← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7480

موارد الظمآن لدروس الزمان

عبد العزيز السلمان

Полный текст (3 875 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

دينهم وأن يجمَعَ كلمتهم على الْحَقّ أَنَّهُ ولي ذَلِكَ والقادر عَلَيْهِ وَهُوَ حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم تسَلِيمًا إلى يوم الدين. " فَصْلٌ " وَعَنْ أَبِي سعيد الخدري ﵁ قَالَ: سمعت رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فَإِنَّ لم يستطع فبلِسَانه فَإِنَّ لم يستطع فبقَلْبهُ وَذَلِكَ أضعف الإِيمَان " رَوَاهُ مُسْلِم. وعن ابن مسعود ﵁ أن رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا من نبي بعثه الله فِي أمة قبلي إِلا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثُمَّ تخلف من بعدهم خلوف يقولون مَا لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مُؤْمِن، ومن جاهدهم بلِسَانه فهو مُؤْمِن، ومن جاهدهم بقَلْبهُ فهو مُؤْمِن، لَيْسَ وراء ذَلِكَ من الإِيمَان حبة خردل» . رَوَاهُ مُسْلِم. وعن حذيفة ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «والَّذِي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عَنْ الْمُنْكَر أَوْ ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثُمَّ تدعونه فلا يستجاب لكم» . رَوَاهُ الترمذي، وَقَالَ: حديث حسن. وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أن رَسُول اللهِ ﷺ مر على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً فَقَالَ: «مَا هذا يَا صَاحِب الطعام ""؟ فَقَالَ: أصابته السماء يَا رَسُول اللهِ. قَالَ: «أفلا جعلته فوق الطعام حَتَّى يراه النَّاس من غشنا فلَيْسَ منا» . فهَذَا نهي منه ﷺ عَنْ منكر، هُوَ غش النَّاس فِي طعامهم وأجمعت الأمة على وجوب الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر. وأَخْرَجَ الإمام أحمد فِي المسند أن الوليد بن عقبة أخر الصَّلاة مرة فقام

стр. 737

عبد الله بن مسعود فثوب بالصَّلاة فصلى بِالنَّاسِ فأرسل إليه الوليد: مَا حَمَلَكَ على مَا صنعت أجاءك من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أمر فيما فعلت أم ابتدعت؟ قَالَ: لم يأتني أمر من أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ولم ابتدع ولكن أبى الله ورسوله عَلَيْنَا أن ننتظرك بصلاتنا وأَنْتَ فِي حاجتك. قَالَ شيخ الإِسْلام رحمة الله: لابد من العلم بالمعروف والْمُنْكَر والتمييز بينهما. الثاني أَنَّهُ لابد من العلم بحال المأمور والنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأَمْر والنهي بالصراط المستقيم وَهُوَ أقرب الطرق إلى حصول المقصود ولا بد من الرفق ولا بد أن يكون حليمًا صبورًا على الأَذَى فإنه لا بد أن يحصل لَهُ أذى فَإِنَّ لم يحلم ويصبر كَانَ مَا يفسد أَكْثَر مِمَّا يصلح فَلا بُدَّ مِنْ العلم والرفق والصبر، والعلم قبل الأَمْر والنهي، والرفق معه والصبر بعده. وَقَالَ سفيان: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عَنْ الْمُنْكَر إِلا من كَانَ فيه خِصَال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر عدل، عدل بما ينهى، عَالِم بما يأمر، عَالِم بما ينهى. وَقَالَ عبد الملك بن عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز لأبيه: يَا أَبَتِ مَا يَمْنَعُك أن تمضي لما تريد من العدل فوَاللهِ مَا كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا بَنِي إني إِنَّمَا أروض النَّاس رياضة الصعب إني أريد أن أجئ الأَمْر من العدل فأؤخر ذَلِكَ حَتَّى أُخْرِجَ معه طمعًا من طمع الدُّنْيَا فينفروا من هَذَا ويسكنوا لهذه. وَيُشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الإِنْكَارِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأهله وماله، فَإِنَّ خاف السب أَوْ سماع الكلام السيئ لم يسقط عَنْهُ والحزم أن لا يبالي لما ورد: «أفضل الجهاد كلمة حق عِنْدَ سلطان جائر» . وقوله: «لا يمنعن أحدكم هيبة النَّاس أن يَقُولُ بحق إِذَا عَلِمَهُ» .

стр. 738

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمُ ﵀: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ لَهُ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ: (الأُولَى) : أَنْ يَزُولَ وَيَخْلفه ضده. (الثَّانِيَة) : أَنْ يَقِلَّ وَإن لم يزل من جملته. (الثالثة) : أن يخلفه مَا هُوَ مثله. (الرابعة) : أن يخلفه مَا هُوَ شر منه. فالدَّرَجَتَانِ الأوليان مَشْرُوعَتَانِ، وَالثَّالِثَةِ مَوْضِعُ اجْتِهَاد والرابعة محرمة، وليحزر الآمْر والناهي من أن يخالف قوله أَوْ يأمر بما لا يأتمر به. شِعْرًا: ... رَأَيْنَاكَ تَنْهَى وَلا تَنْتَهِي ... وَتُسْمِعُ وَعْظًا وَلا تَسْمَعُ فَيَا حَجَر الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى ... تَسَنُّ الْحَدِيدَ وَلا تَقْطَعُ فقَدْ ورد عَنْ أَنَس بن مالك ﵁ قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار: قَالَ: قُلْتُ: من هؤلاء؟ قَالَ: خطباء أمتك من أَهْل الدُّنْيَا ممن كَانُوا يأمرون النَّاس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» . وحتى لا يتعرض لسخرية النَّاس به واستهزائهم به وحتى تَكُون دعوته مقبولة. شِعْرًا: ... يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضَّنَى ... كَيْمَا يَصِحُّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَإنْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالرَّأْيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ آخر: ... فَراكَ مِنَ الأَيَّامِ نَابٌ وَمِخْلَبُ ... وَخَانَكَ لَوْنُ الرَّأْسِ وَالرَّأْسُ أَشْيَبُ فَحَتَّامَ لا تَنْفَكُّ جَامِحَ هِمَّةٍ ... بَعِيدَ مَرَامِي النَّفْسِ وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ تُسَرُّ بِعَيْشٍ أَنْتَ فِيهِ مُنَغَّصٌ ... وَتَسْتَعْذِبُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُعَذَّبُ تُغَذِّيكَ وَالأَوْقَاتُ جسْمَك تَغْتَذِي ... وَتَسْقِيكَ وَالسَّاعَاتُ رُوحَكَ تَشْرَبُ وَتَعْجَبُ مِن آفَاتِهَا مُتَلَفِّتًا ... إِلَيْهَا لَعَمْرُ اللهِ فَعْلُكَ أَعْجَبُ

стр. 739

وَتَحْسِبُها بِالْبِشرِ تُبْطِنُ خُلَّةً ... فَيَظْهَرْ مِنْهَا غَيْرُ مَا تَتَحَسَّبُ إِذَا رَضِيتَ أَعْمَتْكَ عَنْ طُرُقِ الْهُدَى ... فَمَا ظَنُّ ذِي لُبٍّ بِهَا حِينَ تَغْضَبُ وَفِي سَلْبِهَا ثَوبَ الشَّبَابِ دَلالَةٌ ... عَلَى أَنَّهَا تُعْطِي خِدَاعًا وَتَسْلِبُ أَتَرْضَى بِأَنْ يَنْهَاكَ شَيْبُكَ وَالْحِجَا ... وَأَنْتَ مَعَ الأَيَّامِ تَلْهُو وَتَلْعَبُ والله أعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. " فَصْلٌ " قَالَ شيخ الإِسْلام ﵀: من لم يكن فِي قَلْبهُ بغض مَا يبغضه الله ورسوله من الْمُنْكَر الَّذِي حرمه من الكفر والفسوق والعصيان، لم يكن فِي قَلْبهُ الإِيمَان الَّذِي أوجبه الله عَلَيْهِ فَإِنَّ لم يكن مبغضًا لشَيْء من المحرمَاتَ أصلاً لم يكن معه إيمان أصلاً. والحاصل أن الإِنْسَان يأتي من ذَلِكَ بما يستطيع ولا يقصر فِي نصرة دين الله ولا يعتذر فِي إسقاط ذَلِكَ بالأعذار التي لا تصح ولا يسقط بها مَا أوجب الله عَلَيْهِ من أمر الله، وعَلَيْهِ بالأخذ بالرفق واللطف وإظهار الشفقة والرحمة فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مدار كبير عِنْدَ الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ومن الحكم أن يدعو كُلّ أحد على حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده. وَمِنَ الْحِكْمَةِ الدَّعْوَةُ بالعلم والبداءة بالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم وبما يكون قبوله أتم، والرفق واللين فَإِنَّ انقاد بالحكمة وإِلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وَهُوَ الأَمْر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. وليحذر من المداهنة فِي الدين، ومعناه أن يسكت الإِنْسَان عَنْ الأَمْر

стр. 740

بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر وعن قول الْحَقّ وَكَلِمَة الْعَدْلِ: طَمَعًا فِي النَّاسِ وَتَوَقُعًا لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ حُظُوظٍ الدُّنْيَا. وقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ لِعُمَر بِنْ صَالحٍ: يَا أَبَا حَفْصٍ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَان يَكُونُ الْمُؤْمِنُ فِيِهِ بَيْنَهُمْ مَثْل الْجِيفَةِ وَيَكُونُ الْمُنَافِقُ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ وَكَيْفَ يُشَارُ إِلَى الْمُنَافِقِ بِالأَصَابِعِ. فَقَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ صَيروا أَمْر اللهِ فُضُولاً. وَقَالَ المُؤْمِن: إِذَا رَأَى أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ لَمْ يَصْبِرْ حَتَّى يَأْمُرَ وَيَنْهى. قَالُوا: يَعْنِي هَذَا فُضُول. قَالَ: وَالْمُنَافِقِ كُلّ شَيْء يراه قَالَ بيده على فمه: «أي صمت فَلَمْ ينه ولم يأمر. فَقَالُوا: (نعم الرجل لَيْسَ بينه وبين الفضول عمل) . وقَدْ روي أن الجار يوم القيامة يتعلق بجاره ويَقُولُ: ظلمني. فيرد عَلَيْهِ بأنه مَا ظلمه ولا خانه فِي أَهْل ولا مال فيَقُولُ الجار: صدق إِنَّهُ لم يخني فِي أَهْل ولا مال ولكنه وجدني أعصي الله فَلَمْ ينهني. هَذَا الأثر بالمعنى. وَرُوِيَ حديث آخر: ويل للعَالِم من الجاهل حيث لا يعلمه. شِعْرًا: ... وَقَعْنَا فِي الْخَطَايَا وَالْبَلايَا ... وَفِي زَمَنِ انْتِقَاصٍ وَاشْتِبَاهِ تَفَانَى الْخَيْرُ وَالصُّلَحَاءُ ذَلُّوا ... وَعَزَّ بِذُلِّهِمْ أَهْلُ السَّفَاهِ وَبَاءَ الآمِرُونَ بِكُلِّ عُرْفٍ ... فَمَا عَنْ مُنْكَرٍ فِي النَّاسِ نَاهِ فَصَارَ الْحُرُّ لِلْمَمْلوكِ عَبْدًا ... فَمَا لِلْحُرِّ مِنْ قَدْرٍ وَجَاهِ فهَذَا شَغَلُهُ طَمَعٌ وَجَمَعٌ ... وَهَذَا غَافِلٌ سَكْرَانُ لاهِ آخر: ... إِذَا بِالْمَعْرُوفِ لََمْ أُثْنِ صَادِقًا ... وَلَمْ أَذْمُمِ الْجُبْسَ اللَّئِيمْ الْمُذَمِمَّا فَقِيمْ عَرَفْتُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِاسْمِهِ ... وَشَقَّ لِيَ اللهُ الْمَسَامِعَ وَالْفَمَا

