقِيَهُ مَرَّةً فَقَالَ: يَا هَارُونُ فَعَلْتَ وَفَعَلْتَ. فَجَعَلَ يَسْمَعُ مِنْهُ ويَقُولُ: مَقْبُولٌ مِنْكَ يَا عَمّ، عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ حَالِ النَّاسِ كِيتَ وَكِيتَ. فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ عِلْمِي وَأَمْرِي. وَخَرَجَ الْعُمَرِيُّ إِلَى الرَّشِيدِ مَرَّةٌ لِيَعِظَهُ فَلَمَّا نَزَلَ الْكُوفَةَ زَحَفَ الْعَسْكَرُ حَتَّى لَوْ كَانَ نَزَلَ بِهِمْ مِائَةَ أَلْفٍ مِنَ الْعَدُوِّ مَا زَادُوا عَلَى هَيْبَتِهِ. ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَصِلُ إِلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي يَحْيَى الزُّهَرِيّ قَالَ: قَالَ عَبْد اللهِ بن عَبْد الْعَزِيز الْعُمَرِيّ عِنْدَ مَوْتِهِ: بِنِعْمَةِ رَبِّي أُحَدِّثُ أَنِّي لَمْ أُصْبِحُ أَمْلُكُ إِلا سَبْعَةَ دَرَاهِم مِنْ لِحَاءِ شَجَرٍ فَتَلْتُهُ بِيَدِيّ وَبِنِعْمَةِ رَبِّي أُحَدِّثُ: لَوْ إِنَّ الدُّنْيَا أَصْبَحَتْ تَحْتَ قَدَمِي مَا يَمْنَعُنِي أَخْذُهَا إِلا أَنْ أُزِيلَ قَدَمِي عَنْهَا؛ مَا أَزَلْتُهَا.
اسْتَسْقَى مُوَسَى بن نُصَيْر فِي النَّاس فِي سنة ٩٣ حِينَ أُقْحِطُوا بِإِفْرِيقية فَأَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ ثُمَّ خَرَجَ بِهُمْ وَمَيَّزَ أَهْل الذِّمَة عَنْ الْمُسْلِمِين وَفَرَّقَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَأَوْلادَهَا ثُمَّ أَمَرَ بِالبُكَاءَ وَارْتِفَاع الضَّجِيجِ وَهُوَ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارَ ثُمَّ نَزَل فَقِيلَ لَهُ: أَلا دَعَوْتَ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هَذَا مَوْطِنٌ لا يُذْكَرُ فِيهِ إِلا اللهُ فَسَقَاهُمُ اللهُ لِمَّا قَالَ ذَلِكَ.
كَتَبَ زر بن حُبَيْش إِلَى عَبْدِ الْمَلِكَ بن مروان كِتَابًا يَعِظُهُ فِيهِ فكَانَ فِي آخِرِهِ: وَلا يُطْمِِعُُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طُولِ الْحَيَاةِ مَا يَظْهَرُ مِنْ صِحَّةِ بَدَنِكَ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ وَاذْكُرْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَوَلُونَ.
شِعْرًا: ... إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلادُهَا ... وَبُلِِيَتْ مِنْ كِبَرِ أَجْسَادُهَا
стр. 715
وَجَعَلْتَ أَسْقَامَهَا تَعْتَادُهَا ... فَذِي زُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا
فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْكتب بَكَى حَتَّى بَلَّ طَرَفَ ثَوْبَهُ بِدُمُوعِهِ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ زر وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا كَانَ أَرْفَقَ بِنَا.
شِعْرًا: ... يَا بَانِي الْقَصْرِ الْكَبِيرِ ... بَيْنَ الدَّسَاكِرِ وَالْقُصُورْ
وَمُجَرِّر الْجَيْشِ الَّذِي ... مَلأَ الْبَسِيطَةَ وَالصُّدُورْ
وَمُدَوِّخ الأَرْضِ الَّتِي ... أَعْيَتْ عَلَى مَرِّ الدُّهورْ
أَمَا فَزِعْتَ فَلا تَدَعْ ... بُنْيَانَ قَبْرِكَ فِي الْقُبُورْ
وَانْظُرْ إِلَيْهِ تَرَاهُ كَيْـ ... ـفَ إِلَيْكَ مُعْتَرِضًا يُشِيرْ
وَاذْكُرُ رُقَادَكَ وَسْطَهُ ... تَحْتَ الْجَنَادِلِ وَالصُّخُورْ
قَدْ بُدِّدتْ تِلْكَ الْجُيُو ... شُ وَغُيِّرْتَ تِلْكَ الأَمُورْ
وَاعْتَضْتَ مِنْ لِينِ الْحَرِيـ ... ـرِ خُشُونَةَ الْحَجَرِ الْكَبِيرْ
وَتُرِكْتَ مُرْتَهِنًا بِهِ ... لا مَالَ وَيْكَ وَلا عَشِيرْ
حَيْرَانَ تُعْلِنُ بِالأَسَى ... لَهْفَانَ تَدْعُو بِالثُّبُورْ
وَدُعِيتَ بِاسْمِكَ بَعْدَمَا ... قَدْ كُنْتَ تُدْعَى بِالأَمِيرِْ
وَلأَنْتَ أَهْوَنُ فِيهِ مِنْ ... جُعْلٍ عَلَى نَتْنٍ يَدُورْ
إِنْ لَمْ يَجُدْ بِالْعَفْوِ مَنْ ... يَعْفُو عَنْ الذَّنْبِ الْكَبِيرْ
هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْيَقِيـ ... ـنُ وَكُلُّ ذَاكَ هُوَ الْغُرُورْ
اللَّهُمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا بِنُورِ الإِيمَانِ، وثبتها على قولك الثابت فِي الحياة الدُّنْيَا وفي الآخِرَة وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وألحقنا بعبادك الصالحين يَا أكرم الأكرمين ويا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ "
وعن الفضل بن الربيع قَالَ: حج أَمِير الْمُؤْمِنِينَ الرشيد فأتاني فخرجت
стр. 716
مسرعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لو أرسلت إلي أتيك. فَقَالَ: ويحك قَدْ حاك فِي نفسي شَيْء فَانْظُرْ لي رجلا أسأله. فَقُلْتُ: ها هنا سفيان بن عيينة.
فَقَالَ: امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت الْبَاب فَقَالَ من ذَا؟ فَقُلْتُ: أجب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. فخَرَجَ مسرعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لو أرسلت إلي أتيتك. فَقَالَ لَهُ: خُذْ لما جئناك لَهُ رَحِمَكَ اللهُ.
فحدثه ساعة ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: أبا عَبَّاس اقض دينه، فَلَمَّا خرجنا قَالَ: مَا أَغنى عني صاحبك شَيْئًا، انْظُرْ لي رجلاً أسأله.
فقُلْتُ لَهُ: ها هنا عبد الرزاق بن همام. قَالَ: امض بنا إليه فأتيناه فقرعت الْبَاب فَقَالَ: من هَذَا؟ قُلْتُ: أجب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ.
فخَرَجَ مسرعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لو أرسلت إلي آتيتك. قَالَ: خذ لما جئناك لَهُ.
فحادثه ساعة ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أبا عَبَّاس اقض دينه. فَلَمَّا خرجنا قَالَ: مَا أغنى صاحبك شَيْئًا انظر لي رجلاً أسأله.
قُلْتُ: ها هنا الفضيل بن عياض. قَالَ: امض بنا إليه. فأتيناه فَإِذَا هُوَ قائم يصلي يتلو آية من الْقُرْآن يرددها. فَقَالَ: اقرع الْبَاب. فقرعت الْبَاب فَقَالَ: من هَذَا؟ فَقُلْتُ: أجب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَا لي ولأمير الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: سبحان الله أما عَلَيْكَ طاعة؟
ألَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" لَيْسَ للمُؤْمِنِ أن يذل نَفْسهُ " فنزل ففتح الْبَاب ثُمَّ ارتقى إلى الغرفة فأطفأ المصباح ثُمَّ التجأ إلى زاوية من زوايا البيت.
فدخلنا فجعلنا نجول بأيدينا فسبقت كف هارون قبلي إليه. فَقَالَ: يَا لها من كف مَا ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله .
стр. 717
فقُلْتُ فِي نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي. فَقَالَ لَهُ: خذ لما جئناك لَهُ رَحِمَكَ اللهُ.
فَقَالَ: إن عُمَر بن عبد العزيز لما وَلِيَ الخلافة دعا سالم بن عَبْد اللهِ، ومُحَمَّد بن كعب القرظي ورجَاءَ بن حيوة فَقَالَ لَهُمْ: إني قَدْ ابتليتُ بهَذَا البَلاء فأشيروا عليَّ. فعد الخلافة بَلاء وعددتها أَنْتَ وأصحابك نعمة.
فَقَالَ لَهُ سالم بن عَبْد اللهِ: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصم عَنْ الدُّنْيَا وليكن إفطارك من الموت.
وَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة من عذاب الله، فليكن كبير الْمُسْلِمِين عندك أبًا وأوسطهم أخًا وأصغرهم عندك ولدًا فوقر أباك واكرم أخاك وتحنن على ولدك.
وَقَالَ لَهُ رجَاءُ بن حيوة: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فأحب لِلْمُسِلِمِينَ مَا تحب لنفسك واكره لَهُمْ مَا تكره لنفسك ثُمَّ مت إِذَا شَئْتَ. وإني أَقُول لَكَ: إني أخاف عَلَيْكَ أشد الخوف يوم تزل فِي الأقدام فهل معك رَحِمَكَ اللهُ من يشير عَلَيْكَ بمثل هَذَا؟
فَبَكَى هارون بُكَاء شَدِيدًا حَتَّى غشى عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: أرفق بأمير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: يَا ابن أم الربيع تقتله أَنْتَ وأصحابك وأرفق به أَنَا ثُمَّ أفاق فَقَالَ لَهُ: زدني رَحِمَكَ اللهُ.
فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بلغني أن عاملاً لعمر بن عَبْد الْعَزِيز شكا إليه. فكتب إليه عُمَر: يَا أخي أذكرك طول سهر أَهْل النار فِي النار مَعَ خلود الأبد وَإِيَّاكَ أن ينصرف بك من عِنْدَ الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجَاءَ.
قَالَ: فَلَمَّا قَرَأَ اْلكِتَابَ طوى الْبِلاد حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز فَقَالَ
стр. 718
له: مَا أقدمك؟ قَالَ: خلعت قلبي بِكِتَابِكَ لا أَعُود إلى ولاية أبدًا حَتَّى ألقى الله .
قَالَ: فَبَكَى هارون بُكَاء شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: زدني رَحِمَكَ اللهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إن العَبَّاسَ عمّ المصطفى ﷺ جَاءَ إلى النَّبِيّ فَقَالَ: يَا رَسُول اللهِ أمرني على إمارة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ : «إن الإمارة حَسْرَة وندامة يوم القيامة فَإِنَّ استطعت أن لا تَكُون أميرًا فافعل» .
فَبَكَى هارون بُكَاء شَدِيدًا وَقَالَ لَهُ: زدني رَحِمَكَ اللهُ فَقَالَ: يَا حسن الوجه أَنْتَ الَّذِي يسألك الله عَنْ هَذَا الخلق يوم القيامة، فَإِنَّ استطعت أن تقي هَذَا الوجه من النار فافعل، وَإِيَّاكَ أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «من أصبح لَهُمْ غاشًا لم يرح رائحة الْجَنَّة» .
فَبَكَى هارون وَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دين؟ قَالَ: نعم دين لرَبِّي يحاسبَنِي عَلَيْهِ، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي. قَالَ: إِنَّمَا أعني دين العباد.
قَالَ: إن رَبِّي لم يأمرني بهَذَا، أمر رَبِّي أن أوحده وأطيع أمره، فَقَالَ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ .
فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ ألف دينار خذها فَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ وتقوى على عبادتك.
فَقَالَ: سبحان الله أَنَا أدلك على طَرِيق النجاة وأَنْتَ تكافئني بمثل هَذَا؟ سلمك الله ووفقك.
ثُمَّ صمت فَلَمْ يكلمنا فخرجنا من عنده فَلَمَّا صرنا على الْبَاب قَالَ هارون: أبا عَبَّاس إِذَا دللتني على رجل فدلني على مثل هَذَا، هَذَا سيد الْمُسْلِمِين.
стр. 719
فدخلت عَلَيْهِ امرأة من نسائه فقَالَتْ: يَا هَذَا قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فيه من ضيق الحال فلو قبلت هَذَا الْمَال فتفرجنا به. فَقَالَ لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كَانَ لَهُمْ بعير يأكلون من كسبه فَلَمَّا كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فَلَمَّا سمَعَ هارون هَذَا الكلام قَالَ: ندخل فعَسَى أن يقبل الْمَال فَلَمَّا علم الفضيل خَرَجَ فجلس فِي السطح على باب الغرفة، فَجَاءَ هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلا يجيبه فبينما نَحْنُ كَذَلِكَ إِذَا خرجت جارية سوداء فقَالَتْ: يَا هَذَا قَدْ أتعبت الشَّيْخ مُنْذُ اللَّيْلَة فانصرف رَحِمَكَ اللهُ. فانصرف. تأمل يَا أخي هل يوَجَد فِي زمننا من يَرُدُّ حطام الدُّنْيَا إِذَا عرض عَلَيْهِ، لا حول ولا قوة إِلا بِاللهِ العلي العَظِيم. هَذَا الله وأعْلَمْ أَنَّهُ من رقم (١) فِي الزهد.
بَلِّغْ يَا أخي من يأكلون بالكتب الدينية باسم تحقيق ونشر وقل لَهُمْ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ﴾ واذكر لَهُمْ طريقة الرسل وأنهم لا يسألون النَّاس أجرًا.
شِعْرًا: ... اعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ مُنْفَرِدٌ ... وَالسَّالِكُونَ طَرِيقَ الْحَقِّ أَفْرَادُ
لا يَطْلُبُونَ وَلا تُطْلَبْ مَسَاعِيهُم ... فَهُمُ عَلَى مَهَل يَمْشُونَ قُصَّادُ
وَالنَّاس فِي غَفْلَةٍ عَمَّا لَهُ قَصَدُوا ... فَجُلَهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ رُقَّادُ
قيل: إن هارون الرشيد خَرَجَ فِي نزهة ومعه سُلَيْمَانٌ بن جعفر فَقَالَ لَهُ هارون: قَدْ كَانَتْ لَكَ جارية تغني فتحسن الغنا فأت بها فجاءت فغنت فَلَمْ تحسن الغنا فَقَالَ لها: مَا شأنك قَالَتْ: لَيْسَ هَذَا عودي.
فَقَالَ للخادم جئها بعودها قَالَ: فَجَاءَ بالعود فوافق شيخنا يلقط النوى فَقَالَ: إبعد عَنْ الطَرِيق يَا شيخ فرفع الشَّيْخ رأسه فرأى العود فأخذه فضرب به الأَرْض.
فأخذه الخادم وذهب به إلى صَاحِب الربع فَقَالَ: احتفظ بهَذَا فإنه سيطلبه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُ صَاحِب الربع: لَيْسَ ببغداد أعبد من هَذَا فَكَيْفَ يطلبه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ.
стр. 720
فَقَالَ لَهُ: اسمَعَ مَا أَقُول لَكَ. ثُمَّ دخل على هارون الرشيد فَقَالَ لَهُ: إني مررت على شيخ يلقط النوى، فَقُلْتُ: تنح عَنْ الطَرِيق يَا شيخ. فرفع رأسه فرأى العود " أي عود الغنا " فأخذه وضرب به الأَرْض.
فغضب هارون واستشاط واحمرت عَيْنَاهُ فَقَالَ سُلَيْمَانٌ بن جعفر: مَا هَذَا الْغَضَب يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إبعث إلى صَاحِب الربع يضرب عنقه ويرمي به فِي دجلة فَقَالَ: لا ولكن نَبْعَث إليه فنناظره أَوَّلاً.