стр. 741

آخر: ... أَرَى الإِحْسَانَ عِنْدَ الْحُرِّ حَمْدًا ... وَعَنْدَ النَّذْلِ مَنْقَصَةً وَذَمًّا كَقَطْرٍ صَارَ فِي الأَصْدَافِ دُرًا ... وَفِي نَابِ الأَفَاعِي سُمًّا آخر: ... إِذَا سَبَّنِي نَذْلٌ تَزَايَدْتُ رِفْعَةً ... وَمَا الْعَيْب إِلا أَنْ أَكُونَ مُسَابِبُهْ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَفْسِي عَلَيَّ عَزِيزَةٌ ... لَمَكَّنْتُهَا مِنْ كُلِّ نَذْل تُجَاوِبُهْ آخر: ... مَتَى تَضَعُ الْكَرَامَةَ فِي لَئِيمٍ ... فَإِنَّكَ قَدْ أَسَأْتَ إِلَى الْكَرَامَةْ آخر: ... لا تَلْطَفَنَّ بِذِي لوُمِ فَتُطَّغِيَهُ ... أَغْلظْهُ يَأْتِيكَ مِطْوَاعًا وَمِذْعَانَا إِنَّ الْحَدِيدَ تُلِينُ النَّارُ قَسْوَتَهُ ... وَلَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْبَحْرَ مَا لانَا والله أعْلَمُ. وَصَلَّى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم. " فَصْلٌ " عَنْ عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رَسُول اللهِ ﷺ على السمَعَ والطاعة فِي العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثره عَلَيْنَا وعلى أن لا ننازع الأَمْر أهله إِلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تَعَالَى فيه برهان وعلى أن تَقُول بالحق أينما كنا لا نخاف فِي الله لومة لائم. رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وغيره. وأَخْرَجَ أحمد وغيره مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللهِ بن عمرو بن العاص: إِذَا رَأَيْت أمتي تهاب الظَالِم أن تَقُول لَهُ: إِنَّكَ ظَالِم فقَدْ تودع مِنْهُمْ. ولَقَدْ كَانَ سلفنا الصالح الكرام لَهُمْ مواقف عظيمة شريفة ونوادر طريفة وقصص غريبة وحكايات عجيبة دالة على صدق إيمانهم وقوة يقينهم وشدة ورعهم فكَانُوا لا يخشون فِي الله لومة لائم أَوْ كلمة مداهن أَوْ فرية مفتر أَوْ قوة ظَالِم بل يجاهرون بالحق بكل صراحة وينطقوا بالصدق وإن غضب الخلق ويأمرون بالمعروف وينهون عَنْ الْمُنْكَر فِي أشد المواقف وأحرجها. وإليك مَا كَانَ من موقف الصحابي الجريء أبي سعيد الخدري ﵁ مَعَ مروان ابن الحكم أمير من قبل معاوية بن أبي سفيان فمن السنة

стр. 742

المأثورة والطريقة المعروفة من فعله ﷺ إِذَا خَرَجَ يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شَيْء يبدأ به الصَّلاة. ثُمَّ يَنْصَرِف فَيَقُوم مُقَابِل النَّاس والنَّاس جُلُوس عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهُمْ بتقوى الله ويأمرهم بحلال الله وينهاهم عَنْ حرامه، ثُمَّ ينصرف، قَالَ أَبُو سعيد: فَلَمْ يزل النَّاس على ذَلِكَ حَتَّى خرجتُ مَعَ مروان وَهُوَ أمير الْمَدِينَة فِي عيد الأضحى أَوْ الفطر فَلَمَّا أتينا المصلى إِذَا منبر بناه كثير بن الصلت التابعي الكبير والمولود فِي الزمن النبوي. فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي وفيه مخالفة للسنة الصحيحة والْعَمَل المأثور عَنْ النَّبِيّ ﷺ فجذبت بثوبه ليبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة فجذبَنِي فارتفع على المنبر فخطب قبل الصَّلاة. فقُلْتُ لَهُ ولأصحابه: غيرتم وَاللهِ سنة رَسُولِ اللهِ ﷺ وخلفائه من بعده فأنهم كَانُوا يقدمون الصَّلاة على الخطبة فِي العيدين. فَقَالَ مروان: يَا أَبَا سعيد قَدْ ذهب مَا تعلم من تقديم الصَّلاة على الخطبة فِي العيدين. فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ والله خَيْر مِمَّا لا أَعْلَمُ. لأن الَّذِي أَعْلَمُ طَرِيقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي أمرنا باتباعه والتأسي به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَقَالَ مروان معتذرًا عَنْ ترك السنة: إن النَّاس لم يكونوا يجلسون لَنَا بعد الصَّلاة فجعلتها قبل الصَّلاة. فتأمل هَذَا الموقف المشرف الَّذِي وقفه أَبُو سعيد الخدري ﵁ وكيف جذب مروان بثوبه وَقَالَ لَهُ غيرتم: وَاللهِ ولم يخف صولة الإمارة وجاه الحكم وجاهر بالحق وأنكر البدعة وأمر بالسنة على رؤوس الأشهاد من النَّاس فحفظه الله ونصره وأيده وأعزه وصدق الله حيث قَالَ: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ ، وَقَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ .

стр. 743

وروي أن ضبة بن محصن العنزيّ قَالَ: كَانَ عَلَيْنَا أَبُو مُوَسى الأشعري أميرًا بالبصرة فكَانَ إِذَا خطبنا حمد الله وأثنى عَلَيْهِ وصلى على النَّبِيّ ﷺ وأنشأ يدعو لعمر ﵁ قَالَ: فغاظني ذَلِكَ فقمت إليه فَقُلْتُ: أين أَنْتَ من صاحبه تفضله عَلَيْهِ فصنع ذَلِكَ جُمُعًا. ثُمَّ كتب إلى عُمَر يشكوني يَقُولُ: إن ضبة بن محصن العنزي يتعرض فِي خطبتي فكتب إليه عُمَر: أن أشخصه إِليَّ فأشخصني إليه فقدمت فضربت عَلَيْهِ الْبَاب، فَقَالَ: من أَنْتَ فَقُلْتُ: أَنَا ضبة. فَقَالَ: لا مَرْحَبًا ولا أهلاً. قُلْتُ: أما المرحب فمن الله، وأما الأَهْل فلا أَهْل لي، ولا مال فبما استحللت يَا عُمَر إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته، ولا شَيْء آتيته، فَقَالَ: مَا الَّذِي شجر بينك وبين عاملي، قَالَ: قُلْتُ: الآن أخبرك به، أَنَّهُ كَانَ إذا خطبنا حمد الله وأثنى عَلَيْهِ وصلى على النَّبِيّ ﷺ ، ثُمَّ أنشأ يدعو لَكَ فغاظني ذَلِكَ منه، فقمت إليه فَقُلْتُ لَهُ: أين أَنْتَ من صاحبه، تفضله عَلَيْهِ، فصنع ذَلِكَ جُمُعًا. ثُمَّ كتب إليك يشكوني، قَالَ: فاندفع ﵁ باكيًا، وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ وَاللهِ أوفق منه وأرشد فهل أَنْتَ غافر لي ذنبي يغفر الله لَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: غفر الله لَكَ. قَالَ: ثُمَّ اندفع بَاكيًا، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لليلة من أَبِي بَكْرٍ ويوم، خَيْر من عُمَر وآل عُمَر. وبعث الحجاج الظَالِم المشهور إلى الحسن فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُول: قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدرهم والدينار. قَالَ: نعم. قَالَ: مَا حَمَلَكَ على هَذَا؟ قَالَ: مَا أخذ الله على الْعُلَمَاء من المواثيق ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ قَالَ: يَا حسن أمسك عَلَيْكَ لسانك وَإِيَّاكَ أن يبلغني عَنْكَ مَا أكره فافرق بين رأسيك وجسدك. نعود بِاللهِ من الظلمة وأعوان الظلمة من أمثال الحجاج. شِعْرًا: ... الظُّلْمُ نَارٌ فَلا تَحْقِرْ صَغِيرَتَهُ ... لَعَلَّ جَذْوَةَ نَارٍ أَحْرَقَتْ بَلَدَا ثُمَّ تطاول الزمن ومضت فترة منه فاندرس هَذَا الواجب وعفت أثاره

стр. 744

وامحت معالمه وانطوت أخباره وداهن النَّاس بَعْضهُمْ بَعْضًا وجبن النَّاس عَنْ المصارحة للولات فِي المخالفات إِلا نوادر مروا خلال القرون الأولى أما نَحْنُ فصَارَت شجاعتنا وصلابتنا وإنكاراتنا حول مَا يتعلق بالدنيا، أما ما يتعلق بالدين فلَيْسَ عندنا من الإنكار إِلا التلاوم فيما بيننا إِذَا أمن بعضنا من بعض فلا حول ولا قوة إِلا بِاللهِ العلي العَظِيم. قَالَ ابن القيم ﵀: قُلْ لِي مَتَى سَلِمَ الرَّسُولُ وَصَحْبُهُ ... وَالتَّابِعُون لَهُمْ عَلَى الإِحْسَانِ مِنْ جَاهِلٍ وَمُعَانِدٍ وَمُنَافِقٍ ... وَمُحَارِبٍ بِالْبَغْيِ وَالطُّغْيَانِ وَتَظُنُّ أَنَّكَ وَارِثًا لَهُمْ وَمَا ... نِلْتَ الأَذَى فِي نُصْرَةِ الرَّحْمَنِ كَلا وَلا جَاهَدْتَ حَقَّ جِهَادِهِ ... فِي اللهِ لا بِيَدٍ وَلا بِلِسَانِ مَنَّتْكَ وَاللهِ الْمَحَالَ النَّفْسُ فَاسْـ ... ـتَحْدِثْ سِوَى ذَا الرَّأْيِ وَالْحُسْبَانِ لَوْ كُنْتَ وَارِثَهُ لآذَاكَ الأَوْلَى ... وَرَثُوا عِدَاهُ بِسَائِرِ الأَلْوَانِ وقَدْ قيل: إن المنكرات أشبه بجراثيم الأمراض فِي تنقلها وانتشارها، والتأثر بها بإذن الله فَإِنَّ وجدت كفاحًا يحجر عَلَيْهَا فِي مكانها حَتَّى يقتلها ويبيدها سلم مَنْهَا موضعها، وسلم مَنْهَا مَا وراءه، وَإِذَا لم تجد كفاحًا وتركت وشأنها اتسعت دائرتها، وتفشت فِي جميع الأرجَاءَ وقضت على عناصر الحياة وعرضها للفناء والدمار. ومن هنا كَانَ أثر المنكرات غير خاص بمرتكبيها، وكَانَ الساكتون عَلَيْهَا عاملين على نشرها وإذعانها، وبهَذَا الموقف السلبي يكونون أهلاً لحلول العقاب بِهُمْ وإصابتهم بما يصاب به المباشرون لها. ومِمَّا يدل على هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ وَقَالَ الشَّيْخ عَبْد اللهِ بن مُحَمَّد بن حميد فِي آخر رسالة لَهُ

стр. 745

تتضمن الحث على الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر: قفا نبك على رسوم علوم الدين والإسلام الَّذِي بدأ يرتحل من بلاده، ولكن يَا للأسف على منام الْقُلُوب وقيام الألسنة بالتقول والتأويل على للإسلام بما لا حقيقة له. لقد انطمس المعنى وذهب اللب وما بقي إلا قشور ورسوم اكتفى كثيرون من الإسلام بمجرد الانتساب إليه بدون أن يعلموا به ويقوموا بالدعوة إليه تحذيرًا وإنذارًا وأمرًا ونهيًا وتبصيرًا للناس بدينهم بذكر فضله وعظمته وإيضاح أسراره وحكمه وغرس العقيدة الحقة فِي قُلُوبهمْ فهَذَا واجب الْمُسْلِمِين بَعْضهُمْ لبعض كُلّ عَلَى قَدْرِ استطاعته ومقدرته. أ. هـ. وقوله ﷺ فِي حديث جابر: «أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن أقلب مدينة كَذَا وَكَذَا بأهلها، قَالَ: يَا رب إن فيهم فلانًا لم يعصك طرفة عين. قَالَ: فَقَالَ: أقلبها عَلَيْهِ وعَلَيْهمْ، فَإِنَّ وجهه لم يتمعر فِي ساعة قط» . وذكر الإمام أحمد عَنْ مالك بن دينار قَالَ: كَانَ حبر من أحبار بَنِي إسرائيل يغشى منزله الرِّجَال والنساء فيعظهم ويذكرهم بأيام الله فرأى بعض بنيه يغمز النساء فِي يوم فَقَالَ: مهلا يَا بَنِي فسقط من سريره فانقطع نخاعه وأسقطت امرأته وقتل بنوه. فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانًا الحبر: أني لا أَخْرَجَ من صلبك صديقًا أَبدًا مَا كَانَ غضبك إِلا أن قُلْتَ: مهلا يَا بَنِي. إذا فهمت ذَلِكَ فاعْلَمْ أن الانتقام إِذَا وقع لَيْسَ هُوَ أخذًا للبرئ بجريمة المذنب كما يظن البعض، وإنما هُوَ أخذًا للمذنب بجريمة ذنبه، فالذنب ذنبان: ذنب يصدر عَنْ شخص، وَهُوَ الْفِعْل نَفْسهُ، وذنب يصدر عَنْ من يعلم هَذَا الذنب، وَهُوَ يقدر على مكافحته. ثُمَّ هُوَ يبعد نَفْسهُ عَنْ مكافحة هَذَا الذنب طمعًا فِي مال أَوْ مكانة وبذَلِكَ يكون شريكًا فِي الْعَمَل على نشره..أ. هـ.