قَالَ: فبعث إليه فَجَاءَهُ الرَّسُول فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ نعم. قَالَ: أركب. قَالَ: لا فَجَاءَ يمشي حَتَّى أوقف على باب القصر فَقِيلَ لهارون: قَدْ جَاءَ الشَّيْخ.
فَقَالَ لنداماه: أي شَيْء ترون نرفع من مَا قدامنا من الْمُنْكَر حَتَّى يدخل الشَّيْخ أَوْ تَقُوم إلى مجلس آخر لَيْسَ فيه منكر. فَقَالُوا: نقوم إلى مجلس آخر لَيْسَ فيه منكر فقاموا صغرة إلى مجلس لَيْسَ فيه منكر.
ثُمَّ طلب الشَّيْخ فأدخل وفي كمه الكيس الَّذِي فيه النوى (أي الفصم) فَقَالَ لَهُ الخادم أَخْرَجَ هَذَا وادخل على أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: من هَذَا عشائي اللَّيْلَة. قَالَ: نَحْنُ نعشيك. قَالَ: لا حَاجَة لي فِي عشاكم.
فَقَالَ لَهُ هارون: أي شَيْء تريد منه؟ فَقَالَ فِي كمه نوى فَقُلْتُ لَهُ: اطرحه وادخل على أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: دعه لا تطرحه فدخل على هارون وجلس.
فَقَالَ هارون: يَا شيخ مَا حَمَلَكَ على مَا صنعت؟ قَالَ: وأي شَيْء صنعته؟ وجعل هارون يستحي أن يَقُولُ كسرت عودنا.
فَلَمَّا أَكْثَر عَلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخ لهارون: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرءون هَذِهِ الآيَة على المنبر: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ ورَأَيْت منكرًا فغيرته.
стр. 721
قَالَ: فغيره. قَالَ الراوي: فوَاللهِ مَا قَالَ إِلا هَذَا فَلَمَّا خَرَجَ أعطى هارون رجلاً بدرة يعنى عشرة آلاف درهم فَقَالَ لَهُ: اتبع الشَّيْخ فَإِنَّ رأيته يَقُولُ قُلْتُ لأمير الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ لي فلا تعطه شَيْئًا وأتني به وإن رأيته لا يكلم أَحَدًا فأعطه البدرة.
فَلَمَّا خَرَجَ من القصر تبعه ولم يره يكلم أَحَدًا فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ خذ هَذِهِ البدرة. فَقَالَ: قل لأمير الْمُؤْمِنِينَ: يردها من حيث أخذها.
فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللهُ كيف حفظه الله جَلَّ وَعَلا من سطوتهم ورد عَنْهُ كيدهم ببركة الإِخْلاص والتقوى لِرّبِّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لابن عَبَّاس: «يَا غلام احفظ الله يحفظك» .
ولو كَانَ هَذَا من الجهلة المرائين لخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: اتفق لي مَعَ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ كَذَا وَكَذَا وَقَالَ لي وقُلْتُ لَهُ يتبجح بذَلِكَ ولا يقنع بعلم الله جَلَّ وَعَلا واطلاعه. هَذَا. الله أعْلَمْ أَنَّهُ من رقم (١) فِي الزهد.
فينبغي التفطن لمثل هَذَا فإنه دَلِيل على مَا فِي الْقَلْب من الداء الدفين من الرياء وطلب الجاه والمنزلة فِي قُلُوب الخلق.
وقَدْ روى النسائي وأَبُو داود أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «إن الله لا يقبل من الْعَمَل إِلا مَا كَانَ خالصًا ويبتغي به وجهه» .
فإن قُلْتُ: فما الَّذِي يميز لَنَا النِّيْة الصَّالِحَة الْخَالِصَة من النِّيْة الفاسدة وَمَا العلامة فِي ذَلِكَ والمعيار فِي صحته.
قُلْتُ: محل الاعتبار فِي ذَلِكَ أن يرى الْمُنْكَر نَفْسهُ كالمكره على هَذَا الْفِعْل وكالمتكلف لَهُ والمتجشم المشقة فيه.
ويود لو تصدى لهَذَا الْفِعْل غيره وكفاه الله به ويحب أن لا يعلم به أحد من النَّاس اكتفاء بعلم الله جَلَّ وَعَلا وتقدس واطلاعه عَلَيْهِ.
стр. 722
ويختار الكلام مَعَ ولي الأَمْر من سلطان أَوْ غيره فِي الْخُلْوَة على الكلام معه لا على رؤوس الأشهاد.
بل يود لو كلمه سرًا وحده ونصحه خفية من غير حضور ثالث لهما ويكره أن يُقَالَ عَنْهُ أَوْ يحكي مَا اتفق لَهُ.
ويكره أن يشتهر بذَلِكَ بين العامة بل لو أثر كلامه وغير المنكر بقوله ثُمَّ اشتهر عِنْدَ النَّاس نسبة ذَلِكَ إلى غيره لما شق عَلَيْهِ.
ذَلِكَ إِذَا علم الله بحَقِيقَة الحال كفاية وَهُوَ المجازي كُلّ أحد بعلمه.
ويكون قصده زَوَال الْمُنْكَر على أي وجه كَانَ ولو حصل لَهُ مَعَ زواله ازدراء وتنقص وسب وتغليظ كلام وذم بين النَّاس أَوْ إعراض وهجر ممن عادته الْمَوَدَّة لَهُ والإقبال عَلَيْهِ ونحو ذَلِكَ من الأَحْوَال التي تكرهها النُّفُوس وتنفر مَنْهَا الطباع.
فهذه كُلّهَا من علامَاتَ الإِخْلاص وحسن الْقَصْد وابتغاء وجه الله تَعَالَى والدار الآخِرَة.
وأما غير المخلص فبضد ذَلِكَ فيرى عِنْدَ نَفْسهُ نَشَاطًا إلى هَذَا الْفِعْل وإقبالا عَلَيْهِ وَسُرُورًا به ويحب أن يكون جهرًا فِي ملاء النَّاس لا سرًا ويحب أن يحكى عَنْهُ ذَلِكَ وأن يشتهر به وأن يحمد عَلَيْهِ.
حتى أَنَّهُ لو نسب إِزَالَة الْمُنْكَر إلى غيره لقامت قيامته بل تجده ينقضي عمره وَهُوَ يحكي مَا اتفق لَهُ وَمَا قَالَ وَمَا قيل لَهُ متبجحًا بذَلِكَ بين أقرانه وزملائه وأبناء جنسه وَرُبَّمَا زَادَ فِي الْقِصَّة ونقص.
ولو سبقه غيره إلى مَا كَانَ هُوَ قَدْ عزم عَلَيْهِ من ذَلِكَ وَرَجَعَ السُّلْطَان إلى قوله لثقل ذَلِكَ وشق عَلَيْهِ.
стр. 723
وَرُبَّمَا يَقُولُ لمن يطلعه على نيته: كنت عزمت على أن أدخل على السُّلْطَان فأَقُول لَهُ كَذَا وَكَذَا ولكن سبقني فلان ولكنه لم يتكلم كما ينبغي ولو دخلت عَلَيْهِ لقُلْتُ كَذَا وَكَذَا وفعلت كَذَا فهذه علامَاتَ على فساد النِّيْة وسوء الْقَصْد وعدم الإخلاص.
هذه نماذج وأمثلة سقناها من سيرة الْعُلَمَاء المخلصين العاملين بعلمهم الَّذِينَ لا تأخذهم فِي الله لومة لائم.
وَاللهُ أَعْلَمُ وصلَّى الله على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
سأل المهدي الإمام مالكًا وَقَالَ لَهُ: هل لَكَ دار؟ فَقَالَ: لا. فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وَقَالَ لَهُ: اشتر لَكَ بها دار، فأخذ وأبقاها عنده.
فَلَمَّا أراد الرشيد الرحيل إلى بغداد قَالَ لمالك: ينبغي لَكَ أن تخَرَجَ معنا فإني عزمت أن أحمل النَّاس على الموطأ، كما حمل عثمان ﵁ النَّاس على الْقُرْآن. فَقَالَ لَهُ مالك: أما حمل النَّاس على الموطأ فلَيْسَ إلى ذَلِكَ سبيل لأن أصحاب رَسُول اللهِ ﷺ افترقوا بعده فِي الأمصار فحدثوا فعَنْدَ كُلّ أَهْل مصر علم.