стр. 746

وفي السُّنَن أن عَبْد اللهِ بن مسعود ﵁ حكم بكفر أَهْل مسجد بالكوفة قَالَ: واحد إِنَّمَا مسيلمة على حق فيما قَالَ: وسكت الباقون فأفتى بكفرهم جميعًا. أ. هـ من الدرر السنية. قُلْتُ: لأن الواجب عَلَيْهمْ أن يكذبوه ويقولوا لَهُ: كذبت بل هُوَ على باطل فالساكت شريك الفاعل لقدرته على الإنكار باللسان. وَقَالَ سفيان: إِذَا أمرت بالمعروف شددت ظهر المُؤْمِن وَإِذَا نهيت عَنْ الْمُنْكَر أرغمت أنف المنافق. شِعْرًا: ... لا يُدْرِكَ الْمَجْدَ إِلا مُخْلِصٌ وَرِعٌ ... يُرَاقِبُ الله فِي سِرٍّ وَإِعْلانِ وَلَيْسَ تَأْخُذُه فِي اللهِ لائِمَةٌ ... إِذَا رَأَى مُنْكَرًا فِي بَيْتِ إِنْسَانِ اللَّهُمَّ اجْعَلنَا من حزبك المفلحين، وعبادك الصالحين الَّذِينَ أهلتهم لخدمتك وجعلتهم آمرين بالمعروف فاعلين لَهُ، وناهين عَنْ الْمُنْكَر، ومجتنبين لَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ مرضى الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " وكتب عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز إلى بعض عماله، أما بعد فإنه لم يظهر الْمُنْكَر فِي قوم قط ثُمَّ لم ينههم أَهْل الصلاح مِنْهُمْ إِلا أصابهم الله بعذاب من عنده أَوْ بأيدي من يشاء من عباده، ولا يزال النَّاس معصومين من العقوبات والنقمَاتَ مَا قُمِعَ أَهْل الْبَاطِل واستخفى فيهم بالمحارم. فلا يظهر من أحد محرم إِلا انتقموا ممن فعله فَإِذَا ظهرت فيهم المحارم فَلَمْ ينههم أَهْل الصلاح أنزلت العقوبات من السماء إلى الأَرْض ولعل أَهْل

стр. 747

الإدهان أن يهلكوا ومعهم وإن كَانُوا مخالفين لَهُمْ، فإني لم أسمَعَ الله ﵎ فيما نزل من كتابه عِنْدَ مثلة أهلك بها أَحَدًا نجى أَحَدًا من أولئك أن يكون الناهين عَنْ الْمُنْكَر. ويسلط الله على أَهْل تلك المحارم إَِنْ هُوَ لم يصبهم بعذاب من عنده أَوْ بأيدي من يشاء من عباده من الخوف والذل والنقم فإنه ربما انتقم بالفاجر من الفاجر وبالظَالِم من الظَالِم ثُمَّ صار كلا الفريقين بأعمالهما إلى النار، فنعوذ بِاللهِ أن يجعلنا ظالمين، أَوْ يجعلنا مداهنين للظالمين. وأنه قَدْ بلغني أَنَّهُ قَدْ كثر الفجور فيكم وأمن الفساق فِي مدائنكم وجاهروا بالمحارم بأمر لا يحب الله من فعله ولا يرضى المداهنة عَلَيْهِ، كَانَ لا يظهر مثله فِي علانية قوم يرجون لله وقارًا ويخافون منه غُيرًا وهم الأعزون الأكثرون من أَهْل الفجور، أي أَكْثَر من أهل الفجور وأعز مِنْهُمْ. ولَيْسَ بذَلِكَ مضى أمر سلفكم ولا بذَلِكَ تمت نعمة الله عَلَيْهمْ بل كَانُوا ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء﴾ ، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ﴾ . ولعمري إِنْ من الجهاد الغلظة على محارم الله بالأيدي والألسن والمجاهدة لَهُمْ فيه. وإن كَانُوا الآباء والأبناء والعشائر، وإنما سبيل الله طاعته. وَقَدْ بلغني أَنَّهُ بطأ بكثير من النَّاس عَنْ الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر، إتقاء التلاوم أن يُقَالَ فلان حسن الخلق، قليل التكلف، مقبل على نَفْسهُ، وَمَا جعل الله أولئك أحاسنكم أخلاقًا بل أولئك أسؤكم أخلاقًا. وما أقبل على نَفْسهُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، بَلْ أَدْبَرَ عَنْهَا، ولسلم من الكلفة

стр. 748

لها بل وقع فيها، وإذ رضي لنفسه من الحال غير مَا أمره الله به أن يكون عَلَيْهِ من الأَمْر بالمعروف، والنهي عَنْ الْمُنْكَر. وقَدْ دلت ألسنة كثير من النَّاس بآية وضعوها غير موضعها، وتأولوا فيها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وصدق الله ﵎، ولا يضرنا ضلالة من ضل إِذَا اهتدينا، ولا ينفعنا هدي من اهتدى إِذَا ضللنا ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وإن مِمَّا عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَنْفُسِ أولئك مما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يظهر لله محرمًا إِلا انتقموا ممن فعله مِنْهُمْ، من كنتم، ومن كَانُوا، وقول من قَالَ إن لَنَا فِي أنفسنا شغلاً، ولسنا من النَّاس فِي شَيْء. ولو أن أَهْل طاعة الله رجع رأيهم إلى ذَلِكَ، مَا عمل لله بطاعة، ولا تناهوا لَهُ عَنْ معصية، ولقهر المبطلون المحقين، فصار النَّاس كالأنعام، أَوْ أضل سبيلاً، فتسلطوا على الفساق من كنتم ومن كَانُوا فادفعوا بحقكم باطلهم، وببصركم عماهم، فَإِنَّ الله جعل للأبرار على الفجار سلطانًا مبينًا، وإن لم يكونوا ولاة ولا أَئِمَّة. من ضعف عَنْ ذَلِكَ فليرفعه إلى أمامه فَإِنَّ ذَلِكَ من التعاون على البر والتقوى، قَالَ الله لأَهْل المعاصي: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ . ولينتهين الفجار أَوْ ليهينهم الله بما قَالَ: ﴿َنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ الآيَة. وذكر ابن أبي الدُّنْيَا عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّهُ دخل على عَائِشَة هُوَ ورجل آخر فَقَالَ لها الرجل: يَا أم الْمُؤْمِنِينَ حدثينا عَنْ الزلزلة، فقَالَتْ: إِذَا استباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وضربوا بالمعازف، غار الله فِي سمائه، فَقَالَ للأرض: تزلزلي بِهُمْ، فَإِنَّ تابوا ونزعوا وإِلا هدمها عَلَيْهمْ.

стр. 749

قَالَ: يَا أم الْمُؤْمِنِينَ أعذابا لَهُمْ؟ قَالَتْ: بل موعظة ورحمة للمؤمنين ونكالاً وعذابًا وسخطًا على الكافرين. فَقَالَ أَنَس مَا سمعت حديثًا بعد رَسُول اللهِ ﷺ أَنَا أشد فرحًا به مني بهَذَا الْحَدِيث. وذكر ابن أبي الدُّنْيَا حديثًا مرسلاً: أن الأَرْض تزلزلت على عهد رَسُول اللهِ ﷺ ، فوضع يده عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: اسكني فإنه لم يأن لَكَ بعد. ثُمَّ التفت إلى أصحابه، فَقَالَ: «إن ربكم ليستعتبكم فاعتبوه» . ثُمَّ تزلزلت بِالنَّاسِ على عهد عُمَر بن الخطاب، فَقَالَ: أيها النَّاس مَا كَانَتْ هَذِهِ الزلزلة إِلا على شَيْء أحدثتموه، والَّذِي نفسي بيده لئن عادت لا أساكنكم فيها أبدًا. وفي مناقب عُمَر لابن أبي الدُّنْيَا أن الأَرْض على عهد عُمَر تزلزلت فضرب يده عَلَيْهَا، وَقَالَ: ما لك؟ أما إنها لو كَانَتْ القيامة حدثت أخبارك، سمعت رَسُول اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يوم القيامة فلَيْسَ فيها ذراع ولا شبر إِلا وَهُوَ ينطق. وكتب عُمَر بن عَبْد الْعَزِيز إلى الأمصار: أما بعد فإن هَذَا الرجف شَيْء يعاقب الله به العباد، وَقَدْ كتبت إلى الأمصار أن يخرجوا فِي يوم كَذَا وَكَذَا فِي شهر كَذَا وَكَذَا فمن كَانَ عنده شَيْء فليتصدق به، فَإِنَّ الله يَقُولُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وقولوا كما قَالَ آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقولوا كما قَالَ يونس: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . شِعْرًا: ... إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ ... عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى عَلَيْنَا سَوَابِغُ وَقَدْ عَجِزَتْ عَنْ شُكْرِ فَضْلِكَ قُوَّتِي ... وَكُلُّ الْوَرَى عَنْ شُكْرِ جُودِكَ عَاجِزُ اللَّهُمَّ يَا عَالِم الخفيات ويا سامَعَ الأصوات ويا باعث الأموات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات يَا خالق الأَرْض والسماوات أَنْتَ الله الأحد

стр. 750

الصمد الَّذِي لم يلد ولا يولد ولم يكن لَهُ كفوًا أَحَد الوهاب الَّذِي لا يبخل والحليم الَّذِي لا يعجل لا رادَّ لأَمْرِكَ ولا معقب لحكمك نسألك أن تغفر ذنوبنا وتنور قلوبنا وتثَبِّتْ محبتك فِي قلوبنا وتسكننا دار كرامتك إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قدير. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. " موعظة " قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، قَالَ: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ فيا عباد الله لَقَدْ خاطبكم بهَذَا الخطاب الرائع ووصفهم بهَذَا الوصف العَظِيم، بأنهم خَيْر أمة أخرجت للناس، وأن مجتمعهم أعلا وأعز مجتمَعَ فِي العَالِم حاضره وماضيه لما اتصفوا به من الصفات الفاضلة، والأَخْلاق العالية، والغيرة الصادقة، على حدوده. وَهَذَا الوصف وَقْت أن كَانُوا متمسكين بتعاليم دينهم، وكَانَ الإِسْلام وبهاؤه يلوح فِي أَعْمَالُهُمْ، ومعاملاتهم، وأخلاقهم فلا غش ولا خداع ولا كذب ولا خيانة ولا غدرًا، ولا نميمة، ولا غيبة، ولا قطيعة هدفهم الِقَضَاءِ على المنكرات وإماتتها، وإعزاز المعروف ونشره بين الْمُسْلِمِين، وَهَذَا يدل على قوة إيمانهم، وشدة تمسكهم به ورغبة فِي النجاة التي وعد الله بها الناهي عَنْ السُّوء، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ . فيا عباد الله تأملوا حالتنا الحاضرة، وحالة سلفنا الكرام الَّذِينَ كَانُوا كُلّ مِنْهُمْ يحب لأخيه مَا يحب لنفسه، ويرحم كبيرهم الصغير ويوقر الصغير الكبير، يتآمرون بالمعروف، ويتنأَهْوَن عَنْ الْمُنْكَر، ينصفون حَتَّى الأعداء من أنفسهم وأولادهم.

стр. 751

فالقوي عندهم ضعيف، حَتَّى يستوفي منه الْحَقّ، والضعيف عندهم قوي حَتَّى يؤخذ حقه، إِذَا فقدوا بحثوا عَنْهُ فَإِنَّ كَانَ مريضًا عادوه وَإِذَا مَاتَ شيعوه، وإن احتاج اقرضوه، وواسوه وإن نزل عَلَيْهمْ أكرموه. عاملين بقوله ﷺ : «مثل الْمُؤْمِنِينَ فِي توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إِذَا اشتكى منه عضو تداعى لَهُ سائر الجسد بالسهر والحمى "، وحديث: [المُؤْمِن للمُؤْمِنِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا] . أما نَحْنُ فحالتنا حالة مخيفة جدًا لأننا على ضد مَا ذكرنا من حالة سلفنا ولا حَاجَة إلى تكرار، ألق سمعك وقَلِّبْ نظرك، وأحضر قلبك تَرَى ذَلِكَ بعين بصيرتك وتَرَى مَا يخيفك ويقلق راحتك ويقض مضجعك من المنكرات فِي البيوت والأسواق والبر والبحر، ولا أدري هل بيتك خال من المنكرات التي سأذكرها فهنيئا لَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ ولا أظنه خال مَنْهَا. فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِن ذِي عَظِيمَةٍ ... وَإِلا فَإِنِّي لا إِخَالُكَ نَاجِيًا وإن شككت ففتش على نفسك تجد ذَلِكَ، فالْمُنْكَر نراه بأعيننا ونسمعه بآذاننا بل وفي بيوتنا فهل بيتك خال من صورٍ ذوات الأرواح، هل هُوَ خال من المذياع، هل هُوَ خال من التلفزيون، والسينماء والبكمَاتَ ومسجلات الأغاني، هل هُوَ خال من شراب المسكرات، هل مَا يأتي لبيتك إِلا أناس طيبين طاهري الأَخْلاق، هل هُوَ خال من حالقي اللحى هل هُوَ خال من المخنفسين مطيلي أظافرهم تشبهًا باليهود، وهل هُوَ خال من المتشبهين بالمجوس والمتشبهين بالإفرنج، هل هُوَ خال ممن لا يشهدون صلاة الجماعة أَوْ لا يصلون أبدًا، هل هُوَ خال من النساء القاصات لرؤسهن المطيلات لأظفارهن، هل هُوَ خال من شرَّاب أب الخبائث الدخان، ونحوه من المنكرات وأما فِي الأسواق فحدث عَنْ كثرة المنكرات ولا حرج على حد قول المتنبي: شِعْرًا: ... وقَدْ وَجَدَتُ مَكَانَ الْقَوْلِ ذَا سِعَةِ ... فَإِنْ وَجَدتَ لِسَانًا قَائِلاً فَقُلِ

стр. 752

آخر: ... أَحْذِرْكَ أَحْذِرْكَ لا أَحْذِرْكَ وَاحِدَةَ ... عَن الْمِذَايِيعِ وَالتِّلْفَازِ وَالْكُرَةِ كَذَا الْمَجَلاتِ مَعَ صُحْفٍ وَنَحْوِهما ... مَا حَصَّلُوا مِنْهَا إِلا الإثُمَّ وَالْعَنَتِ كَمْ عِنْدَهَا ضَاعَ مِنْ وَقْتٍ بِلا ثَمَنٍ ... لَوْ كَانَ فِي الْبِرِّ نِلْتَ الأَجْرَ وَالصِّلَةِ ومَعَ ذَلِكَ فلا ألسنة تنطق ولا قُلُوب تتمعر إِلا النوادر، الموجود هُوَ التلاوم والقيل والقَالَ، والمداهنة، والجلوس مع أَهْل المعاصي، ومحادثتهم ومباشرتهم وأظهار البشر لَهُمْ وتعظيمهم وتقليدهم فِي الأقوال والأفعال. فيا عباد الله اتقوا الله واسلكوا طَرِيق سلفكم واصدعوا بالحق وأمروا بالمعروف وانهوا عَنْ الْمُنْكَر، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، قَبْل أَنْ يَحِلَّ بِكم مَا حَل بمن قبلكم، وتضرب قُلُوب بعضكم على بعض، قبل فتنة لا تصيبن الَّذِينَ ظلموا منكم خاصة، قبل أن تُلعنوا كما لعن الَّذِينَ من قبلكم، بسبب عدم تناهيهم عَنْ الْمُنْكَر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . فَيَا عِبَادَ اللهِ إِنَّ الأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَمِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ الإِسْلاميَّةِ، وَأَقْوَى الأُسُس التي يَقُومُ عَلَيْهَا بِنَاءُ الْمُجْتَمِعَاتِ النَّزِيهَةِ الرَّاقِيَةِ، فَإِذَا لم يكن أمر ولا نهي أَوْ كَانَ ولكن كالمعدوم، فعلى الأَخْلاق والمثل العليا السَّلام، ويل يومئذ للفضيلة من الرذيلة، وللمتدينين من الفاسقين والمنافقين. فيا عباد الله تداركوا الأَمْر قبل أن يفوت الأوان وتعضوا على البنان فقَدْ قَالَ لكم سيد ولد عدنان: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فَإِنَّ لم يستطع فبلِسَانه، فَإِنَّ لم يستطع فبقَلْبهُ وَذَلِكَ أضعف الإِيمَان» . عباد الله بالأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر نأمن بإذن الله على الدين من

стр. 753

الاضمحلال والتلاشي، ونأمن بإذن الله على الأَخْلاق الفاضلة من الذهاب والانحلال، والحذر والحذر من مخالفة القول للفعل، فتأثير الدعوة بالْفِعْل أقوى بكثير من الأقوال المجردة من الأفعال. وفي المسند وغيره مِنْ حَدِيثِ عروة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: دخل عليَّ رَسُول اللهِ ﷺ ، وَقَدْ حفزه النفس فعرفت فِي وجهه أن قَدْ حفزه شَيْء، فما تكلم حَتَّى توضأ وخَرَجَ فلصقت بالحجرة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أيها النَّاس إن الله يَقُولُ لكم: مروا بالمعروف وانهوا عَنْ الْمُنْكَر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم. وَقَالَ العمري الزاهد: إن من غفلتك عَنْ نفسك وإعراضك عَنْ الله أن تَرَى مَا يسخط الله فتجاوزه، ولا تنهى عَنْهُ، خوفًا ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا. قُلْتُ: وَمَا أَكْثَر المدلسين الساكتين الَّذِينَ يمرون بالجالسين أمام التلفزيون وعَنْدَ المذياع والكورة بل ولا يأمرونهم بالتي هِيَ أحسن ويمرون بأولادهم فِي فرشهم ولا يوقظونهم للصلاة وكَانَ أمرهم أمر مباح إن شَاءَ أنكر وإن شَاءَ ترك، وَقَالَ: من ترك الأَمْر بالمعروف والنهي عَنْ الْمُنْكَر مخافة من المخلوقين نزعت منه الطاعة، ولو أمره ولده أَوْ بعض مواليه لا استخف بحقه. وذكر الإمام أحمد عَنْ عُمَر بن الخطاب: توشك القرى أن تخرب وهي عامرة. قيل: وكيف تخرب وهي عامرة، قَالَ: إِذَا علا فجارها أبرارها وساد القبيلة منافقوها. قُلْتُ: وَمِمَّا يؤيد ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ الآيَة، وإليك هَذَا نظم للأسباب التي بها حياة الْقَلْب فألق لها سمعك وأحضر قلبك تأتيك بعد الدُّعَاء. اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لما وفقت إليه القوم وأيقظنا من سنة الغَفْلَة والنوم وأرزقنا الاستعداد لِذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي يربح فيه المتقون، اللَّهُمَّ وعاملنا بإحسانك وجد

стр. 754

عَلَيْنَا بِفَضْلِكَ وامتنانك وَاجْعَلْنَا مِنْ عبادك الَّذِينَ لا خوف عَلَيْهمْ ولا هم يحزنون، اللَّهُمَّ ارحم ذلنا بين يديك واجعل رغبتنا فيما لديك، ولا تحرمنا بذنوبنا، ولا تطردنا بعيوبنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا، اللَّهُمَّ اجعل قلوبنا مملؤة وألسنتنا رطبة بِذِكْرِكَ ونُفُوسنَا مطيعة لأَمْرِكَ وارزقنا الزهد فِي الدُّنْيَا والإقبال على الآخِرَة وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. شِعْرًا: ... حَمِدْتُ الَّذِي أَغْنَى وَأَقْنَى وَعَلّمَا ... وَصَيَّرَ شكْرَ الْعَبْدِ لِلْخَيْرِ سُلَّمَا وَأُهْدِي صَلاةً تَسْتِمَر عَلَى الرِّضَا ... وَأَصْحَابِهِ وَالآلِ جَمْعًا مُسَلِّمَا أَعَادَ لَنَا فِي الْوَحْي وَالسُّنَنِ الَّتِي ... أَتَانَا بِهَا نَحْوَ الرَّشَادِ وعَلَّمَا أَزَالَ بِهَا الأَغْلاف عَنْ قَلْبِ حَائِرٍ ... وَفَتَّحَ أَذَانَا أُصِمَّتْ وَأَحْكَمَا فَيَا أَيُّهَا الْبَاغِي اسْتنَارَةَ عَقْلِهِ ... تَدَبَّرْ كِلا الْوَحْيَيْنِ وَانْقَدْ وَسَلِّمَا فَعُنْوَانُ إسْعَادِ الْفَتَى فِي حَيَاتِهِ ... مَعَ اللهِ إِقْبَالاً عَلَيْهِ مُعَظِّمَا وَفَاقِدْ ذَا لا شَكَّ قَدْ مَاتَ قَلْبُهُ ... أَوْ اعْتَلَّ بِالأَمْرَاضِ كَالرِّينِ وَالْعَمَا وَآيَةُ سُقْمٍ فِي الْجَوَارِحِ مَنْعُهَا ... مَنَافِعَهَا أَوْ نَقْصُ ذَلِكَ مِثْلَمَا وَصِحَّتُهَا تَدْرِي بِإتْيَان نَفْعِهَا ... كَنُطْقِ وَبَطْشِ وَالتَّصَرُّفِ وَالنَّمَا وَعَيْنُ امْتِرَاضِ الْقَلْبِ فقدُ الَّذِي لَهُ ... أُرِيدَ مِن الإِخْلاصِ وَالْحُبِّ فَاعْلَمَا وَمَعْرِفَةٌ وَالشَّوْق إِلَيْهِ إِنَابَةً ... بِإِيثَارِهِ دُونَ الْمَحَبَّاتِ فَاحْكمَا وَمُوثِرُ مَحْبُوبٍ سِوَى اللهِ قَلْبُهُ ... مَرِيضٌ عَلَى جُرْفٍ مِنَ الْمَوْتِ وَالْعَمَا وَأَعْظَمُ مَحْذُورٍ خَفَى مَوْتُ قَلْبِهِ ... عَلَيْهِ لِشُغْلِ عَنْ دَوَاهُ بِصَدِمَا وَآيَةُ ذَا هُونُ الْقَبَائِحِ عِنْدَهُ ... وَلَوْلاهُ أَضْحَى نَادِمًا مُتَأَلِّمَا فَجَامِعَ أَمْرَاضٍ الْقُلُوبِ اتَّبَاعُهَا ... هَوَاهَا فَخَالِفَهَا تَصِحَّ وَتَسْلَمَا وَمِنْ شُؤْمِهِ تَرْكُ إِغْتِذَاءٍ بِنَافِعٍ ... وَتَرْكُ الدَّوَا الشَّافِي وَعَجْزٌ كِلاهُمَا إِذَا صَحَّ قَلْبُ الْعَبْدِ بَانَ ارْتِحَالُهُ ... إلى دَارِهِ الأُخْرَى فَرَاحَ مُسَلِّمَا وَمِنْ ذَاكَ إِحْسَاسُ الْمُحِبِّ لِقَلْبِهِ ... بِضَرْبٍ وَتَحْرِيكٍ إِلَى اللهِ دَائِمَا إلى أَنْ يُهَنَّا بِالإِنَابَةِ مُخْبِتًا ... فَيَسْكُنُ فِي ذَا مُطْمَئِنًا مُنَعَّمَا

стр. 755

.. وَيَصْحَبُ حُرًّا دَلَّهُ فِي طَرِيقِهِ ... وَكَانَ مُعِينَا نَاصِحًا مُتَيَمِّمَا وَمِنْهَا إِذَا مَا فَاتَهُ الْوِرْدُ مَرَّةً ... تَرَاهُ كَئِيبًا نَادِمًا مُتَأَلِّمَا وَمِنْهَا اشْتِيَاقُ الْقَلْبِ فِي وَقْت خِدْمَةٍ ... إِلَيْهَا كَمُشَتَدٍّ بِهِ الْجُوعُ وَالظَّمَا وَمِنْهَا ذِهَابُ الْهَمِّ وَقْتَ صَلاتِهِ ... بِدُنْيَاهُ مُرتَاحَا بِهَا مُتَنَعِّمَا وَيَشْتَدُّ عَنْهَا بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ ... وَقَدْ زَالَ عَنْهُ الْهَمَّ وَالْغَمُّ فَاسْتَمَا فَأَكْرِمْ بِهِ قَلْبًا سَلِيمًا مُقَرَّبًا ... إِلَى اللهِ قَدْ أَضْحَى مُحِبًّا مُتَيَّمًا وَمِنْهَا اجْتِمَاعُ الْهَمِّ مِنْهُ بِرَبِّهِ ... بِمَرْضَاتِهِ يَسْعَى سَرِيعًا مُعَظَّمَا وَمِنْهَا اهْتِمَامٌ يُثْمِرُ الْحِرْصَ رَغْبَةً ... بِتَصْحِيحِ أَعْمَالٍ يَكُونُ مُتَمِّمَا بِإِخْلاصِ قَصْدٍ وَالنَّصِيحَةَ مُحْسِنًا ... وَتَقْيِيدِهِ بِالاتِّبَاعِ مُلازِمًا وَيَشْهَدُ مَعْ ذَا مِنَّةَ الله عِِنْدَهُ ... وَتَقْصِيرَهُ فِي حَقِّ مَوْلاهُ دَائِمَا فَسِتٌ بِهَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ ارْتِدَاءِهُ ... وَيَنْجُو بِهَا مِنْ آفَةِ الْمَوْتِ وَالْعَمَا فَيَا رَبِّ وَفَّقَنَا إلى مَا نَقُولُهُ ... فَمَا زِلْتَ يَا ذَا الطُّولِ بَرًّا وَمُنْعِمَا فَإِنِّي وَإِنْ بَلَغْتُ قَوْلَ مُحَقِّقٍ ... أَقِرُّ بِتَقْصِيرِي وَجَهْلِي لَعَلَّمَا وَلَمَّا أَتَى مِثْلِي إلى الْجَوِّ خَالِيًا ... مِنَ الْعِلْمِ أَضْحَى مُعْلِنًا مُتَكَلِّمَا كَغَابِ خَلا مِنْ أُسْدِهِ فَتَوَاثَبَتْ ... ثَعَالِبُ مَا كَانَتْ تَطَافِي فِنَا الْحِمَا فَيَا سَامِعَ النَّجْوَى وَيَا عَالِمَ الْخَفَا ... سَأَلْتُكَ غُفْرَانًا يَكُونُ مَعَمِّمَا فَأَجْرَأَنِي إِلا اضْطِرَارٌ رَأَيْتُهُ ... تَخَوَّفْتُ كَوْنِي إِنْ تَوَقَّفْتُ كَاتِمَا فَأَبْدَيْتُ مِنْ جُرَّاهُ مُزْجَى بِضَاعَتِي ... وَأَمَّلْتُ عَفْوًا مِنْ إِلَهِي وَمَرْحَمَا فَمَا خَابَ عَبْدٌ يَسْتَجِيرُ بِرَبِّهِ ... أَلَحَّ وَأَمْسَى طَاهِرَ الْقَلْبِ مُسْلِمَا وَصَلُّوا عَلَى خَيْرِ الآنَامِ مُحَمَّدٍ ... كَذَا الآلِ وَالأَصْحَابِ مَا دَامَتْ السَّمَا والله أعْلَمُ. وصلى الله على مُحَمَّد وآله وصحبه وسلم.