وقَدْ قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «اختلاف أمتي رحمة» . وأما الْخُرُوج معك فلا سبيل إليه، قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «الْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لو كَانُوا يعلمون» . وَقَالَ: «الْمَدِينَة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد» .
وهذه دنانيركم كما هِيَ إن شَئتم فخذوها وإن شَئتم فدعوها يعني إِنَّكَ إِنَّمَا كلفتني مفارقة الْمَدِينَة بما اصطنعته لدي من أخذ هَذِهِ الدنانير، فالآن خذها فإني لا أوثر الدُّنْيَا وَمَا فيها على مفارقة الْمَدِينَة.
هَذَا من رقم واحد فِي العفاف والزهد، لله دره هكَذَا الْعُلَمَاء العاملون المخلصون البعيدون عَنْ الشهرة والظهور والرياء.
стр. 724
شِعْرًا: ... إِذَا رُمْتَ أَنْ تَنْجُو مِنَ النَّارِ سَالِمًا ... وَتَنْجُوَ مِنْ يَوْمٍ مُهُولٍ عَصبْصَبِ
وَتَحْظَى بِجَنَّاتٍ وَحُورٍ خَرَائِدٍ ... وَتَرْفُل فِي ثَوْبٍ مِن الْمَجْدِ مُعْجِبِ
وَفِي هَذِهِ الدُّنْيَا تَعِيشُ مُنَعَّمًا ... عَزِيزًا حَمِيدًا نَائِلاً كُلَّ مَطْلَبِ
فَمِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ فَاسْلُكْ سَبِيلَهَا ... هِيَ الْعُرْوَةُ الوُثْقَى لأَهْل التَّقَرُّبِ
فَعَادِ الَّذِي عَادَى وَوَال الَّذِي لَهُ ... يُوَالِي وَأَبْغِضْ فِي الإِلهَ وَأَحْبِبِ
فَمَنْ لَمْ يُعَادِي الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ لَهُمْ ... يُوَالِي وَلَمْ يُبْغَضْ وَلَمْ يَتَجَنَّبِ
فلَيْسَ عَلَى مِنْهَاجِ سُنَّةِ أحمد ... وَلَيْسَ عَلَى نَهْجٍ قَوِيمٍ مُقَرِّبِ
وَأَخْلِصْ لِمَوْلاكَ الْعِبَادَةَ رَاغِبًا ... إِلَيْهِ مُنِيبًا فِي الْعِبَادَةِ مُدْئِبِ
مُحِبًّا لأَهْلِ الْخَيْرِ لا مُتَكَرِّهًا ... وَلا مُبْغِضًا أَوْ سَالِكًا مَنْهَجًا وَبِ
وَكُنْ سَلِسًا سَهْلاً لَبِيبًا مُهَذَّبًا ... كَرِيمًا طَلِيقَ الْوَجْهِ سَامِي التَّطَلُبِ
إِلَى كُلِّ مَنْ يَدْنُو إِلَى مَنْهَجِ التُّقَى ... فَخَيْرِ الْوَرَى أَهْلُ التُّقَى وَالتَّقَرُّبِ
وَمِنْهَجُهُمْ خَيْرُ الْمَنَاهِجِ كُلَّهَا ... وَمَوْكَبُهُمْ يَوْمَ اللِّقَا خَيْرُ مَوْكِبِ
فهَذَا الَّذِي يَرْضَى لِكُلِّ مُوَحِّدِ ... وَهَذَا الَّذِي يُنْجِي بِيَوْمِ عَصَبْصَبِ
وَذَلِكَ يَوْمٌ لَوْ عَلِمْتَ بِهَوْلِهِ ... لَبِتَّ لَعَمْرِي سَاهِدًا ذَا تَقَلُّبِ
وَلَمْ تَتَلَذَّذْ بِالْحَيَاةِ وَطِيبهَا ... وَأَصْبَحْتَ فِيهَا خَائِفًا ذَا تَرَقُّبِ
اللَّهُمَّ بارك فِي أسماعنا وأبصارنا ونور قلوبنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا واهدنا سبل السَّلام ونجنا من الظلمَاتَ إلى النور وجنبنا الفواحش مَا ظهر مَنْهَا وَمَا بطن وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ يَا حي يَا قيوم يَا بديع السَّمَاوَات وَالأَرْض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانَا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانَا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
стр. 725
" فَصْلٌ ": فِي الأَمْر بالمَعْرُوْفِ والنَّهْي عَنْ المُنْكَر
اعْلَمْ وفقك الله أن الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر يجبان وجوب كفائي يخاطب به الجميع، ويسقط بمن يقوم به، وإن كَانَ العَالِم به واحدًا تعين عَلَيْهِ، وإن كَانُوا جماعة لكن لا يحصل المقصود إِلا بِهُمْ جميعًا تعين عَلَيْهمْ.
وأما تعريفهما، فالمعروف اسم جامَعَ لكل مَا عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى النَّاس. والْمُنْكَر ضده وعرفه بَعْضهُمْ بقوله: الْمُنْكَر اسم جامَعَ لكل مَا يكرهه الله وينهى عَنْهُ والمعروف اسم جامَعَ لكل مَا يحبه الله من الإِيمَان والْعَمَل الصالح.
وقَدْ حبب الله إلينا الْخَيْر وأمرنا أن ندعو إليه، وكره إلينا الْمُنْكَر ونهانَا عَنْهُ، وأمرنا بمنع غيرنا منه، كما أمرنا بالتعاون على البر والتقوى.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
والأصل فِي وجوبهما: الكتاب والسنة والإجماع قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وأبان جَلَّ وَعَلا أننا بهما خَيْر الأمم فَقَالَ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ .
وفي المسند والسُّنَن مِنْ حَدِيثِ عمرو بن مرة عَنْ سالم بن أبي الجعد عَنْ أبي عبيدة بن عَبْد اللهِ بن مسعود عَنْ أبيه قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «إن من كَانَ قبلكم كَانَ إِذَا عمل العامل الخطيئة جاءه الناهي تعذيرًا فَإِذَا كَانَ الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فَلَمَّا رأى الله عَزَّ وَجَلَّ
стр. 726
ذَلِكَ مِنْهُمْ ضرب بقُلُوب بَعْضهُمْ على بعض ثُمَّ لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم ذَلِكَ بما عصوا وكَانُوا يعتدون. والَّذِي نفس مُحَمَّد بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عَنْ الْمُنْكَر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الْحَقّ أطرا أَوْ ليضربن الله بقُلُوب بعضكم على بعض ثُمَّ ليلعنكم كما لعنهم» .
وذكر ابن أبي الدُّنْيَا عَنْ إبراهيم بن عمرو الصنعاني: وحى الله إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم. قَالَ: يَا رب هؤلاء الأَشْرَار فما بال الأخيار؟ قَالَ: إنهم لم يغضبوا لغضبي وكَانُوا يواكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أَبُو عُمَر بن عَبْد اللهِ عَنْ أبي عمران قَالَ: بعث لله ملكين إلى قرية أن دمراها بمن فيها فوجدوا فيها رجلاً قائمًا يصلي فِي مسجد فقالا: يَا رب إَِنْ فيها عبدك فلانًا يصلي؟ فَقَالَ الله : دمراها ودمراه معهم فإنه مَا تمعر وجهه فِيَّ قط.
وذكر الحميدي عَنْ سفيان بن عيينة قَالَ حَدَّثَنِي سفيان بن سعيد عَنْ مسعر أن ملكًا أمر أن يخسف بقرية فَقَالَ: يَا رب إن فيها فلانًا العابد. فأوحى الله إليه أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه فِيَّ ساعة قط.
وذكر ابن أبي الدُّنْيَا عَنْ وهب بن منبه قَالَ: لما أصاب داود الخطيئة قَالَ يَا رب اغفر لي قَالَ قَدْ غفرت لَكَ وألزمت عارها بَنِي إسرائيل قَالَ: يَا رب كيف وأَنْتَ الحكم العدل لا تظلم أَحَدًا أَنَا اعمل الخطيئة وتلزم عارها غيري.