стр. 756

" فَصْلٌ " اعلم وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ وَجَمِيع الْمُسْلِمِين لما يحبه ويرضاه وجعلنا وَإِيَّاكَ وإياهم من المصدقين لله فيما أخبروا به وحيث أَنَّهُ قَدْ كثر فِي زمننا المنكرون للجن وغالبهم يستندون فِي إنكارهم بأن طَرِيق معرفة وجودهم هِيَ النظر أَوْ السمَعَ أَوْ اللمس وأنهم لم يروا جنَّا ولم يسمعوهم ولم يمسوهم. ولكن عدم النظر أَوْ السمَعَ أَوْ اللمس أَوْ عدم وصول أحد الحواس الخمس إلى وجود الجن لا يقوم دليلاً على عدم وجودهم لا نقلاً ولا عقلاً أما العقل فإنه يجوز وجود كائن حي غير مرئي بالعين بدون واسطة المجهر المكتشف أخيرًا فَإِنَّ المكروب كائن حي خلقه الله وَهُوَ كثير فِي طبقات الجو ولا يمكن رؤيته بالعين. ومن لم يقر ويعتقَدْ مَا غاب عَنْ سمعه ولمسه لزمه إنكار الروح والآلام والعقل والجوع والظماء لأنها لَيْسَتْ مرئية ولا مسموعة ولا ملموسة ولا مذوقة وأما النقل فكثير فمن الأدلة قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وَقَالَ الله تَعَالَى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه أن الجن استمعوا لقراءة الْقُرْآن فآمنوا به وصدقوا لما قَالَ وتلا وانقادوا لَهُ كما فِي قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ الآيات. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ . وَهَذَا من حكمة الله ولطفه بعباده البشر فلو كشف لَنَا عَنْ حقيقتهم وسلط نظرنا المحدود على ذواتهم لما أمكن وَاللهُ أَعْلَمُ أن يعيش الإِنْسَان معهم وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانٌ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ . وَقَالَ: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ . وَقَالَ فِي من سخر لسُلَيْمَانٌ: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآيات، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ

стр. 757

الْمَسِّ﴾ . قَالَ ابن عَبَّاس: «آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق» . رَوَاهُ ابْن أَبِي حَاتِم، قَالَ: وروي عَنْ عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أَنَس وقتادة ومقاتل بن حيان نَحْوَ ذَلِكَ إلى غير ذَلِكَ من الآيات. اللَّهُمَّ انهج بنا مناهج المفلحين وألبسنا خلع الإِيمَان واليقين، وخصنا منك بالتَّوْفِيق المبين، وَوَفِّقْنَا لقول الْحَقّ واتباعه وخلصنا مِنَ الْبَاطِلِ وابتداعه، وكن لَنَا مؤيدًا ولا تجعل لفاجر عَلَيْنَا يدًا واجعل لَنَا عيشًا رغدًا ولا تشمت بنا عدوًا ولا حاسدًا، وارزقنا عِلْمًا نافعًا وعملاً متقبلاً وفهمًا ذكيًا وطبعًا صفيًا وشفاءً من كل داء. واغفر لنا ولوالديْنا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وصلى الله على مُحَمَّد وعلى آل وصحبه أجمعين. " فَصْلٌ " أما السنة فورد عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إن عفريتًا من الجن تفلت عليَّ البارحة ليقطع علي الصَّلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حَتَّى تصبحوا وتنظروا إليه فذكرت قول أخي سُلَيْمَانٌ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ » . ورد أن صفية زوج النَّبِيّ ﷺ جاءت تزوره وَهُوَ معتكف فقام معها مودعًا حَتَّى بلغت باب المسجد فرآه رجلان من الأنصار فسلما عَلَيْهِ فَقَالَ: على رسلكما إِنَّمَا هِيَ صفية بنت حيي» . فقالا: سبحان الله يَا رَسُول اللهِ وكبر عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «إن الشيطان يبلغ من الإِنْسَان مبلغ الدم وإني خشيت أن يقذف فِي قلوبكما شَيئًا» .

стр. 758

وَهَذَا صريح واضح فِي أن الشيطان يخترق الجسم البشري ويسري فيه كما يسري الدم ومَعَ خفائه فقَدْ التزم الشيطان لعنه الله فِي عداوته سبعة أمور: أربعة فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ وثلاثة مَنْهَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ . وَهَذَا الإلتزام يبين أَنَّهُ عدو متظاهر بالعداوة ولِذَلِكَ فصل الله عداوته باشتمالها على ثلاثة أشياء: (السُّوء) وَهُوَ متنازل جميع المعاصي من الْقَلْب والْجَوَارِح، (والفحشاء) وهي مَا عظم جرمه وذنبه كالكبائر التي بلغت الغاية فِي الفحش وَذَلِكَ كالزنا واللواط. والقول على الله بلا علم فِي أسمائه وصفاته وشرعه. وروى مُسْلِم أن فتى من الأنصار قتل حية فِي بيته فمَاتَ فِي الحال فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ :" إن فِي الْمَدِينَة جنًا قَدْ أسلموا فَإِذَا رأيتم مِنْهُمْ شَيْئًا فآذنوه ثلاثة أيام فَإِنَّ بدا لكم بعد ذَلِكَ فاقتلوه فإنما هُوَ شيطان» . وهكَذَا تكررت الروايات الصحيحة أن الجن كَانُوا بالْمَدِينَة وَقَدْ أسلم بَعْضهُمْ وروى مُسْلِم فِي صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ رضي اله عَنْهُ أن رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا من مولود يولد إِلا نخسه الشيطان إِلا ابن مريم وأمه» . وروى مُسْلِم قول النَّبِيّ ﷺ : «مَا منكم من أحد إِلا وكل الله به قرينه من الجن "، فرأى الصحابة أن قوله ﷺ عام فَقَالُوا يَا رَسُول اللهِ وَإِيَّاكَ، أي حَتَّى أَنْتَ، فَقَالَ ﷺ : «وإياي لكن الله قَدْ أعانني عَلَيْهِ فأسلم فلا يأمرني إِلا بالْخَيْر» . وروى الْبُخَارِيّ فِي صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ قَالَ: وكلني رَسُول اللهِ ﷺ -

стр. 759

بحفظ زكاة رمضان فأتاني أت فجعل يحثو من الطعام فأخفته وقُلْتُ: لأرفعَنْكَ إلى رَسُول اللهِ ﷺ ، قَالَ: دعني فإني محتاج ولي عيال وبي حَاجَة شديدة. قَالَ: فخليت عَنْهُ. فأصبحت فَقَالَ رَسُول اللهِ: «يَا أَبَا هريرة مَا فَعَلَ أسيرك البارحة» ؟ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُول اللهِ شكا حَاجَة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، قَالَ: «أما أَنَّهُ كذبك وسيعود» . فرصدته فَجَاءَ يحثو من الطعام فعل ذَلِكَ ثلاث ليال كُلّ ذَلِكَ والرَّسُول ﷺ يَقُولُ:" أما أَنَّهُ قَدْ كذبك وسيعود» . فَلَمَّا كَانَ فِي الثالثة قُلْتُ: لأرفعَنْكَ إلى رَسُول اللهِ ﷺ ، وَهَذَا آخر ثلاث مرات تزعم إِنَّكَ لا تعود، فَقَالَ: دعني أُعْلَمُك كلمَاتٍ ينفعك الله بها. فَقُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى ختم الآيَة فإنه لن يزال عَلَيْكَ من الله حافظ ولا يقربك شيطان حَتَّى تصبح. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أما أَنَّهُ صدقك وَهُوَ كذوب. تعلم من تخاطب مُنْذُ ثلاث ليال يَا أَبَا هريرة» . قُلْتُ: لا. قَالَ: «ذَلِكَ شيطان» . عن أبي السائب أَنَّهُ دخل على أبي سعيد الخدري فِي بيته قَالَ: فوجدته يصلي فجلست أتنظره حَتَّى يقضي صلاته فسمعت تحريكًا فِي عراجين فِي ناحية البيت فالتفت فَإِذَا حية فوثَبِّتُ لأقتلها فأشار إليَّ أن أجلس فجلست فَلَمَّا انصرف أشار إلى بيت فِي الدار فَقَالَ: أتَرَى هَذَا البيت؟ فَقُلْتُ: نعم. فَقَالَ: كَانَ فيه فتى منَّا حديث عهد بعرس قَالَ: فخرجنا مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ إلى الخندق فكَانَ ذَلِكَ الفتى يستأذن رَسُول اللهِ ﷺ بأنصاف النَّهَارَ فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يَوْمًا فَقَالَ لَهُ رَسُول اللهِ ﷺ : «خذ عَلَيْكَ سلاحك؛ فإٍني أخشى عَلَيْكَ قريظة» . فأخذ الرجل سلاحه ثُمَّ رجع فَإِذَا امرأته بين البابين قَائِمَة فأهوى

стр. 760

إليها بالرمح ليطعَنْهَا به فأصابته، فقَالَتْ: اكفف عَلَيْكَ رمحك وادخل البيت حَتَّى تنظر مَا الَّذِي أخرجني فَإِذَا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ثُمَّ خَرَجَ فركزه فِي الدار فاضطربت عَلَيْهِ فما يدري أيهما كَانَ أسرع موتًا الحية أم الفتى قَالَ: فجئنا إلى رَسُول اللهِ ﷺ فذكرنا ذَلِكَ لَهُ وقلنا: ادع الله يحييه لَنَا فَقَالَ: «استغفروا لصاحبكم» . ثُمَّ قَالَ: «إن بالْمَدِينَة جنًا قَدْ أسلموا فَإِذَا رأيتم مِنْهُمْ شَيْئًا فآذنوه ثلاثة أيام فَإِنَّ بدا لكم بعد ذَلِكَ فاقتلوه فإنما هُوَ شيطان» . وفي رواية عَنْهُ فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «إن لهذه البيوت عوامر فَإِذَا رأيتم شَيْئًا مَنْهَا فحرجوا عَلَيْهَا ثلاثة فَإِنَّ ذهب وإِلا فاقتلوه فإنه كافر» . وَقَالَ لَهُمْ: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ :" إِذَا نودي بالصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط حَتَّى لا يسمَعَ التأذين فَإِذَا قضي النداء أقبل حَتَّى إِذَا وثب بالصَّلاة أدبر حَتَّى إِذَا قضي التثويب أقبل حَتَّى يخطر بين المرء ونفسه يَقُولُ: اذكر كَذَا واذكر كَذَا - لما لم يذكر من قبل - حَتَّى يظلّ الرجل مَا يدري كم صلى» . متفق عَلَيْهِ. (التثويب) : الإقامة، يخطر: يوسوس. وعن ابن مسعود رصي الله عَنْهُ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ رجل نام حَتَّى أصبح قَالَ: «يعقَدْ الشيطان على قافية رأس أحدكم إِذَا هُوَ نام ثلاث عقَدْ يضرب على كُلّ عقدة عَلَيْكَ ليل طويل فارقَدْ، فَإِنَّ استيقظ فذكر الله تَعَالَى انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كُلّهَا فأصبح نشيطًا طيب النفس وإِلا أصبح خبيث النفس كسلان» . متفق عَلَيْهِ. اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك حزبك المفلحين، واجْعَلنَا من عبادك المخلصين، وآمنا يوم الفزع الأكبر يوم الدين، واحشرنا مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين

стр. 761

الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ " وروى مُسْلِم عَنْ ابن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنه زَادَ إخوانكم من الجن» . وورد فِي السنة الصحيحة باللفظ الصريح: أكل الشيطان، وشربه فقَدْ ورد: «إِذَا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويأخذ بشماله» . وَهَذَا لا يحتاج إلى شرح، ولا تأويل لوضوحه. وحديث الوادي الَّذِي نام فيه رَسُول اللهِ ﷺ ، عَنْ زيد بن أسلم قَالَ: عرس رَسُول اللهِ ﷺ ليلة بطَرِيق مَكَّة، ووكل بلالاً يوقظهم للصلاة، فرقَدْ بلال ورقدوا، حَتَّى استيقظوا وَقَدْ طلعت عَلَيْهمْ الشمس، فاستيقظ القوم قَدْ فزعوا، فأمرهم رَسُول اللهِ ﷺ أن يركبوا، حَتَّى يخرجوا من ذَلِكَ الوادي. وَقَالَ: «هَذَا واد فيه الشيطان» . فركبوا حَتَّى خرجوا من ذَلِكَ الوادي ثُمَّ أمرهم النَّبِيّ ﷺ أن ينزلوا، وأن يتوضأوا وأمر بلالاً أن ينادي بالصلاة وصلى رسول الله ﷺ بالناس ثم انصرف، وَقَدْ رأى من فزعهم، فَقَالَ: «أيها النَّاس إن الله قبض أرواحنا ولو شَاءَ لردها إلينا فِي حين غير هَذَا، فَإِذَا رقَدْ أحدكم عَنْ الصَّلاة أَوْ نسيها، ثُمَّ فزع إليها فليصلها كما كَانَ يصليها فِي وقتها» . ثُمَّ التفت رَسُول اللهِ ﷺ إلى أَبِي بَكْرٍ الصديق فَقَالَ: «إن الشيطان أتى بلالاً وَهُوَ قائم يصلي فأجمعه، ثُمَّ لم يزل يهديه كما يهدى الصبي حَتَّى نام، ثُمَّ دعا رَسُول اللهِ ﷺ بلالاً فأخبر بلال رسول الله ﷺ مثل الذي أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أشهد إِنَّكَ رَسُول اللهِ. رَوَاهُ مالك فِي الموطأ مرسلاً.

стр. 762

وعن ابن مسعود قَالَ: خَرَجَ رجل من الإنْس فلقيه رجل من الجن فَقَالَ: هل لَكَ أن تصارعني، فَإِنَّ صرعتني علمتك آية إِذَا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فَقَالَ: إني أراك ضئيلاً، كَانَ ذراعيك ذرعا كلب، أهكَذَا أنتم أيها الجن، أم أَنْتَ من بينهم. قَالَ: إني فيهم لضليع فعاودني. فعاوده فصرعه الإنسي قَالَ: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرؤها أحد إِذَا دخل بيته إِلا خَرَجَ الشيطان وله خجيج كخجيج الحمار. فَقِيلَ لابن مسعود: أهو عُمَر؟ قَالَ: من عَسَى أن يكون إِلا عُمَر ﵁. ومن ذَلِكَ مَا فِي مجيئ الشيطان فِي صورة شيخ نجدي فِي دار الندوة. ومن قصتها أنه اجتمع قريش للتشاور فِي أمر رَسُول اللهِ ﷺ ، قَالَ أَهْل العلم بالأخبار هاجر أصحاب النَّبِيّ ﷺ مثل عُمَر بن الخطاب، وابنه وأخيه زيد بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة بن عبد المطلب، عم رَسُول اللهِ ﷺ وزيد بن حارثة وغيرهم. وأقام رَسُول اللهِ ﷺ بعد أصحابه ينتظر الأذن فِي الهجرة، ولم يتخلف معه بمَكَّة أحد من المهاجرين، إِلا من حبس، أَوْ فتن، إِلا أَبُو بَكْرٍ الصديق، وعلي بن أبي طالب وكَانَ أَبُو بَكْرٍ كثيرًا مَا يستأذن رَسُول اللهِ ﷺ فيَقُولُ لَهُ: لا تعجل لعل الله أن يجعل لَكَ صاحبًا، فيطمَعَ أَبُو بَكْرٍ أن يكون هُوَ. ولما رأت قريش أن لرَسُول اللهِ ﷺ شيعة، وأصحابًا من غير بلدهم، ورأوا خروج المهاجرين إليهم، حذروا خروج رَسُول اللهِ ﷺ ، وعلِموا أَنَّهُ قَدْ اجمَعَ لحربهم فاجتمعوا فِي دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وكَانَتْ قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها يتشاورون فيما يصنعون برَسُول اللهِ ﷺ حين خافوه. قَالَ ابن عَبَّاس: لما خرجوا فِي الْيَوْم الَّذِي اتعدوا لَهُ، كَانَ ذَلِكَ الْيَوْم

стр. 763

يسمى يوم الرحمة، فاعترض إبلَيْسَ فِي هيئة شيخ جليل، عَلَيْهِ بتلة أي كساء غليظ، فوقف على باب الدار، فَلَمَّا رأوه قَالُوا: من الشَّيْخ؟ قَالَ: شيخ من أَهْل نجد، سمَعَ بالَّذِي اتعدتم لَهُ، فَجَاءَ ليسمَعَ مَا تقولون، وعَسَى أن لا يعدكم منه رأيًا ونصحًا. قَالُوا: فأدخل. وقَدْ اجتمَعَ أشراف قريش، فَقَالَ بَعْضهُمْ لبعض: إنْ هَذَا الرجل قَدْ كَانَ من أمره مَا قَدْ رأيتم، وإنَا وَاللهِ مَا نأمنه عَنْ الوثوب عَلَيْنَا، فأجمعوا فيه رأيًا، فَقَالَ قائل: احبسوه فِي الحديد وأغلقوا عَلَيْهِ بابًا، ثُمَّ تربصوا به مَا أصاب أمثاله من الشعراء من الموت. فَقَالَ الشَّيْخ النجدي: لا وَاللهِ مَا هَذَا لكم برأي، وَاللهِ لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره إلى أصحابه فيثبوا عليكم فينزعوه منكم، مَا هَذَا لكم برأي فانظروا فِي غيره. فتشاوروا، ثُمَّ قَالَ قائل مِنْهُمْ: نخرجه عَنْ بلادنا، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ فوَاللهِ لا نبالي أين ذهب. فَقَالَ الشَّيْخ النجدي: لا وَاللهِ مَا هَذَا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قُلُوب الرِّجَال بما يأتي به، وَاللهِ مَا هُوَ رأي. فَقَالَ: أَبُو جهل: وَاللهِ لي رأيًا. قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحكم؟ قَالَ: أرى أن نأخذ من كُلّ قبيلة شابًا، ثُمَّ نعطي كُلّ فتى سيفًا، ثُمَّ يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فتستريحوا منه فَإِنَّهُمْ إِذَا فعلوا ذَلِكَ تفرق دمه فِي القبائل جميعًا، فَلَمْ يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا بالعقل فعقلنا لَهُمْ. فَقَالَ الشَّيْخ النجدي: هَذَا هُوَ الرأي الَّذِي لا أرى غيره. فتفرق القوم على ذَلِكَ، فأتى جبريل النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: لا تبيت اللَّيْلَة على فراشك، فَلَمَّا كَانَ عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرقبونه حَتَّى ينام فيثبون عَلَيْهِ.

стр. 764

فَلَمَّا رأى رَسُول اللهِ ﷺ مكانهم قَالَ لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج بردائي الأخضر، فإنه لن يخلص إليك شَيْء تكرهه مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجتمعوا على بابه قَالَ أَبُو جهل: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتوه على أمره كنتم ملوك الْعَرَب، والعجم ثُمَّ بعثتم من بعد موتكم وجعلت لكم جنات كجنات الأردن، وإن لم تفعلوا كَانَ فيكم ذبح، ثُمَّ بعثتم من بعد موتكم، ثُمَّ جعلت لكم نار تحرقون فيها. قَالَ: وخَرَجَ عَلَيْهمْ رَسُول اللهِ ﷺ فأخذ حفنة من تراب ثُمَّ قَالَ: «نعم أَنَا أَقُول ذَلِكَ أَنْتَ أحدهم» . فأخذهم الله على أبصارهم عَنْهُ فلا يرونه وجعل ينثر ذَلِكَ التُّرَاب على رؤوسهم، وَهُوَ يتلوا عَلَيْهمْ ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ، ولم يبق مِنْهُمْ رجلاً إِلا وَقَدْ وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف فأتاهم آتٍ فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدًا. قال: خيبكم الله، والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه تراباً وانطلق لحاجته. قَالَ: فوضع كُلّ واحد مِنْهُمْ يده على رأسه فَإِذَا عَلَيْهِ تراب، ثُمَّ جعلوا يتطلعون فيرون عليًا على الفراش مُسجَّى ببرد رَسُول اللهِ ﷺ ، فيقولون: وَاللهِ إن هَذَا لمُحَمَّد نائمًا فِي برده، فَلَمْ يبرحوا كَذَلِكَ حَتَّى أصبحوا. فقام علي عَنْ الفراش فَقَالُوا: وَاللهِ لَقَدْ صدقنا الَّذِي كان حدثنا وأنزل الله فِي ذَلِكَ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ والشاهد هُوَ مجيء الشيطان ورؤيته وكلامه وَهُوَ أَبُو الجن لعنه الله. ومن ذَلِكَ صياح إبلَيْسَ يوم أحد أن النَّبِيّ ﷺ قتل، فَلَمْ يشك فِي ذَلِكَ، حَتَّى طلع رَسُول اللهِ ﷺ بين السعدين، قَالَ الراوي نعرفه بكتفيه إِذَا

стр. 765

مشى قَالَ: ففرحنا حَتَّى كأنه لم يصبنا مَا أصابنا، فاؤمأ نحونا.. الحديث. ومن ذَلِكَ مَا ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «إِذَا استيقظ أحدكم من منامه فليتوضأ وليستنثر ثلاث مرات فَإِنَّ الشيطان يبيت على خياشيمه» . متفق عَلَيْهِ. ومن ذَلِكَ مَا ورد عَنْ أبي سعيد الخدري أن رَسُول اللهِ ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وَهُوَ خلفه فقرأ فالتبست عَلَيْهِ القراءة فَلَمَّا فرغ من صلاته قَالَ: لو رأيتموني وإبلَيْسَ فأهويتُ بيدي فما زلت اخنقه حَتَّى وجدتُ برد لعابه بين إصبعي هاتين الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سُلَيْمَانٌ أصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان الْمَدِينَة» . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ ": وَقَالَ شيخ الإِسْلام والجن يتصورون فِي صور الإنس، والبهائم فيتصورون فِي صور الحيات، والعقارب، وغيرها، وفي صور الإبل، والبقر والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بَنِي آدم، كما أتى الشيطان قريشًا فِي صورة سراقة بن مالك بن قشم، لما أرادوا الْخُرُوج إلى بدر، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وذكر ابن أبي الدُّنْيَا فِي كتابه مكائد الشيطان أن رجلاً من أَهْل الشام من أمراء معاوية غضب ذات ليلة على ابنه، فأَخْرَجَهُ من منزله فخَرَجَ الغلام لا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَجَلَسَ وَرَاء الْبَابِ مِنْ خَارِج، فَنَامَ سَاعَة ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَبَابه يَخْمِشَهُ هِر أَسْوَدٌ بَرِّيٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْهِّرُ الَّذِي فِي مَنْزِلِهِمْ. فَقَالَ لَهُ البريء: وَيْحَكَ افْتَحْ. فَقَالَ: لا أَسْتَطِيعُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ ائْتِنِي بِشَيْء أَتَبَلَّغُ بِهِ، فَإِنِّي جَائِعٌ وَأنَا تَعْبَانٌ، هَذَا أَوَان مَجِيء مِنَ الْكُوفَةِ وَقَدْ حَدَثَ اللَّيْلَة

стр. 766

حَدَثٌ عَظِيم قُتِلَ عَلَيٌ بِن أَبِي طَالِبٌ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْهِّرُ الأَهْلِيُ: وَاللهِ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْء هَا هُنَا، إِلا وَقَدْ ذَكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، غَيْر سفود كَانُوا يَشْوُونَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِهِ فَجَاءَهُ فَجَعَلَ يَلْحَسَهُ حَتَّى أَخَذَ حَاجَتَهُ وَانْصَرَفَ وَذَلِكَ بِمَرْأَى مِنَ الْغُلامِ وَسَمِعٍ، فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَطَرَقَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُوهُ، فَقَالَ: مَنْ؟ فَقَالَ: افْتَحْ. فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا لَكَ؟ فَقَالَ: افْتَحْ. فَفَتَحَ فَقَصَ عَلَيْهِ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ: وَيْحَكَ أَمَنَامٌ هَذَا؟ قَالَ: لا وَاللهِ. قَالَ: وَيْحَكَ، فَأَصَابَكَ جُنُونٌ بِعْدِي؟ قَالَ: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ الأَمْر كَمَا وَصَفْتَ لَكَ. فَاذْهَبْ إِلَى مُعَاوِيَة الآن فاتخذ عِنْدَهُ بِمَا قُلْتُ لَكَ. فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى مُعَاوِيَة فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ مَا ذَكَرَ لَهُ وَلَدُهُ، فَأَرَّخُوا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْبردِ، وَلَمَّا جَاءَتْ الْبردُ وَجَدُوا مَا أَخْبَرهمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْبردِ، ولما جاءت البرد وجدوا مَا أخبروهم بِهِ مُطَابِقًا لِمَا كَانَ خَبَّرَ بِهِ الْغُلامُ. وَرُوِيَ أَنَّ سَعَدَ بْن عُبَادَة بَالَ بِجحر بِالشَّامِ ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا فَسُمِعَ مَنْ بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ قَائِلاً يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجَ سَعْد بْن عُبَادَة، رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِي فُؤَادَهُ، فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدُ فَوَجَدُوهُ الْيَوْم الَّذِي سُمِعَ فِيهِ الْخَبَرَ. وَاللهُ اعْلَمْ. اللَّهُمَّ وَفَّقَنَا لتدبر كتابك وإطالة التأمل فيه وجمَعَ الفكر على معاني آياته. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قواعد الإِيمَان فِي قلوبنا وشيد فيها بنيانه ووطد فيها أركانهوألهمنا ذكرك وشكرك وآتنا فِي الدُّنْيَا حسنة وفي الآخِرَة حسنة، اللَّهُمَّ يَا من لا تضره المعصية ولا تنفعه الطاعة أيقظنا من نوم الغَفْلَة ونبهنا لاغتنام أوقات المهلة وَوَفِّقْنَا لمصالحنا واعصمنا من قبائحنا وذنوبنا ولا تؤاخذنا بما انطوت عَلَيْهِ ضمائرنا وأكنته سرائرنا من أنواع القبائح والمعائب التي تعلمها منا وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتيين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

стр. 767

" فَصْلٌ " وَقَالَ شيخ الإِسْلام ابن تيمية ﵀: ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين، وخطابهم، وتصرفهم مَا هُوَ من أسباب ضلال بَنِي آدم، وجعل القبور أوثانًا، هُوَ أول الشرك، ولهَذَا يحصل عِنْدَ القبور لبعض النَّاس من خطاب يسمعه، وشخص يراه، وتصرف عجيب، مَا يظن أَنَّهُ من الميت. وقَدْ يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قَدْ انشق، وخَرَجَ منه الميت، وكلمه وعانقه وَهَذَا يرى عِنْدَ قبور الأَنْبِيَاء وغيرهم، وإنما هُوَ شيطان فَإِنَّ الشيطان يتصور بصور الإنس، ويدعي أحدهم أَنَّهُ النَّبِيّ فلان أَوْ الشَّيْخ فلان وَيَكُونُ كّاذِبًا فِي ذَلِكَ. وفي هَذَا الْبَاب من الوقائع مَا يضيق هَذَا الموضع عَنْ ذكره وهي كثيرة جدًا، والجاهل يظن أن ذَلِكَ الَّذِي رآه قَدْ خَرَجَ من القبر وعانقه أَوْ كلمه هُوَ المقبور أَوْ النَّبِيّ، أَوْ الصالح، أَوْ غيرهما، والمُؤْمِن العَظِيم يعلم أَنَّهُ شيطان، ويتبين ذَلِكَ بأمور: أحدهما أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فَإِذَا قرأها تغيب ذَلِكَ الشخص، أَوْ ساخ فِي الأَرْض، أَوْ احتجب، ولو كَانَ رجلاً صالحًا أَوْ ملكًا أَوْ جنيًا مؤمنًا لم تضره آية الكرسي، وإنما تضر الشيطان كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: اقرأ آية الكرسى إذا أويت فراشك، فإنه لا يزال عَلَيْكَ من الله حافظ ولا يقربك شيطان حَتَّى تصبح، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : «صدقك وَهُوَ كذوب» . وَمِنْهَا أن يستعيذ بِاللهِ من الشياطين. وَمِنْهَا أن يستعيذ بالعوذة الشرعية، فَإِنَّ الشياطين كَانَتْ تعرض للأنبياء فِي حياتهم وتريد أن تؤذيهم، وتفسد عبادتهم كما جاءت الجن إلى النَّبِيِّ ﷺ بشعلة من نار تريد أن تحرقه، فأتاه جبريل بالعوذة المعروفة، التي تضمنها

стр. 768

الْحَدِيث المروي عَنْ أبي التياح أَنَّهُ قَالَ: سأل رجل عَبْد الرَّحْمَنِ بن حبيش، وكَانَ شيخًا كبيرًا قَدْ أدرك النَّبِيَّ ﷺ : كيف صنع رَسُول اللهِ ﷺ حين كادته الشياطين؟ قَالَ: تحدرت عَلَيْهِ من الشعاب، والأودية، وفيهم شيطان معه شعلة من نار، يريد أن يحرق بها رَسُول اللهِ ﷺ . قَالَ: فرعب رَسُول اللهِ ﷺ ، فأتاه جبريل ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّد قل مَا أَقُول، قَالَ: قل: أعوذ بكلمَاتَ الله التامَاتَ، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر مَا خلق، وذرأ وبرأ ومن شر مَا ينزل من السماء، ومن شر مَا يعرج فيها، ومن شرما يخَرَجَ من الأَرْض، ومن شر مَا ينزل فيها، ومن شر فتن الليل والنَّهَارَ، ومن شر كُلّ طارق يطرق إِلا طارقًا يطرق بخَيْر يَا رحمن. قَالَ: فطفئت نارهم، وهزمهم الله . وفي صحيح مُسْلِم عَنْ أبي الدرداء أَنَّهُ قَالَ: قام رَسُول اللهِ ﷺ يصلي، فسمعناه يَقُولُ: «أعوذ بِاللهِ منك» . ثُمَّ قَالَ: أعلنك بلعنة الله ثلاثًا، وبسط يده يتناول شَيْئًا، فَلَمَّا فرغ من صلاته، قلنا: يَا رَسُول اللهِ سمعناك تَقُول شَيْئًا فِي الصَّلاة لم نسمعك تَقُول قبل ذَلِكَ، ورأيناك بسطت يدك. قَالَ: إن عدو الله إبلَيْسَ جَاءَ بشهاب من نار، ليجعله فِي وجهي، فَقُلْتُ: أعوذ بِاللهِ منك ثلاث مرات، ثُمَّ قُلْتُ: ألعَنْكَ بلعنة الله التامة فاستأخر، ثُمَّ أردت أن آخذه، ولولا دعوة أخينا سُلَيْمَانٌ لأصبح موثقًا يلعب به ولدان الْمَدِينَة. وكثيرًا من العباد يرى الكعبة تطوف به ويرى عرشًا عظيمًا، وعَلَيْهِ صورة عظيمة، ويرى أشخاصًا تصعد، وتنزل فيظنها الْمَلائِكَة ويظن أن تلك الصورة هِيَ الله، تَعَالَى وتقدس، وَيَكُون ذَلِكَ شيطانًا. وقَدْ جرت هَذِهِ الْقِصَّة لغير واحد من النَّاس، فمِنْهُمْ من عصمه الله

стр. 769

وعرف أَنَّهُ الشيطان، كالشَّيْخ عبد القادر فِي حكايته المشهورة، حيث قَالَ: كنت مرة فِي العبادة فرَأَيْت عرشًا عظيمًا، وعَلَيْهِ نور، فَقَالَ لي: يَا عبد القادر، أَنَا ربك، وَقَدْ حللت لَكَ مَا حرمت على غيرك. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ الله لا إله إِلا هُوَ، أخسأ يَا عدو الله. قَالَ: فتمزق ذَلِكَ النور، وصار ظلمة، وَقَالَ: يَا عبد القادر نجوت مني بفقهك فِي دينك، وعلمك ومنازلتك، فِي أحوالك، لَقَدْ فتنت بهذه الْقِصَّة سبعين رجلاً. فَقِيلَ لَهُ: كيف علمت أَنَّهُ الشيطان، قَالَ: بقوله: لي حللت لَكَ مَا حرمت على غيرك، وَقَدْ علمت أن شريعة مُحَمَّد لا تنسخ ولا تبدل، ولأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ربك، ولم يقدر أن يَقُولُ أنا الله الَّذِي لا إله إِلا أَنَا. ومن هؤلاء من اعتقَدْ أن المرئي هُوَ الله وصار هُوَ وأصحابه يعتقدون انهم يرون الله تَعَالَى، وفي اليقظة، ومستندهم مَا شاهدوه، وهم صادقون فيما يخبرون به، ولكن لم يعلموا أن ذَلِكَ هُوَ الشيطان. وَهَذَا قَدْ وقع كثيرًا لطوائف من جهال العباد يظن أحدهم أَنَّهُ يرى الله تَعَالَى بعينه فِي الدُّنْيَا لأن كثيرًا مِنْهُمْ رأى مَا ظن أَنَّهُ الله وإنما هُوَ شيطان. وكثير مِنْهُمْ من رأى من ظن أَنَّهُ نبي أَوْ رجل صالح أَوْ الخضر وكَانَ شيطانًا قَالَ: وَمِنْهُمْ من يظن أَنَّهُ ملك والملك يتميز عَنْ الجني بأمور كثيرة والجن فيهم الكفار والفساق والجهال وفيهم المؤمنون المتبعون لمُحَمَّد ﷺ فكثيرًا ممن لم يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة وإنما هم من الجن والشياطين. قَالَ: والشياطين يوالون من يفعل مَا يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان فتَارَّة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة، ليكاشف بها، وتَارَّة يؤذون من يريد أذاه، بقتل، أَوْ تمريض، ونحو ذَلِكَ. وتَارَّة يجلبون لَهُ مَا يريد، من الإنس وتَارَّة يسرقون لَهُ مَا يسرقونه من

стр. 770

أموال النَّاس من نقَدْ وطعام، وثياب وغير ذَلِكَ، فيعتقَدْ أَنَّهُ من كرامَاتَ الأَوْلِيَاء، وإنما يكون مسروقًا. وتَارَّة يحملونه فِي الهواء فيذهبون به إلى مكَانَ بعيد، فمِنْهُمْ من يذهبون به إلى مَكَّة عشية عرفة، ويعودون به فيعتقَدْ هَذَا كرامة، مَعَ أَنَّهُ لم يحج حج الْمُسْلِمِين لا أحرم ولا لبى ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة ومَعَ أن هَذَا من أعظم الضلال. انتهى باختصار. اللَّهُمَّ أنظمنا فِي سلك حزبك المفلحين، واجْعَلنَا من عبادك المخلصين وآمنا يوم الفزع الأكبر يوم الدين، واحشرنا مَعَ الَّذِينَ أنعمت عَلَيْهمْ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " موعظة " " فِي التَّحْذِيْر عَنْ الانْهِمَاكِ فِي الدُّنْيَا وَلَذَاتِهَا وَشَهَواتِهَا " عباد الله إن من نظر إلى الدُّنْيَا بعين البصيرة أيقن أن نعيمها ابتلاء، وحياتها عناء وعيشها نكد، وصفوها كدر وأهلها مَنْهَا على وجل إما بنعمة زائلة، أَوْ بلية نازلة أَوْ مَنيَّة قاضية. مسكين من اطمأن ورضي بدار حلالها حساب، وحرامها عقاب، إن أخذه من حلال حوسب عَلَيْهِ، وإن أخذه من حرام عذب به، من استغنى فِي الدُّنْيَا فتن، ومن افتقر فيها حزن، من أحبها أذلته، ومن التفت إليها ونظرها أعمته. شِعْرًا: (لَوْ كُنْتُ رَائِدَ قَوْمٍ ظَاعِنِينَ إلى ... دُنْيَاكَ هَذِي لَمَا أُلْفِيتَ كَذَّابَا) (لَقُلْتُ تِلْكَ بَلاءٌ نَبْتُهَا سَقَمٌ ... وَمَاؤُهَا الْعَذْبُ سُمٌ لِلْفَتَى ذَابَا)