فأوحى الله إليه إِنَّكَ لما عملت الخطيئة لم يعجلوا عَلَيْكَ بالإنكار.
стр. 727
وأوضح سُبْحَانَهُ أن الأجر بهما عَظِيم فِي قوله تَعَالَى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ .
ووصف الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَات بأن بَعْضهُمْ أَوْلِيَاء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عَنْ الْمُنْكَر ويقيمون الصَّلاة ويُؤْتُونَ الزَّكَاة وَيُطَيعُونَ اللهَ ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم.
وشهد الله بالصلاح للمؤمنين الَّذِينَ أضافوا إلى إيمانهم القيام بهما فَقَالَ تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ .
وبين جل شأنه أن قَوْمًا من بَنِي إسرائيل استحقوا اللعن بتركهما فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
قَالَ القرطبي وبخ علماؤهم فِي تركهم نهيهم فَقَالَ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ .
قَالَ: ودلت الآيَة على أن تارك الْمُنْكَر الَّذِي لا ينهى عَنْهُ كمرتكبه. وَذَلِكَ أن الأمة فِي عهد استقامتها وتمسكها بالسُّنَن لا تترك بين أظهرها عاصيًا ولا معصية، فَإِذَا رأت شَيْئًا من ذَلِكَ ثارت ثورة الأسود ولم تسكن حَتَّى تذيقه مَا يستحق على معصيته.
كل ذَلِكَ غيرة على دينها وطلبًا لمرضاة ربها. والعصاة والفسقة يرتدعون عِنْدَمَا يرون ردع إخوانهم.. انتهى كلامه.
стр. 728
شِعْرًا: ... وَأَهْوَى من الْفِتْيَان كُلَّ مَوفَّقٍ ... لِطَاعَةِ رَبِّ الْخْلِق بَارِي الْبَرِيَّةِ
مُلازِمُ بَيْتِ الله يَتْلُوا كِتَابَهُ ... وَيَكْثِرُ ذِكْرَ الله فِي كُلِّ لَحْظَةِ
وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ حَسْبَ اقْتِدَارِهِ ... وَعَنْ مُنْكَرٍ يَنْهَى بِلُطْفٍ بِدَعْوَتِي
وفي سورة الأعراف يخبرنا جَلَّ وَعَلا عما كَانَ من بَنِي إسرائيل وَمَا نزل بِهُمْ من الْعَذَاب فيَقُولُ: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ، فأفادت هَذِهِ الآيات أن بَنِي إسرائيل صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد الأسماك يوم السبت المحرم فيه الصيد، وفرقة نهت عَنْ ذَلِكَ واعتزلتهم، وفرقة سكتت فَلَمْ تفعل ولم تنه ولكنها قَالَتْ للمنكرة: لم تعظون قومًا الله مهلكهم أَوْ معذبهم عذابًا شَدِيدًا، أي لم تنهون هؤلاء وَقَدْ علمتم أنهم قَدْ هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة فِي نهيكم إياهم.
قَالَتْ لَهُمْ المنكرة: معذرة إلى ربكم أن فيما أخذ عَلَيْنَا من الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر ولعلهم يتقون أي ولعل لهَذَا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه ويرجعون إِلَى اللهِ تائبين فَإِذَا تابوا تاب الله عَلَيْهمْ ورحمهم.
فَلَمَّا نسوا مَا ذكروا به (أي فَلَمَّا أبى الفاعلون قبول النَّصِيحَة) أنجينا الَّذِينَ ينهون عَنْ السُّوء وأخذنا الَّذِينَ ظلموا
(أي الَّذِينَ ارتكبوا المعصية) بعذاب بئيس، فنصت الآيات على نجاة الناهين وهلاك الظالمين وسكتت عَنْ الساكتين.
стр. 729
قَالَ ابن عَبَّاس ﵄: كَانُوا ثلاثة ثلث نهوا وثلث قَالُوا: لم تعظون قومًا الله مهلكهم أَوْ معذبهم عذابًا شَدِيدًا وثلث أصحاب الخطيئة فما نجا إِلا الَّذِينَ نهوا وهلك سائرهم. وَهَذَا إسناده جيد عَنْ ابن عَبَّاس.
وفي الْحَدِيث الثابت عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصديق رصي اله عَنْهُ أَنَّهُ خطب النَّاس على منبر رَسُول اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أيها النَّاس إنكم تقرءون هَذِهِ الآيَة وتضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .
وإني سمعت رسول الله ﷺ يَقُولُ:" إن النَّاس إِذَا رأوا الْمُنْكَر فَلَمْ يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» . وفي لفظ: «من عنده» . رَوَاهُ أَبُو داود والترمذي وَقَالَ: حديث حسن صحيح. وابن ماجة والنسائي ولفظه: إني سمعت رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إن القوم إِذَا رأوا الْمُنْكَر فَلَمْ يغيروه عمهم الله بعقاب» .
وفي رواية لأبي داود سمعت رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثُمَّ يقدرون على أن يغيروا ثُمَّ لا يغيروا إِلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب» . وفي رواية: «إن النَّاس إِذَا رأوا الطالم فَلَمْ يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده» .
وَقَالَ الشَّيْخ عَبْد اللهِ بن مُحَمَّد بن حميد: ولَقَدْ وصلنا إلى حد ماتت فيه الغيرة الدينية عِنْدَ كُلّ أحد ممن يرجى ويظن أنهم حماة الإِسْلام وأبطال الدين مِمَّا جعل العصاة يمرحون فِي ميادين شهواتهم ويفتخرون بعصيانهم بدون حسيب ولا رقيب.
شِعْرًا: ... قُلْ لِلَّذِي بِقِرَاعِ السَّيْفِ هَدَّدَنَا ... لا قَامَ قَائِمٌ جَنْبِي حِينَ تَصْرَعُهُ
قَامَ الْحَمَامُ إِلَى الْبَازِي يُهَدِّدُهُ ... وَاسْتَيْقَضَتْ لأُسُودِ أَصْبُعُهُ
стр. 730
ولو شئتَ لقُلْتُ: ولا أخشى لائمًا نَحْنُ فِي زمن علا فيه واعتز أرباب الرذائل وأصبحت الدولة لَهُمْ وأَهْل الفضيلة المتمسكون بأهداب دينهم عِنْدَمَا ينكرون على المجرمين إجرامهم يكونون كالمضغة فِي الأفواه البذيئة ترميهم بكل نقيصة وأقل مَا يقولون إنهم متأخرون جامدون فِي بقايا قرون الهمجية يستهزؤن ويقهقهون ويغمزون بالحواجب والعيون ويخرجون ألسنتهم سخرية واستهزاء بِهُمْ ويضحكون من عقولهم لما راجت الرذيلة هذا الرواج وَمَا درى هؤلاء أنهم فِي غاية من السقوط والهمجية لفساد عقولهم وبعدهم عن معرفة أوامر دينهم.
وناهيك لو قام كُلّ منا بما عَلَيْهِ من الدعوة للإسلام والأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر وارشاد النَّاس وعظتهم وتذكيرهم بما فيه صلاحهم واستقامتهم لاستقر الْخَيْر والمعروف فينا وامتنع فُشُوُّ الشر والْمُنْكَر بيننا. أهـ. وَاللهُ أَعْلَمُ وصلى الله على مُحَمَّد.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
قُمْ يَا مُحَمَّدُ وَاسْتَمِعْ لِي يَا عُمَرْ ... وَاسْتَيْقِظَا فَالدِّينِ يَدْعُو لِلنَّصرْ
وَغَدًا بَنُو الإِسْلامِ فِي زَيْغٍ فَمَا ... يَسْعَوْنَ إِلا لِلْمَلاهِيَ وَالْبَطَرْ
تَرَكُوا هُدَى الدِّينِ الْحَنِيفِ الْمُعْتَبَرْ ... وَاسْتَبْدَلُوا الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالْعَوَرْ
وَنَسُوا أُصُولَ الدِّينِ مِنْ دَهْش وَقَدْ ... أَضْحَى نَصِيرُ الشَّرْعِ فِيهِمْ مُحْتَقَرْ
وَالدِّين يَدْعُوهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ... وَقُلُوبُهُمْ ضَلَّتْ وَقَدْ عَمِيَ الْبَصَرْ
حَتَّى تَشَتَّتْ شَمْلَهُ وَاصْدَّعَتْ ... أَرْكَانُهُ وَأَسَاءَ مَثْوَاهُ الضّررْ
فَإِلَى مَتَى هَذَا السُّكُوتُ وَقَدْ دَنَا ... وَقْتُ الْجِهَادِ وَمَا لَنَا عَنْهُ مَفَرْ
عَارٌ وَأَيْمُ اللهِ أَنْ نَلْهُوَ وَقَدْ ... كَادَتْ معَالِمُ دِينِنَا أَنْ تَنْدَثِرْ
فَكَفَاكُمُوا زَيْغًا وَهَجْرًا فَامْدُدُوا ... أَيْدِي الْخَلاصِ وَأَيِّدُوا الدِّينِ الأَغَرْ
وَذَرُوا جِدَال الْمُلْحِدِينَ فَإِنَّهُمْ ... فَقَدُوا الرَّشَادَ وَكَانَ مَأْوَاهُمْ سَقَرْ
стр. 731
وَتَكَاتَفُوا فِي السَّعْيِ حَوْلَ نَجَاتِهِ ... لا يَثْنِ هِمَّتَكُمْ خُمُولٌ أَوْ ضَجَرْ
فَاللهُ فِي عَوْنِ الْعِبَادِ إِذَا هُمُوا ... نَصَرُوا الْحَنِيفَ وَحَصَّنُوهُ مِنَ الْغَيْرْ
اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لِلزُومِ الطَّرِيق الَّذِي يُقَرِّبنا إِلَيْكَ وَهَبْ لَنَا نُورًا نَهْتَدِي بِهِ إِلَيْكَ وَيَسِّرْ لَنَا مَا يَسَّرْتَهُ لأَهْلِ مَحَبَّتِكَ وَأَيْقِظْنَا مِنْ غَفَلاتِنَاوألهمنا رُشْدَنَا وَاستُرْنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ وَألْحِقْنَا بِعِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
" فَصْلٌ "
وَقَالَ الشَّيْخ عَبْد اللهِ بن مُحَمَّد بن حميد ﵀.. وبعد: فلا يخفى مَا أصيب به الإِسْلام والمسلمون من الشرور والفتن والدواهي والمحن.. وأن الإِسْلام قَدْ أدبر وآذان بالوداع. والنفاق قَدْ أشرف وأقبل باطلاع.. والإسلام بدأ يرتحل من عقر داره لتقصير أهله إذ لم يشرحوا للناس محاسنه وفضائله وحكمه وأسراره. ولم يقوموا بالدعوة إليه بغرس محبته فِي الْقُلُوب.. بذكر مَا تقدم فَإِنَّ الآيات القرآنية الدالة على الدعوة أَكْثَر من آيات الصوم والحج الَّذِينَ هما ركنان من أركَانَ الإِسْلام الخمسة.
والاجتماع المأمور به فِي قوله تَعَالَى " ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً﴾
تهدمت مبانيه والإئتلاف والتعاون ذهب وذهبت معانيه.. فلا حول ولا قوة إِلا بِاللهِ.
نرى الأَمْرَ بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر الَّذِي هُوَ ركن من أركَانَ الإِسْلام فِي قول طائفة من الْعُلَمَاء ضعف جانبه وكثر فِي النَّاس وتنوعت مقاصد الخلق وتباينت آرائهم.
فالْمُنْكَر للمنكر فِي هَذِهِ الأزمنة.. يَقُولُ النَّاس فيه مَا أَكْثَر فضوله وَمَا أسفه
стр. 732
رأيه وَرُبَّمَا غمزوه بنقص فِي عقله.. ومن سكت وأخلد قيل: مَا أحسن عقله وَمَا أقوى رأيه فِي معاشرته للناس ومخالطته لَهُمْ.
والله قَدْ جعل الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر فرقًا بين الْمُؤْمِنِينَ والمنافقين.. فأخص أوصاف الْمُؤْمِنِينَ المميزة لَهُمْ من غيرهم هُوَ الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر ورأس الأَمْر بالمعروف الدعوة إلى الإِسْلام وإرشاد النَّاس إلى مَا خُلِقُوا لَهُ وتبصيرهم بما دل عَلَيْهِ كتاب ربهم وسنة ونبيهم وتحذيرهم من مخالفة ذَلِكَ.
قَالَ الإمام الغزالي فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ . وصف الله الْمُؤْمِنِينَ بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عَنْ الْمُنْكَر والَّذِي هجر الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر خارج عَنْ هؤلاء الْمُؤْمِنِينَ.. انتهى.
وفي قوله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ مَا يدل على أن الناجي هُوَ الَّذِي ينهى عَنْ السُّوء دون الواقع فيه والمداهن عَلَيْهِ.
والأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر هُوَ الأساس الأعظم للدين. والمهم الَّذِي بعث الله لأجله النبيين ولو أهمل لاضمحلت الديانة وفشت الضلالة وعم الفساد وهلك العباد.
إن فِي النهي عَنْ الْمُنْكَر حفاظ الدين وسياج الأداب والكمالات. فَإِذَا أهمل أَوْ تسوهل فيه تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور بلا مبالاة ولا خجل.. ومتى صار العامة يرون المنكرات بأعينهم ويسعونها بآذانهم زالت وحشتها وقبحها من نفوسهم ثُمَّ يتجرأ الكثيرون أَوْ الأكثر على ارتكابها. ولكن يَا للأسف استولت على الْقُلُوب مداهنة الخلق وانمحت عَنْهَا مُرَاقَبَة الخالق حيث اندرس من هَذَا الْبَاب عمله وعلمه وانمحى معظمه ورسمه واسترسل النَّاس فِي اتباع الأهواء والشهوات.
стр. 733
ولا شك أن الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر حفظ للشريعة وحماية لأحكامها تدل عَلَيْهِ بعد إجماع الأمة وإرشاد العقول السليمة إليه. الآيات القرآنية وَالأَحَادِيث النَّبَوِيَّة مثل قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدلت الآيَة الكريمة على عدم صلاحهم بمجرد الإِيمَان بِاللهِ والْيَوْم الآخِر حيث لم يشهد لَهُمْ بذَلِكَ إِلا بعد أن أضاف إليها الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر فقد ذم من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ وَهَذَا غاية التشديد ونهاية التهديد. فبين أن السبب للعنهم هُوَ ترك التناهي عَنْ الْمُنْكَر، وبين أن ذَلِكَ بئس الْفِعْل.
ولا شك أن من رأى أخاه على منكر ولم ينهه عَنْهُ فقَدْ أعانه عَلَيْهِ بالتخلية بينه وبين ذَلِكَ الْمُنْكَر وَهُوَ عدم الجد فِي إبعاد أخيه عَنْ ارتكابه.
قَالَ ابن عَبَّاس ﵁: لعنوا فِي كُلّ لسان على عهد مُوَسى فِي التوراة ولعنوا على عهد داود فِي الزبور. ولعنوا على عهد عيسى فِي الإنجيل. ولعنوا على عهد نبيكم مُحَمَّد ﷺ فِي الْقُرْآن. ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ .
قَالَ القرطبي: وبخ علماءهم فِي تركهم نهيهم فَقَالَ:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ كما وبخ من سارع فِي الإثُمَّ بقوله:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ: ودلت الآيَة على أن تارك النهي عَنْ الْمُنْكَر كمرتكب الْمُنْكَر أَوْ.. فَإِنَّ الأمة فِي عهد استقامتها وتمسكها بالسُّنَن لا تطيق أن تَرَى بين أظهرها
стр. 734
عاصيًا ولا معصية فَإِذَا رأت شَيْئًا من ذَلِكَ ثارت ثورة الأسد ولم تهدأ إِلا إِذَا أذاقت المجرم مَا يليق به وَمَا يستحق عَلَى قَدْرِ جريمته تفعل ذَلِكَ غيرة على دينها وطلبًا لمرضاة ربها. والمجرمون إِذَا رأوا ذَلِكَ كفوا عَنْ إجرامهم وبالغوا فِي التستر إِذَا أرادوا تلويث أنفسهم بما يرتكبون، فَإِذَا لم تسقهم الأنمة ولم تراع سنن دينها ضعفت غيرتها أَوْ إنعدمت كليًا فِي نفوسها إذ لو شاهدت مَا شاهدت من المعاصي.. إما أن يتحرك بعض أفرادها حركة ضعيفة لا يخاف معها العاصي ولا ينزجر عَنْ معصيته. وأما أن يتفق الجميع على الإغماض عَنْ ذَلِكَ العاصي فيفعل مَا يشاء بدون خوف ولا خجل إِذَا يرفع ذووا الإجرام رؤوسهم غير هيابين ولا خجلين من أحد.