стр. 771

وَكَمْ كشف للسامعين عَنْ حَقِيقَة الدُّنْيَا وبين لَهُمْ قصر مدتها وانقضاء لذتها بما يضرب من الأمثال الحسية، قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ . قَالَ بَعْضُهُمْ: مَيَّزْتَ بَيْنَ جَمَالِهَا وَفِعَالِهَا ... فَإِذَا الْمَلاحَةُ بِالْقَبَاحَةِ لا تَفِي حَلَفَتْ لَنَا أن لا تَخُونَ عُهُودَنَا ... فَكَأَنَّهَا لَنَا أَنْ لا تَفِي آخر: ... أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا غَضَارَةٌ أَيْكَةٍ ... إِذَا اخْضَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ هِيَ الدَّارُ مَا الآمَالُ إِلا فَجَائِعًا ... عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَاتُ إِلا مَصَائِبُ فَكَمْ سَخِنَتْ بِالأَمْسِ عَيْنٌ قَرِيرَةٌ ... وَقَرَّتْ عُيُونٌ دَمْعُهَا الآنَ سَاكِبُ فَلا تَكْتَحِلْ عَيْنَاكَ مِنْهَا بِعبرةٍ ... عَلَى ذَاهِب مِنْهَا فَإِنَّكَ ذَاهِبُ آخر: ... لِلْمَوْتِ فِينَا سِهَامٌ غَيْرُ مُخْطِئَةً ... مَنْ فَاتَهُ الْيَوْمَ سَهْمٌ لَمْ يَفُتْهُ غَدَا مَا ضَرَّ مَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا وَغَدرَتَها ... أَنْ لا يُنَافِسَ فِيهَا أَهْلَهَا أَبَدَا آخر: ... لَحَى الله ذِي الدُّنْيَا مَرَادًا وَمَنْزِلاً ... فَمَا أَغْدَرَ الْمَثْوَى وَمَا أَوْبَأ الْمَرْعَى تَدَلَّلُ كَالْحَسْنَاءِ فِي حُسْنِ وَجْهِهَا ... وَلَكِنَّهَا فِي قُبْح أَفْعَالِهَا أَفْعَى نَرَى أَنَّنَا نَسْعَى لِخَيْرٍ نَنَالُهُ ... وَقَدْ وَطِئَتْ أَقْدَامُنَا حَيَّةً تَسْعَى " فَصْلٌ " شرح لَنَا العليم الحكيم فِي هَذِهِ الآيَة المتقدمة حال الدُّنْيَا التي إفتتن النَّاس بها الَّذِينَ قصر نظرهم وبين أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلا عَنْ الافتنان بها والانهماك فِي طلبها وقتل الوَقْت فِي تحصيلها بأنها لعب لا ثمرة فيه سِوَى التعب، ولهو تشغل صاحبها وتلهيه عما ينفعه فِي آخرته،

стр. 772

وزينة لا تفيد المفتون بها شرفًا ذاتيًا كالملابس الجميلة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة الواسعة، وتفاخر بالأنساب والعظام البالية ومباهات بكثرة الأموال والأولاد وعظم الجاه. ثُمَّ أشار جل شأنه إلى أنها مَعَ ذَلِكَ سريعة الزَوَال، قريبة الاضمحلال، كمثل غيث راق الزراع نباته الناشئ به، ثُمَّ يهيج ويتحرك وينمو إلى أقصى مَا قدره الله لَهُ فسرعان مَا تراه مصفرًا متغيرًا ذابلاً بعدما رأيته أخضر ناضرًا، ثُمَّ يصير من اليبس هَشِيمًا متكسرًا، ففيه تشبيه جميع مَا فِي الدُّنْيَا من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل ويتلاشى فِي أقل من سنة. إشارة إلى سرعة زوالها وقرب فنائها، وبعد مَا بين جَلَّ وَعَلا حقارة الدُّنْيَا وسرعة زوالها تزهيدًا فيها، وتنفيرًا وتحذيرًا من الانهماك فِي طلبها أشار إلى فخامة شأن الآخِرَة وفظاعة مَا فيها من الآلام وعظم مَا فيها من اللذات ترهيبًا من عذابها الأَلِيمِ، وترغيبًا فِي تحصيل النَّعِيم الْمُقِيم والعيش السَّلِيم مِمَّا لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وَالنَّاسُ فِيهَا قسمان فطناء قَدْ وفقهم الله فعلموا أنها ظِلّ زائل ونعيم حائل وأضغاث أحلام، بل فهموا أنها نعم فِي طيها نقم، وعرفوا أنها حياة فانية، وأنها معبر وطَرِيق إلى الحياة الباقية، فرضوا مَنْهَا باليسير، وقنعوا مَنْهَا بالقليل، فاستراحت قُلُوبهمْ من همها وأحزانها واستراحت أبدانهم من نصبها، وعنائها، وسلم لَهُمْ دينهم، وكَانُوا عِنْدَ الله هم المحمودين، فَلَمْ تشغلهم دنياهم عَنْ طاعة مولاهم. جعلوا النفس الأخَيْر وَمَا وراءه نصب أعينهم، وتدبروا ماذا يكون مصيرهم، وفكروا كيف يخرجون من الدُّنْيَا، وإيمانهم سالم لَهُمْ وَمَا الَّذِي يبقى معهم مَنْهَا فِي قبورهم، وَمَا الَّذِي يتركونه لأعدائهم فِي الدُّنْيَا، ومن لا يغنيهم من الله شَيْئًا ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ ، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً﴾ ،

стр. 773

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ ويبقى عَلَيْهمْ وبال مَا جمعوا وَمَا عمروا فِي غير طاعة الله. أدركوا كُلّ هَذَا فتأهبوا للسفر الطويل وأّعدوا الجواب للحساب، وقدموا الزَّاد للمعاد وخَيْر الزَّاد التَّقْوَى، فطُوبَى لَهُمْ خافوا فآمنوا وأحسنوا ففازوا وأفلحوا. وَقَالَ بعض الْعُلَمَاء يذم الدُّنْيَا ويحذر عَنْهَا. شِعْرًا: ... وَلَمْ يَطْلُبْ عُلُوَّ الْقَدْرِ فِيهَا ... وَعِزَّ النَّفْسِ إِلا كُلُّ طَاغِ وَإِنْ نَالَ النُّفُوسَ مِن الْمَعَالِي ... فَلَيْسَ لَنَيْلِهَا طَيْبُ الْمَسَاغِ إِذَا بَلَغَ الْمُرَادَ عُلاً وَعِزًّا ... تَوَلَّى وَاضْمَحَلَّ مَعَ الْبَلاغِ كَقَصْرٍ قَدْ تَهَدَّمَ حَافَتَاهُ ... إِذَا صَارَ الْبِنَاءُ إِلى الْفَرَاغِ أَقُولُ وَقَدْ رَأَيْتُ مُلُوكَ عَصْرِي ... أَلا لا يَبْغِيَنَّ الْمُلْكَ بَاغِ آخر: ... هِيَ الدُّنْيَا تَقُولُ بِمِلءِ فِيهَا ... حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي فَلا يَغْرُرْكُمُوا مِنِّي ابْتِسَامٌ ... فَقَوْلِي مُضْحِكٌ وَالْفِعْلُ مُبْكِي آخر: ... أفّ مِن الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا ... كَأَنَّهَا لِلْحُزْنِ مَخْلُوقَةْ هُمُومُهَا مَا تَنْقَضِي سَاعَةً ... عَنْ مَلِكٍ فِيهَا وَلا سُوقَةْ آخر: ... زَهِدْتُ فِي الْخَلْقِ طُرًا بَعْدَ تَجْرِبةً ... وَمَا عَليَّ بِزُهْدِي فِيهِمُ دَرَكُ إِنِّي لا عَجْبُ مِنْ قَوْمٍ يَقُودُهُمُوا ... حِرْصٌ إلى بُرَّةٍ مُلْكًا لِمَنْ مَلَكُوا أَوْ أَنْ يَذِلُّوا لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعٍ ... وَفِي خَزَائن رَبِّ الْعِزَّةِ إِشْتَرَكوا أَمَا وَرَبك لَوْ دَانُوا بِمَعْرِفَةٍ ... لَقَدْ أَصَابُوا بِهَا الْمَرْغُوبَ لَوْ سَلُكُوا مَنْ ذَا تُمَدُّ إِلَيْهِ الْكَفُّ فِي طَلَبِ ... بِمَا عَلَيْهَا وَأَنْتَ الْمَالِكُ الْمَلِكُ آخر: ... عَجِبْتُ لِمَخْلُوقٍ يُبَالِغُ فِي الثَّنَا ... عَلَى بَعْضِ خَلْقِ اللهِ يَرْجُ الدَّرَاهِمَا وَيَنْسَى الَّذِي مِنْهُ الْغِنَى وَلَهُ الثَّنَا ... وَيَأْمُرُ مَنْ يُعْطِي وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَا آخر: ... إِنَّ لله عِبَادًا فُطَنَا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا علمُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيّ سَكَنَا جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا

стр. 774

آخر: ... دَعِ الْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا ... وَفِي الْعَيْشِ فَلا تَطْمَعْ وَلا تَجْمَعْ مِن الْمَالِ ... فَلا تَدْرِي لِمَنْ تَجْمَعْ فَإِنَّ الرزقَ مَقْسُومٌ ... وَسُوءُ الظَّنِّ لا يَنْفَعْ فَقِيرٌ كُلُّ ذِي حِرْصٍ ... غَنِيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ آخر: ... لا تَبْخَلَنَّ بِدُنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ ... فَلا يَضُرُّ بِهَا التَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ وَإِنْ تَولَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا ... فَالشُّكْرُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ آخر: ... إِذَا كُنْتَ ذَا مَالٍ وَلَمْ تَكُ ذََا نَدَى ... فَأَنْتَ إِذَا وَالْمُقْتِرِينَ سَوَاءُ آخر: ... وَأَخْسَرُ النَّاسِ سَعْيًا مَنْ قَضَى عُمُرًا ... فِي غَيْرِ طَاعَةِ مَنْ أَنْشَاهُ مِنْ عَدَمِ آخر: ... لا تَغْتَرِبْ عَنْ وَطَنٍ ... تَزْدَادُ فِيهِ مِنْ تُقَى رَبٍّ جَوَدٍ مَاجِدٍ ... مَا لَهُ شَرِيكٌ يَا فَتَى أَكْثرْ هُدِيتَ ذِكْرَهُ ... تَنَلْ بِهِ الأَجْرَ الْجَسِيمْ يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَا ... تَحْظَى بِجَنَّاتِ النَّعِيمْ اللَّهُمَّ ألحقنا بعبادك الأَبْرَار وأسكنا الْجَنَّة دار الْقَرَار وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِين الأحياء مِنْهُمْ والميتين بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. " فَصْلٌ ": والقسم الثاني من النَّاس جهال عمي البصائر لم ينظروا فِي أمرها ولم يكشفوا سوء حالها ومآلها، برزت لَهُمْ بزنتها ففتنتنهم، فإليها أخلدوا، وبها رضوا، ولها اطمأنوا، حَتَّى ألهتهم عَنْ الله تَعَالَى، وشغلتهم عَنْ ذكر الله، وطاعته، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . قَالَ تَعَالَى: ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ .

стр. 775

نعم إنهم نسوا الله وأهملوا حقوقه وَمَا قدروه حق قدره، ولم يراعوا لإنهماكهم فِي الدُّنْيَا وتهالكهم عَلَيْهَا مواجب أوامره ونواهيه حق رعايتها، فأنساهم أنفسهم آنساهم مصالحهم وأغفلهم عَنْ منافعها وفوائدها فصار أمرهم فرطًا فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنًا لا يمكن تداركه ولا يجبر كسره، وسيرون يوم القيامة من الأهوال مَا ينسيهم أرواحهم، وجعلهم حيارى ذاهلين يوم تذهل كُلّ مرضعة عَنْ مَا أرضعت وتضع كُلّ ذات حمل حملها وتَرَى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. وفي مثل هَذَا يَقُولُ أحد الْعُلَمَاء: اجتهادك فيما ضمن لَكَ مَعَ تقصيرك فيما طلب منك دَلِيل على انطماس بصيرتك. أقاموا الدُّنْيَا فهدمتهم، واغتروا بها من دون الله فأذلتهم، أكثروا فيها من الآمال وأحبوا طول الآجال ونسوا الموت وَمَا بعده من الشدائد فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . شِعْرًا: ... إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ الْمَعَاصِي ... وَلَمْ تَسْتَحِيي فَاصْنَعَ مَا تَشَاءُ إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْبٍ قَنُوعٍ ... فَأَنْتَ وَمَالِكَ الدُّنْيَا سَوَاءُ وروى الترمذي مِنْ حَدِيثِ أَنَس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : «من كَانَتْ الآخِرَة همه جعل الله غناه فِي قَلْبهُ وجمَعَ عَلَيْهِ شمله وأتت الدُّنْيَا وهي راغمة، ومن كَانَتْ الدُّنْيَا همه جعل فقره بين عينيه وفرق عَلَيْهِ شمله ولم يأته من الدُّنْيَا إِلا مَا قدر لَهُ، فلا يمسي إِلا فقيرًا ولا يصبح إِلا فقيرًا» . وما أقبل عبد على الله إِلا جعل الله قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ تنقاد إليه بالود والرحمة، وكَانَ الله بكل خَيْر إليه أسرع. أ. هـ. وَقَالَ فِي عدة الصابرين، وَقَدْ أخبر ﷺ أنها لو ساوت عِنْدَ الله جناح
следующие страницы →