ولَقَدْ وصلنا إلى حد ماتت فيه الغيرة الدينية عِنْدَ كُلّ أحد ممن يرجى ويظن أنهم حماة الإِسْلام وأبطال الدين مِمَّا جعل العصاة يمرحون فِي ميادين شهواتهم ويفتخرون بعصيانهم بدون حسيب ولا رقيب. ولو شئت لقُلْتُ ولا أخشى لائمًا نَحْنُ فِي زمن علا فيه واعتز أرباب الرذائل. وأصبحت الدولة لَهُمْ. وأَهْل الفضيلة المتمسكون بأهداب دينهم عِنْدَمَا ينكرون على المجرمين إجرامهم يكونون كالمضغة فِي الأفواه البذيئة ترميهم بكل نقيصة وأقل مَا يقولون أنهم متأخرون جامدون فِي بقايا قرون الهمجية يبتسمون ويقهقهون ويغمزون بالحواجب والعيون ويخرجون ألسنتهم سخرية وإستهزاء بِهُمْ ويضحكون من عقولهم. لما راجت الرذيلة فِي هَذَا العصر هَذَا الرواج.
وما درى هؤلاء المرذولون أنهم فِي غاية من السقوط والهمجية التي لَيْسَتْ دونها همجية لفساد عقولهم وبعدهم عَنْ معرفة أوامر دينهم.
وناهيك لو قام كُلّ منا بما عَلَيْهِ من الدعوة إلى الإِسْلام والأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر وإرشاد النَّاس وعظتهم وتذكيرهم بما فيه صلاحهم واستقامتهم
стр. 735
لاستقر الْخَيْر والمعروف فينا وامتنع فشو السِّرّ والْمُنْكَر بيننا: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ .
وقَدْ صرح الْعُلَمَاء رحمة الله عَلَيْهمْ بأنه يجب على الإمام أن يولي هَذَا المنصب الجليل والأَمْر الهام الَّذِي هُوَ فِي الحَقِيقَة مقام الرسل. محتسبًا يأمر بالمعروف وينهى عَنْ الْمُنْكَر.. وَيَكُون ذَا رأي وصرامة، وقوة فِي الدين، وعلم بالمنكرات الظاهرة. كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
فدلت الآيَة الكريمة على أَنَّهُ يجب على الْمُسْلِمِين أن تَقُوم مِنْهُمْ طائفة بوظيفة الدعوة إلى الْخَيْر وتوجيه النَّاس وعظتهم وتذكيرهم إلى مَا فيه صلاحهم واستقامة دينهم وأن يكونوا على المنهج القويم. والصراط المستقيم. والمخاطب بهَذَا كافة الْمُسْلِمِين فهم المكلفون لا سيما الإمام الأعظم وأن يختاروا طائفة مِنْهُمْ تَقُوم بهذه الفريضة الهامة التي هِيَ أحد أركَانَ الإِسْلام فِي قول طائفة من الْعُلَمَاء.
قِفَا نَبْكِ عَلَى رسوم علوم الدين والإسلام الَّذِي بدأ يرتحل من بلاده. ولكن يَا للأسف على منام الْقُلُوب وقيام الألسنة بالتقول والتأويل على الإِسْلام بما لا حَقِيقَة لَهُ.
لَقَدْ انطمس المعنى وذهب اللب وَمَا بقى إِلا قشور ورسوم واكتفى الكثيرون من الإِسْلام بمجرد الانتساب إليه بدون أن يعملوا به ويقوموا بالدعوة إليه تحذيرًا وإنذارًا وأمرًا ونهيًا وتبصيرًا للناس بدينهم بذكر فضله وعظمته وإيضاح أسراره وحكمه وغرس العقيدة الحقة فِي قُلُوبهمْ. فهَذَا واجب الْمُسْلِمِين بَعْضهُمْ لبعض كُلّ عَلَى قَدْرِ استطاعته ومقدرته.
هَذَا وأسأل الله أن يوفق الْمُسْلِمِين وولاة أمورهم لما فيه صلاحهم وصلاح
стр. 736
دينهم وأن يجمَعَ كلمتهم على الْحَقّ أَنَّهُ ولي ذَلِكَ والقادر عَلَيْهِ وَهُوَ حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم تسَلِيمًا إلى يوم الدين.
" فَصْلٌ "
وَعَنْ أَبِي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: سمعت رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فَإِنَّ لم يستطع فبلِسَانه فَإِنَّ لم يستطع فبقَلْبهُ وَذَلِكَ أضعف الإِيمَان " رَوَاهُ مُسْلِم.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا من نبي بعثه الله فِي أمة قبلي إِلا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثُمَّ تخلف من بعدهم خلوف يقولون مَا لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مُؤْمِن، ومن جاهدهم بلِسَانه فهو مُؤْمِن، ومن جاهدهم بقَلْبهُ فهو مُؤْمِن، لَيْسَ وراء ذَلِكَ من الإِيمَان حبة خردل» . رَوَاهُ مُسْلِم.
وعن حذيفة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «والَّذِي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عَنْ الْمُنْكَر أَوْ ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثُمَّ تدعونه فلا يستجاب لكم» . رَوَاهُ الترمذي، وَقَالَ: حديث حسن.
وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أن رَسُول اللهِ ﷺ مر على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فَقَالَ: «مَا هذا يَا صَاحِب الطعام ""؟ فَقَالَ: أصابته السماء يَا رَسُول اللهِ. قَالَ: «أفلا جعلته فوق الطعام حَتَّى يراه النَّاس من غشنا فلَيْسَ منا» .
فهَذَا نهي منه ﷺ عَنْ منكر، هُوَ غش النَّاس فِي طعامهم وأجمعت الأمة على وجوب الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر.
وأَخْرَجَ الإمام أحمد فِي المسند أن الوليد بن عقبة أخر الصَّلاة مرة فقام
стр. 737
عبد الله بن مسعود فثوب بالصَّلاة فصلى بِالنَّاسِ فأرسل إليه الوليد: مَا حَمَلَكَ على مَا صنعت أجاءك من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أمر فيما فعلت أم ابتدعت؟ قَالَ: لم يأتني أمر من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولم ابتدع ولكن أبى الله ورسوله عَلَيْنَا أن ننتظرك بصلاتنا وأَنْتَ فِي حاجتك.
قَالَ شيخ الإِسْلام رحمة الله: لابد من العلم بالمعروف والْمُنْكَر والتمييز بينهما. الثاني أَنَّهُ لابد من العلم بحال المأمور والنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأَمْر والنهي بالصراط المستقيم وَهُوَ أقرب الطرق إلى حصول المقصود ولا بد من الرفق ولا بد أن يكون حليمًا صبورًا على الأَذَى فإنه لا بد أن يحصل لَهُ أذى فَإِنَّ لم يحلم ويصبر كَانَ مَا يفسد أَكْثَر مِمَّا يصلح فَلا بُدَّ مِنْ العلم والرفق والصبر، والعلم قبل الأَمْر والنهي، والرفق معه والصبر بعده.
وَقَالَ سفيان: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عَنْ الْمُنْكَر إِلا من كَانَ فيه خِصَال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل، عدل بما ينهى، عَالِم بما يأمر، عَالِم بما ينهى.
وَقَالَ عبد الملك بن عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز لأبيه: يَا أَبَتِ مَا يَمْنَعُك أن تمضي لما تريد من العدل فوَاللهِ مَا كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا بَنِي إني إِنَّمَا أروض النَّاس رياضة الصعب إني أريد أن أجئ الأَمْر من العدل فأؤخر ذَلِكَ حَتَّى أُخْرِجَ معه طمعًا من طمع الدُّنْيَا فينفروا من هَذَا ويسكنوا لهذه.
وَيُشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الإِنْكَارِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأهله وماله، فَإِنَّ خاف السب أَوْ سماع الكلام السيئ لم يسقط عَنْهُ والحزم أن لا يبالي لما ورد: «أفضل الجهاد كلمة حق عِنْدَ سلطان جائر» . وقوله: «لا يمنعن أحدكم هيبة النَّاس أن يَقُولُ بحق إِذَا عَلِمَهُ» .
стр. 738
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمُ ﵀: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ لَهُ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ:
(الأُولَى) : أَنْ يَزُولَ وَيَخْلفه ضده.
(الثَّانِيَة) : أَنْ يَقِلَّ وَإن لم يزل من جملته.
(الثالثة) : أن يخلفه مَا هُوَ مثله.
(الرابعة) : أن يخلفه مَا هُوَ شر منه.
فالدَّرَجَتَانِ الأوليان مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةِ مَوْضِعُ اجْتِهَاد والرابعة محرمة، وليحزر الآمْر والناهي من أن يخالف قوله أَوْ يأمر بما لا يأتمر به.
شِعْرًا: ... رَأَيْنَاكَ تَنْهَى وَلا تَنْتَهِي ... وَتُسْمِعُ وَعْظًا وَلا تَسْمَعُ
فَيَا حَجَر الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى ... تَسَنُّ الْحَدِيدَ وَلا تَقْطَعُ
فقَدْ ورد عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار: قَالَ: قُلْتُ: من هؤلاء؟ قَالَ: خطباء أمتك من أَهْل الدُّنْيَا ممن كَانُوا يأمرون النَّاس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» . وحتى لا يتعرض لسخرية النَّاس به واستهزائهم به وحتى تَكُون دعوته مقبولة.
شِعْرًا: ... يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضَّنَى ... كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَإنْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالرَّأْيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
آخر: ... فَراكَ مِنَ الأَيَّامِ نَابٌ وَمِخْلَبُ ... وَخَانَكَ لَوْنُ الرَّأْسِ وَالرَّأْسُ أَشْيَبُ
فَحَتَّامَ لا تَنْفَكُّ جَامِحَ هِمَّةٍ ... بَعِيدَ مَرَامِي النَّفْسِ وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ
تُسَرُّ بِعَيْشٍ أَنْتَ فِيهِ مُنَغَّصٌ ... وَتَسْتَعْذِبُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُعَذَّبُ
تُغَذِّيكَ وَالأَوْقَاتُ جسْمَك تَغْتَذِي ... وَتَسْقِيكَ وَالسَّاعَاتُ رُوحَكَ تَشْرَبُ
وَتَعْجَبُ مِن آفَاتِهَا مُتَلَفِّتًا ... إِلَيْهَا لَعَمْرُ اللهِ فَعْلُكَ أَعْجَبُ
стр. 739
وَتَحْسِبُها بِالْبِشرِ تُبْطِنُ خُلَّةً ... فَيَظْهَرْ مِنْهَا غَيْرُ مَا تَتَحَسَّبُ
إِذَا رَضِيتَ أَعْمَتْكَ عَنْ طُرُقِ الْهُدَى ... فَمَا ظَنُّ ذِي لُبٍّ بِهَا حِينَ تَغْضَبُ
وَفِي سَلْبِهَا ثَوبَ الشَّبَابِ دَلالَةٌ ... عَلَى أَنَّهَا تُعْطِي خِدَاعًا وَتَسْلِبُ
أَتَرْضَى بِأَنْ يَنْهَاكَ شَيْبُكَ وَالْحِجَا ... وَأَنْتَ مَعَ الأَيَّامِ تَلْهُو وَتَلْعَبُ
والله أعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.
" فَصْلٌ "
قَالَ شيخ الإِسْلام ﵀: من لم يكن فِي قَلْبهُ بغض مَا يبغضه الله ورسوله من الْمُنْكَر الَّذِي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن فِي قَلْبهُ الإِيمَان الَّذِي أوجبه الله عَلَيْهِ فَإِنَّ لم يكن مبغضًا لشَيْء من المحرمَاتَ أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً.
والحاصل أن الإِنْسَان يأتي من ذَلِكَ بما يستطيع ولا يقصر فِي نصرة دين الله ولا يعتذر فِي إسقاط ذَلِكَ بالأعذار التي لا تصح ولا يسقط بها مَا أوجب الله عَلَيْهِ من أمر الله، وعَلَيْهِ بالأخذ بالرفق واللطف وإظهار الشفقة والرحمة فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مدار كبير عِنْدَ الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ومن الحكم أن يدعو كُلّ أحد على حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده.
وَمِنَ الْحِكْمَةِ الدَّعْوَةُ بالعلم والبداءة بالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم وبما يكون قبوله أتم، والرفق واللين فَإِنَّ انقاد بالحكمة وإِلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وَهُوَ الأَمْر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
وليحذر من المداهنة فِي الدين، ومعناه أن يسكت الإِنْسَان عَنْ الأَمْر
стр. 740
بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر وعن قول الْحَقّ وَكَلِمَة الْعَدْلِ: طَمَعًا فِي النَّاسِ وَتَوَقُعًا لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حُظُوظٍ الدُّنْيَا.
وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِعُمَر بِنْ صَالحٍ: يَا أَبَا حَفْصٍ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان يَكُونُ الْمُؤْمِنُ فِيِهِ بَيْنَهُمْ مَثْل الْجِيفَةِ وَيَكُونُ الْمُنَافِقُ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ وَكَيْفَ يُشَارُ إِلَى الْمُنَافِقِ بِالأَصَابِعِ. فَقَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ صَيروا أَمْر اللهِ فُضُولاً.
وَقَالَ المُؤْمِن: إِذَا رَأَى أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى يَأْمُرَ وَيَنْهى. قَالُوا: يَعْنِي هَذَا فُضُول. قَالَ: وَالْمُنَافِقِ كُلّ شَيْء يراه قَالَ بيده على فمه: «أي صمت فَلَمْ ينه ولم يأمر. فَقَالُوا: (نعم الرجل لَيْسَ بينه وبين الفضول عمل) .
وقَدْ روي أن الجار يوم القيامة يتعلق بجاره ويَقُولُ: ظلمني. فيرد عَلَيْهِ بأنه مَا ظلمه ولا خانه فِي أَهْل ولا مال فيَقُولُ الجار: صدق إِنَّهُ لم يخني فِي أَهْل ولا مال ولكنه وجدني أعصي الله فَلَمْ ينهني. هَذَا الأثر بالمعنى. وَرُوِيَ حديث آخر: ويل للعَالِم من الجاهل حيث لا يعلمه.
شِعْرًا: ... وَقَعْنَا فِي الْخَطَايَا وَالْبَلايَا ... وَفِي زَمَنِ انْتِقَاصٍ وَاشْتِبَاهِ
تَفَانَى الْخَيْرُ وَالصُّلَحَاءُ ذَلُّوا ... وَعَزَّ بِذُلِّهِمْ أَهْلُ السَّفَاهِ
وَبَاءَ الآمِرُونَ بِكُلِّ عُرْفٍ ... فَمَا عَنْ مُنْكَرٍ فِي النَّاسِ نَاهِ
فَصَارَ الْحُرُّ لِلْمَمْلوكِ عَبْدًا ... فَمَا لِلْحُرِّ مِنْ قَدْرٍ وَجَاهِ
فهَذَا شَغَلُهُ طَمَعٌ وَجَمَعٌ ... وَهَذَا غَافِلٌ سَكْرَانُ لاهِ
آخر: ... إِذَا بِالْمَعْرُوفِ لََمْ أُثْنِ صَادِقًا ... وَلَمْ أَذْمُمِ الْجُبْسَ اللَّئِيمْ الْمُذَمِمَّا
فَقِيمْ عَرَفْتُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِاسْمِهِ ... وَشَقَّ لِيَ اللهُ الْمَسَامِعَ وَالْفَمَا
следующие страницы →